أنشأ الفرنسيون إبان مقامهم في عهد نابليون صحيفتين فرنسيتين: العشار المصري "La Decade Egyptinne" وهي جريدةٌ علميةٌ اقتصاديةٌ, تنشر فيها أبحاث المجمع العلمي ومناقشات أعضائه, وتصدر كل عشرة أيام، وبريد مصر "Lecourrier de L'Egypt" وهي الصحيفة الرسمية للحملة الفرنسية، وتصدر كل أربعة أيام، وقد ذهبتا بانقضاء الحملة الفرنسية، كما أنهم نشروا سلسلة تاريخية حررها السيد إسماعيل الخشاب.
وقد أشرنا إليها سابقًا، وقد ذهبت كذلك بانقضاء حملتهم.
كانت هذه محاولات بدائية في الصحافة، فلما جاء محمد علي أصدر أول صحيفةٍ عربيةٍ سنة ١٨٢٢، حين أصدر "جنرال الخديو"، وكان يطبع في مطبعة القلعة بالقاهرة، ويصدر كل مرة في مائة نسخة باللغتين العربية والتركية، متمضنًا الأخبار الحكومية, وبعض القصص من ألف ليلة وليلة، وكان يرسل إلى رجال الدولة الذين يهم الحاكم أن يقفوا منه على أحوال البلاد، وظلت تصدر لمحمد علي وحده بعد أن ظهرت الوقائع المصرية، وكان الغرض من تزويده ببعض القصص جذب القراء إليه, ثم أنشأ في سنة ١٨٢٨ جريدة الوقائع المصرية، وكانت تصدر أول أمرها بالتركية والعربية معًا، وأخيرًا اقتصرت على العربية، ولا تزال تصدر حتى اليوم.
ولم يكن صدورها في عهد محمد علي منتظمًا، وكان يشرف على تحريرها الشيخ العطار شيخ الأزهر، وكان صديقًا للشيخ إسماعيل الخشاب محرر "سلسلة التاريخ".
وتكاد الوقائع تكون مقصورةً على الأخبار الرسمية، وكان محمد علي شديد الاهتمام بالوقائع، يودُّ أن يراها في قوة تحريرها وحسن إخراجها، وغزارة مادتها, مثل تلك الجرائد التي كانت تأتيه من أوربا، وتقرأ له، وقد أرسل ذات مرة يعنف المسئولين عن تحريرها؛ لأنهم نشروا خبرًا تافهًا لا يليق بمقام الجريدة الرسمية للدولة.
стр. 37
وجاء في كتابه: "لقد أخذنا العجب في درج مثل هذه الحوادث القبيحة، فإذا علمتم ذلك فعليكم من الآن فصاعدًا أن تدرجوا الحوادث اللائقة بالنشر, وتتجنبوا نشر ما لا يليق نشره، وأن تلاحظوا ذلك بكل تدقيق واهتمام؛ لأنه من مقتضى ذمة خدمتكم، ومطلوبي أن تكونوا بعدئذ على انتباه وبصيرة"١.
وقد حرص محمد علي على أن يرى مسودات الجريدة، ويبدي فيها رأيه قبل أن تنشر٢، وبذا كان محمد علي أول صحفيٍّ بمصر، وكانت مهمته أشبه بمهمة رئيس التحرير في الجرائد اليومية اليوم، فكان يشير بالمقالات، ويحذف ما لا يراه لائقًا بكرامة الصحيفة، ولا يبخل عليها بمالٍ أو رجالٍ، ويأمر أن يلي أمر طبعها عمال مهرة لا تشوب كفايتهم شائبة.
وقد تعاقب على تحريرها منذ ذلك الوقت نخبة من كبار الأدباء منهم: مختار بك, مدير المدارس في عهد محمد علي، وبغوص بك, موضع ثقته في المسائل العليا، وأحمد فارس الشدياق, والسيد شهاب الدين, صاحب السفينة، والشيخ رفاعة الطهطاوي، والشيخ محمد عبده, والشيخ أحمد عبد الرحيم, والشيخ عبد الكريم سلمان, وغيرهم.
وقد تعطلت الوقائع بعد محمد علي, ما بين ١٨٤٩- ١٨٦٣، ولم تصدر جريدة غيرها، وذلك راجع إلى عزوف عباس وسعيد عن النهضة ووسائلها, ولكنها استأنفت حياتها في عهد إسماعيل.
تعقيب:
كانت نهضة محمد علي -كما رأينا من كل ما تقدم- علميةً حربيةً، ولم يلتفت للأدب أدنى التفاتة، وذلك لأنه لم يكن بحاجةٍ للأدب كحاجته لجيشٍ قويٍّ يدعم به عرشه، ويؤسس دولته، ويدافع به عن نفسه.
стр. 38
وكان كل شيء في مصر, وكل البعثات من طبيةٍ وهندسيةٍ وصناعيةٍ وغيرها, ترمي إلى خدمة الجيش، ورجال الجيش, ومع ذلك, فقد كانت هذه النهضة الحربية أساسًا للنهضة العلمية الأدبية التي ظهرت في عهد إسماعيل، فالمدارس التي فتحت في عهد محمد علي، والكتب التي ترجمت، والبعثات التي تزودت من علوم أوربا، واطلعت على حضارتها، أسهمت كلها في النهضة التالية، وساعدت على نجاحها، فلم يكن كبار المفكرين في عهد إسماعيل إلّا شبّانًا في عهد محمد علي، ولقد أفادوا مصر فيما بعد أكبر فائدة, وفي طليعتهم رفاعة الطهطاوي، ومحمد علي البقلي، وإسماعيل الفلكي، ومحمود الفلكي، وعلي مبارك.
وتعلَّم هؤلاء في عصر محمد علي, وقادوا الحركة الفكرية في عهد إسماعيل، ففضل هذا العصر على النهضة الأدبية من هذه الناحية أَجَلّ من أن ينكر، على الرغم من أن اللغة الرسمية للدولة كانت التركية، ولكن اللغة العربية أخذت منذ ذلك الحين تنمو وتشتد, حتى استطاعت بعد زمنٍ وجيزٍ أن تقضي على التركية في الديوان، ثم تصير لغة الأدب الحيِّ الذي ينبض بالقوة, ويعبر عن الحضارة الحديثة؛ لكثرة ما ترجم إليها من آثار الغرب، وكثرة ما أحيا من تراث العرب، والفضل في ذلك لهذه الأسس التي بنيت عليها نهضتنا الحديثة.
وعلى الرغم من مظاهر النهضة المختلفة، فإن محمد علي لم يكن يقصد نفع مصر والمصريين، وإنما كان يريد استغلالهم على أسوأ طريق؛ فحكمهم بالقهر، وأطاح بالرءوس الكبيرة في البلاد، وجمع كل عقود التمليك، ووزع الأرض الزراعية توزيعًا جديدًا، كان لأقاربه وأنصاره من غير المصريين منها النصيب الأكبر، ومن هنا جاء الإقطاع الحديث بشروره وآثامه.
كما أنه جعل مصر مزرعةً كبرى يجني وحده خيراتها، وينفق من تلك الخيرات على الجيش الذي يعده لتمكين ملكه وتثبيت عرشه، وتوسيع نفوذه.
وقد أخذ ما كان للمساجد من أموال، وأخذ من أوقاف الأزهر ما لو بقي له اليوم لكان ذا شأن كبير في إصلاحه, والنهوض به.
стр. 39
ولقد أساء محمد علي إلى المصريين وأذلهم، وصار يجبي منهم الأموال بالعسف، ويسوقهم سوق الأنعام للجندية التي يحارب بها السلطان أو الوهابيين في نجد، وفَضَّل عليهم الأجانب الذين جلبهم لمعاونته في تدبير شئون البلاد، وأوسع لهم في المجاملة، وزاد لهم في الامتياز متعديًا حدود المعاهدات المنعقدة بينهم وبين الدولة العثمانية، حتى صار كل صعلوكٍ منهم، لم يكن يملك قوت يومه، ملكًا أو كاللملك في بلادنا، يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل؛ فصغرت نفوس الأهالي بين أيدي الأجانب بقوة الحاكم، وتمتع الأجنبيّ بحقوق الوطنيّ التي حرمها، وانقلب الوطنيّ غريبًا في داره, غير مطمئنٍ في قراره، فاجتمع على سكان البلاد المصرية ذلان: ذل ضربته الحكومة الاستبدادية المطلقة, وذل سامهم الأجنبيّ إياه ليصل إلى ما يريد منهم, غير واقف عند حَدٍّ, أو مردود إلى شريعة١.
стр. 40
٤- الأدب في عهد محمد علي:
لا نستطيع أن نقول أن الأدباء الذين ظهروا في عهد محمد علي هم أثر النهضة العلمية في عصره، ولكنهم ولا شكَّ أفادوا منها، مع أنهم من آثار العصر السابق، اطلعوا في عصر محمد علي على أشياء كثيرة لم يروها من قبل، وأحاطت بهم نهضة شاملة، مع ذلك, فقد كانوا مكبلين بقيود الألفاظ والزخارف في كتبابتهم وشعرهم إلّا القليل، ومن هؤلاء:
١- الشيخ حسن العطار١:
من أسرة مغربيةٍ, نزحت إلى القاهرة, فوُلِدَ بها سنة ١١٨٠هـ ١٨٦٦م، وكان أبوه عطَّارًا، فتبع أباه في تجارته أول الأمر, ولكن الله قد أودع قلبه حب الأدب والعلم، فلم يضن عليه والده بالمساعدة على تحصيلها، وجَدَّ الولد، وحصل منهما الشيء الكثير، ووعى ما حَصَّلَ، وتتلمذ على أكابر علماء عصره؛ كالشيخ الأمير والشيخ الصبان.
وفي أيامه دخل الفرنسيون، فاتصل بهم, وأفاد منهم بعض الفنون الشائعة ببلادهم, وعَلَّمَ بعضهم اللغة العربية، ثم ارتحل إلى الشام، وسكن دمشق زمنًا.
وتَجَوَّلَ في بلادٍ كثيرةٍ يفيد ويستفيد، ثم آب إلى مصر، فأقرَّ له علماؤها بالفضل، وعُهِدَ إليه بتحرير الوقائع المصرية، ثم تولَّى التدريس بالأزهر، ثم صار شيخًا له بعد الشيخ العروسي سنة ١٢٤٦, فأحسن إدراته, وظلَّ في منصبه إلى أن توفي سنة ١٢٥٠هـ- ١٨٣٥م, وكان محمد علي يجلُّه ويكرمه لما امتاز به من التفوق في العلوم العصرية والأدبية وفنونها, ويقول عنه تلميذه رفاعة الطهطاوي في كتابه "مباهج الآدب المصرية": "كانت له مشاركة في كثير من هذه العلوم الجغرافية، فقد وجدت بخطه هوامش جليلة على كتاب تقويم البلدان, لإسماعيل أبي الفداء سطان حماة.. وله هوامش أيضًا وجدتها بأكثر التواريخ على طبقات الأطباء وغيرها، وكان يطلِّعُ دائمًا على الكتب المعرَّبة من تواريخ على طبقات الأطباء وغيرها، وكان له ولوعٌ شديدٌ بسائر المعارف البشرية"٢".
