الكتاب: وكانوا يحافظون على العادات التي أجمع عليها المشايخ مما ليس في التوراة.
والمعتزلة: وهم الفريسيون، وكانوا يظهرون الزهد ويصومون يومين في الأسبوع، ويخرجون العشر من أموالهم، ويجعلون خيوط القرمز في رؤس ثيابهم، ويغسلون جميع أوانيهم، ويبالغون في إظهار النظافة.
والزنادقة: وهم من جنس السامرة، وهم من الصدوفية، فيكفرون بالملائكة والبعث بعد الموت وبجميع الأنبياء ما خلا موسى فقط، فإنهم يقرّون بنبوّته.
والمتظهرون: وكانوا يغتسلون كلّ يوم ويقولون لا يستحق حياة الأبد إلاّ من يتطهر كلّ يوم.
والإسابيون: ومعناه الغلاظ الطباع، وكانوا يوجبون جميع الأوامر الإلهية، وينكرون جميع الأنبياء سوى موسى ﵇، ويتعبدون بكتب غير الأنبياء.
والمتقشفون: وكانوا يمنعون أكثر المآكل وخاصة اللحم، ويمنعون من التزوّج بحسب الطاقة، ويقولون بأن التوراة ليست كلها لموسى، ويتمسكون بصحف منسوبة إلى أخنوخ وإبراهيم ﵇، وينظرون في علم النجوم ويعملون بها.
والهيرذوسيون: سموا أنفسهم بذلك لموالاتهم هيرذوس ملكهم، وكانوا يتبعون التوراة ويعملون بما فيها انتهى.
وذكر يوسف بن كريون في تاريخه أن اليهود كانوا في زمن ملكهم هور قانوس، يعني في زمن بناء البيت بعد عودهم من الجلاية ثلاث فرق: الفروشيم: ومعناه المعتزلة، ومذهبهم القول بما في التوراة وما فسره الحكماء من سلفهم. والصدوفية: أصحاب رجل من العلماء يقال له صدوف، ومذهبهم القول بنص التوراة وما دلت عليه دون غيره.
والجسديم ومعناه الصلحاء، وهم المشتغلون بالعبادة والنسك، الآخذون في كل أمر بالأفضل والأسلم في الدين انتهى. وهذه الفرقة هي أصل فرقتي الربانيين والقرّاء.
فصل: زعم بعضهم أن اليهود عانانية وشمعونية، نسبة إلى شمعون الصدّيق، ولي القدس عند قدوم أبي الإسكندر، وجالوتية وفيومية وسامرية وعكبرية وأصبهانية وعراقية ومغاربة وشرشتانية وفلسطينية ومالكية وربانية. فالعانانية تقول بالتوحيد والعدل ونفي التشبيه، والشمعونية تشبه، وتبالغ الجالوتية في التشبيه، وأما الفيومية فإنها تنسب إلى أبي سعيد الفيوميّ، وهم يفسرون التوراة على الحروف المقطعة. والسامرية ينكرون كثيرا من شرائعهم ولا يقرّون بنبوّة من جاء بعد يوشع، والعكبرية أصحاب أبي موسى البغداديّ
стр. 1717
العبكريّ، وإسماعيل العكبريّ، يخالفون أشياء من السبت وتفسير التوراة، والأصبهانية أصحاب أبي عيسى الأصبهاني، وادّعى النبوّة وأنه عرج به إلى السماء فمسح الرب على رأسه، وإنه رأى محمدا ﷺ فآمن به، ويزعم يهود أصبهان أنه الدجال، وأنه يخرج من ناحيتهم، والعراقية تخالف الخراسانية في أوقات أعيادهم ومدد أيامهم، والشرشتانية أصحاب شرشتان، زعم أنه ذهب من التوراة ثمانون سوقة، أي آية، وادّعى أن للتوراة تأويلا باطنا مخالفا للظاهر، وأما يهود فلسطين فزعموا أن العزير ابن اللّه تعالى، وأنكر أكثر اليهود هذا القول، والمالكية تزعم أن اللّه تعالى لا يحيى يوم القيامة من الموتى إلاّ من احتج عليه بالرسل والكتب، ومالك هذا هو تلميذ عانان. والربانية تزعم أن الحائض إذا مست ثوبا بين ثياب وجب غسل جميعها، والعراقية تعمل رؤس الشهور بالأهلة، وآخرون بالحساب يعملون واللّه أعلم.
فصل: وهم يوجبون الإيمان بالله وحده وبموسى ﵇ وبالتوراة، ولا بدّ لهم من درسها وتعلمها، ويغتسلون ويتوضؤون ولا يمسحون رؤوسهم في وضوئهم، ويبدؤون بالرجل اليسرى، وفي شيء منه خلاف بينهم، وعانان يرى أن الاستنجاء قبل الوضوء، ويرى أشمعث أن الاستنجاء بعد الوضوء، ولا يتوضؤون بما تغير لونه أو طعمه أو ريحه، ولا يجيزون الطهارة من غدير ما لم يكن عشرة أذرع في مثلها، والنوم قاعدا لا ينقض الوضوء عندهم ما لم يضع جنبه الأرض، إلاّ العانانية فإن مطلق النوم عندهم ينقض، ومن أحدث في صلاته من قيء أو رعاف أو ريح انصرف وتوضأ وبنى على صلاته، ولا تجوز صلاة الرجل في أقلّ من ثلاثة أثواب، قميص وسراويل وملاءة يتردّى بها، فإن لم يجد الملاءة صلّى جالسا، فإن لم يجد القميص والسراويل صلّى بقلبه، ولا تجوز صلاة المرأة في أقل من أربعة أثواب، وعليهم فريضة ثلاث صلوات في اليوم والليلة، عند الصبح وبعد الزوال إلى غروب الشمس ووقت العتمة إلى ثلث الليل، ويسجدون في دبر كل صلاة سجدة طويلة، وفي يوم السبت وأيام الأعياد يزيدون خمس صلوات على تلك الثلاث. ولهم خمسة أعياد:
عيد الفطر: وهو الخامس عشر من نيسن، يقيمون سبعة أيام لا يأكلون سوى الفطير، وهي الأيام التي تخلصوا فيها من فرعون وأغرقه اللّه.
وعيد الأسابيع: بعد الفطير بسبعة أسابيع، وهو اليوم الذي كلم اللّه تعالى فيه بني إسرائيل من طور سيناء.
وعيد رأس الشهر: وهو أوّل تشري، وهو الذي فدى فيه إسحاق ﵇ من الذبح، ويسمونه عيد رأس هشايا، أي رأس الشهر. وعيد صوماريا: يعني الصوم العظيم.
وعيد المظلة: يستظلون سبعة أيام بقضبان الآس والخلاف. ويجب عليهم الحج في كل سنة ثلاث مرّات لما كان الهيكل عامرا، ويوجبون صوم أربعة أيام. أوّلها: سابع عشر
стр. 1718
تموز من الغروب إلى الغروب، وعند العانانية هو اليوم الذي أخذ فيه بخت نصر البيت.
والثاني: عشر آب. والثالث: عاشر كانون الأول. والرابع: ثالث عشر آذار. ويتشدّدون في أمر الحائض بحيث يعتزلونها وثيابها وأوانيها وما مسته من شيء فإنه ينجّس ويجب غسله، فإن مست لحم القربان أحرق بالنار، ومن مسها أو شيئا من ثيابها وجب عليه الغسل، وما عجنته أو خبزته أو طبخته أو غسلته فكله نجس حرام على الطاهرين حلّ للحيض، ومن غسل ميتا نجس سبعة أيام لا يصلي فيها، وهم يغسلون موتاهم ولا يصلون عليهم، ويوجبون إخراج العشر من جميع ما يملك، ولا يجب حتى يبلغ وزنه أو عدده مائة، ولا يخرج العشر إلاّ مرّة واحدة، ثم لا يعاد إخراجه، ولا يصح النكاح عندهم إلاّ بوليّ وخطبة وثلاثة شهود ومهر مائتي درهم للبكر، ومائة للثيب لا أقل من ذلك، ويحضر عند عقد النكاح كأس خمر وباقة مرسين، فيأخذ الإمام الكأس ويبارك عليه ويخطب خطبة النكاح ثم يدفعه إلى الختن ويقول: قد تزوّجت فلانة بهذه الفضة أو بهذا الذهب وهو خاتم في يده، وبهذا الكأس من الخمر، وبمهر كذا، ويشرب جرعة من الخمر، ثم ينهضون إلى المرأة ويأمرونها أن تأخذ الخاتم والمرسلين والكأس من يد الختن، فإذا أخذت وشربت جرعة وجب عقد النكاح، ويضمن أولياء المرأة البكارة، فإذا زفت إليه وكّل الوليّ من يقف بباب الخلوة وقد فرشت ثياب بيض حتى يشاهد الوكيل الدم، فإن لم توجد بكرا رجمت، ولا يجوز عندهم نكاح الإماء حتى يعتقن، ثم ينكحن، والعبد يعتق بعد خدمته لسنين معلومة، وهي ست سنين، ومنهم من يجوّز بيع صغار أولاده إذا احتاج، ولا يجوّزون الطلاق إلا بفاحشة أو سحر أو رجوع عن الدين، وعلى من طلق خمسة وعشرون درهما للبكر، ونصف ذلك للثيب، وينزل في كتابها طلاقها بعد أن يقول الزوج أنت طالق مني مائة مرّة، ومختلعة مني، وفي سعة أن تتزوّجي من شئت، ولا يقع طلاق الحامل أبدا، نعم، إلاّ أن يجوّزوه ويراجع الرجل امرأته ما لم تتزوج، فإن تزوّجت حرّمت عليه إلى الأبد. والخيار بين المتبايعين ما لم ينقل المبيع إلى البائع. والحدود عندهم على خمسة أوجه، حرق ورجم وقتل وتعزير وتغريم، فالحرق على من زنى بأمّ امرأته أو ربيبته أو بامرأة أبيه أو امرأة ابنه، والقتل على من قتل. والرجم على المحصن إذا زنى أو لاط، وعلى المرأة إذا مكنت من نفسها بهيمة. والتعزير (١) على من قذف، والتغريم على من سرق، ويرون أن البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر.
وعندهم أنّ من أتى بشيء من سبعة وثلاثين عملا في يوم السبت أو ليلته استحق القتل وهي: كرب الأرض، وزرعها، وحصاد الزرع، وسياقة الماء إلى الزرع، وحلب اللبن، وكسر الحطب، وإشعال النار، وعجن العجين، وخبزه، وخياطة الثوب، وغسله، ونسج
стр. 1719
سلكين، وكتابة حرفين أو نحوهما، وأخذ الصيد، وذبح الحيوان، والخروج من القرية، والانتقال من بيت إلى آخر، والبيع، والشراء، والدق، والطحن، والاحتطاب، وقطع الخبز، ودق اللحم، وإصلاح النعل إذا انقطعت، وخلط علف الدابة، ولا يجوز للكاتب أن يخرج يوم السبت من منزله ومعه قلمه، ولا الخياط ومعه إبرته، وكل من عمل شيئا استحق به القتل فلم يسلم نفسه فهو ملعون (١).
ذكر قبط مصر ودياناتهم القديمة، وكيف تنصروا ثم صاروا ذمّة للمسلمين، وما كان لهم في ذلك من القصص والأنباء، وذكر الخبر عن كنائسهم ودياراتهم، وكيف كان ابتداؤها ومصير أمرها
اعلم أن جميع أهل الشرائع اتباع الأنبياء ﵈ من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحا ﵇ هو الأب الثاني للبشر، وأن العقب من آدم ﵇ انحصر فيه، ومنه ذرأ اللّه تعالى جميع أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلاّ وهو من أولاد نوح، وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصين ذلك، فأنكروا الطوفان وزعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط، وأن أولاد كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأوّل كانوا بالبلاد الشرقية من بابل، فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصين. والحق ما عليه أهل الشرائع، وأن نوحا ﵇ لما أنجاه اللّه ومن معه بالسفينة نزل بهم وهم ثمانون رجلا سوى أولاده، فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا، وصار العقب من نوح في أولاده الثلاثة، ويؤيد هذا قول اللّه تعالى عن نوح:
﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْباقِينَ﴾ [الصافات/ ٧٧] وكان من خبر ذلك أن أولاد نوح الثلاثة، وهم سام وحام ويافث اقتسموا الأرض. فصار لبني سام بن نوح أرض العراق وفارس إلى الهند، ثم إلى حضرموت وعمان والبحرين. وعالج ويبرين ووبار والدو والد هنا وجميع أرض اليمن وأرض الحجاز.
وصار لبني حام بن نوح جنوب الأرض مما يلي أرض مصر مغربا إلى بلاد المغرب الأقصى.
وصار لبني يافث بن نوح بحر الخزر مشرقا إلى الصين.
فكان من ذرية سام بن نوح القضاعيون والفرس والسريانيون والعبرانيون والعرب المستعربة والنبط وعاد وثمود والأمورانيون والعماليق وأمم الهند وأهل السند وعدّة أمم قد بادت.
стр. 1720
وكانت ذرية حام بن نوح من أربعة أولاده الذين هم: كوش ومصرايم وقفط وكنعان، فمن كوش الحبشة والزنج، ومن مصرايم قبط مصر والنوبة، ومن قفط الأفارقة أهل إفريقية ومن جاورهم إلى المغرب الأقصى، ومن كنعان أمم كانت بالشام حاربهم موسى بن عمران ﵇ وقومه من بني إسرائيل، ومنهم أجناس عديدة من البربر درجوا. وكانت مساكن بني حام من صيدا إلى أرض مصر، ثم إلى آخر إفريقية نحو البحر المحيط، وانتشروا فيما بين ذلك إلى الجنوب وهم ثلاثون جنسا.
وكان من ذرية يافث بن نوح: الصقلب والفرنجة والغالليون من قبائل الروم والغوط وأهل الصين وقوم عرفوا بالمادنيين واليونانيون والروم الفريقيون وقبائل الأتراك ويأجوج ومأجوج وأهل قبرس وردوس، وعدّة بني يافث خمسة عشر جنسا، سكنوا القطر الشماليّ إلى البحر المحيط، فضاقت بهم بلادهم ولم تسعهم لكثرتهم، فخرجوا منها وتغلبوا على كثير من بلاد بني سام بن نوح.
وذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب، أنّ القبط تنسب إلى قبطيم بن مصرايم بن مصر بن حام بن نوح، وأن قبطيم أوّل من عمل العجائب بمصر وأثار بها المعادن وشق الأنهار لما ولي أرض مصر بعد أبيه مصرايم، وأنه لحق بلبلة الألسن، وخرج منها وهو يعرف اللغة القبطية، وأنه ملك مدّة ثمانين سنة ومات، فاغتمّ لموته بنوه وأهله ودفنوه في الجانب الشرقيّ من النيل بسرب تحت الجبل الكبير، فقام من بعده في ملك مصر ابنه قفطيم بن قبطيم، وزعم بعض النسابة أن مصر بن حام بن نوح، ويقال له مصرايم، ويقال بل مصريم بن هرمس بن هردوس جدّ الإسكندر، وقيل بل قفط بن حام بن نوح نكح بخت بنت يتاويل بن ترسل بن يافث بن نوح، فولدت له بوقير، وقبط أبا قبط مصر. قال ابن إسحاق: ومن هاهنا قالوا إن مصر بن حام بن نوح، وإنما هو مصر بن هرمس بن هردوس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان، وبه سميت مصر، فهي مقدونية، وقيل القبط من ولد قبط بن مصر بن قفط بن حام بن نوح، وبمصر هذا سميت مصر.
ذكر ديانة القبط قبل تنصرهم
اعلم أن قبط مصر كانوا في غابر الدهر أهل شرك بالله، يعبدون الكواكب ويقرّبون قرابينهم ويقيمون على أسمائها التماثيل، كما هي أفعال الصابئة. وذكر ابن وصيف شاه: أن عبادة الأصنام أوّل ما عرفت بمصر أيام قفطريم بن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح، وذلك أن إبليس أثار الأصنام التي غرّقها الطوفان وزين للقبط عبادتها، وأن البودشير بن قبطيم أوّل من تكهن وعمل بالسحر، وأن مناوش بن منقاوش أوّل من عبد البقر من أهل مصر. وذكر الموفق أحمد بن أبي القاسم بن خليفة المعروف بابن أبي أصيبعة أنه كان للقبط مذهب مشهور من مذاهب الصابئة، ولهم هياكل على أسماء الكواكب يحج إليها
стр. 1721
الناس من أقطار الأرض، وكانت الحكماء والفلاسفة ممن سواهم تتهافت عليهم وتريد التقرّب إليهم، لما كان عندهم من علوم السحر والطلسمات والهندسة والنجوم والطب والحساب والكيمياء، ولهم في ذلك أخبار كثيرة، وكانت لهم لغة يختصون بها، وكانت خطوطهم ثلاثة أصناف: خط العامّة، وخط الخاصة، وهو خط الكهنة المختصر، وخط الملوك. وقال ابن وصيف شاه: كانت كهنة مصر أعظم الكهان قدرا وأجلها علما بالكهانة، وكانت حكماء اليونانيين تصفهم بذلك وتشهد لهم به، فيقولون اختبرنا حكماء مصر بكذا وكذا، وكانوا ينحون بكهانتهم نحو الكواكب ويزعمون أنها هي التي تفيض عليهم العلوم وتخبرهم بالغيوب، وهي التي تعلمهم أسرار الطوالع وصفة الطلاسم، وتدلهم على العلوم المكتومة والأسماء الجليلة المخزونة، فعملوا الطلسمات المشهورة والنواميس الجليلة، وولدوا الأشكال الناطقة وصوّروا الصور المتحرّكة، وبنوا العالي من البنيان، وزبروا علومهم في الحجارة، وعملوا من الطلسمات ما دفعوا به الأعداء عن بلادهم، فحكمهم باهرة، وعجائبهم ظاهرة، وكانت أرض مصر خمسا وثمانين كورة منها: أسفل الأرض خمس وأربعون كورة، ومنها بالصعيد أربعون كورة، وكان في كل كورة رئيس من الكهنة وهم السحرة، وكان الذي يتعبد منهم للكواكب السبعة السيارة سبع سنين يسمونه باهر، والذي يتعبد منهم لها تسعا وأربعين سنة لكلّ كوكب سبع سنين يسمونه قاطر، وهذا يقوم له الملك إجلالا ويجلسه معه إلى جانبه، ولا يتصرّف إلاّ برأيه، وتدخل الكهنة ومعهم أصحاب الصنائع فيقفون حذاء القاطر، وكان كلّ كاهن منهم ينفرد بخدمة كوكب من الكواكب السبعة السيارة لا يتعدّاه إلى سواه، ويدعي بعبد ذلك الكوكب فيقال: عبد القمر، عبد عطارد، عبد الزهرة، عبد الشمس، عبد المريخ، عبد المشتري، عبد زحل. فإذا وقفوا جميعا قال القاطر لأحدهم: أين صاحبك اليوم؟ فيقول في برج كذا ودرجة كذا ودقيقة كذا. ثم يقول للآخر كذلك، فيجيبه حتى يأتي على جميعهم، ويعرف أماكن الكواكب من فلك البروج ثم يقول للملك ينبغي أن تعمل اليوم كذا، أو تأكل كذا، أو تجامع في وقت كذا، أو تركب وقت كذا، إلى آخر ما يحتاج إليه، والكاتب قائم بين يديه يكتب ما يقول، ثم يلتفت القاطر إلى أهل الصناعات ويخرجهم إلى دار الحكمة فيضعون أيديهم في الأعمال التي يصلح عملها في ذلك اليوم، ثم يؤرخ ما جرى في ذلك اليوم في صحيفة وتخزن في خزائن الملك، وكان الملك إذا همه أمر جمع الكهان خارج مدينة منف، وقد اصطف الناس لهم بشارع المدينة، ثم يدخل الكهان ركبانا على قدر مراتبهم والطبل بين أيديهم، وما منهم إلاّ من أظهر أعجوبة قد عملها، فمنهم من يعلو وجهه نور كهيئة نور الشمس لا يقدر أحد على النظر إليه، ومنهم من على بدنه جواهر مختلفة الألوان قد نسجت على ثوب، ومنهم من يتوشح بحيات عظيمة، ومنهم من يعقد فوقه قبة من نور، إلى غير ذلك من بديع أعمالهم، ويصيرون كذلك إلى حضرة الملك فيخبرهم بما نزل به، فيجيلون رأيهم فيه حتى يتفقوا على ما يصرفونه به،
стр. 1722
وهذا أعزك اللّه من خبرهم لما كان الملك فيهم، فلما استولت العماليق على ملك مصر وملكتها الفراعنة، ثم تداولتها من بعدهم أجناس أخر، تناقصت علوم القبط شيئا بعد شيء إلى أن تنصروا، فغادروا عوائد أهل الشرك، واتبعوا ما أمروا به من دين النصرانية، كما ستقف عليه تلو هذا إن شاء اللّه تعالى.
