Полный текст (7 422 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
قلنا إنما يفعل الإمام في الأسير ما يرى فيه المصلحة لأنه لم يصر مالا فإذا صار مالا تعلق حق الغانمين به لأنهم
أسروه وقهروه وهذا غير ممتنع الا ترى أن من عليه دين إذا قتل قتلاً يوجب القصاص كان لورثته الخيار بين القتل والعفو إلى الدية فإذا اختاروا الدية تعلق حق الغرماء بها (فصل) فإن سأل الأسارى من أهل الكتاب تخليتهم على إعطاء الجزية لم يجز ذلك في صبيانهم ونسائهم لأنهم صاروا غنيمة بالسبي ويجوز في الرجال ولا يزول التخيير الثابت فيهم قال أصحاب الشافعي يحرم قتلهم كما لو أسلموا ولنا أنه بدل تجوز الإجابة إليه فلم يحرم قتلهم كبدل عبدة الأوثان (فصل) وإذا أسر العبد صار رقيقاً للمسلمين لأنه مال لهم استولي عليه فكان للغانمين كالبهيمة فإن رأى الإمام قتله لضرر في إبقائه جاز لأن مثل هذا لا قيمة له فهو كالمرتد، وأما من يحرم قتلهم غير النساء والصبيان كالشيخ والزمن والأعمى والراهب فلا يحل سبيهم لأن قتلهم حرام ولا نفع في اقتنائه (فصل) ذكر أبو بكر إن الكافر إذا كان مولى مسلم لم يجز استرقاقه لأن في استرقاقه تفويت ولاء المسلم المعصوم، وعلى قوله لا يسترق ولده أيضاً إذا كان عليه ولاء لذلك، وإن كان معتقه ذمياً
стр. 6162
جاز استرقاقه لأن سيده يجوز استرقاقه فاسترقاق مولاه أولى وهذا مذهب الشافعي، وظاهر كلام الخرقي جواز استرقاقه لأنه لا يجوز قتله وهو من أهل الكتاب فجاز استرقاقه كغيره، ولأن سبب جواز الاسترقاق قد تحقق فيه وهو الاستيلاء عليه مع كون مصلحة المسلمين في استرقاقه ولأنه إن كان السبي امرأة أو صبياً لم يجز فيه سوى الاسترقاق فيتعين ذلك فيه، وما ذكروه يبطل بالقتل فإنه يفوت الولاء وهو جائز فيه، وكذلك يجوز استرقاق من عليه ولاء الذمي وقوله إن سيده الذمي يجوز استرقاقه غير صحيح فإن الذمي لا يجوز استرقاقه ولا تفويت حقوقه وقد قال علي ﵁ إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كاموالنا (مسألة) (فإن اسلموا رقوا في الحال) يعني إذا أسلم الاسير صار رقيقاً في الحال وزال التخيير فيه وصار حكمه حكم النساء وبه قال
الشافعي في أحد قوليه لأنه أسير يحرم قتله فصار رقيقا كالمرأة وفيه قول آخر إنه يحرم قتله لقول النبي ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث) ويتخير بين الخصال الثلاث الباقية المن والفداء والاسترقاق وهو القول الثاني للشافعي لأنه إذا جاز المن عليه في حال كفره ففي حال إسلامه أولى لأن الإسلام حسنه يقتضي إكرامه والإنعام عليه لا منع ذلك في حقه وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، ولا يجوز رده إلى الكفار إلا أن يكون له من يمنعه من المشركين
стр. 6163
من عشيرة أو نحوها، وإنما جاز فداؤه لأنه يتخلص به من الرق، فأما إن أسلم قبل أسره حرم قتله واسترقاقه والمفاداة به سواء أسلم وهو في حصن أو جوف أو مضيق أو غير ذلك لأنه لم يحصل في أيدي الغانمين (مسألة) (ومن سبي من أطفالهم منفرداً أو مع أحد أبويه فهو مسلم.
ومن سبي مع أبويه فهو على دينهما) المسبي من أطفال المشركين ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) أن يسبى منفرداً عن أبويه فيصير مسلما بالإجماع لأن الدين إنما يثبت له تبعاً، وقد انقطعت تبعيته لأبويه لانقطاعه عنهما وإخراجه عن دارهما ومصيره إلى دار الإسلام تبعاً لسابيه المسلم فكان تابعاً له في دينه (الثاني) أن يسبى مع أحد أبويه فيحكم باسلامه أيضاً وبه قال الأوزاعي وقال أبو الخطاب يتبع أباه، وقال القاضي فيه روايتان أشهرهما أنه يحكم بإسلامه [والثانية يتبع أباه، وقال أبو حنيفة والشافعي يكون تابعاً لأبيه في الكفر لأنه لم ينفرد عن أحد أبويه فلم يحكم بإسلامه كما لو سبي معهما وقال مالك إن سبي مع أبيه تبعه لأن الولد يتبع أباه في الدين كما يتبعه في النسب وإن سبي مع أمه فهو مسلم لأنه لا يتبعها في النسب فكذلك في الدين
стр. 6164
ولنا قول النبي ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) رواه
مالك فمفهومه انه لا يتبع أحدهما لأن الحكم متى علق بشيئين لا يثبت بأحدهما ولأنه يتبع سابيه منفردا فيتبعه مع أحد أبويه قياسا على مالو أسلم أحد الأبوين، تحقيقه أن كل شخص غلب حكم اسلامه منفرداً غلب مع أحد الأبوين كالمسلم من الأبوين (الثالث) أن يسبى مع أحد أبويه فيكون على دينهما وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقال الأوزاعي يكون مسلماً لأن السابي أحق به لكونه ملكه بالسبي وزالت ولاية أبويه عنه وانقطع ميراثهما منه وميراثه منهما فكان أولى به منهما ولنا قوله ﵊ (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) وهما معه وملك السابي له لا يمنع اتباعه لابويه بدليل مالو ولد في ملكه من عبده وأمته الكافرين (مسألة) (ولا ينفسخ النكاح باسترقاق الزوجين وإن سبيت المرأة وحدها انفسخ نكاحها وحلت لسابيها) إذا سبي المتزوج من الكفار لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يسبى الزوجان معاً فلا ينفسخ نكاحهما وبهذا قال أبو حنيفة والاوزاعي ويحتمل أن ينفسخ وبه قال مالك والثوري والليث والشافعي
стр. 6165
وأبو ثور لقول الله تعالى (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) والمحصنات المتزوجات [إلا ما ملكت أيمانكم] بالسبي قال أبو سعيد الخدري ﵁ نزلت هذه الآية في سبي أوطاس، وقال ابن عباس ﵄ إلا ذوات الأزواج من المسبيات ولأنه استولى على محل حق الكافر فزال ملكه كما لو سباها وحدها ولنا أن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته كالعتق، والآية نزلت في سبايا أو طاوس وكانوا أخذوا النساء دون أزواجهن، وعموم الآية مخصوص بالمملوكة المزوجة في دار الإسلام فيخص منه محل النزاع بالقياس عليه (الحال الثاني) أن تسبى المرأة وحدها فينفسخ النكاح بلا خلاف علمناه والآية دالة عليه وقد روي أبو سعيد الخدري قال أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسول
الله ﷺ فنزلت [والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم] رواه الترمذي وقال حديث حسن إلا أن أبا حنيفة قال إذا سبيت المرأة وحدها ثم سبي زوجها بعدها بيوم لم ينفسخ النكاح، ولنا أن السبي المقتضي للفسخ وجد فانفسخ النكاح كما لو سبيت قبله بشهر (الحال الثالث) سبي الرجل وحده فلا ينفسخ النكاح لأنه لانص فيه ولا القياس يقتضيه وقد سبى النبي ﷺ سبعين رجلا من الكفار يوم بدر فمن على بعضهم وفادى بعضاً فلم يحكم عليهم بفسخ
стр. 6166
أنكحتهم، ولأننا إذا لم نحكم بفسخ النكاح فيما إذا سبيا معاً مع الاستيلاء على محل حقه فلأن لا ينفسخ نكاحه مع عدم الاستيلاء عليه أولى وقال أبو الخطاب إذا سبي أحد الزوجين انفسخ النكاح ولم يفرق وبه قال أبو حنيفة لأن الزوجين افترقت بهما الدار وطرأ الملك على أحدهما فانفسخ النكاح كما لو سبيت المرأة وحدها، وقال الشافعي إن سبي واسترق انفسخ نكاحه وإن من عليه أو فودي لم ينفسخ، ولنا ما ذكرناه وأن السبي لم يزل ملكه عن ماله في دار الحرب فلم يزل عن زوجته كما لو لم يزل عن أمته (فصل) ولم يفرق أصحابنا في سبي الزوجين بين أن يسبيهما رجل واحد أو رجلان وينبغي أن يفرق بينهما فإنهما إذا كانا مع رجلين كان مالك المرأة منفرداً بها ولا زوج معها فتحل له لقوله تعالى (إلا ما ملكت أيمانكم) وذكر الأوزاعي أن الزوجين إذا سبيا فهما على النكاح في المقاسم فإن اشتراهما رجل فله أن يفرق بينهما إن شاء أو يقرهما على النكاح ولنا أن تجدد الملك في الزوجين لرجل لا يقتضي جواز الفسخ كما لو اشترى زوجين مسلمين، إذا ثبت هذا فإنه لا يحرم التفريق بينهما في القسمة والبيع لأن الشرع لم يرد بذلك
стр. 6167
(مسألة) (وهل يجوز بيع من استرق منهم للمشركين؟ على روايتين) لا يجوز بيع شئ من رقيق المسلمين لكافر سواء كان مسلماً أو كافراً وهذا قول الحسن، وقال
أحمد ليس لأهل الذمة أن يشتروا مما سبى المسلمون قال وكتب عمر بن الخطاب ينهى عنه أمراء الأمصار هكذا حكى أهل الشام، وعنه أنه يجوز ذلك وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه لا يمنع من إثبات يده عليه فلا يمنع من ابتدائه كالمسلم، ولأنه رد الكافر إلى الكفار فجاز كالمفاداة بهم قبل الاسترقاق والأول أولى لأنه قول عمر ﵁ ولم ينكره منكر فكان إجماعاً ولأن فيه تفويتاً للاسلام الذي يظهر وجوده فإنه إذا بقي رقيقاً للمسلمين الظاهر أنه يسلم فيفوت ذلك ببيعه لكافر بخلاف ما إذا كان رقيقاً لكافر في ابتدائه فإنه لم تثبت له هذه الغرضية (مسألة) (ولا فرق في البيع بين ذي رحم محرم إلا بعد البلوغ على إحدى الروايتين) أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز منهم مالك والاوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وغيرهم لما روى أبو أيوب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وقال النبي ﷺ (لا توله والدة عن ولدها) قال أحمد لا يفرق بين الأم وولدها وإن
стр. 6168
رضيت وذلك والله أعلم لما فيه من الأضرار بالولد ولأن المرأة قد ترضى بما فيه ضررها ثم يتغير قلبها فتندم، ولا يجوز التفريق بين الأب وولده هذا قول أصحاب الرأي والشافعي وقال مالك والليث يجوز وبه قال بعض الشافعية لأنه ليس من أهل الحضانة بنفسه ولأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه لأن الأم أشفق منه ولنا أنه أحد الأبوين أشبه الأم ولا نسلم أنه ليس من أهل الحضانة، ولا فرق بين أن يكون الولد بالغاً أو طفلاً في ظاهر كلام الخرقي وإحدى الروايتين عن أحمد لعموم الخبر ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير ولهذا حرم عليه الجهاد إلا بإذنها (والثانية) يختص تحريم التفريق بالصغير وهو قول الأكثرين منهم مالك والاوزاعي والليث وأبو ثور وهو قول الشافعي لأن سلمة بن الأكوع أتى بامرأة وابنتها فنفله أبو بكر ابنتها فاستوهبها منه النبي ﷺ فوهبها له ولم ينكر التفريق بينهما ولأن الأحرار يتفرقون بعد الكبر فإن المرأة تزوج ابنتها وتفارقها فالعبيد أولى، واختلفوا في حد
الكبر الذي يجوز التفريق فعن أحمد ﵀ حده بلوغ الولد وهو قول سعيد بن عبد العزيز وأصحاب الرأي وقول للشافعي، وقال مالك إذا أثغر وقال الأوزاعي والليث إذا استغنى عن أمه ونفع نفسه وللشافعي قول إذا صار ابن سبع أو ثمان، وقال أبو ثور إذا كان يلبس وحده ويتوضأ وحده لأنه
стр. 6169
إذا كان كذلك استغنى عن أمه ولذلك خير الغلام بين أمه وأبيه إذا كان كذلك ولأنه جاز التفريق بينهما بتخييره فجاز ببيعه وقسمته ولنا ما روى عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال (لا يفرق بين الوالدة وولدها) فقيل إلى متى؟ قال (حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية) ولأن من دون البلوغ يولى عليه أشبه الطفل (فصل) فإن فرق بينهما بالبيع فالبيع فاسد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح البيع لأن النهي لمعنى في غير المعقود عليه فأشبه البيع في وقت النداء ولنا ماروى أبو داود في سننه عن علي ﵁ أنه فرق بين الأم وولدها فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك ورد البيع والأصل ممنوع وما ذكروه لا يصح فإنه نهي عنه لما يلحق المبيع من الضرر فهو لمعنى فيه (فصل) والجد والجدة في تحريم التفريق بينهما وبين ولد ولدهما كالابوين لأن الجد أب والجدة أم ولذلك يقومان مقام الأبوين في استحقاق الحضانة والميراث والنفقة فقاما مقامهما في تحريم التفريق ويستوي في ذلك الجد والجدة من قبل الأب والأم لأن لهم ولادة ومحرميه فاستووا في ذلك كاستوائهم في منع شهادة بعضهم لبعض (فصل) ويحرم التفريق بين الأخوة في القسمة والبيع أيضاً كما يحرم بين الولد ووالده وبهذا
стр. 6170
قال أصحاب الرأي وقال مالك والليث والشافعي وابن المنذر لا يحرم لأنها قرابة لا تمنع قبول شهادته فلم يحرم التفريق كابن العم ولنا ما روى عن علي ﵁ قال وهب لي رسول الله ﷺ غلامين أخوين فبعت أحدهما فقال لي رسول الله ﷺ (ما فعل غلامك؟) فأخبرته فقال (رده رده) رواه الترمذي
وقال حديث حسن غريب، وروى عبد الرحمن بن فروخ عن أبيه قال كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁: لا تفرقوا بين الأخوين ولا بين الأم وولدها في البيع، ولأنه ذو رحم محرم فحرم التفريق بينهما كالوالد والولد وانما يحرم التفريق بينهما في حال الصغر وما بعده فيه الروايتان كالأصل والأولى الجواز لأن النبي ﷺ أهديت له مارية وأختها سيرين فأمسك مارية ووهب سيرين لحسان بن ثابت.