وقد خلَّف عدة مؤلفاتٍ في النحو والبيان والمنطق والطب, وله في البلاغة حاشيةٌ على السمرقندية, وله كتاب في الإنشاء والمرسلات, طبع مرارًا بمصر، وجمع ديوان ابن سهل الإشبيلي وبوبه, وكان على إلمامٍ بعلم الفلك، وله رسالة في كيفية العمل بالأسطرلاب، وكان يحسن عمل المزاول الليلية والنهارية, وقد اشتهر بالأدب والشعر.
وكان صديقًا للسيد إسماعيل الخشاب، واستمرت صحبتهما بعد عودة الشيخ العطار من الشام -حتى كانا يبيتان معًا- إلى أن مات الخشاب، وللعطار ديوان شعرٍ، وروى له الجبرتي كثيرًا، وكان على صلة بكثير من أدباء عصره، ومنهم المعلم بطرس كرامة اللبناني, وقد قال فيه كرامة لما لقيه بمصر:
قد كنت أسمع عنكم كل نادرة ... حتى رأيتك يا سؤلي ويا أربي
والله ما سمعت أذني بما نظرت ... لديك عيناني من فضل ومن أدب
стр. 41
ومن نثر الشيخ العطار:
"أما بعد, فإن أحسن وشي رقمته الأقلام، وأبهى زهر تفتحت عنه الأكمام، عاطر سلام يفوح بعبير المحبة نفحه، ويشرق في سماء الطروس صبحه.
سلام كزهر الروض أو نفحة الصبا ... أو الراح تجلى في يد الرشأ الألمي
سلام عاطر الأردان, تحمله الصبا سارية على الرند والبان، إلى مقام حضرة المخلص الوداد, الذي هو عندي بمنزلة العين والفؤاد، صاحب الأخلاق الحميدة، حلية الزمان الذي حلى معصمه وجيده ... إلخ".
ومن شعره قوله يتغزل:
ألزمت نفسي الصبر فيك تأسيًا ... والصبر أصعب ما يقاد نجيبه
وبليت منك بكل لاح لو تبدَّى ... نحو طودٍ أثقلته كروبه
أفلا رثيت لعاشق لعبت به ... أيدي المنون ونازعته خطوبه
أنت النعيم له ومن عجب ... تعذبه وتمرضه، وأنت طبيبه
وهو شعر إذا قيس بعصره دل على روح أديب، وذوق شاعر، كما أن النثر، وإن كان مسجوعًا، إلّا أنه غير مثقل بالحلى اللفظية، مما يدل على بعض التطور في كل من النثر والشعر, نعم, إن في النثر تكلفًا وتعمدًا للسجع, فإذا كان السلام عاطر الأردان، فلابد أن تحمله الصبا ساريةً على الرند والبان، إلى غير ذلك مما يذكرنا بسجع القاضي الفاضل, وتذليل المعاني للألفاظ، وخفاء شعور الكاتب والشاعر تحت هذه الزخارف الكثيرة، على أن الشيخ العطار مع هذا, من أحسن كُتَّابِ عصره وشعرائه ديباجة، وأقلهم تكلفًا.
٢- الشيخ حسن قويدر:
تلميذ العطار، ولد ١٢٠٤هـ-١٧٨٩م, وهو مغربيّ الأصل كأستاذه، ونزح أهله إلى بلدة الخليل بالشام، وجاء والده إلى القاهرة وأقام بها، فولد فيها المترجم، ونال شهرة عظيمة في العلوم، وكان مع ذلك يشتغل بالتجارة، وصارت
стр. 42
له مع أهل الشام صلات تجارية، ومن تأليفه شرحه المطول على منظومة الشيخ العطار في النحو، وكان قد قرظها من قبل بقوله:
منظومة الفاضل العطار قد عبقت ... منها القلوب بريا نهكة عطره
لو لم تكن روضة في النحو يانعة ... لما جنى الفكر منها هذه الثمرة
وله كتاب إنشاء ومراسلات، وكتاب نيل الأرب في مثلثات العرب، وهو مزدوجات ضمنها الألفاظ المثلثة الحركات، المختلفات المعاني، كمثلثات قطرب، وقد طبع بمصر، ونقله إلى الإيطالية المستشرق "إريك فيتو" قنصل إيطاليا ببيروت, وهو أرجوزة طويلة مطلعها.
يقول من أساء واسمه حسن ... لكن له ظن بمولا حسن
فكم لملواه عليه من منن ... بالعد لا تدخل تحت الحصر
ويقول في المنظومة:
جمعت فيها الكلمات اللاتي ... تكون في الشكل مثلثات
أبدًا بالمفتوح ثم آتي ... بالضم لكن بعد ذكر الكسر
وهاك مثلًا من مثلثاته:
أجمة الحَلْفاء هي الأباء ... والامتناع من كذا إباء
والغيث كان يا أخي أباء ... وهو كراهة الطعام فادر
وهي ألفان ومائتان وعشرة أبيات، ومن مطبوعات جمعية المعارف.
وكان مشهورًات بالتأريخ الشعري, وقد أرَّخ وفاته وهو مريض سنة ١٢٦٣هـ بقوله: "رحمة الله على حسن قويدر" ومما يُرْوَى من شعره قول:
يا طالب النصح خذ مني محبرة ... تلقى إليها على الرغم المقاليد
عروسة من بنات الفكر قد كسيت ... ملاحة، ولها في الخد توريد
стр. 43
كأنها وهي بالأمثال ناطقة ... طير له في صميم القلب تغريد
واحذر من الناس لا تركن إلى أحد ... فالخِلُّ في مثل هذا العصر مفقود
بواطن الناس في ذا الدهر قد فسدت ... فالشر طَبْعٌ لهم والخير تقليد
وله قصيدة تسمى: المزدوجة جاء منها، وهي طويلة:
رأيت بدرًا فوق غصن مائس ... يخطر في خضر من الملابس
ويسحر العقل بطرفٍ ناعسٍ ... وهو بشوش الوجه غير عابسٍ
كأن ماء الحسن منه يجري
خاطرت لما أن رأيته خطر ... وحار فكري في بها ذاك الحور
وقلت لا والله ما هذا بشر ... ومن بشمس قاسهه أو القمر
فليس عندي بالقياس يدري
وهو شعركما ترى، قريب المعاني جدًّا، ليس فيه من الخيال شيء، وهو إن خلا من المحسنات البديعية إلّا أنه غير متين النسج، بل هو قريب من الكلام المعتاد، وكل تشبيهاته قديمة.
وقد رثاه محمد صفوت الساعاتي بقصيدة مطلعها:
بكت عيون العلا وانحطت الرتَبُ ... ومزقت شملها من حزنها الكتب
стр. 44
٢- السيد علي الدوريش:
تُوفِيَ سنة ١٢٧٠هـ-١٨٥٣م.
وهو السيد علي الدرويش بن إبراهيم المصري، وُلِدَ بالقاهرة سنة ١٢١١هـ، ونشأ بها, وأُغْرِمَ بالأدب، وحفظ كثيرًا من الشعر، وأصاب شهرةً كبيرةً في زمانه، وله عدد وفير من المقطوعات الغنائية، واتصل بأمراء أسرة محمد علي، وعُرِفَ بشاعر عباس الأول، ولم يكن يتكسب بالشعر؛ لأن الله رزقه حظًّا من الثروة، فاكتفى بما لديه.
وله من المؤلفات "الدرج والدرك", وضعه في مدح من اشتهر في أيامه بحميد المزايا وكريم الصفات، وكتاب "محاسن الميل لصور الخيل" وضعه بأمر عباس الأول, ذكر فيه محاسن الخيل ومساوئها، و"سفينة الأدب".
وشعره يمثل لنا عصره؛ من حيث الولوع بالمحسنات البديعية، يحشرها حشرًا، ويتكلفها تكلفًا, ومعانيه وأخيلته لا تدل على شاعرية ممتازة إذا قيست بشعر عصرنا، ولكنه بالنسبة لعصره كان طليعة الشعراء، وقد اشتهر بالتواريخ الشعرية، وله ديوان طبعه تلميذه مصطفى سلامة النجاري في ٤٨٢ صفحة، وقد جمع كل ما قاله السيد على الدرويش من شعر ونثر.
ومن نثره قوله في مقامة الفضيلة والرذيلة:
"وفقك الله لما يرضاه، وعصمك في موجب الذم, ومن لا يتحاشاه، إن الفضيلة والرذيلة صفتان متضادتان، ونوع الإنسان مجبول على الميل للأولى، والفرار من الأخرى على حسب آراء العباد، وعوائد البلاد، فربما كانت الفضيلة عند قوم رذيلة عند آخري، وكانت الرذيلة عند أممٍ فضيلة عند غيرهم من المتأخرين، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، مع تفاوت في طباعهم، وأشكالهم, وصنائعهم، فمنهم ذو الطبع السليم، ومنهم الذميم، ولا سبيل إلى ترغيب الأول ليجتهد في الازدياد، وترهيب الثاني لينطبع على أن يتحاشى بالاعتياد، لا باللسان، الآتي بسحر البيان، فقد جاء في الحديث: "إن إيمان المرء ليربوا إذا مدح، وربما
стр. 45
يصح الجسم إذا جرح، فمن ذلك كان المدح على المحاسن تذكيرًا، والذم على القبائح تنفيرًا، وكلاهما مطلوب شرعًا، ومرغوب فرعًا، فيستقيظ الغافل، ويقبل الكمال الكامل".
