فلان) أي: لأبي شاه، وفيه دليل على أنَّه ﵇ لم يكتب بيده الشريفة، وهو قول الجمهور؛ لأنَّه أبلغ في المعجزة على الكفار، وفيه: دليل على جواز تسمية فلان لمن كان اسمه غيره وندائه وخطابه به، فيقال لمن اسمه حسن مثلًا: ياشيخ فلان أو يا أبا (١) فلان وغيرذلك؛ فليحفظ.
(فقال رجل من قُريش)؛ بضم القاف مشتق من القرش؛ دابة في البحر، وهو العباس بن عبد المطلب عمُّ النبيِّ الأعظم ﵇: قل يا رسول الله: لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها (إلا الإذْخِر)؛ بكسر الهمزة، وإسكان الذال، وكسر الخاء المعجمتين: نبت معروف طيب الرائحة (يا رسول الله) فهو استثناء منصوب على الاستثناء، ويجوز فيه البدل مما قبله؛ لكونه واقعًا بعد النفي، كما في «عمدة القاري»؛ (فإنا نجعله في بيوتنا) للسقف فوق الخشب، أو يخلط بالطين؛ لئلَّا ينشق إذا بني به (وقبورنا) نسدُّ به فرج اللَّحد المتخللة بين اللبنات، (فقال النبيُّ) الأعظم ﷺ بوحي أوحي إليه في الحال أو قبل ذلك أو أنه إن طلب منه أحد استثناء شيء منه؛ فاستثنى: (إلا الإذخر) وللأصيلي: (إلا الإذخر) مرتين، فتكون الثانية تأكيدًا للأولى، وزاد في رواية هنا وهي: (قال أبو عبد الله) أي: المؤلف (يقال: يقاد؛ بالقاف، فقيل لأبي عبد الله: أي شيء كتب له؟ فقال: كتب له هذه الخطبة) وهي ثابتة في «مسلم»، قال الوليد-يعني: ابن مسلم راوي الحديث-: قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من النبيِّ ﵇.
وفي الحديث: دليل على استحباب قيام الخطيب على موضع عال حال الخطبة.
وفيه: دلالة أيضًا واضحة على أن مكة فتحت عنوة وأن التسليط الذي وقع للنبيِّ الأعظم ﵇ مقابل بالحبس الذي وقع لأصحاب الفيل، وهو الحبس على القتال، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا للشافعي، واستدل الأصوليُّون بالحديث على أن النبيَّ الأعظم ﵇ كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نصَّ فيه، قالوا: وهو الأصح، وبه قال الإمام أبو يوسف قاضي القضاة، والشافعي، وأحمد، ومنعه بعضهم وقالوا: إنه بالوحي.
[حديث: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثًا عنه مني]
١١٣ - وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) : ابن المديني (قال: حدثنا سفيان) : هو ابن عيينة (قال: حدثنا عمرو) : ابن دينار أبو محمد، المكي الجمحي أحد الأئمة المجتهدين، المتوفى سنة ست وعشرين ومئة (قال: أخبرني) بالإفراد (وهب بن مُنَبِّه)؛ بضم الميم، وفتح النون، وكسر الموحدة المشددة، ابن كامل الصنعاني الأبناوي الذماري، المتوفى سنة أربع عشرة ومئة، (عن أخيه) : همام بن منبه أبو عقبة، وكان أكبر من وهب المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومئة (قال سمعت أبا هريرة) : عبد الرحمن بن صخر ﵁؛ أي: كلامه حال كونه (يقول ما) للنفي؛ (من) : ابتدائية (أصحاب النبيِّ) الأعظم ﷺ أحدٌ)؛ بالرفع اسم (ما) النافية (أكثرَ)؛ بالنصب خبرها، وروي بالرفع صفة لـ (أحد)، والأوجه: الأول، قاله في «عمدة القاري» (حديثًا)؛ بالنصب على التمييز، (عنه) ﵇ (مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو)؛ أي: ابن العاصي ﵄، (فإنه كان يكتب و) أنا (لا أكتب)؛ أي: لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو وهو الكتابة لم يكن مني، والخبر محذوف بقرينة باقي الكلام سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا لما تقتضيه العادة من أن الشخصين إذا لازما شيخًا مثلًا وسمعا منه الأحاديث؛ يكون الكاتب أكثر حديثًا من غيره، فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلًا نظرًا إلى المعنى؛ لأنَّ (حديثًا) وقع تمييزًا، والتمييز كالمحكوم عليه، فكأنه قال: ما أحد حديثه أكثر من حديثي إلا أحاديث حصلت من عبد الله بن عمرو، وإنما قلَّت الرواية عنه مع كثرة ما حمل عن النبيِّ الأعظم ﵇؛ لأنَّه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلًا بخلاف أبي هريرة؛ فإنَّه سكن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة.
وقيل: كان السبب في كثرة حديث أبي هريرة دعاء النبيِّ الأعظم ﵇ له بعدم النسيان، والسبب في قلة حديث عبد الله بن عمرو أنه كان قد ظفر بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، وكان ينظر فيها ويحدِّث منها؛ فتَجنَّب الأخذ عنه كثير من التابعين.
قال المؤلف: روى عن أبي هريرة نحو من ثمان مئة رجل، وروى عن رسول الله ﵇ خمسة آلاف وثلاثمئة حديث، ووجد لعبد الله بن عمرو سبع مئة حديث اتفقا على سبعة عشر، وانفرد المؤلف بمئة، ومسلم بعشرين.
(تابعه) أي: تابع وهب بن منبه في روايته لهذا الحديث عن همام (مَعمَر)؛ بفتح الميمين، ابن راشد، (عن همام) : ابن منبه، (عن أبي هريرة) ﵁، وأخرج هذه المتابعة عبد الرزاق عن معمر، وأخرجها أبو بكر المروزي، وما قاله الكرماني ردَّه في «عمدة القاري».
[حديث: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده]
١١٤ - وبه قال: (حدثنا يحيى بن سليمان) : ابن يحيى بن سعيد الجعفي الكوفي، أبو سعيد، سكن مصر ومات بها سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئتين (قال حدثني) بالإفراد، (ابن وهب) : عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي، (عن أبي شهاب) : محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله)؛ بالتكبير، ابن عُتبة-بضم العين-ابن مسعود، أبو عبد الله أحد الفقهاء السبعة.
(عن ابن عباس) : عبد الله ﵄ (قال: لما) : ظرف بمعنى: حين (اشتد) أي: قوي (بالنبيِّ) الأعظم ﷺ وجعه)؛ بالرفع فاعل (اشتد)؛ أي: في مرض موته، وللمؤلف أن ذلك كان يوم الخميس وهو قبل وفاته بأربعة أيام، (قال) : جواب (لما) : (ائتوني) : مقول القول (بكتاب) فيه حذف؛ لأنَّ الظاهر: أن يقال: ائتوني بما يكتب به الشيء؛ كالدواة والقلم، والكتاب بمعنى: الكتابة، والتقدير: ائتوني بأدوات الكتابة، أو يكون أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه نحو: الكاغد والكتف، وقد صرَّح مسلم بالتقدير المذكور والمراد بالكتف: عظمه؛ لأنَّهم كانوا يكتبون فيه؛ (أكتبْ لكم) : مجزوم؛ لأنَّه جواب الأمر، ويجوز الرفع على الاستئناف (كتابًا) بالنصب على المفعولية؛ أي: أمرنا بالكتابة، نحو: كسا الخليفة الكعبة؛ أي: أمر بالكسوة، ويحتمل أن يكون على حقيقته، وقد ثبت أنه ﵇ كتب بيده، ولكن في «مسند أحمد» من حديث على أنه المأمور بذلك، ولفظه: أمرني النبيُّ الأعظم ﵇ أن آتيه بطبق؛ أي: كتف يكتب ما لا تضل أمته بعده.
قلت: وفيه إشارة للرد على الروافض والشيعة؛ حيث كان المأمور عليًّا بالكتابة.
