في سنة ست وسبعين وسبعمائة، ودفن بمدرسته هذه وقبره بها تحت قبة في غاية الحسن، وولي نظر الذخيرة بعده أبو غالب، ثم استجدّ في هذه المدرسة منبر وأقيمت بها الجمعة في تاسع جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وثمانمائة بإشارة علم الدين داود الكوبر كاتب السرّ.
المدرسة القطبية
هذه المدرسة بأوّل حارة زويلة مما يلي الخرنشف في رحبة كوكاي، عرفت بالست الجليلة عصمة الدين خاتون مؤنسة القطبية، المعروفة بدار إقبال العلائي، ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شادي، وكان وقفها في سنة خمس وستمائة، وبها درس للفقهاء الشافعية، وتصدير قراءات وفقهاء يقرءون.
مدرسة ابن المغربيّ
هذه المدرسة آخر درب الصقالبة فيما بين سويقة المسعوديّ وحارة زويلة، بناها صلاح الدين يوسف بن … (١) ابن المغربي رئيس الأطباء، تجاه داره، ومات قبل إكمالها فدفن بعد موته في قبة تجاه جامعه المطلّ على الخليج الناصريّ بقرب بركة قرموط، وصارت هذه المدرسة قائمة بغير إكمال إلى أن هدمها بعض ذريته في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وباع أنقاضها فصار موضعها طاحونة.
المدرسة البيدرية
هذه المدرسة برحبة الأيدمريّ بالقرب من باب قصر الشوك، فيما بينه وبين المشهد الحسينيّ، بناها الأمير بيدر الأيدمريّ.
المدرسة البديرية
هذه المدرسة بجوار باب سرّ المدرسة الصالحية النجمية، كان موضعها من جملة تربة القصر التي تقدّم ذكرها، فنبش شخص من الناس يعرف بناصر الدين محمد بن محمد بن بدير العباسيّ ما هنالك من قبور الخلفاء، وأنشأ هذه المدرسة في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وعمل فيها درس فقه للفقهاء الشافعية، درس فيه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن نصير بن رسلان البلقينيّ، وهي مدرسة صغيرة لا يكاد يصعد إليها أحد، والعباسيّ هذا من قرية بطرف الرمل يقال لها العباسية، وله في مدينة بلبيس مدرسة وقد تلاشت بعد ما كانت عامرة مليحة.
стр. 1577
المدرسة الملكية
هذه المدرسة بخط المشهد الحسينيّ من القاهرة، بناها الأمير الحاج سيف الدين آل ملك الجوكندار تجاه داره، وعمل فيها درسا للفقهاء الشافعية، وخزانة كتب معتبرة، وجعل لها عدّة أوقاف، وهي إلى الآن من المدارس المشهورة، وموضعها من جملة رحبة قصر الشوك، وقد تقدّم ذكرها عند ذكر الرحاب من هذا الكتاب، ثم صار موضع هذه المدرسة دارا تعرف بدار ابن كرمون صهر الملك الصالح.
المدرسة الجمالية
هذه المدرسة بجوار درب راشد من القاهرة على باب الزقاق المعروف قديما بدرب سيف الدولة نادر، بناها الأمير الوزير علاء الدين مغلطاي الجماليّ، وجعلها مدرسة للحنفية، وخانقاه للصوفية، وولى تدريسها ومشيخة التصوّف بها الشيخ علاء الدين عليّ بن عثمان التركمانيّ الحنفيّ، وتداولها ابنه قاضي القضاة جمال الدين عبد اللّه التركمانيّ الحنفيّ، وابنه قاضي القضاة صدر الدين محمد بن عبد اللّه بن عليّ التركمانيّ الحنفيّ، ثم قريبهم حميد الدين حماد، وهي الآن بيد ابن حميد الدين المذكور، وكان شأن هذه المدرسة كبيرا يسكنها أكابر فقهاء الحنفية، وتعدّ من أجلّ مدارس القاهرة، ولها عدّة أوقاف بالقاهرة وظواهرها وفي البلاد الشامية، وقد تلاشى أمر هذه المدرسة لسوء ولاة أمرها، وتخريبهم أوقافها، وتعطل منها حضور الدرس والتصوّف، وصارت منزلا يسكنه أخلاط ممن ينسب إلى اسم الفقه، وقرب الخراب منها، وكان بناؤها في سنة ثلاثين وسبعمائة.
مغلطاي: ابن عبد اللّه الجماليّ، الأمير علاء الدين، عرف بخرز، وهي بالتركية عبارة عن الديك بالعربية، اشتراه الملك الناصر محمد بن قلاون ونقله وهو شاب من الجامكية إلى الأمرة على إقطاع الأمير صارم الدين إبراهيم الإبراهيميّ نقيب المماليك السلطانية، المعروف بزير الأمرة، في صفر سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وصار السلطان ينتدبه في التوجه إلى المهمات الخاصة به، ويطلعه على سرّه، ثم بعثه أمير الركب إلى الحجاز في هذه السنة، فقبض على الشريف أسد الدين رميتة بن أبي نميّ صاحب مكة، وأحضره إلى قلعة الجبل في ثامن عشر المحرّم سنة تسع عشرة وسبعمائة مع الركب، فأنكر عليه السلطان سرعة دخوله لما أصاب الحاج من المشقة في الإسراع بهم، ثم إنه جعل إستادار السلطان لما قبض على القاضي كريم الدين عبد الكريم بن المعلم هبة اللّه ناظر الخواص، عند وصوله من دمشق بعد سفره إليها لإحضار شمس الدين غبريال، فيوم حضر خلع عليه وجعل استادارا عوضا عن الأمير سيف الدين بكتمر العلائيّ، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ثم أضاف إليه الوزارة وخلع عليه في يوم الخميس ثامن رمضان سنة
стр. 1578
أربع وعشرين عوضا عن الصاحب أمين الملك عبد اللّه بن الغنام بعد ما استعفى من الوزارة، اعتذر بأنه رجل غتميّ، فلم يعفه السلطان وقال: أنا أخلي من يباشر معك ويعرّفك ما تعمل، وطلب شمس الدين غبريال ناظر دمشق منها وجعله ناظر الدولة، رفيقا للوزير الجماليّ، فرفعت قصة إلى السلطان وهو في القصر من القلعة، فيها الحط على السلطان بسبب تولية الجماليّ الوزارة والماس حاجبا، وأنه بسبب ذلك أضاع أوضاع المملكة وأهانها وفرّط في أموال المسلمين والجيش، وأن هذا لم يفعله أحد من الملوك، فقد وليت الحجابة لمن لا يعرف يحكم ولا يتكلم بالعربيّ ولا يعرف الإحكام الشرعية، ووليت الوزارة والاستادارية لشاب لا يعرف يكتب اسمه، ولا يعرف ما يقال له، ولا يتصرّف في أمور المملكة ولا في الأموال الديوانية إلا أرباب الأقلام، فإنهم يأكلون المال ويحيلون على الوزير. فلما وقف السلطان عليها، أوقف عليها القاضي فخر الدين محمد بن فضل اللّه، المعروف بالفخر ناظر الجيش. فقال: هذه ورقة الكتّاب البطالين، ممن انقطع رزقه وكثر حسده، وقرّر مع السلطان أن يلزم الوزير ناظر الدولة وناظر الخواص بإحضار أوراق في كل يوم تشتمل على أصل الحاصل، وما حمل في ذلك اليوم من البلاد والجهات، وما صرف.
وأنه لا يصرف لأحد شيء البتة إلاّ بأمر السلطان وعلمه.
فلما حضر الوزير الجماليّ أنكر عليه السلطان وقال له: إن الدواوين تلعب بك، وأمر فأحضر التاج إسحاق، وغبريال، ومجد الدين بن لعيبة، وقرّر معهم أن يحضروا آخر كلّ يوم أوراقا بالحاصل والمصروف، وقد فصلت بأسماء ما يحتاج إلى صرفه وإلى شرائه وبيعه، فصاروا يحضرون كلّ يوم الأوراق إلى السلطان وتقرأ عليه، فيصرف ما يختار ويوقف ما يريد، ورسم أيضا أن مال الجيزة كله يحمل إلى السلطان ولا يصرف منه شيء.
ثم لما كانت الفتنة بثغر الإسكندرية بين أهلها وبين الفرنج، وغضب السلطان على أهل الإسكندرية، بعث بالجماليّ إليها، فسار من القاهرة في أثناء رجب سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ودخل إليها فجلس بالخمس واستدعى بوجوه أهل البلد، وقبض على كثير من العامّة، ووسط بعضهم وقطع أيدي جماعة وأرجلهم، وصادر أرباب الأموال حتى لم يدع أحدا له ثروة، حتى ألزمه بمال كثير، فباع الناس حتى ثياب نسائهم في هذه المصادرة، وأخذ من التجار شيئا كثيرا مع ترفقه بالناس فيما يرد عليه من الكتب بسفك الدماء، وأخذ الأموال، ثم أحضر العدد التي كانت بالثغر مرصدة برسم الجهاد، فبلغت ستة آلاف عدّة، ووضعها في حاصل وختم عليه وخرج من الإسكندرية بعد عشرين يوما وقد سفك دماء كثيرة، وأخذ منها مائتي ألف دينار للسلطان وعاد إلى القاهرة، فلم يزل على حاله إلى أن صرف عن الوزارة في يوم الأحد ثاني شوّال سنة ثمان وعشرين، ورسم أن توفر وظيفة الوزارة من ولاية وزير، فلم يستقرّ أحد في الوزارة وبقي الجماليّ على وظيفة الأستادارية، وكان سبب عزله عن الوزارة توقف حال الدولة وقلة الواصل إليها، فعمل عليه الفخر ناظر
стр. 1579
الجيش والتاج إسحاق بسبب تقديمه لمحمد بن لعيبة، فإنه كان قد استقرّ في نظر الدولة والصحبة والبيوت وتحكم في الوزير وتسلم قياده، فكتبت مرافعات في الوزير وأنه أخذ مالا كثيرا من مال الجيزة، فخرج الأمير أيتمش المجديّ بالكشف عليه، وهمّ السلطان بإيقاع الحوطة به، فقام في حقه الأمير بكتمر الساقي حتى عفي عنه وقبض على كثير من الدواوين.
ثم إنه سافر إلى الحجاز، فلما عاد توفي بسطح عقبة إيلة في يوم الأحد سابع عشر المحرّم سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. فصبّر وحمل إلى القاهرة ودفن بهذه الخانقاه في يوم الخميس حادي عشري المحرّم المذكور بعد ما صلّى عليه بالجامع الحاكميّ، وولى السلطان بعده الأستادارية الأمير أقبغا عبد الواحد، وكان ينوب عن الجماليّ في الأستادارية الطنقش مملوك الأفرم، نقله إليها من ولاية الشرقية، وكان الجماليّ حسن الطباع يميل إلى الخير مع كثرة الحشمة، ومما شكر عليه في وزارته أنه لم يبخل على أحد بولاية مباشرة، وأنشأ ناسا كثيرا، وقصد من سائر الأعمال، وكان يقبل الهدايا ويحب التقادم، فحلت له الدنيا وجمع منها شيئا كثيرا، وكان إذا أخذ من أحد شيئا على ولاية لا يعزله حتى يعرف أنه قد اكتسب قدر ما وزنه له، ولو أكثر عليه في السعي، فإذا عرف أنه أخذ ما غرمه عزله وولى غيره، ولم يعرف عنه أنه صادر أحدا ولا اختلس مالا، وكانت أيامه قليلة الشرّ، إلاّ أنه كان يعزل ويولي بالمال، فتزايد الناس في المناصب، وكان له عقب بالقاهرة غير صالحين ولا مصلحين.
المدرسة الفارسية
هذه المدرسة بخط الفهادين من أوّل العطوفية بالقاهرة، كان موضعها كنيسة تعرف بكنيسة الفهادين، فلما كانت واقعة النصارى في سنة ست وخمسين وسبعمائة، هدمها الأمير فارس الدين البكيّ، قريب الأمير سيف الدين آل ملك الجو كندار، وبنى هذه المدرسة ووقف عليها وقفا يقوم بما تحتاج إليه.
المدرسة السابقية
هذه المدرسة داخل قصر الخلفاء الفاطميين من جملة القصر الكبير الشرقيّ الذي كان داخل دار الخلافة، ويتوصل إلى هذه المدرسة الآن من تجاه حمّام البيسريّ بخط بين القصرين، وكان يتوصل إليها أيضا من باب القصر المعروف بباب الريح من خط الركن المخلق، وموضعه الآن قيسارية الأمير جمال الدين يوسف الأستادار. بنى هذه المدرسة الطواشي الأمير سابق الدين مثقال الأنوكيّ مقدّم المماليك السلطانية الأشرفية، وجعل بها درسا للفقهاء الشافعية، قرّر في تدريسه شيخنا شيخ الشيوخ سراج الدين عمر بن عليّ الأنصاريّ، المعروف بابن الملقن الشافعيّ، وجعل فيها تصدير قراءات وخزانة كتب، وكتابا يقرأ فيه أيتام المسلمين، وبنى بينها وبين داره التي تعرف بقصر سابق الدين حوض ماء للسبيل، هدمه الأمير جمال الدين يوسف الأستادار لما بنى داره المجاورة لهذه المدرسة،
стр. 1580
ولى سابق الدين تقدمة المماليك بعد الطواشي شرف الدين مختصر الطغتمريّ، في صفر سنة ثلاث وستين وسبعمائة، ثم تنكر عليه الأمير يلبغا الخاصكيّ القائم بدولة الملك الأشرف شعبان بن حسين وضربه ستمائة عصا وسجنه ونفاه إلى أسوان، في آخر شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وستين، فلم يكن غير قليل حتى قتل الأمير يلبغا، فاستدعي الأشرف سابق الدين من قوص، وصرف ظهير الدين مختارا المعروف بشاذروان عن التقدمة، وأعاده إليها، فاستمرّ إلى أن مات سنة ست وسبعين وسبعمائة.
المدرسة القيسرانية
هذه المدرسة بجوار المدرسة الصاحبية بسويقة الصاحب، فيما بينها وبين باب الخوخة، كانت دارا يسكنها القاضي الرئيس شمس الدين محمد بن إبراهيم القيسرانيّ أحد موقعي الدست بالقاهرة، فوقفها قبل موته مدرسة، وذلك في ربيع الأوّل سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وكان حشما كبير الهمة، سعى بالأمير سيف الدين بهادر الدمرداشيّ في كتابة السرّ بالقاهرة، مكان علاء الدين عليّ بن فضل اللّه العمريّ، فلم يتم ذلك، ومات الأمير بهادر فانحط جانبه، وكانت دنياه واسعة جدّا، وله عدّة مماليك يتوصل بهم إلى السعي في أغراضه عند أمراء الدولة، وكان ينسب إلى شح كبير.
المدرسة الزمامية
هذه المدرسة بخط رأس البندقانيين من القاهرة، فيما بين البندقانيين وسويقة الصاحب، بناها الأمير الطواشي زين الدين مقبل الروميّ، زمام الآدر الشريفة للسلطان الظاهر برقوق في سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وجعل بها درسا وصوفية ومنبرا يخطب عليه في كل جمعة، وبينها وبين المدرسة الصاحبية دون مدى الصوت، فيسمع كلّ من صلّى بالموضعين تكبير الآخر، وهذا وأنظاره بالقاهرة من شنيع ما حدث في غير موضع، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم على إزالة هذه المبتدعات.