(فصل) فأما سائر الأقارب فظاهر كلام الخرقي جواز التفريق بينهم وقال غيره من أصحابنا لا يجوز التفريق بين ذوي رحم محرم كالعمة مع ابن أخيها والخالة مع ابن أختها لما ذكرنا من القياس والأولى جواز التفريق لأن الأصل حل البيع والتفريق ولا يصح القياس على الإخوة لأنهم أقرب
стр. 6171
ولذلك يحجبون غيرهم عن الميراث وهم أقرب فيبقى من عداهم على الأصل، فأما من ليس بينهما رحم محرم فلا يمنع من التفريق بينهما عند أحد علمناه لعدم النص فيهم وامتناع قياسهم على المنصوص وكذلك يجوز التفريق بين الأم من الرضاع وولدها والأخت وأخيها لما ذكرنا ولأن قرابة الرضاع لا توجب عتق أحدهما على الآخر ولا نفقة ولا ميراثا فاشبهت الصداقة (مسألة) (وإذا حصر الإمام حصناً لزمه مصابرته إذا رأى المصلحة فيها) إذا حصر الإمام حصناً لزمه مصابرته ولا ينصرف عنه إلا بخصلة من خصال خمس (أحدها) أن يسلموا فيحرزوا بالاسلام دماءهم وأموالهم لقول النبي ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها) (الثانية) أن يبذلوا مالا على الموادعة فيجوز قبوله منهم سواء أعطوه جملة أو جعلوه خراجا مستمرا يؤخذ منهم كل عام، فإن كانوا ممن تقبل منهم الجزية فبذلوها لزم قبولها منهم وحرم قتالهم لقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فان بذلوا مالا على غير وجه الجزية فرأى المصلحة في قبوله له قبله ولا يلزمه إذا لم ير المصلحة (الثالثة) أن يفتحه (الرابعة) أن يرى المصلحة في الانصراف إما لضرر في الإقامة وإما لليأس منه أو لغير ذلك فينصرف عنهم لما روي أن النبي ﷺ حاصر
أهل الطائف فلم ينل منهم شيئاً فقال (إنا قافلون إن شاء الله غداً) فقال المسلمون أنرجع ولم نفتحه؟ فقال رسول الله ﷺ (اغدوا على القتال) فغدوا عليه فأصابهم الجراح، فقال لهم
стр. 6172
رسول الله ﷺ (إنا قافلون غداً) فأعجبهم، فقفل رسول الله ﷺ متفق عليه (الخامسة) أن ينزلوا على حكم حاكم وسنذكره في موضعه إن شاء الله (مسألة) (ومن أسلم منهم أحرز دمه وماله وأولاده الصغار) متى أسلم أهل الحصن أو بعضهم أحرز دمه وماله وأولاده الصغار كما ذكر لقول النبي ﷺ في الحديث المذكور (فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها) ويحرز أولاده الصغار من السبي لأنهم تبع له ولذلك يحكم بإسلامهم تبعاً لاسلامه وكذلك كل من أسلم في دار الحرب وإن دخل دار الإسلام فأسلم وله أولاد صغار في دار الحرب صاروا مسلمين ولم يجز سبيهم وبه قال مالك والشافعي والاوزاعي وقال أبو حنيفة ما كان في يده من ماله ورقيقه ومتاعه وولده الصغار ترك له وما كان من أولاده وأمواله بدار الحرب جاز سبيهم لأنهم لم يثبت إسلامهم بإسلامه لاختلاف الدارين بينهم ولهذا إذا سبي الطفل وأبواه في دار الكفر لم يتبعهما وتبع سابيه في الإسلام وما كان من أرض أو دار فهو فئ وكذلك زوجته إذا كانت كافرة وما على بطنها فئ ولنا ان اولاده أولاد مسلم فوجب أن يتبعوه في الإسلام كما لو كانوا معه في الدار ولأن ماله مال مسلم ولايجوز اغتنامه كما لو كان في دار الإسلام، وبذلك يفارق مال الحربي وأولاده وما ذكره أبو حنيفة لا يلزم فانا تجعله تبعاً للسابي لأنا لا نعلم بقاء أبويه فأما أولاده الكبار فلا يعصمهم لأنهم لا يتبعونه ولا يعصم
стр. 6173
زوجته لذلك فإن سبيت صارت رقيقة ولم ينفسخ نكاحه برقها ولكن يكون حكمها في النكاح وفسخه حكم مالو لم تسب على ما نذكر في نكاح أهل الشرك فإن كانت حاملاً من زوجها لم يجز استرقاق الحمل وكان حراً مسلماً وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يحكم برقه مع امه لأن ما سرى إليه العتق سرى إليه الرق كسائر أعضائها
ولنا أنه محكوم بحريته وإسلامه فلم يجز استرقاقه كالمنفصل بخلاف الأعضاء فإنها لا تنفرد عن حكم الأصل (فصل) إذا أسلم الحربي في دار الحرب وله مال وعقار أو دخل إليها مسلم فابتاع عقاراً ومالاً فظهر المسلمون على ماله وعقاره لم يملكوه وكان له وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يغنم العقار وأما غيره فما كان في يده أو يد مسلم لم يغنم، واحتج بأنها بقعة من دار الحرب فجاز اغتنامها كما لو كانت لحربي.
ولنا أنه مال مسلم فأشبه مالو كانت في دار الإسلام (فصل) إذا استأجر المسلم أرضاً من حربي ثم استولى عليها المسلمون فهي غنيمة ومنافعها للمستأجر لأن المنافع ملك المسلم، فإن قيل فلم أجزتم استرقاق الكفارة الحربية إذا كان قد أسلم زوجها وفي استرقاقها ابطال حق زوجها؟ قلنا يجوز استرقاقها لأنها كافرة ولا أمان لها فجاز استرقاقها كما لو لم تكن زوجة مسلم ولا يبطل نكاحة بل هو باق ولأن منفعة النكاح لا تجري مجرى الأموال بدليل أنها لا تضمن باليد فلا يجوز أخذ العوض عنها بخلاف حق الإجارة (فصل) إذا أسلم عبد الحربي أو أمته وخرج إلينا فهو حر وإن أسر سيده وأولاده وخرج إلينا
стр. 6174
فهو حر والمال له والسبي رقيقة، وإن أسلم وأقام بدار الحرب فهو على رقة، وإن أسلمت أم ولد الحربي وخرجت الينا عتقت واستبرأت نفسها وهذا قول أكثر العلماء، قال إبن المنذر وقال به كل من نحفظ عنه من أهل العلم إلا أن أبا حنيفة قال في أم الولد تزوج إن شاءت من غير استبراء وأهل العلم على خلافه لأنها أم ولد عتقت فلم يجز أن تزوج قبل الاستبراء كما لو كانت لذمي، وروى سعيد بن منصور بإسناده عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا جاءوا قبل مواليهم وعن أبي سعيد الاعسم قال قضى رسول الله ﷺ في العبد وسيده قضيتين قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر فإن خرج سيده بعد لم يرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رد على سيده رواه سعيد، وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال سألنا رسول الله ﷺ أن يرد علينا أبا بكرة وكان عبداً لنا أتى إلى رسول الله ﷺ وهو محاصر ثقيف فأسلم فأبى أن يرده علينا وقال (هو طليق الله ثم طليق رسوله) فلم يرده علينا
(مسألة) (وإن سألوا الموادعة بمال أو غيره جاز إن كانت المصلحة فيه) وقد ذكرنا ذلك (مسألة) (وإن نزلوا على حكم حاكم جاز إذا كان حراً مسلما بالغا عاقلاً من أهل الإجتهاد) إذا نزل أهل الحصن على حكم حاكم جاز لأن النبي ﷺ لما حاصر بني قريظة ورضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأجابهم إلى ذلك، والكلام فيه في فصلين (أحدهما) في صفة
стр. 6175
الحاكم (والثاني) في صفة الحكم، فأما الحاكم فيتعين فيه سبعة أوصاف: الاسلام والحرية والذكورية والعقل والبلوغ والعدالة والاجتهاد كما يشترط في حاكم المسلمين، ولا يشترط البصر لأن عدمه لا يضر في مسئلتنا لان لمقصود (المقصود) رأيه ومعرفته المصلحة في أحد أقسام الحكم وهذا لا يضر عدم البصر فيه بخلاف القضاء فإنه لا يستغني عن البصر ليعرف المدعي من المدعي عليه والشاهد من المشهود عليه والمقر من المقر له ويعتبر من الفقه ما يتعلق به هذا الحكم مما يجوز فيه ويعتبر له ويجوز ذلك ولا يحتاج أن يكون مجتهداً في جميع الاحكام التي لا تعلق لها بهذا وقد حكم سعد ابن معاذ ولم يثبت أنه كان عالماً بجميع الأحكام، فإن حكم رجلين جاز ويكون الحكم ما اجتمعا عليه وإن جعلوا الحكم إلى رجل يعينه الإمام جاز لأنه لا يختار إلا من يصلح وإن نزلوا على حكم رجل منهم أو جعلوا التعيين إليهم لم يجز لأنهم ربما اختاروا من لا يصلح، وإن عينوا رجلا يصلح.
