من زعم ذلك، فإن اللّه تعالى هو الذي يحمل العرش وحملته، وهذه الطائفة اليونسية من غلاة الشيعة واليونسية أيضا فرقة من المرجئة ينتمون إلى يونس السمويّ، وكان يزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة له، فمن اجتمعت فيه هذه الخلال فهو مؤمن، وزعم أن إبليس كان عارفا بالله غير أنه كفر باستكباره عليه، ولهم يونس بن يونس بن مساعد الشيبانيّ، ثم المخارقيّ شيخ الفقراء اليونسية، شيخ صالح له كرامات مشهورة، ولم يكن له شيخ بل كان مجذوبا جذب إلى طريق الخير توفي بأعمال دارا في سنة تسع عشرة وسبعمائة، وقد ناهز تسعين سنة، وقبره مشهور يزار ويتبرّك به، وإليه تنسب هذه الطائفة اليونسية.
زاوية الخلاطي
هذه الزاوية خارج باب النصر من القاهرة بالقرب من زاوية الشيخ نصر المنجيّ، عرفت … (١) وكانت لهم وجاهة، منهم ناصر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد بن حسين الخلاطيّ، مات في نصف جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ودفن بها.
الزاوية العدوية
هذه الزاوية بالقرافة، تنسب إلى الشيخ عديّ بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان الهكاريّ القرشيّ الأمويّ. وكان قد صحب عدّة من المشايخ، كعقيل المنبجيّ، وحماد الدباس، وعبد القادر السهرورديّ، وعبد القادر الجيليّ. ثم انقطع في جبل الهكارية من أعمال الموصل، وبنى له زاوية، فمال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلا لم يسمع لأرباب الزوايا مثله، حتى مات سنة سبع وقيل سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ودفن في زاويته، وقدم ابن أخيه إلى هذه البلاد، وهو زين الدين، فأكرم وأنعم عليه بإمرة، ثم تركها وانقطع في قرية بالشام تعرف ببيت فار، على هيئة الملوك من اقتناء الخيول المسوّمة والمماليك والجواري والملابس، وعمل الأسمطة الملوكية، فافتتنت به بعض نساء الطائفة القيمرية. وبالغت في تعظيمه، وبذلت له أموالا عظيمة، وحاشيتها تلومها فيه، فلا تصغي إلى قولهم، فاحتالوا حتى أوقفوها عليه وهو عاكف على المنكرات، فما زادها ذلك إلاّ ضلالا وقالت: أنتم تنكرون هذا عليه. إنما الشيخ يتدلل على ربه، وأتاه الأمير الكبير علم الدين سنجر الدوادار ومعه الشهاب محمود لتحليفه في أوّل دولة الأشرف خليل بن قلاون إلى قريته، فإذا هو كالملك في قلعته، للتجمل الظاهر والحشمة الزائدة، والفرش الأطلس، وآنية الذهب والفضة والنضار الصينيّ، وأشياء تفوت العدّ، إلى غير ذلك من
стр. 1647
الأشربة المختلفة الألوان، والأطعمة المنوّعة. فلما دخلا عليه لم يحتفل بهما، وقبّل الأمير سنجريده وهو جالس لم يقم، وبقي قائما قدامه يحدثه، وزين الدين يسأله ساعة، ثم أمره أن يجلس فجلس على ركبتيه متأدّيا بين يديه، فلما حلفاه أنعم عليهما بما يقارب خمسة عشر ألف درهم، وتخلف من طائفته الشيخ عز الدين أميران، وأنعم عليه بإمرة دمشق، ثم نقل إلى إمرة بصفد، ثم أعيد إلى دمشق وترك الإمرة وانقطع بالمرّة، وتردّد إليه الأكراد من كل قطر وحملوا إليه الأموال، ثم أنه أراد أن يخرج على السلطان بمن معه من الأكراد في كلّ بلد، فباعوا أموالهم واشتروا الخيل والملاح، ووعد رجاله بنيابات البلاد، ونزل بأرض اللجون. فبلغ ذلك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، فكتب إلى الأمير تنكز نائب الشام بكشف أخبارهم، وأمسك السلطان من كان بهذه الزاوية العدوية، ودرك على أمير طبر، واختلفت الأخبار فقيل أنهم يريدون سلطنة مصر، وقيل يريدون ملك اليمن، فقلق السلطان لأمرهم وأهمه إلى أن أمسك الأمير تنكز عز الدين المذكور وسجنه في سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة حتى مات، وفرّق الأكراد، ولو لم يتدارك لأوشك أن يكون لهم نوبة.
زاوية السدّار
هذه الزاوية برأس حارة الديلم، بناها الفقير المعتقد عليّ بن السدّار في سنة سبعين وسبعمائة، وتوفي سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.
ذكر المشاهد التي يتبرّك الناس بزيارتها مشهد زين العابدين
هذا المشهد فيما بين الجامع الطولونيّ ومدينة مصر، تسميه العامّة مشهد زين العابدين، وهو خطأ، وإنما هو مشهد رأس زيد بن عليّ المعروف بزين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵇، ويعرف في القديم بمسجد محرس الخصيّ.
قال القضاعيّ: مسجد محرس الخصيّ بني على رأس زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب حين أنفذه هشام بن عبد الملك إلى مصر، ونصب على المنبر بالجامع، فسرقه أهل مصر ودفنوه في هذا الموضع.
وقال الكنديّ في كتاب الأمراء: وقدم إلى مصر في سنة اثنتين وعشرين ومائة أبو الحكم بن أبي الأبيض القيسيّ خطيبا برأس زيد بن عليّ رضوان اللّه عليه، يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة، واجتمع الناس إليه في المسجد.
وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ في كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون: وبنو زيد بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈
стр. 1648
الشهيد بالكوفة، ولم يبق له ﵇ غير رأسه التي بالمشهد الذي بين الكومين بمصر بطريق جامع ابن طولون وبركة الفيل، وهو من الخطط، يعرف بمسجد محرس الخصيّ، ولما صلب كشفوا عورته فنسج العنكبوت فسترها. ثم إنه بعد ذلك أحرق وذرى في الريح ولم يبق منه إلاّ رأسه التي بمصر، وهو مشهد صحيح لأنه طيف بها بمصر، ثم نصبت على المنبر بالجامع بمصر في سنة اثنتين وعشرين ومائة، فسرقت ودفنت في هذا الموضع إلى أن ظهرت، وبنى عليها مشهد.
وذكر ابن عبد الظاهر أن الأفضل بن أمير الجيوش لما بلغته حكاية رأس زيد أمر بكشف المسجد، وكان وسط الأكوام، ولم يبق من معالمه إلاّ محراب، فوجد هذا العضو الشريف. قال محمد بن منجب بن الصيرفيّ: حدّثني الشريف فخر الدين أبو الفتوح ناصر الزيديّ خطيب مصر، وكان من جملة حضر الكشف قال: لما خرج هذا العضو رأيته، وهو هامة وافرة، وفي الجبهة أثر في سعة الدرهم، فضمّخ وعطّر وحمل إلى دار حتى عمر هذا المشهد، وكان وجد أنه يوم الأحد تاسع عشري ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وكان الوصول به في يوم الأحد، ووجدانه في يوم الأحد.
زيد بن علي: بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وكنيته أبو الحسن الإمام، الذي تنسب إليه الزيدية إحدى طوائف الشيعة، سكن المدينة وروى عن أبيه عليّ بن الحسين الملقب زين العابدين، وعن أبان بن عثمان، وعبيد اللّه بن أبي رافع، وعروة بن الزبير وروى عنه محمد بن شهاب الزهريّ، وزكريا بن أبي زائدة، وخلق ذكره ابن حبان في الثقات. وقال: رأى جماعة من الصحابة، وقيل لجعفر بن محمد الصادق عن الرافضة أنهم يتبرّؤن من عمك زيد. فقال: برئ اللّه ممن تبرّأ من عمي، كان واللّه أقرأنا لكتاب اللّه، وأفقهنا في دين اللّه، وأوصلنا للرحم، واللّه ما ترك فينا لدينا ولا لآخرة مثله.
وقال أبو إسحاق السبيعيّ: رأيت زيد بن عليّ فلم أر في أهله مثله، ولا أعلم منه، ولا أفضل، وكان أفصحهم لسانا، وأكثرهم زهدا وبيانا.
وقال الشعبيّ: واللّه ما ولد النساء أفضل من زيد بن عليّ، ولا أفقه ولا أشجع ولا أزهد. وقال أبو حنيفة: شاهدت زيد بن عليّ كما شاهدت أهله، فما رأيت في زمانه أفقه منه، ولا أعلم، ولا أسرع جوابا، ولا أبين قولا لقد كان منقطع القرين. وقال الأعمش: ما كان في أهل زيد بن عليّ مثل زيد، ولا رأيت فيهم أفضل منه، ولا أفصح ولا أعلم ولا أشجع، ولقد وفي له من تابعه لإقامتهم على المنهج الواضح. وسئل جعفر بن محمد الصادق عن خروجه فقال: خرج على ما خرج عليه آباؤه وكان يقال لزيد حليف القرآن، وقال خلوت بالقرآن ثلاث عشرة سنة أقرأه وأتدبره، فما وجدت في طلب الرزق رخصة، وما وجدت، ابتغوا من فضل اللّه إلاّ العبادة والفقه.
стр. 1649
وقال عاصم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب: لقد أصيب عندكم رجل ما كان في زمانكم مثله، ولا أراه يكون بعده مثله، زيد بن عليّ، لقد رأيته وهو غلام حدث، وإنه ليسمع الشيء من ذكر اللّه فيغشى عليه حتى يقول القائل ما هو بعائد إلى الدنيا. وكان نقش خاتم زيد، اصبر تؤجر اصدق تنج، وقرأ مرّة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [محمد/ ٣٨] فقال: إنّ هذا لوعيد وتهديد من اللّه. ثم قال: اللهمّ لا تجعلنا ممن تولى عنك فاستبدلت به بدلا. وكان إذا كلمه إنسان وخاف أن يهجم على أمر يخاف منه مأثما، قال له: يا عبد اللّه أمسك أمسك، كف كف، إليك إليك، عليك بالنظر لنفسك. ثم يكف عنه ولا يكلمه.
وقد اختلف في سبب قيام زيد وطلبه الأمر لنفسه، فقيل أن زيد بن عليّ، وداود بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، قدموا على خالد بن عبد اللّه القسريّ بالعراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فلما ولي يوسف بن عمر العراق بعد عزل خالد، كتب إلى هشام بن عبد الملك وذكر له أن خالد ابتاع أرضا بالمدينة من زيد بعشرة آلاف دينار، ثم ردّ الأرض عليه. فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيرهم إليه، ففعل. فسألهم هشام عن ذلك، فأقرّوا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك، وحلفوا فصدّقهم، وأمرهم بالمسير إلى العراق ليقابلوا خالدا، فساروا على كره وقابلوا خالدا فصدّقهم وعادوا نحو المدينة. فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيدا فعاد إليهم، وقيل بل ادّعى خالد القسريّ أنه أودع زيدا وداود بن عليّ ونفرا من قريش مالا. فكتب يوسف بن عمر بذلك إلى الخليفة هشام بن عبد الملك، فأحضرهم هشام من المدينة وسيرهم إلى يوسف ليجمعهم وخالدا، فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: إن خالدا زعم أنه أودع عندك مالا. فقال زيد:
كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره؟ فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة وقال له: هذا زيد قد أنكر أنّك أودعته شيئا. فنظر خالد إليه وإلى داود وقال ليوسف: أتريد أن تجمع إثمك مع إثمنا في هذا؟ كيف أودعه وأنا أشتم آباءه وأشتمه على المنبر؟ فقال زيد لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال: شدّد عليّ العذاب فادّعيت ذلك، وأملت أن يأتي اللّه بفرج قبل قدومك.
فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة، وقيل أن يزيد بن خالد القسريّ هو الذي ادّعى أن المال وديعة عند زيد، فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفا من شرّ يوسف وظلمه. فقال: أنا أكتب إليه بالكف عنكم وألزمهم بذلك. فساروا على كره، فجمع يوسف بينهم وبين يزيد فقال يزيد: ليس لي عندهم قليل ولا كثير. فقال له يوسف:
أتهزأ بأمير المؤمنين؟ فعذبه يومئذ عذابا كاد يهلكه، ثم أمر بالقرشيين فضربوا، وترك زيدا.
ثم اتسحلفهم وأطلقهم فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بالكوفة، وكان زيد قال لهشام لما أمره
стр. 1650
بالمسير إلى يوسف: واللّه ما آمن من إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حبيبين أبدا. قال:
لا بدّ من المسير إليه. فسار إليه.
وقيل كان السبب في ذلك أن زيدا كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسين بن عليّ في وقوف عليّ ﵁، فزيد يخاصم عن بني حسين، وجعفر يخاصم عن بني حسن، فكانا يبلغان كل غاية، ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما، حرفا، فلما مات جعفر نازعه عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، فتنازعا يوما بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة، فأغلظ عبد اللّه لزيد وقال: يا ابن السندية. فضحك زيد وقال:
قد كان إسماعيل ﵇ ابن أمة، ومع ذلك فقد صبرت أمي بعد وفاة سيدها. ولم يصبر غيرها، يعني فاطمة بنت الحسين أمّ عبد اللّه، فإنها تزوّجت بعد أبيه الحسن بن الحسن. ثم إنّ زيدا ندم واستحيى من فاطمة، فإنها عمته، ولم يدخل إليها زمانا. فأرسلت إليه: يا ابن أخي إني لأعلم أن أمّك عندك كأمّ عبد اللّه عنده، وقالت لعبد اللّه: بئسما قلت لأمّ زيد، أما واللّه لنعم دخيلة القوم كانت، وذكر أن خالدا قال لهما: اغدوا علينا غدا فلست ابن عبد الملك إن لم أفصل بينكما، فباتت المدينة تغلي كالمرجل. يقول قائل: قال زيد كذا، ويقول قائل: قال عبد اللّه كذا، فلما كان من الغد جلس خالد في المسجد واجتمع الناس، فمن بين شامت ومهموم، فدعا بهما خالد وهو يحبّ أن يتشاتما، فذهب عبد اللّه يتكلم، فقال زيد: لا تعجّل يا أبا محمد، أعتق زيد كلّ ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا. ثم أقبل إلى خالد فقال له: لقد جمعت ذرية رسول اللّه ﷺ لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر. فقال خالد: أما لهذا السفيه أحد؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال: يا ابن أبي تراب وابن حسين السفيه، أما ترى، لوال عليك حقا ولا طاعة؟ فقال زيد: اسكت أيها القحطانيّ، فإنّا لا نجيب مثلك. قال: ولم ترغب عني؟ فو اللّه إني لخير منك وخير من أبيك، وأمي خير من أمّك، فتضاحك زيد وقال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب أفتذهب الأحساب؟ فوا اللّه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم. فقام عبد اللّه بن واقد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب فقال: كذبت واللّه أيها القحطانيّ، فو اللّه لهو خير منك نفسا وأبا وأمّا ومحتدا، وتناوله بكلام كثير وأخذ كفا من حصباء وضرب بها الأرض وقال: واللّه إنه ما لنا على هذا من صبر وقام.
ثم شخص زيد إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، وهو يرفع إليه القصص، فكلما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها ارجع إلى منزلك. فيقول زيد: واللّه لا أرجع إلى خالد أبدا، ثم إنه أذن له يوما بعد طول حبس، فصعد زيد وكان بائنا فوقف في بعض الدرج وهو يقول: واللّه لا يحب الدنيا أحد إلاّ ذلّ، ثم صعد وقد جمع له هشام أهل الشام، فسلّم ثم جلس، فرمى عليه هشام طويلة، فحلف لهشام على شيء. فقال هشام: لا أصدّقك. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه لم يرفع أحدا عن أن يرضى بالله، ولم يضع أحدا
стр. 1651
عن أن لا يرضى بذلك منه. فقال هشام: أنت زيد المؤمّل للخلافة، وما أنت والخلافة، لا أمّ لك وأنت ابن أمة. فقال زيد: لا أعلم أحدا عند اللّه أفضل من نبيّ بعثه، ولقد بعث اللّه نبيا وهو ابن أمة، ولو كان به تقصير عن منتهى غاية لم يبعث، وهو إسماعيل بن إبراهيم، والنبوّة أعظم منزلة من الخلافة عند اللّه، ثم لم يمنعه اللّه من أن جعله أبا للعرب، وأبا لخير البشر، محمد ﷺ ، وما يقصّر برجل أبوه رسول اللّه ﷺ ، وبعد أمي فاطمة لا أفخر بأم.
