← Акыда

Акыда · id 11571

الحد الفاصل بين الإيمان والكفر

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (100 стр.). Показаны 71–100 · переход к 76.

стр. 71

﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته﴾ (الحديد: ٢٠) . ومعنى الكفار هنا الزراع، والسبب في تسمية الخارج عن الإيمان كافراً أنه يرى أدلة التوحيد، وما يدعوه إلى الإيمان بربه جل وعلا ثم يصر مستكبراً على باطله وكفره. انظر كلام الله عن إمام الكافرين في الأرض فرعون الذي ترك الإيمان بالله جحوداً ونكراناً لا جهلاً، قال تعالى على لسان موسى لفرعون: ﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً﴾ (الإسراء: ١٠٢) . أي لقد علمت يا فرعون أن الله ﵎ خالق السماوات والأرض هو الذي أنزل ما شاهدته من الآيات كالعصا واليد لتبصر أنت وقومك، وتعلموا أنني رسول من الله وكذلك أخبر عن قوم فرعون أنهم علموا الحق ولكنهم كذبوه وزاغوا عنه، قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً

стр. 72

فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ (النمل: ١٤) . أي تيقنت أنفسهم أن الآيات التي جاء بها موسى هي آيات الله حقاً وصدقاً، ولكنهم جحدوا أي أنكروا وكابروا وردوا الحق عن علم وبصيرة، وكذلك أخبر عن كفار العرب الذين كذبوا رسول الله ﷺ حيث قال عنهم: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (الأنعام: ٣٣) . ومعنى هذا كله أن الكفر شرعاً هو رد الحق بعد معرفته، ومعنى هذا أن الذي يرد الحق جهلاً أو يفعل شيئاً من الكفر جاهلاً ظاناً أنه من الإسلام وأنه فعل ما لا يضاد الإيمان، فليس بكافر حتى تقوم الحجة عليه ويعلم الحق فيرده على النحو المبين سابقاً في تعريف الإيمان ومستلزماته ونواقضه، وكذلك لا يكون كافراً من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يفعل مناقضاً للإيمان جاهلاً به غير عالم أنه مخرج له من الإيمان فإن علم ورد وكابر وجحد فقد كفر والعياذ بالله. وقد فعل بعض الصحابة شيئاً من هذه المناقضات للإيمان عن جهل بحكمها فأنكر عليهم

стр. 73

الرسول إنكاراً شديداً ولم يخرجهم من الإيمان. فعن المقداد بن الأسود ﵁ أنه قال قلت يا رسول الله إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله؟ بعد أن قالها، قال رسول الله ﷺ : [لا تقتله] قال فقلت يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي. ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله، قال رسول الله ﷺ : [لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها] (رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد) ، والمعنى أنه بذلك تقتل مؤمناً وتصبح كافراً ولهذا لما قتل أسامة بن زيد رجلاً قال لا إله إلا الله في غزوة من الغزوات عنفه الرسول ﷺ تعنيفاً شديداً وظل يردد عليه قوله [قال لا إله إلا الله وقتلته؟..] حتى أن أسامة ليقول تمنيت أني أسلمت يومئذ، أي لم أكن أسلمت قبل (البخاري ومسلم وأحمد) . والسبب في ذلك أن أسامة كان جاهلاً بهذا الحكم والقاعدة الشرعية المعروفة هي أن المؤاخذة لا

стр. 74

تكون إلا بعد العلم، قال تعالى: ﴿وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم﴾ (التوبة: ١١٥) . أي أن المسلم لا يعتبر ضالاً إلا إذا عرف الحق ثم زاغ منه وكابر، وهذه الآية نزلت تعقيباً على عتاب الله لرسوله والمؤمنين الذين استغفروا الله لأقربائهم الذين ماتوا على الشرك، قال تعالى: ﴿وما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين، ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم *وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم *وما كان الله ليضل قوماً بعد إذا هداهم حتى يبين لهم ما يتقون *إن الله بكل شيء عليم﴾ (التوبة: ١١٣-١١٥) . فقرر الله في ختام هذا الحكم هذه القاعدة الشرعية العظيمة وهي أن المؤاخذة دائماً بعد العلم. وهذا من فضل الله ورحمته فله الحمد ويشبه مسألة أسامة ما جاء على بعض ألسنة المسلمين مما يعتبر شركاً، ومعلوم أن الشرك مناقض للإيمان كما قال أحدهم للرسول ﷺ : ما شاء الله وشئت فقال:

стр. 75

[أجعلتني لله نداً قال ما شاء الله وحده] (أحمد) . فرده إلى الحكم وعلمه إياه. وما قاله بعض مسلمة الفتح عندما خرج بهم الرسول إلى هوازن ومروا على شجرة للمشركين كانوا ينوطون (يعلقون) بها سيوفهم ليلة المعركة زاعمين أن من فعل ذلك لاقى النصر في معركته. يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ﷺ : [الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفس محمد بيده، كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ ] (أحمد والترمذي) ، وذلك أن النصر من الله فكيف يرتجى النصر بتعليق السلاح في شجرة تهب البركة والنصر! إنه الشرك والشاهد أن الرسول لم يقل لهم كفرتم وأبطلتم إسلامكم السابق ولا بد لكم من إسلام جديد، وإنما بين لهم أن هذا العمل شرك وذلك ليحذروا هذا مستقبلاً. وهذه الأدلة وغيرها كثير نستفيد منها أنه يجب أن نفرق دائماً بين الكفر والكافر، فالكفر أعمال وأقوال ومناقضات للإيمان قد يصدر بعضها جهلاً من

стр. 76

المسلمين، فلا يجوز والحالة هذه والحكم عليهم بالكفر، بل يجب تعليمهم أن هذا العمل كفر أو شرك أو مناقض للإيمان، وذلك ليحذروه مستقبلاً، فمن آمن وأذعن فقد تمسك بإيمانه، ومن كابر فقد انتقل من الإيمان إلى الكفر والعياذ بالله، وأما الكافر فهو الذي ظهرت له أدلة الإيمان فجحدها وأنكرها، وعلم الحق فزاغ عنه ورده والعياذ بالله.

стр. 77

الفصل الرابع العرف الكاذب أخي المسلم، أرجو أن تكون قد جمعت في قلبك الآن الصورة الحقيقية التي يجب أن يكون المسلم عليها، وعرفت الصورة الحقيقية التي يتصف بها الكافر حتى تصدر أحكامك بعد على نور وبصيرة. ولتعلم أخي المسلم أن السبب في جهل المسلمين هذه الحقائق الأولية في عقيدة الإسلام هو من جراء العرف الكاذب. فما هذا العرف؟ ولماذا كان كاذباً؟ العرف هو ما يقبله الناس بوجه عام، ويتعارفون عليه، وهو خاضع دائماً لما يسود في مجتمعاتنا الإسلامية عقيدة عامة أن من قال لا إله إلا الله كان مسلماً، وهذه العقيدة في أساسها سليمة صحيحة. ولكن انظر ما طرأ عليها من التغيير والتبديل:

стр. 78

(ا) لقد كانت هذه العقيدة تعني الإيمان بالإله الواحد خالق الكون ومدبر شؤونه والذي له الطاعة المطلقة والخضوع الكامل والخروج من معسكر الشرك إلى معسكر الإيمان عقيدة وتشريعاً وحباً وعاطفة فيكون ولاء المسلم لدينه وعقيدته وأهل دينه. ولا شك أن المسلمين كانوا يتفاوتون في مقدار تطبيق التزامات هذه العقيدة، فكان بعضهم يتهاون في القطاعات أو يقارف المنكرات والمعاصي ولكنه محافظ على الأصل السابق. (ب) ابتدأت العقيدة الناصعة الواضحة تضعف في النفوس، وينشأ في المسلمين أجيال يرثون الإسلام وراثة فيحملون أسماء إسلامية ويتكلمون لغة القرآن العربية، وينسبون إلى اسم الإسلام ويضعف لديهم مفهوم (لا إله إلا الله) فلا يدركون منه إلا أنه (لا خالق إلا الله) أو (لا موجود إلا الله) وابتدأ يظهر فيهم -بفعل المؤثرات المختلفة- الشرك بكل صوره ومظاهره من عبادة القبور ودعائها بل والأشجار والأحجار.. ثم جاء فصل تشريع الإسلام عن حياتهم وإقرار شريعة الكفر في بلادهم فنشأ فيهم من تحمس لذلك، ووصف شريعة الإسلام بالجمود والرجعية وأنها تستحيل على التطبيق في مجتمع الذرة والصاروخ، والعجب بعد..