ومن شعره قطعةٌ قالها في منفلوط "وهي من قرى الصعيد":
سعيد من نأى عنه الصعيد ... صعود ما لطالعه سعود
وردنا منفلوط فلا سقاها ... وردناها فأظمأنا الورود
فما لي قد بعثت لقوم عاد ... كأني صالح وهم ثمود
أراهم ينظرون إليّ شزرًا ... كعيسى حين تنظره اليهود
فما لي منهم خِلٌّ ودودٌ ... ولي من طبعهم خلٌّ ودود
ويقول في الهرمين:
انظر إلى الهرمين واعلم أنني ... فيما أراه منهما مبهوت
رسخا على صدر الزمان وقلبه ... لم ينهضا حتى الزمان يموت
ومن شعره يصف الجراد الذي اجتاح مصر سنة ١٢٥٩هـ:
فترى الجراد على الجريد ... مكللًا مثلَ الثمر
ورقشٌ تراها إنها ... نارٌ تلظَّى بالشجر
لواحة للأرض لا ... تبقي النبات ولا تذر
وصغيرةٌ في حجمها ... لكنها إحدى الكبر
الأرضُ كانت جنة ... فالآن ترمي بالشرر
نزل الجراد بها كما ... نزل القضاء أو القدر
стр. 46
٤- المعلم بطرس كرامة:
وهو من شعراء سوريا في عهد محمد علي، وُلِدَ في حمص سنة ١١٨٨هـ ١٧٧٤م، وجاء لبنان واتصل بالأمير بشير الشهابي، وتُوفِيَ سنة ١٢٦٨هـ ١٨٥١م، ومن شعره يصف ينبوع الصفا، وقد مد "بيت الدين" مقر الأمير بشير بماء هذا الينبوع:
صاح قد وافى الصفا يروي الظما ... بشرابٍ كوثريّ العس "كذا"
وأفاض الشهد في روض الحمى ... لجلا الغم وبرء الأنفس
حبذا الفوار عنه حين راق ... فأرانا ماؤه ذوب اللجين
نَزَّه القلب عن الهم، وراق ... بسنا صافي صفاه كلّ عين
نثره الدر بفيض واندفاق ... وسقى الوراد أهنا الأطيبين
قد جرى عذبًا فأغنى الندما ... بزلال من رحيق الأكؤس
وعلى الأغصان أبقى النِّعَما ... فزهت مثل ندامى العُرُس١
وقال يصف باقة زهر أهداها له الأمير بشير:
وقال يصف باقة زهر من ميلك منحتها ... معطرةَ الأرواح مثلَ ثنائه
فأبيضاها يحكي جميل خصاله ... واصفرُها يحكي نضار عطائه
وأزرقها عين تشاهد فضله ... وأحمرها يحكي دماء عدائه
стр. 47
وقال يهنيء إبراهيم باشا بفتح عكا:
فتحٌ به الفتح القريب موكد ... وكواكب النصر المبين توقد
ما المجد إلّا بالحسام ولم يدم ... شرف الفتى ما لم يصنه مهند
ما يوم عكة لم تذع ذكرًا لما ... غبر الزمان به وما يتجدد
يوم به الحرب العوان تضرمت ... بقنابل مثل الصواعق ترعد
رجمت بشهب كراتها الأسوار من ... لهب فدك الشامخ المتوطد
ورمت بصدر بورجها قلل الفضا ... تلك المدافع فهي طورًا تسجد
فتخال والهيجاء تلهب حولها ... نار الجحيم بجوها تتصعد
سبقت إليها الصبح أسد عرينة ... وبغير صبحٍ حرابهم لم يهتدوا
من كل أروع قد تعود في الوغى ... أخذ الكمأة وما يقول السيد
وتراه يبسهم للكفاح كأنما ... ورد الحمام لديه نعم المورد
وثبوا على الأسوار, ثم تسنموا الـ ... أبراج السيف الصقيل مجرد
وتجلد القوم العدة وإنما ... لم يجدهم عند العراك تجلد
٥- الشيخ ناصيف البازجي:
هو الشيخ ناصيف بن عبد الله اليازجي، وُلِدَ بكفر شيما بلبنان, سنة ١٨٠٠م, واشتغل أول أمره بالعلوم والطب، ولكن الأدب غلب عليه, واتصل بالأمير بشير الشهابي, فاتخذه كاتم سره، ولما دالت دولة الأمير بشير انقطع للتأليف ومراسلة الأدباء، ونظم الشعر، وقد خلَّف عدة مؤلفات، من أشهرها:
١- مقاماته الستون المعروفة بمجمع البحرين, عارض فيها مقامات الحريري، ويقول في إحداها المعروفة بالمقمامة الخزرجية:
"قال سهيل بن عباد: دخلت بلاد العرب في التماس بعض الأدب، فقصدت نادي الأوس والخزرج، لأتفرج وأتخرج، وآخذ من ألسنتهم بعض المنهج، فلما صرت في بهرة١ النادي، أخذ بمجام فؤادي، فجلست بين القوم ساعة، وأنا
стр. 48
أحدق إلى الجماعة، وإذا شيخنا ميمون بن خزام، قد تَصَدَّرَ في ذلك المقام، وهو يقول: من أراد أن يعرف جهينه١ أو شاعر مزينه٢، فليحضر ليسمع ويرى، فإن كل الصيد في جوف الفرا٣, فعمد إليه رجل وقال: أطرق كرى، إن النعامة في القرى٤ إلخ".
ومن نثره المرسل قوله:
"وكان الملوك ومن يليهم في الأيام القديمة يعرفون كثيرًا من العلوم ويتمكنون منها، حتى كان منهم من يخطيء العلماء في بعض المسائل؛ ولذلك كانوا يعتنون بشأن العلم والعلماء ويعرفون حقهم, وكانوا يقيمون مدارس في علوم شتَّى, حيثما وجدوا لها موضعًا، ويغرمون المشايخ والطلبة بالعطايا والإحسان, فكان الناس يدخلون فيها أفواجه, ويعكفون على تحصيل ما يستطيعون من العلوم، حتى إذا استتم الرجل علمه خرج إلى منصب، أو وظيفة عند السلطان، متمتعًا ببسطة الجاه والمال، ومستغنيًا عن جميع المهمات والأشغال، فيفرغ للتوسع في العلوم، وإنشاء المصنفات فيها، وبذلك يكون مثالًا لغيره في طلب العلم والتجرد له".
٢- وله كتاب فصل الخطاب في الصرف والنحو، وله شرح على ديوان المتنبي، أتمه ابنه الشيخ إبراهيم، واسمه العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب.
٣- وله ديوان شعر في ثلاثة أجزاء: أحدهما: نفحة الريحان، وثانيها: فاكهة الندماء، وثالثها: ثالث القمرين.
وشعره يجمع بين الرقة والمتانة، ومن شعره في بخيل:
стр. 49
قد قال قومٌ إن خبزك حامض ... والبعض أثبت بالحلاوة حكمه١
كذب الجميع بزعمهم في طعمه ... من ذاقه يومًا ليعرف طعمه؟
وقال في الزهر:
مر النسيم على الرياض مسلمًا ... سحرًا فرد هزارها مترنما
وحنى إليه الزهر مفرق رأسه ... أدبًا، ولو ملك الكلام تكلما
يا حبذا ماء الغدير وشمسه ... تعطيه دينارًا فيقلب درهما
وقال يرثي صديقًا:
قد كنت أنتظر البشرى برؤيته ... فجاءني غير ما قد كنت أنتظر
إن كان قد فات شهد الوصل منه فقد ... رضيت بالصبر لكن كيف أصطبر
أحب شيء لعيني حين أذكره ... دمع, وأطيب شيء عندها السهر
هذا الصديق الذي كانت مودته ... كالكوثر العذب لا يغتالها كدر
لا غرو أن أحزان الزوراء مصرعه ... فحزنه فوق لبنان له قدر
وقال يمدح محمد علي "باشا" ويهنئه بفتح عكا:
يا فاتح القطرين أنت محمد ... هل دون فتحك في البلاد مسدد؟
أنت العلي كما يقال ونسله ... منك المعالي لم تزل تتولد
لما بعثت من الكنانة سهمها ... حلفت عليه أنه لا يصرد
ما زالت النار التي وقدت له ... بردًا عليه وناره لا تبرد
من مثل إبراهيم إلّا سيفه ... يوم الكريهة والقنا المتأود
стр. 50
ولقد ضربت حصون عكاء التي ... كانت لهيبتها الفرائص ترعد
الله أكبر ليس دونك قلعة ... تحمي ولا حصن أشم ممرد
وتحصنت منك الأسود فلا تلم ... قومًا بإغلاق الحصون استنجدوا
أسألت "عبد الله١" أين قلاعه ... ورجاله وفؤاده المتوقد؟
ومما كنا نحفظه في الصغر للشيخ ناصيف اليازجي, قوله في عروس الزهر "الوردة":
هذي عروس الزهر نقطها الندى ... بالدر فابتسمت ونادت معبدًا
لما تفتق سترها عن رأسها ... عبث الحياء بخدها فتوردا
فتح البنفسج مقلة مكحولة ... غمز الهزار بها فقام وغردا
وتبرجت ورق الحمام بطوقها ... لما رأين التاج يعلو الهدهدا
بلغ الأزاهر أن ورد جنانها ... ملك الزهور فقابلته سجدا
فَرَنَا الشقيق بأعين مُحْمَرَّةٍ ... غضبًا وأبدى منه قلبًا أسودا
بسط الغدير الماء حتى مسه ... برد النسائم قارسًا فتجمدا
ورأى النبات على جوانب أرضه ... مهدًا رطيبًا لينًا فتوسدا
يا صاحبي تعجبًا لملابس ... قد حاكها من لم يمد لها يدا
كل الثياب يحول لون صباغها ... وصباغ هذي حين طال تجددا
وفي هذه القصيدة خيال جميل، وسهولة لفظ، ورقة وصف, تجعل مثل ناصيف اليازجي يقف وحده بين شعراء عصره, كما يقف وحده بين كتاب جيله؛ لمتانة عبارته, وحسن صياغته, ولأنه ترسل في كتابته على خلاف المعهود في زمنه.
ومن جميل شعره الذي يدل على رقة حسٍّ، ودماثة عاطفةٍ, قوله يرثي ولده حبيبًا:
стр. 51
ذهب الحبيب فيا حشاشة ذوبي ... أسفًا عليه ويا دموع أجيبي
ربيته للبين حتى جاءه ... في جنح ليلٍ خاطفًا كالذيب
يا أيها الأم الحزينة أجملي ... صبرًا فإن الصبر خير طبيب
لا تخلعي ثوب الحداد ولازمي ... ندبًا عليه يليق بالمحبوب
إني وقفت على جوانب قبره ... أسقي ثراه بدمعي المصبوب
ولقد كتبت له على صفحاته ... يا لوعتي من ذلك المكتوب
الشهاب الألوسي:
هو أبو الثناء شهاب الدين محمود الألوسي, وُلِدَ ببغداد سنة ١٢١٧هـ-١٨٠٢م, وتوفي ١٧٠هـ-١٨٥٤م.
وكان إمامًا في التفسير والإفتاء، وعالمًا ضليعًا باللغة، وكاتبا بليغًا, وخطيبًا مصقعًا, وقد حظي بشهرة عظيمة في عصره، وصار مقصد الأدباء والمتأدبين، وطلاب التفسير والفقه.
وقد كثر حاسدوه وشانئوه بغداد، واضهده الوالي التركي، فقام برحلةٍ إلى الآستانة, يبث شكواه لأولي الأمر، ويعرض عليهم تفسيره المشهور "روح المعاني", ولقي في رحلته من الإكرام ما أنساه غلظة الوالي، وسجل رحلته بعد عودته لبغداد في ثلاثة كتب.
كان سريع الخاطر، منطلق الذهن في الكتابة والتحرير، وقيل: إن أقل ما كان يكتبه في الليلة من مؤلفاته ورقتان كبيرتان، وله عدة كتب في التفسير والفقه والمنطق والأدب واللغة، ومن أشهرها:
١- روح المعاني في التفسير, وهو تسعة أجزاء, ويعد خير كتبه, ومن أحسن التفاسير المتداولة، وقد طبع مرةً على نفقة ولده السيد نعمان خير الدين بمطبعة بولاق بمصر سنة ١٣٠١هـ.
стр. 52
٢- شرح السلم في المنطق.
٣- كشف الطرة عن الغرة، وهو شرح على درة الغواص للحريري.
٤- وله كتاب في المقامات, طبع في كربلاء.
ومن نثره يصف القسطنطينية:
"بلدة مونقة الأرجاء, رائعة الأنحاء، ذات قصور تضيق عن تصويرها الأذهان، وتتجاذب الحسن هي وقصور الجنان، وربة رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة، وقد تغنت أطيارها فتمايلت طربًا أشجارها، وبكت أمطارها فتضاحكت أزهارها، وطاب نسيمها، فصحَّ مزاج إقليمها, وليتك رأيت ما فيها من الرياض الأنيقة، والأشجار المتهدلة الوريقة، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق حمر السحائب، فسقت مروجها مدام الطل، فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحلّ، فلما رويت من الصهباء أشجارها، رنحها مع النسيمات المسكية خمارها، فتدانت ولا تداني المحبين، وتعانقت ولا تعانق العاشقين، يلوح من خلالها شقيق، كأنه جمرات من آثار حريق، ويتخللها بهر يبهر ناظره.