فوثب هشام من مجلسه وتفرّق الشاميون عنه، وقال لحاجبه: لا يبيت هذا في عسكري أبدا.
فخرج زيد وهو يقول: ما كره قوم قط جرّ السيوف إلاّ ذلوا، وسار إلى الكوفة. فقال:
له محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب: أذكرك اللّه يا زيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة، فإنهم لا يفون لك، فلم يقبل وقال: خرج بنا هشام أسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام، ثم إلى الجزيرة، ثم إلى العراق، ثم إلى تيس ثقيف، يلعب بنا. وأنشد:
بكرت تخوّفني الحتوف كأنني … أصبحت عن عرض الحياة بمعزل
فأجبتها إنّ المنية منزل … لا بدّ أن أسقى بكاس المنهل
إنّ المنية لو تمثل مثّلت … مثلي إذا نزلوا بصيق المنزل
فاثني حبالك لا أبا لك واعلمي … أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
أستودعك اللّه، وإني أعطي اللّه عهدا، إن دخلت يدي في طاعة هؤلاء ما عشت.
وفارقه وأقبل إلى الكوفة فأقام بها مستخفيا يتنقل في المنازل، فأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعه، فبايعه جماعة من وجوه أهل الكوفة، وكانت بيعته: إنا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنة نبيه، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء، وردّ المظالم، وأفعال الخير، ونصرة أهل البيت، أتبايعون على ذلك؟ فإذا قالوا نعم وضع يده على أيديهم، ويقول: عليك عهد اللّه وميثاقه وذمّته وذمّة رسول اللّه ﷺ ، لتؤمنن ببيعتي، ولتقاتلنّ عدوّي، ولتنصحنّ لي في السرّ والعلانية، فإذا قال نعم مسح يده على يده ثم قال: اللهمّ فاشهد. فبايعه خمسة عشر ألفا، وقيل أربعون ألفا، وأمر أصحابه بالاستعداد، فأقبل من يريد أن يفي ويخرج معه يستعدّ ويتهيأ، فشاع أمره في الناس، هذا على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام واختفى بها يبايع الناس.
وأما على قول من زعم أنه أتى إلى يوسف بن عمر لمرافعة خالد بن عبد اللّه القسريّ أو ابنه يزيد بن خالد، فإنه قال: أقام زيد بالكوفة ظاهرا ومعه داود بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، وأقبلت الشيعة تختلف إليه وتأمره بالخروج ويقولون: إنا لنرجو أن تكون أنت المنصور، وأنّ هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية، فأقام بالكوفة ويوسف بن عمر يسأل عنه فيقال هو هاهنا، ويبعث إليه ليسير فيقول نعم ويعتلّ بالوجع، فمكث ما شاء اللّه، ثم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة، فاحتج بأنه يحاكم آل طلحة بن عبيد اللّه بملك بينهما
стр. 1652
بالمدينة، فأرسل إليه ليوكل وكيلا ويرحل عنها، فلما رأى الجدّ من يوسف في أمره سار حتى أتى القادسية، وقيل الثعلبية، فتبعه أهل الكوفة وقالوا له: نحن أربعون ألفا لم يتخلف عنك أحد، نضرب عنك بأسيافنا، وليس هاهنا من أهل الشام إلاّ عدّة يسيرة وبعض قبائلنا يكفيهم بإذن اللّه، وحلفوا له بالأيمان المغلظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدّي، فيحلفون له، فقال له داود بن عليّ: لا يغرّك يا ابن عمي هؤلاء، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك، جدّ عليّ بن أبي طالب حتى قتل، والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه وانتزعوا رداءه وجرحوه، أو ليس قد أخرجوا جدّك الحسين وحلفوا له ثم خذلوه وأسلموه ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه، فلا ترجع معهم.
فقالوا: يا زيد إنّ هذا لا يريد أن تظهر أنت، ويزعم أنه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم.
فقال زيد لداود: إن عليا كان يقاتله معاوية بذهبه، وإنّ الحسين قاتله يزيد، والأمر مقبل عليهم. فقال له داود: إني أخاف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشدّ عليك منهم، وأنت أعلم، ومضى داود إلى المدينة ورجع زيد إلى الكوفة.
فأتاه سلمة بن كهيل فذكر له قرابته من رسول اللّه ﷺ وحقه فأحسن ثم قال له:
نشدتك اللّه كم بايعك؟ قال: أربعون ألفا. قال: فكم بايع جدّك؟ قال: ثمانون ألفا. قال:
فكم حصل معه؟ قال: ثلثمائة. قال: نشدتك اللّه أنت خير أم جدّك؟ قال: جدّي. قال:
فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدّك؟ قال: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وعنقهم. قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد، فلا آمن أن يحدث حدث فأهلك نفسي. فأذن له فخرج إلى اليمامة.
وكتب عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى زيد: أما بعد، فإن أهل الكوفة نفج (١) العلانية حور السريرة (٢) هوج في الرد، أجزع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم ولا تتابعهم قلوبهم، ولقد تواترت كتبهم إليّ بدعوتهم فصممت عن ندائهم، وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم يأسا منهم وإطراحا لهم، وما لهم مثل إلاّ ما قال عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه: إن أهملتم خضتم، وإن خوّرتم خرتم، وإن اجتمع الناس ويتجهز للخروج، وتزوّج بالكوفة امرأتين، وكان ينتقل تارة عند هذه في بني سلمة قومها، وتارة عند هذه في الأزد قومها، وتارة في بني عبس، وتارة في بني تغلب، وغيرهم إلى أن ظهر في سنة اثنتين وعشرين ومائة، فأمر أصحابه بالاستعداد، وأخذ من كان يريد الوفاء بالبيعة يتجهز، فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فبعث في طلب زيد فلم يوجد، وخاف زيد أن يؤخذ، فتعجل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن
стр. 1653
الصلت في ناس من أهل الشام، ويوسف بن عمر بالحيرة.
فلما علم أصحاب زيد أن يوسف بن عمر قد بلغه الخبر وأنه يبحث عن زيد، اجتمع إلى زيد جماعة من رؤوسهم فقالوا: رحمك اللّه ما قولك في أبي بكر وعمر، فقال زيد رحمهما اللّه وغفر لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يقول فيهما إلاّ خيرا، وإنّ أشدّ ما أقول فيما ذكرتم إنا كنا أحق بسلطان رسول اللّه ﷺ من الناس أجمعين، فدفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، وقد ولّوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا فلم يظلمك هؤلاء إذا، كان أولئك لم يظلموا، وإذا كان هؤلاء لم يظلموا، فلم تدعو إلى قتالهم؟ فقال: إنّ هؤلاء ليسوا كأولئك، هؤلاء ظالمون لي ولأنفسهم ولكم، وإنما ندعوهم إلى كتاب اللّه وسنة نبيه محمد ﷺ ، والى السنن أن تحيي، وإلى البدع أن تطفأ، فإن أجبتمونا سعدتم، وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل. ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: قد سبق الإمام، يعنون محمدا الباقر، وكان قد مات. وقالوا جعفر ابنه إمامنا اليوم بعد أبيه، فسماهم زيد الرافضة، وهم يزعمون أن المغيرة سماهم الرافضة حين فارقوه، وكانت طائفة قد أتت جعفر بن محمد الصادق قبل قيام زيد وأخبروه ببيعته فقال: بايعوه، لهو واللّه أفضلنا وسيدنا. فعادوا وكتموا ذلك، وكان زيد قد واعد أصحابه أوّل ليلة من صفر، فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فبعث إلى الحكم عامله على الكوفة يأمره بأن يجمع الناس بالمسجد الأعظم يحصرهم فيه، فجمعهم، وطلبوا زيدا فخرج ليلا من دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاريّ، وكان بها، ورفعوا النيران ونادوا يا منصور حتى طلع الفجر، فلما أصبحوا نادى أصحاب زيد بشعارهم وثاروا، فأغلق الحكم دروب السوق وأبواب المسجد على الناس، وبعث إلى يوسف بن عمر وهو بالحيرة فأخبره الخبر، فأرسل إليه خمسين فارسا ليعرفوا الخبر، فساروا حتى عرفوا الخبر وعادوا إليه، فسارت الحيرة بأشراف الناس، وبعث ألفين من الفرسان وثلاثمائة رجالة معهم النشاب، وأصبح زيد فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا، فقال: سبحان اللّه أين الناس؟ فقيل إنهم في المسجد الأعظم محصورون. فقال: واللّه ما هذا بعذر لمن بايعنا. وأقبل فلقيه على جبانة الصايديين خمسمائة من أهل الشام فحمل عليهم فيمن معه حتى هزمهم، وانتهى إلى دار أنس بن عمر الأزديّ، وكان فيمن بايعه وهو في الدار، فنودي فلم يجب، فناداه زيد فلم يخرج إليه. فقال زيد: ما أخلفكم قد فعلتموها، اللّه حسيبكم. ثم سار ويوسف بن عمر ينظر إليه وهو في مائتي رجل، فلو قصده زيد لقتله، والريان يتبع آثار زيد بالكوفة في أهل الشام، فأخذ زيد في المسير حتى دخل الكوفة، فسار بعض أصحابه إلى الجبانة وواقعوا أهل الشام، فأسر أهل الشام منهم رجلا ومضوا به إلى يوسف بن عمر فقتله، فلما رأى زيد خذلان الناس إياه قال: قد فعلوها، حسبي اللّه، وسار وهو يهزم من لقيه حتى انتهى إلى باب المسجد، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الباب ويقولون: يا أهل المسجد
стр. 1654
اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا، فإنكم لستم في دين ولا دنيا. وزيد يقول: واللّه ما خرجت ولا قمت مقامي هذا حتى قرأت القرآن، وأتقنت الفرائض، وأحكمت السنن والآداب، وعرفت التأويل كما عرفت التنزيل، وفهمت الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام، وما تحتاج إليه الأمّة في دينها مما لا بدّ لها منه ولا غنى لها عنه، وإني لعلى بينة من ربي، فرماهم أهل المسجد بالحجارة من فوق المسجد، فانصرف زيد فيمن معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة، فنزل دار الرزق فأتاه الريان وقاتله، وخرج أهل الشام مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنا، فلما كان من الغد أرسل يوسف بن عمر عدّة عليهم العباس بن سعد المزنيّ، فلقيهم زيد فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب العباس وقتل منهم نحو من سبعين، فلما كان العشيّ عبّى يوسف بن عمر الجيوش وسرّحهم، فالتقاهم زيد بمن معه وحمل عليهم حتى هزمهم وهو يتبعهم، فبعث يوسف طائفة من الماشية فرموا أصحاب زيد وهو يقاتل حتى دخل الليل، فرمي بسهم في جبهته اليسرى ثبت في دماغه، فرجع أصحابه، ولا يظنّ أهل الشام أنهم رجعوا للمساء والليل، فأنزلوا زيدا في دار وأتوه بطبيب فانتزع النصل فضج زيد ومات، ﵀، لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة، وعمره اثنتان وأربعون سنة.
ولما مات اختلف أصحابه في أمره، فقال بعضهم نطرحه في الماء. وقال بعضهم بل نحز رأسه ونلقيه في القتلى. فقال ابنه يحيى بن زيد: واللّه لا يأكل لحم أبي الكلاب.
وقال بعضهم ندفنه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماء، ففعلوا ذلك وأجروا عليه الماء، وكان معه مولى سنديّ فدلّ عليه، وقيل رآهم قصّار فدل عليه، وتفرّق الناس من أصحاب زيد، وسار ابنه يحيى نحو كربلاء، وتتبع يوسف بن عمر الجرحي في الدور حتى دلّ على زيد في يوم جمعة، فأخرجه وقطع رأسه وبعث به إلى هشام بن عبد الملك، فدفع لمن وصل به عشرة آلاف درهم، ونصبه على باب دمشق، ثم أرسله إلى المدينة وسار منها إلى مصر، وأما جسده فإن يوسف بن عمر صلبه بالكناسة ومعه ثلاثة ممن كانوا معه، وأقام الحرس عليه، فمكث زيد مصلوبا أكثر من سنتين حتى مات هشام وولي الوليد من بعده، وبعث إلى يوسف بن عمر أن أنزل زيدا وأحرقه بالنار، فأنزله وأحرقه وذرّى رماده في الريح، وكان زيد لما صلب وهو عريان استرخى بطنه على عورته حتى ما يرى من سوءته شيء، ومرّ زيد مرّة بمحمد ابن الحنفية فنظر إليه وقال: أعيذك بالله أن تكون زيد بن عليّ المصلوب بالعراق، وقال عبد اللّه بن حسين بن عليج بن الحسين بن عليّ: سمعت أبي يقول: اللهمّ إنّ هشاما رضي بصلب زيد فاسلبه ملكه، وإن يوسف بن عمر أحرق زيدا اللهمّ فسلط عليه من لا يرحمه، اللهمّ وأحرق هشاما في حياته إن شئت، وإلاّ فأحرقه بعد موته.
قال فرأيت واللّه هشاما محرقا لما أخذ بنو العباس دمشق، ورأيت يوسف بن عمر بدمشق مقطعا، على كلّ باب من أبواب دمشق منه عضو. فقلت يا أبتاه وافقت دعوتك ليلة القدر،
стр. 1655
فقال لا يا بنيّ، بل صمت ثلاثة أيام من شهر رجب، وثلاثة أيام من شعبان، وثلاثة أيام من شهر رمضان، كنت أصوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم أدعو اللّه عليهما من صلاة العصر يوم الجمعة حتى أصلي المغرب، وبعد قتل زيد انتقض ملك بني أمية وتلاشى إلى أن أزالهم اللّه تعالى ببني العباس.
وهذا المشهد باق بين كيمان مدينة مصر يتبرّك الناس بزيارته ويقصدونه لا سيما في يوم عاشوراء، والعامّة تسميه زين العابدين، وهو وهم، وإنما زين العابدين أبوه، وليس قبره بمصر، بل قبره بالبقيع، ولما قتل الإمام زيد سوّدت الشيعة، أي لبست السواد، وكان أوّل من سوّد على زيد شيخ بني هاشم في وقته الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ورثاه بقصيدة طويلة، وشعره حجة احتج به سيبويه، توفي سنة تسع وعشرين ومائة.
مشهد السيدة نفيسة
قال الشريف النقيب النسابة شرف الدين أبو عليّ محمد بن أسعد بن عليّ بن معمر بن عمر الحسينيّ الجوانيّ المالكيّ في كتاب الروضة الأنيسة بفضل مشهد السيدة نفيسة ﵂: نفيسة ابنة الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵈، أمّها أمّ ولد، وأخوتها القاسم ومحمد وعليّ وإبراهيم وزيد وعبيد اللّه ويحيى وإسماعيل وإسحاق وأمّ كلثوم، أولاد الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ، فأمّهم أمّ سلمة، واسمها زينب ابنة الحسن بن الحسن بن عليّ، وأمّها أمّ ولد تزوّج أمّ كلثوم أخت نفيسة، عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس ﵃، ثم خلف عليها الحسن بن زيد بن عليّ بن الحسن بن عليّ. وأما عليّ وإبراهيم وزيد أخوة نفيسة من أبيها، فأمّهم أمّ ولد تدعى أمّ عبد الحميد، وأما عبيد اللّه بن الحسن بن زيد فأمّه الزائدة بنت بسطام بن عمير بن قيس الشيبانيّ، وأما إسماعيل وإسحاق فهما لأمي ولد، وكان إسماعيل من أهل الفضل والخير، صاحب صوم ونسك، وكان يصوم يوما ويفطر يوما. وأما يحيى بن زيد فله مشهد معروف بالمشاهد، يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى، وتزوّج بنفيسة ﵂ إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈، وكان يقال له إسحاق المؤتمن، وكان من أهل الصلاح والخير والفضل والدين، روي عنه الحديث، وكان ابن كاسب إذا حدّث عنه يقول: حدّثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر، وكان له عقب بمصر منهم بنو الرقي، وبحلب بنو زهرة. وولدت نفيسة من إسحاق ولدين هما القاسم وأمّ كلثوم لم يعقبا.