стр. 79

أنهم يقولون لا إله إلا الله بل ويمارسون الصلاة والزكاة والصوم والحج. ومنهم من يخوض مستهزئاً بالمسلمين وخاصة أهل الدعوة منهم. بل ومنهم من أضحى شيوعياً، أو ملحداً يجاهد لإحلال شريعة الكفر محل شريعة الله. ثم يظن بعد أنه ما زال من أهل لا إله إلا الله (ومع ذلك فأرجو أن نفرق بين من عرف الحق من هؤلاء واطلع على رسالة الإسلام بحقيقتها. ومن بلغه الدين عن طريق بعض المشايخ الجهال الذين يفتون في كل شيء بلا علم. ويحاربون القوة المادية والوسائل الصالحة لأنها جاءت من طريق الكفار في زعمهم. فهؤلاء صادون عن سبيل الله، ومن عرف الإسلام عن طريقهم معذور برده فتاواهم الباطلة، وقصورهم وعنادهم، ولا يعتبر هذا رداً للإسلام الذي نزل من عند الله . (ج) هذا العرف الكاذب أعني إطلاق اسم المسلم على من ينسب إلى الإسلام فقط، أو يحمل اسماً إسلامياً كان السبب الأول في تمييع قضية الإسلام. وتشويه الصورة الحقيقية العلمية للمسلم. (د) ثم ابتدأت أفكار الشرك اللئيمة الخبيثة تلبس كفرها لباس الإسلام حتى يروج على من يعلل نفسه بأنه ما زال مسلماً، ومن يمسك لليوم بولائه

стр. 80

العاطفي للإسلام فنشرت شريعة الكفر ونظامه باسم الإسلام، وهكذا رأى الناس أن الإسلام ثوب مشوه مرقع سخيف فهو مزيج من الشيوعية، والاشتراكية والديمقراطية والرأسمالية فضاعت بذلك صورة الإسلام المستقلة الفريدة. وضاعت ميزته الأولى أنه نظام الله وشريعته وليس للبشر فيه إلا الفهم والتطبيق. (هـ) إن الذين يعز عليهم أن يوزن الناس بميزان الإسلام، وأن يقيموا حسب موازينه وقيمه خوفاً من أن يكون كثير من الناس لا ينطبق عليهم الوصف الحقيقي لمسمى المسلم. ويلجؤون إلى هذا العرف الكاذب ليؤيدوا به حكمهم ودعوتهم يخطئون في حق أنفسهم، ويرتكبون الإثم في حق الإسلام الذي يشرفهم الانتساب إليه. وخير للناس أن يعرفوا الحق فيتبعونه وإن جحد منهم من جحد من أن يقروا على باطل ويتركوا في عماية. (و) لقد كان هذا العرف الكاذب أكبر صاد لليهود في عهد الرسول ﷺ عن قبول الهداية، والانطواء تحت لواء الإسلام، فلقد جاؤوا الرسول وهم يعتقدون أنهم أهل دين الله وأنهم شعب الله الذي

стр. 81

اختاره على العالمين، وأن الجنة خالصة لهم، وكل ذلك حق لو تمسكوا بالدين الصحيح، واتبعوا ما ألزمهم به دينهم من اتباع محمد ﷺ وتركوا ما أحدثوه من الفساد والتغيير والتحريف والتبديل في كتاب ربهم وشريعتهم، ولكنهم تمسكوا بالباطل وردوا الحق فكفروا ولم تفدهم أمانيهم في الجنة والمغفرة شيئاً. وما أشبه الليلة بالبارحة ها هي معاني لا إله إلا الله تتبدل في حياة المسلمين فيشركون بالله في العبادة والتشريع والطاعة، ويستهزئون برسالة الإسلام ويقتلون الدعاة إلى الله، ويفتنونهم عن دينهم -كما فعل اليهود بأنبيائهم ودعاتهم- ويهللون للكفر أياً كان، ومع ذلك يفزعون ويجزعون إذا قيل لهم أن ما تمارسونه كفر مناقض للإيمان. وأن لا إله إلا الله التي تقرون بها تلزمكم بغير هذا تماماً وتحتم عليكم غير هذا. (ز) واجب الدعاة اليوم الجهاد لإقرار المعنى الصحيح لهذه الكلمة الصحيحة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) حيث تعني الإيمان بالله والخضوع لأمره، والإقرار بشريعته، والكفر بكل ما يعبد من دون الله سواء كان صنماً يدعى أو حاكماً يشرع للناس نظاماً من عند نفسه لم يأذن به الله، والولاء للإسلام والمسلمين

