Полный текст (7 422 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
لأنه ترك له بعض المبيع بغير عوض أو هبة بعض الثمن، والوجه الآخر أنه لا يحنث وهو أولى لأنها معاوضة يملك الشفيع أخذ جميع المبيع ولو كان هبة أو بعضه لم يملك أخذه كله وإن أضافه لم يحنث لأنه لا يملكه شيئاً وإنما أباحه الأكل ولهذا لا يملك التصرف بغيره.
* (فصل) * قال ﵀ (القسم الثاني الأسماء الحقيقية، فإذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم أو المخ أو الكبد أو الطحال أو القلب أو الكرش أو المصران أو الألية أو الدماغ أو القانصة لم يحنث) وجملة ذلك أن الحالف على أكل اللحم لا يحنث بأكل ما ليس بلحم من الشحم والمخ وهو الذي في العظام والدماغ وهو الذي في الرأس في قحفه ولا الكبد والطحال والرئة والقلب والكرش والمصران والقانصة ونحوها، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يحنث بأكل هذا كله لأنه لحم حقيقة ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم فأشبه لحم الفخذ.
ولنا أنه لا يسمى لحماً وينفرد عنه باسمه وصفته، ولو أمر وكيله بشراء لحم فاشترى هذا لم يكن ممتثلاً لأمره ولا ينفذ الشراء للموكل فلم يحنث بأكله كالبغل، وقد دل على أن الكبد والطحال ليسا لحما قول النبي ﷺ " أحلت لنا ميتتان ودمان أما الدمان فالكبد والطحال " ولا نسلم أنه لحم حقيقة
بل هو من الحيوان كالعظم والدم فأما أن قصد اجتناب الدسم حنث بأكل الشحم، لأن له دسماً وكذلك المخ وكل ما فيه دسم ولا يحنث بأكل الألية، قال بعض أصحاب الشافعي يحنث لأنها نابته في اللحم وتشبهه في الصلابة ولا يصح ذلك لأنها لا تسمى لحماً ولا يقصد منها ما يقصد منه وتخالفه
стр. 6617
في اللون والذوب والطعم فلم يحنث بأكلها كشحم البطن فأما الذي على الظهر والجنب وفي تضاعيف اللحم فلا يحنث في أكله في ظاهر كلام الخرقي فإنه قال اللحم لا يخلو من الشحم يشير إلى ما يخالط اللحم مما تذيبه النار وهذا كذلك وهو قول طلحة العاقولي وممن قال هذا شحم أبو يوسف ومحمد، وقال القاضي هو لحم يحنث بأكله من حلف لا يأكل شحما وهو مذهب الشافعي لأنه لا يسمى شحماً ولا بائعه شحاماً ولا يفرد عن اللحم مع الشحم ويسمى بائعه لحاما ويسمى لحماً سميناً ولو وكل في شراء لحم فاشتراه الوكيل لزمه ولو اشتراه الوكيل في شراء الشحم لم يلزمه.
ولنا قول الله تعالى (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) ولأنه يشبه اللحم في صفته وذوبه ويسمى دهناً فكان شحما كالذي في البطن ولا نسلم أنه لا يسمى شحما ولا أنه يسمى بمفرده لحماً وإنما يسمى اللحم الذي هو عليه لحماً سميناً ولا يسمى بائعه شحاماً لأنه لا يباع بمفرده وإنما يباع تبعاً للحم وهو تابع له في الوجود والبيع فلذلك سمي بائعه لحاما ولم يسم شحاما لأنه سمي بما هو الأصل دون التبع.
* (مسألة) * (وإن أكل المرق لم يحنث) .
وقد قال أحمد لا يعجبني قال أبو الخطاب هذا على سبيل الورع وقال ابن موسى والقاضي يحنث لأن المرق لا يخلو من أجزاء اللحم الذائبة فيه، وقد قيل المرق أحد اللحمين.
ولنا أنه ليس بلحم حقيقة ولا يطلق عليه اسم اللحم فلا يحنث به كالكبد ولا نسلم أن أجزاء اللحم
стр. 6618
فيه وإنما فيه ماء اللحم ودهنه وليس ذلك بلحم وأما المثل فإنما أريد به المجاز كما في نظائره من قولهم الدعاء أحد الصدقتين وقلة العيال أحد اليسارين وهذا دليل على أنها ليست بلحم لأنه جعلها
غير اللحم الحقيقي.
(فصل) فإن أكل رأساً أو كراعا لا يحنث إلا أن ينوي لا يشتري من الشاة شيئاً، قال القاضي لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول الرؤوس والكوارع، ولو وكله في شراء لحم فاشترى رأسا أو كارعاً لم يلزمه ويسمى بائع ذلك رواساً ولا يسمى لحاماً، وقال أبو الخطاب يحنث بأكل لحم الخد لأنه لحم حقيقة وحكي عن ابن أبي موسى أنه لا يحنث حتى ينويه باليمين، وإن أكل اللسان احتمل وجهين [أحدهما] يحنث لأنه لحم حقيقة [والثاني] لا يحنث لأنه منفرد عن اللحم باسمه وصفته فاشبه القلب.
* (مسألة) * [وإن حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر حنث] .
ظاهر هذا أن الشحم كل ما يذوب بالنار مما في الحيوان وهو ظاهر كلام الخرقي وظاهر الآية والعرف يشهد لذلك، وهو ظاهر قول أبي الخطاب وطلحة العاقولي، وهو قول أبي يوسف ومحمد ابن الحسن، وقال القاضي الشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى أو غيره وإن أكل من كل شئ من الشاة من لحمها الأحمر والأبيض والألية والكبد والطحال والقلب فقال شيخنا يعني
стр. 6619
ابن حامد لا يحنث لأن اسم الشحم لا يقع عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي وقد سبق الكلام في أن شحم الظهر والجنب شحم فيحنث به، فأما إن أكل اللحم الأحمر وحده ولم يظهر فيه شئ من الشحم فقال الخرقي يحنث لأنا قد ذكرنا أن الشحم كل ما يذوب بالنار ولا يكاد اللحم يخلو من شئ منه وإن قل فيحنث به ولأنه يظهر في الطبخ فيبين على وجه المرق وإن قل وهذا يفارق من حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه ولا لونه فإن هذا يظهر الدهن فيه، وقال غير الخرقي من أصحابنا لا يحنث وهو الصحيح لأنه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث بأكل اللحم الذي كان فيه.
(فصل) ويحنث بالأكل من الألية في ظاهر كلام الخرقي وموافقيه لأنها دهن تذوب بالنار وتباع مع الشحم ولا تباع مع اللحم، وعلى قول القاضي وموافقيه ليست شحما ولا لحما فلا
يحنث به الحالف على تركهما.
(فصل) إذا حلف لا يأكل لحما حنث بأكل اللحم المحرم كالميتة والخنزير والمغصوب وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه لا يحنث بأكل اللحم المحرم بأصله لأن يمينه تنصرف إلى ما يحل دون ما يحرم فلا يحنث بما لا يحل كما لو حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً.
ولنا أن هذا لحم حقيقة وعرفا فحنث به كالمغصوب وقد سماه الله تعالى لحما فقال (ولحم الخنزير)
стр. 6620
وما ذكروه يبطل بما إذا حلف لا يلبس ثوبا فلبس ثوب حرير، وأما البيع الفاسد فلا يحنث به لأنه ليس ببيع في الحقيقة.
* (مسألة) * (وإن حلف لا يأكل لبنا فأكل زبدا أو سمنا أو كشكا أو بصلا أو جبنا لم يحنث وإن حلف على الزبد والسمن فأكل لبناً لم يحنث) إذا حلف لا يأكل لبناً فأكل من لبن الأنعام أو الصيد أو لبن آدمية حنث لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفاً وسواء كان حليباً أو رائباً أو مائعاً أو مجمداً لأن الجميع لبن.