وأما جدّ نفيسة وهو زيد بن الحسن بن عليّ، فروي عن أبيه وعن جابر وابن عباس، وروى عنه ابنه، وكانت بينه وبين عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية خصومة وفدا لأجلها على
стр. 1656
الوليد بن عبد الملك، وكان يأتي الجمعة من ثمانية أميال، وكان إذا ركب نظر الناس إليه وعجبوا من عظم خلقه وقالوا: جدّه رسول اللّه. وكتب إليه الوليد بن عبد الملك يسأله أن يبايع لابنه عبد العزيز ويخلع سليمان بن عبد الملك، ففرق (١) منه وأجابه، فلما استخلف سليمان وجد كتاب زيد بذلك إلى الوليد، فكتب إلى أبي بكر بن حزم أمير المدينة: ادع زيد بن الحسن فأقره الكتاب، فإن عرفه فاكتب إليّ، وإن هو نكل فقدّمه فأصب يمينه عند منبر رسول اللّه ﷺ إنه ما كتبه ولا أمر به، فخاف زيدا للّه واعترف. فكتب بذلك أبو بكر، فكتب سليمان أن يضربه مائة سوط وأن يدرعه عباءة ويمشيه حافيا، فحبس عمر بن عبد العزيز الرسول وقال: حتى أكلم أمير المؤمنين فيما كتب به في حق زيد. فقال للرسول: لا تخرج فإن أمير المؤمنين مريض. فمات سليمان وأحرق عمر الكتاب.
وأما والد نفيسة وهو الحسن بن زيد، فهو الذي كان والي المدينة النبوية من قبل أبي جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، وكان فاضلا أديبا عالما، وأمّه أمّ ولد. توفي أبوه وهو غلام، وترك عليه دينا أربعة آلاف دينار، فحلّف الحسن ولده أن لا يظل رأسه سقف إلاّ سقف مسجد رسول اللّه ﷺ ، أو بيت رجل يكلمه في حاجة حتى يقضي دين أبيه، فوفاه وقضاه بعد ذلك. ومن كرمه أنه أتى بشاب شارب متأدّب، وهو عامل على المدينة فقال: يا ابن رسول اللّه لا أعود وقد قال رسول اللّه ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم» وأنا ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وقد كان أبي مع أبيك، كما قد علمت. قال: صدقت، فهل أنت عائد؟ قال: لا واللّه. فأقاله وأمر له بخمسين دينارا وقال له: تزوّج بها وعد إليّ. فتاب الشاب وكان الحسن بن زيد يجري عليه النفقة.
وكانت نفيسة من الصلاح والزهد على الحدّ الذي لا مزيد عليه، فيقال أنها حجت ثلاثين حجة، وكانت كثيرة البكاء، تديم قيام الليل وصيام النهار، فقيل لها: ألا ترفقين بنفسك؟ فقالت: كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلاّ الفائزون. وكانت تحفظ القرآن وتفسيره، وكانت لا تأكل إلا في كلّ ثلاث ليال أكلة واحدة، ولا تأكل من غير زوجها شيئا، وقد ذكر أنّ الإمام الشافعيّ محمد بن إدريس كان زارها وهي من وراء الحجاب وقال لها: ادعي لي، وكان صحبته عبد اللّه بن عبد الحكم. وماتت ﵂ بعد موت الإمام الشافعيّ رحمة اللّه عليه بأربع سنين، لأنّ الشافعيّ توفي سلخ شهر رجب سنة أربع ومائتين.
وقيل أنها كانت فيمن صلّى على الإمام الشافعيّ. وتوفيت السيدة نفيسة في شهر رمضان سنة ثمان ومائتين، ودفنت في منزلها، وهو الموضع الذي به قبرها الآن، ويعرف بخط درب السباع، ودرب بزرب. وأراد إسحاق بن الصادق وهو زوجها أن يحملها ليدفنها بالمدينة، فسأله أهل مصر أن يتركها ويدفنها عندهم لأجل البركة، وقبر السيدة نفيسة أحد المواضع
стр. 1657
المعروفة بإجابة الدعاء بمصر، وهي أربعة مواضع: سجن نبيّ اللّه يوسف الصدّيق ﵇، ومسجد موسى صلوات اللّه عليه، وهو الذي بطرا، ومشهد السيدة نفيسة ﵂، والمخدع الذي على يسار المصلّى في قبلة مسجد الإقدام بالقرافة. فهذه المواضع لم يزل المصريون ممن أصابته مصيبة أو لحقته فاقة أو جائحة يمضون إلى أحدها، فيدعون اللّه تعالى فيستجيب لهم، مجرّب ذلك. انتهى.
ويقال أنها حفرت قبرها هذا وقرأت فيه تسعين ومائة ختمة، وأنها لما احتضرت خرجت من الدنيا وقد انتهت في حزبها إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام/ ١٢] ففاضت نفسها رحمها اللّه تعالى مع قوله الرحمة، ويقال أن الحسن بن زيد والد السيدة نفيسة كان مجاب الدعوة ممدوحا، وأن شخصا وشى به إلى أبي جعفر المنصور أنه يريد الخلافة لنفسه، فإنه كان قد انتهت إليه رياسة بني حسن، فأحضره من المدينة وسلبه ماله، ثم إنه ظهر له كذب الناقل عنه، فمنّ عليه وردّه إلى المدينة مكرّما، فلما قدمها بعث إلى الذي وشى به بهدية ولم يعتبه على ما كان منه. ويقال أنه كان مجاب الدعوة، فمرّت به امرأة وهو في الأبطح، ومعها ابن لها على يدها فاختطفه عقاب، فسألت الحسن بن زيد أن يدعو اللّه لها بردّه، فرفع يديه إلى السماء ودعا ربه، فإذا بالعقاب قد ألقى الصغير من غير أن يضرّه بشيء، فأخذته أمّه. وكان يعدّ بألف من الكرام.
ولما قدمت السيدة نفيسة إلى مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر نزلت بالمنصوصة، وكان بجوارها دار فيها قوم من أهل الذمّة، ولهم ابنة مقعدة لم تمش قط، فلما كان في يوم من الأيام ذهب أهلها في حاجة من حوائجهم وتركوا المقعدة عند السيدة نفيسة، فتوضأت وصبت من فضل وضوئها على الصبية المقعدة وسمت اللّه تعالى، فقامت تسعى على قدميها ليس بها بأس البتة، فلما قدم أهلها وعاينوها تمشى أتوا إلى السيدة نفيسة وقد تيقنوا أنّ مشي ابنتهم كان ببركة دعائها، وأسلموا بأجمعهم على يديها، فاشتهر ذلك بمصر وعرف أنه من بركاتها. وتوقف النيل عن الزيادة في زمنها فحضر الناس إليها وشكوا إليها ما حصل من توقف النيل، فدفعت قناعها إليهم وقالت لهم: ألقوه في النيل، فألقوه فيه، فزاد حتى بلغ اللّه به المنافع. وأسر ابن لامرأة ذمّية في بلاد الروم، فأتت إلى السيدة نفيسة وسألتها الدعاء أن يردّ اللّه ابنها عليها، فلما كان الليل لم تشعر الذمّية إلاّ بابنها وقد هجم عليها دارها، فسألته عن خبره فقال: يا أمّاه لم أشعر إلاّ ويد قد وقعت على القيد الذي كان في رجليّ وقائل يقول: أطلقوه قد شفعت فيه نفيسة بنت الحسن. فو الذي يحلف به يا أمّاه لقد كسر قيدي وما شعرت بنفسي إلاّ وأنا واقف بباب هذه الدار. فلما أصبحت الذمّية أتت إلى السيدة
стр. 1658
نفيسة وقصت عليها الخبر وأسلمت هي وابنها وحسن إسلامهما.
وذكر غير واحد من علماء الأخبار بمصر أن هذا قبر السيدة نفيسة بلا خلاف، وقد زار قبرها من العلماء والصالحين خلق لا يحصى عددهم. ويقال أن أوّل من بنى على قبر السيدة نفيسة عبيد اللّه بن السري بن الحكم أمير مصر، ومكتوب في اللوح الرخام الذي على باب ضريحها، وهو الذي كان مصفحا بالحديد بعد البسملة ما نصه، نصر من اللّه وفتح قريب، لعبد اللّه ووليه معدّ أبي تميم الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرّمين، أمر بعمارة هذا الباب السيد الأجل أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الأنام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين عضّد اللّه به الدين وأمتع بطول بقائه المؤمنين وأدام قدرته وأعلى كلمته، وشدّ عضده بولده الأجل الأفضل سيف الإمام جلال الإسلام شرف الأنام ناصر الدين خليل أمير المؤمنين، زاد اللّه في علائه وأمتع المؤمنين بطول بقائه في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، والقبة التي على الضريح جدّدها الخليفة الحافظ لدين اللّه في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وأمر بعمل الرخام الذي بالمحراب.
مشهد السيدة كلثوم
هي كلثوم بنت القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، موضعه بمقابر قريش بمصر بجوار الخندق، وهي أمّ جعفر بن موسى بن إسماعيل بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، كانت من الزاهدات العابدات.
سنا وثنا
يقال أنهما من أولاد جعفر بن محمد الصادق، كانتا تتلوان القرآن الكريم في كلّ ليلة، فماتت إحداهما، فصارت الأخرى تتلو وتهدي ثواب قراءتها لأختها حتى ماتت.
ذكر مقابر مصر والقاهرة المشهورة
القبر مدفن الإنسان، وجمعه قبور، والمقبرة موضع القبر. قال سيبويه: المقبرة ليس على الفعل، ولكنه اسم، وقبره يقبره: دفنه. وأقبره جعل له قبرا. واعلم أنّ لأهل مدينة مصر ولأهل القاهرة عدّة مقابر وهي: القرافة، فما كان منها في سفح الجبل يقال له القرافة الصغرى، وما كان منها في شرقيّ مصر بجوار المساكن يقال له القرافة الكبرى، وفي القرافة الكبرى كانت مدافن أموات المسلمين منذ افتتحت أرض مصر واختط العرب مدينة الفسطاط، ولم يكن لهم مقبرة سواها، فلما قدم القائد جوهر من قبل المعز لدين اللّه وبنى
стр. 1659
القاهرة وسكنها الخلفاء، اتخذوا بها تربة عرفت بتربة الزعفران، قبروا فيها أمواتهم، ودفن رعيتهم من مات منهم في القرافة إلى أن اختطت الحارات خارج باب زويلة، فقبر سكانها موتاهم خارج باب زويلة مما يلي الجامع، فيما بين جامع الصالح وقلعة الجبل، وكثرت المقابر بها عند حدوث الشدّة العظمى أيام الخليفة المستنصر، ثم لما مات أمير الجيوش بدر الجماليّ دفن خارج باب النصر، فاتخذ الناس هنالك مقابر موتاهم، وكثرت مقابر أهل الحسينية في هذه الجهة، ثم دفن الناس الأموات خارج القاهرة في الموضع الذي عرف بميدان القبق، فيما بين قلعة الجبل وقبة النصر، وبنوا هناك الترب الجليلة، ودفن الناس أيضا خارج القاهرة فيما بين باب الفتوح والخندق، ولكل مقبرة من هذه المقابر أخبار سوف أقص عليك من أنبائها ما انتهت إلى معرفته قدرتي إن شاء اللّه تعالى. ويذكر أهل العناية بالأمور المتقادمة أن الناس في الدهر الأوّل لم يكونوا يدفنون موتاهم إلى أن كان زمن دوناي الذي يدعى سيد البشر لكثرة ما علّم الناس من المنافع، فشكا إليه أهل زمانه ما يأتذون به من خبث موتاهم، فأمرهم أن يدفنوهم في خوابي ويسدّوا رؤسها، ففعلوا ذلك، فكان دوناي أوّل من دفن الموتى، وذكر أن دوناي هذا كان قبل آدم بدهر طويل مبلغه عشرون ألف سنة، وهي دعوى لا تصح، وفي القرآن الكريم ما يقتضي أن قابيل ابن آدم أوّل من دفن الموتى، واللّه أصدق القائلين. وقد قال الشافعيّ ﵀: وأكره أن يعظّم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده.
ذكر القرافة
روى الترمذيّ من حديث أبي طيبة عبد اللّه بن مسلم، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه رفعه: من مات من أصحابي بأرض بعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة. قال: وهذا حديث غريب. وقد روي عن أبي طيبة، عن ابن بريدة مرسلا، وهذا أصح، قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر: حدّثنا عبد اللّه بن صالح، حدّثنا الليث ابن سعد قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر ﵁، فكتب إليه عمر سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء. ولا ينتفع بها. فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب أنّ فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر ﵁، فكتب إليه عمر إنّا لا نعلم غراس الجنة إلاّ المؤمنين، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين ولا تبعه بشيء. فكان أوّل من دفن فيها رجل من المغافر يقال له عامر، فقيل عمرت. فقال المقوقس لعمرو: وما ذلك، ولا على هذا عاهدتنا، فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم.
وعن ابن لهيعة أن المقوقس قال لعمرو: إنا لنجد في كتابنا أن ما بين هذا الجبل
стр. 1660
وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنة. فكتب بقوله إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال:
صدق، فاجعلها مقبرة للمسلمين، فقبر فيها ممن عرف من أصحاب رسول اللّه ﷺ خمسة نفر، عمرو بن العاص السهميّ، وعبد اللّه بن حذافة السهميّ، وعبد اللّه بن جزء الزبيديّ، وأبو بصيرة الغفاريّ، وعقبة بن عامر الجهنيّ. ويقال ومسلمة بن مخلد الأنصاريّ انتهى.
ويقال أن عامرا هو الذي كان أوّل من دفن بالقرافة، قبره الآن تحت حائط مسجد الفتح الشرقيّ. وقالت فيه امرأة من العرب:
قامت بواكيه على قبره … من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربة … قد ذلّ من ليس له ناصر
وروى أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخ مصر من حديث حرملة بن عمران قال: حدّثني عمير بن أبي مدرك الخولانيّ عن سفيان بن وهب الخولانيّ قال: بينما نحن نسير مع عمرو بن العاص في سفح هذا الجبل ومعنا المقوقس، فقال له عمرو: يا مقوقس ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات ولا شجر على نحو بلاد الشام؟ فقال: لا أدري، ولكنّ اللّه أغنى أهله بهذا النيل عن ذلك، ولكنه نجد تحته ما هو خير من ذلك.