(لا تضلوا) وفي رواية: (لن تَضِلوا)؛ بفتح أوله وكسر الضاد المعجمة، من الضلالة ضد: الرشاد، وعلى الرواية الأولى: نفي وليس بنهي، وحذفت منه النون؛ لأنَّه بدل من جواب الأمر (بعده)؛ بالنصب على الظرفية، يحتمل أنه أراد أن ينص على الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن؛ كحرب الجمل وصفين، أو أراد أن يبيِّن كتابًا فيه مهمات الأحكام؛ ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه، ثم ظهر له ﵇ أن المصلحة تركه أو أوحيإليه به، ويدل للأول: أنه ﵇ قال في أوائل مرضه عند عائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، أخرجه مسلم، وللمؤلف معناه، ومع ذلك فلم يكتب.
(قال عمر) : ابن الخطاب لمن كان حاضرًا من الصحابة: (إنَّ النبيَّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ﷺ غلبه الوجع) : مقول قول عمر، جملة من الفعل، والمفعول والفاعل محلها رفع خبر (إن)، (و) الحال (عندنا) خبر مقدم (كتاب الله) : مبتدأ مؤخر مضاف للجلالة؛ أي: القرآن (حسبنا) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو حسبنا؛ أي: كافينا؛ فهو تبيان لكل شيء، فقصد عمر ﵁ التخفيف على النبيِّ الأعظم ﵇ حين غلبه الوجع، ولو كان مراده ﵇ أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركهم لاختلافهم، أو خشي أن يكتب أمورًا يعجزونعنها؛ فيستحقون (٢) العقوبة عليها؛ لأنَّها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، أو خشي أن يكتب مما لا عزيمة له فيه؛ فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين، وقد كانت الصحابة تراجعه في بعض الأمور؛ كما في يوم الحديبية والصلح بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزيمة؛ فلا يراجعه أحد.
وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه الوحي، وأجمعوا
стр. 72
على أنه لا يقر عليه، ومعلوم أنه ﵇ درجته فوق الخلق؛ فلم ينزه عن العوارض البشرية فقد سها في الصلاة؛ فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه؛ فيتوقف في هذه الحالة حتى يتبين حقيقته؛ فلهذا توقف عمر في ذلك وتركه ﵇ ولم ينكر عليه، وهو دليل على استصوابه، فالأمر في (ائتوني) وإن كان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر مع طائفة أنه ليس للوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الصلح، فكرهوا أن يكلِّفوه من ذلك ما يشقُّ عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ولهذا قال عمر: (حسبنا كتاب الله).
(فاختلفوا)؛ أي: الصحابة في ذلك وظهر لطائفة أخرى أن الأولى: أن يكتب لما فيه من امتثال أمره وما يتضمَّنه من زيادة الإيضاح، (وكثُر)؛ بضم المثلثة، (اللَّغط)؛ بتحريك اللام والغين المعجمة، الصوت والجلبة، فاختلفوا والحال أنهم قد كثر لغطهم بسبب ذلك فلما رأى ﵇ ذلك؛ (قال)، وفي رواية: (فقال)؛ بفاء العطف، وفي أخرى: (وقال)؛ بواوه: (قوموا عني)؛ أي: قوموا متبعدين عن جهتي، (ولا ينبغي) لا يطلب، (عندي التنازعُ)؛ بالرفع فاعل (ينبغي)؛ أي: الاختلاف والتجادل، وهو دليل على أن أمره الأول كان على الاختيار وأن ما اختاره عمر صوابًا، ولهذا عاش ﵇ بعد ذلك أيامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا؛ لم يتركه؛ لاختلافهم؛ لأنَّه لم يترك التكليف؛ لمخالفة من خالف؛ فليحفظ.
(فخرج ابن عباس يقول) ظاهره: أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، وليس كذلك؛ بل قول ابن عباس إنَّما كان تقوله عندما تحدث بهذا الحديث لما عند المؤلف في (الاعتصام)، قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول وكذا لأحمد ولأبي نعيم، قال عبيد الله: فسمعت ابن عباس يقول، ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث؛ خرج من المكان الذي كان فيه وهو يقول، وإنما تعين حمله على غير ظاهره؛ لأنَّ عبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها؛ لأنَّه ولد بعد النبي الأعظم ﵇ بمدة طويلة ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى.
(إن الرَّزِيَّئة)؛ بفتح الراء، وكسر الزاي، بعدها تحتية ثم همزة، وقد تسهل الهمزة وتشديد الياء التحتية ومعناها: المصيبة، (كل الرزيئة)؛ بالنصب على النيابة عن المصدر، ومثل هذا يعد من المفاعيل المطلقة أو على التأكيد.
(ما) : موصولة؛ بمعنى: الذي، (حالُ) : صلتها محله الرفع خبر (إن) حجز؛ أي: صار حاجزًا، (بين رسول الله ﷺ وبين كتابه)؛ فكان ابن عباس من الطائفة التي ظهر لها أن يكتب؛ لما فيه من الامتثال وزيادة الإيضاح.
وفيه: دليل على أن عمر أفقه من ابن عباس؛ حيث اكتفى بالقرآن.
وفيه: دليل على إباحة الاجتهاد؛ لأنَّه وكَّلهم إلى أنفسهم.
وفيه: بطلان ما زعمه الشيعة من وصاية النبي الأعظم ﵇ بالإمامة؛ لأنَّه لو كان عند علي عهد من النبي ﵇؛ لأحال عليها.
وفيه: دلالة على أن للإمام أن يوصي عند موته بما يراه نظرًا للأمة وكذا غيره.
وفيه: دلالة على جواز كتابة الحديث، ويعارضه ما في مسلم مرفوعًا: «لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن».
وأجيب: بأن النهي خاص بوقت نزول القرآن؛ خشية التِبَاسهِ بغيره والإذن في غير ذلك، أو الإذن ناسخ؛ للنهي عند الأمن من الالتباس، أو النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتاب دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك.
وكره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبُّوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لما قصرت الهمم وخشي الضياع؛ دونوه، وأول من دوَّن الحديث: ابن شهاب الزهري على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، وأوَّل من دوَّن الفقه ورتبه: إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، ولما رآه مالك؛ شرع في «الموطأ» ودوَّنه ورتَّبه، وتبعه بعد ذلك المحدثون والفقهاء وغيرهم، ففضله عامٌّ على الجميع، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مسكنه ومأواه.
(٤٠) [باب العلم والعظة بالليل]
هذا (باب) تعليم (العلم والعِظة)؛ بكسر العين؛ أي: الوعظ، وفي بعض النسخ: (واليقظة) وهو أنسب للترجمة كما قاله في «عمدة القاري»، (بالليل)؛ ليدل على الاجتهاد وشدة التحصيل.
[حديث: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن]
١١٥ - وبه قال: (حدثنا صدقة) : ابن الفضل المروزي، أبو الفضل المنفرد بالإخراج عنه المؤلف عن الستة، المتوفى سنة ثلاث أو ست وعشرين ومئتين، (قال: أخبرنا ابن عُيينة)؛ بضم العين: سفيان، (عن مَعْمَر)؛ بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، ابن راشد، (عن الزهري) : محمد بن مسلم، (عن هند) بنت الحارث الفِرَاسية؛ بكسر الفاء وبالسين المهملة، ويقال: (القُرشِية)؛ بضم القاف وكسر الشين المعجمة، زوجة معبد بن المقداد، وفي رواية: (عن امرأة)، فالزهري تارة سمَّاها باسمها، وتارة أبهمها.
(عن أم سَلَمَة)؛ بفتح اللام والسين المهملة، هند أو رملة زوج النبي الأعظم ﵇، بنت أبي أمية حذيفة، أو ابنة سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، كانت عند أبي سلمة فتوفى عنها، فتزوجها النبي الأعظم ﵇ في شوال سنة أربع، وتوفيت سنة تسع وخمسين في خلافة يزيد بن معاوية، وولايته كانت في رجب سنة ستين، وتوفي سنة أربع وستين في ربيع، وكان لها حين توفيت أربع وثمانون سنة، وصلى عليها أبو هريرة في الأصحِّ، ودفنت بالبقيع اتفاقًا.
(وعمروٍ) : هو ابن دينار؛ بالجر عطفًا على معمر، يعني ابن عيينة، يروي عن معمر بن راشد وعن عمرو بن دينار، (و) عن (يحيى بن سعيد) الأنصاري، ومن زعم أنه يحيى بن سعيد القطان؛ فقد أخطأ؛ لأنَّه لم يسمع من الزهري ولا لقيه، فهؤلاء الثلاثة يروون (عن) ابن شهاب (الزهري)، ويجوز في (عمرو) الرفع؛ كما في رواية على أن يكون استئنافًا، وعادة ابن عيينة يحدث بحذف صيغة الأداة، و (يحيى) يجوز فيه الجر والرفع عطفًا على (عمرو).
