← Тараджим

Тараджим · id 1154

مختصر طبقات الحنابلة - ط الترقي

جميل الشطي

Полный текст (186 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقَدّمة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد فيقول العبد الفقير محمد جميل ابن الفاضل الكامل الشيخ عمر أفندي إبن العالم المحقق المرحوم الشيخ محمد أفندي ابن العلامة الشهير المبرور الشيخ حسن أفندي إبن الحاج عمر جلبي المعروف بابن شطي البغدادي أصلا، الإمام الحنبلي في الجامع الأموي بدمشق الشام حالا، أحسن الله حاله، وسدد أقواله وأعماله، لا يخفى أن سير الرجال من علم التاريخ قد طالما شغلت الأفكار، وحلت محل الاعتبار، وما زالت أجلة العلماء في جميع الأمصار والأعصار، يصنفون الأسفار، في تلك الأخبار. ولكن مشاربهم مختلفة ومقاصدهم شتى. فمنهم من تقيدوا بالزمان فترجموا رجال القرون قرنًا بعد آخر. ومنهم من تقيدوا بالمكان فترجموا رجال بلدة دون أخرى. ومنهم من تقيدوا بالفنون فكان هؤلاء أحسن عملًا من أولئك. إذ لا ريب خدمة العلم المطلقة خير من خدمة الزمان والمكان مقيدين ومن هؤلاء المؤرخين من وضعوا طبقات المذاهب الأربعة وفي جملتهم طبقات السادة الحنابلة رحمهم الله تعالى فقد اطلعت على الطبقات التي وضعها الشيخ العلامة القاضي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي المقدسي ووصل فيها إلى سنة تسعماية للهجرة. ثم وجدت أن العلامة الأديب السيد محمد كمال الدين ابن السيد محمد شرِيف ابن شمس الدين محمد الغزي العامري مفتي الشافعية بدمشق جزاه الله خيرًا قد وضع على الطبقات المذكورة ذيلًا وصل فيه من الحد الذي وقف عليه العليمي إلى سنة سبع ومائتين وألف. وقد رأيت عندي تراجم متفرقة لبعض علماء مذهبنا الأحمد مذهب الإمام أحمد ﵁ فجعلتها ذيلًا لطبقات الغزي المذكور ومن ثم أحببت أن أختصر شيئًا من طبقات العليمي والغزي أضيف إليه ذيلي الأنف ذكره ليجئ من

стр. 2

ذلك كتاب يجمع أخبار المشاهير من علمائنا منذ عصر إمامنا إلى عصرنا هذا وأرجو أن يكون عملي مقبولا. وبعين الرضا مشمولًا، إن شاء الله تعالى.

стр. 3

قال العليمي رحمه الله تعالى: الحمد لله على لطفه وإحسانه حمدًا يليق بجلال عظمته وعز سلطانه، والشكر له على فضله وامتنانه، شكرًا لا يحصيه كاتب بقلمه ولا ناطق بلسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله أرسله إلى الثقلين وأيده بسلطانه صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأعوانه، صلاة وسلامًا دائمين ما تحرك فلك في دورانه أما بعد فهذا مختصر استخرت الله في جمعه وترتيبه وسألته المعونة لي بفضله في وضعه وتهذيبه يتضمن نبذة من ترجمة إمامنا المبجل والحبر المفضل الرباني عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة وآخر المجتهدين من الأئمة ﵁ وأرضاه وجعل الجنة منقلبه ومثواه وأحواله ومناقبه وذكر محنته وتاريخ مولده ووفاته وتراجم أصحابه رحمة الله عليهم فاذكر أولًا ما تيسر من مناقب الإِمام ﵁ ثم أذكر أصحابه الذين عاصروه فابتدئ بذكر من توفي منهم قبله ثم أذكر من توفي بعده ثم أذكر من لم تؤرخ وفاته من الفقهاء الذين كانوا على مذهبه في الأصول والفروع ونقلوه عنه إلى من بعدهم إلي أن وصل الينا. وأسرد أسماءهم متوالية ليتميزوا عن غيرهم من أصحابه الذين قرأوا عليه في الحديث وغيره ورووا عنه من غير المشهورين بالتمذهب بمذهبه في فروع الفقه. ثم أذكر أسماء الأصحاب من بعد الطبقة الأولى مرتبًا على الطبقات والوفيات ومن لم أطلع على تاريخ وفاته ذكرت اسمه وما وقفت عليه من ترجمته والعصر الذي كان موجودًا فيه أن عملته وأوجزت لفظه حسب الامكان وحذفت الأسانيد مما رويته فيه من الأحاديث الشريفة في بعض التراجم طلبًا للاختصار وسميته بالمنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإِمام أحمد والله سبحانه المسؤول أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به إنه بعباده رؤوف رحيم. * الإِمام المبجّل أحمد بن محمد بن حنبل: ذكر ما تيسر من مناقبه هو الإِمام البارع المجمع على جلالته وإمامته وورعه وزهادته وحفظه ووفور عقله وعلمه وسيادته إمام المحدثين والناصر للدين عن السنة والصابر في المحنة ومن

стр. 4

لم تر عين مثله علمًا وزهدًا وديانة وأمانة الإمام الذي لا يجارى والفحل الذي لا يبارى ومن أجمع أئمة الدين على تقدمه في شأنه ونبله وعلو مكانه والذي له من المناقب ما لا يعد ولا يحصى وقام الله مقامًا لولاه لضعف الإِسلام واندرس العلم ومشى الناس على أعقابهم القهقري. إمام الأئمة رباني الأمة عالي الهمة ناصر الإِسلام والسنة شجرة نسبه في الأصل خليلية وفي الفرع إسماعيلية وأوراقها ربيعية وعروقها شيبانية استنار ذكره في الأمصار استنارة الشمس في النهار فهو صيرفي الحديث ينتقد الطيب من الخبيث قيس في الزهد والعلم بالحسن البصري وفي الرقائق والدقائق بذي النون المصري وفي التفسير ومعانيه بإبن عباس وفي التشديد على أهل البدع بعمر بن الخطاب الشديد البأس قام بإحياء الدين ونصره دون جميع أهل عصره وذب عن حريم الملة بسيف الكتاب والسنة حين برز الشيطان بجنوده وافتخر بكثرة عديدة حتى أظهر السنة من بعد ما اختفت وأقام قواعد الدين من بعد ما عفت فهو إمام أئمة الإِسلام وحجة الله على الأنام عليه أفضل التحية والسلام. فهو الإِمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنسى بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن عمن بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهيسع بن حمل بن البت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وعَلَى جميع الأنبياء والمرسلين. فهذا هو المروي عن عبد الله إبن الإِمام أحمد بن حنبل ﵄ ونقل ابن الجوزي وغير واحد من المؤرخين أن إبراهيم الخليل ﵇ إبن تارح وهو آزر بن ناحور بن سارعوغ بن رعون بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لامخ ويقال لأمل بن متشولخ بن خنوخ وهو إدريس بن يرد بن مهلابيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم ﵇. حملت به أمه بمرو وقدمت بغداد وهي حامل به فولدته في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة وكان أبوه محمد والي سرخس وكان من أبناء الدعوة العباسية توفي وله ثلاثون سنة وكانت وفاته سنة تسع وسبعين ومائة فكانت لوائح النجابة تظهر منه

стр. 5

زمن الصبا وكان حفظه للعلم من ذلك الزمان غزيرًا وعلمه به متوفرًا وكان في الكتاب وهو غلام يعرف فضله وسافر في طلب العلم أسفارًا كثيرة إلى البلاد الكوفة والبصرة والحجاز ومكة والمدينة واليمن والشام والثغور والسواحل والمغرب والجزائر والعراقين جميعًا وأرض فارس وبلاد خراسان والجبال والأطراف وغير ذلك طلب الحديث وهو إبن ست عشرة سنة وخرج إلى الكوفة سنة مات هشيم سنة ١٨٣ وهو أول سفره وخرج إلى البصرة سنة ١٨٦ وخرج إلى سفيان بن عيينة إلى مكة سنة ١٨٧ وقد مات الفضل بن عياض وهي أول سنة حج فيها وخرج إلى عبد الرزاق بصنعاء اليمن سنة ١٩٧ ورافق يحيى بن معين وحج خمس حجات ثلاث حجج ماشيًا واثنتين راكبًا وكان من أصحاب الإِمام الشافعي ﵁ وخواصه ولم يزل مصاحبه إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر وكان الإمام الشافعي يجله ويثني عليه ثناء حسنًا قال حرملة سمعت الشافعي ﵁ يقول عند قدومه إلى مصر من العراق ما خلفت بالعراق أحدًا يشبه أحمد بن حنبل وقال الربيع بن سليمان قال لنا الشافعي ﵁ أحمد بن حنبل إمام في ثمان خصال إمام في الحديث إمام في الفقه إمام في اللغة إمام في القرآن إمام في الفقر إمام في الزهد إمام في الورع إمام في السنة. ذكر قوة فهمه وغزارة علمه عن أحمد بن صعيد قال ما رأيت أسود رأس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل وعن إبراهيم الحربي قال رأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك عما شاء قال: أبو جعفر التستري قيل لأبي زرعة من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ فقال أحمد بن حنبل حزرت كتبه في اليوم الذي مات فيه فبلغت اثنى عشر حملًا وعدلًا وكل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه. ذكر مصنفاته صنف المسند وهو ثلاثون ألف حديث وكان ابتداؤه فيه سنة ١٨٠ وكان

стр. 6

يقول لابنه عبد الله احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إمامًا وعن حنبل بن إسحاق قال جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه غيرنا وقال لنا هذا الكتاب قد جمعته وأتقنته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفا فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة - وصنف التفسير وهو مائة ألف وعشرون ألف حديث - وصنف التاريخ والناسخ والمنسوخ والمقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى وجوابات القرآن والرد على الزنادقة في دعواهم التناقض في القرآن والرد على الجهمية وفضائل الصحابة والمناسك الكبير والصغير وكتاب الزهد وحديث شعبة وغير ذلك من الكتب. ذكر بعض ما أنشده من الشعر له ولغيره عن أحمد بن يحيى قال كنت أحب أن أرى أحمد بن حنبل فسرت إليه فلما دخلت عليه قال لي فيم جئت قلت في النحو والعربية فأنشد أحمد بن حنبل ﵁: إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل … خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة … ولا أن ما يخفى عليه يغيب لهونا عن الأعمال حتى تتابعت … ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى … ويأذن في توباتنا فنتوب إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم … وخلفت في قرن فأنت غريب وعن علي بن خشرم أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها … من الحرام ويبقى الأثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها … لاخير في لذة من بعدها النار وروي من قوله في علي بن المديني: يا ابن المديني الذي عرضت له … دنيا فجاد بدينه لينالها ماذا دعاك إلى انتحال مقالة … قد كنت تزعم كافرًا من قالها أمر بدا لك رشده فتبعته … أم زهرة الدنيا أردت نوالها ولقد عهدتك مرة متشددًا … صعب المفادة التي تدعى لها