وكأن النرجس الغض بها ... أعين العين وما فيهن غمض
ومن نثره قوله يحذر أولاده من الدجاجلة وأبالسة التضليل:
"يا بني! بعض الناس ذئاب، عليهم من جلود الشاة ثياب, فلا تخدعوا بمتماوت تغنجت كالهلوك كلمته، ولانت كالصعلوك عريكته، وولع الذبول بقمامته، فتناطحت تفاحة كتفه ورمانة هامته، وربما لزق ذقنه بصدره، وأصاخ بسمعه نحوه بسره، وحمل سبحة من ذوات الأذناب, وجعلها شبكةً، وأعمل فيها سبابته تنقر حباتها كما تنقر الحب الديكة.
قريب الخطو تحسبه لهون ... وليس مقيدًا يمشي بقيد
فوأبى! لقد رأيت في هؤلاء المتماوتين من هو أَمَرُّ من أبي مرة، وأضر منه بألف مرة.
стр. 53
وقد جربتهم فرأيت منهم ... خبائث بالمهيمن تستجير١
ومن شعره قوله في العراق:
أهيم بآثار العراق وذكره ... وتغدو عيوني من مسرتها عبرى
وألثم أخفافًا وطئن ترابه ... وأكحل أجفانًا برتبته العطرى
وأسهر أرعى في الدياجي كواكبًا ... تمر إذا سارت على ساكني الزورا
وأنشق ريح الشرق عند هبوبها ... أداوي بها يا مي مهجاتي الحرا
ومنه قوله:
وإذا الفتى بلغ السمك بفضله ... كانت كأعداد النجوم عداه
ورموه عن حسد بكل كريهة ... لكنهم لا ينقصون علاه
ومن المعاصرين لأبي الثناء الألوسي الشاعر الأخرس البغدادي، وقد اشتهر بشعره الثائر على الأوضاع الفاسدة ببغداد، وهناك مقطوعة قصيرة قالها حوالي سنة ١٨٠٣, يصور بها العراق بأنه صار موردًا عذبًا للكلاب، بينما تذاد الأسود عن نميره، ولم يعد يجد الأحرار فيه موئلًا، بل ضاق بكل حر أبي, وتحكم فيه الأوغاد والطغاة.
ودهر أعاني كل يوم خطوبه ... وذلك دأبي يا أميم ودأبه
مسوق إلى ذي اللب في الناس رزؤه ... ووقف على الحر الكريم مصابه
وحسبك مني صبر أروع ماجد ... بمستوطن ضاقت بمثلي رحابه
تذاد عن الماء النمير أسوده ... وقد تبلغ العذب الفرات كلابه
وأعظم بها دهياء وهي عظيمة ... إذا اكتنف الضرغام بالذل غابه
متى ينجلي هذا الظلام الذي أرى ... ويكشف عن وجه الصباح نقابه؟
стр. 54
وتلمع بعد اليأس بارقة المنى ... ويصدق من وعد الرجاء كذابه
ومن لي بدهر لا يزال محاربي ... تفل مواضيه وتنبو حرابه
عقور على شلوى يعض بنابه ... وتعدو علينا بالعوادي ذائبه١
تعقيب:
ذكرنا آنفًا أن هذا الأدب وليد العصر السابق، وأنه لم يتأثر أدنى تأثر بالحركة العلمية التي حمل محمد علي لواءها في مصر، كما رفع رجال الإرساليات التبشيرية هذا اللواء في بعض بلاد الشام؛ لأن هذه الحركات فضلًا عن أنها كانت في بدء نشأتها، بحيث لم يستفد بها هؤلاء الرجال الذين ترجمنا لهم، والذين هم خير من أنجب عصرهم، فإن هذه الحركات كانت علميةً لا تُعْنَى بالأدب إلّا القليل.
والنماذج التي أوردناها لهؤلاء الأدباء من شعرٍ ونثرٍ, تفصح عن تعلق أكثرهم بتلك الحلى المتكلفة, والزخارف اللفظية، والمعنوية، والتي تضحي بالفكرة في سبيل المحسن المقصود، والفكرة في ذاتها ضحلة، والخيال يكاد يكون معدومًا، وما بها من معنًى فهو مأخوذ من السابقين، وليته ظهر واضحًا كما ظهر عند المتقدمين من الشعراء، ولكنه توارى تحت ستارٍ كثيفٍ من المحسنات الثقيلة، والنسج ضعيف إلّا القليل.
وأما الأغراض فهي تلك المقاصد التقليدية التي صار عليها الأدباء من قديم، ولم يظهر فيما رأينا أية بادرة للروح القومية ويقظة الشعوب، والأغراض العامة، وإفصاح الشاعر عما يجيش في نفسه هو من حزنٍ وألمٍ، وفرحٍ ولذةٍ, مما يلاقيه في الحياة، بحيث يبدو مستقلًّا في شخصيته عن أميرٍ يُمْدَحُ، أو عظيم يُرْثَى، وربما كان عند بعض شعراء الشام أو العراق في ذلك الوقت -كما رأيت- كلف بالطبيعة ووصفها؛ لأن الشاعر الحساس لا يملك أن يغمض عينه مهما كانت من الضعف, أو ألا ينجذب ذوقه مهما كان عليه من المرض، أمام هذه الطبيعة الفياضة بالفتن والمحاسن في بلاد الشام، والطبيعة ثمة تغري على القول:
تبدل كل آونة لبوسًا ... خيال العبقري به يضل
بيد أن وصف الطبيعة، وإن دلَّ على حسٍّ مرهفٍ، وتأثرٍ بجمالٍ، فإن الصياغة والمعاني تئن من الضعف والركة، ولم يلم لهم إلّا القليل مما تبدو عليه آثار العافية والصحة والجمال.
стр. 55
٥- التأليف في عصر محمد علي:
رأينا عند الكلام على الترجمة، أن النهضة الحديثة ابتدأت، والبلاد في فقرٍ عقليٍّ شنيع، وظلامٍ مطبقٍ دامسٍ، وليس ثَمَّةَ إلّا بصيص ضئيل من النور يشع من الأزهر، بيد أن أهله كفوا على كتب الأقدمين يدرسونها بطريقتهم العقيمة، ولم يكونوا على علمٍ بما وصلت إليه أوروبا من علمٍ وحضارةٍ، بعد أن جاء نابليون، ومعه العلماء الأفذاذ والباحثون العظام، بل ظلَّ الأزهر كما هو غارقًا في أحلامه القديمة، وإن اعتمد عليه محمد علي في اختيار أعضاء البعثات منه أول الأمر, وأخذت النهضة تسير في طريقٍ مختلفةٍ عن طريق الأزهر، ولم يشأ محمد علي أن يغيِّرَ من نظم الأزهر شيئًا؛ بحيث توافق مقتضيات العصر، وحاجات النهوض، بل أنشأ نظامًا علميًّا جديدًا, هو ذلك النظام المدني في التعليم الذي نجني ثمرته اليوم، وذلك أن تغيير الأزهر وتحويله إلى النظام المدنيّ عملًا شاقًّا، وفيه قضاء على ما للأزهر من سمعةٍ دينيةٍ في نفوس المسلمين في كافة الأقطار، ثم فيه تحدٍّ للشعور الديني الذي كان مسيطرًا على أذهان الناس في الشرق حينذاك.
ولم ير محمد علي بدًّا من الاستعانة بعلماء الأزهر وكتب الأزهر في مدارسه الحديثة؛ إذ لم يكن هنالك علماء في غير الأزهر يصلحون لتدريس اللغة والدين، ولم تؤلف فيهما كتب على النهج الحديث، بل كانت الكتب الأزهرية -على ما بها من غموض، ومع أنها في مستوى أرقى من مستوى المدارس الحديثة- هي الشيء الوحيد في الميدان، ولذلك اضطرت حكومة محمد علي أن تقدم الأجرومية, والسنوسية، والألفية، والشيخ خالد، وغيرها من الكتب إلى مطبعة بولاق، فطبعت منها لأول مرةٍ في مصر آلافًا من النسخ, نشرتها في مدارسها الحديثة، وفي الأزهر نفسه.
стр. 56
ولم يكن في هذه الكتب ما يشوق التلميذ, أو يحبب القراءة إليه, أو يعاونه على تفتق ذهنه، واستكمال عدته للتعلم الثانوي؛ لأنها ألفت في عصور ضعف اللغة، وفيها أمثلة بعيدة كل البعد عن بيئة التلميذ وحياته، وطريقة تأليفها عقيمة؛ إذ لا تتدرج مع معلومات التلميذ، وإنما تفرض فيه العلم من أول سطر، وتعرض أمام مشكلاتٍ في الإعراب والعقائد يخالها طلاسم، ويتبرم بها، ويكاد ييأس، كل هذا في عصرٍ كان الكتاب فيه هو كل شيء أمام التلميذ، وليس له إلّا أن يستظهره، فحفظ كتب الدين واللغة، وأعدته الطريقة فاستظهر كتب الحساب والهندسة, وغيرها من الكتب المعروفة، استعدادًا لاجتياز الامتحان.
ولم يكن المدرسون وحدهم هم الذين استعارتهم مدارس محمد علي من الأزهر، بل كان ثمة طائفةٌ أخرى، اقتضتها طريقة التدريس على يد المترجمين التي ذكرناها آنفًا١، هذه الطائفة هم المصححون الذين يصححون الأخطاء النحوية والأساليب في الكتب التي تنقل إلى اللغة العربية، ولم يكن هذا العمل سهلًا هينًا، فكثير من المترجمين، وبخاصةٍ في السنين الأولى من إنشاء المدارس، كانوا من السوريين، أو غيرهم من المتمصرين كالأرمن والمغاربة، ولا ريب أن لغتهم كانت على شيءٍ كثيرٍ من الضعف، فقلَّمَا وُثِقَ بكتابتهم وترجمتهم, ولا سيما في موادٍّ لم يدروسها من قبل, هذا إلى أن العلوم الحديثة كانت تنقل لأول مرةٍ من اللغات الأوربية إلى اللغة العربية، وقد هجر الأزهر من زمنٍ بعيدٍ دراسة هذه المواد، فاضطروا إلى مراجعة الكتب القديمة في الحساب والفلك والهندسة والطب، وغيرها من التي ترجمت, أو ألفت في العصر العباسي، وذلك لأن مهمتهم لم تكن قاصرةً على تصحيح العبارة اللغوية، بل تعدتها إلى اختيار الكلمات الفنية المناسبة.
وقد أفادت اللغة العربية من عملهم هذا فائدة جليلة، وحين أعجزتهم الترجمة، ولم يهتدو إلى مقابل للكلمة الأجنبية في العربية عمدوا إلى تعريبها، وتركوها كما هي, مع تحريفٍ يسيرٍ يناسب اللسان العربيّ، أو بدون تحريف.
стр. 57
وبذلك ازدادت ثروة اللغة العربية، واتسع أمامها المجال لدراسة المواد الحديثة وتعريبها والتأليف فيها، وقد ألف بعضهم في ذلك كتبًا تعين المترجمين والمؤلفين؛ مثل الشيخ: محمد عمر التونسي في كتابه "الشذور الذهبية في الألفاظ الطبية".