(عن هند)، وفي رواية: (عن امرأة)؛ كما مر، (عن أم سلمة) ﵂ أنها (قالت: استيقظ)؛ بمعنى: تيقظ، فالسين ليست للطلب هنا، ومعناه: انتبه من النوم، (النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله)، ﷺ ذات ليلة)؛ أي: في ليلة، ولفظة (ذات) مقحمة للتأكيد، قال الفاضل جار الله الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى اسمه، وكان ﵇ في بيت أم سلمة؛ لأنَّها كانت ليلتها، وتمام تحقيقه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.
(فقال) : عطف على (استيقظ)، (سبحان الله) : مقول القول، و (سبحان) علم للتسبيح، وانتصابه على المصدرية، والتسبيح لغة: التنزيه؛ أي: أنزِّه الله تنزيهًا عما لا يليق به، واستعماله هنا للتعجب؛ لأنَّ العرب قد تستعمله في مقام التعجب.
(ماذا) فيه أوجه؛ لأنَّه إما أن تكون (ما) استفهامًا و (ذا) إشارة نحو: ماذا الوقوف.
أو تكون (ما) استفهامًا و (ذا) موصولة؛ بمعنى: الذي.
أو تكون (ماذا) بتمامها استفهامًا.
أو تكون (ما) نكرة موصوفة؛ بمعنى: شيء.
أو تكون (ما) زائدة و (ذا) للإشارة.
أو تكون (ما) استفهامًا و (ذا) زائدة، كما أوضحه في «عمدة القاري».
(أُنزل)؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول، وفي رواية: (أنزل الله)، (الليلةَ)؛ بالنصب على الظرفية للإنزال، والإنزال لغة: الإيواء، كما يقال: أنزل الجيش بالبلد، أو تحريك الشيء من علو إلى سفل، والمعنيان لا يتحقَّقان في أنزل الله؛ فهو مستعمل في معنى مجازي؛ بمعنى: أعلم الله الملائكة بالأمر المقدر، وكذا المعنى في أنزل الله القرآن، فمن قال: إن القرآن معنى قائم بذات الله تعالى فإنزاله: أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى، ويثبتها في اللوح المحفوظ، ومن قال: إن القرآن هو الألفاظ؛ فإنزاله مجرَّد إثباته في اللوح المحفوظ؛ لأنَّ الإنزال إنَّما يكون بعد الوجود، والمراد بإنزال الكتب السماوية: أن يتلقاها الملك من الله تلقيًا روحانيًا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها على الأنبياء ﵇، وكان ﵇ أوحي إليه في يومه ذاك بما سيقع بعده.
(من الفتن) فعبَّر عنه بالإنزال، (وماذا) فيه الأوجه المارة، (فُتح من الخزائن)؛ بضم الفاء، عبَّر عن العذاب بـ (الفتن)؛ لأنَّها أسبابه، وعن الرحمة بـ (الخزائن)؛ لقوله تعالى: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩]، يعني: أن النبي الأعظم ﵇ رأى في تلك الليلة المنام،
стр. 73
وفيه: أنه سيقع بعده فتن وأنه يفتح لأمته الخزائن، وعرف عند الاستيقاظ حقيقته إما بالتعبير أو بالوحي إليه في اليقظة قبل النوم أو بعده، وقد وقع الفتن كما هو مشهور وفتحت الخزائن؛ حيث سلطت الصحابة على فارس والروم وغيرهما، وهذا من المعجزات؛ حيث أخبر بأمر قبل وقوعه؛ فوقع مثل ما أخبر ﵇.
(أيقِظوا)؛ بفتح الهمزة أمر من الإيقاظ؛ بكسرها؛ أي: نبهوا، (صواحبَ)؛ بالنصب على المفعولية، وأراد بها زوجاته ﵇، وفي رواية: (صواحبات) جمع: صاحبة، (الحُجَر)؛ بضم الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع: حجرة، وأراد بها منازل زوجاته، وإنما خصَّهن بالإيقاظ؛ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ، أخبرت بذلك أم سلمة، فإن تلك الليلة كانت ليلتها؛ كما مر، وما زعمه الكرماني رده في «عمدة القاري».
(فرُبَّ) أصلها للتقليل، وقد تستعمل للتكثير كما هنا، وترد للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا، وفيها لغات قدمناها، وفعلها التي تتعلق به ينبغي أن يكون ماضيًا ويحذف غالبًا، (كاسية) على وزن (فاعلة)، من كسا، ولكنه؛ بمعنى: مكسوة (في الدنيا) أثوابًا رقيقة لا تمنع من إدراك البشرة أو النفيسة، (عاريَة)؛ بتخفيف الياء؛ أي: معاقبة (في الآخرة) بفضيحة التعري، أو عارية من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ على الصدقة وحضَّهنَّ على ترك الإسراف في الدنيا بأن يأخذن منها أقل الكفاية ويتصدقن بما سوى ذلك، وهذه البلوى عامة في الأزمان قديمًا وحديثًا.
وقال الطيبي: هذا كالبيان لموجب استيقاظ الأرواح؛ أي: لا ينبغي لهنَّ أن يتغافلن ويعتمدن على كونهنَّ أهالي رسول الله ﵇، ألَا رب كاسية حلة الزوجية المشرفة بها وهي عارية عنها في الآخرة لا تنفعها؛ إذ لم تضمها مع العمل، قال تعالى: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، كذا في «عمدة القاري».
وهو دليل واضح على بطلان قول من قال في زماننا ضمن رسالته التي ألَّفها: (إن ذنوب أهل بيت النبوة صوري لا معنوي، وإن ذنوبه مغفورة لهم بلا توبة، وليسوا داخلين تحت المشيئة)؛ فقد ضل وأضل وابتدع وأبدع، وما استند فيه فهو حجة عليه، وسيأتي الكلام عليه في محله.
قال في «عمدة القاري» : وأكثر الروايات بجر (عارية) على النعت وهو الأحسن عند سيبويه؛ لأنَّ (رب) عنده حرف جر يلزم صدر الكلام، ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ والجملة في موضع النعت؛ أي: هي عارية والفعل الذي يتعلق (رب) به محذوف، واختار الكسائي أن يكون (رب) اسمًا (١) مبتدأ والمرفوع خبرها، وفعلها الذي تتعلق به محذوف غالبًا كما سبق، والتقدير: رب كاسية عارية عرفتها.
وفي الحديث: أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل للصلاة والذكر، ولا سيما عند آية تحدث أو رؤيا مخوفة، وجواز قول: (سبحان الله)؛ تعجبًا، واستحباب ذكر بعد الاستيقاظ ليلًا ونهارًا، لكن في الليل أبلغ يدل له قوله ﵇: «من تعارى من الليل فقال: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله، وصلى؛ قبلت صلاته»، وسيأتي تمامه إن شاء ربي.
اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وأولادًا كثيرة، وجاهًا عريضًا، ودخول الجنة، وتمام هذا الشرح بجاه نبيك محمد، ويحيى، وجميع الأنبياء، وأصحابهم، والأولياء وأحزابهم صلى الله تعالى عليهم وسلم.
(٤١) [باب السَّمَر بالعلم]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين مقطوعًا على الإضافة، (السَّمَر)؛ بفتح السين المهملة والميم: المسامرة وهي الحديث في الليل، فـ (السمر) : مبتدأ، وقوله: (في العلم) : في محل الصفة، والخبر محذوف؛ تقديره: هذا باب فيه السمر في العلم، وفي رواية: بإضافة الباب إلى السمر؛ أي: هذا باب في بيان السمر بالعلم، وقد كان التحدث بعد العشاء منهيًّا عنه، والمذكور في الباب هو (السمر في العلم)، ونبَّه المؤلف على أن السمر المنهي عنه إنما: هو فيما لا خير فيه كما في زماننا؛ لاشتماله على الغيبة التي صارت فاكهة المجالس وغيرها من المنهيات كسماع الآلات واللعب بالمقامرة، وأما السمر بالخير؛ فليس بمنهي عنه؛ بل هو مرغوب فيه؛ فافهم.