المدرسة الصغيرة
هذه المدرسة فيما بين البندقانيين وطواحين الملحيين، ويعرف خطها ببيت محب الدين ناظر الجيوش، ويعرف أيضا بخط بين العواميد، بنتها الست أيديكن زوجة الأمير سيف الدين بكجا الناصريّ، في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
مدرسة تربة أمّ الصالح
هذه المدرسة بجوار المدرسة الأشرفية بالقرب من المشهد النفيسيّ، فيما بين القاهرة
стр. 1581
ومصر، موضعها من جملة ما كان بستانا، أنشأها الملك المنصور قلاون، على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ في سنة اثنتين وثمانين وستمائة، برسم أمّ الملك الصالح علاء الدين عليّ بن الملك المنصور قلاون، فلما كمل بناؤها نزل إليها الملك المنصور ومعه ابنه الصالح عليّ، وتصدّق عند قبرها بمال جزيل، ورتب لها وقفا حسنا على قرّاء وفقهاء. وغير ذلك. وكانت وفاتها في سادس عشر شوّال سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
مدرسة ابن عرّام
هذه المدرسة بجوار جامع الأمير حسين بحكر جوهر النوبيّ من برّ الخليج الغربيّ خارج القاهرة، أنشأها الأمير صلاح الدين خليل بن عرّام، وكان من فضلاء الناس، تولى نيابة الإسكندرية وكتب تاريخا وشارك في علوم، فلما قتل الأمير بركة بسجن الإسكندرية ثارت مماليكه على الأمير الكبير برقوق حنقا لقتله، فأنكر الأمير برقوق قتله وبعث الأمير يونس النوروزيّ دواداره لكشف ذلك، فنبش عنه قبره فإذا فيه ضربات عدّة إحداهنّ في رأسه، فاتهم ابن عرّام بقتله من غير إذن له في ذلك، فأخرج بركة من قبره وكان بثيابه من غير غسل ولا كفن، وغسله وكفنه، وأحضر ابن عرّام معه فسجن بخزانة شمائل داخل باب زويلة من القاهرة، ثم عصر وأخرج يوم الخميس خامس عشر رجب سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، من خزانة شمائل، وأمر به فسمّر عريان بعد ما ضرب عند باب القلة بالمقارع ستة وثمانين بحضرة الأمير قطلودمر الخازندار، والأمير مامور حاجب الحجاب، فلما أنزل من القلعة وهو مسمر على الجمل أنشد:
لك قلبي بحلّه فدمي لم تحلّه
لك من قلبي المكان فلم لا تحلّه
قال إن كنت مالكا فلي الأمر كلّه
وما هو إلاّ أن وقف بسوق الخيل تحت القلعة وإذا بمماليك بركة قد أكبت عليه تضربه بسيوفها حتى تقطع قطعا وحز رأسه، وعلّق على باب زويلة وتلاعبت أيديهم، فأخذوا حد أذنه، وأخذوا حد رجله، واشترى آخر قطعة من لحمه ولاكها، ثم جمع ما وجد منه ودفن بمدرسته هذه. فقال في ذلك صاحبنا الأديب شهاب الدين أحمد بن العطار:
بدت أجزاء عرّام خليل … مقطعة من الضرب الثقيل
وأبدت أبحر الشعر المراثي … محرّرة بتقطيع الخليل
المدرسة المحمودية
هذه المدرسة بخط الموازنيين خارج باب زويلة تجاه دار القردمية، يشبه أن موضعها كان في القديم من جملة الحارة التي كانت تعرف بالمنصورية، أنشأها الأمير جمال الدين
стр. 1582
محمود بن عليّ الأستادار في سنة سبع وتسعين وسبعمائة، ورتب بها درسا، وعمل فيها خزانة كتب لا يعرف اليوم بديار مصر ولا الشام مثلها، وهي باقية إلى اليوم لا يخرج لأحد منها كتاب إلاّ أن يكون في المدرسة، وبهذه الخزانة كتب الإسلام من كلّ فنّ، وهذه المدرسة من أحسن مدارس مصر.
محمود بن عليّ بن أصفر، عينه الأمير جمال الدين الأستادار ولي شدّ باب رشيد بالإسكندرية مدّة، وكانت واقعة الفرنج بها في سنة سبع وستين وسبعمائة، وهو مشدّ، فيقال إنّ ماله الذي وجد له حصله يومئذ، ثم إنه سار إلى القاهرة فلما كانت أيام الظاهر برقوق خدم أستادارا عند الأمير سودون باق، ثم استقرّ شادّ الدواوين إلى أن مات الأمير بهادر المنجكيّ أستادار السلطان، فاستقرّ عوضا عنه في وظيفة الأستادارية يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة سنة تسعين وسبعمائة، ثم خلع عليه في يوم الخميس خامسة، واستقرّ مشير الدولة، فصار يتحدّث في دواوين السلطنة الثلاثة، وهي الديوان المفرد الذي يتحدّث فيه الأستادار، وديوان الوزارة ويعرف بالدولة، وديوان الخاص المتعلق بنظر الخواص، وعظم أمره ونفذت كلمته لتصرّفه في سائر أمور المملكة. فلما زالت دولة الملك الظاهر برقوق بحضور الأمير يلبغا الناصريّ نائب حلب، في يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بعساكر الشام إلى القاهرة، واختفى الظاهر ثم أمسكه، هرب هو وولده، فنهبت دوره، ثم إنه ظهر من الاستتار في يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة، وقدّم للأمير يلبغا الناصريّ مالا كثيرا فقبض عليه وقيده وسجنه بقلعة الجبل وأقيم بدله في الأستادارية الأمير علاء الدين أقبغا الجوهريّ. فلما زالت دولة يلبغا الناصريّ بقيام الأمير منطاش عليه، قبض على أقبغا الجوهريّ فيمن قبض عليه من الأمراء، وأفرج عن الأمير محمود في يوم الاثنين ثامن شهر رمضان، وألبسه قباء مطرّزا بذهب وأنزله إلى داره، ثم قبض عليه وسجن بخزانة الخاص في يوم الأحد سادس عشر ذي الحجة في عدّة من الأمراء والمماليك، عند عزم منطاش على السفر لحرب برقوق عند خروجه من الكرك ومسيره إلى دمشق، فكانت جملة ما حمله الأمير محمود من الذهب العين للأمير يلبغا الناصريّ وللأمير منطاش ثمانية وخمسين قنطارا من الذهب المصريّ، منها ثمانية عشر قطنارا في ليلة واحدة، فلم يزل في الاعتقال إلى أن خرج المماليك مع الأمير بوطا في ليلة الخميس ثاني صفر سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، فخرج معهم وأقام بمنزله إلى أن عاد الملك الظاهر برقوق إلى المملكة في رابع عشر صفر، فخلع عليه واستقرّ أستادار السلطان على عادته في يوم الاثنين تاسع عشري جمادى الأولى من السنة المذكورة، عوضا عن الأمير قرقماس الطشتمريّ بعد وفاته، ثم خلع على ولده الأمير ناصر الدين محمد بن محمود في يوم الخميس ثاني عشري صفر سنة أربع وتسعين وسبعمائة، واستقرّ نائب السلطنة بثغر الإسكندرية عوضا عن الأمير ألطنبغا المعلم، فقويت حرمة الأمير محمود ونفذت كلمته إلى يوم الاثنين حادي عشر رجب من
стр. 1583
السنة المذكورة، فثار عليه المماليك السلطانية بسبب تأخر كسوتهم، ورموه من أعلى القلعة بالحجارة وأحاطوا به وضربوه يريدون قتله، لولا أن شاء اللّه أغاثه بوصول الخبر إلى الأمير الكبير ايتمش، وكان يسكن قريبا من القلعة، فركب بنفسه وساق حتى أدركه وفرّق عنه المماليك، وسار به إلى منزله حتى سكنت الفتنة، ثم شيعه إلى داره. فكانت هذه الواقعة مبدأ انحلال أمره، فإن السلطان صرفه عن الأستادارية وولى الأمير الوزير ركن الدين عمر بن قايماز في يوم الخميس رابع عشرة، وخلع على الأمير محمود قباء بطرز ذهب، واستقرّ على أمرته، ثم صرف ابن قايماز عن الأستادارية وأعيد محمود في يوم الاثنين خامس عشر رمضان، وأنعم على ابن قايماز بإمرة طلبخاناه، فجدّد بثغر الإسكندرية دار ضرب عمل فيها فلوس ناقصة الوزن، ومن حينئذ اختل حال الفلوس بديار مصر. ثم لما خرج الملك الظاهر إلى البلاد الشامية في سنة ست وتسعين، سار في ركابه، ثم حضر إلى القاهرة في يوم الأربعاء سابع صفر سنة سبع وتسعين وسبعمائة قبل حضور السلطان، وكان دخوله يوما مشهودا، فلما عاد السلطان إلى قلعة الجبل حدث منه تغير على الأمير محمود في يوم السبت ثالث عشري ربيع الأوّل، وهمّ بالإيقاع به، فلما صار إلى داره بعث إليه الأمير علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ يطلب منه خمسمائة ألف دينار، وإن توقف يحيط به ويضربه بالمقارع، فنزل إليه وقرّر الحال على مائة وخمسين ألف دينار، فطلع على العادة إلى القلعة في يوم الاثنين خامس عشريه، فسبه المماليك السلطانية ورجموه، ثم إن السلطان غضب عليه وضربه في يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر بسبب تأخر النفقة، وأخذ أمره ينحل، فولى السلطان الأمير صلاح الدين محمد ابن الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير تنكز أستادارية الأملاك السلطانية، في يوم الاثنين خامس رجب، وولى علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ في رمضان التحدّث في دار الضرب بالقاهرة والإسكندرية، والتحدّث في المتجر السلطانيّ، فوقع بينه وبين الأمير محمود كلام كثير ورافعه ابن الطبلاويّ بحضرة السلطان، وخرّج عليه من دار الضرب ستة آلاف درهم فضة، فألزم السلطان محمودا بحمل مائة وخمسين ألف دينار، فحملها وخلع عليه عند تكميله حملها في يوم الأحد تاسع عشري رمضان، وخلع أيضا على ولده الأمير ناصر الدين، وعلى كاتبه سعد الدين إبراهيم بن غراب الإسكندرانيّ، وعلى الأمير علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ، ثم إن محمود أوعك بدنه فنزل إليه السلطان في يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة يعوده، فقدّم له عدّة تقادم قبل بعضها وردّ بعضها، وتحدّث الناس أنه استقلها. فلما كان يوم السبت سادس صفر سنة ثمان وتسعين بعث السلطان إلى الأمير محمود الطواشي شاهين الحسني فأخذ زوجتيه وكاتبه سعد الدين إبراهيم بن غراب، وأخذ مالا وقماشا على حمالين وصار بهما إلى القلعة، هذا ومحمود مريض لازم الفراش، ثم عاد من يومه وأخذ الأمير ناصر الدين محمد بن محمود وحمله إلى القلعة، ثم نزل ابن غراب ومعه الأمير إلى باي الخازندار في يوم الأحد سابعه، وأخذا من ذخيرة بدار محمود خمسين ألف دينار، وفي يوم الخميس حادي عشرة صرف محمود عن الأستادارية واستقرّ عوضه
стр. 1584
الأمير سيف الدين قطلوبك العلائيّ أستادار الأمير الكبير ايتمش، وقرّر سعد الدين بن غراب ناظر الديوان المفرد، فاجتمع مع ابن الطبلاويّ على عداوة محمود والسعي في إهلاكه، وسلّم ابن محمود إلى ابن الطبلاويّ في تاسع عشر ربيع الأوّل ليستخلص منه مائة ألف دينار، ونزل الطواشي صندل المنجكيّ، والطواشي شاهين الحسنيّ في ثالث عشرية، ومعهما ابن الطبلاويّ، فأخذا من خربة خلف مدرسة محمود زيرين كبيرين وخمسة أزيار صغارا وجد فيها ألف ألف درهم فضة، فحملت إلى القلعة، ووجد أيضا بهذه الخربة جرّتان في إحداهما ستة آلاف دينار وفي الأخرى أربعة آلاف درهم فضة وخمسمائة درهم، وقبض على مباشري محمود ومباشري ولده، وعوقب محمود، ثم أوقعت الحوطة على موجود محمود في يوم الخميس سابع جمادى الأولى، ورسم عليه ابن الطبلاويّ في داره، وأخذ مماليكه وأتباعه، ولم يدع عنده غير ثلاث مماليك صغار، وظهرت أموال محمود شيئا بعد شيء، ثم سلّم إلى الأمير فرج شادّ الدواوين في خامس جمادى الآخرة فنقله إلى داره وعاقبه وعصره في ليلته، ثم نقل في شعبان إلى دار ابن الطبلاويّ فضربه وسعطه وعصره، فلم يعترف بشيء، وحكى عنه أنه قال لو عرفت أني أعاقب ما اعترفت بشيء من المال، وظهر منه في هذه المحنة ثبات وجلد وصبر مع قوّة نفس وعدم خضوع، حتى أنه كان يسب ابن الطبلاويّ إذا دخل إليه ولا يرفع له قدرا، ثم إن السلطان استدعاه إلى ما بين يديه يوم السبت أوّل صفر سنة تسع وتسعين، وحضر سعد الدين بن غراب فشافهه بكل سوء ورافعه في وجهه حتى استغضب السلطان على محمود، وأمر بمعاقبته حتى يموت، فأنزل إلى بيت الأمير حسام الدين حسين ابن أخت الفرس شادّ الدواوين، وكان أستادار محمود، فلم يزل عنده في العقوبة إلى أن نقل من داره إلى خزانة شمائل في ليلة الجمعة ثالث جمادى الأولى وهو مريض، فمات بها في ليلة الأحد تاسع رجب سنة تسع وتسعين وسبعمائة، ودفن من الغد بمدرسته وقد أناف على الستين سنة، وكان كثير الصلاة والعبادة مواظبا على قيام الليل، إلاّ أنه كان شحيحا مسيكا شرها في الأموال، رمى الناس منه في رماية البضائع بداوه إذا نسبت إلى ما حدث من بعده، كانت عافية ونعمة، وأكثر من ضرب الفلوس بديار مصر حتى فسد بكثرتها حال إقليم مصر، وكان جملة ما حمل من ماله بعد نكبته هذه مائة قنطار ذهبا وأربعين قنطارا، عنها ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار عينا، وألف ألف درهم فضة، وأخذ له من البضائع والغلال والقنود والأعسال ما قيمته ألف ألف درهم وأكثر.
المدرسة المهذبية
هذه المدرسة بحارة حلب خارج القاهرة عند حمام قماريّ، بناها الحكيم مهذب الدين محمد بن أبي الوحش المعروف بابن أبي حليقة، تصغير حلقة، رئيس الأطباء بديار مصر، ولي رياسة الأطباء في حادي عشر رمضان سنة أربع وثمانين وستمائة، واستقرّ مدرّس الطب بالمارستان المنصوريّ.
стр. 1585
المدرسة السعدية
هذه المدرسة خارج القاهرة بقرب حدرة البقر على الشارع المسلوك فيه من حوض ابن هنس إلى الصليبة، وهي فيما بين قلعة الجبل وبركة الفيل، كان موضعها يعرف بخط بستان سيف الإسلام، وهي الآن في ظهر بيت قوصون المقابل لباب السلسلة من قلعة الجبل، بناها الأمير شمس الدين سنقر السعديّ نقيب المماليك السلطانية، في سنة خمس عشرة وسبعمائة، وبنى بها أيضا رباطا للنساء، وكان شديد الرغبة في العمائر محبا للزراعة، كثير المال ظاهر الغنى، وهو الذي عمر القرية التي تعرف اليوم بالنحريرية من أعمال الغربية، وكان إقطاعه، ثم إنه أخرج من مصر بسبب نزاع وقع بينه وبين الأمير قوصون في أرض أخذها منه، فسار إلى طرابلس وبها مات في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
المدرسة الطفجية
هذه المدرسة بخط حدرة البقر أيضا، أنشأها الأمير سيف الدين طفجي الأشرفيّ، ولها وقف جيد.