قال: وما هو؟ قال ليدفنن تحته أو ليقبرنّ تحته قوم يبعثهم اللّه يوم القيامة لا حساب عليهم، قال عمرو: اللهمّ اجعلني منهم. قال حرملة بن عمران: فرأيت قبر عمرو بن العاص، وقبر أبي بصيرة، وقبر عقبة بن عامر فيه. وخرّج أبو عيسى الترمذيّ من حديث أبي طيبة عبد اللّه بن مسلم، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه رفعه: «من مات من أصحابي بأرض بعث قائدا لهم ونورا يوم القيامة»، وقال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ: القرافة هم بنو غض بن سيف بن وائل بن المغافر، وفي نسخة بنو غصن. وقال أبو عمرو الكنديّ:
بنو جحض بن سيف بن وائل بن الجيزيّ بن شراحيل بن المغافر بن يغفر. وقيل أن قرافة اسم أمّ عزافر، وجحض ابني سيف بن وائل بن الجيزيّ. قد صحف القضاعيّ في قوله غصن بالغين المعجمة، والأقرب ما قاله الكنديّ، لأنه أقعد بذلك. وقال ياقوت والقرافة - بفتح القاف وراء مخففة وألف خفيفة وفاء - الأوّل مقبرة بمصر مشهورة مسماة بقبيلة من المغافر يقال لهم بنو قرافة، الثاني القرافة محلة بالإسكندرية منسوبة إلى القبيلة أيضا. وقال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ في كتاب النقط: وقد ذكر جامع القرافة الذي يقال له اليوم جامع الأولياء، وكان جماعة من الرؤساء يلزمون النوم بهذا الجامع ويجلسون في ليالي الصيف يتحدّثون في القمر، في صحنه، وفي الشتاء ينامون عند المنبر، وكان يحصل لقيمه الأشربة والحلوى والجرايات، وكان الناس يحبون هذا الموضع ويلزمونه لأجل من يحضر من الرؤساء، وكانت الطفيلية يلزمون المبيت فيه ليالي الجمع، وكذلك أكثر المساجد التي بالقرافة والجبل والمشاهد لأجل ما يحمل إليها ويعمل فيها من الحلاوات واللحومات والأطعمة، وقال موسى بن محمد بن سعيد في كتاب المعرب عن أخبار المغرب: وبت
стр. 1661
ليالي كثيرة بقرافة الفسطاط، وهي في شرقيها بها منازل الأعيان بالفسطاط والقاهرة، وقبور عليها مبان معتنى بها، وفيها القبة العالية العظيمة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشافعيّ ﵁، وبها مسجد جامع وترب كثيرة عليها أوقاف للقرّاء، ومدرسة كبيرة للشافعية، ولا تكاد تخلو من طرب، ولا سيما في الليالي المقمرة، وهي معظم مجتمعات أهل مصر، وأشهر منتزهاتهم وفيها أقول:
إنّ القرافة قد حوت ضدّين من … دنيا وأخرى فهي نعم المنزل
يغشى الخليع بها السماع مواصلا … ويطوف حول قبورها المتبتل
كم ليلة بتنا بها ونديمنا … لحن يكاد يذوب منه الجندل
والبدر قد ملأ البسيطة نوره … فكأنما قد فاض منه جدول
وبدا يضاحك أوجها حاكينه … لما تكامل وجهه المتهلل
وفوق القرافة من شرقيها جبل المقطم، وليس له علوّ ولا عليه اخضرار، وإنما يقصد للبركة، وهو نبيه الذكر في الكتب، وفي سفحه مقابر أهل الفسطاط والقاهرة، والإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف من أبنيتها وقبابها وحجرها، ولا أعجب تربة منها، كأنها الكافور والزعفران مقدّسة في جميع الكتب، وحين تشرف عليها تراها كأنها مدينة بيضاء، والمقطم عال عليها كأنه حائط من ورائها، وقال شافع بن عليّ:
تعجبت من أمر القرافة إذ غدت … على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو
فألفيتها مأوى الأحبة كلهم … ومستوطن الأحباب يصبو له القلب
وقال الأديب أبو سعيد محمد بن أحمد العميديّ:
إذا ما ضاق صدري لم أجد لي … مقرّ عبادة إلاّ القرافه
لئن لم يرحم المولى اجتهادي … وقلة ناصري لم ألف رأفه
واعلم أن الناس في القديم إنما كانوا يقبرون موتاهم فيما بين مسجد الفتح وسفح المقطم، واتخذوا الترب الجليلة أيضا فيما بين مصلّى خولان وخط المغافر التي موضعها الآن كيمان تراب، وتعرف الآن بالقرافة الكبرى. فلما دفن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب ابنه في سنة ثمان وستمائة بجوار قبر الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ، وبنى القبة العظيمة على قبر الشافعيّ، وأجرى لها الماء من بركة الحبش بقناطر متصلة منها، نقل الناس الأبنية من القرافة الكبرى إلى ما حول الشافعيّ، وأنشأوا هناك الترب، فعرفت بالقرافة الصغرى، وأخذت عمائرها في الزيادة وتلاشى أمر تلك، وأما القطعة التي تلي قلعة الجبل فتجدّدت بعد السبعمائة من سني الهجرة، وكان ما بين قبة الإمام الشافعيّ، رحمة اللّه
стр. 1662
عليه، وباب القرافة ميدانا واحدا تتسابق فيه الأمراء والأجناد، ويجتمع الناس هنالك للتفرّج على السباق، فتصير الأمراء تسابق على حدة، والأجناد تسابق في جهة وهم منفردون عن الأمراء، والشرط في السباق من تربة الأمير بيدرا إلى باب القرافة، ثم استجدّ أمراء دولة الناصر محمد بن قلاون في هذه الجهة الترب، فبنى الأمير يلبغا التركمانيّ، والأمير طقتمر الدمشقيّ، والأمير قوصون وغيرهم من الأمراء، وتبعهم الجند وسائر الناس، فبنوا الترب والخوانك والأسواق والطواحين والحمامات، حتى صارت العمارة من بركة الحبش إلى باب القرافة، ومن حدّ مساكن مصر إلى الجبل، وانقسمت الطرق في القرافة وتعدّدت بها الشوارع، ورغب كثير من الناس في سكناها العظم القصور التي أنشأت بها، وسميت بالترب، ولكثرة تعاهد أصحاب الترب لها وتواتر صدقاتهم ومبرّاتهم لأهل القرافة، وقد صنف الناس فيمن قبر بالقرافة، وأكثروا من التأليف في ذلك، ولست بصدد شيء مما صنفوا في ذلك، وإنما غرضي أن أذكر ما تشتمل عليه القرافة. وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ظهر بالقرافة شيء يقال له القطربة، تنزل من جبل المقطم، فاختطفت جماعة من أولاد سكانها حتى رحل أكثرهم خوفا منها، وكان شخص من أهل كبارة مصر يعرف بحميد الفوّال خرج من أطفيح على حماره، فلما وصل إلى حلوان عشاء رأى امرأة جالسة على الطريق فشكت إليه ضعفا وعجزا، فحملها خلفه فلم يشعر بالحمار إلاّ وقد سقط، فنظر إلى المرأة فإذا بها قد أخرجت جوف الحمار بمخاليبها، ففرّ وهو يعدو إلى والي مصر وذكر له الخبر، فخرج بجماعته إلى الموضع فوجد الدابة قد أكل جوفها، ثم صارت بعد ذلك تتبع الموتى بالقرافة وتنبش قبورهم وتأكل أجوافهم وتتركهم مطروحين، فامتنع الناس من الدفن في القرافة زمنا حتى انقطعت تلك الصورة.
ذكر المساجد الشهيرة بالقرافة الكبيرة
اعلم أن القرافة بمصر اسم لموضعين، القرافة الكبيرة حيث الجامع الذي يقال له جامع الأولياء، والقرافة الصغيرة وبها قبر الإمام الشافعيّ، وكانتا في أوّل الأمر خطتين لقبيلة من اليمن هم من المغافر بن يغفر، يقال لهم بنو قرافة. ثم صارت القرافة الكبيرة جبانة، وهي حيث مصلّى خولان والبقعة وما هو حول جامع الأولياء، فإنه كان يشتمل على مساجد وربط وسوق وعدّة مساكن، منها ما خرب ومنها ما هو باق، وسترى من ذلك ما يتيسر ذكره.
مسجد الأقدام
هذا المسجد بالقرافة بخط المغافر. قال القضاعيّ: ذكر الكنديّ أن الجند بنوع وليس من الخطط، وسمي بالأقدام لأنّ مروان بن الحكم لما دخل مصر وصالح أهلها وبايعوه، امتنع من بيعته ثمانون رجلا من المغافر سوى غيرهم، وقالوا لا ننكث بيعة ابن الزبير، فأمر
стр. 1663
مروان بقطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم على بئر المغافر في هذا الموضع، فسمي المسجد بهم لأنه بنى على آثارهم. والآثار الأقدام، يقال جئت على قدم فلان أي على أثره، وقيل بل أمرهم بالبراءة من عليّ بن أبي طالب ﵁ فلم يتبرّؤوا منه فقتلهم هناك. وقيل إنما سمي مسجد الأقدام لأنّ قبيلتين اختلفتا فيه، كلّ تدّعي أنه من خطتها، فقيس ما بينه وبين كلّ قبيلة بالأقدام وجعل لأقربهما منه. والقديم من هذا المسجد هو محرابه والأروقة المحيطة به، وأما خارجه فزيادة الإخشيد، والزيادة الجديدة التي في بحريه لسمعون الملقب بسهم الدولة متولى الستارة، وكان من أهل السنة والخير. ويقال إنما سمي مسجد الأقدام لأنه كان يتداوله العباد، وكانت حجارته كذانا (١)، فأثر فيها موضع أقدامهم، فسمي لذلك مسجد الأقدام.
مسجد الرصد
هذا المسجد بناه الأفضل أبو القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ بعد بنائه للجامع المعروف بجامع الفيلة، لأجل رصد الكواكب بالآلة التي يقال لها ذات الحلق، كما ذكر فيما تقدّم.
مسجد شقيق الملك
هذا المسجد بجوار مسجد الرصد، بناه شقيق الملك خسروان صاحب بيت المال، أحد خدّام القصر في أيام الخليفة الحافظ لدين اللّه في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وعمل فيه للحافظ ضيافة عظيمة حضر فيها بنفسه، ومعه الأمراء والأستاذون وكافة الرؤساء، وكان فيه كرم وسموّ همة، وكان لمساجد القرافة والجبل عنده روزنامج بأسماء أربابها، فينفد إليهم في أيام العنب والتين لكلّ مسجد قفص رطب، ويرسل في كلّ ليلة من ليالي الوقود لكلّ مسجد خروف شواء وسطل جوذآب وجام حلوى، ولا سيما إذا كان بائتا في هذا المسجد، فإنه لا يأكل حتى يسير ذلك لمن اسمه عنده، وكان يعمل جفان القطائف المحشوّة باللوز والسكر والكافور والمسك، وفيها ما فيه بدل اللوز الفستق، ويستدعى من لا يقدر على ذلك من أهل الجبل والقرافة وذوي البيوت المنقطعين ويأمر إذا حضروا بسكب الحلو والشيرج عليه بالجرار، ويأمرهم بالأكل منه، والحمل معهم، وكان أحبهم إليه من يأكل طعامه ويستدعي برّه وأنعامه ﵀.
مسجد الانطاكيّ
هذا المسجد كان أيضا بالرصد، وما برحت هذه المساجد الثلاثة بالرصد يسكنها
стр. 1664
الناس إلى ما بعد سنة ثمانين وسبعمائة، ثم خربت وصار الرصد من الأماكن المخوفة بعد ما أدركته منتزها للعامّة.
مسجد النارنج
هذا المسجد عامر إلى يومنا هذا فيما بين الرصد والقرافة الكبرى، بجانب سقاية ابن طولون المعروفة بعفصة الكبرى، غربيها إلى البحريّ قليلا، وهو المطلّ على بركة الحبش شرقيّ الكتفي وقبليّ القرافة. بنته الجهة الآمرية المعروفة بجبهة الدار الجديدة في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، أخرجت له اثني عشر ألف دينار على يد الأستاذين افتخار الدولة يمن، ومعز الدولة الطويل، المعروف بالوحش. وتولى العمارة والإنفاق عليه الشريف أبو طالب موسى بن عبد اللّه بن هاشم بن مشرف بن جعفر بن المسلم بن عبيد اللّه بن جعفر بن محمد بن إبراهيم بن محمد اليمانيّ بن عبيد اللّه بن موسى الكاظم الحسينيّ الموسويّ، المعروف بابن أخي الطيب بن أبي طالب الورّاق، وسمي مسجد النارنج لأنّ نارنجه لا ينقطع أبدا.
مسجد الأندلس
هذا المسجد في شرقيّ القرافة الصغرى بجانب مسجد الفتح، في الموضع الذي يعرف عند الزوّار بالبقعة، وهو مصلّى المغافر على الجنائز. ويقال أنه بني عند فتح مصر، وقيل بني في خلافة معاوية بن أبي سفيان، ثم بنته جهة مكنون، واسمها علم الآمرية أمّ ابنة الآمر التي يقال لها ست القصور، في سنة ست وعشرين وخمسمائة، على يد المعروف بالشيخ أبي تراب.
وجهة مكنون هذه: كان الخليفة الآمر بأحكام اللّه كتب صداقها وجعل المقدّم منه أربعة عشر ألف دينار، وكان لها صدقات وبرّ وخير وفضل، وعندها خوف من اللّه، وكانت تبعث إلى الأشراف بصلات جزيلة، وترسل إلى أرباب البيوت والمستورين أموالا كثيرة، ولما وهب الآمر لهزار الملوك ولبرغش في كلّ يوم مائتي ألف دينار عينا، لكل منهما مائة ألف دينار، حضر، إليها عشاء على عادته، فأغلقت باب مقصورتها قبل دخوله وقالت له:
واللّه ما تدخل إليّ أو تهب لي مثل ما وهبت لواحد من غلاميك. فقال: الساعة: ثم استدعى بالفرّاشين فحضروا فقال: هاتوا مائة ألف دينار الساعة، ولم يزل واقفا إلى أن حضرت عشرة كيسة في كل كيس عشرة آلاف دينار، ويحمل عشرة من الفرّاشين. ففتحت له الباب ودخل إليها. ومكنون هذا هو الأستاذ الذي كان برسم خدمتها، ويقال له مكنون القاضي لسكونه وهدئه، وكان فيه خبر وبرّ كبير، وبجانب مسجد الأندلس هذا رباط من غريبه بنته جهة مكنون هذه في سنة ست وعشرين وخمسمائة، برسم العجائز الأرامل. فلما كان في
стр. 1665
سنة أربع وسبعين وخمسمائة، بنى الحاجب لؤلؤ العادليّ برحبة الأندلس والرباط بستانا وأحواضا ومقعدا، وجمع بين مصلّى الأندلس وبين الرباط بحائط بينهما، وعمل ذلك لحلول العفيف حاتم بن مسلم المقدسيّ الشافعيّ به، ولما مات السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ بدمشق في المحرّم سنة ست وسبعين وستمائة، وقام من بعده في السلطنة ابنه الملك السعيد محمد بركة خان، عمل لأبيه عزاء بالأندلس هذا، فاجتمع هناك القرّاء والفقهاء وأقيمت المطابح وهيئت المطاعم الكثيرة وفرّقت على الزوايا ومدّت أسمطة عظيمة بالخيام التي ضربت حول الأندلس، فأكل الناس على اختلاف طبقاتهم، وقرأ القرّاء ختمة شريفة، وعدّ هذا الوقت من المهمات العظيمة المشهورة بديار مصر، وكان ذلك في المحرّم سنة سبع وسبعين وستمائة، على رأس سنة من موت الملك الظاهر، فقال في ذلك القاضي محيي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر.
يا أيها الناس اسمعوا … قولا بصدق قد كسي
إنّ عزا السلطان في … غرب وشرق ما نسي
أليس ذا مأتمه … يعمل في الأندلس
ثم عمل بعد ذلك مجتمع في المدرسة الناصرية بجوار قبة الشافعيّ من القرافة، ومجتمع بجامع ابن طولون، ومجتمع بجامع الظاهر من الحسينية خارج القاهرة، ومجتمع بالمدرسة الظاهرية بين القصرين، ومجتمع بالمدرسة الصالحية، ومجتمع بدار الحديث الكاملية، ومجتمع بالخانقاه الصلاحية لسعيد السعداء، ومجتمع بالجامع الحاكميّ، وأقيم في كلّ واحد من هذه المجتمعات الأطعمة الكثيرة، وعمل للتكاررة خوان، وللفقراء خوان، حضره كثير من أهل الخيل والصلاح فقيل في ذلك:
فشكرا لها أوقات برّ نقبلت … لقد كان فيها الخير والبرّ أجمعا
لقد عمّت النعمى بها كلّ موطن … سقتها الغوادي مربعا ثم مربعا
ولما مضى السلطان لما يمض جوده … وخلّف فينا برّه متنوّعا
فتى عيش في معروفه بعد موته … كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
فدام له منّا الدعاء مكرّرا … مدى دهرنا واللّه يسمع من دعا
مسجد البقعة
هذا المسجد مجاور لمسجد الفتح من غربيه، بناه الأمير أبو منصور صافي الأفضلي.