[حديث: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها]
١١٦ - وبه قال: (حدثنا سعيد بن عُفَير)؛ بضم العين المهملة وفتح الفاء، (قال: حدثني)؛ بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، (الليث) : هو ابن سعد، (قال: حدثني)؛ بالإفراد، (عبد الرحمن بن خالد)، زاد في رواية: (ابن مسافر)؛ أي: أبو خالد الفهمي مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك، كانت ولايته على مصر سنة ثمان عشرة ومئة، وشهد جده فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب المتوفى سنة سبع وعشرين ومئة، وجده مسافر قد دفن في ديارنا الشريفة الشامية في قهوة الجنينة الكبرى عند جامع يلبغا، والجاري على لسان الأعوام ابن مسافر، ولعلَّه خالد أو عبد الرحمن المذكور فنسب لجده؛ لشهرته به، والظاهر: الأول فيحرر.
(عن ابن شهاب) : محمد بن مسلم الزهري، (عن سالم)؛ أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، (وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة)؛ بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، واسمه عبد الله بن حذيفة أو عدي بن كعب ابن حذيفة القرشي العدوي، (أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄.
(قال: صلى بنا النبي) الأعظم، وفي رواية: (لنا رسول الله)؛ باللام بدل الموحدة يعني: صلى إمامًا لنا، وإلا؛ فالصلاة لله لا لهم، ﷺ العِشاء)؛ بكسر العين المهملة وبالمد؛ أي: صلاة العشاء التي وقتها بعد غروب الشفق، وبفتح العين والمد: الطعام.
(في آخر حياته)، وفي رواية جابر: (إن ذلك كان قبل موته ﵇ بشهر)، (فلما سلم) من الصلاة، (قام) جواب لما، (فقال: أرَأيتكم)؛ بهمزة الاستفهام وفتح الراء؛ أي: أخبروني، فهو من إطلاق السبب على المسبب؛ لأنَّ مشاهدة هذه الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقررة؛ أي: قد رأيتم ذلك فأخبروني، وما زعمه ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري» بما يطول.
(ليلتكم)؛ أي: شأن ليلتكم أو خبر (ليلتكم)، (هذه) هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة، وتاء (أرأيتكم) : فاعل، والكاف: حرف خطاب لا محل لها من الإعراب، و (ليلتَكم)؛ بالنصب مفعول ثان لـ (أخبروني)، والاستفهام ليس بحقيقي؛ فلا يحتاج إلى جواب، خلافًا لمن زعمه، و (أرأيتُكم) لا تستعمل إلَّا في الاستخبار عن الأمر العجيب؛ بفتح التاء للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، فإن أردت معنى الرؤية؛ أنثت وجمعت، والفرق بين الخطاب واسم الخطاب الثاني يدلُّ على عين ومعنى الخطاب وصرفه لا يدل إلا على الخطاب كالتنوين وياء النسبة، وتوضيحه في «عمدة القاري».
(فإن رأس)، وللأصيلي: (فإن على رأس)، (مئة سنة منهما)؛ أي: من تلك الليلة، (لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) ممن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المراد بالأرض: البلدة التي هو فيها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧] يريد المدينة المنورة، وقوله: (ممن هو على ظهر الأرض) احتراز عن الملائكة، والمراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنة سواء قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مئة، فوعظهم ﵇ بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم؛ ليجتهدوا في العبادة.
واستدل (٢) به المؤلف وغيره على موت الخضر والجمهور على خلافه، ومن قال به؛ أجاب عن الحديث بأنه من ساكني البحر فلا يدخل في الحديث، ومن قال: إن معنى الحديث لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه؛ فالحديث عام أريد به الخصوص، ولا يرد عيسى ﵇ وإبليس لعنه الله؛ لأنَّ المراد ممن على ظهر الأرض أمة محمد النبي الأعظم ﵇، وكل من على ظهرها من المسلمين والكفار أمته؛ أمَّا الأول: فإنَّهم أمة إجابة، وأما الثاني؛ فإنَّهم أمة دعوة، وعيسى والخضر ليسا داخلين في الأمة، وأما الشيطان فإنه ليس من بني آدم، كذا قرره الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وأجاب القسطلاني: بأن المراد أرضه التي نشأ بها ومنها بعث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز، وتهامة، ونجد، فليست (أل) للاستغراق، فالخضر في غير هذه الأرض المعهودة فلا يدخل تحت الحديث.
قلت: وهو مأخوذ من كلام الكرماني وأجاب عن عيسى: بأنه في السماء، وعن إبليس بأنه في الهواء أو النار وهو تعسُّفٌ، والتحقيق ما ذكره في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.
واستدل من الحديث: جواز السمر في الليل ويعارضه ما عند المؤلف عن أبي برزة: (أن رسول الله ﵇ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها)؛ فهذا يدل على المنع مطلقًا فالحديث المتقدم
стр. 74
يدل على الجواز فيخص العموم فيما عدا العلم والخبر وما عداهما؛ فذهب الأكثر إلى كراهته منهم أبو هريرة وابن عباس، وكتب عمر ﵁: أن لا ينام قبل أن يصليها فمن نام؛ فلا نامت عينه، وهو قول أئمتنا الأعلام، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، ورخص طائفة فيه روي ذلك عن علي: أنه كان ربما غفي قبل العشاء.
وكان ابن عمر ينام ويوكِّل من يوقظه، وعن عروة وابن سيرين: أنهما كانا ينامان نومة قبل العشاء، واحتجَّ لهم بأن الكراهة لمن خشي تفويتها وتفويت الجماعة فيها.
[حديث: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث]
١١٧ - وبه قال: (حدثنا آدم) : هو ابن أبي إياس، (قال: حدثنا شعبة) : هو ابن الحجاج، (قال: حدثنا الحَكَم)؛ بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين، ابن عُتَيْبَة؛ بضم العين المهملة، وفتح الفوقية، وسكون التحتية، بعدها موحدة مفتوحة، تصغير عتبة ابن النهاس الكندي الفقيه الكوفي، المتوفى سنة أربع عشرة أو خمس عشر ومئة.
(قال: سمعت سعيد بن جُبير)؛ بضم الجيم، (عن ابن عباس) رضي الله عنهماأنه (قال: بِتُّ)؛ بكسر الموحدة وتشديد المثناة، من البيتوتة، أصله: من بَيَتت (١)؛ بفتح الموحدة والتحتية، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: باتت؛ فالتقى ساكنان فحذفت الألف فصار: بتت، فأدغمت التاء في التاء، ثم أبدلت كسرة من فتحة الموحدة؛ لتدل على الموحدة المحذوفة فصار: (بت) على وزن (فلت)، والجملة من الفعل والفاعل وقعت مقول القول.
(في بيت خالتي ميمونة) عطف بيان، (بنتِ الحارثِ)؛ بالجر، صفة لميمونة الممنوعة من الصرف؛ للعلمية والتأنيث، (زوجِ النبيِّ) الأعظم ﷺ ؛ بالجرِّ صفة بعد صفة أم المؤمنين الهلالية تزوجها ﵇ سنة ست أو سبع من الهجرة، وتوفيت سنة إحدى وخمسين أو ست وستين بسرف، وصلى عليها ابن عباس، وهي آخر أزواجه؛ لأنَّه لم يتزوج بعدها، وهي أخت لُبَابة؛ بضم اللام، وتخفيف الموحدة، وبعد الألف موحدة أخرى، بنت الحارث زوجة العباس وأم أولاده، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان ﵇ يزورها وهي لبابة الكبرى وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد ﵁.
(وكان النبي) الأعظم ﷺ : الواو للحال، وقوله: (عندها) : خبر (كان)، (في ليلتها)؛ أي: المختصة بها بحسب قسم النبي الأعظم ﵇ بين الأزواج، (فصلى النبي) الأعظم ﷺ العِشاءَ)؛ بالنصب، بكسر العين والمد؛ أي: صلاة العشاء في المسجد، (ثم جاء) من المسجد، (إلى منزله) في تلك الليلة، المراد به: بيت ميمونة بنت الحارث الهلالية، و (الفاء) في (فصلى) : هي التي تدخل بين المجمل والمفصل؛ لأنَّ التفصيل إنَّما هو عقيب الإجمال؛ لأنَّ صلاة النبي ﵇ العشاء ومجيئه إلى منزله كان قبل كونه عند ميمونة، ولم يكونا بعد الكون عندها، أفاده في «عمدة القاري».