كان لابد لمصر في أول نهضتها من الاعتماد على هذا القبس الضئيل الذي يشعُّ من الأزهر، ولقد رأينا إلى أي حدٍّ كان هذا الاعتماد، ولكن حين استطاع نظام محمد علي أن يقف على قدميه, ويؤتي ثمرته، ويتخرج في مدرسة الهندسة والطب وغيرها شبابٌ جمعوا بين الثقافتين, حاول محمد علي أن يتخلص من تأثير الأزهر على نظامه، ورأينا في أخريات عهده محاولةً لتأليف كتب في اللغة والدين على طريقة حديثة، وهذه الكتب وإن لم تبلغ مستوى الكتب الأزهرية في الجودة؛ بحيث يمكنها التغلب عليها, إلّا أنها كانت نزعة إلى التحرر من الأزهر، ورأينا أيضا مدرسي الحساب من خريجي الهندسة، وبعض مدرسي اللغات العربية, يؤخذون من نوباغ المتخرجين في مدرسة الألسن.
وهكذا ابتدأت الهوة تزداد اتساعًا بين تعليم الأزهر والتعليم الحديث، حتى أوشكت الصلة أن تزول فما بينهما, بل رأينا -على العكس- أن الأزهر يقتبس من النظم الجديدة في التعليم، ويحاول الشيخ العروسي شيخ الأزهر في عهد محمد علي, أن يدخل الطب في الأزهر بمعاونة كلوت بك، لولا أن عاجلته المنية.
كان التعليم الحديث في عهد محمد علي بالمجان في كافة المدارس؛ سواء كانت ابتدائية أو ثانوية أو عالية، وكانت الحكومة تنفق على التلاميذ، وتتولَّى أمورهم من مسكنٍ, ومأكلٍ، وملبسٍ، وتجري على كثير منهم الأرزاق والمرتبات, بيد أن الأهالي لم يطمئنوا إلى إسلام أولادهم للمدارس والتعليم في بادئ الأمر، بل نفروا من ذلك نفورًا شديدًا، حتى لجأت الحكومة في بعض الأحيان إلى إدخال التلاميذ في المدارس قسرًا.
стр. 58
ولكن ما لبثت الناس في مصر أن لمسوا فائدة التعليم، وكيف ينقل أولادهم من حال الضعف الجسمي والعقلي والخلقي، إلى مستوًى رفيعٍ من الحياة, فأقلعوا عن المعارضة، بل أقبلوا على التعليم بنفوس راضية.
وقد بلغ عدد التلاميذ في عهد محمد علي بجميع مدارس القطر المصريّ على اختلاف أنواعها, تسعة آلاف تلميذ، تتولى الحكومة النفقة عليهم في كل شيء، وتعطي لهم بعض الرواتب١.
كانت نهضة محمد علي علميةً حربيةً -كما مر بنا؛ لأن البلاد في رأيه لم تكن في حاجة للآداب حاجتها للعلوم والنهوض بالجيش، ومسايرة الحضارة الأوربية العلمية في الطب والهندسة والرياضيات والفنون العسكرية، وكان محمد علي نفسه يؤثر اللغة التركية على اللغة العربية في التعليم أول الأمر، ولكنه اضطر إلى أن يجعل اللغة العربية لغة الدراسة، فكانت هذه الخطوة الأولى في إحياء اللغة، ثم أنشأ مطبعة بولاق سنة ١٨٢٢ -كما ذكرنا، قد عكفت منذ عصره حتى اليوم على إحياء الكتب القديمة, وإن كان اهتمامها بكتب الآداب في عهد محمد على زهيدًا؛ لأنها كانت في شغل بطبع مؤلفات رجال البعثات في الفنون التي تخصصوا بها، ولم تتجه إلى إحياء التراث العربيّ القديم إلّا في عصر إسماعيل -كما سيأتي.
وأغلب الكتب التي ظهرت في عصر محمد علي كانت كتبًا مترجمةً في شتَّى العلوم والفنون، ولم تؤلف إلّا كتب قليلة ليست ذات شأن، مثل كتب الرحلات التي دَوَّنَ فيها أعضاء البعثات مشاهداتهم بأوربا، ككتاب رفاعة بك "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" وما شاكله, أما الكتب العلمية البحتة فكان أغلبها ترجمة، وقد اننتشرت هذه الكتب كثيرًا بتشجيع محمد علي لمترجميها ومكافأتهم مكافأة سخية، وبطبعها على نفقة الدولة في مطبعة بولاق.
стр. 59
ويروى عن محمد علي أنه لما عاد أعضاء البعثة الأولى إلى مصر استقبلهم بديوانه بالقلعة، وسلَّمَ كلًّا منهم كتابًا بالفرنسية في المادة التي درسها بأوربا، وطلب إليهم أن يترجموا تلك الكتب إلى العربية، وأمر بإبقائهم في القلعة، وألّا يؤذن لهم بمغادرتها حتى يتموا ترجمة ما عهد به إليهم، فترجموها، وأمر بطبعها وتوزيعها على المدارس التي وضعت لها تلك الكتب١.
وكان للوقائع المصرية التي أنشأها محمد علي فضلٌ في تذليل الأسلوب العربيّ للأخبار الصحفية، وكانت على عهده تنشر أخبار الحكومة ومصالحها, وبعض الأنباء الخارجية, وكان يحررها نوابغ العلماء في عهده.
كل هذا ولا شك قد مهد اللغة نوعًا ما للعصر الثاني في النهضة, وهو عصر إسماعيل, وهيأ جيلًا من العلماء والمفكرين، ومحبي الفنون والآداب، قادوا مصر في عهد إسماعيل إلى مدى واسع من الرقيِّ والتعليم.
على أن النهضة السورية اتجهت وجهةً أدبيةً من أول أمرها بخلاف النهضة المصرية، وقد وقفنا على الدوافع التي حولت نهضة مصر إلى وجهة علمية، أما الأسباب التي جعلت نهضة سورية أدبيةً، فهي أن المبشرين كانوا حملة مشاعل تلك النهضة أول الأمر، وكان همهم نشر التعاليم الدينية طبقًا للمذاهب المسيحية الغربية، وقد عنوا بترجمة التوارة، وظلَّ الجدل الدينيُّ مسيطرًا على الصحافة السورية ومجالس الأدب ثمة ردحًا طويلًا من الزمن، ولعل هذا يعلل لنا سبق السوريين في الصحافة, وإتقانهم لإخراجها وتبويبها، وقد ظهرت ثمرة هذا الميل الأدبيّ عند السوريين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولنا إليه عودة.
стр. 60
الفصل الثاني: النهضة
التعليم
...
الفصل الثاني: النهضة
النهضة:
عصر إسماعيل على الرغم من مساوئه السياسية والاجتماعية, هو العصر الذي أينعت فيه النهضة الأدبية، وأورقت، وبشَّرَت بثمارٍ طيبةٍ حلوةٍ، وكان عهده الباب الذي دلف منه الأدب إلى الرياضة الغناء في عصرنا الحاضر, وذلك لأن إسماعيل وضع أسسًا متينةً لنهضةٍ شاملةٍ، بعد أن مضت فترة ركودٍ كادت تعصف بما غرسه محمد علي، وتعود بمصر القهقريّ إلى عصور الظلمات، وذلك أيام الواليين عباس وسعيد؛ إذ كانا من دعاة الرجعية، فألغى عباس حين توليته كل المدارس العالية إلّا المدرسة الحربية.
والأدب في عصر إسماعيل مدينٌ في نهضته ورقيه وسيره نحو التحرر من أغلال الماضي في صورته ومعناه إلى عدة عوامل لا نستطيع إغفالها، أو التقليل من أثرها، وسنلقي عليها نظرةً عاجلةً، حتى يكون إدراكنا لتطور الأدب في مصر والبلاد العربية إدراكًا صحيحًا.
١- التعليم:
استوى إسماعيل على أريكة مصر سنة ١٨٦٣، وما بها إلّا مدرسة ابتدائية واحدة، ومدرسة حربية، وأخرى طبية, وثالثة للصيدلة، وأوقفت البعثات، واستغنى عن خدمات من عاد من رجالها، وكان إسماعيل ذا طموح، ترسَّم في نهضته إلى حدٍّ ما خطوات جده محمد علي، وأراد أن يرى مصر قطعةً من أوروبا في ظرف وجيز، فأعاد البعثات سيرتها الأولى, حتى بلغ عدد أعضائها في عصره اثنين وسبعين ومائة، فأعاد مدرسة البعثات بباريس؛ لأنه عرف فائدتها أيام أن كان طالبًا هناك.
وأخذت الحياة تدب إلى كل أنواع التعليم، فأعيدت المدراس العالية التي كانت على عهد محمد علي كالهندسة والطب، وزيد عليها مدرسة الحقوق، وكانت تسمى مدرسة: الإدراة والألسن, "بدلًا من مدرسة الإدارة القديمة".
стр. 61
وقد أسهمت مدرسة الحقوق في النهضة اللغوية والأدبية، فالمذكرات التي يعدها المحامون، ووكلاء النيابة، ولغة المرافعات والدفاع، والخطابة القانونية, قد تحسنت كثيرًا, وأدخلت في اللغة كلمات عديدة لم تكن مستعملةً من قبل.
وظلَّ رجال الحقوق والقانون يقودون مصر في ميدان السياسة حقبةً طويلةً من الزمن، ولكنَّهم وللأسف قد أثروا بعقليتهم الجدلية، وتبريتهم النظرية، وإصلاحاتهم القانونية اللفظية في حياة الأمة أثرًا بليغًا، وأبعدوها عن جادة الصواب، وألقوا بها في لجةِ الجدلِ والتناحر الحزبيِّ، والتشدق بالإصلاح, ونأوا بها عن الحياة العلمية المنتجة، وعلى هذا الموضوع ليس يعينا في كتابنا هذا، وإنما الذي يلفت أنظارنا هو نهضة الخطابة واللغة على يد من تَخَرَّجَ في هذه المدرسة, ولا سيما في عصرنا الحاضر.
ومن المدارس التي أنشئت في عهد إسماعيل، وكان لها أكبر الفضل في نهضة اللغة العربية والآداب, مدرسة دار العلوم, التي أشار بها علي مبارك، وافتتحها في سنة ١٨٧١, وقد رأينا ما كانت تعانيه مدارس محمد علي الحديثة من فقرٍ في الكتب المدرسية المنظمة, والمدرسين الأكفاء، الذين جمعوا بين العلم القديم والحديث، وعرفوا النظام، ونالوا حظًّا من طرق التربية, وأن ذلك الفقر التربويّ كان معوقًا لنهضة الآداب، بيد أن دار العلوم سدت هذا الفراغ، فقد كان طلبتها يُخْتَارون من متقدمي طلبة الأزهر ونابغيهم، وينشئون تنشئةً لغويةً وأدبيةً وشرعيةً, مع قسطٍ وفير من العلوم الحديثة، وطرق التربية.
ولقد أدت دار العلوم ورسالتها للأمة واللغة وللدين على الوجه الأكمل، فحفظت اللغة وصانتها، وقوتها وأيدت دعائمها، وأحيت مواتها، وجددت في أساليبها، ونفضت عن تراثها المجيد غبار القرون، وقدمته للناس رائعًا جذابًا، وعكف أبناؤها على تعليم النشء، وتقويم ألسنتهم, وتدريب أقلامهم، وتزويدهم بذخائر نفيسة من مختارات الشعر والنثر، وتقديم الكتب التي تنهج نهجًا علميًّا نفسيًّا يتمشى مع الطفل وملكاته وغرائزه، فكانت بحقٍّ خير ما أسدى علي مبارك من خدمات للغة العربية.