مسجد الفتح
هذا المسجد المشهور بجوار قبر الناطق، بناه شرف الإسلام سيف الإمام يانس الروميّ وزير مصر، وسمي بالفتح لأن منه كان انهزام الروم إلى قصر الشمع حين قدم الزبير بن
стр. 1666
العوّام، والمقداد بن الأسود فيمن سواهما مددا لعمرو بن العاص، وكان الفتح، ويقال أنّ محرابه اللطيف الذي بجانبه الشرقيّ قديم، وأنّ تحت حائطه الشرقيّ قبر عامر الذي كان أوّل من دفن بالقرافة، ومحراب مسجد الفتح منحرف عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب انحرافا كثيرا، كما ذكر عند ذكر محاريب مصر من هذا الكتاب، واستشهد يومئذ جماعة دفنوا في مجرى الحصا، فكان يرى على قبورهم في الليل نور.
مسجد أمّ عباس جهة العادل بن السلار
هذا المسجد كان بجوار مصلّى خولان بالمغافر غربيّ المقابر، بنته بلاوة زوج العادل بن السلار سلطان مصر، في خلافة الظافر سنة سبع وأربعين وخمسمائة، على يد المعروف بالشريف عز الدولة الرضويّ بن القفاص، وكانت بلاوة مغربية، وهي أمّ الوزير عباس الصنهاجيّ الباديسيّ وقد دثر هذا المسجد.
مسجد الصالح
هذا المسجد كان بخط جامع القرافة المعروف بجامع الأولياء، عرف بمسجد بني عبيد اللّه، وبمسجد القبة، وبمسجد العزاء، والذي بناه الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر، وكان في أعلاه مناظر وعمارته متقنة الزيّ، وأدركته عامرا إلى ما بعد سنة ثمانمائة.
مسجد وليّ عهد أمير المؤمنين
هو الأمير أبو هاشم العباس بن شعيب بن داود المهديّ، أحد الأقارب في الأيام الحاكمية، كان إلى جانب مسجد الصالح، وبجانبه تربته، وكان المسجد من حجر وبابه محمول على أربع حنايا، وتحت الحنايا باب المسجد، وفي شرقيه أيضا أربع حنايا، وكانت دار أبي هاشم هذا بمصر دار الأفراح، ومن ولده الشريف الأمير الكبير أبو الحسن عليّ ابن الأمير عباس بن شعيب بن أبي هاشم المذكور، ويعرف بالشريف الطويل وبالنباش.
مسجد الرحمة
هذا المسجد كان في صدر القرافة الكبرى بالقرب من تربة ركن الإسلام محمود ابن أخت الملك الصالح طلائع بن رزيك. قال الكنديّ: ومنها مسجد القرافة، وهو بنو محصن بن سيف بن وائل بن الجيزيّ، قبليّ القرافة على يمينك إذا أممت مسجد الأقدام، مقابله فسقية صغيرة، وله منارة، يعرف بمسجد الرحمة، وعرف هذا المسجد بأبي تراب الصوّاف وكيل الجهة التي بنت مسجد الأندلس ورباطه، ومسجد رقية. وأبو تراب هذا تولى بناءه، وكان يقوم بخدمته الشيخ نسيم، وأبو تراب هو الذي أخرج إليه ولد الآمر في قفة من خوص، فيها حوائج طبيخ من كرّاث وبصل وجزر وهو طفل في القماط في أسفل
стр. 1667
القفة، والحوائج فوقه، ووصل به إلى القرافة وأرضعته المرضعة بهذا المسجد وخفي أمره عن الحافظ حتى كبر، وصار يسمى قفيفة. فلما حان نفعه نمّ عليه أبو عبد اللّه الحسين بن أبي الفضل عبد اللّه بن الحسين الجوهريّ الواعظ، بعد ما مات الشيخ أبو تراب، عند الحافظ. فأخذ الصبيّ وقصده فمات. وخلع على ابن الجوهريّ، ثم نفي إلى دمياط فمات بها في جمادى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.
مسجد مكنون
هو بجانب مسجد الرحمة، بناه الأستاد مكنون القاضي الذي تقدّم ذكره في مسجد الأندلس.
مسجد جهة ريحان
هذا المسجد كان في وجه مسجد أبي تراب قبالة دار البقر من القرافة الكبرى، وجدّده أستاذ الجهة الحافظية، واسمه ريحان، في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
مسجد جهة بيان
هذا المسجد كان في بطحاء مسجد الأقدام بجوار ترب المادرانيين، بنته الجهة الحافظية المعروفة بجهة بيان الحساميّ، على يد أبي الفضل الصعيديّ المعروف بابن الموفق، وحكى الخليفة عن هذه الجهة خبرا عجيبا. قال القاضي المكين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة: قال لي أمير المؤمنين الحافظ يوما: يا قاضي أبا الطاهر. قلت لبيك يا أمير المؤمنين. قال: أحدّثك بحديث عجيب قلت نعم. قال لما جرى من أبي عليّ بن الأفضل ما جرى بينما أنا في الموضع الذي كنت معتقلا فيه، رأيت كأني قد جلست في مجلس من مجالس القصر أعرفه، وكان الخلافة قد أعيدت إليّ، وكأنّ المغنيات قد دخلن يهنينني ويغنين بين يدي، وفي جملتهنّ جارية معها عود، يعني هذه الجارية المذكورة، فأنشأت تغني قول أبي العتاهية:
أتته الخلافة منقادة … إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلاّ له … ولم يك يصلح إلاّ لها
ولو نالها أحد غيره … لزلزلت الأرض زلزالها
وكأني قمت إلى خزانة بالمجلس أخذت منها حقة فيها جوهر. فملأت فمها منه، ثم استيقظت. فو اللّه يا قاضي ما كان إلاّ يومان حتى كسر عليّ الحبس لما قتل أبو عليّ بن الأفضل وقيل لي السلام على أمير المؤمنين، فلما خرجت وأقمت أياما جلست في ذلك المجلس الذي رأيته في النوم، ودخل الجواري يهنينني، فغنت إحداهنّ وهي ذات عود ذلك
стр. 1668
الصوت بعينه، فقلت لها: على رسلك حتى نقضي نحن أيضا من حقك ما يجب علينا، وقمت إلى الخزانة وأخذت الحق الذي فيه الجوهر، ثم جئت إليها وقلت لها افتحي فاك، ففتحته، وحشوته جوهرا وقلت لها إنّ لك علينا في كلّ سنة في مثل هذا اليوم مثل ذلك.
مسجد توبة
هو ابن ميسرة الكتاميّ، مغني المستنصر، كان في شرقيّ الأقهوب، وقبالته تربة تنسب إلى الطبالة صاحبة أرض الطبالة، وكلاهما في القرافة الكبرى.
مسجد دري
هذا المسجد كان في القرافة الكبرى في رحبة الأقهوب، بناه شهاب الدولة دري، غلام المظفر أخي الأفضل ابن أمير الجيوش، في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وكان أرمنيا فأسلم وصار من المتشدّدين في مذهب الإمامية، وقرأ الجمل للزجاجيّ في النحو، واللمع لابن جني، وكانت له خرائط من القطن الأبيض يلبسها في يديه ورجليه، وكان يتولى خزائن الكسوات، ولا يدخل على بسط السلاطين ولا على بسط الخليفة الحافظ لدين اللّه، ولا يدخل مجلسه إلاّ بالخرائط في رجليه، ولا يأخذ من أحد رقعة إلاّ وفي يده خريطة، يظنّ أنّ من لمسه نجسه، وسوسة منه. فإن اتفق أنه صافح أحدا، أو أمسك رقعة بيده من غير خريطة، لا يمس ثوبه ولا بدنه حتى يغسلها، فإن مس ثوبه غسل الثوب. وكان الأستاذون يعبثون به ويرمون في بساط الخليفة الحافظ العنب، فإذا مشى عليه وانفجر ووصل ماؤه إلى رجليه سبهم وحرد، فيضحك الخليفة ولا يؤاخذه، وعمل مرّة الوزير رضوان بن ولخشيّ دواة حليتها ألف دينار مرصعة، فدخل عليه شهاب الدولة دري الصغير هذا، وقد أحضرت الدواة المذكورة، فقال له: يا مولانا أحسن من مداد هذه الدواة ووقع على هذه، فيكون ذلك زكاتها إذ للّه فيه رضى ولنبيه، وناوله رقعة الشريف القاضي سنا الملك أسعد الجوّانيّ النحويّ، يطلب فيها راتبا لابنه الشريف أبي عبد اللّه محمد في الشهر ثلاثة دنانير، فوقع عليها. فلما كان في الليل رأى في نومه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ وهو يقول: جزاك اللّه خيرا على فعلك اليوم.
مسجد ست غزال
هذا المسجد كان في القرافة الكبرى بجوار تربة النعمان، بنته ست غزال في سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وكانت غزال هذه صاحبة دواة الخليفة، لا تعرف شيئا إلاّ أحكام الدوى والليق (١) ومسح الأقلام والدواة، وكان برسم خدمتها الأستاذ مأمون الدولة الطويل.
стр. 1669
مسجد رياض
هو لوقافة الحافظ لدين اللّه، كانت تقف بين يديه بالقصر، وكان بجوار المصنعة الصغرى الطولونية التي يجيء الماء إليها من عفصة الكبرى، وكان فيه حوش به عدّة بيوت للنساء المنقطعات.
مسجد عظيم الدولة
هذا المسجد كان معلقا بخط سوق القرافة الكبرى، واكن عظيم الدولة هذا صقلبيا صاحب الستر وحامل المظلة، وكان بجوار هذا المسجد مسجد التمساح، ومسجد السدرة، ومسجد جهة مراد، وكان القاضي أبو عبد اللّه محمد بن أبي الفرج هبة اللّه بن الميسر، لما عمل قدّامة منارة النحاس الرومية ذات السواعد، واجتاز بها من تحت سدرة المسجد في ليلة الوقود، نصف شهر رجب سنة ثلاثين وخمسمائة، عاقتها السدرة فأمر بقطع بعضها، فقيل له: لا تفعل، فإنّ قطع السدر محذور. وقد روى أبو داود في كتاب السنن له، أن رسول اللّه ﷺ قال: «من قطع سدرة صوّب اللّه رأسه في النار» فقطعها على ركوب نصف شعبان، فما أسنى وصرف فيّ المحرّم وفني إلى تنيس وقتل.
مسجد أبي صادق
هذا المسجد كان غربيّ مسجد الأقدام، بناه ابن سعدون أبو الحسن عليّ بن محمد البغداديّ، بعد سنة عشرين وأربعمائة، وجدّده أخوه أبو عبد اللّه الحسين بن محمد بن الحسن بن سعدون البغداديّ سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وهو مسجد أبي صادق مرشد المدينيّ المالكيّ المحدّث، وكان قاريء المصحف بالجامع، ومصليا به، ومصدّرا فيه لإقراء السبع، وكان فيه حنة على الحيوانات لا سيما على القطط والكلاب، وكان مشارف الجامع وجعل عليه جاريا من الغدد كلّ يوم لأجل القطط، وكان عند داره بزقاق الأقفال من مصر كلاب يطعمها ويسقيها، وربما تبع دابته منها شيء يمشي معه في الأسواق، قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة في كتاب النقط على الخطط: حدّثني الشيخ منجب غلام أبي صادق قال: كان لمولاي الشيخ أبي صادق كلب لا يفارقه أبدا، إذا كان راكبا يمشي خلفه، فإذا وقفت بغلته قام تحت يديها، فإذا رآه الناس قالوا هذا أبو صادق وكلبه.
وحدّثني قال: ولدت كلبة في مستوقد حمّام، وكان المؤذن يأتي خلف مولاي سحرا كل يوم لقراءة المصحف، وكان مولاي يأخذ في كمه كلّ يوم رغيفا، فإذا حاذى موضع الكلبة قلع طيلسانه وقطع الخبز للكلبة ويرمي لها بنفسه إلى أن تأكل، ثم يستدعي الوقاد ويعطيه قيراطا ويقول له: اغسل قدحها واملأه ماء حلوا، ويستحلفه على ذلك. فلما كبر أولادها صار يأخذ بعد رغيفين إلى أن كبروا وتفرّقوا. وحدّثني قال: كان قد جعل كراء حانوت برسم
стр. 1670
القطاط بالجامع العتيق من الأحباس، وكان يؤتي بالغدد مقطعة، فيجلس ويقسم عليها، وإن قطة كانت تحمل شيئا من ذلك وتمضي به، وفعلت ذلك مرارا، فقال مولاي للشيخ أبي الحسن بن فرج امض خلف هذه القطة وانظر إلى أين تؤدّي ذلك، فمضى ابن فرج فإذا بها تؤدّيه إلى أولادها، فعاد إليه وأخبره، فكان بعد ذلك يقطع غددا صغارا على قدر مساغ القطط الصغار، وغددا كبار للكبار، ويرسل بجزء الصغار إليهم إلى أن كبروا،
مسجد الفرّاش
هذا المسجد كان بالقرافة الكبرى، بناه أحمد فرّاش الأفضل بن أمير الجيوش، وبجواره مسجد بناء زيد بن حسام، ومسجد الإجابة القديم، وتربة العطار، ودار البقر، وقناطر الأطفيحيّ، كلّ ذلك بالقرب من جامع القرافة.
مسجد تاج الملوك
هذا المسجد قدّام دار النعمان وتربته من القرافة الكبرى، بناه تاج الملوك بدران بن أبي الهيجاء الكرديّ الماردانيّ، وهو أخو سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء، صهر بني رزيك، وكان مجتمع أهل مصر عنده في الأعياد والمواسم وليالي الوقود.
مسجد الثمار
هذا المسجد كان ملاصقا للزيادة التي في بحريّ مسجد الأقدام، وفيه قبور بني الثمار.
مسجد الحجر
هذا المسجد كان بحريّ مسجد عمار بن يونس مولى المغافر، وشرقيّ قصر الزجاج من القرافة الكبرى، بنته مولاة عليّ بن يحيى بن طاهر المعروف بابن أبي الخارجيّ الموصليّ، في ربيع الأوّل سنة ثلاثين وأربعمائة.
مسجد القاضي يونس
هذا المسجد كان غربيّ مسجد الحجر المذكور، بناه الشيخ عدي الملك بن عثمان صاحب دار الضيافة، ثم صار بيد قاضي القضاة بمصر، الموفق كمال الدين أبي الفضائل يونس بن محمد بن الحسن المعروف بجوامرد، خطيب القدس القرشيّ، وكان من الأعيان، ولم يشرب قط من ماء النيل بل من ماء الآبار، ولم يأكل قط للسلطان خبزا، وكان يروى الحديث عن جده.
стр. 1671
مسجد الوزيرية
هذا المسجد كان بالقرافة الكبرى، وله منارة بجوار باب رباط الحجازية، وكانت الحجازية واعظة زمانها، وكانت من الخيّرات، لها القبول التام، وتدعى أمّ الخير، وكان لها من الصيت كما كان لابن الجوهريّ، وكانت على غاية من الكرم وحسن الأخلاق والشيم، ومن مكارم أخلاقها وحسن طباعها وكياسة انطباعها ما حكاه الجوّانيّ النسابة في كتاب النقط على الخطط قال: حدّثني الشيخ أبو الحسن بن السراج المؤذن بالجامع بمصر قال: كان قدّام الباب الأوّل من أبواب جامع مصر يباع رطب يقعد على الأرض وبين يديه اقفاص رطب من أحسن الأرطاب، فبينما الحجازية الواعظة هذه ذات يوم قد قاربت الخروج من باب الجامع، وهي في حفدتها وجواريها، وإذا ذلك الرطاب ينادي على قفص رطب قدّامه، معاشر الناس اشتروا الطيبة الحجازية على أربعة، على أربعة. يريد على أربعة أرطال رطب بدرهم. فلما سمعته الحجازية وقفت قبل أن تخرج من باب الجامع وأنفذت إليه بعض الجواري فصاحت به، فلما أتاها قالت له: يا أخي قولك الحجازية على أربعة مشكل، لا ترجع تنادي كذا، وهذا رباعي هدية مني لك ربح هذا القفص، ولا تناد كذا، فأخذه وقبل يدهل وقال السمع والطاعة.