ذكر دخول قبط مصر في دين النصرانية
اعلم أن النصارى اتباع عيسى نبيّ اللّه ابن مريم ﵇، سموا نصارى، لأنهم ينتسبون إلى قرية الناصرة من جبل الجليل، بالجيم، ويعرف هذا الجبل بجبل كنعان، وهو الآن في زمننا من جملة معاملة صفد، والأصل في تسميتهم نصارى: أنّ عيسى ابن مريم ﵇ لما ولدته أمّه مريم ابنة عمران ببيت لحم خارج مدينة بيت المقدس، ثم سارت به إلى أرض مصر وسكنتها زمانا، ثم عادت به إلى أرض بني إسرائيل قومها، نزلت قرية الناصرة، فنشأ عيسى بها وقيل له يسوع الناصريّ، فلما بعثه اللّه تعالى رسولا إلى بني إسرائيل، وكان من شأنه ما ستراه، إلى أن رفعه اللّه إليه، تفرّق الحواريون، وهم الذين آمنوا به، في أقطار الأرض يدعون الناس إلى دينه، فنسبوا إلى ما نسب إليه نبيهم عيسى ابن مريم، وقيل لهم الناصرية، ثم تلاعب العرب بهذه الكلمة وقالوا نصارى.
قال ابن سيده: ونصرى وناصرة ونصورية: قرية بالشام، والنصارى منسوبون إليها، هذا قول أهل اللغة، وهو ضعيف. إلاّ أن نادر النسب يسيغه، وأما سيبويه فقال: أما النصارى فذهب الخليل إلى أنه جمع نصري ونصران، كما قالوا ندمان وندامى ولكنهم حذفوا إحدى اليائين كما حذفوا من أثقية وأبدلوا مكانها ألفا. قال: وأما الذي نوجهه نحن عليه فإنه جاء على نصران، لأنه قد تكلم به، فكأنك جمعت وقلت نصارى كما قلت ندامى، فهذا أقيس، والأوّل مذهب، وإنما كان أقيس لأنا لم نسمعهم قالوا نصرى، والتنصر الدخول في دين النصرانية، ونصره جعله كذلك، والأنصر الأقلف، وهو من ذلك، لأنّ النصارى قلف، وفي شرح الإنجيل أن معنى قرية ناصرة الجديدة، والنصرانية التجدّد، والنصرانيّ المجدّد، وقيل نسبوا إلى نصران، وهو من أبنية المبالغة، ومعناه أن هذا الدين في غير عصابة صاحبه، فهو دين من ينصره من أتباعه. وإذا تقرّر هذا فاعلم «أنّ المسيح روح اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم» (١) (عيسى) وأصل اسمه بالعبرانية التي هي لغة أمّه وآبائها إنما هو ياشوع، وسمته النصارى يسوع، وسماه اللّه تعالى وهو أصدق القائلين عيسى، ومعنى يسوع في اللغة السريانية المخلّص، قاله في شرح الإنجيل، ونعته بالمسيح، وهو الصدّيق، وقيل لأنه كان لا يمسح بيده صاحب عاهة إلاّ برأ، وقيل لأنه كان يمسح رؤوس اليتامى، وقيل
стр. 1723
لأنه خرج من بطن أمّه ممسوحا بالدهن، وقيل لأن جبريل ﵇ مسحه بجناحه عند ولادته صونا له من مس الشيطان، وقيل المسيح اسم مشتق من المسح، أي الدهن، لأنّ روح القدس قام بجسد عيسى مقام الدهن الذي كان عند بني إسرائيل يمسح به الملك، ويمسح به الكهنوت، وقيل لأنه مسح بالبركة، وقيل لأنه أمسح الرجلين، ليس لرجليه أخمص، وقيل لأنه يمسح الأرض بسياحته، لا يستوطن مكانا، وقيل هي كلمة عبرانية أصلها ماسيح، فتلاعبت بها العرب وقالت مسيح.
وكان من خبره ﵇ أن مريم ابنة عمران بينما هي في محرابها إذ بشرها اللّه تعالى بعيسى، فخرجت من بيت المقدس وقد اغتسلت من المحيض فتمثل لها الملك بشرا في صورة يوسف بن يعقوب النجار أحد خدّام القدس، فنفخ في جيبها فسرت النفخة إلى جوفها فحملت بعيسى كما تحمل النساء، بغير ذكر، بل حلت نفخة الملك منها محل اللقاح، ثم وضعت بعد تسعة أشهر وقيل بل وضعت في يوم حملها بقرية بيت لحم من عمل مدينة القدس في يوم الأربعاء خامس عشري كانون الأوّل، وتاسع عشري كيهك سنة تسع عشرة وثلاثمائة للإسكندر، فقدمت رسل ملك فارس في طلبه ومعهم هدية لها فيها ذهب ومرّ ولبان، فطلبه هيرودس ملك اليهود بالقدس ليقتله، وقد أنذر به، فسارت أمه مريم به وعمره سنتان على حمار ومعها يوسف النجار حتى قدموا إلى أرض مصر فسكنوها مدّة أربع سنين، ثم عادوا، وعمر عيسى ست سنين، فنزلت به مريم قرية الناصرة من جبل الجليل فاستوطنتها فنشأ بها عيسى حتى بلغ ثلاثين سنة، فسار هو وابن خالته يحيى بن زكريا ﵉ إلى نهر الأردن، فاغتسل عيسى فيه فحلت عليه النبوّة، فمضى إلى البرّية وأقام بها أربعين يوما لا يتناول طعاما ولا شرابا فأوحى اللّه إليه بأن يدعو بني إسرائيل إلى عبادة اللّه تعالى، فطاف القرى ودعا الناس إلى اللّه تعالى، وأبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن اللّه، وبكّت (١) اليهود وأمرهم بالزهد في الدنيا والتوبة من المعاصي، فآمن به الحواريون وكانوا قوما صيادين وقيل قصارين وقيل ملاحين وعددهم اثنا عشر رجلا وصدقوا بالإنجيل الذي أنزله اللّه تعالى عليه، وكذّبه عامّة اليهود وضللوه واتهموه بما هو بريء منه، فكانت له ولهم عدّة مناظرات آلت بهم إلى أن اتفق أحبارهم على قتله، وطرقوه ليلة الجمعة، فقيل أنه رفع عند ذلك، وقيل بل أخذوه وأتوا به إلى بلاطس النبطيّ (٢) شحنة القدس من قبل الملك طيباريوس قيصر، وراودوه على قتله وهو يدفعهم عنه حتى غلبوه على رأيه، بأن دينهم اقتضى قتله، فأمكنهم منه، وعندما أدنوه من الخشبة ليصلبوه رفعه اللّه إليه، وذلك في الساعة السادسة من يوم الجمعة خامس عشر شهر نيسن، وتاسع عشري شهر برمهات، وخامس عشر شهر آذار، وسابع عشر شهر ذي القعدة، وله من العمر ثلاث
стр. 1724
وثلاثون سنة وثلاثة أشهر، فصلبوا الذي شبه لهم، وصلبوا معه لصين وسمروهم بمسامير الحديد، واقتسم الجند ثياب المصلوب، فغشيت الأرض ظلمة دامت ثلاث ساعات (١) حتى صار النهار شبه الليل ورؤيت النجوم، وكان مع ذلك هزة وزلزلة، ثم أنزل المصلوب عن الخشبة بكرة يوم السبت ودفن تحت صخرة في قبر جديد، ووكل بالقبر من يحرسه لئلا يأخذ المقبور أصحابه، فزعم النصارى أن المقبور قام من قبره ليلة الأحد سحرا، ودخل عشية ذلك اليوم على الحواريين وحادثهم ووصاهم، ثم بعد الأربعين يوما من قيامه صعد إلى السماء والحواريون يشاهدونه، فاجتمعوا بعد رفعه بعشرة أيام في علية صيون التي يقال لها اليوم صهيون خارج القدس، وظهرت لهم خوارق، فتكلموا بجميع الألسن فآمن بهم فيما يذكر زيادة على ثلاثة آلاف إنسان (٢). فأخذهم اليهود وحبسوهم، فظهرت كرامتهم وفتح اللّه لهم باب السجن ليلا (٣)، فخرجوا إلى الهيكل وطفقوا يدعون الناس، فهمّ اليهود بقتلهم، وقد آمن بهم نحو الخمسة آلاف إنسان، فلم يتمكنوا من قتلهم، فتفرّق الحواريون في أقطار الأرض يدعون إلى دين المسيح (٤)، فسار بطرس رأس الحواريين ومعه شمعون الصفا إلى أنطاكية ورومية، فاستجاب لهم بشر كثير، وقتل في خامس أبيب، وهو عيد القصرية. وسار أندراوس أخوه إلى نيقية وما حولها، فآمن به كثير، ومات في بزنطية في رابع كيهك، وسار يعقوب بن زبدي أخو يوحنا الإنجيليّ إلى بلد ابدينية، فتبعه جماعة وقتل في سابع عشر برمودة، وسار يوحنا الإنجيليّ إلى آسيا وأفسيس وكتب انجيله باليونانيّ بعد ما كتب متى ومرقص ولوقا أناجيلهم، فوجدهم قد قصروا في أمور فتكلم عليها، وكان ذلك بعد رفع المسيح بثلاثين سنة، وكتب ثلاث رسائل ومات، وقد أناف على مائة سنة، وسار فيلبس إلى قيسارية وما حولها وقتل بها في ثامن هاتور، وقد اتبعه جماعات من الناس.
وسار برتولوماوس إلى أرمينية وبلاد البربر وواحات مصر، فآمن به كثير، وقتل وسار توما إلى الهند فقتل هناك. وسار متى العشار إلى فلسطين وصور وصيدا ومدينة بصرى وكتب إنجيله بالعبرانيّ بعد رفع المسيح بتسع سنين، ونقله يوحنا إلى اللغة الرومية، وقتل متى بقرطاجنة في ثامن عشر بابه بعد ما استجاب له بشر كثير. وسار يعقوب بن حلفا إلى بلاد الهند ورجع إلى القدس وقتل في عاشر امشير. وسار يهوذا بن يعقوب من أنطاكية إلى الجزيرة فآمن به كثير من الناس ومات في ثاني أبيب. وسار شمعون إلى سميساط وحلب ومنبج وبزنطية وقتل في سابع أبيب. وسارميتاس إلى بلاد الشرق وقتل في ثامن عشر
стр. 1725
برمهات. وسار بولص الطرسوسيّ إلى دمشق وبلاد الروم ورومية فقتل في خامس أبيب.
وتفرّق أيضا سبعون رسولا أخر في البلاد، فآمن بهم الخلائق، ومن هؤلاء السبعين:
مرقص الإنجيليّ، وكان اسمه أوّلا يوحنا، فعرف ثلاثة ألسن، الفرنجيّ والعبرانيّ واليونانيّ، ومضى إلى بطرس برومية وصحبه وكتب الإنجيل عنده بالفرنجية بعد رفع المسيح باثنتي عشرة سنة، ودعا الناس برومية ومصر والحبشة والنوبة، وأقام حنانيا أسقفا على الإسكندرية، وخرج إلى برقة فكثرت النصارى في أيامه، وقتل في ثاني عيد الفسح بالإسكندرية. ومن السبعين أيضا لوقا الإنجيليّ الطبيب، تلميذ بولص، كتب الإنجيل باليونانية عن بولص بالإسكندرية بعد رفع المسيح بعشرين سنة، وقيل باثنتين وعشرين سنة، ولما فرّ بطرس رأس الحواريين من حبس رومية ونزل بأنطاكية أقام بها داريوس بطركا، وأنطاكية أحد الكراسي الأربعة التي للنصارى وهي: رومية والإسكندرية والقدس وأنطاكية، فأقام داريوس بطرك أنطاكية سبعا وعشرين سنة وهو أوّل بطاركتها، وتوارث من بعده البطاركة بها البطركية واحدا بعد واحد. ودعا شمعون الصفا برومية خمسا وعشرين سنة، فآمنت به بطركية (١) وسارت إلى القدس، وكشفت عن خشبات الصليب وسلمتها إلى يعقوب بن يوسف الأسقف وبنت هناك كنيسة وعادت إلى رومية، وقد اشتدّت على دين النصرانية، فآمن معها عدّة من أهلها. واجتمع الرسل بمدينة رومية ووضعوا القوانين وأرسلوها على يد قليموس تلميذ بطرس، فكتبوا فيها عدد الكتب التي يجب قبولها من العتيقة والجديدة، فأمّا العتيقة فالتوراة، وكتاب يوشع بن نون، وكتاب القضاة، وكتاب راغون، وكتاب يهوديت، وسير الملوك، وسفر بنيامين، وكتب المقانين، وكتاب عزرة، وكتاب أستير، وقصة هامان، وكتاب أيوب، وكتاب مزامير داود، وكتب سليمان بن داود، وكتب الأنبياء وهي ستة عشر كتابا، وكتاب يوشع بن شيراخ، وأما الكتب الحديثة:
فالأناجيل الأربعة، وكتاب القليتليقون، وكتاب بولص، وكتاب الأبركسيس، وهو قصص الحواريين، وكتاب قليموس، وفيه ما أمر به الحواريون وما نهوا عنه.
ولما قتل الملك نيرون قيصر بطرس رأس الحواريين برومية، أقيم من بعده أريوس بطرك رومية، وهو أوّل بطرك صار على رومية، فأقام في البطركية اثنتي عشرة سنة، وقام من بعده البطاركة بها واحدا بعد واحد إلى يومنا هذا الذي نحن فيه.
ولما قتل يعقوب اسقف القدس على يد اليهود، هدموا بعده البيعة وأخذوا خشبة الصليب والخشبتين معها ودفنوها وألقوا على موضعها ترابا كثيرا، فصار كوما عظيما حتى أخرجتها هيلانة أم قسطنطين كما ستراه قريبا إن شاء اللّه تعالى. وأقيم بعد قتل يعقوب
стр. 1726
سمعان ابن عمه أسقف القدس، فمكث اثنتين وأربعين سنة أسقفا. ومات، فتداول الأساقفة بعده الأسقفية بالقدس واحدا بعد آخر.