стр. 62
ولا تزال دار العلوم تقوم بنصيبها الوفير في نهضة التعليم واللغة، وتعتمد عليها جامعتا القاهرة والإسكندرية وعين شمس في دارسة الآداب والنصوص وقواعد اللغة، وما زال بنوها في الطليعة من الكُتَّابِ والمؤلفين, يجارون بتأليفهم تيار النهضة الحديثة، ويمشون مع الزمن خطوةً خطوةً، وقد تَخَرَّجَ على أيديهم زعماء النهضة في كل ميادين الحياة.
وفي عهد إسماعيل, أنشئت أول مدرسة للبنات، وذلك في سنة ١٨٧٣, حيث أسست السيدة "جشم آفت هانم" ثالثة زوجات إسماعيل, مدرسة السيوفية، وكان بها حين افتتاحها مائتا تلميذة، وبلغ عددهن في السنة الثالثة أربعمائة تلميذة, يتعلمن بالمجان, فضلًا عن القيام بمأكلهن وملبسهن، وكنَّ يتعلمن القراءة والكتابة ويحفظن القرآن الكريم، ويدرسن الحساب والجغرافيا والتاريخ والتطريز والنسيج.
وقبل مدرسة السوفية كانت البلاد خُلُوًّا من مدرسةٍ للبنات, إلّا مدرسة للولادة، ولم يشغها إلّا البنات الحبشيات، واستنكف المصريات من دخولها، ومدرسة إنجليزية أسستها مس "وتلي" سنة ١٨٠٦, وقد نجحت بعد عشر سنواتٍ من الجهاد, في جذب كثير من الفتيات المصريات إليها، وكذلك كان الجهل متخذًا من رؤوس فتيات مصر ونسائها أعشاشًا، إلّا مَنْ حرص أهلها على تعلميها في البيت، وقليل ما هن.
وقد خطا تعليم البنات منذ مدرسة السيوفية خطواتٍ واسعةٍ في مصر، وتعددت ألوانه ومدارسه، وزاحمت الفتاة الفتى في الجامعة، واقتحمت الكليات المستعصية، ولست هنا في مقام النقد، ومناقشة طريقة تعليم الفتيات ذلك التعليم النظريّ، ومنافسة البنين في كل شيء, ولكن مما لا شك فيه أن تعليم المرأة ونهوضها دعامة متينة في النهضة الاجتّماعية والأدبية، والأم المتعلمة تربأ بابنها أن يكون فريسة الجهل، وتسعى في جهدها أن تنيله حظًّا مهما كان يسيرًا من نور العلم.
وقد أنشأت الحكومة بجانب هذه المدارس كثيرًا من المدارس الصناعية
стр. 63
والخصوصية، كمدرسة المساحة والمحاسبة، ومدرسة الزراعة، ومدرسة العميان والبكم.
أما عن المدارس الابتدائية: فقد زاد عددها, بلغ أربعين مدرسة، وقد صار للأقباط زيادة على ذلك اثنتا عشرة مدرسة، وافتتحوا مدرستين لتعليم البنات، واحدة بالأزبكية والأخرى "بحارة السقايين" وقد وهبهم إسماعيل ألفًا وخمسمائة فدان, ينفق ريعها على مدارسهم.
وأنشأ الحكومة كذلك عدة مدارس ثانوية؛ منها مدرسة رأس التين في سنة ١٨٦٢, والمدرسة الخديوية سنة ١٨٦٨، وأعادت ديوان المدارس، وهو نواة وزارة التربية والتعليم, بعد أن ألغاه سعيد، ليشرف على التعليم ويرعاه، ويدخل على نظمه وأساليبه التحسينات التي تساير الحياة.
ومن الوسائل التي ساعدت على النهضة الأدبية والعلمية في عصر إسماعيل دار الكتب، وناهيك بما لها من أثر في نشر العلم وتحبيب الاطلاع وتسهيله، ومعاونة المؤلفين والباحثين, ومساعدة الناشرين والطابعين على استنساخ نفائس الكتب وإشاعتها بين الناس.
لقد كانت الكتب قبل ذلك مبعثرةً في المساجد, يتولى أمرها خدمٌ لا يقدرونها قدرها؛ ففرطوا فيها، وتسرَّب كثير من كنوزها الأدبية والعلمية إلى مكاتب أوربا، وأهين كثير من الكتب القديمة باستعمالها في دكاكين البدالين وغيرهم.
همَّت الحكومة بتأسيس دار الكتب؛ فجمعت هذه الكنوز المبعثرة في المساجد والتكايا والزوايا والأضرحة وغيرها, وضمت إليها ألفي كتابٍ اشترتها من مكتبة المرحوم حسن "باشا" المانسترلي، ولما مات شقيق الخديو إسماعيل, الأمير مصطفى فاضل، وكان من أكبر هواة الكتب في الشرق، ابتاعت الحكومة من مكتبته ما يربى على ثلاثة آلاف كتاب، وضمتها إلى دار الكتب، فكان ذلك نواةً لهذه المؤسسة العظيمة، التي أخذت بعد ذلك تنمو وتزداد, وتجلب لها الكتب من الشرق والغرب، وتضم إليها المكتبات الكبيرة, مثل مكتبة المرحوم أحمد تيمور وغيرها.
وقد ضم القسم الأدبيّ الذي كان يشرف على إحياء الكتب القديمة بمطبعة
стр. 64
بولاق إلى دار الكتب، وعكف منذ سنين على تصحيح وإخراج أمهات الكتب الأدبية من أمثال: الأغاني، ونهاية الأرب، والنجوم الزاهرة، ... وغيرها.
٢- الجمعيات العلمية:
إذا كثرت الجمعيات العلمية في أمةٍ دل ذلك على حيويتها ويقظتها، ورغبتها في السير نحو الكمال، وغير معتمدةٍ على الحكومة في غذائها العقليّ، فإذا اضطرب أمر الحكومات، أو وليها من لا يحسن القيام بشئون الحكم، لا يصاب الشعب بالشلل العقليّ، ولكن يمضي في طريقه قُدُمًا، ويتثقف ويستعد للنضال في سبيل الحياة السعيدة, بهمم أفراده اليقظين, والجمعيات القوية المنظمة.
وقد بدأت تباشير هذه اليقظة العقلية في عهد إسماعيل, وبرهنت مصر على أنها آخذةً بأسباب النهضة الصحيحة، وأنها مستعدةً للنضج الفكريّ، ولو توانت الحكومة في الإصلاح، أو قصرت في الأخذ بأسبابه، ومن أوائل من عنوا بنشر الكتب القديمة والمخطوطات:
١- المرحوم رفاعة الطهطاوي متأثرًا بطريقة صديقه المستشرق الفرنسيّ "سلفستر دي ساسي"، وعن مجهود رفاعة في إحياء الكتب القديمة يقول العلامة علي مبارك:
"ولرغبته في نشر العلوم، وسعة دائرتها، وحبه عموم النفع بها، استدعى مع بعض أفراد الحكومة المصرية من المرحوم سعيد باشا, وكان له ميل إلى المترجم ﵀، صدور الأمر بطبع جملة كتب عربية على طرف الحكومة، عم الانتفاع بها في الأزهر وغيره, منها: تفسير الفخر الرازي، ومعاهد التنصيص، وخزانة الأدب، والمقامات الحريرية، وغير ذلك من الكتب التي كانت عديمة الوجود في ذلك الوقت فطبعت١".
٢- المجمع العلمي: وقد أسس على عهد الفرنسيين سنة ١٧٩٨، وألغي عند
стр. 65
جلائهم, ولكنه أعيد في عصر سعيد، وظلَّ يعمل مدة حكم إسماعيل، مؤديًا رسالته في نشر المباحث العلمية. ولا يزال حتى اليوم قائمًا، وإن تغير اسمه إلى مجلس المعارف المصريّ, ومقره وزارة الأشغال، وله مجلة تنشر أبحاثه, وقد تكلمنا عنه آنفًا١.
٣- جمعية المعارف سنة ١٨٦٨، وهي أول جمعيةٍ علميةٍ مصريةٍ ظهرت لنشر الثقافة عن طريق التأليف والترجمة والنشر، وأسسها محمد باشا عارف, وأسهم في تأسيسها عددٌ كبيرٌ من أعيان البلاد، وقد اقتنت مطبعة، وقامت بطبع طائفة من أمهات الكتب في التاريخ والفقه والأدب٢.
ولقيت الجمعية تشجيعًا عظيمًا, حتى بلغ عدد أعضائها ستين وستمائة عضوٍ من الطبقة الممتازة في الأمة٣.
وظلَّت الجمعية تعمل، وتؤدي رسالتها الثقافية, إلى أن اشتد النزاع السياسيّ بين الخديو إسماعيل، والأمير عبد الحليم؛ لتنافسهما على أريكة مصر، وكان عارف باشا من أنصار حليم باشا، ففرَّ إلى الآستانة خوفًا من إسماعيل، وبذهابه انحلت الجمعية، وكان عارف أديبًا، ويروى له قوله:
ألم تعلم بأن سماء فكري ... تلوح بأفقها شمس المعارف
تفرس والدي في المزايا ... فيوم ولدت لقبني بعارف
٣- الجمعية الجغرافية سنة ١٨٧٥، وتعد من أهم المنشآت العلمية بمصر، وتُعْنَى بالأبحاث الجغرافية والعلمية وتدوينها، ونشرها, ولها مجلةٌ دوريةٌ تنشر أبحاثها، وما تقوم به من اكتشافات، ولا تزال قائمة إلى اليوم.
٤- الجمعية الخيرية الإسلامية، أنشئت أول الأمر بالإسكندرية سنة ١٨٧٨، حين دفعت الحماسة جماعة من المتعلمين بالثغر -رأوا طغيان الأجانب، واشتداد نفوذهم، واستئثارهم بمرافق البلد- إلى تأسيسها, وكانت تعقد الاجتماعات ليلًا, ويتبادل أعضاؤها الخطب، وقبيل افتتاحها انضم إليهم السيد عبد الله نديم، فكلفته الجمعية العمل على تأسيس مدرسةٍ حرةٍ يتعلم فيها أبناء المسلمين, وينشئون تنشئةً صالحةً، وظلت الجمعية والمدرسة تتقدمان حتى قامت الثورة العرابية, فتفرق القائمون بأمرها.
وقد أنشيء على غرار هذه الجمعية التعلمية جمعية باسمها في القاهرة، وأخرى بدمياط، أما الجمعية الحالية, فقد أسست سنة ١٩٨٢, على غرار الجمعية الأولى حين اشتدت الحاجة إليها, وكان الداعي إلى تأسيسها الإمام الشيخ محمد عبده، وسنعود إلى الكلام عنها في ترجمته -إن شاء الله.
стр. 66
٣- الصحافة:
وتعد الصحافة من أقوى عوامل النهوض بالشعب في عقليته، ولغته، وعلمه، والإصلاح الاجتماعيّ الذي يأخذ بيده صواب الكمال، وقد تحررت اللغة من آفاتها القديمة التي ورثتها عن عصور الانحطاط، ولا سيما السجع والمحسنات والزخرف اللفظيّ والركاكة، على يد الصحافة.
انقضى عصر محمد علي كما رأينا، وليس بمصر سوى صحيفةٍ واحدةٍ هي الواقائع المصرية، وكانت موضوعاتها قاصرةً على الأخبار الحكومية، ولغتها لا تكاد تستقيم من الركة، ولكننا نشاهد في عصر إسماعيل نهضةً جديدةً واسعةً, عظيمة الأثر في الصحافة.