(فصلى) ﵇ عقب دخوله، (أربع ركعات)؛ فـ (الفاء) للتعقيب، ثم عطف عليه قوله: (ثم نام)؛ ليدل على أن نومه لم يكن عقيب الصلاة على الفور؛ بل على التراخي، (ثم قام)؛ أي: انتبه من النوم، (ثم قال) لميمونة: (نام الغُلَيِّم)؛ بضم الغين المعجمة، وفتح اللام، وتشديد التحتية، تصغير غلام من باب الشفقة، وأراد به: عبد الله بن عباس، وفي رواية: (نام الغلام)، وهذا يحتمل الإخبار لميمونة، ويحتمل الاستفهام من ميمونة، وحذف حرف الاستفهام بقرينة المقام وهذا الأظهر، كما في «عمدة القاري».
(أو) قال: (كلمة) : فهي منصوبة بفعل محذوف، (تشبهها)؛ أي: تشبه كلمة (نام الغليم)، والشكُّ من الراوي ابن عباس وغيره، وعبَّر بـ (كلمة) ومقول القول يجب أن يكون كلامًا؛ لأنَّ الكلمة قد تطلق على الكلام مجازًا نحو: كلمة الشهادة والتأنيث باعتبار الكلمة أو باعتبار كونها جملة.
(ثم قام) ﵇ في الصلاة، والمراد: أنه شرع في الصلاة، (فقمت عن يَساره)؛ بفتح التحتية وكسرها؛ أي: شماله، وحكي التشديد للسين لغة فيه عن ابن عباد، كما أوضحه في «عمدة القاري»، (فجعلني عن يمينه)؛ أي: فحوَّلني إلى اليمين، (فصلى)، وفي رواية: (وصلى)، (خمس ركعات)، وفي رواية: (عشرة ركعة).
(ثم صلى ركعتين) : فالجملة إحدى عشر ركعة؛ لأنَّه صلى أربعًا، ثم خمسًا، ثم ركعتين، وجاء عند المؤلف: (فكانت صلاته ثلاث عشرة ركعة)، وجاء (أنها كانت ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن؛ فقام فصلى ركعتين)، وهي أكثر الروايات، ويجمع بينهما بأن من روى: (أحد عشرة)؛ أسقط الأوليين وركعتي الفجر، ومن أثبت الأوليين؛ عدها ثلاث عشرة، ووقع هذا الاختلاف في «مسلم»، وقيل: إنَّ أكثر الروايات على أنه لم يصل قبل النوم وأنه صلى بعده ثلاث عشرة ركعة، فيحتمل أن نوم ابن عباس عنده ﵇ كان وقوعًا (٢) فذكر ذلك بعض من سمعه، قال في «عمدة القاري» : والمشهور أنها كانت واقعة واحدة.
(ثم نام) ﵇ (حتى سمعت) (حتى) للغاية هنا تقديره: (إلى أن سمعت)، (غَطِيطه)؛ بفتح المعجمة وكسر الطاء: صوت يخرجه النائم مع نفسه عند استثقاله، وما قاله ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري».
(أو خَطِيطه)؛ بفتح المعجمة وكسر الطاء، بمعنى: الغطيط، وما قاله ابن بطال وتبعه عياض رده في «عمدة القاري»، والشكُّ من الراوي، ثم استيقظ ﵇، (ثم خرج) من المنزل، (إلى الصلاة) ولم يتوضأ.
فهذا من خصائصه ﵇؛ لأنَّ نومه مضطجعًا لا ينقض الوضوء؛ لأنَّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، فلو خرج حدث؛ لأحس به بخلاف غيره من الناس، وفي رواية: (ثم اضطجع فنام حتى نفخ فخرج فصلى الصبح ولم يتوضأ)، وما قاله الكرماني رده في «عمدة القاري»، وكذا سائر الأنبياء ﵈ كذلك، كما أخرجه المؤلف في (الإسراء).
وأما نومه ﵇ في الوادي إلى أن طلعت الشمس؛ فلا ينافي هذا؛ لأنَّ الفجر والشمس إنَّما يدركان بالعين لا بالقلب، وقلبه كان مشغولًا بمراقبة ربه تعالى، ومن زعم أنه كان في وقت ينام قلبه فصادف ذلك؛ فهو بعيد.
وفي الحديث: جواز نوم الرجل مع امرأته في غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزًا، وجاء في رواية: (أنها كانت حائض (٣)).
وفيه: أن صلاة الليل تسع ركعات؛ فإنَّ الأخيرتين سنة الصبح، والستة منها نافلة، وختمها بالوتر ثلاث ركعات.
وفيه: أن صلاة الصبي صحيحة.
وفيه: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام وهو مذهبنا.
وفيه: جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة وهو مذهبنا.
وفيه: جواز الجماعة في النافلة بواحد، ويكره إن كان على سبيل التداعي عند إمامنا الإمام الأعظم ﵁.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (نام الغليم)، أو ارتقاب ابن عباس لأحواله ﵇؛ إذ لا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم، وما زعمه ابن حجر وأتعب نفسه فيه فقد رده في «عمدة القاري» بما يطول، وهو موافق مقبول لأهل الأصول، فرحم الله هذا الإمام ما أغزر علمه وأوفر فهمه، ولا شك أنه علَّامة الأمصار (٤) والأقطار المستمدُّ من فيض ربه المدرار عليه رحمة ربنا الكريم الغفار.
(٤٢) [باب حفظ العلم]
هذا (باب حفظ العلم)، ولفظ (باب) ساقط عند الأصيلي.
[حديث: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله]
١١٨ - وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأوسي المدني، (قال: حدثني)؛ بالإفراد (مالك) : ابن أنس الإمام، (عن ابن شهاب) : محمد بن مسلم الزهري، (عن الأعرج) : عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة) : عبد الرحمن بن صخر، (قال: إن الناس) : مقول قال، (يقولون) : جملة محلها رفع خبر (إن)، (أكثر أبو هريرة) : جملة من الفعل والفاعل مقول (يقولون)؛ أي: من رواية الحديث، وهو حكاية كلام الناس، أو وضع المظهر موضع المضمر؛ لأنَّ الظاهر أن يقول: أكثرت، وزاد المؤلف في (البيوع) : (ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه)، وهذه الزيادة تدلك على النكتة في ذكر أبي هريرة المهاجرين والأنصار.
(ولولا آيتان)؛ أي: موجودتان، (في كتاب الله) ، (ما) جواب (لولا) حذف منه اللام وهو جائز، (حدثت حديثًا)؛ بالنصب على المفعولية، قال الأعرج: (ثم يتلو)؛ أي: أبو هريرة، (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله) تعالى: (﴿الرَّحِيم﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]).
وإنما ذكر يتلو بلفظ المضارع؛ استحضارًا لصورة التلاوة كأنه فيها، والمعنى: لولا أن الله تعالى ذمَّ الكاتمين للعلم؛ لما حدثتكم أصلًا، لكن لما كان الكتمان حرامًا؛ وجب الإظهار والتبليغ؛ فلهذا حصل مني الإكثار؛ لكثرة ما عندي من الحديث، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله: (إن إخواننا)؛ جمع: أخ، ولم يقل: إخوانه؛ ليرجع الضمير على أبي هريرة؛ لغرض الالتفات، ولم يقل: إخواني؛ لأنَّه قصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة، والمراد الإخوان في الإسلام لا في النسب،
стр. 75
وحذف العاطف على جعله جملة استئنافية كالتعليل للإكثار جوابًا للسؤال عنه.
(من المهاجرين) (من) بيانية؛ أي: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، (كان يَشغَلهم)؛ بفتح أوله وثالثه من باب (فتح يفتح)، وحكي ضم أوله من الرباعي؛ أي: الإشغال، وهو غريب، كما في «عمدة القاري»، (الصَّفْق)؛ بالرفع فاعل، والجملة خبر (إن)؛ بفتح الصاد المهملة وإسكان الفاء كناية عن التبايع؛ لأنَّهم كانوا يضربون بالأيدي عند عقد البيع، (بالأسواق) جمع: سوق يذكر ويؤنث، سمي به؛ لقيام الناس على سوقهم فيه.
