← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

إلى ضابط فجاز جعل الثلاث ضابطاً لها، قال شيخنا ويحتمل أن يكون شربه بعد الثلاث إذا لم يغل مكروهاً غير محرم فإن أحمد لم يصرح بالتحريم وقال في موضع أكرهه وذلك لأن النبي ﷺ لم يكن يشربه بعد ثلاث (مسألة) (وقال أبو الخطاب عندي أن كلام أحمد في ذلك محمول على عصير الغالب أنه يتخمر في ثلاثة أيام) (فصل) وكذلك النبيذ مباح ما لم يغل أو يأتي عليه ثلاثة أيام والنبيذ ما يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلوا به الماء وتذهب ملوحته فلا بأس به ما لم يغل أو يأتي عليه ثلاثة أيام لما روينا عن ابن عباس، وقال أبو هريرة علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو ينش فقال (اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر) رواه أبو داود ولأنه إذا بلغ ذلك صار مسكراً وكل مسكر حرام

стр. 6092

(مسألة) (ولا يكره أن يترك في الماء تمر أو زبيب ونحوه ليأخذ ملوحته ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث لما ذكرنا في الفصل الذي قبله (مسألة) (ولا يكره الانتباذ في الدباء والختم (والحنتم) والنقير والمزفت) يجوز الانتباذ في الأوعية كلها وعن أحمد أن يكره الانتباذ في الدباء والختم (والحنتم) والنقير والمزفت لأن النبي ﷺ نهى عن الانتباذ فيها والدباء اليقطين والختم (والحنتم) الجرار والنقير الخشب والمزفت الذي يطلى بالزفت والصحيح أنه لا يكره لما روى بريدة أن رسول الله ﷺ قال (نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن نهيتكم عن الأشربة أن لا تشربوا إلا في ظروف الادم فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا) رواه مسلم وهذا دليل على نسخ النهي ولا حكم للمنسوخ (فصل) وما طبخ من النبيذ والعصير قبل غليانه حتى صار غير مسكر كالدبس ورب الخروب وغيرهما من المربيات والسكر فهو مباح لأن التحريم إنما ثبت في المسكر ففيما عداه يبقى على أصل

стр. 6093

الإباحة وما أسكر كثيره فقليله حرام سواء ذهب منه الثلثان أو أقل أو أكثر قال أبو داود سألت أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثه وبقي ثلثه قال لا بأس به قيل لاحمد إنهم يقولون إنه يسكر قال لا يسكر لو كان يسكر ما أحله عمر (مسألة) (ويكره الخليطان وهو أن ينبذ شيئين كالتمر والزبيب) لأن النبي ﷺ نهى عن الخليطين، وقال أحمد الخليطان حرام وقال في رجل ينقع الزبيب والتمر الهندي والعناب ونحوه ينقعه غدوة ويشربه عشية للدواء: أكرهه لأنه نبيذ ولكن يطبخه ويشربه على المكان وقد روى أبو داود بإسناده عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعاً ونهى أن ينتبذ التمر والزبيب جميعاً، وفي رواية انتبذوا كل واحد على حدة وعن أبي قتادة قال نهى النبي ﷺ أن يجمع بين التمر والزهو والتمر والزبيب ولينتبذ كل واحد منهما على حدة متفق عليه قال القاضي يعني أحمد بقوله هو حرام إذا اشتد وأسكر وإذا لم يسكر لم يحرم وهذا هو الصحيح إن شاء

стр. 6094

الله وانا نهى النبي ﷺ لعلة إسراعه إلى السكر المحرم فإذا لم يوجد لم يثبت التحريم كما أنه ﵇ نهى عن الانتباذ في الأوعية المذكورة لهذه العلة ثم أمرهم بالشرب فيها ما لم توجد حقيقة الاسكار وقد دل على صحة هذا ماروي عن عائشة قالت كنا ننبذ لرسول الله ﷺ فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحها فيه ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية وننبذه عشية فيشربة غدوة رواه أبو داود وابن ماجة فلما كانت مدة الانتباذ قريبة وهي يوم وليلة لا يتوهم الاسكار فيها لم يكره ولو كان مكروهاً لما فعل هذا في بيت النبي ﷺ له فعلى هذا لا يكره ما كان في المدة اليسيرة ويكره ماكان في مدة يحتمل إفضاؤه إلى الاسكار ولا يثبت التحريم ما لم يغل أو تمضي عليه ثلاثة أيام (مسألة) (ولا بأس بالفقاع وبه قال إسحاق وابن المنذر) قال شيخنا ولا أعلم فيه خلافاً لأنه لا يسكر وإذا ترك يفسد بخلاف الخمر والأشياء على الإباحة ما لم يرد بتحريمها حجة (فصل) والخمرة إذا افسدت فصيرت خلا لم تحل، وإن قلب الله عينها فصارت خلا فهي حلال