стр. 7

إن المرزأ من يصاب بدينه … لا من يرزأ ناقة وفصالها ذكر هيئته ووصفه كان الإِمام أحمد ﵁ شيخًا أسمر شديد السمرة طوالا وخضب رأسه ولحيته بالحناء وهو إبن ثلاث وستين سنة خضابا ليسى بالقاني وكان حسن الوجه في لحيته شعرات سود وثيابه كانت غلاظًا إلا أنها بيض وقال عبد الله ابَنه ما مشى أبى في سوق قط وكان ﵀ أصبر الناس على الوحدة ولم يره أحد إلا في المسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض وعن الحسين بن إسماعيل قال سمعت أبي يقول كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة ألاف أو يزيدون أقل من خمسمائة يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت وعن أبي بكر المطوعي قال اختلفت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل اثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده فما كتبت منه حديثًا واحدًا إما كنت انظر إلى هديه وأخلاقه وآدابه. ذكر حسن أخلاقه وعشرته عن أبي داود السجستاني قال لم يكن أحمد بن حنبل يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا فإن ذكر العلم تكلم وقال مجالس أحمد بن حنبل مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط وعن الحسين بن المناوي قال سمعت جدي يقول كان أحمد من أحيى الناس وأكرمهم نفسًا وأحسنهم عشرة وأدبًا كثير الاطراق والغض معرضًا عن القبيح واللغو لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد في وقار وسكون ولفظ حسن وإذا لقيه إنسان بشَ به وأقبل عليه وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا وكانوا يكرمونه ويعظمونه وسئل لم لا تصحب الناس قال لوحشة الفراق وعن إسحاق بن هانئ قال كنا عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل في منزله ومعنا المروذي ومهنا بن يحيى الشامي فدق داق الباب وقال المروذي ها هنا وكان المروذي كره أن يعلم موضعه فوضع مهنا بن يحيى إصبعه في راحته وقال ليس المروذي ها هنا وما يصنع المروذي ها هنا فضحك أحمد ولم ينكر ذلك. ذكر محنته ﵁ وسبب ذلك أنه لم تزل الناس على ما كان عليه السلف وقولهم أن القرآن غير

стр. 8

مخلوق حتى ظهرت المعتزلة الضالة وقالت يخلق القرآن وكان الناس في زمن أمير المؤمنين هارون الرشيد على ما كان عليه السلف كما روي عن محمد بن نوح قال سمعت هارون أمير المؤمنين يقول بلغني أن بشر المريسي زعم أن القرآن مخلوق على أن ظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط. واستمر الأمر كذلك في زمن الأمين محمد بن هارون الرشيد. ثم ولي المأمون أبو جعفر عبد الله بن هارون الرشيد وكانت ولايته في الحرم وقيل في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة فصار إليه قوم من المعتزلة وأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل وحسنوا له قبيح القول بخلق القرآن فصار إلى مقالتهم وقدر أنه في آخر عمره خرج من بغداد لغزو بلاد الروم فعن له أن يكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب صاحب الشرطة ببغداد أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن. فاستدعى جماعة من العلماء والقضاة وأئمة الحديث ودعاهم إلى ذلك فامتنعوا فهددهم فأجاب أكثرهم مكرهين واستمر الإمام أحمد ﵁ على الامتناع فلما أصر حمل على بعير وسيروه إلى الخليفة فبلغه توعد الخليفة له بالقتل إن لم يجب إلى القول بخلق القرآن فتوجه الإمام أحمد بالدعاء إلى الله تعالى أن لا يجمع بينه وبينه فبينما هو في الطريق قبل وصوله إليه إذ جاءهم الصريخ بموت المأمون وكان موته في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين. فرد الإِمام أحمد إلى بغداد وحبس - ثم ولي الخلافة المعتصم وهو أبو اسحاق محمد بن هارون الرشيد وقدم من بلاد الروم فدخل بغداد في مستهل شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين فامتحن الإِمام وضرب بين يديه في الشهر المذكور وكان ما كان. . . ثم أمر الخليفة بحبسه فبقي محبوسًا نحو ثمانية وعشرين شهرًا آخرها رمضان سنة عشرين ومائتين - ثم في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين ولي الواثق وهو أبو جعفر هارون بن المعتصم فلم يتعرض للإِمام في شيء وإنما امره أن يختفي فاختفى الإمام إلى أن توفي الواثق - ولما ولي المتوكل وهو أبو الفضل جعفر بن المعتصم وكانت ولايته في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ومائتين خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد وطعن عليهم. فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن ونهى عن الجدل والمناظرة في الآراء وعاقب عليه وأمر بإظهار الرواية للحديث فأظهر الله به السنة وأمات البدعة فاستبشر الناس بولايته وأمر بالقبض على

стр. 9

وزيره الزيات فوضعه في تنور إلى أن مات. وذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وابتلي قاضي القضاة أحمد بن أبي داود بالفالج بعد موت الوزير بسبعة وأربعين يومًا فولي القضاء مكانه ولده محمد فلم تكن طريقته مرضية ثم سخط المتوكل عل أحمد بن أبي داود وولده في سنة ٢٣٩ وأخذ جميع ضياع الأب وأمواله وأخذ من الولد مائة وعشرين ألف دينار وجوهرًا بأربعين ألف دينار وسيره إلى بغداد وولى القاضي يحيى بن أكتم قضاء القضاة وكان من أئمة الدين وعلماء السنة ثم مات ابن أبي داود بمرض الفالج في المحرم سنة أربعين ومائتين ومات ولده محمد قبله بعشرين يومًا وكان بشر المريسي قد أهلكه الله ومات في ذي الحجة سنة ٢١٨ وعن عمران بن موسى قال دخلت على أبي العروق الجلاد الذي ضرب الإمام أحمد لانظر إليه فمكث خمسًا وأربعين يومًا ينبح كما ينبح الكلب وقد انتقم الله من كل خصومه المبتدعين الذين سعوا في أمره وخذلهم ونصره عليهم بحول الله وقوته وبركة كتابه العزيز وسنة نبيه ﷺ وشرع المتوكل في الإحسان إلى الإِمام وتعظيمه وإكرامه وكتب إلى نائبه بغداد إسحاق بن إبراهيم أن يبعث إليه بالإِمام أحمد فبعث به معظمًا مكرمًا إلى الخليفة بسر من رأى قال عبد الله بن أحمد وبعث المتوكل يقول أحببت أن أراك وأن أتبرك بدعائك وأنزلنا دارًا والمتوكل يرانا من وراء الستر فأمر لأبي بثياب ودراهم وخلعة فبكى وقال أنسلم من هؤلاء منذ ستين سنة فلما كان آخر العمر ابتليت بهم ولما جاؤوا بالخلعة لم يمسها فجعلها على كتفيه فما زال يتحرك حتى رمى بها وأبى أن يقبل المال فقبل له أن رددتُه وجد عليك في نفسه ففرقه على مستحقيه ولم يأخذ منه شيئًا وكان كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص فلا يأكل منه لقمة قال صالح وأمر المتوكل أن يشرى له في دارًا فقال أبي يا صالح إن أقررت لهم بشراء دار لتكونن القطيعة بيني وبينك فلم يزل يدفع شراء الدار حتى اندفع ثم عاد إلى بغداد وكان المتوكل لا يولي احدًا إلا بمشورة الإمام أحمد ومكث الإمام إلى حين وفاته قل أن يأتي يوم إلا ورسالة الخليفة تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها رحمهما الله تعالى. ذكر وفاته ﵁ مرض الإِمام ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول فأقبل الناس لعيادته

стр. 10

وكثروا ولزموا الباب بالليل والنهار وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وباب الزقاق المرابطة وأصحاب الأخبار فأغلق باب الزقاق وكان الناس بالشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وكان ابن عطاء يتعاهده بالغداة والعشي ولم يجتمعا وجاء إليه حاجب ابن طاهر وقالا أن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك فقال له هذا مما أكره وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم وكان يخدمه في أموره المروذي وكان قد كتب وصيته فقال اقرأوها فقرئت عليه ونسختها (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره عَلَى الدين كله ولو كره المشركون وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله تعالى في العابدين وأن يحمدوه في الحامدين وأن ينصحوا لجماعة المسلمين وإني رضيت بالله ربًا وبالإِسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا وأوصى أن لعبد الله فوران علي نحوًا من خمسين دينارًا وهو يصدق فيما قال فيقضى ماله على من غلة الدار إن شاء الله تعالى) انتهى. فلما مات أحله فوران من دينه ولم يأخذه فإنه كان من أعظم أصحابه ثم أن الإمام استدعى بالصبيان من ذريته فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم وعينه تدمع فقال له رجل لا تغتم لهم يا أبا عبد الله فأشار بيده أن لا وجعل يدعو لهم واشتدت به العلة يوم الخميس قال المروذي فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وظننت أنه قبض وأردنا أن نمده فجعل يقبض قدميه وهو موجه وجعلنا نلقنه فيقول لا إله إلا الله وهو مستقبل القبلة بقدميه فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس حتى ملأوا السكك والشوارع فلما كان النهار من يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين قبض ﵀ وله سبع وسبعون سنة وكان مرضه تسعة أيام وبعض العاشر فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وقعد الناس فخفنا أن ندع الجمعة فأشرفت عليهم فأخبرتهم أنا نخرجه بعد صلاة الجمعة قال المروذي فلما فرغنا من غسله وأردنا أن نكفنه غلبنا عليه بنو هاشم وجعلوا يبكون عليه ويأتون بأولادهم فيبكون عليه ويقبلونه وكان له ثلاث شعرات من شعر النبي ﷺ فأوصى أن يجعل في كل عين شعرة وعلى لسانه شعرة

стр. 11

ووضعناه على السرير وشددناه بالعمائم وحمل جنازته وصلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر وكانت الصفوف من الميدان إلى باب القطيعة وحزر من حضرها من الرجال بمائة ألف ومن النساء بستين ألفًا غير من كان في الطرق وفي السفن. وعلى السطوح وقيل أكثر من ذلك ودفن بباب حرب ببغداد وقبره ظاهر مشهور يزار ويتبرك به وما خلف إلا ستة قطع أو سبعة في خرقة كان يمسح بها وجهه وقال أمير المؤمنين المتوكل لمحمد بن عبد الله بن طاهر طوبى لك صليت على أحمد بن حنبل وعن أبي الحسن التميمي عن أبيه عن جده أنه حضر جنازة الإمام أحمد قال فمكثت طول الأسبوع رجاء أن أصل إلى قبره فلم أصل من ازدحام الناس عليه وأسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس ووقع عليه المآتم من جميع الطوائف وكان الإمام أحمد يقول بيننا وبينهم يوم الجنائز يعني أهل البدع - وكان له كرامات واضحة ﵁ فمن كراماته ما روي عن ابنه عبد الله قال رأيت أبي حرج على النمل أن تخرج من داره ثم رأيت النمل قد خرجت نملًا سودًا فلم أرها بعد ذلك وقال أبو طالب علي بن أحمد دخلت يومًا على أبي عبد الله وهو يملي وأنا أكتب فاندق قلمي فأخذ قلمًا فأعطانيه فجئت بالقلم إلى أبي علي الجعفري فقلت هذا قلم أبي عبد الله أعطانيه فقال لغلامه خذ القلم فضعه في النخلة عسى تحمل فوضعه فيها فحملت النخلة - وروي عن قاضي القضاة ابن الحسين الزيني أن الحريق وقع في دارهم فاحترق ما فيها إلا كتاب كان فيه شيء بخط الإِمام أحمد وذكر الشيخ الإمام أبو الفرج بن الجوزي قال لما وقع الغريق ببغداد سنة أربع وخمسين وخمسمائة وغرقت كتبي سلم لي مجلد فيه ورقات من خط الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وعن الربيع بن سليمان قال كتب الشافعي كتابًا إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ثم قال لي يا أبا سليمان انحدر بكتابي هذا إلى العراق إلى أحمد بن حنبل ولا تقرأه فأخذت الكتاب وخرجت من مصر حتى قدمت العراق فوافيت مسجد أحمد بن حنبل فصادفه يصلي الفجر فصليت معه وكنت لم أركع السنة فقمت أركع عقيب الصلاة فجعل ينظر إلي مليًا حتى عوفني فلما سلمت من صلاتي سلمت عليه وأوصلت كتابي إليه فجعل يسألني عن الشافعي طويلًا قبل أن ينظر في الكتاب ثم فضه وقرأه حتى إذا بلغ موضعًا منه بكى وقال أرجو من الله تعالى أن يحقق ما قاله الشافعي