ولا يحنث بأكل الجبن والسمن والبصل والأقط والكشك، وإن أكل زبداً فكذلك نص عليه وقال القاضي يحتمل أن يقال في الزبد إن ظهر فيه لبن حنث بأكله وإلا فلا كما لو حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن وهذا مذهب الشافعي، وإن حلف لا يأكل زبداً فأكل سمناً أو لبنا لم يظهر فيه الزبد لم يحنث وإن كان الزبد فيه ظاهراً حنث وإن أكل لبناً لم يحنث وكذلك سائر ما يصنع من اللبن سوى السمن لم يحنث وإن أكل السمن منفرداً أو في عصيدة أو حلواء أو طبيخ يظهر فيه طعمه حنث وكذلك إذا حلف لا يأكل لبناً فأكل طبيخاً فيه لبن أو لا يأكل خلاً فأكل طبيخاً فيه خل يظهر فيه طعمه حنث وبهذا قال
стр. 6621
الشافعي وقال بعض أصحابنا لا يحنث لأنه لم يفرده بالأكل ولا يصح لأنه أكل المحلوف عليه وأضاف إليه غيره فحنث كما لو أكله وأكل غيره * (مسألة) * (وإن حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كالجوز واللوز والتمر والرمان
حنث وإن أكل البطيخ حنث ويحتمل أن لا يحنث) إذا حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل ما يسمى فاكهة وذلك كل ثمرة تخرج من الشجر يتفكه بها من العنب والرطب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والخوخ والمشمش والأترج والتوت والنبق واللوز والجميز وبهذا قال الشافعي وأبويوسث ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو ثور لا يحنث بأكل ثمرة النخل والرمان لقول الله تعالى (فيهما فاكهة ونخل ورمان) والمعطوف يغاير المعطوف عليه ولنا أنها ثمرة شجرة يتفكه بها فكانا من الفاكهة كسائر الأثمار ولأنهما فاكهة في عرف الناس ويسمى بائعهما فاكهانياً وموضع بيعهما دار الفاكهة والأصل في العرف الحقيقة والعطف لتشريفها وتخصيصهما كقوله تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) وهما من الملائكة، فأما يابس هذه الفواكه كالزبيب والتمر والتين والمشمش اليابس والاجاص ونحوها فهو من الفاكهة لأنه ثمر شجرة يتفكه به ويحتمل أنه ليس منها لأنه يدخر ومنه ما يقتات فأشبه الحبوب، والزيتون ليس بفاكهة لأنه لا يتفكه بأكله وإنما المقصود منه الأدم لا التفكه والبطم في معناه لأن
стр. 6622
المقصود زيته ويحتمل أنه فاكهة لأنه ثمر شجرة يؤكل غضا ويابساً على جهته أشبه التوت، والبلوط ليس بفاكهة لأنه لا يتفكه به وإنما يؤكل عند المجاعة أو للتداوي وكذلك سائر ثم الشجر البري الذي لا يستطاب كالزعرور الأحمر وثمر القيقب والعفص وحب الآس ونحوه إن كان فيها ما يستطاب كحب الصنوبر والبندق فهو فاكهة لأنه ثمر شجرة يتفكه به وفي البطيخ وجهان (أحدهما) هو من الفاكهة ذكره القاضي وهو قول الشافعي وأبي ثور لأنه ينضج ويحلو أشبه ثمر الشجر (والثاني) لا يحنث بأكله لأنه ثمر بقلة أشبه الخيار * (مسألة) * [ولا يحنث بأكل القثاء والخيار ونحوه والقرع والباذنجان] لأنه من الخضر وليس من الفاكهة وكذلك ما يكون في الأرض كالجزر واللفت والفجل والقلقاس والسوطل ونحوه، ليس شئ من ذلك فاكهة لأنه لا يسمى بها ولا هو في معناها * (مسألة) * [وإن حلف لا يأكل رطبا فأكل مذنبا حنث]
وهو الذي بدأ فيه الأرطاب من ذنبه وباقيه بسر أو منصفاً وهو الذي بعضه بسر وبعضه رطب أو حلف لا يأكل بسراً فأكل ذلك حنث وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد والشافعي وقال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي لا يحنث لأنه لا يسمى رطباً ولا تمراً
стр. 6623
ولنا أنه أكل رطباً وبسراً فحنث كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة منفردين وما ذكروه لا يصح فإن القدر الذي أرطب رطب والباقي بسر ولو أنه حلف لا يأكل البسر فأكل البسر الذي في المنصف حنث وإن أكل البسر من يمينه على الرطب وأكل الرطب من يمينه على البسر لم يحنث واحد منهما وإن حلف واحد ليأكلن رطباً وآخر ليأكلن بسراً فأكل الحالف على أكل الرطب ما في المنصف من الرطب وأكل الآخر باقيها برا جميعاً وإن حلف ليأكلن رطبة أو بسرة أو لا يأكل ذلك فأكل منصفاً لم يبر ولم يحنث لأنه ليس فيه رطبة ولا بسرة * (مسألة) * (وإن أكل تمراً أو بسراً لم يحنث) لأنه ليس برطب [فصل] وإن حلف لا يأكل تمراً فأكل رطبا لم يحنث لأنه لم يتناوله الأسم وكذلك لو أكل بسراً أو بلحاً وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافاً [فصل] فإن حلف لا يأكل عنباً فأكل زبيباً أو دبساً أو خلا أو ناطفاً أو لا يكلم شاباً فكلم شيخاً أو لا يشتري جدياً فاشترى تيساً أو لا يضرب عبداً فضرب عتيقاً لم يحنث بغير خلاف لأن اليمين تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة فجرى مجرى قوله لا أكلت هذه التمرة فأكل غيرها فأما إن عين المحلوف عليه ففيه خلاف ذكرناه فيما مضى * (مسألة) * [وإن حلف لا يأكل أدماً حنث بأكل البيض والشواء والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يصطبغ به وفي التمر وجهان]
стр. 6624
إذا حلف على ترك الأدم حنث بأكل ما جرت العادة بأكل الخبز به لأن هذا معنى التأدم وسواء في هذا ما يصطبغ به كالطبيخ والمرق والخل والزيت والسمن والشيرج واللبن قال الله تعالى (وصبغ
للآكلين) وقال النبي ﷺ " نعم الادام الخل - وقال - ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " رواه ابن ماجه - أو من الجامدات كالشواء والجبن والباقلا والزيتون والبيض وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ما لا يصطبغ به فليس بأدم لأن كل واحد منهما يرفع إلى الفم مفرداً ولنا ما روى عن البني ﷺ أنه قال " سيد الادام اللحم - وقال - سيد أدمكم الملح " رواه ابن ماجه ولأنه يؤكل به الخبز عادة فكان أدماً كالذي يصطبغ به ولأن كثير مما ذكرنا لا يؤكل في العادة وحده إنما يعد للتأدم به فكان أدماً كالخل واللبن وقولهم أنه يرفع إلى الفم مفرداً عنه جوابان (أحدهما) أن منه ما يرفع مع الخبز كالملح ونحوه (والثاني) أنهما يجتمعان في الفم والمضغ والبلع الذي هو حقيقة الأكل فلا يضر افتراقهما قبله وأما التمر ففيه وجهان (أحدهما) أنه أدم لما روى يوسف عن عبد الله بن سلام قال رأيت رسول الله ﷺ وضع تمرة على كسرة وقال " هذا إدام هذه " رواه أبو داود وذكره الإمام أحمد (والثاني) ليس بأدم لأنه
стр. 6625
لا يؤتدم به عادة وإنما يؤكل قوتاً وحلاوة ولأنه فاكهة فأشبه الزبيب [فصل] إذا حلف لا يأكل طعاما حنث بأكل كل ما يسمى طعاما من قوت وأدم وحلواء وجامع ومائع قال الله تعالى (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه - وقال تعالى - ويطعمون الطعام على حبه) يعني على محبة الطعام وحاجتهم إليه وقيل على حب الله تعالى وقال تعالى (قل لاجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) وسمى النبي ﷺ اللبن طعاما فقال " إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم " وفي الماء وجهان (أحدهما) هو طعام لقوله تعالى (ومن لم يطعمه فإنه مني) والطعام ما يطعم ولأن النبي ﷺ سمى اللبن طعاما وهو مشروب فكذلك الماء.