стр. 6095

روي هذا عن عمر بن الخطاب ﵁ وبه قال الزهري ونحوه قول مالك وقال الشافعي إن القي فيها شئ يفسدها كالملح فتخللت فهي على تحريمها وإن نقلت من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس فتخللت ففي إباحتها قولان وقال أبو حنيفة تطهر في الحالين لأن علة تحريمها زالت بتخليلها فطهرت كما لو تخللت بنفسها يحققه أن التطهير لا فرق فيه بين ما حصل بفعل الله تعالى وفعل الآدمي كتطهير الثوب والبدن والأرض ونحو هذا قول عطاء وعمرو بن دينار والحارث العكلي وذكره أبو الخطاب وجهاً في مذهبنا

стр. 6096

ولنا ماروى أبو سعيد قال كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت المائدة سألت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله إنه ليتيم قال (أهريقوه) رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن أنس قال سئل رسول الله ﷺ ايتخذ الخمر خلا؟ قال (لا) رواه مسلم والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي طلحة أنه سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً فقال (أهرقها) قال: أفلا أخللها؟ قال (لا) رواه أبو داود وهذا نهي يقتضي التحريم ولو كان إلى استصلاحها سبيل لم تجز

стр. 6097

إراقتها بل أرشدهم إليه سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم ولأنه إجماع الصحابة فروي أن عمر ﵁ صعد المنبر فقال لا يحل خل خمر أفسدت حتى يكون الله تعالى هو الذي تولى إفسادها ولا بأس على مسلم ابتاع من أهل الكتاب خلا ما لم يتعمد لافسادها، رواه أبو عبيد في الأموال بنحو من هذا المعنى وهذا قول يشتهر لأنه خطب به الناس على المنبر فلم ينكر، فأما إذا انقلبت بنفسها فإنها تطهر وتحل في قول جميعهم فقد روي عن جماعة من الأوائل أنهم اصطبغوا بخل خمر منهم علي وأبو الدرداء ورخص فيه الحسن وسعيد بن جبير وليس في شئ من أخبارهم أنهم اتخذوه خلا ولأنه انقلب بنفسه لكن قد بينة عمر بقوله لا يحل خل خمرأفسدت حتى يكون الله تعالى هو الذي يتولى

стр. 6098

إفسادها ولأنها إذا انقلبت بنفسها فقد زالت علة تحريمها من غير علة خلفتها فطهرت كالماء إذا زال تغيره بمكثه، وإذا ألقي فيها شئ ينجس بها ثم انقلبت بقي ما ألقي فيها نجساً فنجسها وحرمها فأما إن نقلها من موضع إلى آخر فتخللت من غير أن يلقي فيها شيئاً فإن لم يكن قصد تخليلها حلت بذلك لأنها تخللت بفعل الله تعالى فيها، وإن قصد بذلك تخليلها احتمل أن تطهر لأنه لا فرق بينهما إلا القصد فلا يقتضي تحريمها ويحتمل أن لا تطهر لأنها خللت فلم تطهر كما لو ألقي فيها شئ

стр. 6099

باب التعزير وهو التأديب وهو واجب في كل معصية لاحد فيها ولا كفارة كالاستمتاع الذي لا يوجب الحد واتيان المرأة المرأة وسرقة مالا يوجب القطع والجناية على الناس بما لاقصاص فيه والقذف بغير الزنا ونحوه والنهب والغصب والاختلاس، وسمي تعزيراً لأنه يمنع من الجناية والأصل في التعزير المنع ومنه التعزير بمعنى النصرة لأنه منع لعدوه من أذاه