стр. 82

قولاً وعملاً والبغض للكفر والكافرين قلباً ولساناً ويداً. وإنكار القلب أضعف الإيمان وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. (ح) تغيير هذا العرف الكاذب واجب اليوم ليس بمجابهة عوام المسلمين بالكفر، ولكن بعودتهم إلى المعنى الحقيقي لـ (لا إله إلا الله) . وقد عرفنا في الفصل السابق الفرق بين الكفر والكافر فليس كافراً إلا من يعلم الحق فيرده، ويماري بالباطل. (ط) وهنا سنصل إلى هذا السؤال اللازم، وعلى أي صورة منذ البدء سنعامل عامة المسلمين؟ أنعاملهم على أن حقيقة الإيمان قد ضاعت وجهلت وأصبح المجتمع خالصاً، ولا نحكم بالإيمان إلا لمن عرفنا حقيقة دينه وولائه؟.. أم سنعاملهم على أنهم مسلمون قد ورثوا الإسلام وتشرب كثيراً منهم عقائد الكفر جهلاً وغفلة؟ والحق الذي لا مراء فيه أنه يجب الحكم على عوام الناس بأنهم مسلمون، ما لم يظهر من أحدهم ناقض من نواقض الإيمان عالماً به، مكابراً فيه. وإن الواجب أن يعاملوا معاملة المسلمين المؤمنين، وأن

стр. 83

يعلموا حقيقة الإيمان، وحدود الإسلام. وأن لا ينقل فرد منهم عن هذه الحقيقة إلا بفعل مناقض للإيمان بعد قيام الحجة عليه. وبراهين هذا الحكم كثيرة منها: ١- أن هذه الأمة قد ورثت عقيدة التوحيد والإيمان وغرست فيها، وأن هذه التحولات، وشيوع التناقضات مع قضايا الإيمان إنما هو بفعل الجهل والغفلة، وبفعل شياطين الإنس والجن الذين لبسوا على الناس دينهم، وأوهموهم أن الإسلام لا يناقض ما غرسوه من أفكار وعقائد كافرة، ولذلك اعتقد كثير منهم بالباطل جهلاً بحقيقة دينه، ويوم يعلم هؤلاء الناس حدود دينهم على الحقيقة، ولوازم عقيدتهم وإيمانهم. فلا شك أن الكثير منهم سيسارع إلى تصحيح معتقده واستغفار ربه. ٢- إن الحجة -وأعني بها تمييز الحق من الباطل- في كثير من مسائل العقيدة لم تقم قياماً يتحدد معه أن يهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. كيف وطائفة كبيرة من العلماء المضللين هم وراء نشر الباطل، وتزييف رسالة الإسلام، وتمييع قضية الإيمان،

стр. 84

وإقرار الكفر في بلاد الإسلام، وإظهار أهل الحق والإيمان بمظهر الخارج عن تعاليم الإيمان والإسلام. ٣- أنه لم يقم بعد غلبة أنظمة الكفر على نظام الإسلام تمييز يجعل أهل التوحيد والإيمان في صف واحد. بل اختلط أمر الناس اختلاطاً عظيماً فكيف يمكن الحكم على الناس وهم بهذه الصورة. ٤- إن الأصل فيمن ينسب إلى الإسلام أنه مسلم، ولا يخالف في هذا الأصل عاقل، ولذلك يحرم -يقيناً- إخراجه عن هذا المسمى إلا بأن يقول بلسانه، أو يشهد بأعماله أنه ليس من المسلمين.

стр. 85

الفصل الخامس أمور.. لا تخرج المؤمن من الإيمان قد عرفنا في فصول الكتاب السابقة أن هناك معاص لا تخرج المسلم من الإيمان، ما لم يستحلها، ونعني بالاستحلال تبرير المعصية وعدم الخوف من العقوبة، والسرقة، وشرب الخمر، وغير ذلك معاص قد يقارفها المسلم المؤمن في لحظة من لحظات ضعفه وغفلته، ولا تخرجه عن الإيمان، ودليل هذا معلوم من الكتاب والسنة، ومن أشهر ذلك حديث أبي ذر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو نائم عليه ثوب أبيض، ثم أتيته وقد استيقظ، فجلست إليه، فقال: [ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة] . قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: [وإن زنى وإن سرق] ثلاثاً، ثم قال في

стр. 86

الرابعة: [على رغم أنف أبي ذر] (البخاري ومسلم والترمذي) . فهذا الحديث حجة واضحة في هذا الصدد وليس له مخالف عند أهل السنة والجماعة، ولكن بعضهم تهاون في هذا الأمر حتى ظن أن ممارسة المعاصي دائماً دون خوف من عقاب وخشية من عذاب غير مناقضة للإيمان، وقد فصلت هذا الأمر سابقاً بحمد الله وتوفيقه، واشتط في هذا الأمر الخوارج والمعتزلة فظنوا أن المعصية هادمة لكل عمل صحيح سلف من المؤمن فإن مات ولم يتب دخل النار أبداً وهذا غلو بعيد. وحديث أبو ذر هذا لا يناقض حديث أبي هريرة الذي يقول فيه الرسول ﷺ : [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن] (ابن ماجه) فإن هذا الحديث نص في انتفاء الإيمان هو غياب حقيقته من القلب، ومن فهم قضية الإيمان -كما أسلفت القول فيها- عرف معنى غياب الحقيقة وقت الفعل، فالإيمان خرف من