ولما أقام مرقص حناينا ويقال أناينو بطرك الإسكندرية، جعل معه اثني عشر قسا وأمرهم إذا مات البطرك أن يجعلوا عوضه واحدا منهم، ويقيموا بدل ذلك القس واحدا من النصارى حتى لا يزالوا أبدا اثني عشر قسا، فلم تزل البطاركة تعمل من القسوس إلى أن اجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر كما ستراه إن شاء اللّه تعالى، وكان بطرك الإسكندرية يقال له البابا من عهد حنانيا هذا أوّل بطاركة الإسكندرية إلى أن أقيم ديمتريوس، وهو الحادي عشر من بطاركة الإسكندرية، ولم يكن بأرض مصر أساقفة، فنصب الأساقفة بها وكثروا، فغزاها في بطركيته هرقل، وصار الأساقفة يسمون البطرك الأب، والقسوس وسائر النصارى يسمون الأسقف الأب، ويجعلون لفظة البابا تختص ببطرك الإسكندرية، ومعناها أبو الآباء، ثم انتقل هذا الاسم عن كرسي الإسكندرية إلى كرسي رومية، من أجل أنه كرسي بطرس رأس الحواريين، فصار بطرك رومية يقال له البابا، واستمرّ على ذلك إلى زمننا الذي نحن فيه، وأقام أناينو وهو حناينا في بطركية الإسكندرية اثنتين وعشرين سنة ومات في عشري هاتور، سنة سبع وثمانين لظهور المسيح، فأقيم بعده مينيو، فأقام اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر ومات، وفي أثناء ذلك ثار اليهود على النصارى وأخرجوهم من القدس، فعبروا الأردن وسكنوا تلك الأماكن، فكان بعد هذا بقليل خراب القدس وجلاية اليهود وقتلهم على يد طيطش. ويقال طيطوس، بعد رفع المسيح بنحو أربع وأربعين سنة، فكثرت النصارى في أيام بطركية مينيو وعاد كثير منهم إلى مدينة القدس بعد تخريب طيطش لها وبنوا بها كنيسة وأقاموا عليها سمعان أسقفا، ثم أقيم بعد مينيو في الإسكندرية في البطركية كرتيانو، وفي أيام الملك انديانوس قيصر أصاب النصارى منه بلاء كثير، وقتل منهم جماعة كثيرة، واستعبد باقيهم، فنزل بهم بلاء لا يوصف في العبودية حتى رحمهم الوزراء وأكابر الروم وشفعوا فيهم، فمنّ عليهم قيصر وأعتقهم، ومات كرتيانو بطرك الإسكندرية في حادي عشر برمودة بعد ما دبر الكرسيّ إحدى عشرة سنة، وكان حميد السيرة، فقدم بعده ايريمو، فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات في ثالث مسرى، واشتدّ الأمر على النصارى في أيام الملك أريدويانوس وقتل منهم خلائق لا يحصى عددهم، وقدم مصر فأفنى من بها من النصارى، وخرّب ما بني في مدينة القدس من كنيسة النصارى ومنعهم من التردّد إليها، وأنزل عوضهم بالقدس اليونانيين، وسمى القدس إيليا، فلم يتجاسر نصراني أن يدنو من القدس، وأقيم بعد موت إيريمو بطرك الإسكندرية بسطس، فأقام إحدى عشرة سنة، ومات في ثاني عشر بؤنة، فخلف بعده أرمانيون فأقام عشر سنين وأربعة أشهر ومات في عاشر بابة، فأقيم بعده موقيانو بطرك الإسكندرية تسع سنين وستة أشهر ومات في سادس طوبه، فقدم بعده على الإسكندرية كلوتيانو فأقام أربع عشرة سنة ومات في تاسع أبيب، وفي أيامه اشتدّ الملك أوليانوس قيصر
стр. 1727
على النصارى وقتل منهم خلقا كثيرا، وقدّم على كرسيّ الإسكندرية بعد كلوتيانو غرنبو بطركا، فأقام اثنتي عشرة سنة ومات في خامس أمشير، وفي أيام بطركيته اتفق رأي البطاركة بجميع الأمصار على حساب فصح النصارى وصومهم، ورتبوا كيف يستخرج، ووضعوا حساب الأبقطي، وبه يستخرجون معرفة وقت صومهم وفصحهم، واستمرّ الأمر على ما رتبوه فيما بعد، وكانوا قبل ذلك يصومون بعد الغطاس أربعين يوما كما صام المسيح ﵇، ويفطرون. وفي عيد الفسح يعملون الفسح مع اليهود فنقل هؤلاء البطاركة الصوم وأوصلوه بعيد الفسح، لأنّ عيد الفسح كانت فيه قيامة المسيح من الأموات بزعمهم، وكان الحواريون قد أمروا أن لا يغير عن وقته وأن يعملوه كلّ سنة في ذلك الوقت، ثم أقيم بكرسي الإسكندرية بعد غرنبو في البطركية بوليانوس، فأقام عشر سنين ومات في ثامن برمهات، فاستخلف بعده ديمتريوس، فأقام بعده في البطركية ثلاثا وثلاثين سنة ومات، وكان فلاحا أميّا وله زوجة ذكر عنه أنه لم يجامعها قط، وفي أيامه أثار الملك سوريانوس قيصر على النصارى بلاء كبيرا في جميع مملكته، وقتل منهم خلقا كثيرا، وقدم مصر وقتل جميع من فيها من النصارى وهدم كنائسهم، وبني بالإسكندرية هكيلا لأصنامه، ثم أقيم بعده في بطركية الإسكندرية باركلا، فأقام ست عشرة سنة ومات في ثامن كيهك، فلقي النصارى من الملك مكسيموس قيصر شدّة عظيمة، وقتل منهم خلقا كثيرا، فلما ملك فيلبش قيصر، أكرم النصارى وقدّم على بطركية الإسكندرية ديوسيوس، فأقام تسع عشرة سنة ومات في ثالث توت، وفي أيامه كان الراهب انطونيوس المصريّ، وهو أوّل من ابتدأ بلبس الصوف، وابتدأ بعمارة الديارات في البراري، وأنزل بها الرهبان، ولقي النصارى من الملك داقيوس قيصر شدّة، فإنه أمرهم أن يسجدوا لأصنامه، فأبوا من السجود لها فقتلهم أبرح قتلة، وفرّ منه الفتية أصحاب الكهف من مدينة أفسس واختفوا في مغارة في جبل شرقيّ المدينة، وناموا فضرب اللّه على آذانهم فلم يزالوا نائمين ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، فقام من بعده بالإسكندرية مكسيموس وأقام بطركا اثنتي عشرة سنة ومات في رابع عشر برمودة، فأقيم بعده تؤوبا بطركا مدّة سبع سنين وتسعة أشهر ومات، وكانت النصارى قبله تصلّي بالإسكندرية خفية من الروم خوفا من القتل، فلاطف تؤوبا الروم وأهدى إليهم تحفا جليلة حتى بنى كنيسة مريم بالإسكندرية، فصلى بها النصارى جهرا، واشتدّ الأمر على النصارى في أيام الملك طيباريوس قيصر، وقتل منهم خلقا كثيرا، فلما كانت أيام دقلطيانوس قيصر خالف عليه أهل مصر والإسكندرية، فقتل منهم خلقا كثيرا، وكتب بغلق كنائس النصارى، وأمر بعبادة الأصنام، وقتل من امتنع منها، فارتدّ خلائق كثيرة جدّا، وأقام في البطركية بعد تؤوبا بطرس، فأقام إحدى عشرة سنة وقتل في الإسكندرية بالسيف، وقتل معه امرأته وابنتاه لامتناعهم من السجود للأصنام، فقام بعده تلميذه ارشلاوش، فأقام ستة أشهر ومات، وبدقلطيانوس هذا وقتله لنصارى مصر يؤرخ قبط مصر إلى يومنا هذا، كما قد ذكرناه في
стр. 1728
تاريخ القبط عند ذكر التواريخ من هذا الكتاب، فراجعه. ثم قام من بعده مكسيمانوس قيصر، فاشتدّ على النصارى وقتل منهم خلقا كثيرا، حتى كانت القتلى منهم تحمل على العجل وترمى في البحر، ثم قام بعد أرشلاوش في بطركية الإسكندرية اسكندروس تلميذ بطرس الشهيد، فأقام ثلاثا وعشرين سنة ومات في ثاني عشري برمودة، وفي بطركيته كان مجمع النصارى بمدينة نيقية، وفي أيامه كتب النصارى وغيرهم من أهل رومية إلى قسطنطين، وكان على مدينة بزنطية يحثونه على أن ينقذهم من جور مكسيمانوس، وشكوا إليه عتوّه، فأجمع على المسير لذلك، وكانت أمّه هيلاني من أهل قرى مدينة الرها (١) قد تنصرت على يد أسقف الرها، وتعلمت الكتب، فلما مرّ بقريتها قسطس صاحب شرطة دقلطيانوس رآها فأعجبته فتزوّجها وحملها إلى بزنطية، مدينته، فولدت له قسطنطين، وكان جميلا، فأنذر دقلطيانوس منجموه بأن هذا الغلام قسطنطين سيملك الروم ويبدّل دينهم، فأراد قتله، ففرّ منه إلى الرها وتعلم بها الحكمة اليونانية حتى مات دقلطيانوس، فعاد إلى بزنطية فسلمها له أبوه قسطس ومات، فقام بأمرها بعد أبيه إلى أن استدعاه أهل رومية، فأخذ يدبر في مسيره، فرأى في منامه كواكب في السماء على هيئة الصليب، وصوت من السماء يقول له احمل هذه العلامة تنتصر على عدوّك، فقص رؤياه على أعوانه وعمل شكل الصليب على أعلامه وبنوده وسار لحرب مكسيمانوس برومية، فبرز إليه وحاربه فانتصر قسطنطين عليه وملك رومية وتحوّل منها فجعل دار ملكه قسطنطينية، فكان هذا ابتداء رفع الصليب وظهوره في الناس، فاتخذه النصارى من حينئذ وعظموه حتى عبدوه، وأكرم قسطنطين النصارى ودخل في دينهم بمدينة نيقومديا في السنة الثانية عشرة من ملكه على الروم، وأمر ببناء الكنائس في جميع ممالكه وكسر الأصنام، وهدم بيوتها، وعمل المجمع بمدينة نيقية، وسببه أن الإسكندروس بطرك الإسكندرية منع آريوس من دخول الكنيسة وحرمه لمقاتلته، ونقل عن بطرس الشهيد بطرك إسكندرية أنه قال عن آريوس أنّ إيمانه فاسد، وكتب بذلك إلى جميع البطاركة، فمضى آريوس إلى الملك قسطنطين ومعه أسقفان، فاستغاثوا به وشكوا الإسكندروس فأمر بإحضاره من الإسكندرية، فحضر هو وآريوس وجمع له الأعيان من النصارى ليناظروه، فقال آريوس كان الأب إذ لم يكن الابن، ثم أحدث الابن فصار كلمة له، فهو محدث مخلوق فوّض إليه الأب كلّ شيء، فخلق الابن المسمى بالكلمة كلّ شيء من السماوات والأرض وما فيهما، فكان هو الخالق بما أعطاه الأب، ثم إن تلك الكلمة تجسدت من مريم وروح القدس فصار ذلك مسيحا، فإذا المسيح معنيان كلمة وجسد، وهما جميعا مخلوقان. فقال الإسكندروس أيما أوجب، عبادة من خلقنا أو عبادة من لم يخلقنا؟ فقال آريوس بل عبادة من خلقنا أوجب. فقال الإسكندروس: فإن كان الابن خلقنا كما وصفت وهو مخلوق فعبادته أوجب من عبادة الأب الذي ليس بمخلوق، بل تكون عبادة
стр. 1729
الخالق كفرا وعبادة المخلوق إيمانا، وهذا أقبح القبيح، فاستحسن الملك قسطنطين كلام اسكندروس وأمره أن يحرم آريوس فحرمه. وسأل اسكندروس الملك أن يحضر الأساقفة، فأمر بهم فأتوه من جميع ممالكه، واجتمعوا بعد ستة أشهر بمدينة نيقية وعدّتهم ألفان وثلاثمائة وأربعون أسقفا مختلفون في المسيح، فمنهم من يقول الابن من الأب بمنزلة شعلة نار تعلقت من شعلة أخرى فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية عنها، وهذه مقالة سيليوس الصعيديّ ومن تبعه، ومنهم من قال إن مريم لم تحمل بالمسيح تسعة أشهر بل مرّ بأحشائها كمرور الماء بالميزاب، وهذا قول إليان ومن تبعه، ومنهم من قال المسيح بشر مخلوق وأن ابتداء الابن من مريم، ثم إنه اصطفى فصحبته النعمة الإلهية بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمي ابن اللّه تعالى عن ذلك، ومع ذلك فاللّه واحد قيوم وأنكر هؤلاء الكلمة والروح فلم يؤمنوا بهما، وهذا قول بولص السميساطيّ بطرك أنطاكية وأصحابه، ومنهم من قال الآلهة ثلاثة صالح وطالح وعدل بينهما، وهذا قول مرقيون وأتباعه، ومنهم من قال المسيح وأمه إلهان من دون اللّه، وهذا قول المرائمة من فرق النصارى، ومنهم من قال بل اللّه خلق الابن وهو الكلمة في الأزل كما خلق الملائكة روحا طاهرة مقدّسة بسيطة مجرّدة عن المادّة، ثم خلق المسيح في آخر الزمان من أحشاء مريم البتول الطاهرة، فاتحد الابن المخلوق في الأزل بإنسان المسيح فصارا واحدا، ومنهم من قال الابن مولود من الأب قبل كل الدهور، غير مخلوق، وهو جوهر من جوهره، ونور من نوره، وأن الابن اتحد بالإنسان المأخوذ من مريم فصارا واحدا وهو المسيح، وهذا قول الثلاثمائة وثمانية عشر، فتحير قسطنطين في اختلافهم وكثر تعجبه من ذلك وأمر بهم فأنزلوا في أماكن وأجرى لهم الأرزاق وأمرهم أن يتناظروا حتى يتبين له صوابهم من خطأهم، فثبت الثلاثمائة وثمانية عشر على قولهم المذكور واختلف باقيهم فمال قسطنطين إلى قول الأكثر وأعرض عما سواه وأقبل على الثلاثمائة وأمر لهم بكراسي وأجلسهم عليها، ودفع إليهم سيفه وخاتمه، وبسط أيديهم في جميع مملكته، فباركوا عليه ووضعوا له كتاب قوانين الملوك وقوانين الكنيسة، وفيه ما يتعلق بالمحاكمات والمعاملات والمناكحات، وكتبوا بذلك إلى سائر المماليك، وكان رئيس هذا المجمع الإسكندروس بطرك الإسكندرية، واسطارس بطرك أنطاكية، ومقاريوس أسقف القدس، ووجه سلطوس بطرك رومية بقسيسين اتفقا معهم على حرمان آريوس فحرموه ونفوه، ووضع الثلاثمائة وثمانية عشر الأمانة المشهورة عندهم، وأوجبوا أن يكون الصوم متصلا بعيد الفسح على ما رتبه البطاركة في أيام الملك أوراليانوس قيصر كما تقدّم، ومنعوا أن يكون للأسقف زوجة، وكان الأساقفة قبل ذلك إذا كان مع أحدهم زوجة لا يمنع منها إذا عمل أسقفا بخلاف البطرك، فإنه لا يكون له امرأة البتة، وانصرفوا من مجلس قسطنطين بكرامة جليلة، والإسكندروس هذا هو الذي كسر الصنم النحاس الذي كان في هيكل زحل بالإسكندرية، وكانوا يعبدونه ويجعلون له عيدا في ثاني عشر هتور، ويذبحون له الذبائح
стр. 1730
الكثيرة، فأراد الإسكندروس كسر هذا الصنم فمنعه أهل الإسكندرية، فاحتال عليهم وتلطف في حيلته إلى أن قرب العيد، فجمع الناس ووعظهم وقبح عندهم عبادة الصنم وحثهم على تركه، وأن يعمل هذا العيد لميكائيل رئيس الملائكة الذي يشفع فيهم عند الإله، فإن ذلك خير من عمل العيد للصنم، فلا يتغير عمل العيد الذي جرت عادة أهل البلد بعمله، ولا تبطل ذبائحهم فيه، فرضي الناس بهذا ووافقوه على كسر الصنم، فكسره وأحرقه وعمل بيته كنيسة على اسم ميكائيل، فلم تزل هذه الكنيسة بالإسكندرية إلى أن حرّقها جيوش الإمام المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، لما قدموا في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة واستمرّ عيد ميكائيل عند النصارى بديار مصر باقيا يعمل في كلّ سنة.
وفي السنة الثانية والعشرين من ملك قسطنطين سارت أمّه هيلاني إلى القدس وبنت به كنائس للنصارى، فدلها مقاريوس الأسقف على الصليب وعرّفها ما عملته اليهود، فعاقبت كهنة اليهود حتى دلوها على الموضع، فحفرته فإذا قبر وثلاث خشبات، زعموا أنهم لم يعرفوا الصليب المطلوب من الثلاث خشبات إلاّ بأن وضعت كل واحدة منها على ميت قد بلي، فقام حيا عندما وضعت عليه خشبة منها، فعملوا لذلك عيدا مدّة ثلاثة أيام عرف عندهم بعيد الصليب، ومن حينئذ عبد النصارى الصليب، وعملت له هيلاني غلافا من ذهب وبنت كنيسة القيامة التي تعرف اليوم بكنيسة قمامة، وأقامت مقاريوس الأسقف على بناء بقية الكنائس، وعادت إلى بلادها، فكانت مدّة ما بين ولادة المسيح وظهور الصليب ثلاثمائة وثمان وعشرين سنة، ثم قام في بطركية الإسكندرية بعد اسكندروس تلميذه ايناسيوس الرسوليّ، فأقام ستا وأربعين سنة ومات بعد ما ابتلى بشدائد، وغاب عن كرسيه ثلاث مرّات، وفي أيامه جرت مناظرات طويلة مع أوسانيوس للأسقف آلت إلى ضربه وفراره، فإنه تعصب لآريوس وقال: إنه لم يقل إن المسيح خلق الأشياء، وإنما قال به خلق كل شيء لأنه كلمة اللّه التي بها خلق السماوات والأراض، وإنما خلق اللّه تعالى جميع الأشياء بكلمته، فالأشياء به كوّنت لا أنه كوّنها، وإنما الثلاثمائة وثمانية عشر تعدّوا عليه، وفي أيامه تنصر جماعة من اليهود وطعن بعضهم في التوراة التي بأيدي اليهود، وأنهم نقصوا منها، وأن الصحيحة هي التي فسرها السبعون، فأمر قسطنطين اليهود بإحضارها، وعاقبهم على ذلك حتى دلوه على موضعها بمصر، فكتب بإحضارها فحملت إليه، فإذا بينها وبين توراة اليهود نقص ألف وثلاثمائة وتسع وستين سنة، زعموا أنهم نقصوها من مواليد من ذكر فيها لأجل المسيح، وفي أيامه بعثت هيلاني بمال عظيم إلى مدينة الرها فبني به كنائسها العظيمة، وأمر قسطنطين بإخراج اليهود من القدس وألزمهم بالدخول في دين النصرانية، ومن امتنع منهم قتل، فتنصر كثير منهم وامتنع أكثرهم فقتلوا، ثم امتحن من تنصر منهم بأن جمعهم يوم الفسح في الكنيسة وأمرهم بأكل لحم الخنزير، فأبى أكثرهم أن يأكل منه، فقتل منهم في ذلك اليوم خلائق كثيرة جدّا.