стр. 6100

(مسألة) (ومن وطئ جارية امرأته فعليه الحد إلا أن تكون قد احلتها له فيجلد مائة وهل يلحقه نسب ولدها؟ على روايتين) أما إذا وطئ جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة ولا يرجم إن كان ثيباً وإن كان بكراً لم يغرب وإن لم تكن احلتها له فهو زان حكمه حكم الزاني بجارية الأجنبي، وحكي عن النخعي أنه يعزر ولا حد عليه لأنه يملك امرأته فكانت له شبهة في مملوكتها، وعن عمر وعلي وعطاء وقتادة ومالك والشافعي

стр. 6101

أنه كوطئ الأجنبية سواء احلتها له أو لم تحلها لأنه لا شبهة له فيها فأشبه جارية اخته ولانه إباحة لوطئ محرمة عليه فلم تكن شبهة كإباحة سائر الملاك وعن ابن مسعود والحسن إن كان استكرهها فعليه غرم مثلها وتعتق وإن كانت طاوعته فعليه غرم مثلها ويملكها لأن هذا يروى عن النبي ﷺ وقد رواه ابن عبد البر وقال هذا حديث صحيح ولنا ماروى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم أن رجلا يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع

стр. 6102

على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير الكوفة فقال لأقضين فيك بقضية رسول الله ﷺ إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة فوجدوها أحلتها له فجلدوه مائة

стр. 6103

(مسألة) (وهل يلحقه نسب ولدها إذا حملت من هذا الوطئ؟ على روايتين) (إحداهما) يلحق لانه وطئ لا يجب به الحد فلحق به النسب كوطئ الجارية المشتركة (والأخرى) لا يلحق به لأنه وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك أشبه الزنا المحض (مسألة) (ولا يسقط الحد بالإباحة في غير هذا الموضع) لعموم النصوص الدالة على وجوب الحد على الزاني وإنما سقط الحد في هذا الموضع لحديث النعمان

стр. 6104

(مسألة) (ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات في غير هذا الموضع) اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في قدر التعزير فروي عنه أنه لا يزاد على عشر جلدات نص عليه في مواضع وهو قول إسحاق لما روى أبو بردة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) متفق عليه

стр. 6105

(والرواية الثانية) لا يبلغ به الحد وهو الذي ذكره الخرقي فيحتمل أنه أراد لا يبلغ به أدنى حد مشروع وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، فعلى هذا لا يبلغ به أربعين سوطاً لأنها حد العبد في الخمر وهذا قول أبي حنيفة وإن قلنا أن حد الخمر أربعون لم يبلغ به عشرين سوطاً في حق العبد وأربعين

стр. 6106

في حق الحر وهذا مذهب الشافعي فلا يزاد العبد على تسعة عشر سوطا ولا الحر على تسعة وثلاثين وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ادنى الحدود ثمانون فلا يزاد في التعزير على تسعة وسبعين ويحتمل كلام احمد والخرقي أن لا يبلغ بكل جناية حداً مشروعاً في جنسها ويجوز أن يزيد على حد غير جنسها، فعلى هذا ماكان سببه الوطئ جاز أن يجلد مائة إلا سوطاً لينقص عن حد الزنا، وما كان سببه غير الوطئ لم يبلغ به أدنى الحدود لما ذكرنا من حديث النعمان بن بشير في الذي وطئ جارية امرأته بإذنها انه يجلد

стр. 6107

مائة وهذا تعزيز لأنه في حق المحصن إنما هو الرجم، وعن سعيد بن المسيب عن عمر في أمة بين رجلين وطئها أحدهما يجلد الحد إلا سوطاً واحداً رواه الأثرم واحتج به أحمد قال القاضي هذا عندي من نص أحمد لا يقتضي اختلافاً في التعزير بل المذهب أنه لا يزاد على عشر جلدات اتباعاً للأثر الا في وطئ

стр. 6108

جارية امرأته لحديث النعمان وفي الجارية المشتركة لحديث عمر وما عداهما يبقى على العموم لحديث أبي برده وهذا قول حسن، إذا ثبت تقدير أكثره فليس أقله مقدراً لأنه لو يقدر لكان حداً ولأن النبي ﷺ قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام أو الحاكم فيما يراه وما يقتضيه

стр. 6109

حال الشخص وقال مالك يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رأى الإمام لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالاً فبلغ عمر ﵁ فضربه مائة وحبسه وكلم فيه فضربة مائة أخرى فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه، وروى أحمد بإسناده