стр. 12

قلت يا أبا عبد الله أي شيء قد كتب إليك قال أنه رأى النبي ﷺ في نومه وهو يقول له يا ابن إدريس بشر هذا الفتى أبا عبد الله أحمد بن حنبل أنه سيمتحن في دين الله ويدعي أن يقول القرآن مخلوق فلا يفعل وأنه سيضرب بالسياط فإن الله ينشر له بذلك علمًا لا ينطوي إلى يوم القيامة فقلت البشارة فأي شيء جائزتي عليها وكان عليه ثوبان فنزع أحدهما فدفعه إلي وكان مما يلي جلده وأعطاني جواب الكتاب فخرجت حتى قدمت عَلَى الشافعي فأخبرته بما جرى قال فأين الثوب قلت هو ذا قال لا نبتاعه منك ولا نستهديك ولكن اغسله وجئنا به قال فغسلته وحملت مائه إليه فتركه في قنينة فكنت أراه في كل يوم يأخذ منه فيمسح على وجهه تبركًا بأحمد بن حنبل ﵄. ومن ورعه أنه نهى ولديه وعمه عن أخذ العطاء من مال الخليفة فاعتذروا بالحاجة فهجرهم شهرًا وأجرى عليه المتوكل وعلى ولده وأهله أربعة آلاف درهم في كل شهر فبعث إليه أبو عبد الله أنهم في كفاية فبعث إليه المتوكل إنما هذا لولدك ما لك ولهذا وقال أحمد بن محمد التستري أتى على أحمد ثلاثة أيام ما طعم فيها شيئًا فبعث إلى صديق له فافترض منه شيئًا من دقيق فعرف أهله شدة حاجته إليه فخبزه عاجلًا فلما وضع بين يديه قال كيف خبزتم هذا بسرعة قالوا كان تنور صالح مسجورًا فخبزناه عاجلًا قال ارفعوه ولم يأكل منه لأن صالحًا ولي القضاء قال ابن عساكر لما ولي ابنه صالح القضاء كان بينه وبينه باب فسده الإمام أحمد وله غير ذلك شيء كثير رحمه الله تعالى. ذكر ما قيل فيه من الأشعار والمراثي قال إسماعيل الترمذي في قصيدة أنشدها أحمد بن حنبل ﵀ وهو في سجن المحنة: إذا ذكر الأشياخ يومًا وحرروا … فاحمد من بين المشايخ جوهر دقيق أديم الوجه حلو مهذب … لدى كل ذي علم وتقوى موقر لعمرك ما يهوى لأحمد نكبة … من الناس إلا ناقص العقل مغور هو المحنة اليوم الذي يبتلى به … فيعتبر السني فينا ويسبر شجى في حلوق الملحدين وقرة … لا عين أهل النسك عف مشمر

стр. 13

جرى سابقًا في حلبة الصدق والتقى … كما طبق الطرف الجواد المضمر إذا افتخر الأقوام يومًا بسيد … ففيه لنا والحمد لله مفخر فقل للأولى يشنونه لصلاحه … وعفته والمرء بالجهل يعذر جُعلتم فداء أجمعين لنعله … فإنكم منها أذل وأحقر لريحانه القراء تبغون عثرة … وكلكم من جيفة الكلب أقذر فيا أيها الساعي ليدرك شأوه … رويدك عن إدراكه سنقصر تمسك بالعلم الذي كان قد وعى … ولم يلهه عنه الخبيص المزعفر ولا بغلة هملاجة مغربية … ولا حلة تطوى سرارًا وتنشر ولا منزل بالساج والكلس متقن … ينقش فيه جصه ويصور ولا أمة براقة الجيد حلوة … بمنطقها تصمي الحكيم وتسحر حمى نفسه الدنيا وقد سنحت له … فمنزله إلا من القوت مقفر فإن يك في الدنيا مقلا فإنه … من الأرب المحمود والعلم مكثر ومما ينسب للإمام الشافعي: أضحى ابن حنبل حجة مبرورة … ويحب أحمد يعرف المتنسك وإذا رأيت لأحمد متنقصًا … فاعلم بأن ستوره ستهتك ومما ينسب له أيضًا: قالوا يزورك أحمد وتزوه … قلت الفضائل لا تفارق منزله إن زارني فبفضله أو زرته … فلفضله فالفضل في الحالين له وحكى أن الإِمام ﵁ قال في حق الشافعي: إن نختلف نسبًا يؤلف بيننا … أدب أقمناه مقام الوالد أو يفترق ماء البلاد فوردنا … عذب تحدر من إناء واحد

стр. 14

الطبقة الأولى: فيمن عاصروه وأخذ عنهم وأخذوا عنه ممن لم يكن متمذهبًا بمذهبه * الشيخ معروف الكرخي معروف بن الفيرزوان أبو محفوظ العابد المعروف بالكرخي منسوب إلى كرخ بغداد وكان أحد المشهورين بالزهد والعزوف عن الدنيا يغشاه الصالحون ويتبرك بمقامه العارفون وكان يوصف بأنه مجاب الدعوة وحكى عنه كرامات وأسند عنه أحاديث كثيرة عن بكر بن حنيس والربيع بن صبيح وغيرهما روى عنه خلف بن هشام البزار وزكريا بن يحيى المروزدي ويحيى بن أبي طالب وحكى عن إمامنا قال رأيت أحمد بن حنبل فتى عليه آثار النسك سمعته يقول كلامًا جمع فيه الخير وسمعته يقول من علم أنه إذا مات نسي أحسن ولم يسي وكان أحمد بن حنبل يقول معروف الكرخي من الابدال وهو مجاب الدعوة وذكر في مجلس أحمد أمر معروف الكرخي فقال بعض من حضر هو قصير العلم فقال أحمد امسك عافاك الله وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف وحكى إسماعيل بن شداد قال: قال لنا سفيان بن عيينة من أين أنتم قلنا من أهل بغداد فقال ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم قلنا من هو قال أبو محفوظ معروف قال قلنا بخير قال لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم وقال إبراهيم الحربي قبر معروف الترياق المجرب وقال رجل لمعروف أوصني فقال توكل على الله وأكثر ذكر الموت حتى لا يكون لك جليس غيره واعلم أن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك ولا يمنعونك وقال معروف أني لأجد ألم الندم بعد الموت منذ الساعة وقال إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح عليه باب العمل وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبد شرًا فتح له باب الجدل وأغلق عنه باب العمل وقال معروف بلغني أن من لعن إمامًا حرم عدله وقال معروف من صلى ست ركعات بعد المغرب غفر له ذنوب أربعين سنة وقال صدقة المقابري رأيت معروفًا في النوم وكأن أهل القبور جلوس وهو يختلف بينهم بالزيحان فقلت يا أبا محفوظ اليس قدمت فقال: موت التقي حياة لا نفاد لها … قد مات قوم وهم في الناس أحياء ومات معروف سنة مائتين رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين.

стр. 15

* الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السايب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي يجتمع مع النبي ﵇ في عبد مناف. أبو عبد الله الشافعي الإِمام الأعظم والحبر المكرم أحد الأئمة المجتهدين الأعلام إمام أهل السنة ركن الإسلام لقي جد شافع رسول الله ﷺ وهو مترعرع وكان أبوه السايب صاحب راية بني هاشم يوم بدر فأسر وفدى نفسه ثم أسلم فقيل له لم لم تسلم قبل أن تفدي نفسك فقال ما كنت لأحرم المؤمنين طمعًا لهم في ولد الشافعي بغزة من الشام على الأصع سنة خمسين ومائة سنة وفاة الإِمام أبي حنيفة وقيل في اليوم الذي مات فيه ونشأ بمكة وكتب العلم بها وبالمدينة وقدم بغداد مرتين وخرج إلى مصر فنزلها وكان وصوله إليها سنة تسع وتسعين ومائة ولم يزل بها إلى وفاته سمع مالك بن أنس وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة واجتمع مع إمامنا وسمع منه وذاكره ونقل عنه وحاضره ذكره الأئمة الحفاظ منهم أبو حاتم الرازي وقال تعلم الإِمام الشافعي أشياء من معرفة الحديث من أحمد بن حنبل وقال إسحاق بن حنبل كان الشافعي يأتي أبا عبد الله عندنا عامة النهار يتذاكران الفقه وما أخرج الشافعي في كتبه حدثني بعض أصحابنا عن إسماعيل وأبي معاوية والعراقيين فهو عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل وقال فضل بن زياد عن أحمد أنه جالس الشافعي بمكة فأخذ عنه التفتيق وكلام قريش وأخذ الشافعي عنه معرفة الحديث قال عبد الله وسمعت أبي وذكر الشافعي يقول ما استفاد منا أكثر مما استفدناه عنه وقال الخطيب في أول كتاب السابق واللاحق حدث عن أحمد بن حنبل أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وأبو القاسم البغوي فتوفي الشافعي سنة أربع ومائتين وتوفى البغوي سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقال الربيع كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة فإذا كان شهر رمضان ختم في كل ليلة ختمة وفي كل يوم ختمة وقال أحمد بن حنبل ستة أدعو لهم سحرًا أحدهم الشافعي ﵁ قال الشافعي حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين قال الربيع بن سليمان كان الشافعي يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة قال إسحاق بن راهويه لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال

стр. 16

تعال حتى أريك رجلًا لم تر عيناك مثله فأراني الشافعي وكان ﵁ كثير المناقب جم المفاخر منقطع القرين اجتمعت فيه من العلوم بكتاب الله تعالى وسنة الرسول ﷺ وكلام الصحابة وآثارهم واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة والعربية والشعر ما لم يجتمع في غيره حتى أن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار المذللين ومناقب الشافعي وفضائله كثيرة لا يمكن حصرها وتحتمل الأفراد بالتأليف وهو اول من تكلم في اصول الفقه وهو الذي استنبطه وقال أبو ثور من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكينه فقد كذب وقال الإمام أحمد بن حنبل ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منه. ومن أولاد الشافعي أبو عثمان محمد كان قاضي مدينة حلب وتوفي الإِمام الشافعي بمصر يوم الجمعة ودفن من يومه بعد العصر آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين بالقرافة الصغرى وقبره مشهور بزار نفعنا الله به وحكى الزعفراني قال سمعت أحمد بن حنبل يقول رأيت في المنام كأن النبي ﷺ قد مات وكأن الناس قد أقبلوا إلى جنازته قال فأصبحت ونظرنا فإذا الشافعي قد مات في ذلك اليوم. - تم المختصر من الطبقة الأولى - * إسحاق عم الإِمام أحمد إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد أبو يعقوب الشيباني عم إمامنا أحمد سمع يزيد بن هارون والحسين بن محمد المروذي روى عنه ابنه حنبل ومحمد بن يوسف الجوهري وكان ثقة ولد سنة إحدى وستين ومائة وكان ملازمًا في أكثر أوقاته مجلس أحمد ونقل عنه أشياء كثيرة قال المروذي سمعت أبا عبد الله وقال له عمه لو دخلت إلى الخليفة فإنك تكرم عليه قال إنما غمي من كرامتي عليه توفي إسحاق بن حنبل سنة ثلاث وخمسين ومائتن عن اثنتين وتسعين سنة ﵀. * صالح ابن الإمام أحمد أبو الفضل صالح أكبر أولاد الإِمام ولد سنة ثلاث ومائتين سمع أباه وأبا علي المديني وأبا الوليد الطيالسي وإبراهيم بن الفضل الدارع روى عنه ابنه زهير وابن