طفجي: الأمير سيف الدين، كان من جملة مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاون، ترقّى في خدمته حتى صار من جملة أمراء ديار مصر، فلما قتل الملك الأشرف قام طفجي في المماليك الأشرفية وحارب الأمير بيدرا المتولي لقتل الأشرف حتى أخذه وقتله، فلما أقيم الملك الناصر محمد بن قلاون في المملكة بعد قتل بيدرا، صار طفجي من أكابر الأمراء، واستمرّ على ذلك بعد خلع الملك الناصر بكتبغا مدّة أيامه إلى أن خلع الملك العادل كتبغا وقام في سلطنة مصر الملك المنصور لاجين، وولى مملوكه الأمير سيف الدين منكوتمر نيابة السلطنة بديار مصر، فأخذ يواحش أمراء الدولة بسوء تصرّفه، واتفق أن طفجي حج في سنة سبع وتسعين وستمائة، فقرّر منكوتمر مع المنصور أنه إذا قدم من الحج يخرجه إلى طرابلس ويقبض على أخيه الأمير سيف الدين كرجي، فعندما قدم طفجي من الحجاز في صفر سنة ثمان وتسعين وستمائة، رسم له بنيابة طرابلس، فثقل عليه ذلك وسعى بإخوته الأشرفية حتى أعفاه السلطان من السفر، فسخط منكوتمر وأبى الإسفر طفجي وبعث إليه يلزمه بالسفر، وكان لاجين منقادا لمنكوتمر لا يخالفه في شيء، فتواعد طفجي وكرجي مع جماعة من المماليك وقتلوا لاجين، وتولى قتله كرجي، وخرج فإذا طفجي في انتظاره على باب القلة من قلعة الجبل، فسرّ بذلك وأمر بإحضار من بالقلعة من الأمراء، وكانوا حينئذ يبيتون بالقلعة دائما، وقتل منكوتمر في تلك الليلة وعزم على أنه يتسلطن ويقيم كرجي في نيابة السلطنة، فخذله الأمراء. وكان الأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح قد خرج في غزاة وقرب حضوره، فاستمهلوه بما يريد إلى أن يحضر، فأخر سلطنته وبقي
стр. 1586
الأمراء في كل يوم يحضرون معه في باب القلة، ويجلس في مجلس النيابة والأمراء عن يمينه وشماله، ويمدّ سماط السلطان بين يديه، فلما حضر أمير سلاح بمن معه من الأمراء، نزل طفجي والأمراء إلى لقائهم بعد ما امتنع امتناعا كثيرا، وترك كرجي يحفظ القلعة بمن معه من المماليك الأشرفية، وقد نوى طفجي الشرّ للأمراء الذين قد خرج إلى لقائهم، وعرف ذلك الأمراء المقيمون عنده في القلعة، فاستعدّوا له. وسار هو والأمراء إلى أن لقوا الأمير بكتاش ومعه من الأشرفية أربعمائة فارس تحفظه حتى يعود من اللقاء إلى القلعة، فعندما وافاه بقبة النصر وتعانقا أعلمه بقتل السلطان، فشقّ عليه، وللوقت جرّد الأمراء سيوفهم وارتفعت الضجة، فساق طفجي من الحلقة والأمراء وراءه إلى أن أدركه قراقوش الظاهريّ وضربه بسيف ألقاه عن فرسه إلى الأرض ميتا، ففرّ كرجي، ثم أخذ وقتل وحمل طفجي في مزبلة من مزابل الحمّامات على حمار إلى مدرسته هذه فدفن بها، وقبره هناك إلى اليوم.
وكان قتله في يوم الخميس سادس عشر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين وستمائة، بعد خمسة أيام من قتل لاجين ومنكوتمر.
المدرسة الجاولية
هذه المدرسة بجوار الكبش، فيما بين القاهرة ومصر، أنشأها الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وعمل بها درسا وصوفية، ولها إلى هذه الأيام عدّة أوقاف.
سنجر بن عبد اللّه الأمير علم الدين الجاوليّ، كان مملوك جاولي أحد أمراء الملك الظاهر بيبرس، وانتقل بعد موت الأمير جاولي إلى بيت قلاون، وخرج في أيام الأشرف خليل بن قلاون إلى الكرك، واستقرّ في جملة البحرية بها إلى أيام العادل كتبغا، فحضر من عند نائب الكرك ومعه حوائجخاناه، فرفعه كتبغا وأقامه على الخوشخاناه السلطانية، وصحب الأمير سلار وواخاه فتقدّم في الخدمة، وبقي أستادارا صغيرا في أيام بيبرس وسلار، فصار يدخل على السلطان الملك الناصر ويخرج ويراعي مصالحه في أمر الطعام ويتقرّب إليه، فلما حضر من الكرك جهزه إلى غزة نائبا في جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبعمائة، عوضا عن الأمير سيف الدين قطلوا أقتمر عبد الخالق بعد إمساكه، وأضاف إليه مع غزة الساحل والقدس وبلد الخليل وجبل نابلس، وأعطاه إقطاعا كبيرا بحيث كان للواحد من مماليكه إقطاع يعمل عشرين ألفا وخمسة وعشرين ألفا، وعمل نيابة غزة على القالب الجائر إلى أن وقعت بينه وبين الأمير تنكز نائب الشام بسبب دار كانت له تجاه جامع تنكز خارج دمشق من شمالها، أراد تنكز أن يبتاعها منه فأبى عليه، فكتب فيه إلى الملك الناصر محمد بن قلاون فأمسكه في ثامن عشري شعبان سنة عشرين وسبعمائة، واعتقله نحوا من ثمان سنين، ثم أفرج عنه في سنة تسع وعشرين، وأعطاه أمرة أربعين، ثم بعد مدّة أعطاه
стр. 1587
أمرة مائة وقدّمه على ألف وجعله من أمراء المشورة، فلم يزل على هذا إلى أن مات الملك الناصر، فتولى غسله ودفنه. فلما ولي الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاون سلطنة مصر أخرجه إلى نيابة حماه، فأقام بها مدّة ثلاثة أشهر ثم نقله إلى نيابة غزة، فحضر إليها وأقام بها نحو ثلاثة أشهر أيضا، ثم أحضره إلى القاهرة وقرّره على ما كان عليه، وولى نظر المارستان بعد نائب الكرك عند ما أخرج إلى نيابة طرابلس، ثم توجه لحصار الناصر أحمد بن محمد بن قلاون وهو ممتنع في الكرك، فأشرف عليه في بعض الأيام الناصر أحمد من قلعة الكرك وسبه وشيخه، فقال له الجاوليّ: نعم أنا شيخ نحس، ولكن الساعة ترى حالك مع الشيخ النحس، ونقل المنجنيق إلى مكان يعرفه ورمى به فلم يخطئ القلعة وهدم منها جانبا، وطلع بالعسكر وأمسك أحمد وذبحه صبرا. وبعث برأسه إلى الصالح إسماعيل، وعاد إلى مصر فلم يزل على حاله إلى أن مات في منزله بالكبش يوم الخميس تاسع رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة، ودفن بمدرسته، وكانت جنازته حافلة إلى الغاية.
قد سمع الحديث وروى وصنف شرحا كبيرا على مسند الشافعيّ ﵀، وأفتى في آخر عمره على مذهب الشافعيّ، وكتب خطه على فتاوى عديدة، وكان خبيرا بالأمور، عارفا بسياسة الملك، كفوا لما وليه من النيابات وغيرها، لا يزال يذكر أصحابه في غيبتهم عنه ويكرمهم إذا حضروا عنده، وانتفع به جماعة من الكتاب والعلماء والأكابر، وله من الآثار الجميلة الفاضلة جامع بمدينة غزة في غاية الحسن، وله بها أيضا حمّام مليح، ومدرسة للفقهاء الشافعية، وخان للسبيل، وهو الذي مدّن غزة وبنى بها أيضا مارستانا، ووقف عليه عن الملك الناصر أوقافا جليلة، وجعل نظره لنواب غزة وعمر بها أيضا الميدان والقصر، وبنى ببلد الخليل ﵇ جامعا سقفه منه حجر نقر، وعمل الخان العظيم بقاقون، والخان بقرية الكثيب، والقناطر بغابة أرسوف، وخان رسلان في حمراء بيسان، ودارا بالقرب من باب النصر داخل القاهرة، ودارا بجوار مدرسته على الكبش، وسائر عمائره ظريفة أنيقة محكمة متقنة مليحة، وكان ينتمي إلى الأمير سلار ويجل ذكره.
المدرسة الفارقانية
هذه المدرسة خارج باب زويلة من القاهرة، فيما بين حدرة البقر وصليبة جامع ابن طولون، وهي الآن بجوار حمّام الفارقانيّ تجاه البندقدارية، بناها والحمام المجاور لها الأمير ركن الدين بيبرس الفارقانيّ، وهو غير الفارقانيّ المنسوب إليه المدرسة الفارقانية بحارة الوزيرية من القاهرة.
المدرسة البشيرية
هذه المدرسة خارج القاهرة بحكر الخازن المطل على بركة الفيل، كان موضعها
стр. 1588
مسجدا يعرف بمسجد سنقر السعديّ الذي بنى المدرسة السعدية، فهدمه الأمير الطواشي سعد الدين بشير الجمدار الناصريّ، وبنى موضعه هذه المدرسة في سنة إحدى وستين وسبعمائة، وجعل بها خزانة كتب، وهي من المدارس اللطيفة.
المدرسة المهمندارية
هذه المدرسة خارج باب زويلة فيما بين جامع الصالح وقلعة الجبل، يعرف خطها اليوم بخط جامع الماردانيّ خارج الدرب الأحمر، وهي تجاه مصلّى الأموات على يمنة من سلك من الدرب الأحمر طالبا جامع الماردانيّ، ولها باب آخر في حارة اليانسية بناها الأمير شهاب الدين أحمد بن أقوش العزيزيّ المهمندار، ونقيب الجيوش في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وجعلها مدرسة وخانقاه، وجعل طلبة درسها من الفقهاء الحنفية، وبنى إلى جانبها القيسارية والربع الموجودين الآن.
مدرسة ألجاي
هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل، كان موضعها وما حولها مقبرة، ويعرف الآن خطها بخط سويقة العزي، أنشأها الأمير الكبير سيف الدين الجاي في سنة ثمان وستين وسبعمائة، وجعل بها درسا للفقهاء الشافعية، ودرسا للفقهاء الحنفية، وخزانة كتب، وأقام بها منبرا يخطب عليه يوم الجمعة، وهي من المدارس المعتبرة الجليلة، ودرّس بها شيخنا جلال الدين البنانيّ الحنفيّ، وكانت سكنه.
ألجاي بن عبد اللّه اليوسفيّ الأمير سيف الدين، تنقل في الخدم حتى صار من جملة الأمراء بديار مصر، فلما أقام الأمير الأستدمر الناصريّ بأمر الدولة بعد قتل الأمير يلبغا الخاصكي العمريّ، في شوّال سنة ثمان وستين وسبعمائة، قبض على الجاي في عدّة من الأمراء وقيدهم وبعث بهم إلى الإسكندرية، فسجنوا إلى عاشر صفر سنة تسع وستين، فأفرج الملك الأشرف شعبان بن حسين عنه وأعطاه أمرة مائة، وتقدمة ألف، وجعله أمير سلاح برّاني، ثم جعله أمير سلاح أتابك العساكر، وناظر المارستان المنصوريّ عوضا عن الأمير منكلي بغا الشمسيّ، في سنة أربع وسبعين وسبعمائة، وتزوّج بخوند بركة أم السلطان الملك الأشرف، فعظم قدره واشتهر ذكره، وتحكم في الدولة تحكما زائدا إلى يوم الثلاثاء سادس المحرّم سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فركب يريد محاربة السلطان بسبب طلبه ميراث أمّ السلطان بعد موتها، فركب السلطان وأمراؤه وبات الفريقان ليلة الأربعاء على الاستعداد للقتال إلى بكرة نهار الأربعاء تواقع الجاي مع أمراء السلطان إحدى عشرة وقعة انكسر في آخرها الجاي وفرّ إلى جهة بركة الحبش، وصعد من الجبل من عند الجبل الأحمر إلى قبة النصر ووقف هناك، فاشتدّ على السلطان فبعث إليه خلعة بنيابة حماه، فقال لا أتوجه إلاّ
стр. 1589
ومعي مماليكي كلهم وجميع أموالي، فلم يوافقه السلطان على ذلك، وبات الفريقان على الحرب، فانسلّ أكثر مماليك الجاي في الليل إلى السلطان، وعند ما طلع النهار يوم الخميس بعث السلطان عساكره لمحاربة الجاي بقبة النصر، فلم يقاتلهم وولى منهزما والطلب وراءه إلى ناحية الخرقانية بشاطئ النيل، قريبا من قليوب، فتحير وقد أدركه العسكر، فألقى نفسه بفرسه في البحر يريد النجاة إلى البرّ الغربيّ فغرق بفرسه. ثم خلص الفرس وهلك الجاي، فوقع النداء بالقاهرة وظواهرها على إحضار مماليكه، فأمسك منهم جماعة وبعث السلطان الغطاسين إلى البحر تتطلبه فتبعوه حتى أخرجوه إلى البرّ في يوم الجمعة تاسع المحرّم سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فحمل في تابوت على لباد أحمر إلى مدرسته هذه وغسل وكفن ودفن بها، وكان مهابا جبارا عسوفا عتيا، تحدّث في الأوقاف فشدّد على الفقهاء وأهان جماعة منهم، وكان معروفا بالإقدام والشجاعة.
مدرسة أمّ السلطان
هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل، يعرف خطها الآن بالتبانة، وموضعها كان قديما مقبرة لأهل القاهرة، أنشأتها الست الجليلة الكبرى بركة أمّ السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وعملت بها درسا للشافعية، ودرسا للحنفية، وعلى بابها حوض ماء للسبيل. وهي من المدارس الجليلة، وفيها دفن ابنها الملك الأشرف بعد قتله.
بركة: الست الجليلة خوند أمّ الملك الأشرف شعبان بن حسين، كانت أمة مولدة، فلما أقيم ابنها في مملكة مصر عظم شأنها وحجت في سنة سبعين وسبعمائة بتجمل كثير وبرج زائد، وعلى محفتها العصائب السلطانية والكؤسات تدق معها، وسار في خدمتها من الأمراء المقدّمين: بشتاك العمريّ رأس نوبة، وبهادر الجماليّ، ومائة مملوك من المماليك السلطانية أرباب الوظائف، ومن جملة ما كان معها قطار جمال محملة محائر قد زرع فيها البقل والخضراوات إلى غير ذلك مما يجل وصفه، فلما عادت في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة خرج السلطان بعساكره إلى لقائها، وسار إلى البويب في سادس عشر المحرّم، وتزوّجت بالأمير الكبير الجاي اليوسفيّ، وبها طال واستطال، ماتت في ثامن عشر ذي القعدة سنة أربع وسبعين وسبعمائة، وكانت خيرة عفيفة لها برّ كثير ومعروف معروف، تحدّث الناس بحجتها عدّة سنين لما كان لها من الأفعال الجميلة في تلك المشاهد الكريمة، وكان لها اعتقاد في أهل الخير ومحبة في الصالحين، وقبرها موجود بقبة هذه المدرسة، وأسف السلطان على فقدها، ووجد وجدا كبيرا لكثرة حبه لها، واتفق أنها لما ماتت أنشد الأديب شهاب الدين أحمد بن يحيى الأعرج السعدي:
في ثامن العشرين من ذي قعدة … كانت صبيحة موت أمّ الأشرف
стр. 1590
فاللّه يرحمها ويعظم أجره … ويكون في عاشور موت اليوسفيّ
فكان كما قال؛ وغرق الجاي اليوسفيّ كما تقدّم ذكره في يوم عاشوراء.
المدرسة الأيتمشية
هذه المدرسة خارج القاهرة داخل باب الوزير تحت قلعة الجبل برأس التبانة، أنشأها الأمير الكبير سيف الدين ايتمش البجاسيّ، ثم الظاهريّ في سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وجعل بها درس فقه للحنفية، وبنى بجانبها فندقا كبيرا يعلوه ربع، ومن ورائها خارج باب الوزير حوض ماء للسبيل وربعا، وهي مدرسة ظريفة.
ايتمش بن عبد اللّه الأمير الكبير سيف الدين البجاسيّ ثم الظاهريّ، كان أحد المماليك اليلبغاوية.
المدرسة المجدية الخليلية
هذه المدرسة بمصر، يعرف موضعها بدرب البلاد، عمرها الشيخ الإمام مجد الدين أبو محمد عبد العزيز بن الشيخ الإمام أمين الدين أبي عليّ الحسين بن الحسن بن إبراهيم الخليليّ الداريّ، فتمت في شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستين وستمائة، وقرّر فيها مدرّسا شافعيا ومعيدين وعشرين نفرا طلبة، وإماما راتبا، ومؤذنا، وقيما لكنسها وفرشها ووقود مصابيحها. وإدارة ساقيتها، وأجرى الماء إلى فسقيتها، ووقف عليها غيطا بناحية بارنبار من أعمال المزاحميتين، وبستانا بمحلة الأمير من المزاحميتين بالغربية، وغيطا بناحية نطوبس، وربع غيط بظاهر ثغر رشيد، وبستانا ونصف بستان بناحية بلقس، ورباعا بمدينة مصر.
ومجد الدين هذا هو والد الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليليّ، ودرّس بهذه المدرسة الصاحب فخر الدين إلى حين وفاته، وتوفي مجد الدين بدمشق في ثالث عشر ربيع الآخر سنة ثمانين وستمائة، وكان مشهورا بالصلاح.