стр. 6110

إن علياً أتى بالنجاشي قد شرب خمراً في رمضان فضربة ثمانين الحد وعشرين سوطاً لفطره في رمضان وروي أن أبا الأسود استخلفه ابن عباس على قضاء البصرة فأتي بسارق قد كان جمع المتاع في البيت ولم يخرجه فقال أبو الأسود أعجلتم المسكين فضربه خمسة وعشرين سوطاً وخلى سبيله

стр. 6111

ولنا حديث أبي بردة وهو صحيح متفق عليه وروى الشالنجي بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال (من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين) ولأن العقوبة على قدر الإجرام والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمهما وما قالوه يفضي إلى أن

стр. 6112

من قبل امرأة حراماً يضرب أكثر من حد الزنا وهذا غير جائز لأن الزنا مع عظمه وفحشه لا يجوز أن يزاد على حده فما دونه أولى، فما حديث معن فلعله كانت له ذنوب كثيرة فأدب على جميعها أو تكرر منه الأخذ أو كان ذنبه مشتملاً على جنايات (أحدها) تزويره (والثاني) أخذه لمال بيت المال بغير حقه (والثالث) فتحه باب هذه الحيلة لغيره وغير هذا، وأما حديث النجاشي فإن علياً ضربه الحد لشربه ثم عزره عشرين لفطره فلم يبلغ بتعزيره حداً وقد ذهب أحمد إلى هذا ورأى أن من

стр. 6113

شرب الخمر في رمضان يحد ثم يعزر لجنايته من وجهين والذي يدل عل صحة ما ذكرناه ما روي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى أن لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا (فصل) والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ولا يجوز قطع شئ منه ولا جرحه ولا أخذ ماله لأن الشرع لم يرد بشئ من ذلك عن أحد يقتدى به ولأن الواجب أدب والتأديب لا يكون بالاتلاف وإن رأى الإمام العفو عنه جاز

стр. 6114

(فصل) والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام وبه قال مالك وابو حنيفة وقال الشافعي ليس بواجب لأن رجلاً جاء النبي ﷺ فقال (إني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها فقال (أصليت معنا؟) قال نعم فتلى عليه (إن الحسنات يذهبن السيئات) وقال في الأنصار (اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم) وقال رجل للنبي ﷺ في حكم حكم به للزبير: إن كان ابن عمتك؟ فغضب النبي ﷺ فلم يعزره على مقالته وقال له رجل: ان هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله

стр. 6115

ولنا أن ما كان من التعزير منصوصا عليه كوطئ جارية امرأته وجارية مشتركة فيحب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن منصوصاً عليه إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب فإنه زجر مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد، وإن رأى الإمام العفو عنه جاز لما ذكرنا من النصوص والله أعلم وإن كان التعزير لحق آدمي فطلبه لزم إجابته كسائر حقوق الآدميين (مسألة) (وإن استمنى بيده لغير حاجة عزر) لأنه معصية وإن فعله خوفاً من الزنا فلا شئ عليه لأنه لو فعل ذلك خوفاً على بدنه لم يلزمه شئ ففعله خوفاً على دينه أولى

стр. 6116

كتاب الجهاد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسولي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة) متفق عليه ولمسلم (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم) وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري (مسألة) (وهو فرض كفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين) معنى فرض الكفاية الذي اذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس وإن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع كفرض الأعيان ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل البعض وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره، والجهاد من فروض الكفايات في قول عوام أهل العلم، وحكي عن ابن المسيب أنه فرض عين لقوله تعالى (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله - ثم قال - إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) وقال سبحانه (كتب

стр. 6117

عليكم القتال) وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) رواه أبو داود ولنا قول الله تعالى (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى) وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ولأن رسول الله ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه. فأما الآية التي احتجوا بها فقد قال ابن عباس ﵄ نسخها قوله تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) رواه الاثرم وأبو داود. ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي ﷺ الى غزوة تبوك وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبة عليهم ولذلك هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وأصحابه الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم، وكذلك يجب على من استنفره الإمام لقول النبي ﷺ (وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم إما أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو

стр. 6118

(مسألة) (ولا يجب إلا على ذكر حر مكلف مستطيع وهو الصحيح الواجد لزاده وما يحمله إذا كان بعيداً) يشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط: الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورية والسلامة من الضرر ووجود النفقة، فأما الإسلام والبلوغ والعقل فهي شروط لوجوب سائر الفروع، ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد، والصبي ضعيف البنية، وقد روي عن ابن عمر ﵄ قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في المقاتلة: متفق عليه، وأما الحرية فتشترط لما روي أن النبي ﷺ كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد، ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم تجب على العبد كالحج، وأما الذكورية فتشترط لما روت عائشة ﵂ قالت قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال (جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة) ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها وخورها ولذلك لا يسهم لها، ولا يجب على خنثى مشكل لأنه لا يعلم كونه ذكراً فلا يجب عليه مع الشك في شرطه، وأما السلامة من الضرر فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض وذلك شرط لقول الله سبحانه (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) ولأن هذه الأعذار يمنعه من الجهاد، فأما العمى فمعروف، وأما العرج فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيد

стр. 6119

والركوب كالزمانة ونحوها، اما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي وإنما يتعذر عليه شدة العدو فلا يمنع وجوب الجهاد لأنه ممكن منه فأشبه الأعور، والمرض المانع هو الشديد، فأما اليسير الذي لا يمنع الجهاد كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع الوجوب كالعور، وأما وجود النفقة فيشترط لقول الله تعالى [ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله] ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فاعتبرت القدرة عليها، فإن كان الجهاد على مسافة قريبة اشترط أن يجد الزاد ونفقة عياله في مدة غيبته وسلاحا يقاتل به، ولا تعتبر الراحلة لقرب السفر، وإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة اعتبر مع ذلك الراحلة لقول الله تعالى [ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناألا يجدوا ما ينفقون] (مسألة) (وأقل ما يفعل مرة في كل عام إلا أن تدعو الحاجة إلى تأخيره) أقل ما يفعل الجهاد في كل عام مرة لأن الجزية تجب على أهل الذمة مرة في كل عام وهي بدل عن النصرة فكذلك مبدلها وهو الجهاد فإن دعت الحاجة إلى تأخيره مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة أو يكون متنظرا لمدد يستعين به أو يكون في الطريق إليهم مانع أو ليس فيها علف أو ماء أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام ويطمع في إسلامهم إن أخر قتالهم ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال فيجوز تركه بهدنة وبغير هدنة فإن النبي ﷺ قد صالح قريشاً عشر سنين وأخر

стр. 6120

قتالهم حتى نقضوا عهده وأخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة، وإن دعت الحاجة الى القتال في عام أكثر من مرة وجب لأنه فرض كفاية فوجب منه ما تدعو الحاجة اليه (فصل) (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد أو حضر العدو بلده تعين عليه) وجملة ذلك أن الجهاد يتعين في ثلاثة مواضع (أحدها) إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان يحرم على من حضر الانصراف ويتعين عليه المقام لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا - وقوله - يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروازحفا فلا تولوهم الأدبار) الآية (الثاني) إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم (الثالث) إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟) الآية ولقول النبي ﷺ (وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه (مسألة) (وأفضل ما يتطوع به الجهاد) قال أحمد ﵀ لا أعلم شيئاً من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد روى ذلك عنه جماعة من أصحابه قال الأثرم قال أحمد لا نعلم شيئاً من أبواب البر أفضل من السبيل وقال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وذكر له أمر الغزو فجعل يبكي ويقول ما من أعمال البر أفضل منه وقال عنه غيره ليس يعدل لقاء العدو شئ ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال والذين يقاتلون العدو هم الذين

стр. 6121

يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم، وقد روى ابن مسعود ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال (الصلاة بمواقيتها - قلت ثم أي؟ قال - بر الوالدين - قلت - ثم أي؟ قال - الجهاد في سبيل الله) متفق على معناه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو هريرة قال سئل رسول الله ﷺ أي الاعمال افضل؟ اواي الأعمال خير؟ قال (الإيمان بالله ورسوله - قيل ثم أي شئ؟ قال - الجهاد سنام العمل - قيل ثم أي قال - حج مبرور) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو سعيد قال قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال (من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله) متفق عليه وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال (ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى الخلال بإسناده عن الحسن قال قال رسول الله ﷺ (والذي نفسي بيده مابين السماء والأرض من عمل أفضل من جهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لارفث فيها ولافسوق ولا جدال) ولأن الجهاد بذل المهجة والمال ونفعه يعم المسلمين كلهم صغيرهم وكبيرهم وقويهم وضعيفهم ذكرهم وأنثاهم وغيره لا يساويه في نفعه وخطره فلا يساويه في فضله