стр. 17

القاسم البغوي ومحمد بن جعفر الخرائطي ويحيى بن صاعد ومحمد بن مخلد وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو الحسين بن المناوي وأبو الحسن بن بشار وأبو بكر الخلال وقال كان الناس يكتبون إليه من المواضع يسأل لهم عن المسائل فوقعت إليه مسائل جياد وكان معيلا على حداثته وكان سخيًا بطول ذكر سخائه أن يرسم في كتاب ولي قضاء أصفهان ودخل إليها فبدأ بالمسجد فدخله وصلى ركعتين واجتمع الناس والشيوخ وجلس وقرئ عهده الذي كتب له الخليفة فجعل يبكي فبكى الشيوخ الذين قربوا منه فلما فرغ من قراءة العهد جعل المشايخ يدعون له ويقولون ما في بلدنا أحد الا وهو يحب أبا عبد الله ويميل إليك فقال لهم ما تدرون ما الذي أبكاني ذكرت أبي ﵀ أن يراني في مثل هذا الحال كان يبعث خلفي إذا جاء رجل زاهد أو رجل صالح متقشف لأنظر إليه يحب أن أكون مثلهم ولكن الله يعلم ما دخلت في هذا الأمر إلا لدين قد غلبني وكثر عيالي وكان صالح قد ولي القضاء بطرسوس قبل أصبهان وتوفي بأصبهان ودفن إلى قرب قبر حمامة الدوسي صاحب رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة ست وستين ومائتين وله ثلاث وستون سنة وله أولاد منهم زهير وأحمد رحمه الله تعالى. * حنبل ابن عم الإمام حنبل بن إسحاق بن حنبل أبو علي الشيباني ابن عم إمامنا وأبا نعيم الفضل بن ركين وأبا غسان مالك بن إسماعيل وعفان بن مسلم وسعيد بن سليمان وعازم بن الفضل وسليمان بن حرب حدث عنه ابنه وقد اختلف في اسم ابنه فقوم قالوا عبيد الله وقوم قالوا عبد الله ويحيى بن صاعد وأبو بكر الخلال وغيرهم وكان ثقة ثبتًا وسئل عنه الدارقطني فقال كان صدوقًا قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله وكذب بالقرآن ورد على الله أمره يستتاب فإن تاب وإلا قتل والله تعالى لا يرى في الدنيا ويرى في الآخرة توفى بأواسط جمادي الأولى سنة ثلاث وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى. * أبو بكر المروذي أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز أبو بكر المروذي كانت أمه مروذية وأبوه خوارزميا وهو المقدم من أصحاب أحمد لورعه وفضله وكان إمامنا يأنس به وينبسط إليه

стр. 18

روي عنه مسائل كثيرة منها قال سمعت أبا عبد الله يقول يكره للرجل أن ينام بعد العصر ويخاف على عقله قال أبو بكر الخلال خرج أبو بكر المروذي إلى الغرف فشيعه الناس إلى سامرا فجعل يردهم فحزروا فإذا هم بسامرا سوى من رجع نحو خمسين ألفا فقيل له يا أبا بكر أحمد الله فهذا علم قد نشر لك قال فبكى ثم قال ليس هذا العلم لي إنما هذا علم أحمد بي حنبل توفي المروذي في جمادي الأولى سنة خمس وسبعين ومائتين ودفن عند رجل قبر الإِمام رحمه الله تعالى. * عبد الله ابن الإِمام عبد الله ابن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الرحمن حدث عن أبيه وعن عبد الأعلى بن حماد. وكامل بن طلحة ويحيى بن معين وخلق كثير روى عنه أبو القاسم البغوي وعبد الله بن إسحاق المدايني وأبو بكر الخلال وغيرهم وكان ثقة ثبتًا فهمًا ولد في جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة ومائتين روى عبد الله عن أبيه قال أرواح الكفار في النار وأرواح المؤمنين في الجنة والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ويرحم من يشاء ولا نقول إنهما يفنيان بل هما عند الله باقيان وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي متى يجوز سماع الصبي في الحديث قال إذا عقل وضبط وسمعت أبي وسئل عن القراءة بالالحان فقال محدث قال القاضي أبو الحسين قرأت في كتاب أبي الحسين بن المناوي وذكر عبد الله وصالحًا فقال كان صالح قليل الكتاب عن أبيه فأما عبد الله فلم يكن في الدنيا أحدا روى منه عن أبيه رحمهما الله سمع منه المسند وهو ثلاثون ألفًا والتفسير وهو مائة وعشرون ألفًا سمع منها ثمانين ألفًا والباقي وجادة وسمع الناسخ والمنسوخ والتاريخ وحديث شعبة والمقدم والمؤخر من كتاب الله تعالى وجوابات القرآن والمناسك الكبير والصغير وغير ذلك قال عبد الله كل شيء أقول قاله أبي فقد سمعته مرتين وثلاثًا وأقله مرة وقال عبد الله قال أبي قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة وقبور أهل البدع من الزهاد حفرة فساق أهل السنة أولياء الله وزهاد أهل البدعة أعداء الله وقال عبد الله قال أبي قال أبو هريرة عن النبي ﷺ إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة وسلسلت فيه الشياطين وأغلقت أبواب جهنم قلت لأبي قد نرى المجنون يصرع في رمضان فقال هكذا الحديث ولا نتكلم في هذا وقال عبد الله سئل

стр. 19

أبي لم لا تصحب الناس قال لوحشة الفراق توفي عبد الله بن أحمد في يوم الأحد ودفن في آخر النهار لتسع بقين من جمادي الآخرة سنة تسعين ومائتين ودفن في مقابر باب التبن وصلى عليه زهير بن صالح بن أحمد وكان يصبغ بالحمرة كثيف اللحية وعاش سبعًا وسبعين سنة رحمه الله تعالى. * أحمد حفيد الإِمام أحمد بن صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل روى عن جده الإِمام أحمد قال حدثنا جدي أحمد بن حنبل حدثنا روح بن عبادة عن مالك بن أنس عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن عائشة قالت كنت أغتسل انا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ﵀. * أحمد ابن عم الإِمام أحمد بن عبد الله بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني ابن عم إمامنا جالس إمامنا وسمع منه أشياء وحدث عن محمد بن الصباح الدولابي وروى عنه عبد الله ابن إمامنا أحمد وغيره رحمه الله تعالى. * عباسة بنت الفضل زوجة الإِمام وأم ابنه صالح كان أحمد يثني عليها وسمعت منه أشياء وماتت في حياته قال زهير بن صالح بن أحمد تزوج جدي أم أبي عباسة بنت الفضل وهي من العرب من المربض ولم يولد له منها غير أبي ثم توفيت قال أحمد أقامت أم صالح عندي عشرين سنة فما اختلفت أنا وهي في كلمة. * ريحانة بنت عم الإِمام وزوجته وأم ابنه عبد الله تزوجها الإِمام لما ماتت أم صالح وكانت بفرد عين فأقام معها سبعًا وقالت له بعدما دخلت بأيام هل تنكر مني شيئًا فقال لا إلا هذه النعل التي تلبسينها لم تكن على عهد رسول الله ﷺ فباعتها واشترت مقطوعًا فكانت تلبسه ولم يولد له منها غير عبد الله سمعت من الإِمام أحمد أشياء رحمها الله تعالى. - تم المختصر من ذيل الطبقة الأولى - قال المؤلف العليمي ﵀: قد بلغ عدد أصحاب الإِمام الذي عاصروه وروى

стр. 20

عنهم ورووا عنه ثمانية وسبعين وخمسمائة فمنهم من كانوا على مذهبه في الأصول والفروع ونقل الفقه عنهم إلى من بعدهم حتى وصل إلينا وقد بلغ عدد هؤلاء مائة وثلاثة وثلاثين نفسًا وهم: أحمد بن جعفر الوكيعي. محمد بن الحكم. أحمد بن نصر الخزاعي. عبيد الله بن سعيد السرخسي. أحمد بن الحسن الترمذي. هارون بن عبد الله الحمال. أحمد أبو طالب المشكاتي. أحمد بن منيع البغوي. عصمة بن أبي عصمة. أحمد بن إبراهيم الدورقي. أخوه يعقوب. أحمد بن صالح المصري. الحسن بن الصباح الواسطي. هارون المستملي. إسحاق بن منصور الكوسج. عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق. زياد بن أيوب دلونه. إسحاق بن حنبل عم الإِمام. يوسف بن موسى بن راشد. محمد بن صاعقة. عبد الله فوران. الحسن بن عبد العزيز بن الوزير. أبو علي الجدامي. أحمد بن الفرات الضبي. إسحاق بن إبراهيم البغوي. أيوب بن إسحاق أخو يحيى. أبو بكر الأثرم. خطاب بن بشر. عبد الله أبو زرعة الرازي. أحمد بن منور الزمادي. إبراهيم بن هاني صالح وعبد الله ولدا الإِمام الحسن بن ثواب محمد بن إبراهيم البوشنجي إسماعيل أبو النصر العجلي العباس بن محمد الدوري محمد بن حبيب البزاز محمد أبو جعفر الوراق الجرجاني أحمد بن سعيد الزهري أحمد بن محمد بن واصل المقري حنبل بن إسحاق ابن عم الإِمام عبد الملك الميمون أبو بكر المروذي إسحاق بن إبراهيم بن هاني أحمد بن ملاعب أحمد بن بشر الطيالسي. أبو داود السجستاني أحمد بن يحيى الحلواني أحمد بن مطين محمد بن حماد صاحب خلف محمد بن إدريس أبو حاتم الحنظلي عبد الكريم بن الهيثم أحمد بن خيثمة. جعفر بن محمد الصايغ عبد الرحمن أبو زرعة الدمشقي محمد بن إسماعيل الترمذي. أبو بكر بن أبي الدنيا أبو بكر بن المنذر إبراهيم بن إسحاق السراج محمد بن ماهان إسحاق بن حسن الحربي زكريا بن يحيى الناقد أهدم بن أحرم المزني محمد بشر أخو خطاب بشر بن موسى الأسدي أحمد بن يحيى ثعلب أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة موسى بن هارون الحمال إبراهيم بن هاشم البغوي أحمد بن محمد البراثي محمد بن الحسن بن بدينا عبد الله أبو القاسم ابن بنت أحمد بن منيع

стр. 21

البغوي محمد بن داود المصيصي محمد بن عبد العزيز السؤددي محمد بن موسى بن مشيش محمد بن موسى بن أبي موسى محمد بن هبيرة البغوي محمد بن يحيى الكحال محمد بن يزيد أبو بكر المستملي أحمد بن إبراهيم الكوفي أحمد بن سعيد الدارمي أحمد بن صالح ابن الإِمام أحمد بن عبد الله بن حنبل ابن عم الإِمام أحمد أبو بكر البواري قاضي تكريت أحمد بن القاسم صاحب أبي عبيد أحمد بن محمد المزني أحمد أبو الحارث الصايغ أحمد بن محمد بن عبد ربه أحمد بن محمد بن يحيى الكحال أحمد بن نصر أبو حامد الخفاف أحمد بن هاشم الأنطاكي. أحمد بن أبي عبده إبراهيم بن الحارث الطرسوسي إبراهيم بن زياد الصائغ إبراهيم بن عبد الله بن مهران إبراهيم بن محمد بن الحارث الأصبهاني إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني إسماعيل الشالنجي إسحاق بن الجراح بكر بن محمد النسائي جعفر بن محمد النسائي الحسن بن زياد الحسن بن علي الإسكافي الحسن بن محمد الأنماطي الحسين بن إسحاق الخرقي حرب الكرماني حبيش بن سندي زياد بن يحيى بن عبد الملك بن مروان سلمة بن شبيب النيسابوري سندي بن أبي بكر الخواتيمي طاهر بن محمد التميمي عبيد الله بن أحمد بن عبيد ابن أخي الإمام عبيد الله بن محمد الفقيه المروذي عبد الرحمن أبو الفضل المتطيب علي بن أحمد الأنماطي علي بن أحمد بن ابنة معاوية علي بن الحسين المصري علي بن الحسن بن زياد علي بن سعيد النسوي علي بن عبد الصمد الطيالسي عبدوس بن مالك العطار الفضل بن زياد القطان الفرج بن الصباح البرزاطي موسى بن عيسى الجصاص ميمون بن الأصبغ مثني بن جامع مهنا بن يحيى الشامي يحيى بن زكريا صاحب إسحاق بن راهويه يحيى بن يزداد أبو الصقر يعقوب بن بختان يعقوب بن العباس الهاشمي يوسف بن موسى العطاب الحربي. فهؤلاء هم الحنبليون من أصحاب الإِمام أحمد ممن ذكرت تراجمهم في هذا الكتاب فمنهم المقل عنه ومنهم المكثر وهم أيضًا متفاوتون في المنزلة عند الإِمام أحمد والنقل عنه والضبط والحفظ. ولنذكر الآن أسماء فقهاء الحنابلة من بعد الطبقة الأولى مرتبين على الطبقات والوفيات كما تقدم الوعد به في أول الكتاب ونجعل كل طبقة