стр. 87

الله الواحد، المطلع على كل شيء، القادر على عذاب من يعصيه، هذه الحقيقة من حقائق الإيمان، أترى أن إنساناً يرتكب جريمة الزنا -مثلاً- وهو يعلم أن ربه مطلع عليه، مراقب له وأنه سيحاسبه على ذلك وأنه ملاقيه يوم القيامة، ويبقى مستمراً في فعلته القبيحة!.. لو آمن هذا الرجل وقت هذه الجريمة لجمد الدم في عروقه، ولقام من فوره خائفاً فزعاً. ولكن استمراره دليل غياب حقيقة الإيمان من قلبه، فإذا انتهى وتذكر وأبصر وندم وخاف، وهذا هو الإيمان وإن لم يتذكر ولم يندم ولم يخف فلا إيمانه البتة لا قبل الجريمة ولا أثناءها، ولا بعدها.. ومن شهد بالإيمان لمثل هذا الذي لا يندم على فعلته ولا يخاف الله بسبب جرائمه فقد جهل وشهد بالباطل. ولكن ثمة أمور تحتاج إلى تفصيل وإيضاح، فإن بعض الناس يحكم فيها حكماً خاطئاً بسبب التصور الناقص، وهي: ١- النطق بكلمة الكفر اضطراراً لا يخرج المسلم من دينه، ولا ينقل المؤمن عن إيمانه، والأصل في هذا قول الله ﵎: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه

стр. 88

مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم. ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وأن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ (النحل: ١٠٦-١٠٧) . وقد نزلت الآيات بشأن عمار بن ياسر لما اضطر إلى أن يقول للكفار ما يريدون، بعد أن عذبت أمه سمية ﵂ وأرضاها بأن ربطت بين جملين ثم جاء عدو الله أبو جهل فاتهمها بأنها لم تسلم إلا من أجل الرجال!!.. ثم ضربها في عنقها بحربة فأرداها قتيلة. ثم مات زوجها تحت التعذيب بعد ذلك، وقد رخص رسول الله لعمار الذي أتى الرسول باكياً من قوله بلسانه كلمة الكفر، فمسح رسول الله ﷺ على أحزانه وقال: [إن عادوا فعد] (رواه ابن جرير والبيهقي) ، أي إن عادوا إلى التعذيب فعد إلى القول. ثم نزلت الآيات لتدوين هذه الرخصة إلى يوم القيامة. ولا يختلف اثنان من طلبة العلم أن الصبر على الأذى مع عدم النطق بالكلمة الخبيثة خير من النطق والنجاة من العذاب أو الموت. فقد ظن البعض أن

стр. 89

هناك حالات قد يكون فيها إظهار الكفر خير من إعلان الإسلام لما يسمونه (مصلحة الدعوة) وليس هناك مصلحة للدعوة أكبر من أن يصبر حاملوها على الأذى ويموتوا في سبيل الله، ولم تتدنس ألسنتهم بكلمة الكفر، وقد يكون استشهاد رجل أو رجال لعدم نطقهم بكلمة الكفر أبلغ أثراً في الدعوة إلى الله ﵎ من بقاء طوابير طويلة تنطق بكلمة الكفر!. وتعطي الطغاة ما يريدون.. فيجب أن يظل الاعتقاد السليم الصحيح أنها رخصة ولن تتعدى ذلك فتكون فضيلة وفضلاً وسابقة.. ولكن يجب أن يفرق بين ذلك -أعني النطق بكلمة الكفر اضطراراً- وبين إخفاء حقيقة المعتقد، فإخفاء الإيمان في ظرف من الظروف قد يكون فضيلة، وسياسة شرعية واجبة، وقد مارس هذا فضلاء الصحابة رضوان الله عليهم بمكة. ففي الحديث الصحيح عن حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: [احصوا لي كل من تلفظ بالإسلام] قال: قلنا: يا رسول الله أتخاف علينا، ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ فقال رسول الله ﷺ : [إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا] . قال: فابتلينا