стр. 6122

(مسألة) [وغزو البحر أفضل من البر] غزو البحر مشروع وفضله كبير قال أنس بن مالك نام رسول الله؟ ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك قالت أم حرام فقلت ما يضحكك يارسول الله؟ قال (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبح هذا البحر ملوكاً على الأسرة - أو - مثل الملوك على الأسرة) متفق عليه قال ابن عبد البر: أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم خالة رسول الله ﷺ من الرضاعة أرضعته أخت لهما ثالثة ولم يرو هذا عن أحد سواه وأظنه إنما قال هذا لأن النبي ﷺ كان ينام في بيتها وينظر إلى شعرها ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب وروى أبو داود باسناده عن أم حرام عن النبي ﷺ أنه قال (المائد في البحر الذي يصيبه القئ له أجر شهيد والغرق له أجر شهيدين) وروى ابن ماجة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال (شهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين) ولأن البحر اعظم خطراومشقة فإنه بين خطر العدو وخطر الغرق ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضل من غيره [فصل] وقتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم وكان ابن المبارك ﵁ يأتي من مرو لغزو الروم فقيل له في ذلك فقال إن هؤلاء يقاتلون على دين وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لأم خلاد (إن ابنك له أجر شهيدين) قالت ولم ذاك يا رسول الله؟ قال (لأنه قتله أهل الكتاب) رواه أبو داود

стр. 6123

(مسألة) (ويغزى مع كل بر وفاجر) يعني مع كل إمام براً كان أو فاجراً وقد سئل أحمد عن الرجل يقول أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس إنما يوفر الفئ عليهم فقال سبحان الله هؤلاء قوم سوء هؤلاء القعدة مثبطون جهال فيقال أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً) وبإسناده عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله الا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار) ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطعه وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكافر وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) (فصل) قال أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين فإن كان يعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه إنما ذلك في نفسه ويروى عن النبي ﷺ (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) (مسألة) (ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو) .

стр. 6124

الأصل في هذا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ولأن الأقرب أكثر ضرراً وفي قتاله دفع ضرره عن المقاتل له وعمن وراءه ولأن الأشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه قيل لأحمد ﵀: يحكون عن ابن المبارك أنه قيل له تركت قتال العدو عندك وجئت إلى ههنا قال؟ هؤلاء أهل كتاب؟ فقال أبو عبد الله سبحان الله ما أدري ما هذا القول يترك العدو عنده ويجئ إلى ههنا؟ أفيكون هذا؟ أو يستقيم هذا؟ وقد قال الله تعالى [قاتلوا الذين يلونكم من الكفار] ولو أن أهل خراسان كلهم عملوا على هذا لم يجاهد الترك أحد وهذا والله أعلم إنما فعله ابن المبارك لكونه متبرعا بالجهاد والكفاية حاصلة بغيره من أهل الديوان واجناد المسلمين والمتبرع له ترك الجهاد بالكلية فكان له أن يجاهد حيث شاء ومع من شاء. إذا ثبت هذا فإن كان له عذر في البداية بالأبعد لكونه أخوف أو لمصلحة في البداية به لقربه وامكان الفرصة منه أو لكون الأقرب مهادناً أو يمنع مانع من قتاله فلا بأس بالبداية بالأبعد للحاجة. (فصل) وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك وينبغي أن يبتدئ بترتيب قوم في أطراف البلاد يكفون من بازائهم من المشركين ويأمر بعمل حصونهم وحفر خنادقم وجميع مصالحهم ويؤمر في كل ناحية أميراً يقلدهم أمر الحرب وتدبير الجهاد ويكون ممن له رأي وعقل ونجدة وبصر بالحرب ومكايدة العدو مع أمانة ورفق بالمسلمين ونصح لهم وإنما يبدأ