стр. 22

منهم على مرتبتين فأقول وبالله العصمة والتوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل. انتهى. * زهير بن صالح ابن الإِمام أحمد حدث عن جماعة منهم والده روى عنه جماعة منهم ابن أخيه محمد بن أحمد بن صالح وأبو بكر النجار و أبو بكر الخلال قال الخلال حدثني زهير بن صالح قال حدثنا أبي قال قلت لأبي الصلاة بوضوء واحد أحب اليك أم تتوضأ لكل صلاة قال أن قوي أن يصلي بوضوء واحد فلا بأس به ليت أنا قوينا عليه ما لروحه قال أحمد بن كامل ومات زهير بن صالح بن أحمد سنة ثلاث وثلاثمائة ﵀. * أبو بكر الخلال أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر المعروف بالخلال له التفاسير الدائرة والكتب السائرة من ذلك الجامع لعلوم الإِمام أحمد لم يصنف في المذهب مثله والعلل والسنة والطبقات والعلم وتفسير الغريب والأدب وأخلاق أحمد وغير ذلك سمع من جماعة من أصحاب إمامنا وغيرهم ممن يكثر تعدادهم ويشق إحصاؤهم منهم صالح وعبد الله ابنا الإِمام وحنبل ابن عمه وإبراهيم الحربي وأبو داود السجستاني ورحل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل أحمد وسماعها ممن سمعها من أحمد فسبق إلى ما لم يسبق إليه سابق ولم يلحقه بعده لاحق وسئل الخلال عن طير وقع في قدر فقال إن كانت القدر تغلي فاللحم وما فيها يجذب النجاسة فيراق كله وإن كانت قد هدأت غسل اللحم وما فيها وأهريق الماء وقال بلغني أن أحمد سئل عن الزاهد يكون زاهدًا ومعه مائة دينار قال نعم على شريطة أنه إذا زادت لم يفرح وإذا نقصت لم يحزن وكانت حلقة الخلال بجامع المهدي وتوفي يوم الجمعة قبل الصلاة ليومين خليا من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة ودفن إلى جنب المروذي عند رجلي أحمد رحمه الله تعالى. * أبو بكر بن أبي داود السجستاني عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني أبو بكر بن أبي داود رحل به أبوه من سجستان فطوف به شرقًا وغربًا وأسمعه من علماء ذلك الوقت واستوطن بغداد وصنف المسند والسنن والتفسير والقرائات والناسخ والمنسوخ وغير ذلك وكان فهما عالما حافظا سمع جماعة من أب الإِمام أحمد وغيرهم وحدث عنه جماعة منهم الدارقطني ونصب له السلطان المنبر

стр. 23

فحدث عليه ورحل إلى سجستان فأملى عليهم من حفظه ثلاثين ألف حديث روى على المحدث عن عبيد الله الفقيه قال أنشدنا أبو بكر بن أبي داود من حفظه لنفسه: تمسك بحبل واتبع الهدى … ولا تك بدعيًا لعلك تفلح ودن بكتاب الله والسنن التي … أتت عن رسول الله تنجو وتربح وقل غير مخلوق كلام مليكنا … بذلك دان الأتقياء وافصحوا ولا تقل بالقرآن بالوقف قائلا … كما قال اتباع لجهم واسجحوا ولا تقل القرآن خلق قرائة … فإن كلام الله باللفظ يوضح وقل يتجلى الله للخلق جهرة … كما البدر لا يخفى وربك أوضح وليس بمولود وليس بوالد … وليس له شبه تعالى المسبح وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا … بمصداق ما قلنا حديث مصحح رواه جرير عن مقال محمد … فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح وقد ينكر الجهمي أيضًا يمينه … وكلتا يديه بالفواضل تنفح وقل ينزل الجبار في كل ليلة … بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله … فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول ألا مستغفر أنا غافر … ومستمنح خيرا ورزقًا فأمنح روى ذاك قوم لا يرد حديثهم … الا خاب قوم كذبوهم وقبحوا وقل أن خير الناس بعد محمد … وزيراه قدمًا ثم عثمان الأرجح ورابعهم خير البرية بعدهم … علي حليف الخير بالخير منجح وإنهم والرهط لا ريب فيهم … على نجب الفردوس في الخلد تسرح سعيد وسعد وابن عوف وطلحة … وعامر فهرٍ والزبير الممدح وعائش أم المؤمنين وخالنا … معاوية أكرم به فهو مصلح وأنصاره والهاجرون ديارهم … بنصرهم عن ظلمة النار زحزحوا ومن بعدهم والتابعون بحسن ما … حذوا حذوهم قولًا وفعلا فافلحوا وقل خير قول في الصحابة كلهم … ولا تك طعانًا تعيب وتجرح فقد نطق الوحي المبين بفضلهم … وفي الفتح آي في الصحابة تمدح

стр. 24

وبالقدر المقدور أيقن فإنه … دعامة عقد الدين والدين أقبح ولا تنكرن جهرًا نكيرًا ومنكرًا … ولا الخوض والميزان أنك تنصح وقل يخرج الله العظيم بفضله … من النار أجسادًا من اللحم تطرح على النهر في الفردوس تحيي بمائة … كحبة حمل السيل إذ جاء يطفح وإن رسول الله للخلق شافع … وإن عذاب القبر بالحق موضح ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا … فكلهم يعصي وذو العرش يصفح وقل إنما الإيمان قول ونية … وفعل على قول النبي مصرح وينقص طورًا بالمعاصي وتارة … بطاعته ينمو وفي الوزن يرجح ولا تعتقد رأي الخوارج أنه … مقال لمن يهواه يردي ويفضح ولا تك مرجيا لعوبا بدينه … ألا إنما المرجي بالدين يمرح ولا تك من قوم تلهوا بدينهم … فتطعن في أهل الحديث وتقدح ودع عنك آراء الرجال وقولهم … فقول رسول الله أزكى وأشرح إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه … فأنت على خير تبيت وتصبح قال ابن بطة قال ابن أبي داود هذا قولي وقول أبي وقول أحمد بن حنبل وقول من أدركنا من أهل العلم ومن لم ندرك فيما بلغنا عنه فمن قال غير هذا فقد كذب مولده سنة ثلاثين ومائتين قال وأول ما كتبت سنة إحدى وأربعين ومائتين وتوفي وهو ابن ست وثمانين وستة أشهر وأيام قيل صلى عليه ثمانين مرة حتى أنفذ المقتدر بالله جماعة فخلصوا جنازته ودفنوه يوم الأحد لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة أخرج بعد صلاة الغداة ودفن بعد صلاة الظهر وخلف ثمانية أولاد رحمهم الله تعالى. * أحمد بن محمد بن صالح ابن الإِمام أبو جعفر حدث عن عم أبيه عبد الله ابن الإِمام أحمد وعن عمه أحمد بن صالح. وعن عمه زهير بن صالح وغيرهم روى عنه جماعة منهم أبو القاسم الوراق والدارقطني وغيرهما وتوفي سنة ثلاثين وثلاثمائة رحمه الله تعالى.

стр. 25

* أبو بكر غلام الخلال عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف أبو بكر المعروف بغلام الخلال حدث عن جماعة منهم أبو القاسم البغوي وعبد الله بن أحمد وأبو بكر بن أبي داود روى عنه جماعة منهم أبو عبد الله بن حامد وكان من أهل العلم والديانة والعبادة وله المصنفات في العلوم المختلفات وهي الشافي والمقنع وتفسير القرآن والخلاف مع الشافعي وكتاب القولين وزاد المسافر والتنبيه وغير ذلك وله اختيارات خالف فيها شيخه الخلال منها أن المرأة إذا وقفت إلى جنب الرجل بطلت صلاة من يليلها من الرجال ومنها أن الكفر ملل وذكره القاضي أبو يعلى فقال كان ذا دين وأخا ورع علامة بارعًا في علم مذهب أحمد بن حنبل وذكر تصانيفه وتعظيمه في النفوس وتقدمه عند السلطان ووقعت له كرامات نفيسة وكان مع تصانيفه في الأصول والفروع له قدم في تفسير القرآن ومعرفة معانيه وتوفي في شوال لعشر بقين من يوم الجمعة بعد الصلاة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ونقل عنه أنه قال وهو في علته أنا عندكم إلى يوم الجمعة فقيل له يعافيك الله فقال سمعت أبا بكر الخلال يقول سمعت أبا بكر المروذي يقول عاش أحمد بن حنبل ثمانيًا وسبعين سنة ومات يوم الجمعة ودفن بعد الصلاة وعاش أبو بكر المروذي ثمانيا وسبعين سنة ومات يوم الجمعة ودفن بعد الصلاة وعاش أبو بكر الخلال ثمانيا وسبعين سنة ومات يوم الجمعة ودفن بعد الصلاة وأنا عندكم إلى يوم الجمعة ولي ثمان وسبعون سنة فلما كان يوم الجمعة مات ودفن بعد الصلاة وهذه كرامة حسنة وكان يوم موته عظيمًا لكثرة الجمع رحمه الله تعالى. * أبو القاسم الخرقي عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد أبو القاسم الخرقي قرأ العلم على أبيه الحسين وغيره ممن قرأه عَلَى أبي بكر المروذي وحرب الكرماني وصالح وعبد الله ابني إمامنا له المصنفات الكبيرة في المذهب لم ينتشر منها إلا المختصر في الفقه لأنه خرج عن مدينة السلام لما ظهر سب الصحابة ﵃ وأودع كتبه في درب سليمان فاحترقت الدار التي كانت فيها ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب منهم عبد الله بن بطة وأبو الحسين التميمي وأبو الحسين بن سمعون قال القاضي