стр. 90

حتى جعل الرجل منا ما يصلي إلا سراً (مسلم وابن ماجه وأحمد) ، وكان هذا بالطبع في مكة. فإخفاء المسلمين للشعائر في هذه الحقبة ليس جبناً، ولا رخصة غيرها أفضل منها وإنما هو سياسة واجبة لانتشار الإسلام، وإعلاء مناره. وقد يصل بالمسلمين ظرف من الظروف يكون إخفاؤهم لعقيدتهم وإيمانهم خيراً من إعلان ذلك، وفرق كبير بين إخفاء حقيقة الإيمان، والنطق بكلمة الكفر. ولكن ينبغي أن يعلم أن هذا الظرف والمناسبة يحددها النظر الشرعي السليم المبني على اجتهاد صائب صحيح وليس الجبن والخوف من إظهار عقيدة الإسلام وشرائعه. وليس إخفاء الإيمان فضيلة وفريضة للهروب من مكروه فقط بل ولجلب منفعة عامة للمسلمين. وقد فعل هذا محمد بن مسلمة ﵁ بأمر من الرسول ﷺ ، عندما أرسله لقتل كعب بن الأشرف (كان كعب بن الأشرف يهودياً، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ ، وكان يتغزل في نساء الصحابة ويقع في أعراضهم في أشعاره فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة وجعل يؤلب المشركين على رسول الله ﷺ ، ناقضاً عهده، فلما عاد إلى المدينة انتدب له الرسول ﷺ سرية على رأسها محمد بن مسلمة لقتله. وأذن لهم أن يقولوا ما شاءوا من كلام يخدعونه به، فزعموا له أنهم ضاقوا ذرعاً بصحبة النبي وشكوا إليه ما أصابهم من ضنك وشدة في العيش. وطلبوا منه أن يبيعهم طعاماً ويرهنونه أسلحتهم، حتى إذا اطمأن إليهم وخرج معهم بعيداً عن حصنه قتلوه) .

стр. 91

وكذلك فعل نعيم بن مسعود في غزوة الخندق (نعيم بن مسعود رجل من غطفان أسلم أثناء حصار المشركين للمدينة في غزوة الخندق، فطلب من الرسول ﷺ أن يخذل الكفار ما استطاع قائلاً له: [إن الحرب خدعة] فذهب إلى بني قريظة وكانوا قد تآمروا مع المشركين، ونقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ ، فقال لهم: إن قريشاً إن أصابوا فرصة من المسلمين حاربوا، وإلا فسوف يعودون إلى ديارهم ويتركونكم تواجهون المسلمين وحدكم، ونصحهم ألا يقاتلوا مع قريش حتى يعطوهم رهائن من رجالهم، ثم ذهب إلى قريش وقال لهم: إن بني قريظة ندموا على نقضهم لعهد محمد وأنهم صالحوه على أن يأخذوا منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يوالونه عليكم فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، فلما طال بالمشركين المقام، طلبوا من اليهود أن يناجزوا المسلمين معاً، فطلب اليهود منهم رهائن، وأبى المشركون، فتخاذل الفريقان وأرسل الله على المشركين ريحاً وجنوداً من الملائكة، فاقتلعت خيامهم وألقت الرعب في قلوبهم فعادوا خائبين) . ٢- هذا وينبغي التفريق بين الاضطرار إلى قول الكفر، والاضطرار إلى فعل فيه اعتداء على الآخرين، فليس هناك اضطرار لمسلم أن يقتل مسلماً، فليس

стр. 92

نفس المضطر بأولى من نفس المقتول. ولذلك نص العلماء على أن من اضطره كفره أو ظالم إلى قتل مسلم وإلا قتله أنه لا يجوز له أن يفعل، لأن نفسه ليست أفضل من النفس التي سيعتدي عليها لينقذ نفسه. وقد نص الإمام ابن القيم ﵀ في الفوائد إلى أن من اضطر إلى أن تفعل به جريمة اللواط وإلا قتل أنه لا يفعل ولا يمكن من نفسه أحداً، وهذا الأمر ينصرف ولا شك على من اضطر أن يفعل بغيره. وأما من اضطر في عرض أخيه المسلم أو يسبه أو يحكم عليه بالكفر فمسألة فيها نظر والصحيح والله تعالى أعلم أنه يجوز له ذلك. إذ قد سمح رسول الله ﷺ أن ينال من عرضه محمد بن مسلمة وهو في سبيل جلب منفعة ما للمسلمين، وقد سمح الله للمسلم أن يقول في حقه ما يقول اضطراراً فكيف لا يجوز أن يقدح في عرض المؤمن اضطراراً وهو دون ذلك ولا شك؟.. ولكن مما ينبغي ولكن مما ينبغي التنبيه عليه أن من لوازم ذلك أن يعتذر المسلم لأخيه المسلم مما قد حدث منه اضطراراً.