فرضيه الإمام جاز لأن بني قريظة عينوا سعد بن معاذ فرضيه النبي ﷺ واجاز حكمه وتدل (لقد حكمت بحكم الله) وإن مات من انفقوا عليه فاتفقوا على غيره ممن يصلح قام مقامه وإن لم يتفقوا وطلبوا حكما لا يصلح ردهم إلى مأمنهم وكانوا على الحصار حتى يتفقوا وكذلك إن رضوا باثنين فمات أحدهما فاتفقوا على من يقوم مقامه جاز وإلا ردوا إلى مأمنهم وكذلك إذا رضوا بتحكيم من لا تجتمع الشرائط فيه ووافقهم الامام عليه ثم بان أنه لا يصلح لم يحكم ويردون إلى مأمنهم كما كانوا
стр. 6176
(مسألة) (ولا يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين من القتل والسبي والفداء فإن حكم بالمن لزم قبوله في أحد الوجهين)
إذا حكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم نفذ حكمه لأن سعد بن معاذ حكم في قريظة بذلك فقال النبي ﷺ (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة) وإن حكم بالفداء جاز لأن الإمام يخير في الأسرى بين القتل والمن والفداء والاسترقاق فكذلك الحاكم، وإن حكم عليهم باعطاء الجزية لم يلزم حكمه لأن عقد الذمة عقد معاوضة فلا يثبت إلا بالتراضي ولذلك لا يملك الإمام إجبار الأسير على إعطاء الجزية، وإن حكم بالمن على المقاتلة وسبي الذرية فقال القاضي يلزم حكمه وهو مذهب الشافعي لأن الحكم إليه فيما يرى المصلحة فيه فكان له المن كالامام في الاسرى واختار أبو الخطاب أن حكمه لا يلزم لأن عليه أن يحكم بما فيه الحظ ولا حظ في المن، وإن حكم بالمن على الذرية فينبغي أن لا يجوز لأن الامام لا يملك المن على الذرية إذا سبوا فكذلك الحاكم ويحتمل الجواز لأن هؤلاء لا يتعين السبي فيهم بخلاف من سبي فإنه يصير رقيقاً بنفس السبي (مسألة) (وإن حكم بقتل أو سبي فأسلموا عصموا دماءهم وفي استرقاقهم وجهان) إذا حكم عليهم بالقتل والسبي جاز للإمام المن على بعضهم لأن ثابت بن قيس سأل في الزبير ابن باطا من قريظة وماله وأولاده رسول الله صلى الله عليه فأجابه، ويخالف مال الغنيمة إذا حازه الإمام لأن ملكهم قد استقر عليه ومتى أسلموا قبل الحكم عليهم عصموا دماءهم وأموالهم لانهم
стр. 6177
فلم يجز استرقاقهم بخلاف الأسير، وإن اسلموا بعد الحكم عليهم بالقتل سقط لأن من أسلم فقد عصم دمه ولم يجز استرقاقهم لأنهم أسلموا قبل استرقاقهم قال أبو الخطاب ويحتمل أن يجوز كما لو أسلموا بعد الأسر ويكون المال على ما حكم فيه وإن حكم بأن المال للمسلمين كان غنمية لأنهم أخذوه بالقهر والحصر (باب ما يلزم الإمام والجيش) (مسألة) (يلزم الإمام عند مسير الجيش تعاهد الخيل والرجال فما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول) يستحب للإمام أو الأمير إذا أراد الغزو أن يعرض الجيش ويتعاهد الخيل والرجال فلا يدع فرساً حطماً وهو الكسير ولا قحماً وهو الكبير ولا ضرعاً وهو الصغير ولا هزيلاً يدخل معه أرض
العدو لئلا ينقطع فيها وربما كان سببا للهزيمة (مسألة) (ويمنع المخذل والمرجف) والمخذل هو الذي يفند الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال ومثل من يقول الحر أو البرد شديد والمشقة شديدة ولا يؤمن هزيمة هذا الجيش ونحو هذا والمرجف هو الذي يقول قد هلكت سرية المسلمين ومالهم مدد ولا طاقة لهم بالكفار والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت
стр. 6178
لهم أحد وأشباه هذا ولا يأذن لمن يعين على المسلمين بالتجسس للكفار واطلاعهم على عورات المسلمين ولا لمن يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد بينهم ولا لمن يعرف بالنفاق والزندقة لقول الله تعالى (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا - وقوله تعالى - ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة) قيل معناه لأوقعوا بينكم الاختلاف وقيل لأسرعوا في تفريق جمعكم ولأن في حضورهم ضرراً فيجب صيانة المسلمين عنه ولا يأذن لطفل ولا مجنون لأن دخولهم تعرض للهلاك بغير فائدة ويجوز أن يأذن لمن اشتد من الصبيان لأن فيهم معونة ونفعا (مسألة) (ويمنع النساء إلا طاعنة في السن لسقي الماء ومعالجة الجرحى) يكره دخول النساء الشواب أرض العدو لأنهن لسن من أهل القتال وقلما ينتفع بهن فيه لاستيلاء الجبن والخور عليهن ولا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون ما حرم الله منهن وقد روى حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر سادسة ست نسوة فبلغ رسول الله ﷺ فبعث إلينا فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال) (مع من خرجتن؟) فقلنا يارسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين به في سبيل الله ومعنا دواء للجرحى ونناول
стр. 6179
السهام ونسقي السويق فقال (قمن) حتى إذا فتح الله خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال، قلت لها يا جدة
ماكان ذاك؟ قالت تمراً قيل للاوزاعي هل كانوا يغزون معهم بالنساء في الصوائف؟ قال لا إلا بالجواري، فأما المرأة الطاعنة في السن وهي الكبيرة إذا كان فيها نفع مثل سقي الماء ومعالجة الجرحى فلا بأس به لما روينا من الخبر وقد كانت أم سليم ونسيبة بنت كعب تغروان مع النبي ﷺ فأما نسيبة فكانت تقاتل وقطعت يدها يوم اليمامة وقالت الربيع كنا نغزو مع النبي ﷺ لسقي الماء ومعالجة الجرحى.