стр. 6125

بذلك لأنه لا يأمن عليها من المشركين، ويغزو كل قوم من يليهم إلا أن يكون في بعض الجهات من لا يكفيه من يليه فينجدهم بقوم آخرين ويكونون معهم ويوصي من يؤمره أن لا يحمل المسلمين على مهلكة ولا يأمرهم بدخول مطمورة يخاف أن يقتلوا تحتها فان فعل ذلك فقد أساء ويستغفر الله تعالى ولا عقل عليه ولا كفارة إذا أصيب واحد منهم بطاعته لأنه فعل ذلك باختياره، فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره، وإن حصلت غنيمة قسموها على موجب الشرع، قال القاضي وتؤخر قسمه الإماء حتى يقوم إمام احتياطاً للفروج فإن بعث الإمام جيشاً وأمر عليهم أميراً فقتل أو مات فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي ﷺ في جيش مؤتة لما قتل أمراؤهم أمروا عليهم خالد بن الوليد فبلغ النبي ﷺ فرضي أمرهم وصوب رأيهم وسمى خالداً يومئذ (سيف الله) [فصل] قال أحمد قال عمر ﵁ وفروا الأظفار في أرض العدو فإنه سلاح قال أحمد يحتاج إليها في أرض العدو ألا ترى أنه إذا أراد أن يحل الحبل أو الشئ فإذا لم يكن له اظفار لم يستطع وقال عن الحكم بن عمرو أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نحفي الأظفار في الجهاد فإن القوة الأظفار [فصل] قال أحمد يشيع الرجل إذا خرج ولا يتلقونه شيع علي ﵁ إن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ولم يتلقه، وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام ويزيد راكب وأبو بكر ﵁ يمشي فقال

стр. 6126

له يزيد يا خليفة رسول إما أن تركب وإما أن أنزل انا فامشي معك فقال لا أركب ولا تنزل إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله تعالى، وشيع أبو عبد الله أبا الحارث الصائغ ونعلاه في يديه وذهب إلى فعل أبي بكر ﵁ أراد أن تغبر قدماه في سبيل الله وقال عن عوف بن مالك الخثعمي عن النبي ﷺ (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) قال أحمد ليس للخثعمي صحبة وهو قديم (مسألة) (وتمام الرباط أربعون يوما وهو لزوم الثغر للجهاد) معنى الرباط الإقامة بالثغر مقويا للمسلمين على الكفار والثغر كل مكان يخيف أهل العدو ويخيفهم وأصله من رباط الخيل لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم كل يعد لصاحبه فسمي المقام بالثغر رباطاً وإن لم يكن خيل، وفيه فضل عظيم وأجر كبير قال أحمد ليس يعدل الجهاد والرباط شئ والرباط دفع عن المسليمن وعن حريمهم وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو فالرباط عندي أصل الجهاد وفرعه والجهاد أفضل منه للعناء والتعب والمشقة وقد روي في فضل الرباط أخبار منها ما روى سلمان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن الفتان) رواه مسلم وعن فضالة بن عبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه

стр. 6127

ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن عثمان بن عثمان ﵁ أنه قال على المنبر: إني كنت كتمتكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني ثم بدا لي أن أحدثكموه ليختار أمرؤ منكم لنفسه سمعت رسول الله ﷺ يقول (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) رواه أبو داود والاثرم وغيرهما. إذا ثبت هذا فإن الرباط يقل ويكثر فكل مدة أقامها بنية الرباط فهي رباط قلت أو كثرت ولهذا قال النبي ﷺ (رباط يوم - ورباط ليلة) قال أحمد يوم رباط وليلة رباط وساعة رباط وقال عن أبي هريرة ﵁ من رابط يوما في سبيل الله كتب له أجر الصائم القائم ومن زاد زاده الله، وروى سعيد بإسناده عن أبي هريرة قال رباط يوم في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين مسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ ومن رابط أربعين يوما فقد استكمل الرباط وتمام الرباط أربعون يوماً روى ذلك عن أبي هريرة ﵁ وقد ذكرنا خبر أبي هريرة، وروى أبو الشيخ في كتاب الثواب بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال (تمام الرباط أربعون يوما) وروى نافع عن ابن عمر ﵄ أنه قدم على عمر بن الخطاب من الرباط فقال له كم رابطت قال ثلاثين يوماً قال عزمت عليك إلا رجعت حتى تتمها أربعين يوماً فإن رابط أكثر فله أجره كما قال أبو هريرة ومن زاد زاده الله (فصل) وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفاً لأنهم أحوج ومقامه به أنفع قال أحمد رحمه