[والثاني] ليس بطعام لأنه لا يسمى طعاما ولا يفهم من إطلاقه اسم الطعام ولهذا يعطف عليه فيقال طعام وشراب وقال النبي ﷺ " لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن " رواه ابن ماجه ويقال باب
الأطعمة والأشربة ولأنه إن كان طعاماً في الحقيقة فليس بطعام في العرف فلا يحنث بشربه لأن مبنى الأيمان على العرف لكون الحالف في الغالب لا يريد بلفظه إلا ما يعرفه، فإن أكل دواء ففيه وجهان:
стр. 6626
(أحدهما) يحنث لأنه يطعم حال الاختيار وهو مذهب الشافعي (والثاني) لا يحنث لأنه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام ولا يوكل إلا عند الضرورة، فإن أكل من نبات الأرض ما جرت العادة بأكله حنث وإن أكل ما لم تجر به عادة كورق الشجر ونشارة الخشب والتراب احتمل وجهين (أحدهما) يحنث لأنه قد أكله فأشبه ما جرت العادة بأكله ولأنه روي عن عتبة بن غزوان أنه قال لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى قرحت أشداقنا (والثاني) لا يحنث لأنه لا يتناوله اسم الطعام في العرف (فصل) وإن حلف لا يأكل قوتاً فأكل خبزاً أو تمراً أو تيناً او لحماً أو لبناً حنث لأن كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان، ويحتمل أن لا يحنث إلا بما يقتاته أهل بلده لأن يمينه تنصرف إلى القوت المتعارف عندهم وفي بلدهم ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإن أكل سويقاً أو استف دقيقا حنث لأنه يقتات كذلك، ولهذا قال بعض اللصوص لا تخبزا خبزاً وبسابسا * ولا تطيلا بمقام حبسا وإن أكل حباً يقتات خبزه حنث ولذلك روي أن النبي ﷺ كان يدخر قوت عياله سنة وإنما يريد الحب، ويحتمل أن لا يحنث لأنه لا يقتات كذلك وإن أكل عنباً أو حصرما أو خلا لم يحنث لأنه لم يصر قوتا.
* (مسألة) * (وإن حلف لا يلبس شيئا فلبس ثوبا أو درعا أو جوشناً أو خفاً أو نعلاً حنث) وكذلك إن لبس عمامة أو قلنسوة)
стр. 6627
وقال أصحاب الشافعي في الخف والنعل وجهان (أحدهما) لا يحنث ولنا أنه ملبوس حقيقة وعرفا فحنث كالثياب وفي الحديث أن النبي ﷺ أهدى إليه النجاشي خفين فلبسهما.
وقيل لأبن عمر: إنك تلبس هذه النعال فقال رأيت رسول الله
ﷺ يلبسهما.
فإن ترك القلنسوة في رجله أو أدخل يده في الخف أو النعل لم يحنث لأن ذلك ليس بلبسه لهما * (مسألة) * (وإن حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث وإن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين) إذا حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة حنث فإن لبس خاتماً من فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو جوهر وحده حنث وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأنه ليس بحلي وحده ولنا قول الله تعالى (وتستخرجون منه حلية تلبسونها) وقال تعالى [يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا] وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال الله تعالى للبحر الشرقي إني جاعل فيك الحلية والصيد والطيب ولأن الفضة حلي إذا كانت سواراً أو خلخالاً فكانت حلياً إذا كانت خاتماً كالذهب والجوهر، واللؤلؤ حلي مع غيره فكان حلياً وحده كالذهب وإن لبس عقيقاً أو سبجاً لم يحنث
стр. 6628
وقال الشافعي إن كان من أهل السواد حنث وفي غيرهم وجهان لأن هذا حلي في عرفهم (ولنا) أن هذا ليس بحلي فلا يحنث به كالودع وخرز الزجاج وما ذكروه ويبطل بالودع، وإن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين (أحدهما) لا يحنث لأنه ليس بحلي إذا لم يلبسه فكذلك إذا لبسه [والثاني] يحنث لأنه ذهب وفضة لبسه فكان حلياً كالسوار والخاتم وإن لبس سيفاً محلى لم يحنث لأن السيف ليس بحلي، وإن لبس منطقة محلاة ففيه وجهان [أحدهما] لا يحنث لأن الحلية لها دونه فأشبهت السيف المحلى [والثاني] يحنث لأنها من حلي الرجال ولا يقصد بلبسها محلاة في الغالب إلا التجمل بها، وإن حلف لا يلبس خاتماً فلبسه في غير الخنصر من أصابعه حنث وقال الشافعي لا يحنث لأن اليمين تقتضي لبساً معتاداً وليس هذا معتاداً فأشبه ما لو أدخل القلنسوة في رجله ولنا انه لابس لما حلف على ترك لبسه فأشبه ما لو اتزر بالسراويل.
وأما إدخال القلنسوة في رجله فهو عبث وسفه بخلاف هذا فإنه لا فرق بين الخنصر وغيرها إلا من حيث الاصطلاح على تخصيصه بالخنصر
стр. 6629
* (مسألة) * (وإن حلف لا يركب دابة فلان ولا يلبس ثوبه ولا يدخل داره فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره أو فعل ذلك فيما استأجره فلان حنث وإن ركب دابة استعارها لم يحنث) إذا حلف لا يدخل دار فلان فدخل دار مملوكة له أو دارا يسكنها بأجرة أو عارية أو غصب حنث وبذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث إلا بدخول دار يملكها لأن الإضافة في الحقيقة إلى المالك بدليل أنه لو قال هذه الدار لفلان كان مقراً له بملكها ولو قال أنه يسكنها لم يقبل ولنا أن الدار تضاف إلى ساكنها كإضافتها إلى مالكها قال الله تعالى (لا تخرجوهن من بيوتهن) وأراد بيوت أزواجهن اللائي يسكنها وقال تعالى (وقرن في بيوتكن) ولأن الإضافة للاختصاص ولذلك يضاف الرجل إلى أخيه بالإخوة وإلى أمه بالبنوة وإلى والده بالأبوة وإلى امرأته بالزوجية وساكن الدار مختص بها فكانت إضافتها إليه صحيحة وهي مستعملة في العرف فوجب أن يحنث بدخولها كالمملوكة له، وقولهم هذه الإضافة مجاز ممنوع بل هي حقيقة لما ذكرناه ولو كانت مجازاً لكنه مشهور فيتناوله اللفظ كما لو حلف لا شربت من رواية فلان فإنه يحنث بالشرب من مزادته.