(وإن إخواننا من الأنصار) : الأوس والخزرج أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله ﵇، ونصروه بأنفسهم وأموالهمرضي الله عنه، (كان يشغلهم العمل في أموالهم) يريد به الزراعة، وفي «مسلم» : (كان يشغلهم عمل أرضهم)، وفي رواية: (كان يشغلهم على أراضيهم)، (وإن أبا هريرة) عدل عن قوله: إني؛ لقصد الالتفات، وعند المؤلف في «البيوع» : (وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصفة)، (كان يلزم رسول الله ﷺ من الملازمة، (بِشبَع)؛ بكسر المعجمة وفتح الموحدة، وفي رواية: (لشبع) باللام، وكلاهما؛ أي: الموحدة واللام؛ للتعليل، وروي: (ليشبع)؛ بلام كي، و (بشبع)؛ بصورة المضارع المنصوب؛ أي: لأجل شبع، (بطنه)؛ يعني: أنه كان يلازم قانعًا بالقوت لا مشتغلًا بالتجارة ولا بالزراعة ﵁.
(ويحضر ما لا يحضرون)؛ أي: من أحوال النبي الأعظم ﵇، فيشاهد ما لا يشاهدون، (ويحفظ ما لا يحفظون) من أقواله ﵇، فيسمع ما لا يسمعون، فهذا إشارة إلى المسموعات، وذاك إلى المشاهدات.
لا يقال هذا الحديث يعارضه ما تقدم من حديث أبي هريرة: (ما من أصحاب النبي ﵇ أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب)؛ لأنَّا نقول: إن عبد الله كان أكثر تحملًاوأبو هريرة أكثر رواية.
فإن قلت: كيف يكون الأكثر تحملًا وهو داخل تحت عموم المهاجرن.
أجيب: هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها، وأبو هريرة أكثر من جهة السماع، والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث: طلب حفظ العلم والمواظبة على طلبه.
وفيه: فضل أبي هريرة، وفيه طلب التقلل من الدنيا وفضله، وإيثار العلم على طلب المال.
وفيه: جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر وأمن الإعجاب، وجواز التجارة والزراعة، وجواز الاقتصار على الشبع، وفيه تفصيل:
فالأكل فرض: وهو ما يدفع به الهلاك عن نفسه.
ومندوب: وهو ما زاد ليتمكن من الصلاة قائمًا ويسهل الصوم.
ومباح: وهو ما يزاد على الشبع لزيادة قوة البدن.
وحرام: وهو الزائد عليه إلا لقصد التقوى على صوم الغد، أو لئلا يستحي الضيف الحاضر فلا بأس بأكله فوق الشبع لذلك، ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء العبادة المفروضة قائمًا، فلو على وجه لا يضعفه؛ فمباح ورياضة هذا مذهب إمامنا الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل، الذي غفر الله له ولمن اتبعه على مذهبه إلى يوم القيامة.
[حديث: ابسط رداءك]
١١٩ - وبه قال: (حدثنا أحمد بن أبي بكر) القاسم أو زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري العوفي، زاد في رواية: (أبو مصعب) كنيته، قاضي المدينة المتوفى سنة اثنين وأربعين ومئتين عن اثنين وتسعين سنة، (قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار) المدني الأنصاري المفتي بالمدينة المتوفى سنة اثنين وثمانين ومئة.
(عن ابن أبي ذِئب)؛ بكسر الذال المعجمة، محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي المدني العامري، قال ابن حنبل: كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلَّا أن مالكًا أشد تنقية للرجال منه، المتوفى بالكوفة سنة تسع وخمسين ومئة عن تسع وسبعين سنة، (عن سعيد) بن أبي سعيد (المَقبُري)؛ بفتح الميم وضم الموحدة، المدني.
(عن أبي هريرة) : عبد الرحمن بن صخر ﵁، (قال: قلت: يا رسول الله)، وفي رواية: (قلت لرسول الله ﷺ ، (إني أسمع منك حديثًا كثيرًا) : صفة لقوله: (حديثًا)؛ لأنَّه باعتبار كونه اسم جنس يطلق على الكثير والقليل، (أنساه) : جملة محلها النصب صفة أخرى لقوله: (حديثًا)، والنسيان جهل بعد العلم، والفرق بينه وبين السهو: أن النسيان زوال العلم عن الحافظة والمدركة، والسهو زواله عن الحافظة فقط، والفرق بين السهو والخطأ أن السهو ما يتنبَّه صاحبه بأدنى تنبيه، والخطأ ما لا يتنبه به، والنسيان حالة تعتري الإنسان من غير اختياره توجب غفلة عن الحفظ، والغفلة ترك الالتفات بسبب أمر عارض، كما أوضحه في «عمدة القاري».
(قال)، وفي رواية: (فقال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ لأبي هريرة: (ابسط رِداءك)؛ بكسر الراء، (فبسطته) : عطف على (ابسط)، وعطف الخبر على الإنشاء فيه خلاف، والذي يمنعه يقدَّر شيئًا والتقدير لما قال ابسط رداءك: امتثلت أمره فبسطه، (قال: فغرف) ﵇، (بيديه) ولم يذكر المغروف ولا المغروف منه؛ لأنَّه لم يكن إلَّا إشارة محضة، فكأنَّه أخذ شيئًا من فيض فضل الله تعالى ورمى به في رداء أبي هريرة، ومثل ذلك في عالم الحسِّ.
(ثم قال ﵇ له (ضمُّه)؛ بالهاء مع ضم الميم؛ تبعًا للضاد، وفتحها وهي رواية أبي ذر وكسرها؛ لأنَّ الساكن إذا حرِّك؛ حرِّك بالكسر، وفك الإدغام فيصير: اضممه، وفي رواية: (ضم) بلا هاء وعلى الأولى فالضمير فيه يرجع إلى الحديث، يدل له ما روي (فغرف بيديه ثم قال: ضم...)؛ الحديث.
(فضممته)؛ أي: الرداء حال المقالة فقط، (فما نسيت شيئًا بعده)؛ أي: بعد الضم، وفي رواية: بدون الهاء بضم الدال؛ لقطعه عن الإضافة فبني على الضم، وفي بعض طرق الحديث عند المؤلف: («لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعها إلى صدره فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا»، فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي ﵇ مقالته ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق؛ ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا).
وفي «مسلم» : (أيُّكم يبسط ثوبه فيأخذ)؛ فذكره بمعناه، ثم قال: (فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به)، ففي قوله: (بعد ذلك اليوم) : دليل على العموم، وعلى أنه بعد ذلك لم ينس شيئًا سمعه منه ﵇، لا أن ذلك خاص بتلك المقالة، كما يعطيه ظاهر قوله: (من مقالته تلك) ويعضد العموم تنكير شيئًا بعد النفي، فإنَّه يدل على العموم؛ لأنَّ النكرة في سياق النفي تدل عليه، فدل على العموم في عدم النسيان لكل شيء من الحديث وغيره.
فإن قلت: ما هذه المقالة؟!
قلت: هي مبهمة في جميع الطرق، إلا أنَّه صرح بها أبو نعيم في «الحلية» قال: قال ﵇: «ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة»، كذا قرره في «عمدة القاري»، وما زعمه ابن حجر فليس بشيء؛ فافهم.
وفي الحديث: معجزة النبي الأعظم ﵇، كما لا يخفى.
وبه قال: (حدثنا إبراهيم بن المنذر) المدني، (قال: أخبرنا ابن أبي فُدَيك)؛ بضم الفاء وفتح الدال المهملة، أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، دينار المدني الليثي، المتوفى سنة مئتين، (بهذا)؛ أي: بهذا الحديث، فساقه المؤلف في (علامات النبوة) بهذا الإسناد بعينه، (أو قال)، وفي رواية: (قال)؛ أي: ابن أبي فديك.