стр. 1731
ولما قام قسطنطين بن قسطنطين في الملك بعد أبيه، غلبت مقالة آريوس على القسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية، وصار أكثر أهل الإسكندرية وأرض مصر آريوسيين ومنانيين، واستولوا على ما بها من الكنائس، ومال الملك إلى رأيهم، وحمل الناس عليه، ثم رجع عنه وزعم ابريس أسقف القدس أنه ظهر من السماء على القبر الذي بكنيسة القيامة شبه صليب من نور في يوم عيد العنصرة، لعشرة أيام من شهر أيار في الساعة الثالثة من النهار، حتى غلب نوره على نور الشمس، ورآه جميع أهل القدس عيانا، فأقام فوق القبر عدّة ساعات والناس تشاهده، فآمن يومئذ من اليهود وغيرهم عدّة آلاف كثيرة. ثم لما ملك موليهانوس ابن عم قسطنطين اشتدّت نكايته للنصارى وقتل منهم خلقا كثيرا، ومنعهم من النظر في شيء من الكتب، وأخذ أواني الكنائس والديارات، ونصب مائدة كبيرة عليها أطعمة مما ذبحه لأصنامه، ونادى من أراد المال فليضع البخور على النار، وليأكل من ذبائح الحنفاء، ويأخذ ما يريد من المال، فامتنع كثير من الروم وقالوا نحن نصارى، فقتل منهم خلائق ومحا الصليب من أعلامه وبنوده، وفي أيامه سكن القدّيس أريانوس برّية الأردن وبني بها الديارات، وهو أوّل من سكن برّية الأردن من النصارى. فلما ملك يوسيانوس على الروم وكان متنصرا، عاد كل من كان فرّ من الأساقفة إلى كرسيه، وكتب إلى أبناسيوس بطرك الإسكندرية أن يشرح له الأمانة المستقيمة، فجمع الأساقفة وكتبوا له أن يلزم أمانة الثلاثمائة وثمانية عشر. فثار أهل الإسكندرية على إيناسيوس ليقتلوه، ففرّ. وأقاموا بدله لوقيوس، وكان آريوسيا، فاجتمع مع الأساقفة بعد خمسة أشهر وحرموه ونفوه، وأعادوا ايناسيوس إلى كرسيه، فأقام بطركا إلى أن مات، فخلفه بطرس ثم وثب الآريسيون عليه بعد سنتين ففرّ منهم وأعادوا لوقيوس، فأقام بطركا ثلاث سنين، ووثب عليه أعداؤه ففرّ منهم، فردّوا بطرس في العشرين من أمشير، فأقام سنة. وقدم في أيام واليس ملك الروم آريوس أسقف أنطاكية إلى الإسكندرية بإذن الملك، وأخرج منها جماعة من الروم، وحبس بطرس بطركها ونصب بدله آريوس السميساطيّ، ففرّ بطرس من الحبس إلى رومية واستجار ببطركها، وكان واليس آريوسيا، فسار إلى زيارة كنيسة مارتوما بمدينة الرها ونفى أسقفها وجماعة معه إلى جزيرة رودس، ونفى سائر الأساقفة لمخالفتهم لرأيه ما عدا اثنين، وأقام في بطركية الإسكندرية طيماتاوس، فأقام سبع سنين ومات. وفي أيامه كان المجمع الثاني من مجامع النصارى بقسطنطينية في سنة اثنتي عشرة ومائة لدقلطيانوس، فاجتمع مائة وخمسون أسقفا وحرموا مقدينون عدوّ روح القدس، وكلّ من قال بقوله. وسبب ذلك أنه قال أنّ روح القدس مخلوق، وحرموا معه غير واحد لعقائد شنيعة تظاهروا بها في المسيح، وزاد الأساقفة في الأمانة التي رتبها الثلاثمائة وثمانية عشر: ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب، قلت تعالى اللّه عما يقولون علوّا كبيرا، وحرّموا أن يزاد فيها بعد ذلك شيء أو ينقص منها شيء، وكان هذا المجمع بعد مجمع نيقية بثمان وخمسين سنة، وفي
стр. 1732
أيامه بنيت عدّة كنائس بالإسكندرية، واستتيب جماعة كثيرة من مقالة آريوس، وفي أيامه أطلق للأساقفة والرهبان أكل اللحم يوم الفسح ليخالفوا الطائفة المنانية، فإنهم كانوا يحرّمون أكل اللحم مطلقا، وردّ الملك أغراديانوس كلّ من نفاه واليس من الأساقفة، وأمر أن يلزم كلّ واحد دينه ما خلا المنانية، ثم أقيم بكرسي الإسكندرية تاوفيلا، فأقام سبعا وعشرين سنة ومات في ثامن عشر بابه، وفي أيامه ظهر الفتية أهل الكهف، وكان تاوداسيوس إذ ذاك ملكا على الروم، فبنى عليهم كنيسة وجعل لهم عيدا في كل سنة، واشتدّ الملك تاوداسيوس على الأريسيين وضيّق عليهم، وأمر فأخذت منهم كنائس النصارى بعد ما حكموها نحو أربعين سنة، وأسقط من جيشه من كان آريوسيا، وطرد من كان في ديوانه وخدمه منهم، وقتل من الحنفاء كثيرا، وهدم بيوت الأصنام بكلّ موضع، وفي أيامه بنيت كنيسة مريم بالقدس، وفي أيام الملك ارغاديوس بنى دير القصر المعروف الآن بدير البغل في جبل المقطم شرقيّ طرا خارج مدينة فسطاط مصر. ثم أقيم في بطركية الإسكندرية كرلص، فأقام اثنتين وثلاثين سنة ومات في ثالث أبيب، وهو أوّل من أقام القومة في كنائس الإسكندرية وأرض مصر. وفي أيامه كان المجمع الثالث من مجامع النصارى بسبب نسطورس بطرك قسطنطين، فإنه منع أن تكون مريم أمّ عيسى وقال: إنما ولدت مريم إنسانا اتحد بمشيئة الإله، يعني عيسى، فصار الاتحاد بالمشيئة خاصة لا بالذات، وأن إطلاق الإله على عيسى ليس هو بالحقيقة بل بالموهبة والكرامة، وقال: إن المسيح حلّ فيه الابن الأزليّ وإني أعبده لأنّ الإله حلّ فيه، وإنه جوهران وأقنومان ومشيئة واحدة، وقال في خطبته يوم الميلاد: أن مريم ولدت إنسانا، وأنا لا أعتقد في ابن شهرين وثلاثة الإلهية، ولا أسجد له سجودي للإله، وكان هذا هو اعتقاد تادروس وديوادارس الأسقفين، وكان من قولهما أن المولود من مريم هو المسيح، والمولود من الأب هو الابن الأزليّ، وأنه حلّ في المسيح فسمي ابن اللّه بالموهبة والكرامة، وأن الاتحاد بالمشيئة والإرادة، وأثبتوا للّه تعالى عن قولهم ولدين، أحدهما بالجوهر والآخر بالنعمة، فلما بلغ كرلص بطرك الإسكندرية مقالة نسطورس كتب إليه يرجعه عنها فلم يرجع، فكتب إلى أكليمس بطرك رومية، وإلى يوحنا بطرك أنطاكية، وإلى يوناليوس أسقف القدس يعرّفهم بذلك، فكتبوا بأجمعهم إلى نسطورس ليرجع عن مقالته فلم يرجع، فتواعد البطاركة على الاجتماع بمدينة أفسس، فاجتمع بها مائتا أسقف، ولم يحضر يوحنا بطرك أنطاكية، وامتنع نسطورس من المجيء إليهم بعد ما كرّروا الإرسال في طلبه غير مرّة، فنظروا في مقالته وحرموه ونفوه، فحضر بعد ذلك يوحنا فعز عليه فصل الأمر قبل قدومه وانتصر لنسطورس وقال قد حرموه بغير حق، وتفرّقوا من أفسس على شرّ، ثم اصطلحوا وكتب المشرقيون صحيفة بأمانتهم وبحرمان نسطورس، وبعثوا بها إلى كرلص فقبلها وكتب إليهم بأن أمانته على ما كتبوا، فكان بين المجمع الثاني وبين هذا المجمع خمسون، وقيل خمس وخمسون سنة، وأما نسطورس فإنه نفي إلى صعيد مصر،
стр. 1733
فنزل مدينة اخميم وأقام بها سبع سنين ومات، فدفن بها، وظهرت مقالته فقبلها برصوما أسقف نصيبين، ودان بها نصارى أرض فارس والعراق والموصل والجزيرة إلى الفرات، وعرفوا إلى اليوم بالنسطورية.
ثم قدّم تاوداسيوس ملك الروم في الثانية من ملكه ديسقورس بطركا بالإسكندرية، فظهر في أيامه مذهب أوطاخي، أحد القنوميين بالقسطنطينية، وزعم أن جسد المسيح لطيف غير مساو لأجسادنا، وأن الابن لم يأخذ من مريم شيئا، فاجتمع عليه مائة وثلاثون أسقفا وحرموه، واجتمع بالإسكندرية كثير من اليهود في يوم الفسح وصلبوا صنما على مثال المسيح وعبثوا به، فثار بينهم وبين النصارى شرّ قتل فيه بين الفريقين خلق كثير، فبعث إليهم ملك الروم جيشا قتل أكثر يهود الإسكندرية، وكان المجمع الرابع من مجامع النصارى بمدينة خلقدونية، وسببه أن ديسقورس بطرك الإسكندرية قال أن المسيح جوهر من جوهرين، وقنوم من قنومين، وطبيعة من طبيعتين، ومشيئة من مشيئتين، وكان رأي مرقيانوس ملك الروم أنه جسد، وأهل مملكته أنه جوهران وطبيعتان ومشيئتان وقنوم واحد، فلما رأى الأساقفة أن هذا رأي الملك خافوه فوافقوه على رأيه ما خلا ديسقورس وستة أساقفة، فإنهم لم يوافقوا الملك، وكتب من عداهم من الأساقفة خطوطهم بما اتفقوا عليه، فبعث ديسقورس يطلب منهم الكتاب ليكتب فيه، فلما وصل إليه كتابهم كتب فيه أمانته هو، وحرمهم وكل من يخرج عنها، فغضب الملك مرقيانوس وهمّ بقتله، فأشير عليه بإحضاره ومناظرته، فأمر به فحضر وحضر ستمائة وأربعة وثلاثون أسقفا، فأشار الأساقفة والبطاركة على ديسقورس بموافقة رأي الملك، واستمراره على رياسته، فدعا للملك، وقال لهم:
الملك لا يلزمه البحث في هذه الأمور الدقيقة، بل ينبغي له أن يشتغل بأمور مملكته وتدبيرها، ويدع الكهنة يبحثون عن الأمانة المستقيمة، فإنهم يعرفون الكتب، ولا يكون له هوى مع أحد، ويتبع الحق، فقالت بلخارية زوجة الملك مرقيانوس وكانت جالسة بإزائه، ياديسقورس قد كان في زمان أمي إنسان قويّ الرأس مثلك، وحرموه ونفوه عن كرسيه، تعني يوحنا فم الذهب بطرك قسطنطينية، فقال لها قد عملت ما جرى لأمّك وكيف ابتليت بالمرض الذي تعرفينه إلى أن مضت إلى جسد يوحنا فم الذهب واستغفرت فعوفيت، فحنقت من قوله ولكمته فانقلع له ضرسان، وتناولته أيدي الرجال فنتفوا أكثر لحيته، وأمر الملك بحرمانه ونفيه عن كرسيه، فاجتمعوا عليه وحرموه ونفوه، وأقيم عوضه برطاوس، ومن هذا المجمع افترق النصارى وصاروا ملكية على مذهب مرقيانوس الملك، ويعقوبية على رأي ديسقورس، وذلك في سنة ثلاث وتسعين ومائة لدقلطيانوس، وكتب مرقيانوس إلى جميع مملكته أن كل من لا يقول بقوله يقتل، فكان بين المجمع الثالث وبين هذا المجمع إحدى وعشرون سنة، وأما ديسقورس فإنه أخذ ضرسيه وشعر لحيته وأرسلها إلى الإسكندرية وقال: هذه ثمرة تعبي على الأمانة، فتبعه أهل إسكندرية ومصر، وتوجه في
стр. 1734
نفيه فعبر على القدس وفلسطين وعرّفهم مقالته فتبعوه، وقالوا بقوله، وقدّم عدّة أساقفة يعقوبية، ومات وهو منفيّ في رابع توت، فكانت مدّة بطركيته أربع عشرة سنة، وبقي كرسيّ المملكة بغير بطرك مدّة مملكة مرقيانوس، وقيل بل قدّم برطاوس، وقد اختلف في تسمية اليعقوبية بهذا، فقيل إن ديسقورس كان يسمي قبل بطركية يعقوب، وأنه كان يكتب وهو منفيّ إلى أصحابه بأن يثبتوا على أمانة المسكين المنفيّ يعقوب، وقيل بل كان له تلميذ اسمه يعقوب، وكان يرسله وهو منفيّ إلى أصحابه فنسبوا إليه، وقيل بل كان يعقوب تلميذ ساويرس بطرك أنطاكية، وكان على رأي ديسقورس، فكان ساويرس يبعث يعقوب إلى النصارى ويثبتهم على أمانة ديسقورس فنسبوا إليه، وقيل بل كان يعقوب كثير العبادة والزهد يلبس خرق البراذع، فسمي يعقوب البراذعيّ من أجل ذلك، وأنه كان يطوف البلاد ويردّ الناس إلى مقالة ديسقورس، فنسب من اتبع رأيه إليه وسموا يعقوبية. ويقال ليعقوب أيضا يعقوب السروجيّ.
وفي أيام مرقيانوس كان سمعان الحبيس صاحب العمود، وهو أوّل راهب سكن صومعة، وكان مقامه بمغارة في جبل أنطاكية، ولما مات مرقيانوس وثب أهل الإسكندرية على برطاوس البطرك وقتلوه في الكنيسة وحملوا جسده إلى الملعب الذي بناه بطليموس وأحرقوه بالنار من أجل أنه ملكيّ الاعتقاد فكانت مدّة بطركيته ست سنين، وأقاموا عوضه طيماتاوس، وكان يعقوبيا، فأقام ثلاث سنين، وقدم قائد من قسطنطينية فنفاه، وأقام عوضه ساويرس، وكان ملكيا، فأقام اثنتين وعشرين سنة ومات في سابع مسري. فلما ملك زنبون بن لاون الروم، أكرم اليعقوبية وأعزهم لأنه كان يعقوبيا، وكان يحمل إلى دير يوقنا كلّ سنة ما يحتاج إليه من القمح والزيت، وهرب ساويرس من كرسيّ الإسكندرية إلى وادي هيب، ورجع طيماتاوس من نفيه، فأقام بطركا سنتين ومات. فأقيم بعده بطرس فأقام ثماني سنين وسبعة أشهر وستة أيام ومات في رابع هتور، فأقيم بعده اثناسيوس، فأقام سبع سنين ومات في العشرين من توت، وفي أيامه احترق الملعب الذي بناه بطلميوس. وأقيم يوحنا في بطركية الإسكندرية، وكان يعقوبيا، فأقام تسع سنين ومات في رابع بشنس، فخلا الكرسيّ بعده سنة، ثم أقيم يوحنا الحبيس، فأقام إحدى وعشرين سنة ومات في سابع عشري بشنس. فأقيم بعده ديسقورس الجديد، فأقام سنتين وخمسة أشهر ومات في سابع عشر بابه، وكتب إيليا بطرك القدس إلى نسطاس ملك الروم بأن يرجع عن مقالة اليعقوبية إلى مقالة الملكية، وبعث إليه جماعة من الرهبان بهدية سنية، فقبل هديته وأجاز الرهبان بجوائز جليلة وجهز له مالا جزيلا لعمارة الكنائس والديارات والصدقات، فتوجه ساويرس إلى نسطاس وعرّفه أن الحق هو اعتقاد اليعقوبية، فأمر أن يكتب إلى جميع مملكته بقبول قول ديسقورس وترك المجمع الخلقدونيّ، فبعث إليه بطرك أنطاكية بأن هذا الذي فعلته غير واجب، وأن المجمع الخلقدونيّ هو الحق، فغضب الملك ونفاه وأقام بدله، فأمر إيليا
стр. 1735
بطرك القدس بجمع الرهبان ورؤساء الديارات، فاجتمع له منهم عشرة آلاف نفس وحرموا نسطاس الملك، ومن يقول بقوله، فأمر نسطاس بنفي إيليا إلى مدينة إيلة، فاجتمع بطاركة الملكية وأساقفتهم وحرموا الملك نسطاس ومن يقول بقوله، وفي أيام نسطايوس الملك ألزم الحنفاء أهل حرّان وهم الصابئة بالتنصر، فتنصر كثير منهم، وقتل أكثرهم على امتناعهم من دين النصرانية، وردّ جميع من نفاه نسطاس من الملكية، فإنه كان ملكيا، وأقيم طيماتاوس في بطركية الإسكندرية، وكان يعقوبيا، فأقام ثلاث سنين ونفي، وأقيم بدله أبو ليناريوس وكان ملكيا، فجدّ في رجوع النصارى بأجمعهم إلى رأي الملكية، وبذل جهده في ذلك وألزم نصارى مصر بقبول الأمانة المحدثة. فوافقوه ووافقه رهبان ديارات بومقار بوادي هبيب، هذا ويعقوب البراذعيّ يدور في كلّ موضع ويثبت أصحابه على الأمانة التي زعم أنها مستقيمة، وأمر الملك جميع الأساقفة بعمل الميلاد في خامس عشري كانون الأوّل، وبعمل الغطاس لست تخلو من كانون الثاني، وكان كثير منهم يعمل الميلاد والغطاس في يوم واحد، وهو سادس كانون الثاني، وعلى هذا الرأي الأرمن إلى يومنا هذا، وفي هذه الأيام ظهر يوحنا النحويّ بالإسكندرية وزعم أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة آلهة وثلاث طبائع وجوهر واحد، وظهر يوليان وزعم أن جسد المسيح نزل من السماء وأنه لطيف روحانيّ لا يقبل الآلام إلاّ عند مقارفة الخطيئة، والمسيح لم يقارف خطيئته، فلذلك لم يصلب حقيقة ولم يتألم ولم يمت، وإنما ذلك كله خيال، فأمر الملك البطرك طيماتاوس أن يرجع إلى مذهب الملكية فلم يفعل، فأمر بقتله. ثم شفع فيه ونفي وأقيم بدله بولص، وكان ملكيا، فأقام سنتين فلم يرضه اليعاقبة، وقيل أنهم قتلوه وصيروا عوضه بطركا ديلوس، وكان ملكيا فأقام خمس سنين في شدّة من التعب وأرادوا قتله فهرب، وأقام في هربه خمس سنين ومات، فبلغ ملك الروم يوسطيانوس أن اليعقوبية قد غلبوا على الإسكندرية ومصر، وأنهم لا يقبلون بطاركته، فبعث أثوليناريوس أحد قوّاده وضم إليه عسكرا كبيرا إلى الإسكندرية، فلما قدمها ودخل الكنيسة نزع عنه ثياب الجند ولبس ثياب البطاركة وقدّس، فهمّ ذلك الجمع برجمه فانصرف. وجمع عسكره وأظهر أنه قد أتاه كتاب الملك ليقرأه على الناس، وضرب الجرس في الإسكندرية يوم الأحد، فاجتمع الناس إلى الكنيسة حتى لم يبق أحد، فطلع المنبر وقال: يا أهل الإسكندرية، إن تركتم مقالة اليعقوبية وإلاّ أخاف أن يرسل الملك فيقتلكم ويستبيح أموالكم وحريمكم، فهموا برجمه، فأشار إلى الجند فوضعوا السيف فيهم، فقتل من الناس ما لا يحصى عدده، حتى خاض الجند في الدماء، وقيل إنّ الذي قتل يومئذ مائتا ألف إنسان، وفرّ منهم خلق إلى الديارات بوادي هبيب، وأخذ الملكية كنائس اليعاقبة، ومن يومئذ صار كرسيّ اليعقوبية في دير بومقار بوادي هبيب.