أما الإقرار فإنه لو قال هذه دار زيد وفسر إقراره بسكناها احتمل أن لا يقبل تفسيره، وإن سلمنا
стр. 6630
فإن قرينة الإقرار تصرفه إلى الملك وكذلك لو حلف لا دخلت مسكن زيد حنث بدخوله الدار التي يسكنها، ولو قال هذا المسكن لزيد كان مقراً له به ولا خلاف في هذه المسألة وهي نظيرة مسئلتنا [فصل] وإن ركب دابة عبده أو لبس ثوبة أو دخل داره حنث لأن ما في يد العبد لسيده فهو كالذي في يده، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لان دار العبد ملك للسيد فإن حلف لا يلبس ثوب السيد ولا يركب دابته فلبس ثوب عبده وركب دابته حنث وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأن العبد بهما أخص ولنا أنهما مملوكان للسيد فتناولتهما يمين الحالف كالدار وما ذكروه يبطل بالدار * (مسألة) * (وإن حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة استعارها لم يحنث وإن ركب دابة استأجرها حنث)
لأنه ملك منافعها بخلاف المستعير وهكذا ذكره أبو الخطاب ولو ركب دابة غصبها فلان لم يحنث، وفارق مسألة الدار فإنه لم يحنث في الدار لكونه استعارها ولا غصبها وإنما حنث لسكناه فيها فأضيفت الدار إليه لذلك ولو غصبها أو استعارها من غير أن يسكنها لم تصح إضافتها إليه فلا يحنث الحالف فيكون كمستعير الدابة وغاصبها * (مسألة) * (وإن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث)
стр. 6631
وكذلك إن حلف لا يدخل دار هذا العبد ولا يلبس ثوبه وعند الشافعي لا يحنث لأنه لا يملك شيئاً من ذلك والإضافة تقتضي الملك وقد قدمنا الكلام معه فيما مضى ويخص هذا الفصل بأن الملكية لا تمكن ههنا فلا تصح الإضافة بمعناها فتعين حمل الإضافة ههنا على إضافة الاختصاص دون الملك * (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث وإن دخل طاق الباب احتمل وجهين) إذا حلف لا يدخل داراً فرقى سطحها حنث، وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث ولأصحابه فيما إذا كان السطح محجراً وجهان واحتجوا بأن السطح يقيها الحر والبرد ويحرزها فهو كحيطانها، ولنا أن سطح الدار منها وحكمه حكمها فحنث بدخوله كالمحجر أو كما لو دخل بين حيطانها ودليل ذلك أن الاعتكاف يصح في سطح المسجد ويمنع الجنب من اللبث فيه، ولو حلف ليخرجن من الدار فصعد سطحها لم يبر ولو حلف أن لا يخرج منها فصعد سطحها لم يحنث، ولأنه داخل في حدود الدار ومملوك لصاحبها ويملك بشرائها ويخرج منها من ملك صاحبها ببيعها، والبائت عليه يقال بات في داره وبهذا يفارق ما وراء حائطها، فان كان في اليمين قرينة لفظية أو حالية تقتضي اختصاص الارادة بداخل الدار مثل أن يكون بسطح الدار طريق وسبب يمينه يقتضي ترك وصلة أهل الدار لم يحنث بالمرور على سطحها وكذلك
стр. 6632
أن نوى بيمينه باطن الدار تقيدت يمينه بما نواه لانه ليس المرء الا ما نواه، وإن دخل طلق الباب احتمل وجهين (أحدهما) يحنث لأنه دخل في حدها (والثاني) لا يحنث لأنه لا يسمى داخلاً وقال
القاضي إذا قام على العتبة لم يحنث لأن الباب إذا أغلق حصل خارجاً منها ولا يسمى داخلا فيها (فصل) فإن تعلق بغصن شجرة في الدار لم يحنث لأنه لم يدخلها فإن صعد حتى صار في مقابلة سطحها بين حيطانها حنث وإن لم ينزل بين حيطانها احتمل أن لا يحنث لأنه في هوائها وهواؤها ملك لصاحبها فأشبه ما لو قام على سطحها واحتمل أن لا يحنث لأنه لا يسمى داخلا ولا هو على شئ من أجزائها وكذلك لو كانت الشجرة في غير الدار فتعلق بفرع ماد على الدار في مقابلة سطحها وان قام على حائط احتمل وجهين (أحدهما) يحنث وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لأنه داخل في حدها فأشبه القائم على سطحها (والثاني) لا يحنث لأنه لا يسمى دخولا (فصل) وان حلف لا يضع قدمه في الدار فدخلها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلا حنث كما لو حلف لا يدخلها وبهذا قال أصحاب الرأي وقال أبو ثور أن دخلها راكباً لم يحنث لأنه لم يضع قدمه فيها ولنا أنه قد دخل الدار فيحنث كما لو دخلها ماشياً ولا نسلم أنه لم يضع قدمه فيها فإن قدمه
стр. 6633
موضوعة على الدابة فيها فأشبه ما لو دخلها منتعلا وعلى أن هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول فتحمل عليه يمينه، فإن قيل هذا مجاز لا يحمل اليمين عليه قلنا المجاز اذا اشتهر صار من الأسماء العرفية فينصرف اللفظ باطلاقه اليه كلفظ الرواية والدابة وغيرهما * (مسألة) * (وإن حلف لا يكلم إنساناً حنث بكلام كل إنسان - لأنه فعل المحلوف عليه - فإن زجره فقال تنح أو اسكت حنث) لأنه كلمة وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحنث بالقليل لأن هذا تمام الكلام الأول والذي يقتضيه يمينه إن لا يكلمه كلاماً مستأنفاً ولنا أن هذا القليل كلام منه له حقيقة وقد وجد بعد يمينه فيحنث به كما لو فصله ولأن ما يحنث به إذا فصله يحنث به إذا وصله كالكبير، وقولهم أن اليمين تقتضي خطاباً مستأنفاً قلنا هذا خطاب مستأنف وهو غير الأول بدليل أنه لو قطعه حنث به قال شيخنا وقياس المذهب أن لا يحنث لأن قرينة صلته
هذا الكلام بيمينه تدل على إرادة كلام يستانفه بعد انقضاء هذا الكلام المتصل فلم يحنث كما لو وجدت النية حقيقة ولو نوى كلاماً غير هذا لم يحنث بهذا في المذهبين (فصل) فإن صلى بالمحلوف عليه إماماً ثم سلم من الصلاة لم يحنث نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقال أصحاب الشافعي يحنث لأنه شرع له أن ينوي السلام على الحاضرين
стр. 6634
ولنا أنه قول مشروع في الصلاة فلم يحنث به كتكبيرها وليست نية الحاضرين بسلامة واجبة في السلام وإن أرتج عليه في الصلاة ففتح عليه الحالف لم يحنث لأن ذلك كلام الله وليس بكلام الآدميين * (مسألة) * (وإن حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معاً حنث) لأن كل واحد منهما مبتدئ إذ لم يتقدم كلامه كلام سواه (فصل) وإن كاتبه أو ارسل إليه رسولا حنث إلا أن يكون أراد أن لا يشافهه وهذا قول الاصحاب ومذهب مالك والشافعي في القديم وقد روى الأثرم وغيره عن أحمد في رجل حلف أن لا يكلم رجلاً فكتب إليه كتاباً فقال وأي شئ كان سبب ذلك؟ إنما ننظر إلى سبب يمينه ولم حلف؟ إن الكتاب يجري مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات وهذا يدل على انه لا يحنث بالكتاب إلا أن تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي هجرانه وترك صلته فإن لم يكن كذلك لم يحنث بكتاب ولا رسول لأن ذلك ليس بتكليم في الحقيقة وهذا يصح نفيه فيقال ما كلمته إنما كاتبته أو راسلته ولذلك قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله - وقال - يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) ولو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه، وقد قال أحمد حين مات بشر الحافي لقد كان فيه أنس
стр. 6635
وما كلمته قط وقد كانت بينهما مراسلة وممن قال لا يحنث بهذا الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر والشافعي في الجديد، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) فاستثنى الرسول من التكلم والأصل أن يكون المستثنى من جنس
المستثنى منه ولأنه موضوع لإفهام الآدميين أشبه الخطاب والصحيح أن هذا ليس بتكليم وهذا الاستثناء من غير الجنس كما قال في الآية الأخرى (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) والرمز ليس بتكليم لكن أن نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه يقتضي هجرانه حنث ولذلك قال احمد الكتاب يجري مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام فلم يجعله كلاماً إنما قال هو بمنزلته في بعض الحالات إذا كان السبب يقتضي ذلك وإن أطلق احتمل أن لا يحنث لأنه لم يكلمه واحتمل أن يحنث لأن الغالب من الحالف بهذه اليمين قصد المواصلة فتعلق يمينه بما يراد في الغالب (فصل) وإن اشار إليه ففيه وجهان (أحدهما) يحنث قاله القاضي لأنه ليس بكلامه قال الله تعالى لمريم ﵍ (فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا - إلى قوله - فأشارت إليه) وقال في زكريا (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا - إلى قوله - فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) ولأن الكلام حروف وأصوات ولا يوجد في الإشارة ولان
стр. 6636
الكلام شئ مسموع وتبطل به الصلاة قال النبي ﷺ " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس " والإشارة خلاف هذا، فإن قيل فقد قال الله تعالى (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) قلنا هذا استثناء من غير الجنس بدليل ما ذكرنا ولصحة نفيه عنه فيقال ما كلمه وإنما أشار إليه.