المدرسة الناصرية بالقرافة
هذه المدرسة بجوار قبة الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ ﵁ من قرافة مصر، أنشأها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ورتب بها مدرّسا يدرّس الفقه على مذهب الشافعيّ، وجعل له في كل شهر من المعلوم عن التدريس أربعين دينارا، معاملة صرف كل دينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم، وعن معلوم النظر في أوقاف المدرسة عشرة دنانير، ورتب له من الخبز في كل يوم ستين رطلا بالمصريّ، وراويتين من ماء النيل، وجعل فيها معيدين وعدّة من الطلبة، ووقف عليها حمّاما بجوارها، وفرنا تجاهها، وحوانيت بظاهرها، والجزيرة التي يقال لها جزيرة الفيل ببحر النيل خارج القاهرة،
стр. 1591
وولى تدريسها جماعة من الأكابر الأعيان، ثم خلت من مدرّس ثلاثين سنة، واكتفى فيها بالمعيدين وهم عشرة أنفس، فلما كانت سنة ثمان وسبعين وستمائة ولى تدريسها قاضي القضاة تقيّ الدين محمد بن رزين الحمويّ بعد عزله من وظيفة القضاء، وقرّر له نصف المعلوم. فلما مات وليها الشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد بربع المعلوم، فلما ولي الصاحب برهان الدين الخضر السنجاريّ التدريس قرّر له المعلوم الشاهد به كتاب الوقف.
المدرسة المسلمية
هذه المدرسة بمدينة مصر في خط السيوريين، أنشأها كبير التجار ناصر الدين محمد بن مسلّم - بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد اللام - البالسيّ الأصل ابن بنت كبير التجار شمس الدين محمد بن بسير - بفتح الباء أوّل الحروف وكسر السين المهملة ثم ياء آخر الحروف بعدها راء - ومات في سنة ست وسبعين وسبعمائة، قبل أن تتمّ. فوصى بتكملتها وأفرد لها مالا ووقف عليها دورا وأرضا بناحية قليوب، وشرط أن يكون فيها مدرس مالكيّ ومدرّس شافعيّ ومؤدّب أطفال وغير ذلك، فكملها مولاه ووصيه الكبير كافور الخصيّ الروميّ بعد وفاة استاذه، وهي الآن عامرة، وبلغ ابن مسلَّم هذا من وفور المال وعظم السعادة ما لم يبلغه أحد ممن أدركناه، بحيث أنه جاء نصيب أحد أولاده نحو مائتي ألف دينار مصرية، وكان كثير الصدقات على الفقراء، مقترا على نفسه إلى الغاية، وله أيضا مطهرة عظيمة بالقرب من جامع عمرو بن العاص، ونفعها كبير، وله أيضا دار جليلة على ساحل النيل بمصر، وكان أبوه تاجرا سفارا بعد ما كان حمالا، فصاهر ابن بسير ورزق محمدا هذا من ابنته، فنشأ على صيانة ورزق الحظ الوافر في التجارة وفي العبيد، فكان يبعث أحدهم بمال عظيم إلى الهند، ويبعث آخر بمثل ذلك إلى بلاد التكرور (١)، ويبعث آخر إلى بلاد الحبشة، ويبعث عدّة آخرين إلى عدّة جهات من الأرض، فما منهم من يعود إلاّ وقد تضاعفت فوائد ماله أضعافا مضاعفة.
مدرسة اينال
هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من باب حارة الهلالية بخط القماحين، كان موضعها في القديم من حقوق حارة المنصورة، أوصى بعمارتها الأمير الكبير سيف الدين اينال اليوسفيّ، أحد المماليك اليلبغاوية. فابتدأ بعملها في سنة أربع وتسعين، وفرغت في سنة خمس وتسعين وسبعمائة، ولم يعمل فيها سوى قرّاء يتناوبون قراءة القرآن على قبره، فإنه لما مات في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وسبعمائة دفن
стр. 1592
خارج باب النصر حتى انتهت عمارة هذه المدرسة، فنقل إليها ودفن فيها.
وإينال هذا ولي نيابة حلب وصار في آخر عمره أتابك العساكر بديار مصر حتى مات، وكانت جنازته كثيرة الجمع مشى فيها السلطان الملك الظاهر برقوق والعساكر.
مدرسة الأمير جمال الدين الأستادار
هذه المدرسة برحبة باب العيد من القاهرة، كان موضعها قيسارية يعلوها طباق كلها وقف، فأخذها وهدمها وابتدأ بشق الأساس في يوم السبت خامس جمادى الأولى سنة عشر وثمانمائة، وجمع لها الآلات من الأحجار والأخشاب والرخام وغير ذلك، وكان بمدرسة الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون التي كانت بالصوة تجاه الطبلخاناه من قلعة الجبل، بقية من داخلها، فيها شبابيك من نحاس مكفت بالذهب والفضة وأبواب مصفحة بالنحاس البديع الصنعة المكفت، ومن المصاحف والكتب في الحديث والفقه وغيره من أنواع العلوم جملة، فاشترى ذلك من الملك الصالح المنصور حاجي بن الأشرف بمبلغ ستمائة دينار، وكانت قيمتها عشرات أمثال ذلك، ونقلها إلى داره. وكان مما فيها عشرة مصاحف طول كل مصحف منها أربعة أشبار إلى خمسة في عرض يقرب من ذلك، أحدها بخط ياقوت، وآخر بخط ابن البوّاب، وباقيها بخطوط منسوبة، ولها جلود في غاية الحسن معمولة في أكياس الحرير الأطلس، ومن الكتب النفيسة عشرة أحمال جميعها مكتوب في أوّله الإشهاد على الملك الأشرف بوقف ذلك، ومقرّه في مدرسته.
فلما كان يوم الخميس ثالث شهر رجب سنة إحدى عشرة وثمانمائة وقد انتهت عمارتها، جمع بها الأمير جمال الدين القضاة والأعيان، وأجلس الشيخ همام الدين محمد بن أحمد الخوارزميّ الشافعيّ على سجادة المشيخة وعمله شيخ التصوّف، ومدرّس الشافعية، ومدّ سماطا جليلا أكل عليه كلّ من حضر، وملأ البركة التي توسط المدرسة ماء قد أذيب فيه سكر مزج بماء الليمون، وكان يوما مشهودا، وقرّ في تدريس الحنفية بدر الدين محمود بن محمد المعروف بالشيخ زاده الخرزيانيّ، وفي تدريس المالكية شمس الدين محمد بن البساطيّ، وفي تدريس الحنابلة فتح الدين أبا الفتح محمد بن نجم الدين محمد بن الباهليّ، وفي تدريس الحديث النبويّ شهاب الدين أحمد بن عليّ بن حجر، وفي تدريس التفسير شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن البلقينيّ. فكان يجلس من ذكرنا واحدا بعد واحد في كل يوم إلى أن كان آخرهم شيخ التفسير، وكان مسك الختام، وما منهم إلاّ من يحضر معه ويلبسه ما يليق به من الملابس الفاخرة، وقرّر عند كلّ من المدرّسين الستة طائفة من الطلبة، وأجرى لكل واحد ثلاثة أرطال من الخبز في كل يوم، وثلاثين درهما فلوسا في كل شهر، وجعل لكل مدرّس ثلاثمائة درهم في كل شهر، ورتب بها إماما وقومة ومؤذنين وفرّاشين ومباشرين، وأكثر من وقف الدور عليها، وجعل فائض
стр. 1593
وقفها مصروفا لذريته، فجاءت في أحسن هندام وأتم قالب وأفخر زيّ وأبدع نظام، إلاّ أنها وما فيها من الآلات وما وقف عليها أخذ من الناس غصبا، وعمل فيها الصناع بأبخس أجرة مع العسف الشديد.
فلما قبض عليه السلطان وقتله في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، واستولى على أمواله، حسّن جماعة للسلطان أن يهدم هذه المدرسة ورغبوه في رخامها، فإنه غاية في الحسن، وأن يسترجع أوقافها، فإن متحصلها كثير. فمال إلى ذلك وعزم عليه. فكرّه ذلك للسلطان الرئيس فتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ، واستشنع أن يهدم بيت بني على اسم اللّه يعلن فيه بالأذان خمس مرّات في اليوم والليلة، وتقام به الصلوات الخمس في جماعة عديدة، ويحضره في عصر كل يوم مائة وبضعة عشر رجلا يقرءون القرآن في وقت التصوّف، ويذكرون اللّه ويدعونه، وتتحلق به الفقهاء لدرس تفسير القرآن الكريم وتفسير حديث رسول اللّه ﷺ ، وفقه الأئمة الأربعة، ويعلّم فيه أيتام المسلمين كتاب اللّه ، ويجري على هؤلاء المذكورين الأرزاق في كل يوم، ومن المال في كل شهر، ورأى أن إزالة مثل هذا وصمة في الدين، فتجرّد له وما زال بالسلطان يرغّبه في إبقائها على أن يزال منها اسم جمال الدين وتنسب إليه، فإنه من الفتن هدم مثلها. ونحو ذلك، حتّى رجع إلى قوله وفوّض أمرها إليه، فدبر ذلك أحسن تدبير.
وهو أنّ موضع هذه المدرسة كان وقفا على بعض الترب، فاستبدل به جمال الدين أرضا من جملة أراضي الخراج بالجيزة، وحكم له قاضي القضاة كمال الدين عمر بن العديم بصحة الاستبدال، وهدم البناء وبنى موضعه هذه المدرسة، وتسلّم متولي موضعها الأرض المستبدل بها، إلى أن قتل جمال الدين وأحيط بأمواله، فدخل فيما أحيط به هذه الأرض المستبدل بها، وادّعى السلطان أن جمال الدين افتأت عليه في أخذ هذه الأرض، وأنه لم يأذن في بيعها من بيت المال، فأفتى حينئذ محمد شمس الدين المدنيّ المالكيّ بأن بناء هذه المدرسة الذي وقفه جمال الدين على الأرض التي لم يملكها بوجه صحيح لا يصح، وأنه باق على ملكه إلى حين موته، فندب عند ذلك شهود القيمة إلى تقويم بناء المدرسة، فقوّموها باثني عشر ألف دينار ذهبا، وأثبتوا محضر القيمة على بعض القضاة، فحمل المبلغ إلى أولاد جمال الدين حتى تسلموه وباعوا بناء المدرسة للسلطان، ثم استردّ السلطان منهم المبلغ المذكور وأشهد عليه أنه وقف أرض هذه المدرسة بعد ما استبدل بها، وحكم حاكم حنفيّ بصحة الاستبدال، ثم وقف البناء الذي اشتراه وحكم بصحته أيضا، ثم استدعى بكتاب وقف جمال الدين ولخصه، ثم مزقه وجدّد كتاب وقف يتضمن جميع ما قرّره جمال الدين في كتاب وقفه من أرباب الوظائف ومالهم من الخبز في كل يوم ومن المعلوم في كل شهر، وأبطل ما كان لأولاد جمال الدين من فائض الوقف، وأفرد لهذه المدرسة مما كان جمال الدين جعله وقفا عليها عدّة مواضع تقوم بكفاية مصروفها، وزاد في أوقافها أرضا بالجيزة،
стр. 1594
وجعل ما بقي من أوقاف جمال الدين على هذه المدرسة، بعضه وقفا على أولاده، وبعضه وقفا على التربة التي أنشأها في قبة أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر، وحكم القضاة الأربعة بصحة هذا الكتاب بعد ما حكموا بصحة كتاب وقف جمال الدين، ثم حكموا ببطلانه، ثم لما تمّ ذلك محى من هذه المدرسة اسم جمال الدين ورنكه، وكتب اسم السلطان الملك الناصر فرج بدائر صحنها من أعلاه، وعلى قناديلها وبسطها وسقوفها، ثم نظر السلطان في كتبها العلمية الموقوفة بها فأقرّ منها جملة كتب بظاهر كل سفر منها فصل يتضمن وقف السلطان له، وحمل كثير من كتبها إلى قلعة الجبل، وصارت هذه المدرسة تعرف بالناصرية بعد ما كان يقال لها الجمالية.
ولم تزل على ذلك حتى قتل الناصر وقدم الأمير شيخ إلى القاهرة واستولى على أمور الدولة، فتوصل شمس الدين محمد أخو جمال الدين وزوّج ابنته لشرف الدين أبي بكر بن العجميّ موقع الأستادار الأمير شيخ، حتى أحضر قضاة القضاة وحكم الصدر عليّ بن الأدميّ قاضي القضاة الحنفيّ بردّ أوقاف جمال الدين إلى ورثته من غير استيفاء الشروط في الحكم بل تهوّر فيه وجازف. ولذلك أسباب منها: عناية الأمير شيخ بجمال الدين الأستادار، فإنه لما انتقل إليه إقطاع الأمير بحاس بعد موت الملك الظاهر برقوق، استقرّ جمال الدين استاداره كما كان أستادار بحاس، فخدمه خدمة بالغة، وخرج الأمير شيخ إلى بلاد الشام واستقرّ في نيابة طرابلس، ثم في نيابة الشام، وخدمة جمال الدين له ولحاشيته ومن يلوذ به مستمرّة، وأرسل مرّة الأمير شيخ من دمشق بصدر الدين بن الأدميّ المذكور في الرسالة إلى الملك الناصر وجمال الدين حينئذ عزيز مصر، فأنزله وأكرمه وأنعم عليه وولاه قضاء الحنفية وكتابة السرّ بدمشق، وأعاده إليه وما زال معتنيا بأمور الأمير شيخ، حتى أنه اتهم بأنه قد مالأه على السلطان، فقبض عليه السلطان الملك الناصر بسبب ذلك ونكبه، فلما قتل الناصر واستولى الأمير شيخ على الأمور بديار مصر، ولى قضاء الحنفية بديار مصر لصدر الدين عليّ بن الأدميّ المذكور، وولى أستاداره بدر الدين حسن بن محب الدين الطرابلسيّ أستادار السلطان، فخدم شرف الدين أبو بكر بن العجميّ زوج ابنة أخي جمال الدين عنده موقعا، وتمكن منه فأغراه بفتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ حتى أثخن جراحه عند الملك المؤيد شيخ، ونكبه بعد ما تسلطن، واستعان أيضا بقاضي القضاة صدر الدين بن الأدميّ، فإنه كان عشيره وصديقه من أيام جمال الدين، ثم استمال ناصر الدين محمد بن البارزيّ موقع الأمير الكبير شيخ، فقام الثلاثة مع شمس الدين أخي جمال الدين حتى أعيد إلى مشيخة خانكاه بيبرس وغيرها من الوظائف التي أخذت منه، عند ما قبض عليه الملك الناصر وعاقبه، وتحدّثوا مع الأمير الكبير في ردّ أوقاف جمال الدين إلى أخيه وأولاده، فإن الناصر غصبها منهم وأخذ أموالهم وديارهم بظلمه إلى أن فقدوا القوت، ونحو هذا من القول حتى حرّكوا منه حقدا كامنا على الناصر، وعلموا منه عصبته لجمال الدين هذا، وغرض القوم في الباطن
стр. 1595
تأخير فتح الدين والإيقاع به، فإنه ثقل عليهم وجوده معهم، فأمر عند ذلك الأمير الكبير بعقد مجلس حضره قضاة القضاة والأمراء وأهل الدولة عنده بالحراقة من باب السلسلة، في يوم السبت تاسع عشري شهر رجب سنة خمس عشرة، وتقدّم أخو جمال الدين ليدّعي على فتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ، وكان قد علم بذلك ووكل بدر الدين حسنا البردينيّ أحد نوّاب الشافعية في سماع الدعوى وردّ الأجوبة، فعند ما جلس البردينيّ للمحاكمة مع أخي جمال الدين، نهره الأمير الكبير وأقامه وأمر بأن يكون فتح اللّه هو الذي يدّعى عليه، فلم يجد بدّا من جلوسه، فما هو إلاّ أن ادّعى عليه أخو جمال الدين بأنه وضع يده على مدرسة أخيه جمال الدين وأوقافه بغير طريق، فبادر قاضي القضاة صدر الدين عليّ بن الأدميّ الحنفيّ وحكم برفع يده وعود أوقاف جمال الدين ومدرسته إلى ما نص عليه جمال الدين، ونفذ بقية القضاة حكمه وانفضوا على ذلك، فاستولى أخو جمال الدين وصهره شرف الدين على حاصل كبير كان قد اجتمع بالمدرسة من فاضل ربعها ومن مال بعثه الملك الناصر إليها، وفرّقوه حتى كتبوا كتابا اخترعوه من عند أنفسهم جعلوه كتاب وقف المدرسة، زادوا فيه أن جمال الدين اشترط النظر على المدرسة لأخيه شمس الدين المذكور وذريته، إلى غير ذلك مما لفقوه بشهادة قوم استمالوهم فمالوا، ثم أثبتوا هذا الكتاب على قاضي القضاة صدر الدين بن الأدميّ، ونفذه بقية القضاة، فاستمرّ الأمر على هذا البهتان المختلق والإفك المفترى مدّة، ثم ثار بعض صوفية هذه المدرسة وأثبت محضرا بأن النظر لكاتب السرّ، فلما ثبت ذلك نزعت يد أخي جمال الدين عن التصرّف في المدرسة، وتولى نظرها ناصر الدين محمد بن البارزي كاتب السرّ، واستمر الأمر على هذا، فكانت قصة هذه المدرسة من أعجب ما سمه به في تناقض القضاة وحكمهم بإبطال ما صححوه، ثم حكمهم بتصحيح ما أبطلوه، كل ذلك ميلا مع الجاه وحرصا على بقاء رياستهم، ستكتب شهادتهم ويسألون.