стр. 93

وخلاصة هذا الأمر أن النطق بكلمة الكفر في الفتنة رخصة غيرها أولى منها، وأما قتل مسلم أو الاعتداء على عرضه باسم الاضطرار فغير جائز، وأما سبه أو تكفيره فالصحيح والعلم عند الله تعالى، أنه جائز شريطة الرجوع عن هذا بأول فرصة سانحة. وهنا يجب أن ننبه إلى قوله تعالى: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ (النحل: ١٠٦) . إلا أن المسلم في حالة الضرورة وغيرها يضيق صدراً بالكفر وأهله، ويعلم أن القول الذي اضطر إليه إنما هو حال عارض، ورخصة عابرة، فإذا زال البلاء زالت. ومعنى هذا أن استساغة الفتنة والركون إليها وجعلها نهاية المطاف، وخاتمة السعي كفر بالله ﵎ وإبطال لجهاد المؤمن وسعيه. ولذلك قال الله ﵎ في شأن هؤلاء: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين﴾ (العنكبوت: ١٠) .

стр. 94

فوصف الله ﵎ هذا الصنف الذي يعجز في الفتنة فيلقى عصاه ويستسلم للباطل ويعتبر الفتنة مانعة له من الإسلام والإيمان، كما يعتبر المؤمن عذاب الله في الآخرة مانعاً له من الكفر والطغيان، وصفه ﵎ بالنفاق إذ أن هذا الصنف نفسه يهرول إلى المؤمنين العاملين المخلصين عند النصر قائلاً: ﴿إنا كنا معكم﴾ والله هو العليم بمن كان مع المؤمنين حقاً، ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين؟ وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين﴾ (العنكبوت: ١٠-١١) . فليكن المؤمن دائماً مع الله، ومع أوليائه في العسر واليسر والمنشط والمكره، فإن أماله البلاء يوماً ومال معه، فليعاود قيامه بأمر الله ودعوته إذا وجد الفسحة والراحة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 95

الفصل السادس تأويل كلام الله وصرفه عن ظاهره خطأ واجتهاداً من الأمور التي يرمي بسببها بعض المسلمين إخوانهم بالكفر هو تأويل كلام الله وصرفه عن ظاهره خطأ واجتهاداً. والحق أن هذا من الأمور الدقيقة والخطيرة، وذلك أن هذه المسألة تتعلق بالقلب أكثر مما تعلق بالظاهر. وذلك أن التأويل قد يصدر من الخاطئ المتعمد للإفساد والغواية وتلبيس الحق بالباطل، وهذا كفر والعياذ بالله وقد يصدر من مجتهد لم يظهر له وجه الحق فأول كلام الله وصرفه عن ظاهره. ولا يحدد الفرق بين هذا وهذا إلا علام الغيوب المطلع على السرائر . ولذلك فالمسارعة إلى تكفير شخص ما صدرت منه فتوى أو رأي جاء على خلاف كلام الله تبارك

стр. 96

وتعالى تعجل غير محمود، وإنما الواجب في مثل هذه الأمور التعرف الكامل على مراد المتكلم من كلامه. والغاية التي يقصدها في النهاية وإقامة الحجة عليه إن كان بالإمكان ذلك، وهذا الكلام المجمل لا يحتاج إلى تفصيل. (ا) لكل متكلم مقصد يريده، وفي سبيل ذلك يتخذ الأسلوب الذي يقدر عليه، وقد يخونه الأسلوب وتختلط عليه الكلمات فتحتمل معنى لا يريده أبداً، ولا يقصد إليه، فمن الخطأ كل الخطأ تفسير كلام إنسان ما حسب ما يقتضيه أسلوبه، لا حسب ما يريد هو أن يعبر عنه، ولذلك لا يجوز أن نفسر كلام شخص ما إلا بعد معرفة المعنى الذي يريد التعبير عنه، وليحمل بعد ذلك الأسلوب على المعنى المراد. ولا يقتصر هذا في كلام البشر. بل يجب تطبيق هذه القاعدة نفسها في كلام الله وكلام رسوله ﷺ . (ب) إذا فهم المعنى الذي يريد المتكلم الوصول إليه، فليكن النظر بعد ذلك في الغاية والهدف الذي سيق المعنى من أجله فقد يكون المعنى في ذاته صواباً، والهدف الذي يريد المتكلم الوصول إليه باطلاً ولا تنس الكلمة العظيمة (كلمة حق أريد بها باطل) . فكم من