وقال أنس كان رسول الله (ص) يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، فإن قيل فقد كان النبي (ص) يخرج معه من تقع عليه القرعة من نسائه، قلنا تلك امرأة واحدة يأخذها للحاجة إليها ويجوز مثل ذلك للأمير عند حاجته، ولا يرخص لسائر الرعية لئلا يفضي إلى ما ذكرنا (مسألة) (ولا يستعين بمشرك إلا عند الحاجة إليه) لما روت عائشة قالت خرج رسول الله (ص) إلى بدر حتى إذا كان بحرة الوبر أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جراءة ونجدة فسر المسلمون به فقال يا رسول الله جئت لأتبعك وأصيب
стр. 6180
معك فقال له رسول الله (ص) (أتؤمن بالله ورسوله؟) قال لا قال (فارجع فإنا لا نستعين بمشرك) ثم مضى رسول الله (ص) حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل فقال له رسول الله (ص) (أتؤمن بالله ورسوله؟) قال نعم قال (فانطلق) متفق عليه وروى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن حبيب قال أتيت رسول الله (ص) وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهداً لا نشهده معهم قال (فأسلمتما؟) قلنا لا قال (فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين) قال فأسلمنا وشهدنا معه، وهذا اختيار ابن المنذر والجوزجاني في جماعة من أهل العلم وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة بهم، وكلام الخرقي يدل على جواز الاستعانة بهم عند
الحاجة وهو الذي ذكره شيخنا في هذا الكتاب وبه قال الشافعي لما روى الزهري أن رسول الله (ص) استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم رواه سعيد، وروي أن صفوان بن أمية خرج مع النبي (ص) يوم حنين وهو على شركه فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة، وذكر الحديث إذا ثبت هذا فيشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة بهم لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين كالمخذل والمرجف فالكافر أون
стр. 6181
(فصل) ويستحب أن يخرج يوم الخميس لما روى كعب بن مالك قال قلما كان رسول الله [ص] يخرج في سفر إلا يوم الخميس (مسألة) (ويرفق بهم في المسير فيسير بهم سير أضعفهم لئلا يشق عليهم فان دعت الحاجة إلى الجد في السير جاز) لأن النبي [ص] جد في السير حين بلغه قول عبد الله بن أبي ليخرجن الأعز منها الأذل ليشغل الناس عن الخوض فيه، ويعدلهم الزاد لانه لابد منه في الغزو وفي غيره وبه قوامهم ويقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر لأنه مما يطمعهم في عدوهم، ويعرف عليهم العرفاء وهو أن يكون لكل طائفة من يكون كالمقدم عليهم ينظر في حالهم ويفتقدهم ويعقد لهم الألوية والرايات، ويجعل لكل طائفة لواء لما روى ابن عباس أن أبا سفيان حين أسلم قال النبي (ص) للعباس إحبسه على الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها قال فحبسته حيث أمرني رسول الله [ص [ومرت به القبائل على راياتها وهو مخير في ألوانها لكنه يغاير ألوانها ليعرف كل قوم رايتهم ويجعل لكل طائفة شعاراً يتداعون به عند الحرب لئلا يقع بعضهم على بعض وهي علامة بينهم يعرفونها، ويتخير لهم من المنازل أصلحها لهم ويتتبع مكانها فيحفظها لئلا يؤتوا منها، ولا يغفل الحرس والطلائع ليحفظهم من البيات، ويبعث العيون على العدو حتى لا يخفي عليه أمرهم فيحترز منهم ويتمكن
стр. 6182
من الفرصة فيهم، ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي ومن التجارة المانعة لهم من القتال، ولأن
المعاصي من أسباب الخذلان، ويعد ذا الصبر بالاجر والنفل ترغيباً في الجهاد، ويخفي من أمره ما أمكن اخفاؤه لئلا يعلم به عدوه فقد كان النبي ﷺ إذا أراد غزوة ورى بغيرها ويشاور ذا الرأي منهم لقول الله تعالى (وشاورهم في الأمر) وكان النبي ﷺ أكثر الناس مشاورة لأصحابه (فصل) واذا وجد رجل رجلاً قد أصيبت فرسه ومعه فرس فضل استحب حمله ولم يجب نص عليه فإن خاف تلفه فقال القاضي يجب عليه بذل فضل مركوبه ليحيى به صاحبه كما يلزمه بذل فضل طعامه للمضطر إليه وتخليصه من عدوه، ويصف جيشه لقول الله تعالى (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) ويجعل في كل جنبة كفؤاً لما روى أبو هريرة قال كنت مع النبي ﷺ فجعل خالداً على إحدى الجنبتين وجعل الزبير على الأخرى وجعل أبا عبيدة على الساقة، ولأن ذلك أحوط للحرب وأبلغ في إرهاب العدو، ولا يميل مع قريبة وذي مذهبه على غيره لئلا تنكسر قلوبهم فيخذلوه عند الحاجة ويراعي أصحابه ويرزق كل واحد بقدر حاجته (فصل) ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية لقول الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من
стр. 6183
الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) والمجوس حكمهم في قبول الجزية منهم حكم أهل الكتاب لقول النبي ﷺ (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في هذين القسمين.
فأما من سواهم من الكفار كعبدة الأوثان ونحوهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام في ظاهر المذهب وفيه اختلاف يذكر في باب عقد الذمة إن شاء الله تعالى (فصل) ومن بلغته الدعوة من الكفار يجوز قتاله من غير دعاء ومن لم تبلغه الدعوة يدعى قبل القتال، ولا يجوز قتالهم قبل الدعاء لما روى بريدة قال: كان النبي ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أمره بتقوى الله في خاصته وبمن معه من المسلمين، وقال (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم
إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) رواه مسلم وهذا والله أعلم كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام فأما اليوم فقد انتشرت الدعوة واستغنى بذلك عن الدعاء عند القتال قال أحمد إن الدعوة قد بلغت وانتشرت لكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك بهذه الصفة لم يجز قتالهم قبل الدعوة، ومن بلغته الدعوة يجوز قتالهم قبل ذلك، وإن دعاهم فحسن لما ذكرنا من الحديث
стр. 6184
وقد روي أن النبي ﷺ أمر علياً حين أعطاه الراية يوم خيبر وأمره بقتالهم أن يدعوهم وهم ممن قد بلغته الدعوة رواه البخاري ودعا خالد بن الوليد طليحة حين ادعى النبوة فلم يرجع فأظهره الله عليه ودعا سلمان أهل فارس (مسألة) (ويجوز أن يبذل جعلا لمن يدله على طريق أو قلعه أو ماء ويجب أن يكون معلوماً إلا أن يكون من مال الكفار فيجوز أن يكون مجهولاً) لا نعلم خلافاً في أنه يجوز للامام ونائبه أن يبذل جعلاً لمن يدله على ما فيه مصلحة للمسلمين مثل طريق سهل أو ماء في مغازة (مفازة) أو قلعة يفتحها أو مال يأخذه أو عدو يغير عليه أو ثغرة يدخل منها.
لا نعلم في هذا خلافاً لأنه جعل في مصلحة فجاز كأجرة الدليل، وقد استأجر النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ في الهجرة من دلهم على الطريق، ويستحق الجعل بفعل ما جعل له فيه سواء كان مسلماً أو كافراً من الجيش أو من غيره، فإن جعل له الجعل مما في يده وجب أن يكون معلوماً لأنها جعالة بعوض من مال معلوم فوجب أن يكون معلوماً كالجعالة في رد الآبق، فإن كان الجعل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولاً لا يمنع التسليم ولا يفضي إلى التنازع لأن النبي ﷺ جعل للسرية الثلث والربع مما غنموه وهو مجهول لأن الغنيمة كلها مجهولة ولأنه مما تدعو الحاجة إليه، والجعالة إنما تجوز بحسب الحاجة
стр. 6185
(مسألة) (فإن شرط له جارية معينة على قلعة يفتحها نحو أن يشرط له بنت فلان من أهل القلعة لم يستحق شيئاً حتى يفتح القلعة) لأن جعالة شئ منها اقتضت اشتراط فتحها فمتى فتحت القلعة عنوة سلمت إليه فإن ماتت قبل الفتح أو بعده فلا شئ له لأنه تعلق حقه بمعين وقد تلفت بغير تفريط فسقط حقه كالوديعة، وإن أسلمت قبل الفتح فله قيمتها لانها عصمت نفسها باسلامها فتعذر دفعها إليه فاستحق القيمة لأن النبي ﷺ لما صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مسلما رده إليهم فجاءه نساء مسلمات فمنعه الله من ردهن وكذلك لو كان الجعل رجلا فأسلم قبل الفتح لأنه عصم نفسه فلم يجز دفعه إليه وله قيمته كالجارية وإن كان اسلامهما بعد الفتح سلما إليه إن كان مسلماً لأنهما أسلما بعد أسرهما فصارا رقيقين، وإن كان كافراً فله قيمتهما لأنه لا يجوز للكفار أن يبتدئ الملك على المسلم وإنما لم.