سبق السوريون في بلادهم بإصدار صحف سياسية، وصدرت مرآة
стр. 67
الأحوال, بحلب سنة ١٨٥٥، وإن لم تعمِّر أكثر من عام واحد، ثم صدرت حديقة الأخبار, ببيروت سنة ١٨٥٨, وظلت تصدر حتى سنة ١٩٠٩، وكانت يومًا لسان الحكومة الرسميّ، ثم خطت الصحافة خطوةً أوسع في سبيل الرقيّ بصدور الجوائب لصاحبها أحمد فارس الشدياق, بالآستانة سنة ١٨٦٠, وقد طلعت على الناس بأسلوبٍ جديد في الكتابة العربية، وافتَنَّ صاحبها في تحريرها، وتخير موضوعاتها.
فجمعت بين السياسة والأدب بشتَّى ضروبه وأبوابه, بما في ذلك القصائد البليغة لكبار شعراء العربية، فذاعت، وأقبل الناس على قراءتها بشغفٍ بالغٍ، لم تدع بلدًا عربيًّا، بل إسلاميًّا إلّا دخلته, وقد سافرت كذلك إلى كثير من بلدان الغرب، واقتبسوا منها، وحكو عنها، وظلت تعمل حتى سنة ١٨٨٤، أما صاحبها:
أحمد فارس الشدياق:
هو من رواد النهضة الحديثة في الأدب، وممن سبق بفكره، وقلمه، وعلمه, أبناء زمانه لكثرة ما قرأ، وجرب ورأى بعينيه، وسمع بأذنيه؛ لأنه جاب بلادًا عديدة، وعرف لغاتٍ شتَّى، وأفاد مما رأى، ومما قرأ وعرف، فكان نادرةً من نوادر عصره.
وُلِدَ بقرية عشقون في لبنان سنة ١٢١٩هـ-١٨٠٤م, من أسرة مارونية مشهورة, ثم انتقل والده إلى قرية "الحدث" بالقرب من بيروت، وتيتم فارس بن منصور "وعرف فيما بعد باسم: أحمد فارس الشدياق" وهو صغير، وكانت تتراءى عليه علامات النجابة؛ فأتقن صناعة الخط، وجعل ينسخ الكتب بنفسه، ولغيره, طلبًا للرزق.
وكان له أخٌ يسمى: "أسعد" على حظٍّ وفيرٍ من العلم والذكاء, وعليه تلقى فارس دروسه الأولى، وأفاد منه فائدةً جليلةً, ووجهه وجهةً صالحةً، وغرس في نفسه محبة العلم.
ثم اضهد "سعد" من بطريك المورانة، وسيم ألوانًا من العذاب، لتغيير
стр. 68
مذهبه المارونيّ إلى المذهب الإنجيليّ، حتى مات بأحد الأديرة, وهو في عنفوان شبابه, فأثر موته على فارس، وحزَّ في نفسه، فكره الإقامة ببلاد الشام، وأعلن سخطه على المارون، فجدّوا في أثره لينكلوا به، بيد أنه لجأ إلى المبشرين الأمريكيين ببيروت، فأحسنوا مقدمه، وبعثوا به إلى مصر ليعلم أعضاء بعثتهم فيها اللغة العربية.
وفي مصر, تعرف على الشيخ محمد شهاب, محرر الوقائع المصرية, فلازمه وقرأ عليه طائفة من كتب اللغة والأدب، وقرأ على غيره كتبًا في المنطق والنحو, حتى تمكَّن من سائر علوم العربية، وتقرَّب من كبار علماء مصر، ومن معية الخديوي، ثم أفسح له مجال الكتابة في الوقائع، فأخذ يدبج فيها المقالات الممتازة بأسلوبٍ جديدٍ لم يألفه المصريون من قبل، وهو الأسلوب المرسل الرصين، ثم أسند إليه تحرير الوقائع مدة.
وبعد ذلك سافر إلى "مالطة" سنة ١٨٣٤, بدعوةٍ من الأمريكان، ليعلِّم في مدراسهم هنالك، فمكث بها أربعة عشر عامًا، عكف في أثنائها على التدريس، والتأليف، ونشر الكتب وتصحيحها، إلى أن طلبته جمعية ترجمة "التوراة" بلندن؛ ليساعد في التعريب والضبط والتنقيح، فسافر إليها سنة ١٨٤٨، وأقام بها مدةً مكنته من تعلم اللغة الإنجليزية, وتعرف أحوال الإنجليز وبلادهم معرفةً دقيقةً، ثم سافر إلى باريس بعد أن نال الحماية البريطانية، وتجنس بالجنسية الإنجليزية.
وقد سجَّل رحلته إلى أوربا في كتابه "كشف المخبا عن أحوال أوربا", وقد ألَّفَ في أثناء مقامه بأوربا كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق" والفارياق لفظ متقطع من "فارس الشدياق".
ولما زار باي تونس باريس، ووزَّع في فرنسا كثيرًا من الأموال على الفقراء, مدحه الشدياق بقصيدة طويلة حببته إليه, فاستدعاه للإقامة معه بتونس، وكان قد مدح السلطان عبد المجيد كذلك بقصيدةٍ طويلةٍ حسنت لديه، فاستدعاه للآستانة، ولكنه فضَّل الذهاب إلى تونس أولًا، فأرسل إليه "الباي" باخرةً حربيةً لحضوره عليها.
وقد وقعت بينه وبين شيخ الإسلام في تونس مجادلاتٍ في العقائد الدينية
стр. 69
أدت إلى اعتناقه الإسلام, وسمى نفسه: "أحمد فارس"، وتكنَّى "بأبي العباس"، وكان يقول في هذا.
"لعمري ما كنت أحسب أن الدهر ترك للشعر سوقًا ينفق فيها، ولكن إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا لم يعقه عنه الشعر ولا غيره".
وتولَّى عند الباي أرفع المناصب، واشتهر اسمه، فطلبته الآستانة مرةً أخرى، فلبّى الدعوة، وهناك ألحق بديوان الترجمة، وتولّى الإشراف على التصحيح بدار الطباعة.
ويقال: إن الخديوي إسماعيل هو الذي أشار عليه في أثناء زيارته للآستانة بإنشاء "الجوائب" وكان معجبًا به، فقام بإنشائها سنة ١٨٦١، واشتركت فيها الحكومة المصرية بألفي نسخة.
وقد قدم مصر سنة ١٨٦٦، وهو شيخ هرم، في عهد الخديوي توفيق، فقوبل بكل إجلالٍ وترحابٍ، واجتمع به كثيرون من الأدباء ورجال الصحافة، فبهرهم على الرغم من شيخوخته بتوقد قريحته، وسرعة بديهته، وحلاوة سمره وطلاوته، ورقة حاشيته, ورشيق عبارته، ثم عاد إلى الآستانة, فتوفي بها سنة ١٨٨٧، ونقلت جثته إلى سوريا, ودفن بقرية الحازمية على مقربة من بيروت.
والشدياق من أوئل الذين اهتموا بالأبحاث اللغوية في العصر الحديث، وله كتاب "الجاسوس على القاموس"، وهو كذلك من أوائل الكُتَّاب المترسلين، الذين خاضوا في كل موضوع، وأفادوا الأدب واللغة بأبحاثهم ومقالاتهم، وله عدة كتبٍ, كان لها في زمانه وبعد زمانه شأن يذكر، منها:
١- "الواسطة في أحوال مالطة" وقد وصف فيه هذه الجزيرة وصفًا دقيقًا, وأبان فيه عن أصل اللغة التي ينطق بها زهلها، وبيَّنَ أنها اللغة العربية شيبت بلهجات الغزاة الفاتحين وألحانهم.
٢- "كشف المخبا عن أحوال أوربا" فَصَّلَ فيه سياحته في بلاد الإنجليز
стр. 70
وغيرها من الأقطار الأوربية، ووصف عادات الإنجليز وآدابهم، وأخلاقهم، وتاريخ تمدينهم, وسر تقدمهم بأسلوبٍ شائقٍ طليّ.
٣- "الساق على الساق فيما هو الفارياق" وهو كتابٌ ممتعٌ، سيق في أسلوبٍ قصصيٍّ, وذكر فيه تاريخ حياته، وأحوال الخاصة، وما عاناه في دهره، وفي معركته مع الحياة والأيام، وخلط فيه الجد بالهزل، والسجع بالترسل، والعلم بالأدب، وأغرب فيه وأطرب، وذهب في تدبيجه وصياغته كل مذهب، طبع بباريس ١٨٥٥.
٤- سر الليالي في القلب والإبدال.
٥- "الجاسوس على القاموس" وضعه لاستدراك ما فات الفيروز آبادي في قاموسه, وما وَهِمَ فيه من الألفاظ، وهو مطبوع.
٦- "منتهى العجب في خصائص لغة الأدب"، في أسرار اللغة، وخصائص الحروف ومدلولاتها، ولكنه ذهب فريسة النار، وهو بعد مخطوط لم يطبع.
٧- "الجوائب" وقد اشتركت فيها مصر بألفي نسخة، وكان باي تونس يمدها بخمسمائة جنيه سنويًا، وتلقت مثل هذه الإعانة من السلطان عبد العزيز، وكانت تصدر أسبوعيًّا، وقد نالت شهرةً عظيمةً -كما ذكرنا آنفًا، وهي الجريدة الوحيدة التي جاهرت بالدفاع عن الخديوي إسماعيل في دار الخلافة, حينما خلع سنة ١٨٧٩، ورثته يوم وفاته، ولم يخش سطوة الحكومة العثمانية، ويقال: إن السفارة الإنجليزية بالآستانة دفعت لصحابها ألف جنيه، نظير إذاعة المنشور الذي أصدره الباب العالي, فيه عصيان عرابي باشا سنة ١٨٨٢، وأن ذلك كان من أسباب إخفاق عرابي.
وقد جمع سليم بن أحمد فارس منتخبات من الجوائب ونشرها في سبعة أجزاء.
٨- لأحمد فارس كتب مدرسية كثيرة منها: الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنجليزية، والسند الراوي في الصرف الفرنساوي، واللفيف في كل معنى طريف.
٩- وله ديوان شعر لم يطبع.
стр. 71
وقد عُنِيَ الشدياق -كما رأينا من مؤلفاته- بالأبحاث اللغوية, ومن ذلك كتابه "الجاسوس على القاموس" الذي حاول فيه أن يستدرك على صاحب "القاموس" ماجاء في معجمه من قصورٍ وإبهامٍ وإيجازٍ وريهامٍ وعسرٍ في مراجعة الأفعال ومشتقاتها، وذلك بأن يؤلف في اللغة كتابًا سهل الترتيب, واضح التعاريف، شاملًا للألفاظ التي استعملها الأدباء والكُتَّاب, وكل من اشتهر بالتأليف.
وقد دعاه إلى ذلك أمران:
أولهما: مزاحمة اللغات الأجنبية للغة العربية واللسان؛ فكادت تجلي عنه أهله، وتحجب عنهم ظله، وتحبس وابله وطله؛ لأن ترتيب كتب لغاتهم أسهل, والوصول إليها أعجل، ولا سيما أنها قليلة المشتقات، وليس في تعريف ألفاظها كبير اختلاف في الروايات، أما من يتعاطون من التجارة، ويحملون عبء الإمارة، فإنهم يزعمون أن اللغة العربية لا تصلح في هذا الزمن لهاتين الخطتين, فلابد بكلام الأجانب وإن أدى إلى الحطتين، فمن ثَمَّ مست الحاجة إلى زيادة تفصيل لمفردات لغتنا ومركباتها، وتبيين لأصولها من متفرعاتها ... إلخ".