المدرسة الصرغتمشية
هذه المدرسة خارج القاهرة بجوار جامع الأمير أبي العباس أحمد بن طولون، فيما بينه وبين قلعة الجبل، كان موضعها قديما من جملة قطائع ابن طولون، ثم صار عدّة مساكن، فأخذها الأمير سيف الدين صرغتمش الناصريّ رأس نوبة النوب وهدمها وابتدأ في بناء المدرسة يوم الخميس من شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبعمائة، وانتهت في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، وقد جاءت من أبدع المباني وأجلها وأحسنها قالبا وأبهجها منظرا، فركب الأمير صرغتمش في يوم الثلاثاء تاسعه وحضر إليه الأمير سيف الدين شيخو العمريّ مدبر الدولة، والأمير طاشتمر القاسميّ حاجب الحجاب، والأمير توقتاي الدوادار، وعامّة أمراء الدولة، وقضاة القضاة الأربعة، ومشايخ العلم، ورتب مدرّس الفقه بها قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر العميد بن العميد أمير غازي الاتقانيّ، فألقى القوام الدرس، ثم مدّ سماط جليل بالهمة الملوكية، وملئت البركة التي بها سكّرا قد أذيب بالماء،
стр. 1596
فأكل الناس وشربوا وأبيح ما بقي من ذلك للعامّة فانتهبوه، وجعل الأمير صرغتمش هذه المدرسة وقفا على الفقهاء الحنفية الآفاقية، ورتب بها درسا للحديث النبويّ، وأجرى لهم جميعا المعاليم من وقف رتّبه لهم، وقال أدباء العصر فيها شعرا كثيرا. فقال العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفيّ:
ليهنك يا صرغتمش ما بنيته … لآخراك في دنياك من حسن بنيان
به يزدهي الترخيم كالزهر بهجة … فللّه من زهر وللّه من باني
وخلع في هذا اليوم على القوام خلعة سنية وأركبه بغلة رائعة، وأجازه بعشرة آلاف درهم على أبيات مدحه بها في غاية السماجة وهي:
أرأيتم من حاز الرتبا … وأتى قربا ونفى ريبا
فبدا علما وسما كرما … وما قدما ولقد غلبا
بتقى وهدى وندا وجدا … فعدا وسدى وجبى وحبا
بدى سننا أحيى سننا … حلّى زمنا عند الأدبا
هذا صرغتمش قد سكبت … أيام إمارته السحبا
وأزال الجدب إلى خصب … والضنك إلى رغد قلبا
بإعانة جبّار ربي … ذي العرش وقد بذل النشبا
ملك فطن ركن لسن … حسن بسن ربى الأدبا
لك الكبرا ملك الأمرا … ملك العلما ملك الأدبا
بحر طام غيث هام … قد رسام حامى الغربا
ببشاشته وسماحته … وحماسته جلّى الكربا
وديانته وصيانته … وأمانته حاز الرتبا
أبهى أصلا أسنى نسلا … أعطى فضلا مأوى الغربا
نعم المأوى مصر لمّا … شملت قوما نبلا نجبا
فنمت نورا وسمت نورا … وعلت دورا وأرت طربا
نسقت دررا وسقت دررا … ودعت غررا وحوت أدبا
وخطابته افتخرت وعلت … وسمت وزرت وحوت أدبا
جدّد درسا ثم اجن جنّى … منها ومنى فمعى طلبا
من نازعني نسبي علنا
فاراب لنا نعمت نسبا
كنون أبا لحنفية ث … مّ قوام الدين بدا لقبا
عش في رحب لترى عجبا … من منتجب عجب عجبا
صرغتمش: الناصريّ الأمير سيف الدين رأس نوبة، جلبه الخواجا الصوّاف في سنة
стр. 1597
سبع وثلاثين وسبعمائة، فاشتراه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون بمائتي ألف درهم فضة، ثمنها يومئذ نحو أربعة آلاف مثقال ذهبا، وخلع على الخواجا تشريفا كاملا بحياصة ذهب، وكتب له توقيعا بمسامحة مائة ألف درهم من متجره، فلم يعبأ به السلطان، وصار في أيامه من جملة الجمدارية، وحكي عن القاضي شرف الدين عبد الوهاب ناظر الخاص أنّ السلطان أنعم على صرغتمس هذا بعشر طاقات أديم طائفيّ، فلما جاء إلى النشو تردّد إليه مرارا حتى دفعها إليه، ولم يزل خامل الذكر إلى أن كانت أيام المظفر حاجي بن محمد بن قلاون، فبعثه مسفرا مع الأمير فخر الدين إياز السلاح دار لما استقرّ في نيابة حلب، فلما عاد من حلب ترقى في الخدمة وتمكن عند المظفر وتوجه في خدمة الصالح بن محمد بن قلاون إلى دمشق في نوبة يلبغاروس، وصار السلطان يرجع إلى رأيه، فلما عاد من دمشق أمسك الوزير علم الدين عبد اللّه بن زنبور بغير أمر السلطان وأخذ أمواله، وعارض في أمره الأمير شيخو والأمير طاز، ومن حينئذ عظم ولم يزل حتى خلع السلطان الملك الصالح وأعيد الناصر حسن بن محمد بن قلاون، فلما أخرج الأمير شيخو انفرد صرغتمش بتدبير أمور المملكة وفخم قدره ونفذت كلمته، فعزل قضاة مصر والشام وغيّر النوّاب بالمماليك، والسلطان يحقد عليه إلى أن أمسكه في العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين، وقبض معه على الأمير طشتمر القاسميّ حاجب الحجاب، والأمير ملكتمر المحمديّ وجماعة وحملهم إلى الإسكندرية فسجنوا بها، وبها مات صرغتمش بعد شهرين واثني عشر يوما من سجنه في ذي الحجة سنة تسع وخمسين وسبعمائة. وكان مليح الصورة جميل الهيئة، يقرأ القرآن الكريم ويشارك في الفقه على مذهب الحنفية، ويبالغ في التعصب لمذهبه، ويقرّب العجم ويكرمهم ويجلهم إجلالا زائدا، ويشدو طرفا من النحو، وكانت أخلاقه شرسة ونفسه قوية، فإذا بحث في الفقه أو اللغة اشتط، ولما تحدّث في الأوقاف وفي البريد خاف الناس منه، فلم يكن أحد يركب خيل البريد إلاّ بمرسومه، ومنع كل من يركب البريد أن يحمل معه قماشا ودراهم على خيل البريد، واشتدّ في أمر الأوقاف فعمرت في مباشرته، ولما قبض عليه أخذ السلطان أمواله وكانت شيئا كثيرا يكلّ عنه الوصف.
ذكر المارستانات
قال الجوهريّ في الصحاح: والمارستان بيت المرضى، معرّب عن ابن السكيت، وذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب أخبار مصر: أن الملك مناقيوش بن أشمون أحد ملوك القبط الأول بأرض مصر، أوّل من عمل البيمارستانات لعلاج المرضى، وأودعها العقاقير ورتب فيها الأطباء وأجرى عليهم ما يسعهم، ومناقيوش هذا هو الذي بنى مدينة أخميم، وبنى مدينة سنتريه. وقال زاهد العلماء أبو سعيد منصور بن عيسى: أوّل من اخترع المارستان وأوجده بقراط بن أبو قليدس، وذلك أنه عمل بالقرب من داره في موضع من بستان كان له، موضعا مفردا للمرضى، وجعل فيه خدما يقومون بمداواتهم وسماه
стр. 1598
اصدولين، أي مجمع المرضى، وأوّل من بنى المارستان في الإسلام ودار المرضى الوليد بن عبد الملك، وهو أيضا أوّل من عمل دار الضيافة، وذلك في سنة ثمان وثمانين، وجعل في المارستان الأطباء وأجرى لهم الأرزاق، وأمر بحبس المجذمين لئلا يخرجوا، وأجرى عليهم، وعلى العميان الأرزاق. وقال جامع السيرة الطولونية: وقد ذكر بناء جامع ابن طولون وعمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب، فيها جميع الشرابات والأدوية، وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة.
مارستان ابن طولون
هذا المارستان موضعه الآن في أرض العسكر، وهي الكيمان والصحراء التي فيما بين جامع ابن طولون وكوم الجارح، وفيما بين قنطرة السدّ التي على الخليج ظاهر مدينة مصر، وبين السور الذي يفصل بين القرافة وبين مصر. وقد دثر هذا المارستان في جملة ما دثر ولم يبق له أثر. وقال أبو عمر الكنديّ في كتاب الأمراء: وأمر أحمد بن طولون أيضا ببناء المارستان للمرضى، فبني لهم في سنة تسع وخمسين ومائتين. وقال جامع السيرة الطولونية: وفي سنة إحدى وستين ومائتين بنى أحمد بن طولون المارستان، ولم يكن قبل ذلك بمصر مارستان، ولما فرغ منه حبس عليه دار الديوان ودوره في الأساكفة والقيسارية وسوق الرقيق، وشرط في المارستان أن لا يعالج فيه جنديّ ولا مملوك، وعمل حمّامين للمارستان، إحداهما للرجال والأخرى للنساء، حبسهما على المارستان وغيره، وشرط أنه إذا جيء بالعليل تنزع ثيابه ونفقته وتحفظ عند أمين المارستان، ثم يلبس ثيابا ويفرش له ويغدى عليه ويراح بالأدوية والأغذية والأطباء حتى يبرأ، فإذا أكل فرّوجا ورغيفا أمر بالانصراف وأعطي ماله وثيابه، وفي سنة اثنتين وستين ومائتين كان ما حبسه على المارستان والعين والمسجد في الجبل الذي يسمى بتنور فرعون، وكان الذي أنفق على المارستان ومستغله ستين ألف دينار، وكان يركب بنفسه في كل يوم جمعة ويتفقد خزائن المارستان وما فيها والأطباء، وينظر إلى المرضى وسائر الأعلاّء والمحبوسين من المجانين، فدخل مرّة حتى وقف بالمجانين، فناداه واحد منهم مغلول: أيّها الأمير اسمع كلامي، ما أنا بمجنون، وإنما عملت عليّ حيلة، وفي نفسي شهوة رمانة عريشية أكبر ما يكون، فأمر له بها من ساعته، ففرح بها وهزها في يده ورازها ثم غافل أحمد بن طولون ورمى بها في صدره، فنضحت على ثيابه، ولو تمكنت منه لأتت على صدره، فأمرهم أن يحتفظوا به، ثم لم يعاود بعد ذلك النظر في المارستان.
مارستان كافور
هذا المارستان بناه كافور الإخشيديّ، وهو قائم بتدبير دولة الأمير أبي القاسم أنوجور بن محمد الإخشيد بمدينة مصر في سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
стр. 1599
مارستان المغافر
هذا المارستان كان في خطة المغافر التي موضعها ما بين العامر من مدينة مصر وبين مصلّى خولان التي بالقرافة، بناه الفتح بن خاقان في أيام أمير المؤمنين المتوكل على اللّه، وقد باد أثره.
المارستان الكبير المنصوريّ
هذا المارستان بخط بين القصرين من القاهرة، كان قاعة ست الملك ابنة العزيز بالله نزار بن المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، ثم عرف بدار الأمير فخر الدين جهاركس بعد زوال الدولة الفاطمية، وبدار موسك، ثم عرف بالملك المفضل قطب الدين أحمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وصار يقال لها لدار القطبية، ولم تزل بيد ذريته إلى أن أخذها الملك المنصور قلاون الألفيّ الصالحيّ من مؤنسة خاتون ابنة الملك العادل المعروفة بالقطبية، وعوّضت عن ذلك قصر الزمرّد برحبة باب العيد في ثامن عشري ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمانين وستمائة، بسفارة الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ مدبر الممالك، ورسم بعمارتها مارستانا وقبة ومدرسة، فتولى الشجاعيّ أمر العمارة، وأظهر من الاهتمام والاحتفال ما لم يسمع بمثله حتى تم الغرض في أسرع مدّة، وهي أحد عشر شهرا وأيام، وكان ذرع هذه الدار عشرة آلاف وستمائة ذراع وخلفت ست الملك بها ثمانية آلاف جارية وذخائر جليلة، منها قطعة ياقوت أحمر زنتها عشرة مثاقيل، وكان الشروع في بنائها مارستانا أوّل ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
وكان سبب بنائه أنّ الملك المنصور لما توجه وهو أمير إلى غزاة الروم في أيام الظاهر بيبرس سنة خمس وسبعين وستمائة، أصابه بدمشق قولنج عظيم، فعالجه الأطباء بأدوية أخذت له من مارستان نور الدين الشهيد فبرأ، وركب حتى شاهد المارستان فأعجب به، ونذران آتاه اللّه الملك أن يبني مارستانا، فلما تسلطن أخذ في عمل ذلك فوقع الاختيار على الدار القطبية، وعوّض أهلها عنها قصر الزمرّذ، وولى الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ أمر عمارته، فأبقى القاعة على حالها وعملها مارستانا، وهي ذات إيوانات أربعة، بكلّ إيوان شاذروان، وبدور قاعتها فقية يصير إليها من الشاذروانات الماء، واتفق أن بعض الفعلة كان يحفر في أساس المدرسة المنصورية فوجد حق اشنان من نحاس، ووجد رفيقه قمقما نحاسا مختوما برصاص، فأحضرا ذلك إلى الشجاعيّ، فإذا في الحق فصوص ماس وياقوت وبلخش ولؤلؤ ناصع يدهش الأبصار، ووجد في القمقم ذهبا، كان جملة ذلك نظير ما غرم على العمارة، فحمله إلى أسعد الدين كوهيا الناصريّ العدل، فرفعه إلى السلطان. ولما نجزت العمارة وقف عليها الملك المنصور من الأسلاك بديار مصر وغيرها ما يقارب ألف
стр. 1600
ألف درهم في كلّ سنة، ورتب مصارف المارستان والقبة والمدرسة ومكتب الأيتام، ثم استدعى قدحا من شراب المارستان وشربه وقال: قد وقفت هذا على مثلي فمن دوني، وجعلته وقفا على الملك والمملوك والجنديّ والأمير والكبير والصغير والحرّ والعبد الذكور والإناث، ورتب فيه العقاقير والأطباء وسائر ما يحتاج إليه من به مرض من الأمراض، وجعل السلطان فيه فرّاشين من الرجال والنساء لخدمة المرضى، وقرّر لهم المعاليم، ونصب الأسرّة للمرضى وفرشها بجميع الفرش المحتاج إليها في المرض، وأفرد لكل طائفة من المرضى موضعا، فجعل أواوين المارستان الأربعة للمرضى بالحميات ونحوها، وأفرد قاعة للرمدى، وقاعة للجرحى، وقاعة لمن به إسهال، وقاعة للنساء، ومكانا للمبرودين ينقسم بقسمين قسم للرجال وقسم للنساء، وجعل الماء يجري في جميع هذه الأماكن، وأفرد مكانا لطبخ الطغام والأدوية والأشربة، ومكانا لتركيب المعاجين والأكحال والشيافات ونحوها، ومواضع يخزن فيها الحواصل، وجعل مكانا يفرق فيه الأشربة والأدوية، ومكانا يجلس فيه رئيس اطباء لإلقاء درس طب، ولم يحص عدّة المرضى بل جعله سبيلا لكل من يرد عليه من غنيّ وفقير، ولا حدّد مدّة لإقامة المريض به، بل يرتب منه لمن هو مريض بداره سائر ما يحتاج إليه، ووكل الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحيّ أمير جندار في وقف ما عينه من المواضع، وترتيب أرباب الوظائف وغيرهم، وجعل النظر لنفسه أيام حياته، ثم من بعده لأولاده، ثم من بعدهم لحاكم المسلمين الشافعيّ، فضمن وقفه كتابا تاريخه يوم الثلاثاء ثالث عشري صفر سنة ثمانين وستمائة، ولما قرئ عليه كتاب الوقف قال للشجاعيّ: ما رأيت خط الأسعد كاتبي مع خطوط القضاة، أبصر إيش فيه زغل حتى ما كتب عليه، فما زال يقرّب لذهنه أن هذا مما لا يكتب عليه إلاّ قضاة الإسلام حتى فهم ذلك، فبلغ مصروف الشراب منه في كل يوم خمسمائة رطل سوى السكّر، ورتب فيه عدّة ما بين أمين ومباشر، وجعل مباشرين للإدارة، وهم الذين يضبطون ما يشترى من أوصناف، وما يحضر منها إلى المارستان، ومباشرين لاستخراج مال الوقف، ومباشرين في المطبخ، ومباشرين في عمارة الأوقاف التي تتعلق به، وقرّر في القبة خمسين مقرئا يتناوبون قراءة القرآن ليلا ونهارا، ورتب بها إماما راتبا، وجعل بها رئيسا للمؤذنين عند ما يؤذنون فوق منارة ليس في إقليم مصر أجلّ منها، ورتب بهذه القبة درسا لتفسير القرآن فيه مدرّس ومعيدان وثلاثون طالبا، ودرس حديث نبويّ، وجعل بها خزانة كتب وستة خدّام طواشية لا يزالون بها، ورتب بالمدرسة إماما راتبا ومتصدّرا لإقراء القرآن، ودروسا أربعة للفقه على المذاهب الأربعة، ورتب بمكتب السبيل معلمين يقرءان الأيتام، ورتب للأيتام رطلين من الخبز في كلّ يوم لكلّ يتيم، مع كسوة الشتاء والصيف.