وفي أيامه ثارت السامرة على أرض فلسطين وهدموا كنائس النصارى، وأحرقوا ما فيها، وقتلوا جماعة من النصارى، فبعث الملك جيشا قتلوا من السامرة خلقا كثيرا، ووضع
стр. 1736
من خراج فلسطين جملة، وجدّد بناء الكنائس وأنشأ مارستانا ببيت المقدس للمرضى، ووسع في بناء كنيسة بيت لحم، وبنى ديرا بطور سيناء، وعمل عليه حصنا حوله عدّة قلالي (١) ورتب فيها حرسا لحفظ الرهبان. وفي أيامه كان المجمع الخامس من مجامع النصارى، وسببه أن أريحانس أسقف مدينة منبج (٢) قال بتناسخ الأرواح، وقال كلّ من أسقف أنقرة وأسقف المصيصة وأسقف الرها أن جسد المسيح خيال لا حقيقيّ، فحملوا إلى القسطنطينية وجمع بينهم وبين بطركها أوطس وناظرهم وأوقع عليهم الحرمان، فأمر الملك أن يجمع لهم مجمع، وأمر بإحضار البطاركة والأساقفة، فاجتمع مائة وأربعون أسقفا وحرموا هؤلاء الأساقفة ومن يقول بقولهم، فكان بين المجمع الرابع الخلقدونيّ وبين هذا المجمع مائة وثلاث وستون سنة. ولما مات القائد الذي عمل بطرك الإسكندرية بعد سبع عشرة سنة، أقيم بعده يوحنا، وكان منانيا، فأقام ثلاث سنين ومات، وقدّم اليعاقبة بطركا اسمه تاوداسيوس، أقام مدّة اثنتين وثلاثين سنة، وقدّم الملكية بطركا اسمه داقيوس، فكتب الملك إلى متولي الإسكندرية أن يعرض على بطرك اليعاقبة أمانة المجمع الخلقدونيّ، فإن لم يقبلها أخرجه، فعرض عليه ذلك فلم يقبله، فأخرجه وأقام بعده بولص التنيسيّ فلم يقبله أهل الإسكندرية، ومات فغلقت كنائس القبط اليعاقبة، وأصابهم من الملكية شدائد كثيرة، واستجدّ اليعاقبة بالإسكندرية كنيستين في سنة ثمان وأربعين ومائتين لدقلطيانوس، ومات تاوداسيوس ثامن عشري بؤنة بعد اثنتين وثلاثين سنة من بطركيته، منها مدة أربع سنين مدة نفيه في صعيد مصر وأقيم بعده بطرس وكان يعقوبيا في خفية بدير الزجاج بالإسكندرية قدّمه ثلاثة أساقفة، فأقام سنتين ومات في خامس عشري بؤنة … (٣) من اليعاقبة سنة واحدة.
وفي سنة إحدى وثمانين وثمانمائة، أقيم داميانو بطركا بالإسكندرية، وكان يعقوبيا، فأقام ستا وثلاثين سنة ومات، في ثامن عشري بؤنة، وفي أيامه خربت الديارات، وأقام الملكية لهم بالإسكندرية بطركا منانيا اسمه أتناس، فأقام خمس سنين ومات، فأقيم بعده يوحنا وكان منانيا، ولقب القائم بالحق، فأقام خمسة أشهر ومات، فأقيم بعده يوحنا القائم بالأمر، وكان ملكيا فأقام إحدى عشرة سنة ومات، وفي أيام الملك طيباريوس ملك الروم بنى النصارى بالمدائن، مدائن كسرى، هيكلا، وبنوا أيضا بمدينة واسط هيكلا آخر. وفي أيام الملك موريق قيصر، زعم راهب اسمه مارون، أن المسيح ﵇ طبيعتان ومشيئة واحدة واقنوم واحد، فتبعه على رأيه أهل حماه وقنسرين والعواصم وجماعة من الروم ودانوا بقوله، فعرفوا بين النصارى بالمارونية، فلما مات مارون بنوا على اسمه دير مارون بحماه.
وفي أيام فوقا ملك الروم بعث كسرى ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشام ومصر، فخرّبوا
стр. 1737
كنائس القدس وفلسطين وعامّة بلاد الشام، وقتلوا النصارى بأجمعهم، وأتوا إلى مصر في طلبهم، فقتلوا منهم أمّة كبيرة وسبوا منهم سبيا لا يدخل تحت حصر، وساعدهم اليهود في محاربة النصارى وتخريب كنائسهم، وأقبلوا نحو الفرس من طبرية وجبل الجليل وقرية الناصرة ومدينة صور وبلاد القدس، فنالوا من النصارى كلّ منال، وأعظموا النكاية فيهم، وخرّبوا لهم كنيستين بالقدس، وحرّقوا أماكنهم، وأخذوا قطعة من عود الصليب، وأسروا بطرك القدس وكثيرا من أصحابه، ثم مضى كسرى بنفسه من العراق لغزو قسطنطينية تخت ملك الروم، فحاصرها أربع عشرة سنة، وفي أيام فوقا أقيم يوحنا الرحوم بطرك الإسكندرية على الملكية، فدبر أرض مصر كلها عشر سنين ومات بقبرص، وهو فارّ من الفرس، فخلا كرسيّ اسكندرية من البطركية سبع سنين لخلوّ أرض مصر والشام من الروم، واختفى من بقي بها من النصارى خوفا من الفرس، وقدّم اليعاقبة نسطاسيوس بطركا، فأقام اثنتي عشرة سنة ومات في ثاني عشري كيهك، سنة ثلاثين وثلاثمائة لدقلطيانوس، فاستردّ ما كانت الملكية قد استولت عليه من كنائس اليعاقبة، ورمّ ما شعثه الفرس منها، وكانت إقامته بمدينة الإسكندرية، فأرسل إليه انباسيوس بطرك أنطاكية هدية صحبة عدّة كثيرة من الأساقفة، ثم قدم عليه زائرا فتلقاه وسرّ بقدومه، وصارت أرض مصر في أيامه جميعها يعاقبة لخلوّها من الروم، فثارت اليهود في أثناء ذلك بمدينة صور وراسلوا بقيتهم في بلادهم، وتواعدوا على الإيقاع بالنصارى وقتلهم، فكانت بينهم حرب اجتمع فيها من اليهود نحو عشرين ألفا، وهدموا كنائس النصارى خارج صور، فقوي النصارى عليهم وكاثروهم، فانهزم اليهود هزيمة قبيحة وقتل منهم خلق كثير، وكانه هرقل قد ملك الروم بقسطنطينية وغلب الفرس بحيلة دبرها على كسرى حتى رحل عنهم، ثم سار من قسطنطينية ليمهد ممالك الشام ومصر ويجدّد ما خرّبه الفرس منها، فخرج إليه اليهود من طبرية وغيرها وقدّموا له الهدايا الجليلة وطلبوا منه أن يؤمّنهم ويحلف لهم على ذلك، فأمّنهم وحلف لهم، ثم دخل القدس وقد تلقاه النصارى بالأناجيل والصلبان والبخور والشموع المشعلة، فوجد المدينة وكنائسها وقمامتها خرابا، فساءه ذلك وتوجع له، وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس وإيقاعهم بالنصارى وتخريبهم الكنائس، وأنهم كانوا أشدّ نكاية لهم من الفرس، وقاموا قياما كبيرا في قتلهم عن آخرهم، وحثوا هرقل على الوقيعة بهم، وحسنوا له ذلك، فاحتج عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه، فأفتاه رهبانهم وبطاركتهم وقسيسوهم بأنه لا حرج عليه في قتلهم، فإنهم عملوا عليه حيلة حتى أمّنهم من غير أن يعلم بما كان منهم، وأنهم يقومون عنه بكفارة يمينه بأن يلتزموا ويلزموا النصارى بصوم جمعة في كلّ سنة عنه على ممرّ الزمان والدهور، فمال إلى قولهم وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في ممالك الروم بمصر والشام منهم إلاّ من فرّ واختفى، فكتب البطارقة والأساقفة إلى جميع البلاد بإلزام النصارى بصوم أسبوع في السنة، فالتزموا صومه إلى اليوم، وعرفت عندهم
стр. 1738
بجمعة هرقل، وتقدّم هرقل بعمارة الكنائس والديارات وأنفق فيها مالا كبيرا. وفي أيامه أقيم ادراسلون بطرك اليعاقبة بالإسكندرية، فأقام ست سنين ومات في ثامن طوبه، فخربت الديارات في مدّة بطركيته، وأقيم بعده على اليعاقبة بنيامين، فعمر الدير الذي يقال له دير أبو بشاي، ودير سيدة أبو بشاي، وهما في وادي هبيب، فأقام تسعا وثلاثين سنة، ملك الفرس منها مصر عشر سنين، ثم قدم هرقل فقتل الفرس بمصر وأقام فيرش بطرك الإسكندرية، وكان منانيا، وطلب بنيامين ليقتله فلم يقدر عليه لفراره منه، وكان هرقل مارونيا فظفر بمينا أخي بنيامين فأحرقه بالنار عداوة لليعاقبة، وعاد إلى القسطنطينية فأظهر اللّه دين الإسلام في أيامه، وخرج ملك مصر والشام من يد النصارى، وصار النصارى ذمّة للمسلمين، فكانت مدّة النصارى منذ رفع المسيح إلى أن فتحت مصر وصار النصارى من القبط ذمّة للمسلمين … (١) منها مدّة كونهم تحت أيدي الروم يقتلونهم أبرح قتل بالصلب والتحريق بالنار والرجم بالحجارة وتقطيع الأعضاء … (٢) ومنها مدّة استيلائهم بتنصر الملوك.
ذكر دخول النصارى من قبط مصر في طاعة المسلمين وأدائهم الجزية، واتخاذهم ذمّة لهم، وما كان في ذلك من الحوادث والأنباء
اعلم أن أرض مصر لما دخلها المسلمون كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى، وهم على قسمين متباينين في أجناسهم وعقائدهم، أحدهما أهل الدولة وكلهم روم من جند صاحب القسطنطينية ملك الروم، ورأيهم وديانتهم بأجمعهم ديانة الملكية، وكانت عدّتهم تزيد على ثلاثمائة ألف روميّ. والقسم الآخر عامّة أهل مصر، ويقال لهم القبط، وأنسابهم مختلطة لا يكاد يتميز منهم القبطيّ من الحبشيّ من النوبيّ من الإسرائيليّ الأصل من غيره، وكلهم يعاقبة، فمنهم كتاب المملكة ومنهم التجار والباعة، ومنهم الأساقفة والقسوس ونحوهم، ومنهم أهل الفلاحة والزرع، ومنهم أهل الخدمة والمهنة، وبينهم وبين الملكية أهل الدولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم، ويوجب قتل بعضهم بعضا، ويبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرة جدّا، فإنهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها وأسفلها، فلما قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين معه إلى مصر، قاتلهم الروم حماية لملكهم ودفعا لهم عن بلادهم، فقاتلهم المسلمون وغلبوهم على الحصن كما تقدّم ذكره، فطلب القبط من عمرو المصالحة على الجزية فصالحهم عليها وأقرّهم على ما بأيديهم من الأراضي وغيرها، وصاروا معه عونا للمسلمين على الروم، حتى هزمهم اللّه تعالى وأخرجهم من أرض مصر، وكتب عمرو لبنيامين بطرك اليعاقبة أمانا في سنة عشرين من الهجرة، فسرّه ذلك وقدم على
стр. 1739
عمرو وجلس على كرسيّ بطركيته بعد ما غاب عنه ثلاث عشرة سنة، منها في ملك فارس لمصر عشر سنين، وباقيها بعد قدوم هرقل إلى مصر، فغلبت اليعاقبة على كنائس مصر ودياراتها كلها، وانفردوا بها دون الملكية، ويذكر علماء الأخبار من النصارى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، لما فتح مدينة القدس كتب للنصارى أمانا على أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم وجميع كنائسهم لا تهدم ولا تسكن، وأنه جلس في وسط صحن كنيسة القمامة، فلما حان وقت الصلاة خرج وصلّى خارج الكنيسة على الدرجة التي على بابها بمفرده، ثم جلس وقال للبطرك: لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي، وقالوا ههنا صلّى عمر، وكتب كتابا يتضمن أنه لا يصلي أحد من المسلمين على الدرجة إلاّ واحد واحد، ولا يجتمع المسلمون بها للصلاة فيها، ولا يؤذنون عليها، وأنه أشار عليه البطرك باتخاذ موضع الصخرة مسجدا، وكان فوقها تراب كثير، فتناول عمر ﵁ من التراب في ثوبه، فبادر المسلمون لرفعه حتى لم يبق منه شيء، وعمر المسجد الأقصى أمام الصخرة، فلما كانت أيام عبد الملك بن مروان أدخل الصخرة في حرم الأقصى، وذلك سنة خمس وستين من الهجرة، ثم إن عمر ﵁ أتى بيت لحم وصلّى في كنيسته عند الخشبة التي ولد فيها المسيح، وكتب سجلا بأيدي النصارى أن لا يصلي في هذا الموضع أحد من المسلمين إلاّ رجل بعد رجل، ولا يجتمعوا فيه للصلاة، ولا يؤذنوا عليه، ولما مات البطرك بنيامين في سنة تسع وثلاثين من الهجرة بالإسكندرية في إمارة عمرو الثانية، قدّم اليعاقبة بعده أغانو فأقام سبع عشرة سنة ومات سنة ست وخمسين، وهو الذي بنى كنيسة مرقص بالإسكندرية، فلم تزل إلى أن هدمت في سلطنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكان في أيامه الغلاء مدّة ثلاث سنين، وكان يهتم بالضعفاء، فأقيم بعده إيساك وكان يعقوبيا، فأقام سنتين وأحد عشر شهرا ومات، فقدّم اليعاقبة بعده سيمون السريانيّ، فأقام سبع سنين ونصفا ومات، وفي أيامه قدم رسول أهل الهند في طلب أسقف يقيمه لهم، فامتنع من ذلك حتى يأذن له السلطان، وأقام غيره وخلا بعد موته كرسي الإسكندرية ثلاث سنين بغير بطرك، ثم قدّم اليعاقبة في سنة إحدى وثمانين الإسكندروس، فقام أربعا وعشرين سنة ونصفا، وقيل خمسا وعشرين سنة ومات سنة ست ومائة، ومرّت به شدائد صودر فيها مرّتين، أخذ منه فيهما ستة آلاف دينار، وفي أيامه أمّر عبد العزيز بن مروان، فأمر بإحصاء الرهبان فأحصوا وأخذت منهم الجزية عن كلّ راهب دينار، وهي أوّل جزية أخذت من الرهبان.
ولما ولي مصر عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان اشتدّ على النصارى، واقتدى به قرّة بن شريك أيضا في ولايته على مصر، وأنزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا قبلها بمثلها، وكان عبد اللّه بن الحبحاب متولي الخراج قد زاد على القبط قيراطا في كلّ دينار، فانتقض عليه عامّة الحوف الشرقيّ من القبط، فحاربهم المسلمون وقتلوا منهم عدّة وافرة في سنة
стр. 1740
سبع ومائة، واشتدّ أيضا أسامة بن زيد التنوخيّ متولي الخراج على النصارى، وأوقع بهم وأخذ أموالهم، ووسم أيدي الرهبان بحلقة حديد فيها اسم الراهب واسم ديره وتاريخه، فكل من وجده بغير وسم قطع يده، وكتب إلى الأعمال بأن من وجد من النصارى وليس معه منشور أن يؤخذ منه عشرة دنانير، ثم كبس الديارات وقبض على عدّة من الرهبان بغير وسم، فضرب أعناق بعضهم وضرب باقيهم حتى ماتوا تحت الضرب، ثم هدمت الكنائس وكسرت الصلبان ومحيت التماثيل وكسرت الأصنام بأجمعها، وكانت كثيرة في سنة أربع ومائة، والخليفة يومئذ يزيد بن عبد الملك، فلما قام هشام بن عبد الملك في الخلافة، كتب إلى مصر بأن يجري النصارى على عوايدهم وما بأيديهم من العهد، فقدم حنظلة بن صفوان أميرا على مصر في ولايته الثانية، فتشدّد على النصارى وزاد في الخراج، وأحصى الناس والبهائم، وجعل على كلّ نصرانيّ وسما صورة أسد، وتتبعهم، فمن وجده بغير وسم قطع يده، ثم أقام اليعاقبة بعد موت الإسكندروس بطركا اسمه قسيما، فأقام خمسة عشر شهرا ومات، فقدّموا بعده تادرس في سنة تسع ومائة بعد إحدى عشرة سنة. وفي أيامه أحدثت كنيسة يوقنا بخط الحمراء ظاهر مدينة مصر، في سنة سبع عشرة ومائة، فقام جماعة من المسلمين على الوليد بن رفاعة أمير مصر بسببها.
وفي سنة عشرين ومائة قدّم اليعاقبة ميخائيل بطركا، فأقام ثلاثا وعشرين سنة ومات.
وفي أيامه انتقض القبط بالصعيد وحاربوا العمال في سنة إحدى وعشرين، فحوربوا وقتل كثير منهم، ثم خرج بجنس بسمنود وحارب وقتل في الحرب، وقتل معه قبط كثير في سنة اثنتين وثلاثين ومات، ثم خالفت القبط برشيد، فبعث إليهم مروان بن محمد لما قدم مصر وهزمهم وقبض عبد الملك بن موسى بن نصير أمير مصر على البطرك ميخائيل، فاعتقله وألزمه بمال، فسار بأساقفته في أعمال مصر يسأل أهلها، فوجدهم في شدائد، فعاد إلى الفسطاط ودفع إلى عبد الملك ما حصل له، فأفرج عنه، فنزل به بلاء كبير من مروان، وبطش به وبالنصارى، وأحرق مصر وغلاتها وأسر عدّة من النساء المترهبات ببعض الديارات، وراود واحدة منهنّ عن نفسها، فاحتالت عليه ودفعته عنها بأن رغبته في دهن معها إذا ادّهن به الإنسان لا يعمل فيه السلاح، وأوثقته بأن مكنته من التجربة في نفسها، فتمت حيلتها عليه، وأخرجت زيتا ادّهنت به، ثم مدّت عنقها فضربها بسيفه أطار رأسها، فعلم أنها اختارت الموت على الزنا، وما زال البطرك والنصارى في الحديد مع مروان إلى أن قتل ببوصير، فأفرج عنهم. وأما الملكية فإن ملك الروم لاون أقام قسيما بطرك الملكية بالإسكندرية في سنة سبع ومائة، فمضى ومعه هدية إلى هشام بن عبد الملك، فكتب له بردّ كنائس الملكية إليهم، فأخذ من اليعاقبة كنيسة البشارة، وكان الملكية أقاموا سبعا وسبعين سنة بغير بطرك في مصر، من عهد عمر بن الخطاب ﵁ إلى خلافة هشام بن عبد الملك، فغلب اليعاقبة في هذه المدّة على جميع كنائس مصر وأقاموا بها منهم أساقفة،
стр. 1741
وبعث إليهم أهل بلاد النوبة في طلب أساقفة، فبعثوا إليهم من أساقفة اليعاقبة، فصارت النوبة من ذلك العهد يعاقبة.