(فصل) فإن ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته حنث نص عليه أحمد فإنه سئل عن رجل حلف أن لا يكلم إنساناً فناداه والمحلوف عليه لا يس؟ ع قال يحنث وهذا لكون ذلك يسمى تكليما يقال فلم يسمع (فصل) وإن سلم على المحلوف عليه حنث لأن السلام كلام تبطل به الصلاة فحنث به كغيره من الكلام * (مسألة) * (وإن حلف لا يكلمه حينا فذلك ستة أشهر نص عليه) وجملة ذلك أنه إذا حلف لا يكلمه حينا فقيد ذلك بلفظه او نيته بزمن تقيد به وإن اطلق انصرف
стр. 6637
الى ستة أشهر روى ذلك عن ابن عباس وبه قال أصحاب الرأي وقال مجاهد والحكم وحماد ومالك هو سنة لقوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) أي كل عام وقال الشافعي وأبو ثور ليس هو مقدراً ويبر بأدنى زمن لان الحين اسم مبهم يقع على الكثير والقليل، قال الله تعالى (ولتعلمن نبأه بعد حين) قيل اراد يوم القيامة، وقال (هل أتى على الإنسان حين من الدهر؟ - وقال - فذرهم في غمرتهم حتى حين - وقال - حين تمسون وحين تصبحون) ويقال جئت منذ حين وإن كان اتاه من ساعة ولنا أن الحين المطلق في كلام الله تعالى اقله ستة أشهر قال عكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيد في قوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) إنه ستة أشهر فيحمل مطلق كلام الآدمي على مطلق كلام الله تعالى ولأنه قول ابن عباس ولا نعلم له في الصحابة مخالفاً وما استشهدوا به من المطلق في كلام الله تعالى فما ذكرناه أقله فيحمل عليه لأنه اليقين * (مسألة) * (وإن قال زمناً أو دهراً أو بعيداً أو ملياً أو الزمان رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ) وكذلك وقتاً أو طويلاً أو بعيداً أو قريبا في قول أبي الخطاب وهو مذهب الشافعي لأن هذه الأشياء لا حد لها في اللغة وتقع على القليل والكثير فوجب حمله على أقل ما تناوله اسمه وقد يكون القريب بعيداً بالنسبة إلى ما هو أقرب منه أو قريباً بالنسبة إلى ما هو أبعد منه ولا يجوز التحديد بالتحكم
стр. 6638
وإنما يصار إليه بالتوقيف ولا توقيف ههنا فيجب حمله على اليقين وهو أقل ما تناوله الاسم وقال ابن أبي موسى الزمان ثلاثة أشهر وقيل هو كالابد والدهر وهو أقيس لأنه بالألف واللام فهو على معناهما وقال طلحة العاقولي: الحين والعمر والزمان واحد لأنهم لا يفرقون في العادة بينها والناس يقصدون بذلك البعيد فلو حمل على القليل حمل على خلاف قصد الحالف، ودهر يحتمل أنه كالحين أيضا لهذا المعنى وقال في بعيد وطويل وملي هو على أكثر من شهر وهذا قول أبي حنيفة لأن ذلك ضد القليل فلا يجوز حمله على ضده * (مسألة) * (وإن قال عمراً احتمل أنه كذلك واحتمل أن يكون أربعين عاما)
واحتمل أن يكون كالحين وهو قول طلحة العاقولي واحتمل أن يكون أربعين عاماً لقول الله تعالى (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله) وكان ذلك أربعين سنة فيجب حمل الكلام عليه ولأن العمر في الغالب لا يكون إلا مدة طويلة فلا يحمل على خلاف ذلك وهذا قول حسن قاله شيخنا وقال القاضي هذه الألفاظ كلها مثل الحين قياساً إلا بعيداً وملياً فإنه على أكثر من شهر لأنه يقتضي البعيد * (مسألة) * (وإن قال الابد والدهر فذلك على الزمان كله) لأن الألف واللام للاستغراق تقتضي الدهر كله وكذلك الزمان في الصحيح وقد ذكرناه
стр. 6639
* (مسألة) * (والحقب ثمانون عاماً وقال مالك أربعون يوماً) لأن ذلك يروي عن ابن عباس وقال القاضي وأصحاب الشافعي هو أدنى زمان لأنه لم ينقل عن أهل اللغة فيه تقدير ولنا ما روى عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى (لابثين فيها أحقابا) الحقب ثمانون سنة وما ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لا يصح لأن قول ابن عباس حجة لأن ما ذكروه يفضي إلى حمل كلام الله تعالى (لابثين فيها أحقابا - وقول موسى - أو أمضي حقبا) إلى اللكنة لأنه أخرج ذلك مخرج التكثير فإذا صار معنى ذلك لابثين فيها ساعات أو لحظات أو أمضي لحظات أو ساعات صار مقتضى ذلك التقليل وهو ضد ما أراد الله تعالى بكلامه وضد المفهوم منه ولم يذكره أحد من المفسرين فيما نعلم فلا يجوز تفسير الحقب به * (مسألة) * والشهور اثنا عشر عند القاضي وعند أبي الخطاب ثلاثة كالأشهر) أما الأشهر فهي ثلاثة لأنها أقل الجمع وأما الشهور فاختار أبو الخطاب أنها ثلاثة أيضاً لذلك ولأن جمع الكثرة يستعمل بمعنى القلة كقوله تعالى (ثلاثة قروء) وقال القاضي وغيره هي اثنا عشر شهراً ولأن الشهور جمع الكثرة وأقله عشرة فلا يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة * (مسألة) * (والأيام ثلاثة) لأنها أقل الجمع قال الله تعالى (واذكروا الله في أيام معدودات) وهي أيام التشريق)
стр. 6640
(فصل) وإن حلف لا يتكلم ثلاث ليال أو ثلاثة أيام لم يكن له أن يتكلم في الأيام التي بين الليالي ولا في الليالي التي بين الأيام إلا أن ينوي قال الله تعالى (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) وفي موضع آخر ثلاث ليال سوياً فكان كل واحد من اللفظين عبارة عن الزمانين جميعاً وقال تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر) فدخل فيه الليل والنهار * (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث) إذا حلف لا يدخل هذه الدار من بابها فدخلها من غير الباب لم يحنث لأن يمينه لم تتناول غير الباب ويتخرج أن يحنث إذا اراد بيمينه اجتناب الدار ولم يكن الباب سبب هيج يمينه كما لو حلف لا يأوي مع زوجته في دار فأوى معها في غيرها وإن حول بابها إلى مكان آخر فدخل منه حنث لأنه دخلها من بابها وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي.