تجب له القيمة إذا ماتا وتجب إذا أسلما لأن تسليمهما ممكن إذا أسلما لكن منع الشرع منه (مسألة) (وإن فتحت صلحاً ولم يشترطوا الجارية فله قيمتها إن رضي بها وإن أبى إلا الجارية وأبى صاحب القلعة تسليمها فقال القاضي يفسخ الصلح)
стр. 6186
لأنه قد تعذر امضاء الصلح لأن حق صاحب الجعل سابق ولا يمكن الجمع بينه وبين الصلح ونحو هذا مذهب الشافعي ولصاحب القلعة أن يحصنها مثلما كانت من غير زيادة ويحتمل أن لا يكون له إلا قيمتها ويمضي الصلح لأنه تعذر دفعها إليه مع بقائها فدفعت إليه القيمة كما لو أسلمت قبل الفتح قولهم إن حق صاحب الجعل سابق قلنا إلا أن المفسدة في فسخ الصلح أعظم لأن ضرره يعود على الجيش كله وربما تعدى إلى غيره من المسلمين في كون هذه القلعة يتعذر فتحها بعد ذلك ويبقى ضررها على المسلمين ولا يجوز تحمل هذه المضرة لدفع ضرر يسير عن واحد فإن ضرر صاحب الجعل إنما هو في فوات عين الجعل وتفاوت ما بين عين الشئ وقيمته يسير لا سيما وهو في حق شخص واحد ومراعاة حق المسلمين بدفع الضرر الكثير عنهم أولى من دفع الضرر اليسير عن واحد منهم أو من غيرهم ولهذا قلنا لمن وجد ماله قبل قسمه أنه أحق به فإن وجده بعد قسمه لم يأخذه إلا بثمن
لئلا يؤدي الى الضرر بنقض القسمة أو حرمان من وقع ذلك في سهمه (مسألة) وله أن ينفل في البداءة الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعده وذلك أنه إذا دخل الجيش بعث سرية تغير وإذا رجع بعث أخرى فما أتت به أخرج خمسه وأعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي للجيش والسرية معاً) النفل الزيادة على السهم المستحق ومنه نفل الصلاة وهو ما زيد على الفرض وقول الله تعالى
стр. 6187
(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) كأنه سأل الله ولداً فأعطاه ما سأل وزاده الله ولد الولد، والمراد بالبداءة هنا ابتداء دخول دار الحرب والرجعة رجوعه عنها، والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) هذا وهو أن الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازياً بعث بين يديه سرية تغير على العد ويجعل لهم الربع بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسة ثم أعطى السرية ما جعل لهم وهو ربع الباقي ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معاً فإذا قفل بعث سرية تغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسة ثم أعطى السرية ثلث ما بقي ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه وبهذا قال حبيب بن مسلمة والحسن والاوزاعي وجماعة من أهل العلم وروى عن عمرو بن شعيب أنه لا نفل بعد رسول الله ﷺ ولعله احتج بقوله تعالى (قل الأنفال لله والرسول) فخصه بها، وكان ابن المسيب ومالك يقولان: لا نفل إلا من الخمس.
وقال الشافعي يخرج من خمس الخمس لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سرية فيها عبد الله بن عمر فغنموا إبلا كثيراً فكانت سهمانهم اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيرا بعيراً متفق عليه.
ولو أعطاهم من أربعة أخماس الغنيمة التي هي لهم لم يكن نفلا وكان من سهمانهم ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهري قال شهدت رسول الله (ص) نفل الربع في البداءة والثلث
стр. 6188
في الرجعة، وفي لفظ أن رسول الله ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل.
رواهما أبو داود
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ كان ينفل في البداءة الربع وفي القفول الثلث، رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، وروى الأثرم باسناده عن جرير بن عبد الله البجلي أنه لما قدم على عمر في قومه قال له عمر هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشئ؟ فأما قول عمرو بن شعيب فإن مكحولا قال له حين قال لا نفل بعد رسول الله ﷺ وذكر له حديث حبيب بن سلمة: شغلك أكل الزبيب بالطائف، وما ثبت للنبي ﷺ ثبت للأئمة بعده ما لم يقم على تخصيصه به دليل وأما حديث ابن عمر فهو حجة عليهم فإن بعيراً على اثني عشر يكون جزءاً من ثلاثة عشر، وخمس الخمس جزء من خمسة وعشرين جزءاً وجزء من ثلاثة عشر أكثر فلا يتصور أخذ الشئ من أقل منه فيتعين أن يكون من غيره أو أن النفل كان للسرية دون سائر الجيش، على أن ما رويناه صريح في الحكم ولا يعارض بشئ مستنبط يحتمل غير ما حمله عليه من استنبطه إذا ثبت هذا فظاهر كلام أحمد أنهم إنما يستحقون هذا بالشرط السابق فإن لم يكن شرطه لهم
стр. 6189
فلا، قيل له أليس قد نفل النبي ﷺ في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث؟ قال نعم ذاك إذا نفل وتقدم القول فيه، فعلى هذا إن رأى الإمام أن لا ينفلهم فله ذلك، وان رأى أن ينفلهم دون الثلث والربع فله ذلك لأنه إذا جاز ترك النفل كله جاز ترك البعض ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث نص عليه أحمد وهذا قول مكحول والاوزاعي وجمهور العلماء، وقال الشافعي لا حد للنفل بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام لأن النبي (ص) نفل مرة الثلث ومرة الربع، وفي حديث ابن عمر نفل نصف السدس فهذا يدل على أنه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الإمام فينبغي أن يكون موكولاً إلى اجتهاده ولنا أن نفل النبي ﷺ انتهى إلى الثلث فينبغي أن لا يتجاوزه، وما ذكره الشافعي يدل على أنه ليس لأقل النفل حد وأنه يجوز أن ينفل أقل من الثلث والربع ونحن نقول به، على أن هذا القول مع قوله أن النفل من خمس الخمس تناقض، فإن شرط لهم الإمام زيادة على الثلث ردوا إليه
وقال الأوزاعي لا ينبغي أن يشترط النصف فإن زادهم على ذلك فليف لهم به ويجعل ذلك من الخمس وإنما زيد في الرجعة على البداءة في النفل لمشقتها فإن الجيش في البداءة ردء للسرية تابع لها والعدو خائف وربما كان غارا وفي الرجعة لا ردء للسرية لأن الجيش منصرف عنهم والعدو مستيقظ كلب قال أحمد في البداءة إذا كان ذاهباً الربع في القفلة إذا كان في الرجوع الثلث لأنهم يشتاقون إلى أهليهم فهنا (فهذا) أكثر
стр. 6190
(القسم الثاني) أن ينفل الإمام بعض الجيش لغنائه وبأسه وبلائه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش قال أحمد في الرجل يأمره الأمير يكون طليعة أو عنده يدفع إليه رأساً من السبي أو دابة قال إذا كان رجل له غناء أو يقاتل فلا بأس ذلك أنفع لهم يحرض هو وغيره ويقاتلون ويغنمون وقال إذا نفذ الإمام صبيحة المغار الخيل فيصيب بعضهم وبعضهم لا يأتي بشئ فللوالي أن يخص بعض هؤلاء الذين جاءوا بشئ دون هؤلاء وظاهر هذا أن له إعطاء من هذا حاله من غير شرط وحجة هذا حديث سلمة بن الاكوع أنه قال غار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ فاتبعتهم فذكر الحديث فأعطاني رسول الله ﷺ سهم الفارس والراجل رواه مسلم وعنه أن النبي ﷺ أمر أبا بكر قال فبيتنا عدونا فقتلت ليلتئذ تسعة أهل أبيات وأخذت منهم امرأة فنفلنيها أبو بكر فلما قدمت المدينة استوهبنيها النبي ﷺ فوهبتها له رواه مسلم (القسم الثالث) أن يقول الأمير من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو نقب هذا النقب أو فعل كذا فله كذا أو من جاء بأسير فله كذا فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري قال أحمد إذا قال من جاء بعشر دواب أو بقر أو غنم فله واحد فمن جاء بخمسة أعطاه نصف ما قال لهم ومن جاء بشئ أعطاه بقدره قيل له إذا قال من جاء بعلج فله كذا وكذى فجاء بعلج يطيب له ما يعطى؟ قال نعم وكره مالك هذا القسم ولم يره وقال قتالهم على هذا الوجه إنما هو للدنيا وقال هو وأصحابه
стр. 6191
لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة وقال مالك: ولم يقل رسول الله ﷺ (من قتل قتيلا فله سلبه) إلا
بعد أن برد القتال ولنا ما تقدم من حديث حبيب وعبادة وما شرطه عمر لجرير بن عبد الله وقول النبي ﷺ (من قتل قتيلا فله سلبه) ولأن فيه تحريضاً على القتال فجاز كاستحقاق الغنيمة وزيادة السهم للفارس واستحقاق السلب وما ذكره يبطل بهذه المسائل، وقوله أن النبي ﷺ إنما جعل السلب للقاتل بعد أن برد القتال قلنا قوله ذلك ثابت الحكم فيما يأتي من الغزوات بعد قوله فهو بالنسبة إليها كالمشروط في أول الغزاة، قال القاضي لا يجوز هذا إلا إذا كان فيه مصلحة للمسلمين فإن لم تكن فيه فائدة لم يجز لأنه إنما يخرج على وجه المصلحة فاعتبرت الحاجة فيه كأجرة الحمال والحافظ.