ثم لما مات ميخائيل قدّم اليعاقبة في سنة ست وأربعين ومائة انبامسنا، فأقام سبع سنين ومات. وفي أيامه خرج القبط بناحية سخا وأخرجوا العمال في سنة خمسين ومائة وصاروا في جمع، فبعث إليهم يزيد بن حاتم بن قبيصة أمير مصر عسكرا، فأتاهم القبط ليلا وقتلوا عدّة من المسلمين وهزموا باقيهم، فاشتدّ البلاء على النصارى واحتاجوا إلى أكل الجيف، وهدمت الكنائس المحدثة بمصر، فهدمت كنيسة مريم المجاورة لأبي شنودة بمصر، وهدمت كنائس محارس قسطنطين، فبذل النصارى لسليمان بن عليّ أمير مصر في تركها خمسين ألف دينار، فأبى، فلما ولي بعده موسى بن عيسى أذن لهم في بنائها فبنيت كلها بمشورة الليث بن سعد، وعبد اللّه بن لهيعة قاضي مصر، واحتجا بأنّ بناءها من عمارة البلاد، وبأن الكنائس التي بمصر لم تبن إلاّ في الإسلام في زمن الصحابة والتابعين، فلما مات انبامسنا قدّم اليعاقبة بعده يوحنا، فأقام ثلاثا وعشرين سنة ومات. وفي أيامه خرج القبط ببلهيت سنة ست وخمسين فبعث إليهم موسى بن عليّ أمير مصر وهزمهم، وقدّم بعده اليعاقبة مرقص الجديد، فأقام عشرين سنة وسبعين يوما ومات. وفي أيامه كانت الفتنة بين الأمين والمأمون، فانتهبت النصارى بالإسكندرية وأحرقت لهم مواضع عديدة، وأحرقت ديارات وادي هبيب ونهبت، فلم يبق بها من رهبانها إلاّ نفر قليل. وفي أيامه مضى بطرك الملكية إلى بغداد وعالج بعض خطايا أهل الخليفة، فإنه كان حاذقا بالطب، فلما عوفيت كتب له بردّ كنائس الملكية التي تغلب عليها اليعاقبة بمصر، فاستردّها منهم، وأقام في بطركية الملكية أربعين سنة ومات، ثم قدّم اليعاقبة بعد مرقص يعقوب في سنة إحدى عشرة ومائتين، فأقام عشر سنين وثمانية أشهر ومات. وفي أيامه عمرت الديارات وعاد الرهبان إليها، وعمرت كنيسة بالقدس لمن يرد من نصارى مصر، وقدم عليه ديونوسيس بطرك أنطاكية، فأكرمه حتى عاد إلى كرسيه، وفي أيامه انتقض القبط في سنة ست عشرة ومائتين، فأوقع بهم الأفشين حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون، فحكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والذرية فبيعوا، وسبى أكثرهم، ومن حينئذ ذلت القبط في جميع أرض مصر، ولم يقدر أحد منهم بعد ذلك على الخروج على السلطان، وغلبهم المسلمون على عامّة القرى، فرجعوا من المحاربة إلى المكايدة واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين، وعملوا كتاب الخراج، فكانت لهم وللمسلمين أخبار كثيرة يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى.
ثم قدّم اليعاقبة سيماون بطركا في سنة اثنتين وعشرين ومائتين، فأقام سنة ومات، وقيل بل أقام سبعة أشهر وستة عشر يوما، فخلا كرسيّ البطاركة بعده سنة وسبعة وعشرين يوما، وقدّم اليعاقبة يوساب في دير بومقار بوادي هبيب في سنة سبع وعشرين ومائتين،
стр. 1742
فأقام ثماني عشرة سنة ومات. وفي أيامه قدم مصر يعقوب مطران الحبشة وقد نفته زوجة ملكهم. وأقامت عوضه أسقفا، فبعث ملك الحبشة يطلب إعادته من البطرك، فبعث به إليه وبعث أيضا عدّة أساقفة إلى إفريقية. وفي أيامه مات بطرك أنطاكية الوارد إلى مصر في السنة الخامسة عشرة من بطركيته. وفي أيامه أمر المتوكل على اللّه في سنة خمس وثلاثين ومائتين أهل الذمّة بلبس الطيالسة العسلية وشدّ الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين في مؤخر السرج، وعمل رقعتين على لباس رجالهم تخالفان لون الثوب، قدر كلّ واحدة منهما أربع أصابع، ولون كلّ واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليا، ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان، ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليبا، وأن لا يشعلوا في الطريق نارا، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب بذلك إلى الآفاق، ثم أمر في سنة تسع وثلاثين أهل الذمّة بلبس دراعتين عسليتين على الذراريع والأقبية، وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين. فلما مات يوساب في سنة اثنتين وأربعين ومائتين خلا الكرسيّ بعده ثلاثين يوما، وقدّم اليعاقبة قسيسا بدير بحنس يدعى بميكائيل في البطركية، فأقام سنة وخمسة أشهر ومات، فدفن بدير بومقار، وهو أوّل بطرك دفن فيه، فخلا الكرسيّ بعده أحدا وثمانين يوما، ثم قدّم اليعاقبة في سنة أربع وأربعين ومائتين شماسا بدير بومقار اسمه قسيما، فأقام في البطركية سبع سنين وخمسة أشهر ومات، فخلا الكرسيّ بعده أحدا وخمسين يوما. وفي أيامه أمر نوفيل بن ميخائيل ملك الروم بمحو الصور من الكنائس، وأن لا تبقى صورة في كنيسة، وكان سبب ذلك أنه بلغه عن قيم كنيسة أنه عمل في صورة مريم ﵍ شبه ثدي يخرج منه لبن ينقط في يوم عيدها، فكشف عن ذلك فإذا هو مصنوع ليأخذ به القيم المال، فضرب عنقه وأبطل الصور من الكنائس، فبعث إليه قسيما بطرك اليعاقبة وناظره حتى سمح بإعادة الصور على ما كانت عليه، ثم قدّم اليعاقبة ساتير بطركا، فأقام تسع عشرة سنة ومات، فأقيم يوسانيوس في أوّل خلافة المعتز، فأقام إحدى عشرة سنة ومات، وعمل في بطركيته مجاري تحت الأرض بالإسكندرية يجري بها الماء من الخليج إلى البيوت.
وفي أيامه قدم أحمد بن طولون مصر أميرا عليها، ثم قدّم اليعاقبة ميخائيل فأقام خمسا وعشرين سنة ومات بعد ما ألزمه أحمد بن طولون بحمل عشرين ألف دينار، باع فيها رباع الكنائس الموقوفة عليها، وأرض الحبش ظاهر فسطاط مصر، وباع الكنيسة بجوار المعلقة من قصر الشمع لليهود، وقرّر الديارية على كلّ نصرانيّ قيراطا في السنة، فقام بنصف المقرّر عليه. وفي أيامه قتل الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، فلما مات شغر كرسيّ الإسكندرية بعده من البطاركة أربع عشرة سنة، وفي يوم الاثنين ثالث شوّال سنة ثلاثمائة
стр. 1743
أحرقت الكنيسة الكبرى المعروفة بالقيامة في الإسكندرية، وهي التي كانت هيكل زحل، وكانت من بناء كلابطرة. وفي سنة إحدى وثلاثمائة قدّم اليعاقبة غبريال بطركا، فأقام إحدى عشرة سنة ومات، وأخذت في أيامه الديارية على الرجال والنساء، وقدّم بعده اليعاقبة في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة قسيما فأقام اثنتي عشرة سنة ومات. وفي يوم السبت النصف من شهر رجب سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة أحرق المسلمون كنيسة مريم بدمشق، ونهبوا ما فيها من الآلات والأواني وقيمتها كثيرة جدّا، ونهبوا ديرا للنساء بجوارها، وشعثوا كنائس النسطورية واليعقوبية. وفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة قدم الوزير عليّ بن عيسى بن الجرّاح إلى مصر، فكشف البلد وألزم الأساقفة والرهبان وضعفاء النصارى بأداء الجزية، فأدّوها، ومضى طائفة منهم إلى بغداد واستغاثوا بالمقتدر بالله، فكتب إلى مصر بأن لا يؤخذ من الأساقفة والرهبان والضعفاء جزية، وأن يجروا على العهد الذي بأيديهم. وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة قدّم اليعاقبة بطركا اسمه … (١) فأقام عشرين سنة ومات، وفي أيامه ثار المسلمون بالقدس سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وحرّقوا كنيسة القيامة ونهبوها وخرّبوا منها ما قدروا عليه. وفي يوم الاثنين آخر شهر رجب سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة مات سعيد بن بطريق بطرك الإسكندرية على الملكية بعد ما أقام في البطركية سبع سنين ونصفا في شرور متصلة مع طائفته، فبعث الأمير أبو بكر محمد بن طفج الإخشيد أبا الحسين من قوّاده في طائفة من الجند إلى مدينة تنيس، حتى ختم على كنائس الملكية وأحضر آلاتها إلى الفسطاط، وكانت كثيرة جدّا فافتكها الأسقف بخمسة آلاف دينار باعوا فيها من وقف الكنائس، ثم صالح طائفته وكان فاضلا وله تاريخ مفيد، وثار المسلمون أيضا بمدينة عسقلان وهدموا كنيسة مريم الخضراء، ونهبوا ما فيها، وأعانهم اليهود حتى أحرقوها، ففرّ أسقف عسقلان إلى الرملة وأقام بها حتى مات، وقدّم اليعاقبة في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة تاوفانيوس بطركا، فأقام أربع سنين وستة أشهر ومات، فأقيم بعده مينا، فأقام إحدى عشرة سنة ومات، فخلا الكرسيّ بعده سنة، ثم قدّم اليعاقبة افراهام بعده مينا، فأقام ست وستين وثلاثمائة فأقام ثلاث سنين وستة أشهر ومات مسموما من بعض كتاب النصارى، وسببه أنه منعه من التسرّي، فخلا الكرسي بعده ستة أشهر، وأقيم فيلاياوس في سنة تسع وستين، فأقام أربعا وعشرين سنة ومات، وكان مترفا. وفي أيامه أخذت الملكية كنيسة السيدة المعروفة بكنيسة البطرك، تسلمها منهم بطرك الملكية أرسانيوس في أيام العزيز بالله نزار بن المعز، وفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة قدّم اليعاقبة زخريس بطركا، فأقام ثماني وعشرين سنة، منها في البلايا مع الحاكم بأمر اللّه أبي عليّ منصور بن العزيز بالله تسع سنين، اعتقله فيها ثلاثة أشهر، وأمر به فألقي للسباع هو وسوسنة النوبيّ، فلم تضرّه، فيما زعم النصارى. ولما مات خلا الكرسيّ بعده أربعة وسبعين يوما، وفي بطركيته نزل
стр. 1744
بالنصارى شدائد لم يعهدوا مثلها، وذلك أن كثيرا منهم كان قد تمكن في أعمال الدولة حتى صاروا كالوزراء وتعاظموا لاتساع أحوالهم وكثرة أموالهم، فاشتدّ بأسهم وتزايد ضررهم ومكايدتهم للمسلمين، فأغضب الحاكم بأمر اللّه ذلك، وكان لا يملك نفسه إذا غضب، فقبض على عيسى بن نسطورس النصرانيّ، وهو إذ ذاك في رتبة تضاهي رتب الوزراء وضرب عنقه، ثم قبض على فهد بن إبراهيم النصرانيّ كاتب الأستاذ برجوان وضرب عنقه، وتشدّد على النصارى وألزمهم بلبس ثياب الغيار، وشدّ الزنار في أوساطهم ومنعهم من عمل الشعانين وعيد الصليب والتظاهر بما كانت عادتهم فعله في أعيادهم من الاجتماع واللهو، وقبض على جميع ما هو محبس على الكنائس والديارات وأدخله في الديوان، وكتب إلى أعماله كلها بذلك، وأحرق عدّة صلبان كثيرة، ومنع النصارى من شراء العبيد والإماء، وهدم الكنائس التي بخط راشدة ظاهر مدينة مصر، وأخرب كنائس المقس خارج القاهرة، وأباح ما فيها للناس، فانتهبوا منها ما يجل وصفه، وهدم دير القصير وانهب العامة ما فيه، ومنع النصارى من عمل الغطاس على شاطئ النيل بمصر، وأبطل ما كان يعمل فيه من الاجتماع للهو، وألزم رجال النصارى بتعليق الصلبان الخشب التي زنة كل صليب منها خمسة أرطال في أعناقهم، ومنعهم من ركوب الخيل، وجعل لهم أن يركبوا البغال والحمير بسروج ولجم غير محلاة بالذهب والفضة، بل تكون من جلود سود، وضرب بالحرس في القاهرة ومصر أن لا يركب أحد من المكارية ذمّيا، ولا يحمل نوتيّ مسلم أحدا من أهل الذمة، وأن تكون ثياب النصارى وعمائهم شديدة السواد، وركب سروجهم من خشب الجميز، وأن يعلق اليهود في أعناقهم خشبا مدوّرا زنة الخشبة منها خمسة أرطال، وهي ظاهرة فوق ثيابهم، وأخذ في هدم الكنائس كلها وأباح ما فيها، وما هو محبس عليها للناس نهبا وإقطاعا، فهدمت بأسرها ونهب جميع أمتعتها وأقطع أحباسها، وبني في مواضعها المساجد، وأذن بالصلاة في كنيسة شنودة بمصر، وأحيط بكنيسة المعلقة في قصر الشمع، وأكثر الناس من رفع القصص بطلب كنائس أعمال مصر ودياراتها، فلم يردّ قصة منها إلاّ وقد وقع عليها بإجابة رافعها لما سأل، فأخذوا أمتعة الكنائس والديارات وباعوا بأسواق مصر ما وجدوا من أواني الذهب والفضة وغير ذلك، وتصرّفوا في أحباسها، ووجد بكنيسة شنودة مال جليل، ووجد في المعلقة من المصاغ وثياب الديباج أمر كثير جدّا إلى الغاية، وكتب إلى ولاة الأعمال بتمكين المسلمين من هدم الكنائس والديارات فعمّ الهدم فيها من سنة ثلاث وأربعمائة حتى ذكر من يوثق به في ذلك أن الذي هدم إلى آخر سنة خمس وأربعمائة بمصر والشام وأعمالهما من الهياكل التي بناها الروم نيث وثلاثون ألف بيعة، ونهب ما فيها من آلات الذهب والفضة، وقبض على أوقافها، وكانت أوقافا جليلة على مبان عجيبة، وألزم النصارى أن تكون الصلبان في أعناقهم إذا دخلوا الحمام، وألزم اليهود أن يكون في أعناقهم الأجراس إذا دخلوا الحمام، ثم ألزم اليهود والنصارى بخروجهم كلهم من
стр. 1745
أرض مصر إلى بلاد الروم، فاجتمعوا بأسرهم تحت القصر من القاهرة واستغاثوا ولاذوا بعفو أمير المؤمنين حتى أعفوا من النفي، وفي هذه الحوادث أسلم كثير من النصارى.
وفي سنة سبع وأربعمائة وثب بعض أكابر البلغر على ملكهم قمطورس فقتله وملك عوضه، وكتب إلى باسيل ملك قسطنطينية بطاعته فأقرّه، ثم قتل بعد سنة فسار الملك باسيل إليهم في شوّال سنة ثمان وأربعمائة واستولى على مملكة البلغر وأقام في قلاعها عدّة من الروم، وعاد إلى قسطنطينية فاختلط الروم بالبغر ونكحوا منهم وصاروا يدا واحدة بعد شدّة العداوة، وقدّم اليعاقبة عليهم سابونين بطركا بالإسكندرية في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، في يوم الأحد ثالث عشري برمهات، فأقام خمس عشرة سنة ونصفا ومات في طوبه، وكان محبا للمال، وأخذ الشرطونية فخلا الكرسيّ بعده سنة وخمسة أشهر، ثم قدّم اليعاقبة أخر سطوديس بطركا في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، فأقام ثلاثين سنة ومات بالمعلقة من مصر، وهو الذي جعل كنيسة بومرقوره بمصر، وكنيسة السيدة بحارة الروم من القاهرة في أيام بطركيته، فلم يقم بعده بطرك اثنين وسبعين يوما، ثم أقام اليعاقبة كيرلص، فأقام أربع عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصفا ومات بكنيسة المختار من جزية مصر المعروفة بالروضة، في سلخ ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وعمل بدلة للبطاركة من ديباج أزرق وبلارية ديباج أحمر بتصاوير ذهب، وقطع الشرطونية فلم يول بعده بطرك مدّة مائة وأربعة وعشرين يوما، ثم أقيم ميخائيل الحبيس بسنجار في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، فأقام تسع وسنين وثمانية أشهر ومات في المعلقة بمصر، وكان المستنصر بالله لما نقص نيل مصر بعثه إلى بلاد الحبشة بهدية سنية، فتلقاه ملكها وسأله عن سبب قدومه، فعرّفه نقص النيل وضرر أهل مصر بسبب ذلك، فأمر بفتح سدّ يجري منه الماء إلى أرض مصر، ففتح وزاد النيل في ليلة واحدة ثلاثة أذرع، واستمرّت الزيادة حتى رويت البلاد وزرعت، ثم عاد البطرك فخلع عليه المستنصر وأحسن إليه.
وفي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة قدّم اليعاقبة مقاري بطركا بدير بومقار، وكمل بالإسكندرية وعاد إلى مصر، ثم مضى إلى دير بومقار فقدّس به ثم جاء إلى مصر فقدّس بالمعلقة، فأقام ستا وعشرين سنة وأحدا وأربعين يوما ومات. فخلت مصر من بطرك اليعاقبة سنتين وشهرين، وفي أيامه حدثت زلزلة عظيمة بمصر هدم فيها كنيسة المختار بالروضة، واتهم الأفضل بن أمير الجيوش بهدمها، فإنها كانت في بستانه. وفي أيامه أبطل عوايد كثيرة للنصارى، فبطلت بعده. ثم قدّم اليعاقبة غيريال المكنى بأبي العلا صاعد بن تربك الشماس بكنيسة مرقوريوس في سنة خمس وعشرين وخمسمائة بالمعلقة، وكمل بالإسكندرية وقدّس بالأديرة بوادي هبيب، وأقام أربع عشرة سنة ومات، فخلا بعده كرسيّ اليعاقبة ثلاثة أشهر.