فلما ولي الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك نظر المارستان، أنشأ به قاعة للمرضى، ونحت الحجارة المبنيّ بها الجدر كلها حتى صارت كأنها جديدة، وجدّد تذهيب
стр. 1601
الطراز بظاهر المدرسة والقبة، وعمل خمية تظل الأقفاص طولها مائة ذراع، قام بذلك من ماله دون مال الوقف، ونقل أيضا حوض ماء كان برسم شرب البهائم من جانب باب المارستان وأبطله لتاذي الناس بنتن رائحة ما يجتمع قدّامه من الأوساخ، وأنشأ سبيل ماء يشرب منه الناس عوض الحوض المذكور، وقد تورّع طائفة من أهل الديانة عن الصلاة في المدرسة المنصورية والقبة، وعابوا المارستان لكثرة عسف الناس في عمله، وذلك أنه لما وقع اختيار السلطان على عمل الدار القطبية مارستانا ندب الطواشي حسام الدين بلالا المغيثيّ للكلام في شرائها، فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها على أن تعوّض عنها بدار تلمها وعيالها، فعوّضت قصر الزمرّذ برحبة باب العيد مع مبلغ مال حمل إليها، ووقع البيع على هذا، فندب السلطان الأمير سنجر الشجاعيّ للعمارة، فأخرج النساء من القطبية من غير مهلة، وأخذ ثلاثمائة أسير وجمع صناع القاهرة ومصر وتقدّم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدار القطبية، ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلا، وشدّد عليهم في ذلك، وكان مهابا، فلازموا العمل عنده، ونقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد الصوّان والعمد الرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك، وصار يركب إليها كلّ يوم وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان، ويعود إلى المارستان فيقف مع الصناع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم، وأوقف مماليكه بين القصرين، فكان إذا مرّ أحد ولو جلّ ألزموه أن يرفع حجرا ويلقيه في موضع العمارة، فينزل الجنديّ والرئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك، فترك أكثر الناس المرور من هناك، ورتبوا بعد الفراغ من العمارة، وترتيب الوقف فتيا صورتها ما يقول أئمة الدين في موضع أخرج أهله منه كرها، وعمر بمستحثين يعسفون الصناع، وأخرب ما عمره الغير ونقل إليه ما كان فيه فعمر به، هل تجوز الصلاة فيه أم لا، فكتب جماعة من الفقهاء لا تجوز فيه الصلاة، فما زال المجد عيسى بن الخشاب حتى أوقف الشجاعيّ على ذلك، فشق عليه، وجمع القضاة ومشايخ العلم بالمدرسة المنصورية وأعلمهم بالفتيا فلم يجبه أحد منهم بشيء سوى الشيخ محمد المرجانيّ فإنه قال: أنا أفتيت بمنع الصلاة فيها، وأقول الآن أنه يكره الدخول من بابها، ونهض قائما فانفض الناس. واتفق أيضا أن الشجاعيّ ما زال بالشيخ محمد المرجانيّ، يلح في سؤاله أن يعمل ميعاد وعظ بالمدرسة المنصورية حتى أجاب بعد تمنع شديد، فحضر الشجاعيّ والقضاة، وأخذ المرجانيّ في ذكر ولاة الأمور من الملوك والأمراء والقضاة، وذمّ من يأخذ الأراضي غصبا، ويستحث العمال في عمائره وينقص من أجورهم وختم بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ اَلظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُولِ سَبِيلاً * يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان/ ٢٧] وقام، فسأله الشجاعيّ الدعاء له فقال: يا علم الدين قد دعا لك ودعا عليك من هو خير مني، وذكر قول النبيّ ﷺ : «اللهمّ من ولى من أمر أمّتي
стр. 1602
شيئا فرفق بهم فارفق به ومن شق عليهم فاشقق عليه» وانصرف. فصار الشجاعيّ: من ذلك في قلق، وطلب الشيخ تقيّ الدين محمد بن دقيق العيد وكان له فيه اعتقاد حسن وفاوضه في حديث الناس في منع الصلاة في المدرسة، وذكر له أن السلطان إنما أراد محاكاة نور الدين الشهيد والاقتداء به لرغبته في عمل الخير، فوقع الناس في القدح فيه، ولم يقدحوا في نور الدين. فقال له: إن نور الدين أسر بعض ملوك الفرنج وقصد قتله، ففدى نفسه بتسليم خمسة قلاع وخمسمائة ألف دينار حتى أطلقه، فمات في طريقه قبل وصوله مملكته، وعمر نور الدين بذلك المال مارستانه بدمشق من غير مستحث، فمن أين يا علم الدين تجد مالا مثل هذا المال وسلطانا مثل نور الدين، غير أن السلطان له نيته، وأرجو له الخير بعمارة هذا الموضع، وأنت إن كان وقوفك في عمله بنية نفع الناس فلك الأجر، وإن كان لأجل أن يعلم أستاذك علوّ همتك فما حصلت على شيء. فقال الشجاعيّ: اللّه المطلع على النيات، وقرّر ابن دقيق العيد في تدريس القبة.
قال مؤلفه: إن كان التحرّج من الصلاة لأجل أخذ الدار القطبية من أهلها بغير رضاهم وإخراجهم منها بعسف واستعمال أنقاض القلعة بالروضة، فلعمري ما تملك بني أيوب الدار القطبية وبناؤهم قلعة الروضة وإخراجهم أهل القصور من قصورهم التي كانت بالقاهرة وإخراج سكان الروضة من مساكنهم، إلاّ كأخذ قلاون الدار المذكورة وبنائها بما هدمه من القلعة المذكورة وإخراج مؤنسة وعيالها من الدار القطبية، وأنت إن أمعنت النظر وعرفت ما جرى تبين لك أن ما القوم إلاّ سارق من سارق، وغاصب من غاصب، وإن كان التحرّج من الصلاة لأجل عسف العمال وتسخير الرجال، فشيء آخر بالله عرّفني، فإني غير عارف من منهم لم يسلك في أعماله هذا السبيل، غير أن بعضهم أظلم من بعض، وقد مدح غير واحد من الشعراء هذه العمارة، منهم شرف الدين البوصيريّ فقال:
ومدرسة ود الخورنق أنّه … لديها خطير والسدير غدير
مدينة علم والمدارس حولها … قرى أو نجوم بدر هنّ منير
تبدّت فأخفى الظاهرية نورها … وليس يظهر للنجوم ظهور
بناء كأنّ النحل هندس شكله … ولانت له كالشمع فيه صخور
بناها سعيد في بقاع سعيدة … بها سعدت قبل المدارس نور
ومن حيثما وجّهت وجهك نحوها … تلقّتك منها نضرة وسرور
إذا قام يدعو اللّه فيها مؤذن … فما هو إلاّ للنجوم سمير
المارستان المؤيدي
هذا المارستان فوق الصوّة تجاه طبلخاناه قلعة الجبل، حيث كانت مدرسة الأشرف
стр. 1603
شعبان بن حسين التي هدمها الناصر فرج بن برقوق، وبابه هو حيث كان باب المدرسة، إلاّ أنه ضيق عما كان، أنشأه المؤيد شيخ في مدّة أوّلها جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وآخرها رجب سنة ثلاث وعشرين، ونزل فيه المرضى في نصف شعبان، وعملت مصارفه من جملة أوقاف الجامع المؤيديّ المجاور لباب زويلة، فلما مات الملك المؤيد في ثامن المحرّم سنة أربع وعشرين تعطل قليلا، ثم سكنه طائفة من العجم المستجدّين في ربيع الأوّل منها، وصار منزلا للرسل الواردين من البلاد إلى السلطان، ثم عمل فيه منبر ورتب له خطيب وإمام ومؤذنون وبوّاب وقومة، وأقيمت به الجمعة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة، فاستمرّ جامعا تصرف معاليم أرباب وظائفه المذكورين من وقف الجامع المؤيدي.
ذكر المساجد
قال ابن سيده: المسجد الموضع الذي يسجد فيه. وقال الزجاج: كلّ موضع يتعبد فيه فهو مسجد، ألا ترى أن النبيّ ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» وقوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اَللّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ﴾ [البقرة/ ١١٤] المعنى على هذا المذهب أنه من أظلم ممن خالف قبلة الإسلام، وقد كان حكمه أن لا يجيء على مفعل، لأن حق اسم المكان والمصدر من فعل يفعل أن يجيء على مفعل، ولكنه أحد الحروف التي شذت فجاءت على مفعل. قال سيبويه: وأما المسجد فإنهم جعلوه اسما للبيت، ولم يأت على فعل يفعل، كما قال في المدق: أنه اسم للجود، يعني أنه ليس على الفعل، ولو كان على الفعل لقيل مدق لأنه آلة والآلات تجئ على مفعل كمخزن ومكنس ومكسح، والمسجدة الجمرة المسجود عليها، وقوله تعالى وإن المساجد للّه، قيل هي مواضع السجود من الإنسان، الجبهة واليدان والركبتان والرجلان. وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ في كتاب النقط على الخطط عن القاضي أبي عبد اللّه القضاعيّ: أنه كان في مصر الفسطاط من المساجد ستة وثلاثون ألف مسجد. وقال المسبحيّ في حوادث سنة ثلاث وأربعمائة: وأحصى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه المساجد التي لا غلة لها فكانت ثمانمائة مسجد، فأطلق لها في كلّ شهر من بيت المال تسعة آلاف ومائتين وعشرين درهما، وفي سنة خمس وأربعمائة حبس الحاكم بأمر اللّه سبع ضياع منها، اطفيح وطوخ على القرّاء.
والمؤذنين بالجوامع، وعلى ملء المصانع والمارستان، وفي ثمن الأكفان. وذكر ابن المتوّج أن عدّة المساجد بمصر في زمنه أربعمائة وثمانون مسجدا ذكرها.
стр. 1604
المسجد بجوار دير البعل
قد تقدّم (١) في أخبار الكنائس والديارات من هذا الكتاب خبر دير البعل، وأنه يعرف بدير الفطير، ولما كان في سنة خمس وسبعين وستمائة خرج جماعة من المسلمين إلى دير البعل فرأوا آثار محاريب بجوار الدير فعرّفوا الصاحب بهاء الدين بن حنا ذلك، فسير المهندسين لكشف ما ذكر، فعادوا إليه وأخبروه أنه آثار مسجد، فشاور الملك الظاهر بيبرس وعمره مسجدا بجانب الدير، وهو عامر إلى الآن، وبتّ به وهو من أحسن مشترقات مصر، وله وقف جيد ومرتب يقوم به نصارى الدير.
مسجد ابن الجباس
هذا المسجد خارج باب زويلة بالقرب من مصلّى الأموات دون باب اليانسية، عرف بالشيخ أبي عبد اللّه محمد بن عليّ بن أحمد بن محمد بن جوشن المعروف بابن الجباس بجيم وباء موحدة بعدها ألف وسين مهملة - القرشيّ العقيليّ الفقيه الشافعيّ المقرئ، كان فاضلا صالحا زاهدا عابدا مقرئا، كتب بخطه كثيرا وسمع الحديث النبويّ، ومولده يوم السبت سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ووفاته … (٢)
مسجد ابن البناء
هذا المسجد داخل باب زويلة، وتسميه العوامّ سام بن نوح النبيّ ﵇، وهو من مختلفاتهم التي لا أصل لها، وإنما يعرف بمسجد ابن البناء، وسام بن نوح لعله لم يدخل أرض مصر البتة، فإن اللّه لما نجّى نبيه نوحا من الطوفان خرج معه من السفينة أولاده الثلاثة، وهم سام وحام ويافث، ومن هذه الثلاثة ذرأ اللّه سائر بني آدم كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْباقِينَ﴾ [الصافات/ ٧٧] فقسم نوح الأرض بين أولاده الثلاثة، فصار لسام بن نوح العراق وفارس إلى الهند ثم إلى حضر موت وعمان والبحرين وعالج ويبرين والدوووبار والدهناء وسائر أرض اليمن والحجاز، ومن نسله الفرس والسريانيون والعبرانيون والعرب والنبط والعماليق. وصار لحام بن نوح الجنوب مما يلي أرض مصر مغرّبا إلى المغرب الأقصى، ومن نسله الحبشة والزنج والقبط سكان مصر وأهل النوبة والأفارقة أهل إفريقية وأجناس البربر، وصار ليافث بن نوح بحر الخرز مشرّقا إلى الصين، ومن نسله الصقالبة والفرنج والروم والغوط وأهل الصين واليونانيون والترك.
стр. 1605
وقد بلغني أن هذا المسجد كان كنيسة لليهود القرّايين تعرف بسام بن نوح، وأن الحاكم بأمر اللّه أخذ هذه الكنيسة لما هدم الكنائس وجعلها مسجدا، وتزعم اليهود القرّايون الآن بمصر أن سام بن نوح مدفون هنا، وهم إلى الآن يحلفون من أسلم منهم بهذا المسجد.
أخبرني به قاضي اليهود إبراهيم بن فرج اللّه بن عبد الكافي الداوديّ العانانيّ، وليس هذا بأوّل شيء اختلقته العامّة.
وابن البناء: هذا هو محمد بن عمر بن أحمد بن جامع بن البناء أبو عبد اللّه الشافعيّ المقرئ، سمع من القاضي مجلي، وأبي عبد اللّه الكيزانيّ وغيره، وحدّث وأقرأ القرآن، وانتفع به جماعة. وهو منقطع بهذا المسجد، وكان يعرف خطه بخط بين البابين، ثم عرف بخط الأقفاليين، ثم هو الآن يعرف بخط الضبيين وباب القوس. ومات ابن البناء هذا في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، واتفق لي عند هذا المسجد أمر عجيب، وهو أني مررت من هناك يوما أعوام بضع وثمانين وسبعمائة، والقاهرة يومئذ لا يمرّ الإنسان بشارعها حتى يلقى عناء من شدّة ازدحام الناس لكثرة مرورهم ركبانا ومشاة، فعند ما حاذيت أوّل هذا المسجد إذا برجل يمشي أمامي وهو يقول لرفيقه: واللّه يا أخي ما مررت بهذا المكان قط إلاّ وانقطع نعلي، فو اللّه ما فرغ من كلامه حتى وطئ شخص من كثرة الزحام على مؤخر نعله وقد مدّ رجله ليخطو فانقطع تجاه باب المسجد، فكان هذا من عجائب الأمور وغرائب الاتفاق.