وإن حلف لا دخلت من باب هذه الدار فكذلك وإن جعل لها باب آخر مع بقاء الأول فدخل منه حنث لأنه دخل من باب الدار وإن قلع الباب ونصب في دار أخرى وبقي الممر حنث بدخوله ولم يحنث بالدخول من الموضع الذي نصب فيه الباب لأن الدخول في الممر لا من المصراع * (مسألة) * (وإن حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله)
стр. 6641
لان إلى لانتهاء الغاية فتنتهي عند أول الغاية كقوله سبحانه (ثم أتموا الصيام إلى الليل) ويحتمل إن تتناول جميع مدته لان إلى تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى (ويزدكم قوة إلى قوتكم - وقوله - ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم - وقوله - وأيديكم إلى المرافق) * (مسألة) * (وإن حلف لا مال له وله مال غير زكوي أو دين على الناس حنث) إذا حلف لا يملك مالا حنث بملك كل ما يسمى مالا سواء كان من الأثمان أو غيرها من العقار والأثاث والحيوان وبهذا قال الشافعي وعن أحمد أ؟؟ إذا نذر الصدقة بجميع ماله إنما يتناول نذره الصامت من ماله ذكرها ابن أبي موسى لأن إطلاق المال ينصرف إليه وقال أبو حنيفة لا يحنث إلا أن يملك مالا زكويا استحساناً لأن الله تعالى قال (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) فلا يتناول إلا الزكوي
ولنا أن غير الزكوية أموال قال الله تعالى (أن تبتغوا بأموالكم) وهي مما يجوز ابتغاء النكاح بها وقال أبو طلحة للنبي ﷺ إن أحب أموالي إلي ببرحا يريد حديقة وقال عمر أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه وقال أبو قتادة اشتريت مخرفا فكان أول مال تأثلته وفي حديث آخر " المال سكة مأثورة أو مهرة مأمورة " ويقال خير المال عين خرارة في أرض خوارة ولأنه يسمى مالا فحنث به؟ لزكوي وأما قوله تعالى (وفي أموالهم حق) فالحق ههنا غير الزكاة لأن هذه الآية
стр. 6642
مكية نزلت قبل فرض الزكاة لأن الزكاة إنما فرضت بالمدينة ثم لو كان لحق الزكاة فلا حجة فيها فإن الحق إذا كان في بعض المال كان في المال كما أن من هو في بيت في بلدة فهو في البيت وفي البلدة قال الله تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون) ولا يلزم أن يكون في جميع أقطارها، ثم لو اقتضى هذا العموم لوجب تخصيصه فإن ما دون النصاب مال ولا زكاة فيه وإن كان له دين حنث وهكذا ذكره أبو الخطاب وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأنه لا ينتفع به ولنا أنه ينعقد عليه حول الزكاة ويصح اخراجها عنه ويصح التصرف فيه بالإبراء والحوالة والمعاوضة عنه لمن هو في ذمته والتوكيل في استيفائه فحنث به كالمودع (فصل) وإن كان له مال مغصوب حنث لأنه باق على ملكه وإن كان له مال ضائع ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لأن الأصل بقاؤه على ملكه (والثاني) لا يحنث لأنه لا يعلم بقاؤه فإن ضاع على وجه قد أيس من عوده كالذي سقط في بحر لم يحنث لأن وجوده كعدمه، ويحتمل أن لا يحنث في كل موضع لا يقدر على أخذ ماله كالمجحود والمغصوب والدين على غير ملئ لأنه لا نفع فيه وحكمه حكم المعدوم في جواز الأخذ من الزكاة وانتفاء وجوب ادائها عنه وإن تزوج لم يحنث لأن ما ملكه ليس بمال وكذلك إن وجب له حق شفعة لأنه لم يثبت له الملك به وإن استأجر عقاراً أو غيره لم يحنث لأنه لا يسمى مالكاً لمال * (مسألة) * (وإن حلف لا يفعل شيئاً فوكل من يفعله حنث إلا أن ينوي)
стр. 6643
لأن الفعل ينسب إلى الموكل كما ينسب إلى الوكيل فيحنث به كما لو حلف لا يحلق راسه فأمر من يحلقه فإنه يحنث لأن الفعل منسوب إليه ولذلك تجب الفدية على من حلق رأسه بأذنه في الإحرام وإن كانت نيته إن لا يباشر بنفسه لم يحنث لأن الأيمان مبناها على النية (فصل) فأما الأسماء العرفية فهي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة كالرواية والظعينة والدابة والغائط والعذرة ونحوها فيتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة لأن الحقيقة صارت فيها مغمورة لا يعرفها أكثر الناس كالراوية للمزادة في العرف وفي الحقيقة الجمل الذي يستقى عليه، والغائط والعذرة في العرف للخارج المستقذر وفي الحقيقة الغائط المكان المطمئن والعذرة فناء الدار، والظعينة في العرف للمرأة وفي الحقيقة الناقة التي يظعن عليها والدابة في الحقيقة لكل ما يدب قال الله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع) وفي العرف اسم للبغال والخيل والحمير فلهذا قلنا اليمين تنصرف إلى العرف دون الحقيقة لأنه لا يعلم أن الحالف لا يريد غيره فصار كالمصرح به * (مسألة) * (وإن حلف على وطئ امرأة تعلقت يمينه بجماعها) لأنه الذي يصرف اللفظ في العرف إليه وكذلك إذا حلف على وطئ زوجته صار موليا منها
стр. 6644
* (مسألة) * (وإن حلف على وطئ دار تعلقت يمينه بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منعلا) لأن هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول فيحمل اليمين عليه بإطلاقه كلفظ الرواية والدابة وغيرهما * (مسألة) * (وإن حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين او لا يشم الورد والبنفسج فشم دهنهما أو ماء الورد فالقياس أنه لا يحنث وقال بعض أصحابنا يحنث) إذا حلف لا يشم الريحان فإنه في العرف اسم يختص الريحان الفارسي وفي الحقيقة اسم لكل نبت أو زهر طيب الريح مثل الورد والبنفسج والنرجس وقال القاضي لا يحنث إلا بشم الريحان الفارسي وهو مذهب الشافعي لأن الحالف لا يريد بيمينه في الظاهر سواه وقال أبو الخطاب يحنث
بشم ما يسمى في الحقيقة ريحاناً ولا يحنث بشم الفاكهة وجها واحدا وان حلف لا يشم ورداً ولا بنفسجاً فشم دهنهما أو ماء الورد فقال القاضي لا يحنث وهو مذهب الشافعي لأنه لم يشم ورداً ولا بنفسجاً وقال أبو الخطاب يحنث لأن الشم إنما هو للرائحة دون الذات ورائحة الورد والبنفسج موجودة فيهما
стр. 6645
وقال أبو حنيفة يحنث بشم دهن البنفسج لأنه يسمى ورداً والأول أقرب إلى الصحة إن شاء الله تعالى فإن شم الورد والبنفسج اليابس حنث وقال بعض أصحاب الشافعي لا يحنث كما لو حلف لا يأكل رطبا فأكل تمراً ولنا أن هذا اسمه وحقيقته باقية فيحنث به كما لو حلف لا يأكل لحماً فأكل قديداً وفارق ما ذكروه فإن التمر ليس برطب ولا يسمى رطباً * (مسألة) * (وإن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا حنث عند الخرقي ولم يحنث عند ابن أبي موسى) إذا حلف لا يأكل لحما ولم يرد لحما بعينه فأكل من الأنعام أو الصيد أو الطير حنث في قول عامة علماء الأمصار وأما السمك فظاهر المذهب أنه يحنث بأكله وبهذا قال قتادة والثوري ومالك وأبو يوسف وقال ابن أبي موسى في الإرشاد لا يحنث إلا أن ينويه وهذا قول أبي نيفة والشافعي لأنه لا ينصرف إليه اطلاق اسم اللحم ولو وكل وكيلاً في شراء اللحم فاشترى له سمكا لم يلزمه ويصح أن ينفى عنه الاسم فيقول ما أكلت لحما إنما أكلت سمكا فلم يتعلق به الحنث عند الإطلاق كما