стр. 26

قرأت بخط أبي إسحاق البرمكي أن عدد مسائل المختصر ألفان وثلاثمائة مسألة - قال وقال أبو عبد الله بن القفاعي وجدت بخط شيخنا أبي حفص العكبري قال سمعت الشيخ أبا عبد الله بن بطة يقول توفي أبو القاسم سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ودفن بدمشق وزرت قبره ﵀ رحمة واسعة آمين. * ابن حامد الوراق الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله البغدادي إمام الحنابلة في زمانه ومدرسهم ومفتيهم له المصنفات في العلوم المختلفات له الجامع في المذهب نحو أربعمائة جزء وله تهذيب الأجوبة وشرح الخرقي وشرح أصول الدين وأصول الفقه ناظر أبا أحمد الإسفرائيني في وجوب الصيام ليلة الغمام في دار الإِمام القائم بأمر الله بحيث يسمع الخليفة الكلام فخرجت الجائزة السنية له من أمير المؤمنين فردها مع حاجة إلى بعضها فضلًا عن جميعها تعففًا وتنزهًا وكان ينسخ بيده ويقتات من أجرته فسمي ابن حامد الوراق وكان كثير الحج قال أبو بكر الخياط سألت الشيخ أبا عبد الله بن حامد إمام الحنبلية في وقته عند خروجه إلى الحج في سنة اثنتين وأربعمائة فقلت على من ندرس وإلى من نجلس فقال إلى هذا الفتى وأشار إلى القاضي أبي بعلي توفي راجعًا من مكة بقرب واقصة سنة ثلاث وأربعمائة رحمه الله تعالى. * القاضي الكبير أبو يعلي محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفرا إمام الحنابلة كان عالم زمانه وفريد عصره مولده في محرم سنة ثمانين وثلاثمائة وعنه انتشر مذهب الإِمام أحمد وكان له في الأصول والفروع القدم العالي والخطر الرفيع عند الإِمامين القادر بالله والقائم بأمر الله وكان على متن الإِمام أحمد ﵁ ولم يزل على طول الزمان يزداد جلالة وعلمًا وأما شيوخه فكثيرة ومنهم من سمع عن البغوي عن الإِمام كأبي القاسم بن جبارة وأبي القاسم موسى بن عيسى السراج وأما أصحابه فكثيرة أيضًا ولما توفي ابن مأكولا قاضي القضاة روسل المترجم ليلي القضاء بدار الخلافة والحريم فامتنع فلما لم يجد بدًا اشترط عليهم شرائط منها أنه لا يحضر المواكب ولا يخرج للاستقبالات ولا يقصد دار السلطان ويستخلف من ينوب عنه في الحريم

стр. 27

فأجيب إلى ذلك ثم أضيف إلى الحريم قضاء حران وحلوان فاستتاب فيهما وامتدحه أهل العلم بأبيات منها: الحنبليون قوم لا شبيه لهم … في الدين والزهد والتقوى إذا ذكروا أحكامهم بكتاب الله مذ خلقوا … وبالحديث وما جاءت به النذر إن الإِمام أبا يعلي فقيههم … حبر عروق بما يأتي وما يذر حضر الناس مجلسه وهو يملي حديث رسول الله ﷺ بعد الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبد الله بن الإِمام أحمد وما رأى الناس في زمانهم مجلسًا للحديث اجتمع فيه ذلك الجم الغفير من الأعيان وأماثل الزمان وكان يومًا مشهودًا وأما مصنفاته فكثيرة جدًا منها أحكام القرآن ومسائل الإيمان والمعتمد والمقتبس وعيون المسائل والرد على المجسمة وأربع مقدمات في أحوال الديانات وإثبات إمامة الخلفاء الأربعة وتبرئة معاوية وفضائل أحمد ومقدمة في الأدب وتفضيل الفقر على المعنى وشرح الخرقي وكتاب الروايتين والخلاف الكبير والخصال والأقسام وفيه يقول بعضهم: قد نظرنا مصنفات الإِمام … فسبرنا شريعة الإسلام ما رأينا مصنفًا جمع العـ … ــــلم مع الاختصار والإفهام مثل ما صنف الإِمام أبو يعـ … ـــــــلى كتاب الخصال والاقسام توفي ليلة الاثنين بعد العشائين تاسع عشر رمضان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ورثي بقصائد وفي جملتها: عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى … في الناس منه ولا من علمه خلفا أثنى عليه ابن الجوزي ولم تزل العلماء تثني عليه طبقة بعد طبقة إلى يومنا هذا رحمه الله تعالى - يقول المختصر: إن صاحب الترجمة هو أول من وضع طبقات الحنابلة وجميع من ذيلوا وجمعوا وصنفوا من بعدهم عيال عليه وإن اختلفت عباراتهم وفي المكتبة الظاهرية بدمشق الآن نسخة قديمة من الطبقات المذكورة. * جعفر السراج جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج المقري المحدث الأديب

стр. 28

أبو محمد ولد سنة سبع عشرة وأربعمائة وقرأ القرآن بالروايات واقرأ سنين سافر إلى البلاد وسمع خلقًا كثيرًا خرج له الخطيب خمسة أجزاء تعرف بالسراجيات وكان أدبيًا شاعرًا لطيفًا صدوقًا ثقة مأمونًا عالمًا فهما صالحا حسن الطريقة مع ظرفه ولطف أخلاقه وصنف كتبًا حسانًا منها مصارع العشاق وحكم الصبيان ومناقب السودان وشعره مطبوع نظم كتبًا كثيرة منها المبتدأ ومناسك الحج والخرقي والتنبيه ومن شعره: بان الخليط فادمعي … وجدًا عليهم تستهل وحدا بهم حادي الفرا … ق عن المنازل فاستقلوا قل للذين ترحلوا … عن ناظري والقلب حلوا ودمي بلا جرم أتيـ … ــــت غداة بينهم استحلوا ما ضرهم لو انهلوا … من ماء وصلهم وعلوا ومن شعره أيضًا: قل للذين بجهلهم … اضحوا يعيبون المحابر لولا المحابر والمعا … لم والصحايف والدفاتر والحافظون شريعة الـ … ــــمبعوث من خير العشائر والناقلون حديثه … عن كابر ثبت فكابر لرأيت من شبع الضلا … ل عساكرًا قتلوا عساكر كل يقول بجهله … والله للمظلوم ناصر قال ابن الجوزي توفي ليلة الأحد العشرين من صفر سنة خمسمائة رحمه الله تعالى. * أبو الخطاب الكلوذاني. محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني البغدادي الفقيه أحد أئمة المذهب وأعيانه ولد سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة وسمع الحديث من القاضي أبي يعلي وطبقته ودرس الفقه عليه ولزمه حتى برع في المذهب والخلاف وقرأ الفرائض على الوني وبرع فيها وصار في الفقه فريد عصره ودرس وأفتى وصنف كتبًا حسانًا في الفقه والفرائض والأصول والخلاف ومنها الهداية في الفقه والخلاف الكبير

стр. 29

المسمى بالانتصار في المسائل الكبار والخلاف الصغير المسمى برؤوس المسائل والتهذيب في الفرائض والتمهيد في أصول الفقه والعبادات الخمس ومناسك الحج وكانت له يد حسنة في الأدب وله قصيدة دالية في السنة معروفة أولها: دع عنك تذكار الخليط المنجد … والسوق نجو الآنسات الخرد وله من قصيدة: يا من يخاف الأثم في وصل أما … تخاف في صفك دمي المآثم وجاءت له فتوى في بيتي شعر وهما: قل للإِمام أبي الخطاب مسألة … جائت إليك وما يرجى سواك لها ماذا على رجل أم الصلاة فمذ … لاحت لناظره ذات الجمال لها فكتبت عليها: قل للأديب الذي وافى بمسألة … سرت فؤادي لما أن أصخت لها إن الذي فتنته عن عبادته … خريدة ذات حسن فانثني ولها إن تاب ثم قضى عنه عبادته … فرحمة الله تغشى من عصى لها وله مقطوعات عديدة وكان حسن الأخلاق ظريفًا مليح النادرة سريع الجواب وكان مع ذلك كامل الدين غزير العقل جميل السيرة مرضي الفعل محمود الطريقة قرأ عليه الفقه جماعة من أئمة المذهب منهم الشيخ عبد القادر الجيلي وكان الكيا الهرايسي إذا رأى الشيخ أبا الخطاب مقبلًا قال جاء الفقه وكان فقيهًا عظيمًا كثير الفقه وله مسائل انفرد بها عن الأصحاب توفى يوم الأربعاء ثالث جمادي الآخرة سنة عشر وخمسمائة وترك يوم الخميس ودفن يوم الجمعة في جمع عظيم وحشد كبير ودفن قريبًا من قبر الإمام أحمد رحمه الله تعالى. - يقول المختصر محمد جميل الشطي قد وفقت ولله الحمد فطبعت القصيدة الدالية المنوه عنها في دمشق سنة ٣٢٦ برسالة لطيفة وهي عبارة عن ٤٣ بيتًا. * أبو الوفاء بن عقيل علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي الظفري المقري الفقيه الأصولي الواعظ المتكلم أبو الوفاء أحد الأعلام وشيخ الإسلام ولد سنة إحدى

стр. 30

وثلاثين وأربعمائة وأخذ عن مشايخ كثيرين وكان له الخاطر العاطر والفهم الثاقب والفطنة البغدادية والبحث عن الغوامض والدقائق والتبريز في المناظرة على الأقران والتصانيف الكبار ومن طالع أو قرأ شيئًا من خواطره وواقعاته في كتابه المسمى بالفنون وهو مائتا مجلد عرف مقدار الرجل وكان ﵀ عظيم الحرمة وافر الجلالة عند الخلفاء والملوك وكان شهمًا مقدامًا على الأكابر بالإنكار بلفظه وخطه ولما توفي الخليفة المستظهر غسله ابن عقيل مع البستي قال ابن عقيل ولما تولى المسترشد تلقاني ثلاثة من المستخدمين يقول كل واحد منهم قد طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات فلما صرت بالحضرة قال لي قاضي القضاة وهو قائم بين يديه طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات فقلت ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ثم مددت يدي فبسط يده الشريفة فصافحته بعد السلام وبايعته فقلت أبايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المسترشد بالله على كتاب الله وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين ما أطاق واستطاع وله الطاعة مني وكان ابن عقيل ﵀ من أفاضل العالم وأذكياء بني آدم مفرط الذكاء متسع الدائرة في العلوم وكان خبيرًا بالكلام ذكر ابن الجوزي وغيره عنه أنه قال أنا أقطع بأن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت قال الحافظ ضياء الدين المقدسي كتب بعضهم إلى أبي الوفا بن عقيل يقول له صف لي أصحاب الإمام أحمد على ما عرفت به من الأنصاف فكتب إليه يقول هم - قوم خشن تقلصت أخلاقهم عن المخالطة وغلظت طباعهم عن المداخلة وغلب عليهم الجد وقل عندهم الهزل وعزت نفوسهم عن ذل المراباة وفزعوا عن الآراء إلى الروايات وتمسكوا بالظاهر تخرجا عن التأويل وغلبت عليهم الأعمال الصالحة فلم يدققوا في العلوم الغامضة بل دققوا في الورع وأخذوا ما ظهر من العلوم وما وراء ذلك قالوا الله أعلم بما فيها خشية باريها ولم أحفظ على أحد منهم تشبيهًا إنما غلب عليهم التحري لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار من غير تأويل ولا إنكار والله يعلم أنني لا أعتقد في الإِسلام طائفة محقة خالية من البدع سوى من سلك هذا الطريق