مسجد الحلبيين
هذا المسجد فيما بين باب الزهومة ودرب شمس الدولة، على يسرة من سلك من حمّام خشيبة طالبا البندقانيين. بني على المكان الذي قتل فيه الخليفة الظاهر نصر بن عباس الوزير ودفنه تحت الأرض، فلما قدم طلائع بن رزيك من الأشمونين إلى القاهرة باستدعاء أهل القصر له ليأخذ بثار الخليفة، وغلب على الوزارة، استخرج الظافر من هذا الموضع ونقله إلى تربة الصر وبنى موضعه هذا المسجد وسماه المشهد، وعمل له بابين أحدهما هذا الباب الموجود، والباب الثاني كان يتوصل منه إلى دار المأمون البطائحيّ التي هي اليوم مدرسة تعرف بالسيوفية. وقد سدّ هذا الباب، وما برح هذا المسجد يعرف بالمشهد إلى أن انقطع فيه محمد بن أبي الفضل بن سلطان بن عمار بن تمام أبو عبد اللّه الحلبيّ الجعبريّ المعروف بالخطيب، وكان صالحا كثير العبادة زاهدا منقطعا عن الناس، ورعا وسمع الحديث وحدّث، وكان مولده في شهر رجب سنة أربع وعشرين وستمائة بقلعة جعبر، ووفاته بهذا المسجد، وقد طالت إقامته فيه يوم الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، ودفن بمقابر باب النصر ﵀، وهذا المسجد من أحسن مساجد القاهرة وأبهجها.
стр. 1606
مسجد الكافوريّ
هذا المسجد كان في البستان الكافوريّ من القاهرة بناه الوزير المأمون أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ، في سنة ست عشرة وخمسمائة، وتولى عمارته وكيله أبو البركات محمد بن عثمان، وكتب اسمه عليه، وهو باق إلى اليوم بخط الكافوريّ، ويعرف هناك بمسجد الخلفاء، وفيه نخل وشجر وهو مرخم برخام حسن.
مسجد رشيد
هذا المسجد خارج باب زويلة بخط تحت الربع على يسرة من سلك من دار التفاح يريد قنطرة الخرق، بناه رشيد الدين البهائيّ.
المسجد المعروف بزرع النوى
هذا المسجد خارج باب زويلة بخط سوق الطيور، على يسرة من سلك من رأس المنجبية طالبا جامع قوصون والصليبة، وتزعم العامّة أنه بني على قبر رجل يعرف بزرع النوى، وهو من أصحاب رسول اللّه ﷺ . وهذا أيضا من افتراء العامّة الكذب، فإن الذين أفردوا أسماء الصحابة ﵃ كالإمام أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاريّ في تاريخه الكبير، وابن أبي خيثمة، والحافظ أبي عبد اللّه بن منذر، والحافظ أبي نعيم الأصفهانيّ، والحافظ أبي عمر بن عبد البرّ، والفقيه الحافظ أبي محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم، لم يذكر أحد منهم صحابيا يعرف بزرع النوى. وقد ذكر في أخبار القرافة من هذا الكتاب من قبر بمصر من الصحابة، وذكر في أخبار مدينة فسطاط مصر أيضا من دخل مصر من الصحابة، وليس هذا منهم، وهذا إن كان هناك قبر فهو لأمين الأمناء أبي عبد اللّه الحسين بن طاهر الوزان، وكان من أمره أن الخليفة الحاكم بأمر اللّه أبا عليّ منصور بن العزيز بالله خلع عليه للوساطة بينه وبين الناس، والتوقيع عن الحضرة في شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعمائة، وكان قبل ذلك يتولى بيت المال فاستخدم فيه أخاه أبا الفتح مسعودا، وكان قد ظفر بمال يكون عشرات وصياغات وأمتعة وطرائف وفرش وغير ذلك في عدّة آدر بمصر، وجميعه مما خلفه قائد القوّاد الحسين بن جوهر القائد، فباع المتاع وأضاف ثمنه إلى العين، فحصل منه مال كثير، وطالع الحاكم بأمر اللّه به أجمع لورثة قائد القوّاد، ولم يتعرّض منه لشيء، وكثرت صلات الحاكم وعطاؤه وتوقيعاته، فانطلق في ذلك فاتصل به عن أمين الأمناء بعض التوقف، فخرجت إليه رقعة بخطه في الثامن والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وأربعمائة نسختها، بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه كما هو أهله:
أصبحت لا أرجو ولا أتقي … إلاّ إلهي وله الفضل
стр. 1607
جدّي نبيّ وإمامي أبي … وديني الإخلاص والعدل
ما عندكم ينفد وما عند اللّه باق، المال مال اللّه ، والخلق عيال اللّه، ونحن أمناؤه في الأرض، أطلق أزراق الناس ولا تقطعها والسلام. ولم يزل على ذلك إلى أن بطل أمره في جمادى الآخرة من سنة خمس وأربعمائة، وذلك أنه ركب مع الحاكم على عادته، فلما حصل بحارة كتامة خارج القاهرة ضرب رقبته هناك ودفن في هذا الموضع تخمينا، واستحضر الحاكم جماعة الكتّاب بعد قتله وسأل رؤساء الدواوين عما يتولاه كل واحد منهم، وأمرهم بلزوم دواوينهم وتوفرهم على الخدمة، وكانت مدّة نظر ابن الوزان في الوساطة والتوقيع عن الحضرة، وهي رتبة الوزارة، سنتين وشهرين وعشرين يوما، وكان توقيعه عن الحضرة الإمامية الحمد للّه وعليه توكلي.
مسجد الذخيرة
هذا المسجد تحت قلعة الجبل بأوّل الرميلة تجاه شبابيك مدرسة السلطان حسن بن محمد بن قلاون التي تلي بابها الكبير الذي سدّه الملك الظاهر برقوق، أنشأه ذخيرة الملك جعفر متولي الشرطة. قال ابن المأمون في تاريخه: في هذه السنة، يعني سنة ست عشرة وخمسمائة، استخدم ذخيرة الملك جعفر في ولاية القاهرة والحسبة بسجل أنشأه ابن الصيرفيّ، وجرى من عسفه وظلمه ما هو مشهور، وبنى المسجد الذي ما بين الباب الجديد إلى الجبل الذي هو به معروف، وسمّي مسجد لا بالله، بحكم أنه كان يقبض الناس من الطريق ويعسفهم، فيحلفونه ويقولون له لا بالله، فيقيدهم ويستعملهم فيه بغير أجرة، ولم يعمل فيه منذ أنشأه إلاّ صانع مكره، أو فاعل مقيد، وكتبت عليه هذه الأبيات المشهورة:
بنى مسجدا للّه من غير حله … وكانّ بحمد اللّه غير موفق
كمطعمة الأيتام من كدّ فرجها … لك الويل لا تزني ولا تتصدّقي
وكان قد أبدع في عذاب الجناة وأهل الفساد، وخرج عن حكم الكتّاب فابتلى بالأمراض الخارجة عن المعتاد، ومات بعد ما عجل اللّه له ما قدّمه، وتجنب الناس تشييعه والصلاة عليه، وذكر عنه في حالتي غسله وحلوله بقبره ما يعيذ اللّه كلّ مسلم من مثله. وقال ابن عبد الظاهر: مسجد الذخيرة تحت قلعة الجبل، وذكر ما تقدّم عن ابن المأمون.
مسجد رسلان
هذا المسجد بحارة اليانسية، عرف بالشيخ الصالح رسلان لإقامته به، وقد حكيت عنه كرامات، ومات به في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وكان يتقوّت من أجرة خياطته للثياب، وابنه عبد الرحمن بن محمد بن رسلان أبو القاسم كان فقيها محدّثا مقرئا، مات في سنة سبع وعشرين وستمائة.
стр. 1608
مسجد ابن الشيخيّ
هذا المسجد بخط الكافوريّ مما يلي باب القنطرة وجهة الخليج مجاور لدار ابن الشيخي، أنشأه المهتار ناصر الدين محمد بن علاء الدين عليّ الشيخيّ مهتار السلطان بالإصطبلات السلطانية، وقرّر فيه شيخنا تقيّ الدين محمد بن حاتم، فكان يعمل فيه ميعادا يجتمع الناس فيه لسماع وعظه، وكان ابن الشيخي هذا حشما فخورا خيّرا يحب أهل العلم والصلاح، ويكرمهم. ولم نر بعده في رتبته مثله، ومات ليلة الثلاثاء أوّل يوم من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة.
مسجد يانس
هذا المسجد كان تجاه باب سعادة خارج القاهرة. قال ابن المأمون في تاريخه: وكان الأجلّ المأمون يعني الوزير محمد بن فاتك البطائحيّ، قد ضم إليه عدّة من مماليك الأفضل بن أمير الجيوش، من جملتهم يانس، وجعله مقدّما على صبيان جلسه، وسلّم إليه بيت ماله، وميزه في رسومه. فلما رأى المذكور في ليلة النصف من شهر رجب، يعني سنة ست عشرة وخمسمائة، ما عمل في المسجد المستجدّ قبالة باب الخوخة من الهمة ووفور الصدقات وملازمة الصلوات، وما حصل فيه من المثوبات، كتب رقعة يسأل فيها أن يفسح له في بناء مسجد بظاهر باب سعادة، فلم يجبه المأمون إلى ذلك وقال له: ما ثم مانع من عمارة المساجد، وأرض اللّه واسعة، وإنما هذا الساحل فيه معونة للمسلمين وموردة للسقائين، وهو مرسى مراكب الغلة، والمضرّة في مضايقة المسلمين فيه منه، ولو لم يكن المسجد المستجدّ قبالة باب الخوخة محرسا لما استجدّ، حتى إنّا لم نخرج بساحته الأولى، فإن أردت أن تبني قبليّ مسجد الريفي أو على شاطيء الخليج فالطريق ثم سهلة. فقبّل الأرض وامتثل الأمر، فلما قبض على المأمون وأمّرّ الخليفة يانس المذكور ولم يزل ينقله إلى أن استخدمه في حجبة بابه، سأله في مثل ذلك فلم يجبه، إلى أن أخذ الوزارة فبناه في المكان المذكور. وكانت مدّته يسيرة، فتوفي قبل إتمامه وإكماله، فكمله أولاده بعد وفاته.
انتهى. وقد تقدّم خبر وزارة أبي الفتح ناظر الجيوش يانس الأرمنيّ هذا عند ذكر الحارة اليانسية من هذا الكتاب.
مسجد باب الخوخة
هذا المسجد تجاه باب الخوخة بجوار مدرسة أبي غالب. قال ابن المأمون في تاريخه من حوادث سنة ست عشرة وخمسمائة: ولما سكن المأمون الأجلّ دار الذهب وما معها، يعني في أيام النيل للنزهة عند سكن الخليفة الآمر بأحكام اللّه بقصر اللؤلؤة المطل على الخليج، رأى قبالة باب الخوخة محرسا، فاستدعى وكيله وأمره بأن يزيل المحرس المذكور
стр. 1609
ويبني موضعه مسجدا، وكان الصناع يعملون فيه ليلا ونهارا، حتى أنه تفطر بعد ذلك واحتيج إلى تجديده.
المسجد المعروف بمعبد موسى
هذا المسجد بخط الركن المخلق من القاهرة تجاه باب الجامع الأقمر المجاور لحوض السبيل، وعلى يمنة من سلك من بين القصرين طالبا حبة باب العيد. أوّل من اختطه القائد جوهر عندما وضع القاهرة. قال ابن عبد الظاهر: ولما بنى القائد جوهر القصر دخل فيه دير العظام، وهو المكان المعروف الآن بالركن المخلق، قبالة حوض الجامع الأقمر، وقريب دير العظام، والمصريون يقولون بئر العظمة، فكره أن يكون في القصر دير فنقل العظام التي كانت به والرّمم إلى دير بناه في الخندق، لأنه كان يقال إنها كانت عظام جماعة من الحواريين، وبنى مكانها مسجدا من داخل السور، يعني سور القصر. وقال جامع سيرة الظاهر بيبرس: وفي ذي الحجة سنة ستين وستمائة ظهر بالمسجد الذي بالركن المخلق من القاهرة حجر مكتوب عليه. هذا معبد موسى بن عمران ﵇، فجدّدت عمارته وصار يعرف بمعبد موسى من حينئذ، ووقف عليه ربع بجانبه، وهو باق إلى وقتنا هذا.
مسجد نجم الدين
هذا المسجد ظاهر باب النصر، أنشأه الملك الأفضل نجم الدين أبو سعيد أيوب بن شادي يعقوب بن مروان الكرديّ، والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وجعل إلى جانبه حوض ماء للسبيل ترده الدواب في سنة ست وستين وخمسمائة، ونجم الدين هذا قدم هو وأخوه أسد الدين شيركوه من بلاد الأكراد إلى بغداد، وخدم بها وترقى في الخدم حتى صار دزدارا بقلعة تكريت ومعه أخوه، ثم إنه انتقل عنها إلى خدمة الملك المنصور عماد الدين أتابك زنكي بالموصل، فخدمه حتى مات، فتعلق بخدمة ابنه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي فرقّاه وأعطاه بعلبك، وحج من دمشق سنة خمس وخمسمائة، فلما قدم ابنه صلاح الدين يوسف بن أيوب معه عمه أسد الدين شيركوه من عند نور الدين محمود إلى القاهرة، وصار إلى وزارة العاضد بعد موت شيركوه، قدم عليه أبوه نجم الدين في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وخمسمائة، وخرج العاضد إلى لقائه وأنزله بمناظر اللؤلؤة، فلما استبدّ صلاح الدين بسلطنة مصر بعد موت الخليفة العاضد أقطع أباه نجم الدين الإسكندرية البحيرة إلى أن مات بالقاهرة، في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من ذي الحجة، سنة ثمان وستين وخمسمائة، وقيل في ثامن عشرة من سقطة عن ظهر فرسه خارج باب النصر، فحمل إلى داره فمات بعد أيام، وكان خيّرا جوادا متدينا محبا لأهل العلم والخير، وما مات حتى رأى
стр. 1610
من أولاده عدّة ملوك، وصار يقال له أبو الملوك، ومدحه العماد الأصبهانيّ بعدّة قصائد، ورثاه الفقيه عمارة بقصيدته التي أوّلها:
هي الصدمة الأولى فمن بان صبره … على هول ملقاه تعاظم أمره
مسجد صواب
هذا المسجد خارج القاهرة بخط الصليبة، عرف بالطواشي شمس الدين صواب مقدّم المماليك السلطانية، ومات في ثامن رجب سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ودفن به وكان خيرا دينا فيه صلاح.
المسجد بجوار المشهد الحسينيّ
هذا المسجد أنهيّ في مستهل شهر رجب سنة اثنتين وستين وستمائة، للملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وهو بدار العدل، أن مسجدا على باب مشهد السيد الحسين ﵇، وإلى جانبه مكان من حقوق القصر بيع وحمل ثمنه للديوان، وهو ستة آلاف درهم، فسأل السلطان عن صورة المسجد وهذا الموضع، وهل كل منهما بمفرده أو عليهما حائط دائر، فقيل له إن بينهما زرب قصب، فأمر بردّ المبلغ وأبقى الجميع مسجدا، وأمر بعمارة ذلك مسجدا للّه تعالى.
مسجد الفجل
هذا المسجد بخط بين القصرين تجاه بيت البيسريّ، أصله من مساجد الخلفاء الفاطميين، أنشأه على ما هو عليه الآن الأمير بشتاك أخذ قصر أمير سلاح، ودار أقطوان الساقي، وأحد عشر مسجدا، وأربعة معابد كانت من عمارة الخلفاء وأدخلها في عمارته التي تعرف اليوم بقصر بشتاك، ولم يترك من المساجد والمعابد سوى هذا المسجد فقط، ويجلس فيه بعض نوّاب القضاة المالكية للحكم بين الناس، وتسميه العامّة مسجد الفجل، وتزعم أن النيل الأعظم كان يمرّ بهذا المكان، وأن الفجل كان يغسل موضع هذا المسجد فعرف بذلك، وهذا القول كذب لا أصل له، وقد تقدّم في هذا الكتاب ما كان عليه موضع القاهرة قبل بنائها، وما علمت أن النيل كان يمرّ هناك أبدا، وبلغني أنه عرف بمسجد الفجل من أجل أن الذي كان يقوم به كان يعرف بالفجل، واللّه أعلم.