وثانيهما: رغبة في حَثِّ أهل العربية على حب لغتهم الشريفة، وحَثِّ أهل العلم على تحرير كتابٍ فيها, خالٍ من الإخلال، مقرب كما يطلبه الطالب منها دون كلال، فإني رأيت جميع كتب اللغة مشوشة الترتيب، كثر ذلك أو قلّ, وخصوصًا كتاب "القاموس" الذي عليه اليوم المعول".
وقد أثار في هذا الكتاب موضوعاتٍ لا تزال موضع بحثٍ حتى يومنا هذا، وقد حاول في غير هذا الكتاب أن يدافع عن اللغة العربية, وأن يعمل على تزويدها بالمصطلحات الفنية، فهو في الوقت الذي يمتدح فيه اللغة العربية لسهولة ألفاظها ووضوحها, نراه يعترف بأن مفردات العربية غير تامةٍ فيما يتعلق بما استحدث بعد العرب الذين وضعوا اللغة من فنون وصناعات، مما لم يكن يخطر ببالهم، ولكن ذلك في رأيه مما لا يشين اللغة؛ إذ لا يحتمل أن واضع اللغة يضع أسماء لمسمياتٍ غير موجودة, وإنما الشين علينا الآن في أن نستعير هذه الأسماء
стр. 72
الأجنبية, على قدرتنا على صوغها من لغتنا، على أن أكثر هذه الأسماء هو من قبيل اسم المكان أو الآلة، وصوغ اسم المكان والآلة في العربية مطرد من كل ثلاثي".
وقد حثَّ على استخدام "النحت" والإكثار منه؛ لإثراء اللغة كما فعلت اللغات الأجنبية الأخرى، وذلك حتى نستغني عن استعمال الدخيل.
ومن روائع أدبه قوله يصف مصر في كتابه "الساق على الساق":
"ومن خواصِّها أن أسواقها لا تشبه رجالها ألبنه، فإن لأهلها لطافة وظرافة، وأدبًا وكياسة وشمائل، وأخلاقًا زكية, وأسواقها عارية عن ذلك رأسًا.
ومنها: أن العالم عالم، والأديب أديب، والفقيه فقيه، والشاعر شاعر، والفاسق فاسق، والفاجر فاجر، ومن ذلك أن البنات اللائي يستخدمن في "الميرى" لحمل الآجر, والجبس, والتراب، والطين, والحجر, والخشب، وغير ذلك، يحملنه على رءوسهن، وهن فَرِحَات، جامحات، سابحات، صادحات، مادحات، وغير ترحات، ولا دالحات١، ولا رازحات، ولا كالحات، ولا نائحات، ومن كان نصيبها من الأجر نظمت عليه "موالًا" أجيرًا، أو من الجبس غنت له أغنية جبيسةً، كأنما هن سائرات في زفاف عروس.
ومن ذلك أن "الرنيطة" فيها تَنْمِي وتعظم، وتغلظ وتضخم، وتتسع وتطول، وتعرض وتعمق، فإذا رأيتها على رأس لابسها حسبتها "شونة"٢، قال "الفارياق": وكثيرًا ما كنت أتعجب من ذلك وأقول: كيف صح في الإمكان، وبدا للعيان أن مثل هذه الرءوس الدميمة, الضيئلة الذميمة، الخسيسة اللئيمة، المستنكرة المشئومة، المستقذرة المهوعة٣ المستقيمة المستفظعة، المستسمجة المستشنعة، والمسترزلة المستبشعة.
стр. 73
هواء مصر، وكبرها إلى هذا المقدار، وقد طالما كانت في بلادها لا تساوي قارورة الفراش، ولا توازن ناقورة الفرَّاش، وكيف كانت هناك كالتراب، فأصبحت هنا كالتبر؟ يا هواء مصر، يا نارها، يا ماءها، يا ترابها١ صيري طربوشي هذا "برنيطة"، وإن يكن أحسن منها عند الله والناس وأفضل، وأجمل وأمثل، وللعين أبهى وأكمل, وعلى الرأس أطبق, وبالجسم أليق.. قال: فلم يغن عني النداء شيئًا، وبقي رأسي مطربشًا، وطرف دهري مطرفشًا٢.
ومن خصائصها أيضًا أن البغاث بها يستنسر، والذباب يستصقر، والناقة تستبعر، والجحش يستمهر، والهر يستنمر، بشرط أن تكون هذه الحيوانات مجلوبة إليها من بلاد بعيدة.
ومن ذلك أن كثيرًا من أهلها يرون أن كثيرة الأفكار في الرأس يكثر عنها الهموم والأكدار, أو بالعكس، وأن العقل الطويل يتناول البعيد من الأمور, كما أن الرجل الطويل يتناول البعيد من الثمر وغيره, وأن تلك الكثرة سبب في الإقلال، فما دام النور موقدًا، فلابد أن تفقد الفتيلة، ولا يمكن إبقاؤها إلّا بإطفاء النور، أو كالماء في الوادي, فإذا دام الماء جاريًا فلابد أن ينصب في البحر، فمتى حقن بقي، أو كالفلوس في الكيس، فما دام المفلس أي: صاحب الفلوس يمد يده إلى كيسه، وينفق منه, فني ما عنه, إلّا أن تربط يده عن الكيس، أو يربط الكيس عن يده، فمن ثَمَّ اصطلحوا على طريقةٍ لتوقيف جريان العقل في ميدان الدماغ حينًا من الأحيان، ليتوفر لهم في غيره، وذلك بشرب شيء من الحشيش، أو بمضغه، أو بالنظر إليه، أو بذكر اسمه، فحين يتعاطونه تغيب عنهم الهموم، ويحضر السرور، وتولي الأحزان، ويرقص المكان".
стр. 74
وفي الحق لم يدع أحمد فارس شيئًا من أهل مصر وعاداتهم إلّا وصفه وصفًا دقيقًا بذلك الأسلوب المرح، وهذا التهكم المحبوب، وله نظراتٌ نافذاتٌ حين يتكلم على الأجانب, وكيف صار لهم الحول والسلطان، مع أنهم كانوا في بلادهم أفاقين مفلسين، وحين يعبِّر عن فلسفة الحشاشين، وكيف يعملون جادين مخلصين على تغييب العقل، وهو الذي يهدي الإنسان سواء السبيل.
وأنت ترى في أسلوبه السجع، والترسل، والسهولة، والتوعر، والكلمات العامية، والكلمات الغريبة التي لا تستعمل إلّا في المعاجم، وكأنه قصد إلى إحيائها، وكما كان يفعل أصحاب المقامات، لولا طرافة الموضوع، وصدق الوصف، ومما يلفت الأنظار في أدب أحمد فارس أنه كان قوي الملاحظة، معنيًّا بأحوال الشعوب وطرق حياتهم، والموازنة بين الشعوب التي زارها, والشعوب العربية، وله فصولٌ ممتعة في كتابه "الساق على الساق" عن الإنجليز وبلادهم، والفرنسيين وأحوالهم، ومما قاله في الموازنة بين الأدب الغربيّ والعربيّ قوله:
"فإنهم أول ما يبتدئون المدح يوجهونه إلى المخاطب، ويجعلونه ضربًا من التاريخ، فيذكرون فيه مساعي الممدوح، ومقاصده, وفضله على مَنْ تقدَّمَه من الملوك, بتعديد أسمائهم, ولما ترجم "مسيو دوكان" قصيدتي التي مدحت بها المرحوم أحمد باشا, والي تونس, وطبعها مع الترجمة، كان بعضهم يسألني "هل اسم الباشا "سعاد"؟ وذلك لقولي: "زارت سعاد وثوب الليل مسدول" فكنت أقول: لا، بل هو اسم امرأة, فيقول السائل: "وما مدخل المرأة بينك وبين الباشا؟ " وهو في الحقيقة أسلوب غريب للعرب، قال العلامة الدسوقي: "اعلم أنه قد جرت عادة الشعراء أنهم إذا أرادوا مدح إنسانٍ أن يذكروا قبله الغزل؛ لأجل تهييج القريحة وتحريك النفس للشعر، والمبالغة في الوصف، وترويح النفس ورياضتها" قلت: كما أن الإفرنج ينكرون علينا هذه العادة، كذلك ينكرون المبالغة في وصف الممدوح, وأما تشبيهه بالبحر والسحاب والأسد، والطود، والبدر، والسيف، فذلك عندهم من التشبيه المبتذل، ولا يعرضون له بالكرم، وبأن عطاياه تصل إلى البعيد، فضلًا عن القريب، فهم إذا مدحوا ملوكهم، فإنما يمدحونهم للناس، لا لأن يصل مدحهم إليهم".
стр. 75
ومن فكاهاته التهكمية، ونقداته اللاذعة, ما قاله عن علم النحو وتعلمه، قال أحد التلميذين: ألا قبحًا لذوي الخواطر البليدة، والفطن البعيدة، وكيف لا يتعلم الناس كلهم فن النحو، وهو أسهل من حك ما تحت الحقو، أما والله لو كانت العلوم كلها مثله، لما غادرت منها كبيرًا ولا صغيرًا إلّا استوعبته كله، ولكني سمعت أن النحو إنما هو مفتاح العلوم، ولا يعد منها فلابد أن يكون غيره أصعب منه.
فقال له معلمه: لا تقل هكذا, بل النحو أساس العلوم، وكل العلوم مفتقرة إليه افتقار البناء إلى الأساس، ألَا ترى أن أهل بلادنا لا يعلمون سواه، ولا يعرجون على غيره؟ وعندهم أن من تَمَكَّن منه, فقد تَمَكَّن من معرفة خصائص الموجودات كلها, ولذلك لا يؤلفون إلّا فيه, وإنما يحصل فيه خلاف بنيهم في تقديم بعض الأبواب على بعض، وفي توضيح ما كان مبهمًا منه بأدلةٍ وشواهد، واختلفوا أيضًا في الشواهد، فمن قال إنها مفتعلة، ومن قائل إنها ضرورة أو شاذة، بيد أن المآل واحد، وهو أن العالم لا يسمى عالمًا إلّا إذا كان متمكنًا من النحو, مستقصيًا لجميع وقائعه، ولا يكاد يستتب أمر إلّا به, ولو قلت مثلًا: ضرب "زيد عمرو" من غير رفع زيد, ونصب عمرو، فما يكون ضربه حقًّا، ولا يصح الاعتماد على هذا الإخبار، فإن حقيقة فعل الضرب متوقفة على علم كون زيد مرفوعًا، وجميع اللغات التي ليس فيها علامات الرفع, فهي خالية عن الإفادة التامة، وإنما يفهم الناس بعضهم بعضًا من دون هذه العلامة, عن دربة واتفاق، فلا معول على كتبهم وإن كثرت، ولا على علومهم وإن جلت".
وأخذ المعلم يثني على النحو ثناءً عظيمًا، ويبين أنه هداه إلى مسألةٍ حار فيها حيرةً عجيبةً، فسأله تلميذه: وما هذه الفائدة يا أستاذي؟ قال: قد طالما كان يخامرني الريب في قضية خلود النفس، فكنت أميل إلى ما قالته الفلاسفة، ومن أنه كل ما كان له ابتداء فهو متناهٍ، فلما رأيت النحو له ابتداء، وليس له انتهاء قست النفس عليه فزال عني والحمد لله ذلك الإبهام" وفي هذا الكلام لذعات حادة للنحاة لا تخفى على اللبيب.