стр. 97

كلام حق في نفسه ولكن قائله ما أراد به إلا الشر والفتنة. وليس هذا مجال التمثيل والتوضيح. (ج) إذا تحدد المعنى والهدف اتضحت السبيل. وليس على المسلم بعد أن رأى عوجاً وانحرافاً إلا أن يقيم الحجة إن أمكنه ذلك، فإن رد أحدهم الحق بعد علمه وكابر وجحد عن علم وبصيرة فهو الزيغ والعياذ بالله. وعلى كل فهذا المجال محفوف بالمخاطر لأنه في غالبه اتهام للنيات. واتهام النيات شيء خطير إن لم ينبن على أسس ثابتة قطعية صريحة، وأما مجرد الشبهات والظواهر وتتبع الأخطاء فكل ذلك لا يجوز أن يحمل مسلماً على تكفير مسلم، ولم يبق إلا إقامة الحجة والأعذار إلى الله وبيان الخطأ دون اللجوء إلى التكفير والتشهير، والحكم أولاً وأخيراً لله رب العالمين العليم بالنيات المطلع على السرائر. ولقد كان هذا الباب، أعني باب تأويل كلام الله وصرفه عن ظاهره، وما يزال أعظم أبواب الشر التي فتحت على المسلمين، فيجب الحذر منه كل الحذر. وقد كان من الأسباب التي ساعدت على التأويل ما يأتي:

стр. 98

١- اللغة العربية بحسب وضعها فيها كثير من الصور البلاغية والبيانية التي تلجأ إلى التمثيل والتشبيه والاستعارة والكناية، وفيها من وجوه المجاز ما فيها. ولقد ساعد هذا على اختلاف الآراء وتباين الأفكار، ليس في الأمور العملية الشرعية وحدها بل وأيضاً في الأمور العقائدية الإيمانية. وليست هذه ثغرة في اللغة العربية أو نقص، وإنما كل اللغات كذلك، وإن كان اللغة العربية أثراها، وأكثرها تصرفاً في القول وتحسيناً في البيان وهذا في حقيقته ميزة وليس بثغرة إذا عرف الأصل الذي تحدثت عنه آنفاً وهو وجوب تفسير كلام المتكلم حسب المعنى الذي يريده لا حسب المعنى الذي يحتمله اللفظ. ٢- استغل المبطلون من أعداء الإسلام وأهل الأهواء هذا فلجأوا إلى تحريف الإسلام من داخله بدعوى أن هذا مضمون اللفظ والمعنى المقصود، ولجأوا إلى تحريف الآيات والأحاديث التي تعارض المعنى الخبيث الذي يريدون الوصول إليه. ثم جاء من يحمل كلام الله على معان لا يريدها الله ورسوله جملة وتفصيلاً وبذلك نشأت التأويلات البعيدة وكلها تحت ستار الإسلام.

стр. 99

ولذلك فيجب التصدي لكل ذلك والرجوع في فهم الإسلام إلى سلطته الأولى، والقواعد العربية، والالتزام بظاهر اللفظ دائماً، إلا إذا جاء دليل حتمي نعلم به يقيناً أن مقصود المتكلم من كلامه ليس هو ظاهر لفظه وإنما هو معنى آخر. وعلى كل حال فإن أمر المبطل المؤول للإفساد والغواية لا يشتبه بأمر المحق المجتهد المتأول، وذلك على الناقد الخبير، ولذلك فلا يجوز لنا والحالة هذه التعجل في إطلاق لفظ الكفر على من ظهر التأويل في كلامه إذا عرفنا مقصده وغايته وأنها ليست تحريفاً للإسلام ولا إيثاراً للباطل على الحق، ولذلك لم يكفر علماء السلف المعتزلة، والمؤولين من الأشعرية لأن غايتهم كانت دفاعاً عن حوزة الإسلام، وتصدياً للزنادقة والفلاسفة وإن كان هؤلاء العلماء من السلف قد حكموا ونشروا بأن كتب الكلام التي ألفوها في العقيدة (الإسلام) باطلة يجب حرقها ولا يجوز ميراثها. وكلام الإمام الشافعي ﵁ واضح وصريح في هذا، وكذلك كلام الإمام أحمد بن حنبل ﵁. وهذا الموقف الصلب السليم الذي وقفه علماء

стр. 100

السنة في كل عصر هو الموقف اللازم في عصرنا الحاضر، حيث كثر المبطلون المؤولون الزاعمون نصر الإسلام والمسلمين. فالرد إلى كتاب الله ورسوله أولاً والتزام بظاهر اللفظ ومعناه العربي وتحريم التأويل ما لم يأت دليل قطعي يبين أن مراد الله ومراد رسوله ليس الظاهر المتبادر وإنما هو المعنى الآخر المؤول. وهذه أمور يجب التمسك بها، وفهمها فهماً جيداً وتعلم تطبيقها على شتى أنواع التأويلات ليكون المؤمن على بصيرة من أمره، ثم بعد ذلك ترك الرمي بالكفر وغيره إلا بعد البيان القطعي الذي لا يقبل المكابرة والجدل. ****