(غرف بيده فيه)؛ بالإفراد مع زيادة فيه، والضمير للثوب، وفي رواية وعليها كتب صاحب «عمدة القاري» قال: (يحذف بيده إلى فيه) من الحذف؛ بالحاء المهملة، والذال المعجمة، والفاء؛ أي: يرمي، والذي في (علامات النبوة) ليس فيه إلَّا الغرف، فادعى ابن حجر أن رواية (يحذف) تصحيف، ورده في «عمدة القاري» بأن صاحب «المطالع» لم ينبه عليه وأنه لم يثبت أنه تصحيف، فيطلب منه الدليل ولم يوجد، وسقط في رواية قوله: (حدثنا إبراهيم...) إلخ والله تعالى أعلم.
[حديث: حفظت من رسول الله وعاءين]
١٢٠ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس، (قال: حدثني)؛ بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، (أخي) : عبد الحميد بن أبي أويس، (عن ابن أبي ذئب) : محمد بن عبد الرحمن القرشي المدني السابق قريبًا، (عن سعيد) بن أبي سعيد (المقبُري)؛ بضم الموحدة، (عن أبي هريرة) ﵁، (قال: حفظت عن)، وفي رواية: (من)، (رسول الله ﷺ ، وهي أصرح لتلقينه من النبي الأعظم ﵇ بلا واسطة.
(وعاءين)؛ بالنصب مفعول (حفظت)، تثنية وِعاء؛ بكسر الواو مع المد الظرف الذي يحفظ فيه الشيء، جمعه: أوعية، وهو من ذكر المحل وإرادة الحال فيه، والمراد نوعين
стр. 76
من العلم.
(فأما) للتفصيل، (أحدهما)؛ أي: أحد الوعاءين من نوعي العلم؛ (فبَثثته) : جواب (أما)، ودخلت عليه الفاء؛ لتضمنها معنى الشرط، وهو بموحدة مفتوحة ومثلثتين بعدهما مثناة فوقية؛ أي: نشرته وكشفته، زاد الإسماعيلي: (في الناس)، (وأما) الوعاء (الآخر) منهما، (فلو بثثته)؛ أي: نشرته وكشفته للناس؛ (قطع) : جواب (لو)، وفي رواية: (لقطع) باللام، (هذا البلعومُ) : مرفوع بإسناد قطع إليه، وهو مفعول ناب عن الفاعل، وفي رواية الإسماعيلي: (لقطع هذا) يعني رأسه، فكنى به عن القتل، فأراد بالأول: الذي حفظه من السنن المذاعة لو كتبت؛ لاحتمل أن يملأ منها وعاء، وبالثاني: ما كتمه من أخبار الفتن، وأشراط الساعة، وما عرف به النبي الأعظم ﵇ من فساد الدين على يد أغيلمة سفهاء قريش.
وكان أبو هريرة يقول: (لو شئت ان أسميهم بأسمائهم لسميتهم لكني خشيت على نفسي) فلم يصرح بهم، فالأمر بالمعروف على هذا، وكان يقول: (أعوذ بالله من رأس سنة ستين وإمارة الصبيان)، يشير بذلك إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، فاستجاب الله دعاءه فمات قبلها، فإنه لو حدث بهذه الأحوال؛ لقطع البلعوم.
وقالت المتصوفة: المراد بالأول: علم الأحكام والإطلاق، وبالثاني: علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان.
قال القسطلاني في «شرحه» : لكن في كون هذا هو المراد نظر؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما وسع أبو هريرة كتمانه مع ما ذكره من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ...﴾ [البقرة: ١٥٩] إلى آخر الآيتين الدالة على ذم كتمان العلم، وأيضًا فإنَّه نفى بثه على العموم من غير تخصيص، فكيف يستدل به لذلك، وأبو هريرة لم يكشف مستوره؟! فمن أين علم أن الذي كتمه هو هذا؟!
فمن ادعى ذلك؛ فعليه البيان، فقد ظهر أن الاستدلال به لهم فيه نظر ظاهر، انتهى كلامه.
قلت: وكذا قوله ﵇: «من كتم علمًا؛ ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام؛ لما وسعه كتمها بحكم الآية والحديث الدالة على ذم الكتمان، ولا ريب أن أبا هريرة أعلم وأحرى بالأحكام، فلو كان المراد به ذلك؛ لكشفه ونشره بين الناس ودخل تحت الأحاديث الدالة على فضل العلم وتعليمه.
وقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: (إن كان المراد من الثاني هو ما قالته المتصوفة يشترط فيه أن لا تدفعه القواعد الإسلامية ولا تنفيه القوانين الإيمانية؛ إذ ما بعد الحق إلا الضلال) انتهى.
قلت: فأشار به إلى أنه لو كان مطابقًا للشريعة المطهرة؛ فلا يتصور كتمانه من أبي هريرة، وإن كان غير مطابق لها؛ فهو ما قدمناه من أمور الفتن وحكام الجور وغيرها.
(قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف، كما في رواية المستملي، (البُلعوم)؛ بضم الموحدة، (مجرى الطعام)؛ أي: في الحلق وهو المري، كذا فسره القاضي والجوهري، وقال الفقهاء: الحلقوم: مجرى النفس، والمري: مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحلقوم، والبلعوم تحت الحلقوم، وقال ابن بطال: البلعوم: الحلقوم وهو مجرى النفس إلى الرئة، والمري: مجرى الطعام والشراب إلى المعدة فتصل بالحلوق، والمقصود: أنه كنى بذلك عن القتل، كما في «عمدة القاري».
قلت: وما قدمناه هنا يدل على بطلان قول من قال في زماننا: أن ذنوب أهل البيت النبوي صوري لا معنوي؛ أي: بحسب الصورة ذنب لا في المعنى، وأن المغفرة لهم محققة بدون توبة، وأنهم خير الخلق بدون استثناء الأنبياء والمفضلين من الصحابة، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وبقول الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي في «الفتوحات».
قلت: وهذا باطل؛ لأنَّه لم يوجد قول لأحد من المذاهب الأربعة المجمع عليها بذلك، وقد قال النبي الأعظم ﵇: «من أحدث شيئًا لم يكن في الشريعة فهو رد»، والآية المستدل بها معناها أنَّه تحرم عليهم الصدقة؛ لأنَّها أوساخ الناس، والتمييز بالعمائم، والتعظيم، والاحترام وغير ذلك، وما ذكره من معناها فهو مردود؛ لأنَّه لم يقل به أحد من المفسرين قديمًا وحديثًا.
وقال ﵇: «من فسَّر القرآن برأيه كبَّه الله في النار يوم القيامة»، ويدل لهذا قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]، فابن نوح لما التجأ (١) إلى الجبل وأنه يعصمه من الماء عند الغرق؛ أخرجه الله تعالى من أهله وجعله في النار، وكذا أبو طالب عمُّ المصطفى ﵇، وكذا أبو جهل، وأبو لهب؛ فإنَّهم جميعًا في النار، كما نطق بذلك الكتاب والسنة، فلو كانت الذنوب مغفورة لهم بدون توبة؛ لغفر لهم وأدخلوا الجنة، وهذا يدل على بطلان قوله أيضًا: من أنه لا يختم لأحد منهم بالكفر، وأن الله شاء المغفرة لهم، وبطلان هذا ظاهر؛ فإنَّ الموت على الإيمان أو على الكفر لا يعلمه أحد أصلًا؛ لقوله ﵇: «إن العبد ليعمل بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار»، رواه الشيخان.
وقال تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، ومشيئته تعالى مختصَّة به لا يعلمها أحد من خلقه، وهو مذهب أهل السنة والجماعة من الماتريدية والأشعرية وإجماع المسلمين، ويدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فجميع الآيات الدالة على المغفرة مقرونة بالمشيئة، وقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].
قال الإمام القرطبي: (لو فعل أحدٌ منهم شيئًا يوجب الحدَّ مرة؛ يُحدُّ مرتين؛ لهذه الآية، وقال ﵇: «من أبطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه»، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿فَلَاأَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]).
وأما قول الشيخ الأكبر فقد قال علماؤنا الأعلام: يحرم مطالعة كتب الشيخ الأكبر وقد أتى أمر سلطاني بالنهي عن بيعها، وشرائها، ومطالعتها، وقال الإمام الشعراني: في العهود الصغرى أخذ علينا العهود أن نمنع الناس من مطالعة كتب الشيخ الأكبر؛ لعدم فهم معناها، اهـ.