стр. 6646
لو حلف لاقعدت تحت سقف فإنه لا يحنث بقعوده تحت السماء وقد سماه الله سقفا محفوظاً لأنه مجاز كذا ههنا ولنا قول الله تعالى (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا) ولأنه من جسم حيوان ويسمى لحما فحنث بأكله كلحم الطير وما ذكروه يبطل بلحم الطائر، وأما السماء فإن الحالف لا يقعد تحت سقف لا يمكنه التحرز من القعود تحتها فيعلم أنه لم يردها بيمينه ولأن التسمية ثم مجاز وههنا حقيقة لكونه من جسم حيوان يصلح للأكل فكان الإسم فيه حقيقة كلحم الطير حيث قال الله تعالى (ولحم طير مما يشتهون)
* (مسألة) * (وإن حلف لا يأكل راسا ولا بيضا حنث يأكل رءوس الطير والسمك والجراد عند القاضي وعند أبي الخطاب لا يحنث إلا بأكل رأس كل حيوان جرت العادة بأكله منفرداً أو بيض بزايل بائضه في حال الحياة) إذا حلف لا يأكل راسا فانه يحنث باأكل رأس كل حيوان من الإبل والصيود والحيتان والجراد ذكره القاضي وقال أبو الخطاب لا يحنث إلا بأكل رأس جرت العادة ببيعه للأكل منفرداً
стр. 6647
وقال الشافعي لا يحنث إلا بأكل رءوس بهيمة الأنعام دون غيرها إلا أن يكون ببلد تكثر فيه الصيود وتميز رؤوسها فيحنث بأكلها، وقال أبو حنيفة لا يحنث بأكل روس الإبل لأن العادة لم تجر ببيعها للأكل منفردة وقال صاحباه لا يحنث الا بأكل رءوس الغنم لأنها التي تباع في الأسواق دون غيرها فيمينه تنصرف إليها، ووجه الأول أن هذه رءوس حقيقة وعرفاً وهي مأكولة فيحنث بأكلها كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل من لحم النعام والزرافة وما يندر وجوده وبيعه، وأما إذا حلف لا يأكل بيضاً فيحنث بأكل بيض كل حيوان كثر وجوده كبيض الدجاج أو قل كبيض النعام وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا يحنث بأكل بيض النعام وقال أبو ثور لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج وما يباع في السوق ولنا أن هذا كله بيض حقيقة وعرفا وهو مأكول فيحنث بأكله كبيض الدجاج ولأنه أو حلف لا يشرب ماء فشرب ماء البحر أو ماء نجساً أو لا يأكل خبزاً فأكل خبز الأرز والذرة في مكان لا يعتاد أكله فيه حنث، فأما أن أكل بيض السمك والجراد فقال القاضي يحنث لأنه بيض حيوان أشبه بيض النعام وقال أبو الخطاب لا يحنث إلا بأكل بيض يزايل بائضه حال الحياة وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وأكثر العلماء وهو الصحيح لأن هذا لا يفهم من إطلاق
стр. 6648
اسم البيض ولا يذكر إلا مضافاً إلى بائضه ولا يحنث بأكل شئ يسمى بيضاً غير بيض الحيوان ولا شئ يسمى رأساً غير رءوس الحيوان لأن ذلك ليس برأس ولا بيض في الحقيقة * (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً أو حماماً أو بيت شعر أو أدم أو لا يركب
فركب سفينة حنث عند أصحابنا ويحتمل أن لا يحنث) وجملة ذلك أنه إذا حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً أو حماماً حنث نص عليه أحمد ويحتمل أن لا يحنث وهو قول أكثر الفقهاء لأنه لا يسمى بيتاً في العرف والأول المذهب لأنهما بيتان حقيقة وقد سمى الله عزوجل المساجد بيوتاً فقال (في بيوت أذن الله أن ترفع - وقال - إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) وروي في حديث " المسجد بيت كل تقي " وروي في الحديث " بئس البيت الحمام " فإذا كان في الحقيقة بيتاً وفي عرف الشرع حنث بدخوله كبيت الإنسان وإن دخل بيت شعر أو أدم حنث سواء كان الحالف حضرياً أو بدوياً فإن اسم البيت يقع عليه حقيقة وعرفا قال الله تعالى (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها) وأما مالا يسمى في العرف بيتاً كالخيمة فالأولى أن لا يحنث بدخوله من لا يسميه بيتاً لأن يمينه لا تنصرف إليه وإن دخل دهليز دار وصفتها لم يحنث وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة يحنث لأن جميع الدار بيت
стр. 6649
ولنا أنه لا يسمى بيتاً ولهذا يقال ما دخل البيت وإنما وقف في الصحن فإن حلف لا يركب فركب سفينة حنث وهو قول أبي الخطاب لأنه ركوب قال الله تعالى (اركبوا فيها بسم الله مجريها) وقال (فإذا ركبوا في الفلك) ويحتمل أن لا يحنث لأنه لا يسمى في العرف ركوباً.
* (مسألة) * (وإن حلف لا يتكلم فقرأ أو سبح أو ذكر الله تعالى لم يحنث) .
إذا حلف لا يتكلم فقرأ لم يحنث وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان قرأ في الصلاة لم يحنث وإن قرأ خارجاً منها حنث لأنه يتكلم بكلام الله تعالى وإن ذكر الله تعالى لم يحنث ومقتضى مذهب أبي حنيفة أنه يحنث ولأنه كلام الله قال الله تعالى (وألزمهم كلمة التقوى) وقال رسول الله ﷺ " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " ولنا أن الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين، ولهذا لما قال النبي ﷺ " إن الله يحدث من أمره ما شاء وإنه قد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة " لم يتناول المختلف فيه وقال زيد بن
أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وقال الله تعالى (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) وقال (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا - واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار) فأمره بالتسبيح مع قطع الكلام عنه ولان مالا
стр. 6650
يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارجاً منها كالإشارة وما ذكروه يبطل بالقراءة والتسبيح في الصلاة وذكر الله المشروع فيها وإن استأذن عليه إنسان فقال (ادخلوها بسلام آمنين) يقصد القرآن لم يحنث، لأن هذا من القرآن فلا يحنث به ولذلك لا تبطل الصلاة به وإن لم يقصد القرآن حنث لأنه من كلام الناس.
* (مسألة) * (وإن حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتف شعرها أو عضها حنث) لأنه يقصد ترك تأليمها وقد آلمها فأما إن عضها بتلذذ ولم يقصد تأليمها لم يحنث وإن حلف ليضربنها ففعل ذلك بر لوجود المقصود بالضرب.
* (مسألة) * (وإن حلف ليضربنه مائة سوط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه) .
وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي وقال ابن حامد يبر، لأن أحمد قال في المريض عليه الحد يضرب بعثكال النخل ويسقط عنه الحد، وبهذا قال الشافعي إذا علم أنها مسته كلها وإن علم أنها لم تمسه كلها لم يبر وإن شك لم يحنث في الحكم لأن الله تعالى قال (فخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) وقال النبي ﷺ في المريض الذي زنى " خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة " ولأنه ضرب بمائة سوط فبر في يمينه كما لو فرق الضرب.