ثم قدّم اليعاقبة ميخائيل بن التقدوسيّ الراهب بقلاية دمشري بطركا، فأقام مدّة سنة وسبعين يوما، ثم أقيم يونس أبو الفتح بطركا بالمعلقة، وكمل بالإسكندرية، فأقام تسع عشرة سنة
стр. 1746
ومات، في سابع عشري جمادى الآخرة، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، فخلا الكرسيّ بعده ثلاثة وأربعين يوما، وقدم مرقص بن زرعة المكني بأبي الفرج بطرك اليعاقبة بمصر، وكمل بالإسكندرية، فأقام اثنتين وعشرين سنة وستة أشهر وخمسة وعشرين يوما ومات، وفي أيامه انتقل مرقص بن قنبر وجماعة من القنابرة إلى رأي الملكية، ثم عاد إلى اليعقوبية، فقبل. ثم عاد إلى الملكية ورجع فلم يقبل، وكان هذا البطرك له همة ومروءة. وفي أيامه كان حريق شاور الوزير لمصر، في ثامن عشر هتور، فاحترقت كنيسة بومرقورة، وخلا بعده كرسيّ البطاركة سبعة وعشرين يوما، ثم قدّم اليعاقبة يونس بن أبي غالب بطركا في يوم الأحد عاشر ذي الحجة سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وكمل بالإسكندرية، فأقام ستا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما، ومات يوم الخميس رابع عشر شهر رمضان سنة اثنتي عشرة وستمائة بالمعلقة بمصر، ودفن بالحبش، وكان في ابتداء أمره تاجرا يتردّد إلى اليمن في البحر حتى كثر ماله، وكان معه مال لأولاد الخباب فاتفق أنه غرق في بحر الملح، وذهب ماله ونجا بنفسه إلى القاهرة، وقد آيس أولاد الخباب من مالهم، فلما لقيهم أعلمهم أن مالهم قد سلّم، فإنه كان قد عمله في نقائر خشب مسمرة في المركب، فصار لهم به عناية، فلما مات مرقص بن زرعة سعى يونس هذا للقس أبي ياسر فقال له أولاد الخباب: خذ أنت البطركية ونحن نزكيك، فوافقهم وأقيم بطركا، فشق ذلك على أبي ياسر وهجره بعد صحبة طويلة، وكان معه لما استقرّ في البطركية سبعة عشر ألف دينار مصرية، أنفقها على الفقراء، وأبطل الديارية ومنع الشرطونية، ولم يأكل لأحد من النصارى خبزا ولا قبل من أحد هدية.
فلما مات قام أبو الفتوح نشو الخليفة بن الميقاط كاتب الجيش مع السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب في ولاية القس داود بن يوحنا بن لقلق الفيوميّ، فإنه كان خصيصا به، فأجابه وكتب توقيعه من غير أن يعلم الملك الكامل محمد ابن السلطان، فشق ذلك على النصارى، وقام منهم الأسعد بن صدقة كاتب دار التفاح بمصر ومعه جماعة، وتوجهوا سحرا ومعهم الشموع إلى تحت قلعة الجبل حيث كان سكن الملك الكامل واستغاثوا به، ووقعوا في القس وقالوا لا يصلح، وفي شريعتنا أنه لا يقدّم البطرك إلا باتفاق الجمهور عليه، فبعث الملك الكامل يطيب خواطرهم، وكان القس قد ركب بكرة ومعه الأساقفة وعالم كثير من النصارى ليقدّموه بالمعلقة بمصر، وذلك يوم الأحد، فركب الملك الكامل بشجو كبير من القلعة إلى أبيه بدار الوزارة من القاهرة حيث سكنه، وأوقف ولاية القس، فبعث السلطان في طلب الأساقفة ليتحقق الأمر منهم، فوافقهم الرسل مع القس في الطريق فأخذوهم، ودخل القس إلى كنيسة بوجرج التي بالحمراء وبطلت بطركيته، وأقامت مصر بغير بطرك تسع عشرة سنة ومائة وستين يوما. ثم قدّم هذا القس بطركا في يوم الأحد تاسع عشري شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فأقام سبع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام ومات يوم الثلاثاء
стр. 1747
سابع عشر شهر رمضان سنة أربعين وستمائة، ودفن بدير الشمع بالجيزة، وكان عالما بدينه محبا للرياسة، وأخذ الشرطونية في بطركيته، وكانت الديارات بأرض مصر قد خلت من الأساقفة، فقدم جماعة أساقفة كثيرة بمال كثير أخذه منهم وقاسى شدائد، ورافعه الراهب عماد المرشال ووكل عليه وعلى أقاربه وألزامه، وساعده الراهب السني بن الثعبان، وأشاع مثالبه وقال لا يصح له كونية لأنه يقدّم بالرشوة، وأخذ الشرطونية وجمع عليه طائفة كثيرة، وعقد مجلسا عند الصاحب معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأثبت على البطرك قوادح، فقام الكتاب النصارى في أمره مع الصاحب بمال يحمله إلى السلطان حتى استمر على بطركيته، وخلا كرسيّ البطاركة بعده سبع سنين وستة أشهر وستة وعشرين يوما.
ثم قدّم اليعاقبة ابناسيوس ابن القس أبي المكارم بن كليل بالمعلقة في يوم الأحد رابع شهر رجب سنة ثمان وأربعين وستمائة، وكمل بالإسكندرية، فأقام إحدى عشرة سنة وخمسة وخمسين يوما، ومات يوم الأحد ثالث المحرّم سنة ستين وستمائة، فخلت مصر من البطركية خمسة وثمانين يوما. وفي أيامه أخذ الوزير الأسعد شرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزي الجوالي من النصارى مضاعفة، وفي أيامه ثارت عوامّ دمشق وخربت كنيسة مريم بدمشق بعد إحراقها ونهب ما فيها، وقتل جماعة من النصارى بدمشق، ونهب دورهم، وخرابها في سنة ثمان وخمسين وستمائة بعد وقعة عين جالوت وهزيمة المغل. فلما دخل السلطان الملك المظفر قطز إلى دمشق قرّر على النصارى بها مائة ألف وخمسين ألف درهم، جمعوها من بينهم وحملوها إليه بسفارة الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، أتابك العسكر.
وفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة كانت واقعة النصارى، ومن خبرها أن الأمير سنجر الشجاعيّ كانت حرمته وافرة في أيام الملك المنصور قلاون، فكان النصارى يركبون الحمير بزنانير في أوساطهم، ولا يجسر نصرانيّ يحدّث مسلما وهو راكب، وإذا مشى فبذلة، ولا يقدر أحد منهم يلبس ثوبا مصقولا، فلما مات الملك المنصور وتسلطن من بعده ابنه الملك الأشرف خليل، خدم الكتاب النصارى عند الأمراء الخاصكية وقوّوا نفوسهم على المسلمين، وترفعوا في ملابسهم وهيآتهم، وكان منهم كاتب عند خاصكيّ يعرف بعين الغزال، فصدف يوما في طريق مصر سمسار شونة مخدومه، فنزل السمسار عن دابته وقبّل رجل الكاتب، فأخذ يسبه ويهدّده على مال قد تأخر عليه من ثمن غلة الأمير، وهو يترفق له ويعتذر، فلا يزيده ذلك عليه إلاّ غلظة، وأمر غلامه فنزل وكتف السمسار ومضى به والناس تجتمع عليه حتى صار إلى صليبة جامع أحمد بن طولون، ومعه عالم كبير، وما منهم إلاّ من يسأله أن يخلي عن السمسار وهو يمتنع عليهم، فتكاثروا عليه وألقوه عن حماره وأطلقوا السمسار، وكان قد قرب من بيت أستاذه، فبعث غلامه لينجده بمن فيه، فأتاه بطائفة من
стр. 1748
غلمان الأمير وأوجاقيته فخلصوه من الناس وشرعوا في القبض عليهم ليفتكوا بهم، فصاحوا عليهم ما يحل ومرّوا مسرعين إلى أن وقفوا تحت القلعة، واستغاثوا نصر اللّه السلطان، فأرسل يكشف الخبر فعرّفوه ما كان من استطالة الكاتب النصرانيّ على السمسار، وما جرى لهم، فطلب عين الغزال ورسم للعامّة بإحضار النصارى إليه، وطلب الأمير بدر الدين بيدرا النائب، والأمير سنجر الشجاعيّ، وتقدّم إليهما بإحضار جميع النصارى بين يديه ليقتلهم، فما زالا به حتى استقرّ الحال على أن ينادي في القاهرة ومصر، أن لا يخدم أحد من النصارى واليهود عند الأمير، وأمر الأمراء بأجمعهم أن يعرضوا على من عندهم من الكتاب النصارى الإسلام، فمن امتنع من الإسلام ضربت عنقه، ومن أسلم استخدموه عندهم، ورسم للنائب بعرض جميع مباشري ديوان السلطان ويفعل فيهم ذلك، فنزل الطلب لهم وقد اختفوا، فصارت العامّة تسبق إلى بيوتهم وتنهبها، حتى عمّ النهب بيوت النصارى واليهود بأجمعهم، وأخرجوا نساءهم مسبيات، وقتلوا جماعة بأيديهم، فقام الأمير بيدرا النائب مع السلطان في أمر العامّة، وتلطف به حتى ركب وإلى القاهرة ونادى من نهب بيت نصرانيّ شنق، وقبض على طائفة من العامّة وشهرهم بعد ما ضربهم، فانكفوا عن النهب بعد ما نبهوا كنيسة المعلقة بمصر وقتلوا منها جماعة، ثم جمع النائب كثيرا من النصارى كتاب السلطان والأمراء وأوقفهم بين يدي السلطان عن بعد منه، فرسم للشجاعيّ وأمير جاندار أن يأخذا عدّة معهما وينزلوا إلى سوق الخيل تحت القلعة، ويحفروا حفيرة كبيرة ويلقوا فيها الكتاب الحاضرين، ويضرموا عليهم الحطب نارا، فتقدّم الأمير بيدرا وشفع فيهم فأبى أن يقبل شفاعته وقال: ما أريد في دولتي ديوانا نصرانيا، فلم يزل به حتى سمح بأن من أسلم منهم يستقرّ في خدمته، ومن امتنع ضربت عنقه، فأخرجهم إلى دار النيابة وقال لهم: يا جماعة ما وصلت قدرتي مع السلطان في أمركم إلاّ على شرط، وهو أن من اختار دينه قتل، ومن اختار الإسلام خلع عليه وباشر، فابتدره المكين بن السقاعيّ أحد المستوفين وقال: يا خوند وأينا قوّاد يختار القتل على هذا الدين الخراء، واللّه دين نقتل ونموت عليه يروح، لا كتب اللّه عليه سلامة، قولوا لنا الذي تختاروه حتى نروح إليه، فغلب بيدرا الضحك وقال له: ويلك، أنحن نختار غير دين الإسلام؟ فقال يا خوند: ما نعرف، قولوا ونحن نتبعكم، فأحضر العدول واستسلمهم، وكتب بذلك شهادات عليهم، ودخل بها على السلطان فألبسهم تشاريف وخرجوا إلى مجلس الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس، فبدأ بعض الحاضرين بالمكين بن السقاعيّ وناوله ورقة ليكتب عليها وقال: يا مولانا القاضي اكتب على هذه الورقة. فقال: يا بنيّ ما كان لنا هذا القضاء في خلد، فلم يزالوا في مجلس الوزير إلى العصر، فجاءهم الحاجب وأخذهم إلى مجلس النائب وقد جمع به القضاة فجدّدوا إسلامهم بحضرتهم، فصار الذليل منهم بإظهار الإسلام عزيزا، يبدي من إذلال المسلمين والتسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيته من إظهاره، وما هو إلا كما
стр. 1749
كتب به بعضهم إلى الأمير بيدرا النائب:
أسلم الكافرون بالسيف قهرا … وإذا ما خلوا فهم مجرمونا
سلموا من رواح مال وروح … فهم سالمون لا مسلمونا
وفي أخريات شهر رجب سنة سبعماءة قدم وزير متملك المغرب إلى القاهرة حاجا، وصار يركب إلى الموكب السلطانيّ وبيوت الأمراء، فبينما هو ذات يوم بسوق الخيل تحت القلعة، إذا هو برجل راكب على فرس وعليه عمامة بيضاء وفرجية مصقولة، وجماعة يمشون في ركابه وهم يسألونه ويتضرّعون إليه ويقبلون رجليه، وهو معرض عنهم وينهرهم ويصيح بغلمانه أن يطردوهم عنه. فقال له بعضهم يا مولاي الشيخ بحياة ولدك النشو تنظر في حالنا، فلم يزده ذلك إلاّ عتوّا وتحامقا، فرقّ المغربيّ لهم وهمّ بمخاطبته في أمرهم، فقيل له وأنه مع ذلك نصرانيّ، فغضب لذلك وكاد أن يبطش به، ثم كف عنه وطلع إلى القلعة وجلس مع الأمير سلار نائب السلطان، والأمير بيبرس الجاشنكير، وأخذ يحادثهم بما رآه وهو يبكي رحمة للمسلمين بما نالهم من قسوة النصارى، ثم وعظ الأمراء وحذرهم نقمة اللّه، وتسليط عدوّهم عليهم من تمكين النصارى من ركوب الخيل، وتسلطهم على المسلمين وإذلالهم إياهم، وأن الواجب إلزامهم الصغار، وحملهم على العهد الذي كتبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فمالوا إلى قوله وطلبوا بطرك النصارى وكبراءهم وديان اليهود، فجمعت نصارى كنيسة المعلقة ونصارى دير البغل ونحوهم، وحضر كبراء اليهود والنصارى، وقد حضر القضاة الأربعة وناظروا النصارى واليهود، فأذعنوا إلى التزام العهد العمريّ، وألزم بطرك النصارى طائفته النصارى بلبس العمائم الزرق وشدّ الزنار في أوساطهم، ومنعهم من ركوب الخيل والبغال، والتزام الصغار، وحرّم عليهم مخالفة ذلك أو شيء منه، وأنه بريء من النصرانية إن خالف. ثم اتبعه ديان اليهود بأن أوقع الكلمة على من خالف من اليهود ما شرط عليه، من لبس العمائم الصفر والتزام العهد العمريّ، وكتب بذلك عدّة نسخ سيرت إلى الأعمال، فقام المغربيّ في هدم الكنائس، فلم يمكنه قاضي القضاة تقي الدين محمد بن دقيق العيد من ذلك، وكتب خطه بأنه لا يجوز أن يهدم من الكنائس إلاّ ما استجدّ بناؤه، فغلقت عدّة كنائس بالقاهرة ومصر مدّة أيام، فسعى بعض أعيان النصارى في فتح كنيسة حتى فتحها، فثارت العامة ووقفوا للنائب والأمراء واستغاثوا بأن النصارى قد فتحوا الكنائس بغير إذن، وفيهم جماعة تكبروا عن لبس العمائم الزرق، واحتمى كثير منهم بالأمراء، فنودي في القاهرة ومصر أن يلبس النصارى بأجمعهم العمائم الزرق، ويلبس اليهود بأسرهم العمائم الصفر، ومن لم يفعل ذلك نهب ماله وحلّ دمه، ومنعوا جميعا من الخدمة في ديوان السلطان ودواوين الأمراء حتى يسلموا، فتسلطت الغوغاء عليهم وتتبعوهم، فمن رأوه بغير الزيّ الذي رسم به ضربوه بالنعال وصفعوا عنقه حتى يكاد يهلك، ومن مرّ بهم وقد ركب ولا يثني رجله ألقوه عن دابته وأوجعوه ضربا،
стр. 1750
فاختفى كثير منهم، وألجأت الضرورة عدّة من أعيانهم إلى إظهار الإسلام أنفة من لبس الأزرق وركوب الحمير، وقد أكثر شعراء العصر في ذكر تغيير زيّ أهل الذمّة، فقال علاء الدين عليّ بن مظفر الوداعيّ:
لقد ألزم الكفار شاشات ذلة … تزيدهم من لعنة اللّه تشويشا
فقلت لهم ما ألبسوكم عمائما … ولكنهم قد ألزموكم براطيشا
وقال شمس الدين الطيبي:
تعجبوا للنصارى واليهود معا … والسامريين لما عمموا الخرقا
كأنما بات بالأصباغ منسهلا … نسر السماء فأضحى فوقهم زرقا
فبعث ملك برشلونة في سنة ثلاث وسبعمائة هدية جليلة زائدة عن عادته، عمّ بها جميع أرباب الوظائف من الأمراء مع ما خص به السلطان، وكتب يسأل في فتح الكنائس، فاتفق الرأي على فتح كنيسة حارة زويلة لليعاقبة، وفتح كنيسة البندقانيين من القاهرة، ثم لما كان يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، هدمت كنائس أرض مصر في ساعة واحدة، كما ذكر في أخبار كنيسة الزهريّ، وفي سنة خمس وخمسين وسبعمائة، رسم بتحرير ما هو موقوف على الكنائس من أراضي مصر، فأناف على خمسة وعشرين ألف فدان، وسبب الفحص عن ذلك، كثرة تعاظم النصارى وتعدّيهم في الشرّ والإضرار بالمسلمين، لتمكنهم من أمراء الدولة وتفاخرهم بالملابس الجليلة، والمغالاة في أثمانها، والتبسط في المآكل والمشارب، وخروجهم عن الحدّ في الجراءة والسلاطة، إلى أن اتفق مرور بعض كتاب النصارى على الجامع الأزهر من القاهرة، وهو راكب بخف ومهماز وبقباء إسكندريّ طرح على رأسه، وقدّامه طرّادون يمنعون الناس من مزاحمته، وخلفه عدّة عبيد بثياب سرية على أكاديش فارهة، فشق ذلك على جماعة من المسلمين، وثاروا به وأنزلوه عن فرسه وقصدوا قتله، وقد اجتمع عالم كبير، ثم خلوا عنه، وتحدّد جماعة مع الأمير طاز في أمر النصارى وما هم عليه، فوعدهم بالإنصاف منهم، فرفعوا قصة على لسان المسلمين قرئت على السلطان الملك الصالح صالح بحضرة الأمراء والقضاة وسائر أهل الدولة، تتضمن الشكوى من النصارى، وأن يعقد لهم مجلس ليلتزموا بما عليهم من الشروط، فرسم بطلب بطرك النصارى وأعيان أهل ملتهم، وبطلب رئيس اليهود وأعيانهم، وحضر القضاة والأمراء بين يدي السلطان، وقرأ القاضي علاء الدين عليّ بن فضل اللّه كاتب السرّ العهد الذي كتب بين المسلمين وبين أهل الذمّة، وقد أحضروه معهم، حتى فرغ منه، فالتزم من حضر منهم بما فيه وأقرّوا به، فعدّدت لهم أفعالهم التي جاهروا بها وهم عليها، وأنهم لا يرجعون عنها غير قليل، ثم يعودن إليها كما فعلوه غير مرّة فيما سلف، فاستقرّ الحال على أن يمنعوا من المباشرة بشيء من ديوان السلطان ودواوين الأمراء
стр. 1751
ولو أظهروا الإسلام، وأن لا يكره أحد منهم على إظهار الإسلام، ويكتب بذلك إلى الأعمال. فتسلطت العامّة عليهم وتتبعوا آثارهم وأخذوهم في الطرقات، وقطعوا ما عليهم من الثياب، وأوجعوهم ضربا، ولم يتركوهم حتى يسلموا، وصاروا يضرمون لهم النار ليلقوهم فيها، فاختفوا في بيوتهم ولم يتجاسروا على المشي بين الناس، فنودي بالمنع من التعرّض لأذاهم، فأخذت العامّة في تتبع عوراتهم وما علوه من دورهم على بناء المسلمين فهدموه، واشتدّ الأمر على النصارى باختفائهم، حتى أنهم فقدوا من الطرقات مدّة، فلم ير منهم ولا من اليهود أحد، فرفع المسلمون قصة قرئت في دار العدل في يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب، تتضمن أن النصارى قد استجدّوا عمارات في كنائسهم ووسعوها، هذا وقد اجتمع بالقلعة عالم عظيم واستغاثوا بالسلطان من النصارى، فرسم بركوب والي القاهرة وكشفه على ذلك، فلم تتمهل العامّة ومرّت بسرعة فخرّبت كنيسة بجوار قناطر السباع، وكنيسة بطريق مصر للأسرى، وكنيسة الفهادين بالجوّانية من القاهرة، ودير نهيا من الجيزة، وكنيسة بناحية بولاق التكروريّ، ونهبوا حواصل ما خرّبوه من ذلك، وكانت كثيرة، وأخذوا أخشابها ورخامها وهجموا كنائس مصر والقاهرة، ولم يبق إلاّ أن يخرّبوا كنيسة البندقانيين بالقاهرة، فركب الوالي ومنعهم منها، واشتدّت العامة وعجز الحكام عن كفهم، وكان قد كتب إلى جميع أعمال مصر وبلاد الشام أن لا يستخدم يهوديّ ولا نصرانيّ ولو أسلم، وأنه من أسلم منهم لا يمكن من العبور إلى بيته ولا من معاشرة أهله إلاّ أن يسلموا وأن يلزم من أسلم منهم بملازمة المساجد والجوامع لشهود الصلوات الخمس والجمع، وأنّ من مات من أهل الذمة يتولى المسلمون قسمة تركته على ورثته إن كان له وارث، وإلاّ فهي لبيت المال، وكان يلي ذلك البطرك، وكتب بذلك مرسوم قريء على الأمراء، ثم نزل به الحاجب فقرأه في يوم الجمعة سادس عشري جمادى الآخرة بجوامع القاهرة ومصر، فكان يوما مشهودا.