إذا ثبت هذا فإن النفل لا يختص بنوع من المال وذكر الخلال أنه لا نفل في الدراهم والدنانير وهو قول الأوزاعي لأن القاتل لا يستحق شيئاً منها فكذلك غيره لنا حديث حبيب بن مسلمة وعبادة فإن النبي ﷺ جعل لهم الثلث والربع وهو عام في كل ما غنمره ولأنه نوع مال فجاز النفل فيه كسائر الأموال وأما القاتل فإنما نفل السلب وليست الدراهم والدنانير من السلب فلم يستحق غير ما جعل له (فصل) نقل أبو داود عن أحمد أنه قال له: إذا قال من رجع إلى الساقة فله دينار والرجل
стр. 6192
يعمل في سياقة الغنم قال لم يزل أهل الشام يفعلون هذا وقد يكون في رجوعهم إلى الساقة وسياقة الغنم منفعة، قيل له فإن أغار على قرية فنزل فيها والسبي والدواب والخرثي معهم في القرية ويمنع الناس من جمعه الكسل لا يخافون عليه العدو فيقول الإمام من جاء بعشرة أثواب فله ثوب ومن جاء بعشرة رؤوس فله رأس قال أرجو أن لا يكون به بأس، قيل له فإن قيل من جاء بعدل من دقيق الروم فله دينار يريده لطعام السبي ما ترى في أخذ الدينار؟ فما رأى به بأساً، قيل فالامام يخرج السرية وقد نفلهم جميعاً فلما كان يوم المغار نادى من جاء بعشرة رؤوس فله رأس ومن جاء بكذا فله كذا فذهب الناس فطلبوا فما ترى في هذا النفل؟ قال لا بأس به إذا كان يحرضهم على ذلك ما لم يستغرق الثلث قلت لا بأس بنفلين في شئ واحد قال نعم ما لم يستغرق الثلث سمعته غير مرة يقول ذلك
(فصل) قال أحمد والنفل من أربعة أخماس الغنيمة، هذا قول أنس بن مالك وفقهاء الشام منهم رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي ومكحول والقاسم بن عبد الرحمن ويزيد بن أبي مالك ويحيى بن جابر والاوزاعي وبه قال إسحاق وأبو عبيد قال أبو عبيد والناس اليوم على هذا، قال أحمد وكان سعيد بن المسيب ومالك بن أنس يقولان لا نفل إلا من الخمس فكيف خفي عنهما هذا مع علمهما؟ وقال النخعي وطائفة إن شاء الإمام نفلهم قبل الخمس وإن شاء بعده وقال أبو ثور إنما النفل قبل الخمس واحتج من ذهب إلى هذا بحديث ابن عمر الذي أوردناه
стр. 6193
ولنا ماروى معن بن يزيد السلمي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا نفل إلا بعد الخمس) رواه أبو داود وابن عبد البر وهذا صريح وحديث حبيب بن أبي مسلمة أن النبي ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس وحديث جرير حين قال له عمر لك الثلث بعد الخمس ولأن النبي ﷺ نفل الثلث ولا يتصور إخراجه من الخمس ولأن الله تعالى قال (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) يقتضي أن يكون الخمس خارجاً من الغنيمة كلها وأما حديث ابن عمر فقد رواه شعيب عن نافع عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله ﷺ في جيش قبل نجد وابتعث سرية من الجيش فكان سهمهمان الجيش اثني عشر بعيراً ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا فهذا يمكن أن يكون نفلهم من أربعة أخماس الغنيمة دون بقية الجيش كما يفعل السرايا ويتعين حمل هذا الخبر على هذا لأنه لو أعطى جميع الجيش لم يكن ذلك نفلا وكان قد قسم لهم أكثر من أربعة الاخماس وخو خلاف الآية والأخبار (فصل) وكلام أحمد في أن النفل من أربعة الأخماس عام لعموم الخبر فيه ويحتمل أن يحمل على
стр. 6194
القسمين الأولين من النفل، فأما القسم الثالث وهو أن يقول من جاء بشئ فله كذا أو من جاء بعشرة رؤوس فله رأس منها فيحتمل أن يستحق ذلك من الغنيمة كلها لأنه ينزل منزلة الجعل فأشبه السلب فإنه غير مخموس ويحتمل في القسم الثاني وهو زيادة بعض الغانمين على سهمه أن يكون
من خمس الخمس المعد للمصالح لأن عطية هذا من المصالح والمذهب الأول لأن عطية سلمة بن الأكوع سهم الفارس زيادة على سهمه إنما كان من أربعة الأخماس (فصل) قال الخرقي ويرد من نفل على من معه في السرية إذ بقوتهم صار إليه ومعناه إذا بعث سرية ونفلها الثلث أو الربع فخص به بعضهم أو جاء بعضهم بشئ فنفله ولم يأت بعضهم بشئ فلم ينفله شارك من نفل من لم ينفل، وقد نص أحمد على هذا لأن هؤلاء إنما أخذوا بقوة هؤلاء ولأنهم استحقوا النفل على وجه الإشاعة بينهم بالشرط السابق فلم يختص به واحد منهم كالغنيمة، فأما النفل في القسمين الأخيرين مثل أن يخص بعض الجيش بنفل لغنائه أو يجعله له كقوله من جاء بعشر رؤوس فله رأس فجاء واحد بعشرة دون سائر الجيش فيختص بنفله دون غيره لأن النبي ﷺ لما خص من قتل بسلب قتيله اختص به ولما خص سلمة بن الأكوع بسهم الفارس والراجل اختص به ولذلك اختص بالمرأة التي نفلها إياه أبو بكر دون الناس ولأن هذا جعل تحريضاً على القتال وحثاً على فعل ما يحتاج المسلمون إليه لتحمل فاعله كلفة فعله رغبة فيما جعل له فلو لم يختص به فاعله ما خاطر أحد بنفسه فيه ولا حصلت مصلحة النفل فوجب أن يختص الفاعل لذلك بنفله كثواب الآخرة
стр. 6195
(فصل) قال ﵁ ويلزم الجيش طاعة الأمير والنصح له والصبر معه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقول النبي ﷺ (من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني) رواه النسائي.
(مسألة) (ولا يجوز لأحد أن يتعلف ولا يحتطب ولا يبارز ولا يخرج من العسكر ولا تحدث حدثا إلا بإذن الأمير) يعني لا يحرج لتعلف وهو تحصيل العلف ولا احتطاب ولا غيره إلا بإذن الأمير لقول الله تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) ولأن الأمير أعرف بحال الناس وحال العدو ومكامنهم وقربهم وبعدهم فإذا خرج أحد بغير إذنه
لم يأمن أن يصادف كميناً للعدو أو طليعة لهم فيأخذوه أو يرحل الأمير ويدعه فيهلك فإذا كان بإذن الأمير لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم (فصل) فأما المبارزة فتجوز بإذن الأمير في قول عامة أهل العلم إلا الحسن فإنه كرهها.
ولنا أن حمزة وعلياً وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر بإذن النبي ﷺ وبارز على عمرو بن عبدود في غزوة الخندق وبارز مرحباً يوم خيبر وقيل بارزه محمد بن مسلمة وبارز البراء بن مالك مرزبان المرازبة فقتله
стр. 6196
وأخذ سلبه فبلغ ثلاثين ألفاً، وروي عنه أنه قال قتلت تسعة وتسعين رئيساً من المشركين مبارزة سوى من شاركت فيهم ولم يزل أصحاب النبي ﷺ يبارزون في عصر النبي ﷺ ومن بعده لم ينكره منكر فكان إجماعاً وكان أبو ذر يقسم أن قوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر وهم حمزة وعلي وعبيدة، بارزوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة رواه البخاري.