مسجد تبر
هذا المسجد خارج القاهرة مما يلي الخندق، عرف قديما بالبئر، والجميزة، وعرف بمسجد تبر، وتسميه العامّة مسجد التبن وهو خطأ، وموضعه خارج القاهرة قريبا من
стр. 1611
المطرية. قال القضاعيّ: مسجد تبر بني على رأس إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁، أنفذه المنصور فسرقه أهل مصر ودفنوه هناك، وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة، ويعرف بمسجد البئر والجميزة. وقال الكنديّ في كتاب الأمراء: ثم قدمت الخطباء إلى مصر برأس إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة، لينصبوه في المسجد الجامع، وقامت الخطباء فذكروا أمره.
وتبر هذا أحد الأمراء الأكابر في أيام الأستاذ كافور الإخشيديّ، فلما قدم جوهر القائد من المغرب بالعساكر ثار تبر الإخشيديّ هذا في جماعة من الكافورية والإخشيدية وحاربه، فانهزم بمن معه إلى أسفل الأرض، فبعث جوهر يستعطفه فلم يجب وأقام على الخلاف، فسير إليه عسكرا حاربه بناحية صهرجت فانكسر وصار إلى مدينة صور التي كانت على الساحل في البحر، فقبض عليه بها وأدخل إلى القاهرة على فيل، فسجن إلى صفر سنة ستين وثلاثمائة، فاشتدّت المطالبة عليه، وضرب بالسياط وقبضت أمواله، وحبس عدّة من أصحابه بالمطبق في القيود إلى ربيع الآخر منها، فجرح نفسه وأقام أياما مريضا ومات، فسلخ بعد موته وصلب عند كرسي الجبل. وقال ابن عبد الظاهر أنه حشي جلدة تبنا وصلب، فربما سمت العامّة مسجده بذلك لما ذكرناه، وقيل أن تبرا هذا خادم الدولة المصرية، وقبره بالمسجد المذكور. قال مؤلفه: هذا وهم وإنما هو تبر الإخشيديّ.
مسجد القطبية
هذا المسجد كان حيث المدرسة المنصورية بين القصرين واللّه أعلم.
ذكر الخوانك
الخوانك جمع خانكاه، وهي كلمة فارسية معناها بيت، وقيل أصلها خونقاه، أي الموضع الذي يأكل فيه الملك. والخوانك حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة من سني الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية فيها لعبادة اللّه تعالى. قال الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ ﵀: اعلموا أن المسلمين بعد رسول اللّه ﷺ لم يتسمّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة رسول اللّه ﷺ ، إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم الصحابة، ولما أدرك أهل العصر الثاني، سميّ من صحب الصحابة التابعين، ورأوا ذلك أشرف سمة. ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص خواص الناس ممن لهم شدّة عناية بأمر الدين الزهّاد والعبّاد، ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق، فكلّ فريق ادّعوا أنّ فيهم زهادا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع اللّه الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوّف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.
стр. 1612
قال: وهذه التسمية غلبت على هذه الطائفة، فيقال رجل صوفيّ، وللجماعة الصوفية، ومن يتوصل إلى ذلك يقال له متصوّف، وللجماعة المتصوّفة، وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، واو ظهر فيه أنه كاللّقب، فأمّا قول من قال أنه من الصوف، وتصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص، فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. ومن قال: إنهم ينسبون إلى صفة مسجد رسول اللّه ﷺ ، فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفيّ. ومن قال إنه من الصفاء، فاشتقاق الصوفيّ من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة، وقول من قال أنه مشتق من الصف، فكأنهم في الصف الأوّل بقلوبهم من حيث المحاضرة مع اللّه تعالى، فالمعنى صحيح، لكنّ اللغة لا تقتضي هذه النسبة من الصف، ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق، واللّه أعلم. وقال الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهرورديّ ﵀: والصوفيّ يضع الأشياء في مواضعها، ويدبر الأوقات والأحوال كلها بالعلم، يقيم الخلق مقامهم، ويقيم أمر الحق مقامه، ويستر ما ينبغي أن يستر، ويظهر ما ينبغي أن يظهر، ويأتي بالأمور من مواضعها بحضور عقل وصحة توحيد وكمال معرفة ورعاية صدق وإخلاص، فقوم من المفتونين لبسوا ألبسة الصوفية لينسبوا إليهم وما هم منهم بشيء، بل هم في غرور وغلط، يتسترون بلبسة الصوفية توقيا تارة ودعوة أخرى، وينتهجون مناهج أهل الإباحة ويزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى اللّه تعالى، وأن هذا هو الظفر بالمراد والارتسام بمراسم الشريعة، رتبة العوام والقاصرين الإفهام، وهذا هو عين الإلحاد والزندقة والإبعاد، وللّه در القائل:
تنازع الناس في الصوفيّ واختلفوا … فيه وظنوه مشتقا من الصوف
ولست انحل هذا الاسم غير فتى … صافي وصوفي حتى سميّ الصوفي
قال مؤلفه: ذهب واللّه ما هنالك وصارت الصوفية. كما قال الشيخ فتح الدين محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري:
ما شروط الصوفي في عصرنا اليو … م سوى ستة بغير زياده
وهي نيك العلوق (١) والسكر والسط … لة والرقص والغنا والقياده
وإذا ما هذى وأبدى اتحادا … وحلولا من جهله أو إعاده
وأتى المنكرات عقلا وشرعا … فهو شيخ الشيوخ ذو السجّاده
ثم تلاشى الآن حال الصوفية ومشايخها حتى صاروا من سقط المتاع، لا ينسبون إلى علم ولا ديانة، وإلى اللّه المشتكى. وأوّل من اتخذ بيتا للعبادة زيد بن صوحان بن صبرة،
стр. 1613
وذلك أنه عمد إلى رجال من أهل البصرة قد تفرّغوا للعبادة وليس لهم تجارات ولا غلات، فبنى لهم دورا وأسكنهم فيها وجعل لهم ما يقوم بمصالحهم من مطعم ومشرب وملبس وغيره، فجاء يوما ليزورهم فسأل عنهم فإذا عبد اللّه بن عامر عامل البصرة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قد دعاهم. فأتاه فقال له: يا ابن عامر ما تريد من هؤلاء القوم؟ قال: أريد أن أقرّبهم فيشفعوا فأشفعهم، ويسألوا فأعطيهم، ويشيروا عليّ فأقبل منهم. فقال: لا ولا كرامة، فتأتي إلى قوم قد انقطعوا إلى اللّه تعالى فتدنسهم بدنياك وتشركهم في أمرك، حتى إذا ذهبت أديانهم أعرضت عنهم فطاحوا لا إلى الدنيا ولا إلى الآخرة، قوموا فارجعوا إلى مواضعكم. فقاموا، فأمسك ابن عامر فما نطق بلفظة. ذكره أبو نعيم.
الخانكاه الصلاحية، دار سعيد السعداء، دويرة الصوفية
هذه الخانكاه بخط رحبة باب العيد من القاهرة، كانت أوّلا دارا تعرف في الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء، وهو الأستاذ قنبر، ويقال عنبر. وذكر ابن ميسر أن اسمه بيان، ولقبه سعيد السعداء، أحد الأستاذين المحنكين خدّام القصر، عتيق الخليفة المستنصر، قتل في سابع شعبان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ورمي برأسه من القصر، ثم صلبت جثته بباب زويلة من ناحية الخرق، وكانت هذه الدار مقابل دار الوزارة. فلما كانت وزارة العادل رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك سكنها وفتح من دار الوزارة إليها سردابا تحت الأرض ليمرّ فيه، ثم سكنها الوزير شاور بن مجير في أيام وزارته، ثم ابنه الكامل. فلما استبدّ الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي بملك مصر بعد موت الخليفة العاضد، وغير رسوم الدولة الفاطمية، ووضع من قصر الخلافة، وأسكن فيه أمراء دولته الأكراد، عمل هذه الدار برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة، ووقفها عليهم في سنة تسع وستين وخمسمائة، وولى عليهم شيخا، ووقف عليهم بستان الحبانية بجوار بركة الفيل خارج القاهرة، وقيسارية الشراب بالقاهرة، وناحية دهمر، ومن البهنساوية، وشرط أنّ من مات من الصوفية وترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء، ولا يتعرّض لها الديوان السلطانيّ، ومن أراد منهم السفر يعطى تسفيره، ورتّب للصوفية في كلّ يوم طعاما ولحما وخبزا، وبنى لهم حمّاما بجوارهم، فكانت أوّل خانكاه عملت بديار مصر. وعرفت بدويرة الصوفية، ونعت شيخها بشيخ الشيوخ، واستمرّ ذلك بعده إلى أن كانت الحوادث والمحن منذ سنة ست وثمانمائة، واتضعت الأحوال وتلاشت الرتب، فلقب كل شيخ خانكاه بشيخ الشيوخ، وكان سكانها من الصوفية يعرفون بالعلم والصلاح وترجى بركتهم، وولي مشيختها الأكابر والأعيان كأولاد شيخ الشيوخ بن حمويه، مع ما كان لهم من الوزارة والإمارة وتدبير الدولة وقيادة الجيوش وتقدمة العساكر. ووليها ذو الرياستين الوزير الصاحب قاضي القضاة تقيّ الدين عبد الرحمن بن ذي الرياستين الوزير الصاحب قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت
стр. 1614
الأعز، وجماعة من الأعيان، ونزل بها الأكابر من الصوفية.
وأخبرني الشيخ أحمد بن عليّ القصار ﵀: أنه أدرك الناس في يوم الجمعة يأتون من مصر إلى القاهرة ليشاهدوا صوفية خانقاه سعيد السعداء عند ما يتوجهون منها إلى صلاة الجمعة بالجامع الحاكميّ، كي تحصل لهم البركة والخير بمشاهدتهم، وكان لهم في يوم الجمعة هيئة فاضلة، وذلك أنه يخرج شيخ الخانقاه منها وبين يديه خدّام الربعة الشريفة قد حملت على رأس أكبرهم، والصوفية مشاة بسكون وخفر إلى باب الجامع الحاكميّ الذي يلي المنبر، فيدخلون إلى مقصورة كانت هناك على يسرة الداخل من الباب المذكور تعرف بمقصورة البسملة، فإنه بها إلى اليوم بسملة قد كتبت بحروف كبار، فيصلي الشيخ تحية المسجد تحت سحابة منصوبة له دائما، وتصلي الجماعة، ثم يجلسون وتفرّق عليهم أجزاء الربعة فيقرؤون القرآن حتى يؤذن المؤذنون، فتؤخذ الأجزاء منهم ويشتغلون بالتركع واستماع الخطبة، وهم منصتون خاشعون، فإذا قضيت الصلاة والدعاء بعدها قام قاريء من قرّأ الخانقاه ورفع صوته بقراءة ما تيسر من القرآن، ودعا للسلطان صلاح الدين، ولواقف الجامع ولسائر المسلمين، فإذا فرغ قام الشيخ من مصلاه وسار من الجامع إلى الخانقاه والصوفية معه كما كان توجههم إلى الجامع، فيكون هذا من أجمل عوايد القاهرة، وما برح الأمر على ذلك إلى أن ولي الأمير يلبغا السالميّ نظر الخانقاه المذكورة في يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وسبعمائة، فنزل إليها وأخرج كتاب الوقف، وأراد العمل بما فيه من شرط الواقف، فقطع من الصوفية المنزلين بها عشرات ممن له منصب ومن هو مشهور بالمال، وزاد الفقراء المجرّدين وهم المقيمون بها في كلّ يوم رغيفا من الخبز، فصار لكلّ مجرّد أربعة أرغفة بعد ما كانت ثلاثة، ورتب بالخانقاه وظيفتي ذكر بعد صلاة العشاء الآخرة وبعد صلاة الصبح، فكثر النكير على السالميّ ممن أخرجهم، وزاد الإشلاء.
فقال بعض أدباء العصر في ذلك:
يا أهل خانقة الصلاح أراكم … ما بين شاك للزمان وشاتم
يكفيكم ما قد أكلتم باطلا … من وقفها وخرجتم بالسّالم
وكان سبب ولاية السالميّ نظر الخانقاه المذكورة، أن العادة كانت قديما أنّ الشيخ هو الذي يتحدّث في نظرها، فلما كانت أيام الظاهر برقوق ولي مشيختها شخص يعرف بالشيخ محمد البلاليّ قدم من البلاد الشامية، وصار للأمير سودون الشيخونيّ نائب السلطنة بديار مصر فيه اعتقاد، فلما سعى له في المشيخة واستقرّ فيها بتعيينه، سأله أن يتحدّث في النظر إعانة له، فتحدّث، وكانت عدّة الصوفية بها نحو الثلاثمائة رجل، لكلّ منهم في اليوم ثلاثة أرغفة زنتها ثلاثة أرطال خبز، وقطعة لحم زنتها ثلث رطل في مرق، ويعمل لهم الحلوى في كلّ شهر، ويفرّق فيهم الصابون، ويعطي كلّ منهم في السنة عن ثمن كسوة قدر أربعين
стр. 1615
درهما، فنزّل الأمير سودون عندهم جماعة كثيرة عجز ريع الوقف عن القيام لهم بجميع ما ذكر، فقطعت الحلوى والصابون والكسوة، ثم إن ناحية دهمر وشرقّت في سنة تسع وتسعين لقصور ماء النيل، فوقع العزم على غلق مطبخ الخانقاه وإبطال الطعام، فلم تحتمل الصوفية ذلك وتكرّرت شكواهم للملك الظاهر برقوق، فولّى الأمير يلبغا السالميّ النظر، وأمره أن يعمل بشرط الواقف.
فلما نزل إلى الخانقاه وتحدّث فيها، اجتمع بشيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقينيّ وأوقفه على كتاب الوقف، فأفتاه بالعمل بشرط الواقف، وهو أن الخانقاه تكون وقفا على الطائفة الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة والقاطنين بالقاهرة ومصر، فإن لم يوجدوا كانت على الفقراء من الفقهاء الشافعية والمالكية الأشعرية الاعتقاد، ثم إنه جمع القضاة وشيخ الإسلام وسائر صوفية الخانقاه بها وقرأ عليهم كتاب الوقف، وسأل القضاة عن حكم اللّه فيه، فانتدب للكلام رجلان من الصوفية، هما زين الدين أبو بكر القمنيّ، وشهاب الدين أحمد العباديّ الحنفيّ، وارتفعت الأصوات وكثر اللغط، فأشار القضاة على السالميّ أن يعمل بشرط الواقف وانصرفوا، فقطع منهم نحو الستين رجلا، منهم المذكوران، فامتعض العباديّ وغضب من ذلك وشنّع بأنّ السالميّ قد كفر، وبسط لسانه بالقول فيه، وبدت منه سماجات فقبض عليه السالميّ وهو ماش بالقاهرة، فاجتمع عدّة من الأعيان وفرّقوا بينهما، فبلغ ذلك السلطان فأحضر القضاة والفقهاء وطلب العباديّ في يوم الخميس ثامن شهر رجب وادّعى عليه السالميّ، فاقتضى الحال تعزيره، فعزر وكشف رأسه وأخرج من القلعة ماشيا بين يدي القضاة ووالي القاهرة إلى باب زويلة، فسجن بحبس الديلم، ثم نقل منه إلى حبس الرحبة، فلما كان يوم السبت حادي عشرة، استدعي إلى دار قاضي القضاة جمال الدين محمود القيصريّ الحنفيّ، وضرب بحضرة الأمير علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ والي القاهرة نحو الأربعين ضربة بالعصا تحت رجليه، ثم أعيد إلى الحبس، وأفرج عنه في ثامن عشرة بشفاعة شيخ الإسلام فيه، ولما جدّد الأمير يلبغا السالميّ الجامع الأقمر، وعمل له منبرا وأقيمت به الجمعة في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وثمانمائة، الزم الشيخ بالخانقاه والصوفية أن يصلوا الجمعة به، فصاروا يصلّون الجمعة فيه إلى أن زالت أيام السالميّ، فتركوا الاجتماع بالجامع الأقمر، ولم يعودوا إلى ما كانوا عليه من الاجتماع بالجامع الحاكميّ، ونسي ذلك. ولم يكن بهذه الخانقاه مئذنة، والذي بنى هذه المئذنة شيخ ولي مشيختها في سنة بضع وثمانين وسبعمائة، يعرف بشهاب الدين أحمد الأنصاريّ، وكان الناس يمرّون في صحن الخانقاه بنعالهم، فجدّد شخص من الصوفية بها يعرف بشهاب الدين أحمد العثمانيّ هذا الدرابزين وغرس فيه هذه الأشجار، وجعل عليها وقفا لمن يتعاهدها بالخدمة.