стр. 6128

الله: أفضل الرباط أشدهم كلبا وقيل لأبي عبد الله فأين أحب إليك أن ينزل الرجل بأهله؟ قال كل مدينة معقل للمسلمين مثل دمشق وقال أرض الشام أرض المحشر ودمشق موضع يجتمع الناس إليه إذا غلبت الروم، قيل لأبي عبد الله فهذه الأحاديث التي جاءت (إن الله تكفل لي بأهل الشام) ونحو هذا قال ما أكثر ما جاء فيه، وقيل له إن هذا في الثغور فأنكره وقال أرض القدس أين هي ولا يزال أهل الغرب ظاهرين؟ هم أهل الشام ففسر أحمد الغرب في هذا الحديث بالشام وهو صحيح رواه مسلم وإنما فسره بذلك لأن الشام يسمى مغرباً لأنه مغرب للعراق كما يسمى العراق مشرقاً ولهذا قيل ولأهل المشرق ذات عرق وقد جاء في حديث مصرحاً به (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم بالشام) وفي حديث مالك بن يخامر عن معاذ ﵁ قال (وهم بالشام) رواه البخاري وروى في تاريخه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (لا تزال طائفة بدمشق ظاهرين) وقد روي في الشام أخبار كثيرة منها حديث عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ أن النبي ﷺ قال (ستجندون أجناداً جنداً بالشام وجندا بالعراق وجنداً باليمن فقلت خرلي يا رسول الله قال عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده فمن أبى فليلحق باليمن ويشق من غدره فإن الله تكفل لي بالشام وأهله) رواه أبو داود بمعناه وكان أبو إدريس إذا روى هذا الحديث قال ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه وروي عن الأوزاعي قال أتيت المدينة فسألت من

стр. 6129

بها من العلماء؟ فقيل محمد بن المنكدر ومحمد بن كعب القرظي ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فقلت والله لأبدأن بهذا قبلهم فدخلت إليه فأخذ بيدي وقال من أي إخواننا أنت؟ قلت من أهل الشام قال من أيهم؟ قلت من أهل دمشق قال حدثني أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال (يكون للمسلمين ثلاث معاقل فمعقلهم في الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء)) رواه أبو نعيم في الحلية وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام) رواه أبو داود (مسألة) (ولا يستحب نقل أهله إليه وقال رسول الله ﷺ (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) قد ذكرنا هذا الحديث وهو صحيح رواه أبو داود وغيره واراد بالثغر ههنا الثغر المخوف وهذا قول الحسن والاوزاعي لما روى يزيد بن عبد الله قال قال: عمر ﵁ لا تنزلوا المسلمين ضفة البحر رواه الأثرم، ولأن الثغور المخوفة لا يؤمن ظفر العدو بها وبمن فيها واستيلاؤهم على الذرية والنساء

стр. 6130

قيل لأبي عبد الله ﵀ فتخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الإثم؟ قال كيف لا أخاف الأثم وهو يعرض ذريته للمشركين؟ وقال كنت آمر بالتحول بالأهل والعيال إلى الشام قبل اليوم فأنا أنهى عنه الآن لأن الأمر قد اقترب، وقال لابد لهؤلاء القوم من يوم قيل فذلك في آخر الزمان قال فهذا آخر الزمان قيل له فالنبي ﷺ كان يقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها قال هذا للواحدة ليس الذرية قال الشيخ ﵀ وهذا من كلام أحمد محمول على أن غير أهل الثغر لا يستحب لهم الانتقال بأهلهم إلى ثغر مخوف فأما أهل الثغر فلابد لهم من السكنى بأهلهم لولا ذلك لخربت الثغور وتعطلت وخص الثغر المخوف بالكراهة لأن الخوف عليها أكثر ولأن الغالب من غير المخوفة سلامتها وسلامة أهلها (فصل) ويستحب لأهل الثغر أن يجتمعوا في مسجد واحد بحيث إذا حضر النفير صادفهم مجتمعين فيبلغ الخبر جميعهم ويراهم عين الكفار فيعلم كثرتهم فيخوف بهم لأنهم إذا كانوا متفرقين رأى الجاسوس قلتهم، وروي عن الأوزاعي أنه قال في المساجد التي بالثغر لو أن لي عليها ولاية لسمرت أبوابها حتى تكون صلاتهم في مسجد واحد حتى إذا جاء النفير وهم متفرقون لم يكونوا مثلهم إذا كانوا في موضع واحد (فصل) في الحرس في سبيل الله وفيه ثواب عظيم وفضل كبير قال ابن عباس ﵄ سمعت رسول الله ﷺ (يقول عينان لا تمسهما النار عين بكت من حشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وعن سهل بن الحنظلية أنهم سارو مع رسول
следующие страницы →