стр. 31

والسلام - وكان ابن عقيل يقول لا يعظم عندك بذلك نفسك في سبيل الله فهي التي بذلتها بالأمس في حب مغنية وهوى أمرد وخاطرت بها في الأسفار لأجل زيادة الدنيا فلما جئت إلى طاعة الله عظمت ما بذلتها والله ما يحسن بذل النفس إلا لمن إذا أباد أعاد وإذا أعاد أفاد وإذا أفاد خلد فائدته على الأباد ذاك والله يحسن فيه بذل النفوس وإبانة الرؤوس أليس هو القائل ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾، روى المترجم بسنده عن أحمد بن نصر قال رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت يا رسول الله من تركت لنا في عصرنا هذا نقتدي به قال عليكم بأحمد بن حنبل - ولابن عقيل تصانيف كثيرة في أنواع العلم وأكبر تصانيفه كتاب الفنون وهو كتاب كبير جدًا فيه فوائد كثيرة جليلة في الوعظ والتفسير والفقه والأصلين والنحو واللغة والشعر والتاريخ والحكايات وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له وخواطره ونتائج فكره قيدها فيه قال ابن الجوزي وهذا الكتاب مائتا مجلدة وقع لي منه نحو من مائة وخمسين مجلدة وقال الحافظ الذهبي في تاريخه لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب قال ابن رجب وأخبرني أبو حفص عمر بن علي القزويني ببغداد قال سمعت بعض مشايخنا يقول هو ثمان مائة مجلدة وله في الفقه كتاب الفصول ويسمى كفاية المغني في عشر مجلدات وعمدة الأدلة والمفردات والمجالس النظريات والتذكرة مجلد والإشارة مجلد لطيف وهو مختصر كتاب الروايتين والوجهين والمنثور وله في الأصلين الإرشاد في أصول الدين والواضح في أصول الفقه والانتصار لأهل الحديث مجلد ونفي التشبيه ومسائل مشكلة في آيات من القرآن وأحاديث سئل عنها فأجاب وله كتاب تهذيب النفس وكتاب تفضيل العبادات على نعيم الجنات وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإِمام أحمد وأصحابه والرد على مخالفيهم وله مسائل كثيرة ينفرد بها ويخالف فيها المذهب ومن كلامه الحسن في صفة الأرض أيام الربيع وإن الأرض أهدت إلى السماء غبرتها بترقية الغيوم فكستها السماء زهرتها من الكواكب والنجوم" توفي أبو الوفاء بن عقيل ﵀ بكرة الجمعة ثاني عشر جمادي الأولى سنة ثلاث عشرة وخمس مائة وصلي عليه في جامعي القصر والمنصور وحزر من اجتمع في جنازته بثلاث

стр. 32

مائة ودفن في دكة قبر الإِمام أحمد - وكان له ولدان ماتا في حياته أحدهما أبو الحسن عقيل كان في غاية الحسن وكان شابًا فهما ذا خط حسن ولد في رمضان سنة إحدى وثمانين وأربع مائة وسمع من جماعة وتفقه على أبيه وكان فقيهًا فاضلًا يقول الشعر ويحضر المواكب توفي يوم الثلاثاء منتصف محرم سنة عشر وخمسمائة وصلي عليه يوم الأربعاء ودفن في داره بالمظفر به فلما مات أبوه نقل معه إلى دكة الإِمام أحمد ﵁ والولد الآخر أبو منصور هبة الله ولد في ذي الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة وحفظ القرآن وتفقه وظهر منه أشياء تذكر من عقل غزير ودين متين ثم مرض وطال مرضه وأنفق عليه أبوه اموالًا في المرض ثم توفي ﵀ سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وله نحو أربعة عشرة سنة وحمل أبو الوفا في نفسه من شدة الألم أمرًا عظيمًا ولكنه تصبر ولم يظهر منه جزع وكان يقول لولا أن القلوب توقن باجتماع ثان لتفطرت المرائر لفراق المحبوبين رحمهم الله تعالى. * أبو الحسن الزاغوني أحد أعيان المذهب البغدادي الفقيه المحدث الواعظ ولد سنة خمس وخمسين وأربعمائة وله تصانيف كثيرة منها في الفقه الإقناع في مجلد والواضح والخلاف الكبير والمفردات في مجلدين وهي مائة مسألة ومصنف في الدور والوصايا والإيضاح في أصول الدين مجلد وغرر البيان في أصول الفقه مجلدات عدة وله ديوان خطب ومجالس في الوعظ وتاريخ علماء السنيين من أول ولاية المسترشد إلى وفاته هو ومناسك الحج وفتاوي ومسائل في القرآن والفتاوي الرحبية حدث بالكثير وروى عنه خلق وتفقه عليه جماعة منهم ابن الجوزي توفي يوم الأحد سادس عشر المحرم سنة سبع وعشرين وخمس مائة ودفن بمقبرة الإِمام أحمد رحمهما الله تعالى. * أبو حازم ابن القاضي أبي يعلى محمد بن محمد بن الحسين بن الفرا ولد في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة وكان من الفقهاء الزاهدين والأخيار الصالحين له كتاب التبصرة في الخلاف وكتاب

стр. 33

رؤوس المسائل وشرح مختصر الخرقي وغير ذلك توفي يوم الاثنين تاسع عشري صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة وصلى عليه يوم الثلاثاء ودفن بداره ثم نقل سنة أربع وثلاثين إلى مقبرة الإِمام أحمد ﵁ ودفن عند أبيه رحمهما الله. * الشيخ زين الدين علي بن المنجا الشيخ الإِمام الفقيه الواعظ المفسر زين الدين أبو الحسن علي بن رضي الدين أبي الطاهر إبراهيم بن منجا بن غانم الأنصاري الدمشقي المعروف بابن منجا نزيل مصر سبط الشيخ أبي الفرج الشيرازي الذي نشر مذهب الإِمام أحمد بالقدس الشريف وما حوله ولد الشيخ زين الدين بدمشق سنة ٥٠٨ أو سنة ٥١٠ وكان من أعيان اهل العلم وله رأي صائب وكان الملك صلاح الدين يسميه عمرو بن العاص ويعمل برأيه ويكاتبه ويحضر مجلسه وكان له جاه عظيم وحرمة زائدة حضر فتح المقدس مع الملك صلاح الدين وجلس للوعظ عقب صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى وكان مجلسًا حافلًا حصل فيه الأنس والبهجة والخشوع وتوفي في ثاني وقيل سابع رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة بالقاهرة. ودفن من الغد بالمقطم رحمه الله تعالى. * القاضي أبو يعلي الصغير محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن الفرا القاضي عماد الدين أبو يعلي الصغير ابن القاضي أبي حازم ابن القاضي الكبير أبي يعلي شيخ المذهب في وقته ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة وسمع من أبيه وعمه وجماعة وظهر له ولابن الجواليقي إجازة من الحريري صاحب المقامات وتفقه على أبيه وعمه وبرع في المذهب والخلاف والمناظرة وأفتى ودرس وكان ذا ذكاء مفرط وذهن ثاقب وفصاحة وحسن عبارة عطر بالرياسة خليق بالتصدر أعرف الناس باختلاف أقوال الفقهاء ظهر علمه في الآفاق ولي القضاء بباب الأزج ثم ولي قضاء واسط سنة سبع وثلاثين وخمسمائة وبقي مدة بها حاكمًا ثم عزله قاضي القضاة ثم قدم بغداد بعد إحدى عشرة سنة وقد ذهب بصره فلازم بيته وبنيت مدرسة بالريان للحنابلة ففوض أمرها إليه وكان ذا فصاحة ولسن ومن كتبه إلى بعض العلماء (فلو إن الكرم مقلة كان هو إنسانها أو المجد لغة كان هو لسانها أو السؤدد دهر لكان ربيع أزمانه أو الشرف عمر لكان صفو ريعانه) ولإِبن

стр. 34

الجوزي فيه مدائح كثيرة صنف القاضي أبو يعلي تصانيف كثيرة منها التعليقة في الخلاف والمفردات وشرح المذهب والنكت والإِشارات في المسائل المفردات وقرأ عليه المذهب والخلاف وحدث وسمع منه جماعة كثيرة توفي ليلة السبت خامس جمادي الأولى سنة ستين وخمسمائة وصلى عليه ولده أبو منصور بجامع القصر ودفن بمقبرة باب حرب عند أبيه وجده وكان ولده المذكور فاضلًا أديبًا ولد سنة ست وثلاثين وتوفي شابًا سنة خمس وسبعين وخمسمائة ﵏. * الشيخ عبد القادر الجيلاني عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست بن أبي عبد الله الجيلي ثم البغدادي الشيخ الإِمام العالم السيد الكبير الزاهد شيخ العصر وقدوة العارفين وسلطان المشايخ وسيد أهل الطريقة في وقته محيي الدين أبو محمد صاحب المقامات والمواهب والكرامات والخوارق الباهرات والعلوم والمعارف والأحوال المشهورة وبعض المؤرخين يذكر له نسبة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو سبط أبي عبد الله الصومعي وبه كان يعرف حين كان بجيلان ولد الشيخ محيي الدين سنة سبعين وأربعمائة بكيلان وأما صفته فكان نحيف البدن مربوع القامة عريض الصدر عريض اللحية طويلها أسمر اللون مقرون الحاجبين ذا صوت جهوري وسمت بهي وقدر علي وعلم وفي وكان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره قدم بغداد شابًا ابن سبع عشرة سنة واشتغل بالقرآن حتى أتقنه وتفقه بأبي الوفاء بن عقيل وأبي الخطاب الكلوذاني والقاضي أبي الحسين بن الفرا والقاضي أبي سعد المخرمي مذهبًا وخلافًا وفروعًا وأصولًا وقرأ الأدب وسمع الحديث من جماعة كثيرين وصحب من مشايخ الطريقة الشيخ أبا الخير الدياس وأخذ عنه علم الطريقة وتأدب به وأخذ الخرقة الشريفة من يد شيخه القاضي أبي سعد المخزمي بالسند إلى رسول الله ﷺ وعقد مجلس الوعظ سنة إحدى وعشرين وخمسمائة وقد أظهر الله تعالى الحكمة من قلبه على لسانه ولما ضاق على الناس الموضع حمل كرسي الشيخ إلى خارج البلد وجعل في المصلى وكان الناس يجيئون على الخيل والبغال والحمير والجمال ويقفون كالسور وكان يحضر المجلس نحو سبعين ألفًا ويتوب عنده خلق كثير ودرس بمدرسة أستاذه

стр. 35

المخرمي بباب الأزج وأقام بها إلى أن مات ودفن بها وهي المنسوبة إليه الآن وكان تصدر بها للتدريس والفتوى وجلس بها للوعظ وقصدت للزيارات والنذور وتتلمذ له خلق كثير من الفقهاء والعلماء وأرباب الأحوال والمقامات وقد انتمى إليه خلق من أعيان العلماء أخذوا عنه العلوم الشرعية وسمعوا منه السنة النبوية منهم القاضي أبو يعلي الصغير وقاضي القضاة علي وأخوه القاضي حسين بن الدامغاني ومن المقادسة الحافظ عبد الغني وأخوه والشيخ موفق الدين بن قدامة وأخوه الشيخ أبو عمر وكان للشيخ عبد القادر تلميذ يقال له عمر الحلاوي خرج من بغداد وغاب ولقيت ثلاثمائة وستين شيخًا من الأولياء فما منهم من أحد إلا يقول الشيخ عبد القادر شيخنا وطريقنا إلى الله ومدة كلامه على الناس أربعون سنة أولها سنة إحدى وعشرين وآخرها سنة إحدى وستين وخمسمائة ومدة تصدره للتدريس والفتوى بمدرسته ثلاث وثلاثون سنة أولها سنة ثمان وعشرين وآخرها سنة إحدى وستين وخمسمائة وكان يكتب ما يقوله في مجلسه أربعمائة محبرة عالم وغيره وكان كثيرًا ما يخطو في الهواء في مجلسه على رؤوس الناس خطوات ثم يرجع إلى الكرسي وكان يلبس لباس العلماء ويتطيلس ويركب البغلة وترفع الغاشية بين يديه وعطس يوم جمعة فشمته الناس حتى سمعت في الناس ضجة عظيمة يقولون يرحمك الله وكان الخليفة المستنجد بالله في مقصورة في الجامع فقال ما هذه الضجة فقيل له عطس الشيخ عبد القادر وكان يفتي على مذهب الشافعي وأحمد وأما كراماته وأخباره بالمغيبات فكثيرة جدًا وله كلام في الحقائق كثير أيضًا وللشيخ عبد القادر ﵀ كلام حسن في التوحيد والصفات والقدر وله كتاب الغنية لطالبي طريق الحق وله كتاب فتوح الغيب وجمع أصحابه من مجالسه في الوعظ كثيرًا وكان متمسكًا بالسنة مبالغًا في الرد على من خالفها وأخباره ومناقبه كثيرة وقد صنف فيها الناس المصنفات الكبار وأحواله في الزهد والعلم أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر. توفي ﵀ ليلة السبت ثامن ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة بعد المغرب ودفن من وقته بمدرسته وبلغ تسعين سنة وصلى عليه ولده عبد الوهاب وقبره ظاهر بمدرسته ببغداد رحمه الله تعالى.