إذا ثبت هذا فإنه ينبغي أن يستأذن الأمير في المبارزة إذا أمكن وبه قال الثوري وإسحاق ورخص فيها مالك والشافعي وابن المنذر لأن أبا قتادة قال بارزت رجلاً يوم حنين وقتلته ولم يعلم أنه استأذن النبي ﷺ وكذلك أكثر من حكينا عنهم المبارزة لم نعلم منهم استئذاناً ولنا أن الإمام أعلم بفرسانه وفرسان عدوه، ومتى برز الإنسان لمن لا يطيقه كان معرضاً نفسه للهلاك فتنكسر قلوب المسلمين فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام ليختار للمبارزة من يرضاه لها فيكون أقرب إلى الظفر وجبر قلوب المسلمين وكسر قلوب الكافرين، فإن قيل فقد أبحتم له أن ينغمس في الكفار وهو سبب قتله قلنا إذا كان مبارزاً تعلقت قلوب الجيش به وارتقبوا ظفره، فإن ظفر جبر قلوبهم وسرهم وكسر قلوب الكافرين وإن قتل كان بالعكس والمنغمس يطلب الشهادة لا يترقب منه ظفره ولا مقاومته
стр. 6197
فافترقا وأمبارزة (وأما مبارزة) أبي قتادة فغير لازمة فإنها كانت بعد التحام الحرب رأى رجلاً يريد أن يقتل مسلماً فضربه أبو قتادة فالتفت إلى أبي قتادة فضمه ضمه كاد يقتله وليس هذا هو المبارزة المختلف فيها بل المبارزة المختلف فيها أن يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب يدعو إلى المبارزة فهذا هو الذي
يتعين له إذن الإمام لأن أعين الطائفتين تمتد إليهما وقلوب الفريقين تتعلق بهما بخلاف غير ذلك.
(مسألة) (فإن دعي كافر إلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة أن يبارزه بإذن الأمير) .
المبارزة تنقسم ثلاثة أقسام مستحبة ومباحة ومكروهة (فالمستحبة) إذا خرج كافر يطلب البراز فيستحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة أن يبارزه بإذن الأمير، لأن فيه رداً عن المسلمين وإظهارا لقوتهم (والمباحة) أن يبتدئ الرجل الشجاع فيطلبها فتباح ولا تستحب لأنه لا حاجة إليها ولا يؤمن أن يغلب فيكسر فلوب المسلمين إلا أنه لما كان شجاعاً واثقاً من نفسه أبيحت له لأنه بحكم الظاهر غالب، (والمكروهة) أن يبرز الضعيف البنية الذي لا يثق من نفسه فتكره له المبارزة لما فيه من كسر قلوب المسلمين بقتله ظاهرا.
(مسألة) (فإن شرط الكافر أن لا يقاتله غير الخارج إليه فله شرطه) إذا خرج كافر يطلب البراز فشرط أن لا يعين الذي يبارزه غيره فله شرطه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ولقول النبي ﷺ (المؤمنون عند شروطهم) ويجوز رميه وقتله قبل المبارزة لأنه كافر لاعهد له ولا أمان فأبيح قتله كغيره إلا أن تكون العادة جارية بينهم أن من خرج يطلب المبارزة لا يعرض له فيجري ذلك مجرى الشرط.
стр. 6198
(مسألة) (فإن انهزم المسلم أو أثخن بالجراح جاز الدفع عنه) إذا انهزم المسلم تاركاً للقتال أو مثخناً بالجراح جاز لكل أحد قتال الكافر لأن المسلم إذا صار إلى هذه الحال فقد انقضى قتاله والأمان إنما كان حال القتال وقد زال وإن كان المسلم شرط عليه أن لا يقاتل حتى يرجع إلى صفة وفي له بالشرط إلا أن يترك قتاله أو يثخنه بالجراح فيتبعه ليقتله أو يجهز عليه فيجوز أن يحولوا بينه وبينه، وإن قاتلهم قاتلوه لأنه إذا منعهم انقاذه فقد نقض أمانه وإن أعان الكفار صاحبهم فعلى المسلمين أن يعينوا صاحبهم ويقاتلوا من أعان عليه ولا يقاتلون المبارز لأنه ليس بسبب من جهته فإن كان قد استنجدهم أو علم منه الرضا بفعلهم انتقض أمانه وجاز قتله وذكر
الأوزاعي أنه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم وإن أثخن بالجراح قيل له فخاف المسلمون على صاحبهم قال وإن، لأن المبارزة إنما تكون هكذا ولكن لو حجزوا بينهما وخلوا سبيل العلج قال فإن أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم ولنا أن حمزة وعلياً أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين ثخن عبيدة.
(فصل) وتجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره، لأن النبي ﷺ قال (الحرب خدعة وهو حديث حسن صحيح، وروي أن عمرو بن عبدود لما بارز علياً ﵁ قال علي ما برزت لا قاتل اثنين فالتفت عمرو فوثب عليه فضربه فقال عمرو خدعتني فقال الحرب خدعة.
стр. 6199
(فصل قال أحمد وإذا غزوا في البحر فأراد رجل أن يقيم بالساحل يستأذن الوالي الذي هو على جميع المراكب ولا يكفيه أن يستأذن الوالي الذي في مركبه.
(مسألة) (وإن قتله المسلم فله سلبه) .
أما استحقاق سلب القتيل في الجملة فلا نعلم فيه خلافاً وقد دل عليه قول النبي ﷺ من قتل كافراً فله سلبه، رواه جماعة عن النبي ﷺ منهم أنس وسمرة بن جندب وغيرهما، وروي أبو قتادة قال خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة فأدركه الموت ثم إن الناس رجعوا وقال رسول الله ﷺ (من قتل قتيلاً له عليه بينه فله سلبه) قال فقمت فقلت من يشهد لي؟ فقال لي رسول الله ﷺ (مالك يا أبا قتادة، فاقتصصت عليه القصة فقال رجل من القوم صدق يا رسول سلب ذلك القتيل عندي فارضه منه فقال أبو بكر الصديق لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسول الله يعطيك سلبه فقال رسول الله ﷺ (صدق فأسلمه إليه) قال فأعطانيه متفق عليه، وعن أنس قال قال رسول
стр. 6200
الله ﷺ يوم حنين (من قتل قتيلا فله سلبه) فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا
فأخذ أسلابهم، رواه أبو داود.
(مسألة) (وكل من قتل قتيلا فله سلبه غير مخموس إذا قتله حال الحرب منهمكا على القتال غير مثخن وغرر بنفسه في قتله وعنه لا يستحقه إلا من شرط له) .
الكلام في هذه المسألة في فصول (إحداها) في أن القاتل يستحق السلب وقد ذكرناه (الثاني) أن السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ كالعبد والمرأة والصبي والمشرك وقال ابن أبي موسى من بارز بغير إذن الإمام لم يستحق السلب ذكره في الإرشاد وروي عن ابن عمر أن العبد إذا بارز بإذن مولاه لم يستحق السلب ويرضخ له منه وللشافعي فيمن لا سهم له قولان (أحدهما) لا يستحق السلب لأن السهم آكد منه للإجماع عليه فإذا لم يستحقه فالسلب أولى ولنا عموم الخبر ولأنه قاتل من أهل الغنيمة فاستحق السلب كذي السهم ولأن الأمير لو جعل جعلا لمن منع شيئاً فيه نفع للمسلمين لاستحقه فاعله من هؤلاء فالذي جعله النبي ﷺ أولى وفارق السهم لأنه علق على المظنة ولهذا يستحق بالحضور ويستوي فيه الفاعل وغيره والسلب يستحق بحقيقة الفعل وقد وجد منه ذلك فاستحقه كالمجعول له جعلا على فعل إذا فعله فإن كان القاتل ممن لا يستحق سهما ولا رضخاً كالمرجف والمخذل والمعين على المسلمين لم يستحق السلب وإن قل وهو قول الشافعي لأنه
следующие страницы →