مسجد ابن العكر
هذا المسجد غربيّ مسجد أبي صادق، بحضرة مسجد الأقدام، قبالة قصر الكتفي وبحذاء مسجد النارنج. بناه القاضي العادل بن العكر.
مسجد ابن كباس
هذا المسجد كان مجاور للقناطر الأطفيحية على يسار من أمّ طريق الجامع، بناه القاضي ابن كباس.
مسجد الشهمية
هذا المسجد كان شرقيّ مسجد الأقدام، وغربيّ قناطر ابن طولون، مجاورا لتربة القاضي ابن قابوس، كان يعرف بمسجد الفقاعة من الكلاع، ويعرف أيضا بمسجد شادن الفضليّ، غلام الوزير جعفر بن الفضل بن الفرات.
مسجد زنكادة
هذا المسجد كان غربيّ مسجد عمار بن يونس، بناه زنكادة المخنث بعد ما تاب في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.
стр. 1672
جامع القرافة
هذا الجامع يعرف اليوم بجامع الأولياء، وهو مسجد بني عبد اللّه بن مانع بن مزروع، ويعرف بمسجد القبة، وقد ذكر عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب.
مسجد الأطفيحيّ
هذا المسجد كان في البطحاء، بحريّ مجرى جامع الفيلة إلى الشرق، مخالطا لخطط الكلاع ورعين والأكنوع والأكحول. ويقال له مسجد وحاطة بن سعد الأطفيحيّ، من أهل أطفيح، شيخ له سمت، وكتب الحديث في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وما قبلها، وسمع من الحباك وهو في طبقته، وهو رفيق الفرّاء وابن مشرف وابن الحظية وأبي صادق، وسلك طريق أهل القناعة والزهد والعزلة كأبي العباس ابن الحظية وكان الأفضل الكبير شاهنشاه صاحب مصر قد لزمه، واتخذ السعي إليه مفرتضا، والحديث معه شهوة. وغرضا لا ينقطع عنه. وكان فكه الحديث، قد وقف من أخبار الناس والدول على القديم والحديث، وقصده الناس لأجل حلول السلطان عنده لقضاء حوائجهم فقضاها، وصار مسجده موئلا للحاضر والبادي. وصدى لإجابة صوت النادي، وشكا الشيخ إلى الأفضل تعذر الماء ووصوله إليه، فأمر ببناء القناطر التي كانت في عرض القرافة من المجرى الكبيرة الطولونية، فبنيت إلى المسجد الذي به الأطفيحيّ، ومضى عليها من النفقة خمسة آلاف دينار، وعمل الأطفيحيّ صهريج ماء شرقيّ المسجد، عظيما محكم الصنعة، وحمّاما وبستانا كان به نخلة سقطت بعد سنة خمسين وخمسمائة. وعمل الأفضل له مقعدا بحذاء المسجد إلى الشرق، علو زيادة في المسجد شرقيه، وقاعة صغيرة مرخمة إذا جاء عنده جلس فيها وخلا بنفسه واجتمع معه وحادثه، وكان هذا المقعد على هيئة المنظرة بغير ستائر، كلّ من قصد الأطفيحيّ من الكتفي يراه، وكان الأفضل لا يأخذه عنه القرار، يخرج في أكثر الأوقات من دار الملك باكرا أو ظهرا أو عصرا بغتة، فيترجل ويدق الباب وقارا للشيخ، كما كان الصحابة ﵃ يقرعون أبواب النبيّ ﷺ بظفر الإبهام والمسبحة، كما يحصب بهما الحاصب، فإن كان الشيخ يصلي لا يزال واقفا حتى يخرج من الصلاة ويقول من فيقول ولدك شاهنشاه. فيقول نعم. ثم يفتح فيصافحه الأفضل ويمرّ بيده التي لمس بها يد الشيخ على وجهه، ويدخل فيقول الشيخ: نصرك اللّه، أيدك اللّه، سدّدك اللّه، هذه الدعوات الثلاثة لا غير أبدا. فيقول الأفضل آمين، وبنى له الأفضل المصلّى ذات المحاريب الثلاثة شرقيّ المسجد إلى القبليّ قليلا، ويعرف بمصلّى الأطفيحيّ، كان يصلّي فيه على جنائز موتى القرافة، وكان سبب اختصاص الأفضل بهذا الشيخ، أنه لما كان محاصرا نزار بن المستنصر بالإسكندرية، وناصر الدولة أفتكين الأرمنيّ، أحد مماليك أمير الجيوش بدر، وكانت أمّ
стр. 1673
الأفضل إذ ذاك وهي عجوز لها سمت ووقار، تطوف كلّ يوم وفي الجمعة الجوامع والمساجد والرباطات والأسواق، وتستقص الأخبار، وتعلم محب ولدها الأفضل من مبغضه، وكان الأطفيحيّ قد سمع بخبرها، فجاءت يوم جمعة إلى مسجده وقالت له: يا سيدي ولدي في العسكر مع الأفضل، اللّه يأخذ لي الحق منه، فإني خائفة على ولدي، فادع اللّه لي أن يسلمه. فقال لها الشيخ: يا أمة اللّه أما تستحيين تدعين على سلطان اللّه في أرضه، المجاهد عن دينه، اللّه تعالى ينصره ويظفره ويسلّمه، ويسلم ولدك، ما هو إن شاء اللّه إلاّ منصور مؤيد مظفر، كأنك به وقد فتح الإسكندرية وأسر أعداءه وأتى على أحسن قضية وأجمل طوية، فلا تشغلي لك سرّا، فما يكون إلاّ خيرا إن شاء اللّه تعالى، ثم إنها اجتازت بعد ذلك بالفار الصيرفيّ بالقاهرة بالسرّاجين، وهو والد الأمير عبد الكريم الآمريّ صاحب السيف، وكان عبد الكريم قد ولي مصر بعد ذلك في الأيام الحافظية، وكان عبد الكريم هذا له في أيام الآمر وجاهة عظيمة وصولة، ثم افتقر.
فوقفت أمّ الأفضل على الصيرفيّ تصرف دينارا وتسمع ما يقول، لأنه كان إسماعيليا متغاليا، فقالت له: ولدي مع الأفضل؛ وما أدرى ما خبره. فقال لها الفار المذكور، لعن اللّه المذكور الأرمنيّ الكلب العبد السوء ابن العبد السوء، مضى يقاتل مولاه ومولى الخلق، كأنك واللّه يا عجوز برأسه جائزا من هاهنا على رمح قدّام مولاه نزار ومولاي ناصر الدولة إن شاء اللّه تعالى، واللّه يلطف بولدك، من قال لك تخليه يمضي مع هذا الكلب المنافق، وهو لا يعرف من هي.
ثم وقفت على ابن بابان الحلبيّ وكان بزازا بسوق القاهرة فقالت له مثل ما قالت للفار الصيرفيّ … وقال لها مثل ما قال لها. فلما أخذ الأفضل نزارا وناصر الدولة وفتح الإسكندرية، حدّثته والدته الحديث وقالت: إن كان لك أب بعد أمير الجيوش فهذا الشيخ الأطفيحيّ. فلما خلع عليه المستعلي بالقصر وعاد إلى دار الملك بمصر، اجتاز بالبزازين يوما، فلما نظر إلى ابن بابان الحلبيّ قال: انزلوا بهذا فنزلوا به، فقال: رأسه. فضربت عنقه تحت دكانه. ثم قال لعبد على أحد مقدّمي ركابه: قف هاهنا لا يضيع له شيء إلى أن يأتي أهله فيتسلموا قماشه، ثم وصل إلى دكان الفار الصيرفيّ فقال: انزلوا بهذا، فنزلوا به، فقال: رأسه. فضربت عنقه تحت دكانه. وقال ليوسف الأصغر أحد مقدّمي الركاب اجلس على حانوته إلى أن يأتي أهله ويتسلموا موجوده، وإياك وماله وصندوقه، وإن ضاع منه درهم ضربت عنقك مكانه، كان لنا خصم أخذناه وقد فعلنا به ما يردع غيره عن فعله، وما لنا ماله، ولا فقر أهله، ثم أتى الأفضل إلى الشيخ أبي طاهر الأطفيحيّ وقرّبه وخصصه إلى أن كان من أمره مما شرحناه.
стр. 1674
مسجد الزيات
هذا المسجد مجاور بيت الخوّاص غربيه. ومسجد ابن أبي الردّاد، يعرف بمسجد الأنطاكيّ، ومسجد الفاخوريّ. يعرف بمسجد البطحاء، ومسجد ابن أبي الصغير، قبليّ مسجد بني مانع، وهو جامع القرافة، ومسجد الشريفة بني في سنة إحدى وخمسمائة، ومسجد ابن أبي كامل الطرابلسيّ، كان بحارة الفرن بناه الأعز بن أبي كامل، والمعبد الذي كان على رأس العقبة التي يتوصل منها إلى الرصد، بناه أبو محمد عبد اللّه الطباخ، ويقال أنه كان بالقرافة اثنا عشر ألف مسجد.
القصر المعروف بباب ليون بالشرف: هذا القصر كان على طرف الجبل بالشرف الذي يعرف اليوم … (١). وجاء الفتح وهو مبنيّ بالحجارة، ثم صار في موضعه مسجد عرف بمسجد المقس، والمقس ضيعة كانت تعرف بأمّ دنين، سميت المقس لأنّ العاشر كان يقعد بها، وصاحب المكس، فقلب فقيل المقس، وليون اسم بلد بمصر بلغة السودان والروم، وقد ذكر المقس عند ذكر ظواهر القاهرة من هذا الكتاب، واللّه تعالى أعلم.
ذكر الجواسيق التي بالقرافة
قال ابن سيده: الجوسق، الحصن. وقيل هو شبيه بالحصن معرّب، وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة في كتاب النقط على الخطط: الجواسق بالقرافة والجبانة كانت تسمى القصور، وكان بالقرافة قصر الكتفيّ، وقصر بني كعب، وقصر بني عقبة، وقصر أبي قبيل، وقصر العزيز، وقصر البغداديّ، وقصر يشب، وقصر ابن كرامة.
جوسق بني عبد الحكم: كان جوسقا كبيرا له حوش، وكان في وسط القرافة بحضرة مسجد بني سريع الذي يقال له الجامع العتيق، وهو أحد الجواسق الثلاثة، وهو جوسق عبد اللّه بن عبد الحكم الفقيه الإمام، وجدّد هذا الجوسق ابن اللهيب المغربي.
جوسق بني غالب، ويعرف ببني بابشاد: كان بالمغافر، بني في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وإلى جانبه قبر الشيخ أبي الحسن طاهر بن بابشاد.
جوسق ابن ميسر: كان بجوار جوسق بني غالب، بناه أبو عبد اللّه محمد ابن القاضي أبي الفرج هبة اللّه، وكان أبو الفرج هو الخطيب بجامع مصر، ويوم الغدير، وهو شافعيّ المذهب، وهو هبة اللّه بن الميسر. وذلك في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وخمسمائة، وأبو عبد اللّه هذا هو الذي كان بعد ذلك قاضي القضاة بمصر، وهو الذي حبس القياسر التي كانت في القشاشين بمصر، وكان يحمل قدّامه المنارة الرومية النحاس ذات السواعد التي
стр. 1675
عليها الشمع ليالي الوقودات، وكان فيه كرم، سمع بأن المادرانيّ عمل في أيامه الكعك الصغير المحشوّ بالسكر المسمى أفطن له، فأمر هو بعمل لب الفستق الملبس بالسكر الأبيض الفانيذ المطيب بالمسك، وعمل منه في أوّل الحال شيئا عوّض لبه لب ذهب في صحن واحد، فمضى فيه جملة، وخطف قدّامه، تخاطفه الحاضرون. ولم يعد لعمله بل الفستق الملبس. وهو أوّل من أخرجه بمصر، وكان قد سمع في سيرة أبي بكر المادرانيّ أنه عمل هذا الأفطن له، وجعل في كلّ واحد خمسة دنانير، ووقف أستاذ على السماط فقال لأحد الجلساء: افطن له. وكان على السماط عدّة صحون من ذلك الجنس، لكن ما فيها ما فيه دنانير إلاّ صحن واحد، فلما رمز الأستاذ لأحد الجلساء على سماط المادرانيّ بقوله افطن له، وأشار إلى الصحن، تناول الرجل منه فأصاب لك، فاعتمد له جملة، ورآه الناس وهو إذا أكل يخرج شيئا من فمه ويجمع بيده ويحط في حجره، فتنبهوا وتزاحموا عليه. فقيل لذلك المعمول من ذلك الوقت أفطن له، وقتل هذا القاضي في تنيس في أيام بهرام الوزير النصرانيّ الأرمني، سنة ست وعشرين وخمسمائة.
جوسق ابن مقشر: كان جوسقا طويلا ذا تربة إلى جانبه.
جوسق الشيخ أبي محمد: عامل ديوان الأشراف الطالبيين، وجوسق ابن عبد المحسن بخط الأكحول، وجوسق البغداديّ الجرجراي، كان قبره إلى جانبه، خرب في سنة عشرين وخمسمائة، وجوسق الشريف أبي إسماعيل إبراهيم بن نسيب الدولة الكلتميّ الموسوي نقيب مصر.
جوسق المادرانيّ: هذا الجوسق لم يبق من جواسق القرافة غيره، وهو جوسق كبير جدّا على هيئة الكعبة بالقرب من مصلى خولان في بحريه، على جانبه الممرّ من مقطع الحجارة، بناه أبو بكر محمد بن عليّ المادرانيّ في وسط قبورهم من الجبانة، وكان الناس يجتمعون عند هذا الجوسق في الأعياد، ويوقد جميعه في ليلة النصف من شعبان كل سنة وقودا عظيما، ويتحلق القرّاء حوله لقراءة القرآن، فيمرّ للناس هنالك أوقات في تلك الليلة وفي الأعياد بديعة حسنة.
جوسق حب الورقة: كان هذا الجوسق بحضرة تربة ابن طباطبا، أدركته عامرا، وقد خرب فيما خرّبه السفهاء من ترب القرافة وجواسقها، زعما منهم أن فيها خبايا، وكان أكابر أمراء المغافر ومن بعدهم ومن يجري مجراهم، لكلّ منهم جوسق بالقرافة يتنزه فيه ويعبد اللّه تعالى هناك، وكان من هذه الجواسق ما تحته حوض ماء لشرب الدواب وفسقية وبستان، وكان بالقرافة عدّة قصور، وهي التي تسمى بالجواسق، لها مناظر وبساتين، إلاّ أن الجواسق أكثرها بغير بساتين ولا بئر، بل مناظر مرتفعة، ويقال لها كلها قصور.
قصر القرافة: بنته السيدة تغريد أمّ العزيز بالله في سنة ست وستين وثلاثمائة، على يد
стр. 1676
الحسن بن عبد العزيز الفارسيّ المحتسب، هو والحمّام الذي كان في غربيه، وبنت البئر والبستان المعروف بالتاج، المعروف بحصن أبي المعلوم، وبنت جامع القرافة، ثم جدّده الآمر بأحكام اللّه وبيضه في سنة عشرين وخمسمائة، وعمل شرقيّ بابه مصطبة للصوفية، وكان مقدّمهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم المعروف بالمادح، وكان الآمر يجلس في الطاق بالمنظر الذي بناه بأعلى القصر، ويرقص أهل الطريقة قدّامه، وقد ذكر هذا القصر عند ذكر مناظر الخلفاء من هذا الكتاب، ولم يزل هذا القصر إلى ربيع الآخر سنة سبع وستين وخمسمائة.
ذكر الرباطات التي كانت بالقرافة
كان بالقرافة الكبيرة عدّة دور يقال للدار منها رباط، على هيئة ما كانت عليه بيوت أزواج النبيّ ﷺ ، يكون فيها العجائز والأرامل العابدات، وكانت لها الجرايات والفتوحات، وكان لها المقامات المشهورة من مجالس الوعظ.