стр. 6651
ولنا أن معنى يمينه أن يضربه مائة ضربة ولم يضربه إلا ضربة واحدة، الدليل على هذا أنه لو ضربه مائة ضربة بسوط بر بغير خلاف ولو عاد العدد إلى السوط لم يبر بالضرب بسوط واحد كما لو حلف ليضربنه بعشرة أسواط ولأن السوط ههنا آلة أقيمت مقام المصدر وانتصب انتصابه لأن معنى كلامه لاضربنه مائة ضربة بسوط وهذا هو المفهوم من يمنيه والذي يقتضيه لغة فلا يبر
بما يخالف ذلك، وأما أيوب ﵇ فإن الله تعالى أرخص له رفقا بامرأته لبرها به وإحسانها إليه ليجمع له بين بره في يمينه ورفقه بامرأته ولذلك امتن عليه بهذا وذكره في جملة ما من به عليه من معافاته من بلائه وإخراج الماء له فيختص هذا به كاختصاصه بما ذكر معه ولو كان هذا الحكم عاما بكل أحد لما خص أيوب بالمنة عليه، وكذلك المريض الذي يخاف تلفه أرخص له بذلك في الحد دون غيره وإذا لم يتعده هذا الحكم في الحد الذي ورد النص به فيه فلأن لا يتعداه إلى اليمين أولى ولو خص بالبر من له عذر يبيح العدول في الحد إلى الضرب بالعثكال لكان له وجه أما بعد تعديته إلى غيره فبعيد جداً.
[فصل] ولو حلف أن يضربه بعشرة أسواط فجمعها فضربه بها بر لأنه قد فعل ما حلف عليه وإن حلف ليضربنه عشر ضربات فكذلك إلا وجهاً لأصحاب الشافعي أنه يبر وليس بصحيح لأن
стр. 6652
هذه ضربة واحدة بأسواط ولهذا يصح أن يقال ما ضربته واحدة ولو حلف لا يضربه أكثر من ضربة واحدة ففعل هذا لم يحنث في يمينه.
و [فصل] ولا يبر حتى يضربه ضرباً يؤلمه، وبهذا قال مالك وقال الشافعي يبر بما لم يؤلم لأن الإسم يتناوله فوقع البر به كالمؤلم.
ولنا أن هذا يقصد به في العرف التأليم فلا يبر بغيره وكذلك كل موضع وجب الضرب في الشرع في حد أو تعزير كان من شرطه التأليم كذا ههنا.
* (فصل) * إذا حلف لا يأكل شيئاً فأكله مستهلكاً في غيره مثل أن لا يأكل لبنا فأكل زبداً أو لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه أو لا يأكل بيضاً ناطفاً أو لا يأكل شحما فأكل اللحم الأحمر أو لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير لم يحنث وإن ظهر طعم السمن أو طعم شئ من المحلوف عليه حنث وقال الخرقي يحنث بأكل اللحم الأحمر وحده وقال غيره يحنث بأكل حنطة فيها حبات شعير) أما إذا حلف لا يأكل لبنا فأكل زبدا لا يظهر فيه طعم اللبن لم يحنث لأنه لم يأكل لبناً فأشبه ما لو أكل كشكاً وكذلك إن حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه
لا يحنث لذلك، فأما إن ظهر طعم شئ من المحلوف عليه حنث كما لو أكل كل واحد منفرداً، وإن حلف لا يأكل بيضاً فأكل ناطفاً لم يحنث لأنه لا يسمى بيضاً.
стр. 6653
(مسألة) وإن حلف لا يأكل شحما فأكل اللحم الأحمر فقال الخرقي يحنث لأن الشحم ما يذوب بالنار مما في الحيوان والعرف يشهد لقوله وهو ظاهر قول أبي الخطاب واللحم لا يكاد يخلو من شئ منه فيحنث به، وإن قل لأنه يظهر في الطبيخ فيبين على وجه المرق وفارق، من حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه ولا لونه، لأن هذا قد يظهر الدهن فيه وقال غير الخرقي من أصحابنا لا يحنث، قال شيخنا وهو الصحيح لأنه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث بأكل اللحم الذي كان فيه فإن حلف لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير فقال غير الخرقي يحنث لأنه أكل شعيراً فأشبه ما لو أكله منفرداً أو حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفاً والأولى أن لا يحنث لأنه مستهلك في الحنطة أشبه السمن في الخبيص الذي لا يظهر طعمه، وإن نوى بيمينه أن لا يأكل الشعير منفرداً أو كان السبب يقتضي ذلك أو يقتضي أكل شعير يظهر أثر أكله لم يحنث بذلك * (فصل) * قال ﵁ (فإن حلف لا يأكل سويقاً فشربه أو لا يشربه فأكله فقال الخرقي يحنث وقال أحمد من حلف لا يشرب نبيذاً فثرد فيه وأكله لا يحنث فيخرج في كل ما حلف لا يأكله فشربه أو لا يشربه فأكله وجهان وقال القاضي إن عين المحلوف عليه حنث وإلا فلا)
стр. 6654
وجملة ذلك أن من حلف لا يأكل شيئاً فشربه أو لا يشربه فأكله فقد نقل عن أحمد ما يدل على روايتين (إحداهما) يحنث لأن اليمين على ترك أكل شئ أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشئ فحملت اليمين عليه ألا ترى إلى قوله تعالى (ولا تأكلوا اموالهم - وان الذين يأكلون أموال اليتامى) لم يرد به الأكل على الخصوص؟ ولو قال طبيب لمريض لا تأكل العسل لكان ناهياً عن شربه (والثانية) لا يحنث وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، لأن الأفعال أنواع
كاليمين ولو حلف على نوع من الأعيان لم يحنث بغيره كذلك الأفعال، وقال القاضي إنما الروايتان فيمن عين المحلوف عليه مثل من حلف لا أكلت هذا السويق فشربه أو لا يشربه فأكله أما إذا أطلق فقال لا أكلت سويقاً فشربه أو لا يشربه فأكله لم يحنث رواية واحدة لا يختلف المذهب فيه وهذا يخالف ما ذكرنا ههنا من الإطلاق ومخالف لما أطلقه الخرقي، وليس للتعيين أثر في الحنث وعدمه فإن الحنث في المعين إنما كان لتناوله ما حلف عليه وإجراء معنى الأكل والشرب على التناول العام فيهما وهذا لا فرق فيه بين التعيين وعدمه وعدم الحنث معلل بإنه لم يفعل الفعل الذي حلف على تركه وإنما فعل غيره وهذا في المعين كهو في المطلق لعدم الفارق بينهما، ولأن الرواية في الحنث أحدث من كلام الخرقي وليس فيه تعيين ورواية عدم الحنث أحدث من رواية مهنا عن أحمد فيمن حلف لا يشرب هذا النبيذ فأكله لا يحنث لأنه لا يسمى شربا وهذا في المعين فإن عديت كل رواية
стр. 6655
إلى محل الأخرى وجب أن يكون في الجميع روايتان، وإن قصرت كل رواية على محلها كان الأمر على خلاف ما قال القاضي وهو أن يحنث في المطلق ولا يحنث في المعين.
(فصل) فإن حلف ليشربن شيئاً فأكله أو ليأكلنه فشربه خرج فيه وجهان بناء على الروايتين في الحنث إذا حلف على الترك ومتى تقيدت يمينه بنية أو سبب يدل عليها كانت يمينه على ما نواه أو دل عليه السبب لأن الأيمان على النية (فصل) فإن حلف لا يشرب شيئاً فمصه ورمى به فقد روي عن أحمد فيمن حلف لا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وقال ابن أبي موسى إذا حلف لا يأكل ولا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وهذا قول أصحاب الرأي فإنهم قالوا إذا حلف فمص حب رمان ورمى بالتفل لا يحنث لأنه ليس بأكل ولا شرب ويجئ على قول الخرقي أنه يحنث لأنه قد تناوله فوصل إلى حلقه وبطنه فيحنث به على ما قلناه فيمن حلف لا يأكل شيئاً فشربه أو لا يشربه فأكله وإن حلف لا يأكل سكرا فتركه في فيه حتى ذاب وابتلعه خرج على الروايتين * (مسألة) * (فإن حلف لا يطعم شيئاً حنث بأكله وشربه ومصه)
لأن ذلك كله طعم قال الله تعالى في النهر (من ولم يطعمه)
следующие страницы →