стр. 36

(يقول المختصر) روى المؤلف العليمي عن الشيخ بسنده إلى ابن كعب بن مالك عن أبيه قال فلما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا أراد سفرًا إلا يوم الخميس. * الحافظ جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النظر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ القرشي التميمي البكري البغدادي المحدث الحافظ المفسر الفقيه الواعظ الأديب الإِمام القدوة أستاذ الأئمة حبر الأمة بحر العلوم سيد الحفاظ فارس المعاني والألفاظ فريد العصر فريع الدهر شيخ الإسلام قدوة الأنام علامة الزمان ترجمان القرآن قامع المبتدعين سلطان المتكلمين جمال الدين أبو الفرج المعروف بابن الجوزي ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة وتوفي والده سنة أربع عشرة وخمسمائة فكفلته أمه وعمته وكان أهله تجارًا بالنحاس ولما ترعرع سمع الحديث وأول مشايخه أبو الفضل بن ناصر وحفظ القرآن وقرأه بالروايات عَلَى جماعة وعني بالطلب وذكر في مشيخته من كبار مشايخه سبعة وثمانين شيخًا من أعيان المذهب وغيرهم ووعظ وهو صغير جدًا وحزر الجمع في أول يوم وعظ فيه بخمسين ألفًا وصحب في الفقه ابن الزاغوني ثم صحب كلا من أبي بكر الدينوري وأبي يعلى الصغير وأبي حكيم النهروائي وقرأ الأدب عَلَى أبي منصور الجواليقي ووعظ في جامع المنصور وغيره سنة سبع وعشرين وخمسمائة واشتهر أمره من ذلك الوقت وأخذ في التصنيف والجمع وعظم شأنه في ولاية الوزير أبي هبيرة ولما ولي المستنجد بالله الخلافة خلع عليه خلعة مع الشيخ عبد القادر وأمثاله وأذن لهم في الجلوس بجامع القصر فتكلم الشيخ أبو الفرج وكان يحزر مجلسه على الدوام بعشرة آلاف وخمسة عشر ألفًا. وقدم مرة إلى بغداد واعظ يقال له البروي فتعصب في كلام على الحنابلة كثيرًا فلم تطل مدته حتى هلك وكان في تلك الأيام قد تشيع الأسود للشيعة فانبط ووقع ميتًا فجلس الشيخ عقيب ذلك وقال في أثناء كلامه: كم براق مبتدع بأصحاب

стр. 37

أحمد وأرعد فحظي هو بالدرهم وهم بالعيش الأرغد وأما أنت يا أبعد فإن أردت أن تموت وإن أردت أن تحرد مات البروي وانبط الأسود وقال له قائل: ما فيك عيب إلا أنك حنبلي فأنشد: وعيرني الواشون أني أحبها … وتلك شكاة ظاهر لك عارها وكتب إليه رجل في رقعة والله ما أستطيع أن أراك فقال: أعمش وشمس كيف تراها ثم إذا خلوت في البيت عرست الدر في أرض القراطيس وإذا جلست للناس دفعت بدرياق العلم سموم الهوى أحميكم عن طعام البدع وتأبون إلا التخليط والطبيب مبغوض وأسند للشيخ مدرستان بعد وفاة شيخه النهرواني وفي خلافة المستضيء قوي اتصال الشيخ به وصنف له الكتاب الذي سماه المصباح المضي في دولة المستضي وكتابًا آخر لما خطب له بمصر سماه النصر عَلَى مصر وحظي عنده وحصل له من القبول وحضور الخلفاء في مجالسه ما لا يكاد يوصف ثم بنى مدرسته ودرس بها سنة سبعين وذكر أول يوم تدريسه. بها أربعة عشر بحثًا من فنون العلم وبهذه السنة انتهى تفسيره للقرآن على المنبر فسجد عليه سجدة الشكر وقال ما عرفت أن واعظًا فسر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن ثم في شعبان أسندت إليه مدرسة أخرى كتب اسمه على حائطها وبنى له دكة في جامع القصر فجلس فيها يوم الجمعة ثالث رمضان وحضر الخليفة مجالسه غير مرة وتكلم يوم عاشوراء سنة أربع وسبعين وأمير المؤمنين حاضر فقال: لو إني مثلت بين يدي السدة الشريفة لقلت يا أمير المؤمنين كن لله سبحانه مع حاجتك إليه كما كان لك مع غناه عنك أنه لم يجعل أحدًا فوقك فلا ترض أن يكون أحد أشكر له منك فتصدق أمير المؤمنين يومئذ بصدقات وأطلق محبوسين وتقدم أمير المؤمنين في هذه السنة بعمل لوح ينصب على قبر الإِمام أحمد وحصل للشيخ أبي الفرج والحنابلة بسببه التعظيم الزائد وجعل الناس يقولون للشيخ أبي الفرج هذا كله بسببك فإنه ما ارتفع هذا المذهب عند السلطان إلا بسماع كلامك وتكلم يومًا بحضرة الخليفة فحكى له موعظة شيبان للرشيد وقوله له في كلامه يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك وإن سكت خفت عليك وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك والحاصل أن مجالسه

стр. 38

الوعظية لم يكن لها نظير ولم يسمع بمثلها وكانت عظيمة النفع يتذكر بها الغافلون ويتعلم منها الجاهلون ويتوب فيها المذنبون ويسلم فيها المشركون. وقال على المنبر في آخر عمره كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلدة وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني وله التصانيف في فنون العلم من التفسير والفقه والحديث وهو أحسن فنونه والوعظ والرقائق والتواريخ وغير ذلك وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه والوقوف عَلَى صحيحه من سقيمه وله فيه المصنفات من المسانيد والأبواب والرجال ومعرفة ما يحتج به في أبواب الأحكام والفقه وما لا يحتج به من الأحاديث الواهية والموضوعة وله في الوعظ العبارات الرائقة والإشارات الفائقة وكان من أحسن الناس كلامًا وأتمهم نظامًا وأعذبهم لسانًا وأجودهم بيانًا وبورك له في عمره وعمله فروى الكثير وسمع الناس منه أكثر من أربعين سنة وحدث بمصنفاته مرارًا ومن إنشاده لنفسه وهو بواسط: يا ساكن الدنيا تأهب … وانتظر يوم الفراقِ واعد زادًا للرحيل … فسوف يجدي بالرفاق وابكِ الذنوب بأدمع … تنهل من سحب المآقي يا من أضاع زمانه … أرضيت ما يفنى بباقي وكان يكتب في اليوم أربع كراريس ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلد إلى ستين ويقال أنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله ﷺ فحصل منها شيء كثير وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها وكان له في كل علم مشاركة وأوقف كتبه على مدرسته التي بناها بدرب دينار وسئل عن عدد مصنفاته فقال زيادة على ثلاثمائة وأربعين مصنفًا منها ما هو عشرين مجلدًا ومنها ما هو كراس واحد ولم يترك فنا إلا وله فيه مصنف وكان كثير الاطلاع على مصنفات الناس حسن التبويب والترتيب وقال الشيخ أول ما صنفت وألفت ولي من العمر ثلاث عشرة سنة. ومن تصانيفه المغني في التفسير أحد وثمانون جزءًا. زاد المسير في علم التفسير. عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ. منهاج الوصول إلى علم الأصول خمسة أجزاء. جامع المسانيد بالحض على الأسانيد. الموضوعات

стр. 39

من الأحاديث المرفوعات مجلدان. العلل المتناهية في الأحاديث الواهية. موت الخضر مجلد. مختصره جزء. فضائل عمر بن الخطاب مجلد. فضائل عمر بن عبد العزيز مجلد. مناقب الإِمام أحمد مجلد. مناقب الإِمام الشافعي جزء. مناقب معروف الكرخي جزء. مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن. وله في علوم الوعظ أكثر من مائة مجلد منها اليواقيت. اللؤلؤ. منتخب المنتخب. شاهد ومشهود. مغاني المعاني. إيقاظ الوسنان من الرقدات بأحوال الحيوان والنبات. منتهى المشتهى. تلبيس إبليس. إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء. عطف العلماء على الأمراء والأمراء على العلماء. المقامات مجلد. الطب الروحاني جزء. الوفا بفضائل المصطفى مجلدان. منهاج الإصابة في محبة الصحابة. مناقب أبي بكر مجلد. مناقب علي مجلد. فضائل العرب مجلد. المختار من الأشعار عشر مجلدات. الفصول الوعظية على حروف المعجم. سلوة الأحزان عشر مجلدات. المجالس اليوسفية في الوعظ كتبها لابنه يوسف - قال الحافظ الذهبي ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنفه هذا الرجل - وقال يومًا وقد طرب أهل مجلسه فهمتم فهمتم. وسأله رجل أيما أفضل أسمح أو أستغفر فقال الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون منه إلى البخور وقال في حديث أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين: إنما طالت أعمار الأوائل لطول البادية فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل حثوا المطي ومن كلماته الحسنة من قنع طاب عيشه ومن طمع طال طيشه وقال لصاحب له أنت في أوسع العذر من التأخر عني لثقتي بك وفي أضيقه من شوقي إليك وقيل له إن فلانًا أوصى فقال يا مفرطين ما تطينون سطوحكم إلا في كانون. ويحكى أنه وقع النزاع ببغداد بين السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ورضي الكل بما يقوله الشيخ فأقاما من يسأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه فقال على البديهة أفضلهما من كانت ابنته تحته ونزل في الحال حتى لا يراجع فكل من الفريقين احتج بها لنفسه ومما ينسب إليه من الشعر: تملكوا واحتكموا … وصار قلبي لهم تصرفوا في ملكهم … فلا يقال ظلموا إن وصلوا محبهم … أو قطعوا فهم هم

стр. 40

اصبر لما شاؤوا وإن … ساء الذي قد حكموا يا أرض سلع خبري … وحدثيني عنهم يا ليت شعري اذحدوا … أأنجدوا أم اتهموا تشتاقهم أرض منى … وتشتكيهم زمزم ومن كلامه قدس الله روحه: يا أهل حب الفانية … أهل القلوب القاسية أهل الخلاف والفرا … ق والذنوب الرابية أهل النكوس والنقو … ص والعيوب البادية أهل المخاط والبصا … ق والعظام الواهية ما سمعوا ما فهموا … ما قلت من كلاميه تكبرو تجبروا … باعوا الجنان العالية تنعموا تترفوا … وآثروا الرفاهية إن هي إلا أخذة … سارية أو غادية وقد حوتهم جنة … أو قعر نار حامية وقال كل كاسب … مالي وأين ماليه وقال كل سيد … جاهي عدمت جاهية وقال ذو السلطان حيـ … ـــن ذل واسلطانية أين أبي أين اخي … أين مضى غلمانيه يومئذ ترى العيـ … ون بالدماء باكية كل يقول حسرتي … خسرت واحرمانيه يا ليتني مت وقد … حرمت من أفعاليه ياليت قلبي لم يكن … مع القلوب القاسية يا ليتها يا ليتها … كانت علي القاضية قرأ العلم على الشيخ أبي الفرج جماعة من أعيان المذهب وسمع الحديث وغيره من تصانيفه خلق لا يحصون كثرة وممن روى عنه الشيخ موفق الدين والحافظ
следующие страницы →