ثم أحضر في أخريات شهر رجب من كنيسة شبرا بعدما هدمت، إصبع الشهيد الذي كان يلقى في النيل حتى يزيد، بزعمهم، وهو في صندوق، فأحرق بين يدي السلطان بالميدان من قلعة الجبل وذرى رماده في البحر خشية من أخذ النصارى له، فقدمت الأخبار بكثرة دخول النصارى من أهل الصعيد والوجه البحريّ في الإسلام. وتعلمهم القرآن، وإن أكثر كنائس الصعيد هدمت وبنيت مساجد، وأنه أسلم بمدينة قليوب في يوم واحد أربعمائة وخمسون نصرانيا، وكذلك بعامة الأرياف، مكرا منهم وخديعة حتى يستخدموا في المباشرات، وينكحوا المسلمات، فتم لهم مرادهم واختلطت بذلك الأنساب حتى صار أكثر الناس من أولادهم، ولا يخفى أمرهم على من نوّر اللّه قلبه، فإنه يظهر من آثارهم القبيحة إذا تمكنوا من الإسلام وأهل ما يعرف به الفطن سوء أصلهم، وقديم معاداة أسلافهم للدين وحملته.
النصارى فرق كثيرة، الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية، والبرذعانية، والمرقولية،
стр. 1752
وهم الرهاويون الذين كانوا بنواحي حرّان وغير هؤلاء. فمنهم من مذهبه مذهب الحرّانية، ومنهم من يقول بالنور والظلمة، والثنوية كلهم يقرّون بنبوّة المسيح ﵇ ومنهم من يعتقد مذهب أرسطاطاليس. والملكانية واليعقوبية والنسطورية متفقون على أن معبودهم ثلاثة أقانيم (١)، وهذه الأقانيم الثلاثة شيء واحد، وهو جوهر قديم، ومعناه أب وابن وروح القدس إله واحد، وأن الابن نزل من السماء فتدرّع جسدا من مريم، وظهر للناس يحيي ويبروئ وينبي، ثم قتّل وصلب وخرج من القبر لثلاث، فظهر لقوم من أصحابه فعرفوه حق معرفته، ثم صعد إلى السماء فجلس عن يمين أبيه هذا الذي يجمعهم اعتقاده، ثم إنهم يختلفون في العبارة عنه.
فمنهم من يزعم أنّ القديم جوهر واحد يجمعه ثلاثة أقانيم، كل أقنوم منها جوهر خاص، فأحد هذه الأقانيم أب واحد غير مولود، والثالث روح فائضة منبثقة بين الأب والابن، وأن الابن لم يزل مولودا من الأب، وأن الأب لم يزل والدا للابن، لا على جهة النكاح والتناسل، لكن على جهة تولد ضياء الشمس من ذات الشمس، وتولد حرّ النار من ذات النار.
ومنهم من يزعم أن معنى قولهم إن الإله ثلاثة أقانيم، أنها ذات لها حياة ونطق، فالحياة هي روح القدس، والنطق هو العلم والحكمة، … (٢) والنطق والعلم والحكمة والكلمة عبارة عن الابن، كما يقال الشمس وضياؤها، والنار وحرّها، فهو عبارة عن ثلاثة أشياء ترجع إلى أصل واحد.
ومنهم من يزعم أنه لا يصحّ له أن يثبت الإله فاعلا حكيما، إلاّ أنه يثبته حيا ناطقا، ومعنى الناطق عندهم العالم المميز، لا الذي يخرج الصوت بالحروف المركبة، ومعنى الحيّ عندهم من له حياة بها يكون حيا، ومعنى العالم من له علم به يكون عالما. قالوا فذاته وعلمه وحياته ثلاثة أشياء والأصل واحد، فالذات هي العلة للاثنين اللذين هما العلم والحياة، والاثنان هما المعلولان للعلة، ومنهم من يتنزه عن لفظ العلة والمعلول في صفة القديم، ويقول أب وابن ووالدة وروح وحياة وعلم وحكمة ونطق. قالوا والابن اتحد بإنسان مخلوق، فصار هو وما اتحد به مسيحا واحدا، وأن المسيح هو إله العباد وربهم، ثم اختلفوا في صفة الاتحاد، فزعم بعضهم أنه وقع بين جوهر لاهوتيّ وجوهر ناسوتيّ اتحاد، فصارا مسيحا واحدا، ولم يخرج الاتحاد كلّ واحد منهما عن جوهريته وعنصره، وأن المسيح إله معبود، وأنه ابن مريم الذي حملته وولدته، وأنه قتل وصلب، وزعم قوم أن المسيح بعد الاتحاد جوهران، أحدهما لاهوتيّ والآخر ناسوتيّ، وأن القتل والصلب وقعا به من جهة
стр. 1753
ناسوته لا من جهة لاهوته، وأن مريم حملت بالمسيح وولدته من جهة ناسوته، وهذا قول النسطورية، ثم يقولون أن المسيح بكماله إله معبود، وأنه ابن اللّه، تعالى اللّه عن قولهم، وزعم قوم أنّ الاتحاد وقع بين جوهرين لاهوتيّ وناسوتيّ، فالجوهر اللاهوتيّ بسيط غير منقسم ولا متجزئ، وزعم قوم أن الاتحاد على جهة حلول الابن في الجسد ومخالطته إياه، ومنهم من زعم أن الاتحاد على جهة الظهور، كظهور كتابة الخاتم والنقش إذا وقع على طين أو شمع، وكظهور صورة الإنسان في المرآة، إلى غير ذلك من الاختلاف الذي لا يوجد مثله في غيرهم، حتى لا تكاد تجد اثنين منهم على قول واحد.
والملكانية تنسب إلى ملك الروم، وهم يقولون أنّ اللّه اسم لثلاثة معان، فهو واحد ثلاثة وثلاثة واحد. واليعقوبية تقول أنه واحد قديم، وأنه كان لا جسم ولا إنسان، ثم تجسم وتأنس. والمرقولية قالوا اللّه واحد وعلمه غيره قديم معه، والمسيح ابنه على جهة الرحمة، كما يقال إبراهيم خليل اللّه، والمرقولية تزعم أن المسيح يطوف عليهم كل يوم وليلة، والبوزغانية تزعم أن المسيح هو الذي يحشر الموتى من قبورهم ويحاسبهم.
وعندهم لا بدّ من تنصير أولادهم، وذلك أنهم يغمسون المولود في ماء قد أغلي بالرياحين وألوان الطيب في إجانة جديدة، ويقرءون عليه من كتابهم، فيزعمون أنه حينئذ ينزل عليه روح القدس، ويسمون هذا الفعل المعمودية، وطهارتهم إنما هي غسل الوجه واليدين فقط، ولا يختتن منهم إلاّ اليعقوبية، ولهم سبع صلوات يستقبلون فيها المشرق، ويحجون إلى بيت المقدس، وزكاتهم العشر من أموالهم، وصيامهم خمسون يوما، فالثاني والأربعون منه عيد الشعانين، وهو اليوم الذي نزل فيه المسيح من الجبل ودخل بيت المقدس، وبعده بأربعة أيام عيد الفصح، وهو اليوم الذي خرج فيه موسى وقومه من مصر، وبعده بثلاثة أيام عيد القيامة، وهو اليوم الذي خرج فيه المسيح من القبر بزعمهم، وبعده بثمانية أيام عيد الجديد، وهو اليوم الذي ظهر فيه المسيح لتلامذته بعد خروجه من القبر، وبعده بثمانية وثلاثين يوما عيد السلاق، وهو اليوم الذي صعد فيه المسيح إلى السماء. ولهم عيد الصليب، وهو اليوم الذي وجدوا فيه خشية الصليب، وزعموا أنها وضعت على ميت فعاش، ولهم أيضا عيد الميلاد وعيد الذبح، ولهم قرابين وكهنة، فالشماس فوقه القس، وفوق القس الأسقف، وفوق الأسقف المطران، وفوق المطران البطريق، والسكر عندهم حرام، ولا يحلّ لهم أكل اللحم ولا الجماع في الصوم، وكل ما يباع في السوق ولم تعفه أنفسهم يباح أكله، ولا يصحّ النكاح إلاّ بحضور شماس وقس وعدول ومهر، ويحرّمون من النساء ما يحرّمه المسلمون، ولا يحلّ الجمع بين امرأتين، ولا التسرّي بالإماء إلاّ أن يعتقن ويتزوّج بهنّ، وإذا خدم العبد سبع سنين عتق، ولا يحل طلاق المرأة إلاّ أن تأتي بفاحشة مبينة فتطلق، ولا تحل للزوج أبدا، وحدّ المحصن إذا زنى الرجم، فإن زنى غير محصن وحملت منه المرأة تزوّج بها، ومن قتل عمدا قتل، ومن قتل خطأ يهرّب ولا يحل طلبه،
стр. 1754
وأكثر أحكامهم من التوراة، وقد لعن منهم من لاط أو شهد بالزور أو قامر أو زنى أو سكر.
ذكر ديارات النصارى
قال ابن سيده: الدير خان النصارى، والجمع أديار، وصاحبه ديار وديرانيّ. قلت الدير عند النصارى يختص بالنساك المقيمين به، والكنيسة مجتمع عامتهم للصلاة.
القلاية بمصر: هذه القلاية بجانب المعلقة التي تعرف بقصر الشمع في مدينة مصر، وهي مجمع أكابر الرهبان وعلماء النصارى، وحكمها عندهم حكم الأديرة.
دير طرا: ويعرف بدير أبي جرج، وهو على شاطيء النيل. وأبو جرج هذا هو جرجس، وكان ممن عذبه الملك دقلطيانوس ليرجع عن دين النصرانية، ونوّع له العقوبات من الضرب والتحريق بالنار، فلم يرجع، فضرب عنقه بالسيف في ثالث تشرين وسابع بابه.
دير شعران: هذا الدير في حدود ناحية طرا، وهو مبنيّ بالحجر واللبن، وبه نخل وبه عدّة رهبان، ويقال إنما هو دير شهران بالهاء، وأنّ شهران كان من حكماء النصارى، وقيل بل كان ملكا، وكان هذا الدير يعرف قديما بمرقوريوس الذي يقال له مرقورة، وأبو مرقورة، ثم لما سكنه برصوما بن التبان عرف بدير برصوما، وله عيد يعمل في الجمعة الخامسة من الصوم الكبير، فيحضره البطرك وأكابر النصارى، وينفقون فيه مالا كبيرا. ومرقوريوس هذا كان ممن قتله دقلطيانوس في تاسع عشر تموز، وخامس عشري أبيب، وكان جنديا.
دير الرسل: هذا الدير خارج ناحية الصف والودي، وهو دير قديم لطيف.
دير بطرس وبولص: هذا الدير خارج اطفيح من قبليها، وهو دير لطيف وله عيد في خامس أبيب يعرف بعيد القصرية. وبطرس هذا هو أكبر الرسل الحواريين، وكان دباغا، وقيل صيادا، قتله الملك نبرون في تاسع عشري حزيران، وخامس أبيب. وبولص هذا كان يهوديا فتنصر بعد رفع المسيح ﵇، ودعا إلى دينه، فقتله الملك نيرون بعد قتله بطرس بسنة.
دير الجميزة: ويعرف بدير الجود، ويسمي موضعه البحارة جزائر الدير، وهو قبالة الميمون، وهو عزبة لدير العزبة، بني على اسم انطونيوس، ويقال انطونة، وكان من أهل قمن، فلما انقضت أيام الملك دقلطيانوس وفاتته الشهادة أحب أن يتعوّض عنها بعبادة توصل ثوابها أو قريبا من ذلك، فترهب، وكان أوّل من أحدث الرهبانية للنصارى عوضا عن الشهادة، وواصل أربعين يوما ليلا ونهارا طاويا لا يتناول طعاما ولا شرابا مع قيام الليل، وكان هكذا يفعل في الصيام الكبير كل سنة.
دير العزبة: هذا الدير يسار إليه في الجبل الشرقيّ ثلاثة أيام بسير الإبل، وبينه وبين
стр. 1755
بحر القلزم مسافة يوم كامل، وفيه غالب الفواكه مزدرعة، وبه ثلاثة أعين تجري، وبناه أنطونيوس المقدّم ذكره، ورهبان هذا الدير لا يزالون دهرهم صائمين، لكن صومهم إلى العصر فقط ثم يفطرون، ما خلا الصوم الكبير والبرمولات، فإن صومهم في ذلك إلى طلوع النجم، والبرمولات هي الصوم كذلك بلغتهم.
دير أنبابولا: وكان يقال له أوّلا دير بولص، ثم قيل له دير بولا، ويعرف بدير النمورة أيضا، وهذا الدير في البرّ الغربيّ من الطور على عين ماء يردها المسافرون، وعندهم أن هذه العين تطهرت منها مريم أخت موسى ﵉ عند نزول موسى ببني إسرائيل في برّية القلزم. وانبابولا هذا كان من أهل الإسكندرية، فلما مات أبوه ترك له ولأخيه مالا جما، فخاصمه أخوه في ذلك وخرج مغاضبا له، فرأى ميتا يقبر، فاعتبر به ومرّ على وجهه سائحا حتى نزل على هذه العين، فأقام هناك واللّه تعالى يرزقه، فمرّ به انطونيوس وصحبه حتى مات، فبني هذا الدير على قبره، وبين هذا الدير والبحر ثلاث ساعات، وفيه بستان فيه نخل وعنب وبه عين ماء تجري أيضا.
دير القصير: قال أبو الحسن عليّ بن محمد الشابشتي في كتاب الديارات: وهذا الدير في أعلى الجبل على سطح في قلته، وهو دير حسن البناء محكم الصنعة نزه البقعة، وفيه رهبان مقيمون به، وله بئر منقورة في الحجر يستقى له منها الماء، وفي هيكله صورة مريم ﵍ في لوح، والناس يقصدون الموضع للنظر إلى هذه الصورة، وفي أعلاه غرفة بناها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، لها أربع طاقات إلى أربع جهات، وكان كثير الغشيان لهذا الدير معجبا بالصورة التي فيه، يستحسنها ويشرب على النظر إليها، وفي الطريق إلى هذا الدير من جهة مصر صعوبة، وأما من قبليه فسهل الصعود والنزول، وإلى جانبه صومعة لا تخلو من حبيس يكون فيها، وهو مطلّ على القرية المعروفة بشهران، وعلى الصحراء والبحر، وهي قرية كبيرة عامرة على شاطئ البحر، ويذكرون أن موسى صلوات اللّه عليه ولد فيها، ومنها ألقته أمّه إلى البحر في التابوت، وبه أيضا دير يعرف بدير شهران، ودير القصير هذا أحد الديارات المقصودة، والمنتزهات المطروقة لحسن موضعه وإشرافه على مصر وأعمالها، وقد قال فيه شعراء مصر ووصفوه فذكروا طيبه ونزهته، ولأبي هريرة بن أبي عاصم فيه من المنسرح:
كم لي بدير القصير من قصف … مع كل ذي صبوة وذي ظرف
لهوت فيه بشادن غنج … تقصر عنه بدائع الوصف
وقال ابن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر: وقد اختلف في القصير فعن ابن لهيعة قال: ليس بقصير موسى النبيّ ﷺ ، ولكنه موسى الساحر، وعن المفضل بن فضالة عن أبيه قال: دخلنا على كعب الأحبار فقال لنا: ممن أنتم؟ قلنا فتيان من أهل مصر. فقال: ما