رباط بنت الخوّاص: كان تجاه مسجد بيد الفقيه مجلي بن جميع بن نجا الشافعيّ، مؤلف كتاب الذخائر، وقاضي القضاة بمصر.
رباط الأشراف: كان برحبة جامع القرافة، يعرف بالقرّاء، وببني عبد اللّه، وبمسجد القبة، وهو شرقيّ بستان ابن نصر، بناه أبو بكر محمد بن عليّ المادرانيّ ووقفه على نساء الأشراف.
رباط الأندلس: بنته الجهة المعروفة بجهة مكنون الآمرية كما تقدّم.
رباط ابن العكاريّ: كان بحضرة مسجد بني سريع المعروف بالجامع العتيق.
رباط الحجازية: بنته وحبسته على الحجازية، فوز جارية عليّ بن أحمد الجرجراي الوزير، هو والمسجد الذي تقدّم ذكره.
رباط رياض: كان بجوار مسجد الحاجة رياض.
ذكر المصلّيات والمحاريب التي بالقرافة
وكان في القرافة عدّة مصلّيات وعدّة محاريب.
منها: مصلّى الشريفة: كان بدرب القرافة بحدرة الجباسين وخطة الصدف، بناه أبو محمد عبد اللّه بن الأرسوفيّ الشاميّ التاجر، سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
مصلّى المغافر: وهو الأندلس، جدّده ابن برك الإخشيديّ، ثم بنته جهة مكنون الآمرية في سنة ست وعشرين وخمسمائة.
стр. 1677
مصلّى عقبة القرافة، يعرف بمصلّى الأندلسيّ: كان ذا مصطبة مربعة على يسرة الطالع إلى القرافة، بناه يوسف بن أحمد الأندلسيّ الأنصاريّ، في شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة.
مصلّى القرافة: جدّده الفقيه ابن الصباغ المالكيّ، في سنة عشرين وخمسمائة، وكان بحضرة مسجد أبي تراب تجاه دار التبر.
مصلّى الفتح: كان ملاصقا لمسجد الفتح، بناه أبو محمد القلعيّ المغربيّ المنجم الحافظيّ.
مصلّى جهة العادل: أبي الحسن بن السلار وزير مصر.
مصلّى الأطفيحيّ: بجوار مسجد الأطفيحيّ الذي تقدّم ذكره.
مصلّى الجرجانيّ: بناه الوزير عليّ بن أحمد الجرجانيّ، وكانت بالقرافة الكبرى والجبانة عدّة محاريب خربت كلها.
مصلّى خولان: هذه المصلّى عرفت بطائفة من العرب الذين شهدوا فتح مصر يقال لهم خولان، وهم من قبائل اليمن، واسمه نكل بن عمرو بن مالك بن زيد بن عريب، وفي هذه المصلّى مشهد الأعياد، ويؤمّ الناس ويخطب لهم بها في يوم العيد خطيب جامع عمرو بن العاص، وليست هذه المصلّى هي التي أنشأها المسلمون عند فتح أرض مصر، وإنما كانت مصلّى العيد في أوّل الإسلام غير هذه. قال القضاعي: مصلّى العيد كان مصلى عمرو بن العاص مقابل اليحموم، وهو الجبل المطلّ على القاهرة. فلما ولي عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر، أمر بتحويله. فحوّل إلى موضعه المعروف اليوم بالمصلّى القديم عند درب السباع، ثم زاد فيه عبد اللّه بن طاهر سنة عشر ومائتين، ثم بناه أحمد بن طولون في سنة ست وخمسين ومائتين، واسمه باق عليه إلى اليوم.
قال الكنديّ: ولما قدم شفي الأصبحيّ إلى مصر، وأهل مصر قد اتخذوا مصلّى بحذاء ساقية أبي عون عند العسكر قال: ما لهم وضعوا مصلاّهم في الجبل الملعون وتركوا الجبل المقدّس، يعني المقطم. قال: فقدّموا مصلاّهم إلى موضعه الذي هو به اليوم، يعني المصلّى القديم المذكور. وقال الكنديّ: ثم ضاق المصلّى بالناس في إمارة عنبسة بن إسحاق الضبيّ على مصر، في أيام المتوكل على اللّه، فأمر عنبسة بابتناء المصلّى الجديد، فابتديء ببنائه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة أربعين ومائتين، وصلّى فيه يوم النحر من هذه السنة.
وعنبسة هو آخر عربيّ ولي مصر، وآخر أمير صلّى بالناس في المسجد، وهو المصلّى
стр. 1678
الذي بالصحراء عند الجاروديّ، ثم جدّده الحاكم وزاد فيه وجعل له قبة، وذلك في سنة ثلاث وأربعمائة، وكان أمراء مصر إذا خرجوا إلى صلاة العيد بالمصلّى أوقفوا جيشا في سفح الجبل مما يلي بركة الحبش، ليراعي الناس حتى ينصرفوا من الصلاة، خوفا من البجة. فإنهم قدموا غير مرّة ركبانا على النجب حتى كبسوا الناس في مصلاهم وقتلوا ونهبوا ثم رجعوا من حيث أتوا، فخرج عبد الحميد بن عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب غضبا للّه وللمسلمين مما أصابهم من البجة، فكمن لهم بالصعيد في طريقهم حتى أقبلوا كعادتهم في أخذ الناس في مصلّى العيد، فكبسهم وقتل الأعور رئيسهم بعد ما أقبلوا إلى المصلّى في العيد، في سنة ست وخمسين ومائتين، وأميره مصر أحمد بن طولون على النجب، وكبسوا الناس في مصلاّهم وقتلوا ونهبوا منهم وعادوا سالمين، ثم دخل العمريّ إلى بلاد البجة غازيا، فقتل منهم مقتلة عظيمة وضايقهم في بلادهم إلى أن أعطوه الجزية، ولم يكونوا أعطوا أحدا قبله الجزية، وسار في المسلمين وأهل الذمّة سيرة حسنة، وسالم النوبة إلى أن بدأ النوبة بالغدر في الموضع المعروف بالمريس، فمال عليهم وحاربهم وخرّب ديارهم وسبى منهم عالما كثيرا، حتى كان الرجل من أصحابه يبتاع الحاجة من الزيات والبقال بنوبيّ أو نوبية لكثرتهم معهم، فجاؤا إلى أحمد بن طولون وشكوا له من العمريّ، فبعث إليه جيشا ليحاربه، فأوقع بالجيش وهزمهم، وكانت لهم أنباء وقصص إلى أن قتله غلامان من أصحابه وأحضرا رأسه إلى أحمد بن طولون، فأنكر فعلهما وضرب أعناقهما وغسل الرأس ودفنه.
ذكر المساجد والمعابد التي بالجبل والصحراء
وكان بجبل المقطم وبالصحراء التي تعرف اليوم بالقرافة الصغرى عدّة مساجد وعدّة مغاير، ينقطع العباد بها، ومنها ما قد دثر ومنه شيء قد بقي أثره.
مسجد التنور: هذا المسجد في أعلى جبل المقطم من وراء قلعة الجبل في شرقيها، أدركته عامرا وفيه من يقيم به. قال القضاعيّ: المسجد المعروف بالتنور بالجبل، هو موضع تنور فرعون، كان يوقد له عليه، فإذا رأوا النار عملوا بركوبه فاتخذوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس. ثم بناه أحمد بن طولون مسجدا في صفر سنة تسع وخمسين ومائتين، ووجدت في كتاب قديم أنّ يهودا بن يعقوب أخا يوسف ﵇، لما دخل مع إخوته على يوسف وجرى من أمر الصواع ما جرى، تأخر عن إخوته وأقام في ذروة الجبل المقطم في هذا المكان، وكان مقابلا لتنور فرعون الذي كان يوقد له فيه النار. ثم خلا ذلك الموضع إلى زمن أحمد بن طولون، فأخبر بفضل الموضع وبمقام يهودا فيه، فابتنى فيه هذا المسجد والمنارة التي فيه، وجعل فيه صهريجا فيه الماء، وجعل الإنفاق عليه مما وقفه على البيمارستان بمصر والعين التي بالمغافر وغير ذلك. ويقال أنّ تنور فرعون لم يزل في هذا
стр. 1679
الموضع بحاله إلى أن خرج إليه قائد من قوّاد أحمد بن طولون يقال له وصيف قاطرميز، فهدمه وحفر تحته، وقدّر أن تحته مالا فلم يجد فيه شيئا، وزال رسم التنور وذهب، وأنشد أبو عمرو الكنديّ في كتاب أمراء مصر من أبيات لسعيد القاضي:
وتنور فرعون الذي فوق قلة … على جبل عال على شاهق وعر
بنى مسجدا فيه يروق بناءه … ويهدى به في الليل إن ضلّ من يسري
تخال سنا قنديله وضياءه … سهيلا إذا ما لاح في الليل للسفر
القرقوبيّ: قال القضاعيّ المسجد المعروف بالقرقوبيّ، هو على قرنة الجبل المطل على كهف السودان، بناه أبو الحسن القرقوبيّ الشاهد، وكيل التجار بمصر، في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وكان في موضعه محراب حجارة يعرف بمحراب ابن الفقاعيّ الرجل الصالح، وهو على يسار المحراب.
مسجد أمير الأمراء: رفق المستنصريّ على قرنة الجبل البحرية المطلة على وادي مسجد موسى ﵇.
كهف السودان: مغار في الجبل لا يعلم من أحدثه، ويقال أن قوما من السودان نقروه فنسب إليهم، وكان صغيرا مظلما، فبناه الأحدب الأندلسيّ القزاز، وزاد في سفله مواضع نقرها، وبنى علوه. ويقال أنه أنفق فيه أكثر من ألف دينار، ووسع المجاز الذي يسلك منه إليه، وعمل الدرج النقر التي يصعد عليها إليه، وبدأ في بنيانه مستهل سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وفرغ منه في شعبان من هذه السنة.
العارض: هذا المكان مغارة في الجبل، عرفت بأبي بكر محمد جدّ مسلم القاري، لأنه نقرها، ثم عمرت بأمر الحاكم بأمر اللّه، وأنشئت فيها منارة هي باقية إلى اليوم، وتحت العارض قبر الشيخ العارف عمر بن الفارض ﵀، وللّه در القائل:
جزبا لقرافة تحت ذيل العارض … وقل السلام عليك يا ابن الفارض
وقد ذكر القضاعيّ أربع عشرة مغارة في الجبل، منها. ما هو باق، وليس في ذكرها فائدة.
اللؤلؤة: هذا المكان مسجد في سفح الجبل منها. باق إلى يومنا هذا، كان مسجدا خرابا، فبناه الحاكم بأمر اللّه وسماه اللؤلؤة، قيل كان بناؤه في سنة ست وأربعمائة، وهو بناء حسن.
مسجد الهرعاء: فيما بين اللؤلؤة ومسجد محمود، وهو مسجد قديم يتبرّك بالصلاة فيه، وقد ذكر مسجد محمود عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب، لأنه تقام فيه الجمعة.
دكة القضاة: قال القضاعيّ: هي دكة مرتفعة عن المساجد في الجبل، كان القضاة بمصر يخرجون إليها لنظر الأهلّة كل سنة، ثم بني عليها مسجد.
стр. 1680
مسجد فائق: مولى خمارويه بن أحمد بن طولون، كان في سفح الجبل مما يلي طريق مسجد موسى ﵇.
مسجد موسى: بناه الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات.
مسجد زهرون بالصحراء: هو مسجد أبي محمد الحسن بن عمر الخولانيّ، ثم عرف بابن المبيض، وكان زهرون قيمه فنسب إليه.
مسجد الفقاعيّ: هو أبو الحسن عليّ بن الحسن بن عبد اللّه، كان أبوه فقاعيا (١) بمصر، وهو مسجد كبير بناه كافور الإخشيديّ، ثم جدّده وزاد فيه مسعود بن محمد صاحب الوزير أبي القاسم عليّ بن أحمد الجرجرايّ، وكان في وسط هذا المسجد محراب مبنيّ بطوب يقال أنه من بناء حاطب بن أبي بلتعة رسول رسول اللّه ﷺ إلى المقوقس، ويقال أنه أوّل محراب اختط في مصر، وكان أبو الحسن التميميّ قد زاد فيه ببناء قبل ذلك.
مسجد الكنز: هذا المسجد كان شرقيّ الخندق وبحريّ قبر ذي النون المصريّ، وكان مسجدا صغيرا يعرف بالزمام، ومات قبل تمامه، فهدمه أبو طاهر محمد بن عليّ القرشيّ القرقوبيّ ووسعه وبناه، وحكي أنه لما هدمه رأى قائلا يقول في المنام: على أذرع من هذا المسجد كنز، فاستيقظ وقال: هذا من الشيطان، فرأى هذا القائل ثلاث مرّات، فلما أصبح أمر بحفر الموضع فإذا فيه قبر، وظهر له لوح كبير تحته ميت في لحد كأعظم ما يكون من الناس جثة ورأسا، وأكفانه طرية لم يبل منها إلا ما يلي جمجمة الرأس، فإنه رأى شعر رأسه قد خرج من الكفن، وإذا له جمة، فراعه ما رأى وقال: هذا هو الكنز بلا شك، وأمر بإعادة اللوح والتراب كما كان، وأخرج القبر عن سائر الحيطان، وأبرزه للناس فصار يزار ويتبرّك به.
مسجد في غربيّ الخندق: أنشأه أبو الحسن بن النجار الزيات في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.
مسجد لؤلؤ الحاجب: بالقرافة الصغرى، بنى بجانبه مقبرة، وحفر عندها بئرا حتى انتهى الحفار إلى قرب الماء، فقال الحفار: إني أجد في البئر شيئا كأنه حجر. فقال له لؤلؤ تسبب في قلعه، فلما قلعه فار الماء وأخرجه، وإذا هو اسطام مركب، وهو الخشبة التي تبنى عليها السفينة، وهذا يصدّق ما قاله أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية، قال: إن أهل مصر يسكنون فيما انحسر عنه البحر الأحمر، يعني بحر الشام، وقد ذكر خبر لؤلؤ هذا عند ذكر حمام لؤلؤ.
стр. 1681
مقام المؤمن: قيل أنه مؤمن آل فرعون، لأنه أقام فيه، وهذا بعيد من الصحة.
قناطر ابن طولون وبئره: هذه القناطر قائمة إلى اليوم من بئر أحمد بن طولون التي عند بركة الحبش، وتعرف هذه البئر عندنا ببئر عفصة، ولا تزال هذه القناطر إلى أثناء القرافة الكبرى، ومن هناك خفيت لتهدّمها، وهي من أعظم المباني.
قال القضاعيّ: قناطر أحمد بن طولون وبئره بظاهر المغافر، كان السبب في بنائها هذه القناطر أن أحمد بن طولون ركب فمرّ بمسجد الأقدام وحده، وتقدّم عسكره وقد كدّه العطش، وكان في المسجد خياط فقال: يا خياط أعندك ماء؟ فقال: نعم. فأخرج له كوزا فيه ماء وقال: اشرب ولا تمدّ، يعني لا تشرب كثيرا، فتبسم أحمد بن طولون وشرب فمدّ فيه حتى شرب أكثره، ثم ناوله إياه وقال: يا فتى سقيتنا وقلت لا تمدّ. فقال: نعم، أعزك اللّه، موضعنا ههنا منقطع، وإنما أخيط جمعتي حتى أجمع ثمن راوية. فقال هل:
والماء عندكم ههنا معوز؟ فقال: نعم. فمضى أحمد بن طولون، فلما حصل في داره قال:
جيؤني بخياط في مسجد الأقدام. فما كان بأسرع من أن جاؤوا به، فلما رأه قال: سر مع المهندسين حتى يخطّوا عندك موضع سقاية ويجروا الماء، وهذه ألف دينار خذها، وابتدأ في الأنفاق وأجرى على الخياط في كلّ شهر عشرة دنانير وقال له: بشرني ساعة يجري الماء فيها، فجدّوا في العمل، فلمّا جرى الماء أتاه مبشرا، فخلع عليه وحمله واشترى له دارا يسكنها، وأجرى عليه الرزق السنيّ الدارّ، وكان قد أشير عليه بأن يجري الماء من عين أبي خليد المعروفة بالنعش. فقال: هذه العين لا تعرف أبدا إلاّ بأبي خليد، وإني أريد أن أستنبط بئرا، فعدل عن العين إلى الشرق فاستنبط بئره هذه وبنى عليها القناطر، وأجرى الماء إلى الفسقية التي بقرب درب سالم.
وقال جامع السيرة الطولونية: وأما رغبته في أبواب الخير فكانت ظاهرة بينة واضحة، فمن ذلك بناء الجامع والبيمارستان، ثم العين التي بناها بالمغافر، وبناها بنية صحيحة ورغبة قوية حتى أنها ليس لها نظير، ولهذا اجتهد المادرانيون وأنفقوا الأموال الخطيرة ليحكوها، فأعجزهم ذلك لأنها وقعت في موضع جيرانه كلهم محتاجون إليها، وهي مفتوحة طول النهار لمن كشف وجهه للأخذ منها، ولمن كان له غلام أو جارية، والليل للفقراء والمساكين، فهي حياة ومعونة. واتخذ لها مستغلا فيه فضل وكفاية لمصالحها، والذي تولى لأحمد بن طولون بناء هذه العين رجل نصرانيّ حسن الهندسة حاذق بها، وإنه دخل إلى أحمد بن طولون في عشية من العشايا فقال له: إذا فرغت مما تحتاج إليه فأعلمني لنركب إليها فنراها، فقال: يركب الأمير إليها في غد، فقد فرغت، وتقدّم النصرانيّ فرأى موضعا بها يحتاج إلى قصرية جير وأربع طوبات، فبادر إلى عمل ذلك، وأقبل أحمد بن طولون يتأمّل العين فاستحسن جميع ما شاهده فيها، ثم أقبل إلى الموضع الذي فيه قصرية الجير
стр. 1682
فوقف بالاتفاق عليها، فلرطوبة الجير غاصت يد الفرس فيه فكبا بأحمد، ولسوء ظنه قدّر أنّ ذلك لمكروه أراده به النصرانيّ، فأمر به فشق عنه ما عليه من الثياب وضربه خمسمائة سوط، وأمر به إلى المطبق، وكان المسكين يتوقع من الجائزة مثل ذلك دنانير، فاتفق له اتفاق سوء. وانصرف أحمد بن طولون وأقام النصرانيّ إلى أن أراد أحمد بن طولون بناء الجامع، فقدّر له ثلاثمائة عمود فقيل له ما تجدها، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضياع الخراب، فتحمل ذلك. فأنكره ولم يختره، وتعذب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصرانيّ وهو في المطبق الخبر، فكتب إليه: أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلاّ عمودي القبلة، فأحضره وقد طال شعره حتى تدلى على وجهه، فبناه.
قال: ولما بنى أحمد بن طولون هذه السقاية بلغه أن قوما لا يستحلون شرب مائها، قال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم الفقيه: كنت ليلة في داري إذ طرقت بخادم من خدّام أحمد بن طولون فقال لي: الأمير يدعوك، فركبت مذعورا مرعوبا، فعدل بي عن الطريق فقلت: أين تذهب بي، فقال: إلى الصحراء والأمير فيها. فأيقنت بالهلاك وقلت للخادم:
اللّه اللّه فيّ، فإني شيخ كبير ضعيف مسنّ، فتدري ما يراد مني فارحمني. فقال لي: احذر أن يكون لك في السقاية قول. وسرت معه وإذا بالمشاعل في الصحراء وأحمد بن طولون راكب على باب السقاية وبين يديه الشمع، فنزلت وسلمت عليه فلم يردّ عليّ، فقلت: أيّها الأمير إنّ الرسول أعنتني وكدّني وقد عطشت فيأذن لي الأمير في الشرب، فأراد الغلمان أن يسقوني فقلت: أنا آخذ لنفسي، فاستقيت وهو يراني، وشربت وازددت في الشرب حتى كدت أنشق ثم قلت: أيها الأمير سقاك اللّه من أنهار الجنة، فلقد أرويت وأغنيت، ولا أدري ما أصف أطيب الماء، في حلاوته وبرده أم صفاءه أم طيب ريح السقاية، قال: فنظر إليّ وقال:
أريدك لأمر وليس هذا وقته، فاصرفوه. فصرفت. فقال لي الخادم: أصبت. فقلت:
أحسن اللّه جزاءك، فلو لاك لهلكت. وكان مبلغ النفقة على هذه العين في بنائها ومستغلها أربعين ألف دينار، وأنشد أبو عمرو الكنديّ في كتاب الأمراء لسعيد القاص أبياتا في رثاء دولة بني طولون، منها في العين والسقاية:
وعين معين الشرب عين زكية … وعين أجاج للرّواة وللطهر
كأنّ وفود النيل في جنباتها … تروح وتغدو بين مدّ إلى جزر
فأرك بها مستنبطا لمعينها … من الأرض من بطن عميق إلى ظهر
بناء لو أنّ الجنّ جاءت بمثله … لقيل لقد جاءت بمستفظع نكر
يمرّ على أرض المغافر كلها … وشعبان والأحمور والحيّ من بشر
قبائل لا نوء السحاب يمدّها … ولا النيل يرويها ولا جدول يجري
وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة في كتاب الجوهر المكنون في ذكر
стр. 1683
القبائل والبطون: سريع فخذ من الأشعريين، هم ولد سريع بن ماتع من بني الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهم رهط أبي قبيل التابعيّ، الذي خطته اليوم الكوم، شرقيّ قناطر سقاية أحمد بن طولون، المعروفة بعفصة الكبيرة بالقرافة.
الخندق: هذا الخندق كان بقرافة مصر، قد دثر، وعلى شفيره الغربيّ قبر الإمام الشافعيّ ﵁، وكان من النيل إلى الجبل، حفر مرّتين، مرّة في زمن مروان بن الحكم، ومرّة في خلافة الأمين محمد بن هارون الرشيد. ثم حفره أيضا القائد جوهر. قال القضاعيّ: الخندق هو الخندق الذي في شرقيّ الفسطاط في المقابر، كان الذي أثار حفره مسير مروان بن الحكم إلى مصر، وذلك في سنة خمس وستين، وعلى مصر يومئذ عبد الرحمن بن عقبة بن جحدم الفهريّ، من قبل عبد اللّه بن الزبير ﵁. فلما بلغه مسير مروان إلى مصر أعدّ واستعدّ وشاور الجند في أمره، فأشاروا عليه بحفر الخندق، والذي أشار به عليه ربيعة بن حبيش الصدفيّ، فأمر ابن جحدم بإحضار المحاريث من الكور لحفر الخندق على الفسطاط، فلم تبق قرية من قرى مصر إلا حضر من أهلها النفر، وكان ابتداء حفره غرّة المحرّم سنة خمس وستين، فما كان شيء أسرع من فراغهم منه، حفروه في شهر واحد. وكانت الحرب من ورائه يغدون إليها ويروحون، فسميت تلك الأيام أيام الخندق والتراويح، لرواحهم إلى القتال، وكانت المغافر أكثر قبائل أهل مصر عددا، كانوا عشرين ألفا، ونزل مروان عين شمس لعشر خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، في اثني عشر ألفا، وقيل في عشرين ألفا، فخرج أهل مصر إلى مروان فحاربوه يوما واحدا بعين شمس، ثم تحاجزوا ورجع أهل مصر إلى خندقهم فتحصنوا به، وصحبتهم جيوش مروان على باب الخندق، فاصطف أهل مصر على الخندق، فكانوا يخرجون إلى أصحاب مروان فيقاتلونهم نوبا نوبا، وأقاموا على ذلك عشرة أيام ومروان مقيم بعين شمس، وكتب مروان إلى شيعته من أهل مصر، كريب بن أبرهة بن الصباح الحميريّ، وزياد بن حناطة التجيبيّ، وعابس بن سعيد المراديّ يقول: إنكم ضمنتم لي ضمانا لم تقوموا به، وقد طالت الأيام والممانعة، فقام كريب وزياد وعابس إلى ابن جحدم فقالوا له: أيّها الأمير إنه لا قوام لنا بما ترى، وقد رأينا أن نسعى في الصلح بينك وبين مروان وقد مل الناس الحرب وكرهوها، وقد خفنا أن يسلمك الناس إلى مروان فيكون محكما فيك، فقال: ومن لي بذلك؟ فقال كريب:
أنا لك به، فسعى كريب وصاحبناه في الصلح على أمان كتبه مروان لأهل مصر وغيرهم ممن شرب ماء النيل، وعلى أن يسلم لابن جحدم من بيت المال عشرة آلاف دينار، وثلاثمائة ثوب بقطرية، ومائة ريطة، وعشرة أفراس، وعشرين بغلا، وخمسين بعيرا. فتم الصلح على ذلك، ودخل مروان الفسطاط مستهل جمادى الأولى سنة خمس وستين، فنزل دار الفلفل ودفع إلى ابن جحدم جميع ما صالحه عليه، وسار ابن جحدم إلى الحجاز ولم يلق كلّ واحد
стр. 1684
منهما الآخر، وتفرّق المصريون وأخذوا في دفن قتلاهم والبكاء عليهم، فسمع مروان البكاء فقال: ما هذه النوادب؟ فقيل: على القتلى. قال: لا أسمع نائحة تنوح إلاّ أحللت بمن هي في داره العقوبة. فسكتن عند ذلك ودفن أهل مصر قتلاهم فيما بين الخندق والمقطم، وهي المقابر التي يسميها المصريون مقابر الشهداء، ودفن أهل الشام قتلاهم فيما بين الخندق ومنية الأصبغ، وكان قتلى أهل مصر ما بين الستمائة إلى السبعمائة، وقتلى أهل الشام نحو الثلاثمائة، ولما برز مروان من الفسطاط سائرا إلى الشام، سمع وجبة النساء يندبن قتلاهنّ، قال: ويحهن ما هذا؟ قالوا: النساء على مقابرهنّ يندبن قتلاهنّ، فعرّج عليهنّ، فأمر بالانصراف. قالوا: كذا هنّ كلّ يوم. قال: فامنعوهنّ إلاّ من سبب، وخرج مروان من مصر إلى الشام لهلال رجب سنة خمس وستين، وكان مقامه بالفسطاط شهرين، واستخلف ابنه عبد العزيز على مصر، وضم إليه بشر بن مروان، وكان حدثا، ثم ولي عبد الملك بشرا بعد ذلك البصرة، قال: ثم دثر هذا الخندق إلى أيام خلع الأمين بمصر وبيعة المأمون، وولى البلد عباد بن محمد بن حبان مولى كندة من قبل المأمون، فكتب الأمين بمصر إلى أهل الحوفين في القيام ببيعته وقتال: عباد وأهل مصر. فتجمع أهل الحوف لذلك واستعدّوا، وبلغ أهل مصر فأشاروا على عباد بحفر الخندق، فحفروا خندقا من النيل إلى الجبل واحتفروا هذا الخندق العتيق، فكان القتال عليه أياما متفرّقة إلى أن قتل الأمين وتمت بيعة المأمون، ثم لم يحفر بعد ذلك إلى يومنا هذا.
وذكر ابن زولاق أن القائد جوهرا لما اختط القاهرة وكثر الإرجاف بمسير القرامطة إلى مصر، حفر خندق السريّ بن الحكم بباب مدينة مصر، وعمل عليه بابا في ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وحفر خندقا في وسط مقبرة مصر، وهو الخندق الذي حفره ابن جحدم، ابتدأ حفره من بركة الحبش حتى وصله بخندق عبد الرحمن بن جحدم، حتى بلغ به قبر محمد بن إدريس الشافعيّ، ثم حفر من الجبل إلى أن وصل الخندق ابن جحدم وسط المقابر، وبدأ به يوم السبت التاسع من شوّال سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وفرغ منه في مدّة يسيرة.
القباب السبع: هذه القباب بآخر القرافة الكبرى مما يلي مدينة مصر. قال ابن سعيد في كتاب المغرب: والقباب السبع المشهورة بظاهر الفسطاط، هي مشاهد على سبعة من بني المغربيّ قتلهم الخليفة الحاكم بعد فرار الوزير أبي القاسم الحسين بن عليّ بن المغربيّ إلى أبي الفتوح حسن بن جعفر بمكة، وفي ذلك يقول أبو القاسم بن المغربيّ:
إذا شئت أن ترنو إلى الطّف باكيا … فدونك فانظر، نحو أرض المقطّم
تجد من رجال المغربيّ عصابة … مضمّخة الأجسام من حلل الدّم
فكم تركوا محراب آي معطّل … وكم تركوا من سورة لم تختم
стр. 1685
وقد ذكرت أخبار بني المغربيّ عند ذكر بساتين الوزير من بركة الحبش، ويتعلق بهذا الموضع من خبرهم أن أبا الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ بن محمد بن المغربيّ، لما خرج من بغداد وصار إلى مصر في أيام العزيز بالله بن المعز لدين اللّه في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة رتب له في كلّ سنة ستة آلاف دينار، وصار من شيوخ الدولة. فقال يوما لمؤدّب ولده أبي القاسم حسين، وهو عليّ بن منصور بن طالب، المعروف بأبي الحسن دوخلة بن القادح سرّا: أنا أخاف همة ابني أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا مورد الأصدر عنه، فإن كانت الأنفاس مما تحفظ وتكتب فاكتبها واحفظها وطالعني بها. فقال أبو القاسم في بعض الأيام لمؤدّبه هذا: إلى متى نرضى بالخمول الذي نحن فيه؟ فقال له: وأيّ خمول هذا، تأخذون من مولانا في كل سنة ستة آلاف دينار، وأبوكم من شيوخ الدولة؟ فقال: أريد أن تصار إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب، ولا أرضى بأن يجرى علينا كالولدان والنسوان، فأعاد ذلك على أبيه فقال: ما أخوفني أن يخضب أن أبو القاسم هذه من هذه، وقبض على لحيته وهامته، وعلم ذلك أبو القاسم فصارت بينه وبين مؤدّبه وحشة، وكان ذلك في خلافة الحاكم بأمر اللّه منصور بن العزيز، وتحدّث القائد أبي عبد اللّه الحسين بن جوهر، وكان الحاكم قد أكثر من قتل رؤساء دولته، وصار يبعث إلى القائد كلما قتل رئيسا برأسه ويقول: هذا عدوّي وعدوّك، فقبض على أبي الحسن عليّ بن الحسين المغربيّ والد الوزير أبي القاسم الحسين، وعلى أخيه أبي عبد اللّه محمد بن الحسين، وعلى محسن ومحمد أخوي الوزير المذكور، لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربعمائة، وفرّ الوزير أبو القاسم الحسين بن المغربيّ من مصر في زيّ حمّال، لليال من ذي القعدة، ولحق بحسان بن الجرّاح، وكان من أمره ما كان.
ذكر الأحواض والآبار التي بالقرافة
حوض القرافة: أمر ببنائه السيدة ست الملك، عمّة الحاكم بأمر اللّه، ابنة المعز لدين اللّه، في شعبان سنة ست وستين وثلاثمائة واختلّ في أيام العادل أبي الحسن بن السلار وزير مصر في سنة ست وأربعين وخمسمائة، فأمر بعمارته، ثم انشق في سنة ثمانين وخمسمائة، فجدّده القاضي السعيد ثقة الثقات ذو الرّياستين، أبو الحسن عليّ بن عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن أحمد بن يعقوب بن مسلم بن منبه، أحد بني عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم المخزوميّ، صاحب النظر في ديوان مصر، ومصنف كتاب المنهاج في أحكام الخراج. وهو كتاب جليل الفائدة، ولم تزل آثار هذا القاضي حميدة ومقاصده سديدة، وعنده نخوة قرشية، ومروءة وعصبية، وهو وإن طاب أصولا، فقد زكا فروعا، وإن تفرّقت في سواه فضائل فقد جمعها اللّه فيه جميعا، ولم يزل مذ كان يسعى في الأمانة على صراط مستقيم، آخذا بقوله تعالى أخبارا عن