فالتفاضل الحقيقي بين الناس إنَّما هو بالتقوى، فلا يفيد الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى، ويفيد الوضيع النسب بالتقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقد ألف رسالة في ذلك وذكر الأحاديث الواردة في حق أهل البيت منها منكر، ومنها ضعيف، ومنها موضوع من الشيعة، وقد ركب فيها متن عمياء وخبط خبط عشواء، وقال فيها ولا يدري ما يقول، وقد وافقه عليها بعض ممن يدعي العلم، وكتب له عليها فضلَّ وأضلَّ، وجمهور العلماء الأعلام ورئيسهم الإمام محقق المعقول والمنقول شيخ الإسلام والمسلمين شيخنا الشيخ عبد الله أفندي الحلبي أدمنا بحياته فلم يلتفت إليها، ولا عرجوا عليها، بل ردوها ولم يكتب أحدٌ عليها، ووقع خبط بين العلماء بديارنا الشريفة الشامية من أجل هذه الرسالة البدعة المنكرة، وأجمع الجمهور على بطلانها وردِّها ولله الحمد والمنة.
اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة بجاه الأنبياء وأصحابهم والمجتهدين وأتباعهم، وأن يحفظنا من الزيغ والضلال، ويوفقنا لما يحب ويرضى إنه على كل شيء قدير، وصلى الله عليهم أجمعين.
(٤٣) [باب الإنصات للعلماء]
هذا (باب الإنصات)؛ بكسر الهمزة: السكوت والاستماع، (للعلماء)؛ أي: لأجل ما يقولونه، فاللام للتعليل.
[حديث: أن النبي قال له في حجة الوداع: استنصت الناس]
١٢١ - وبه قال: (حدثنا حَجاج)؛ بفتح الحاء، ابن منهال الأنماطي، (قال: حدثنا شعبة) : هو ابن الحجاج، (قال: أخبرني)؛ بالإفراد، (علي بن مُدْرِك)؛ بضم الميم وكسر الراء، النخعي الكوفي، المتوفى سنة عشرين ومئة، (عن أبي زُرْعَة)؛ بضم الزاي، وسكون الراء،
стр. 77
وفتح العين، واسمه: هَرْم؛ بفتح الهاء وسكون الراء، ابن عمر بن جرير.
(عن جَرير)؛ بفتح الجيم، ابن عبد الله البجلي جد أبي زرعة الراوي عنه هنا لأبيه، وكان بديع الجمال، طويل القامة، وكان نعله ذراعًا، (أن النبي) الأعظم ﷺ قال) : جملة محلها الرفع خبر (إن)، (له) وعند المؤلف في (حجة الوداع) : (أن النبي ﵇ قال لجرير)، (في حَجة)؛ بفتح الحاء وكسرها، (الوَداع)؛ بفتح الواو وكسرها، والمشهور: الفتح فيهما، وإنَّما سمِّيت بحجة الوداع؛ لأنَّ النبي الأعظم ﵇ ودَّع الناس فيها، والمقالة كانت عند جمرة العقبة واجتماع الناس للرمي وغيره.
(استنصت) : أمر من الإستنصات، (استفعال) من الإنصات، ومعناه: طلب السكوت، (الناس) والجملة من الفعل، والفاعل، والمفعول مقول القول، وقد أنكر بعضهم لفظة (له) من قوله: قال له في حجة الوداع، معللًا بأن جريرًا أسلم قبل وفاته ﵇ بأربعين يومًا، وتوقف المنذري؛ لثبوتها في الطرق الصحيحة، وقد ذكر غير واحد أنه أسلم في رمضان سنة عشر، فأمكن حضوره مسلمًا لحجة الوداع، وحينئذ فلا خلل في الحديث كما أوضحه في «عمدة القاري».
(فقال) ﵇ بعد أن أنصتوا: (لا ترجعوا)؛ أي: لا تصيروا، (بعدي)؛ أي: بعد موتي أو موقفي هذا، (كفارًا) نصب خبر لا ترجعوا المفسر بلا تصيروا، فيكون من الأفعال الناقصة؛ أي: لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار، أو دوموا مسلمين أولا يكفِّر بعضكم بعضًا فتستحلوا القتال.
(يضربُ بعضكم رقاب) جمع: رقبة، (بعض)؛ بالرفع في (يضرب) على الصفة لـ (كفارًا)؛ أي: لا ترجعوا بعدي كفارًا متصفين بهذه الصفة القبيحة، يعني ضرب بعضهم رقاب بعض آخرين، أو على الحال من ضمير (ترجعوا)؛ أي: لا ترجعوا (١) بعدي كفارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض، أو على الاستئناف كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفارًا؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض، فمعناه:
على الأول: لا ترجعوا عن الدين بعدي فتصيروا مرتدِّين مقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق.
وعلى الثاني: لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم باستحلال القتل، ولا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفار في الانهماك في تهييج الشرِّ وإثارة الفتن من غير إشفاق بعض على بعض.
وعلى الثالث: لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقٍّ، فإنَّه فعل الكفار، وجوَّز الإمام أبو البقاء وابن مالك جزم (يضرب) على أنه بدل من (لا ترجعوا) وأن يكون جزاء الشرط مقدرًا (٢)؛ أي: فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض، أو أن يكون جواب النهي، والمعنى: لا تتشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضًا.
وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح فأنزل الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠١]؛ أي: تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر يدل على أن النهي عن ضرب الرقاب والنهي عما قبله بسببه، كما جاء في حديث أبي بكرة: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» وذكر الحديث، ثم قال: «ليبلِّغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارًا...»؛ الحديث، فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم على بعض.
فإن قلت: رقاب جمع: رقبة، وليس لكل شخص إلا رقبة واحدة، ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنه.
قلت: البعض وإن كان مفردًا، لكنه في معنى الجمع، كأنه قال: لا يضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى، والجمع في مقابلة الجمع أو ما في معناه يفيد التوزيع.
وفي الحديث: وجوب الإنصات عند قراءة الحديث والعلم وغيره من العلوم الشرعية.
وفيه: تعلق بعض المبتدعة في إنكار حجة الوداع؛ لأنَّه نهى الأمة بأسرها عن الكفر ولولا جواز إجماعها عليه؛ لما نهاها، والجواب أن الامتناع إنَّما جاء من جهة خبر الصادق لا من الإمكان، وقد قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ومن المعلوم أنه ﵇ معصوم، كذا حققه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.
(٤٤) [باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله]
هذا (باب ما)؛ أي: الذي، (يستحب للعالم إذا) : شرطية، (سُئِل) بالبناء للمجهول، (أيُّ الناس)؛ أي: شخص من أشخاص الناس، (أعلم) من غيره، (فيكل) الفاء في جواب (إذا)، وأصله: يوكل حذفت الواو؛ لوقوعها بين الياء والكسرة؛ أي: فهو يكل، (العلم إلى الله) تعالى، والجملة بيان لما يستحب، أو (إذا) ظرف لـ (يستحب) والفاء تفسيرية على أن (يكل) في تقدير المصدر بتقدير أن؛ أي: ما يستحب وقت السؤال هو الوكول إلى الله تعالى، وصرَّح بـ (أن) في رواية، كما في «عمدة القاري».
[حديث: قام موسى النبي خطيبًا في بني إسرائيل]
١٢٢ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد) الجعفي المسنَدي؛ بفتح النون، (قال: حدثنا سفيان) : هو ابن عُيينة؛ بضم العين، (قال: حدثنا)، وفي رواية: (أخبرنا)، (عَمرو)؛ بفتح العين، ابن دينار، (قال: أخبرني)؛ بالإفراد، (سعيد بن جُبَير)؛ بضم الجيم وفتح الموحدة.
(قال: قلت لابن عباس) عبد الله ﵄، فالسائل هنا سعيد بن جبير، والمجيب ابن عباس، وفيما تقدم أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس فمرَّ بهما ابن كعب فسأله ابن عباس، فيحتمل أن يكون سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد الوقعة الأولى المتقدمة لابن عباس والحر، وجاء أن السائل غير ابن جبير، قال سعيد: (كنت عند ابن عباس وعنده قوم من اليهود فقال بعضهم: يا أبا عبد الله...) إلخ، فقال ابن عباس: (كذب...) إلخ.
(إن نَوْفًا)؛ بفتح النون وسكون الواو آخره فاء، ابن فَضَالة؛ بفتح الفاء والضاد المعجمة، أبو يزيد القاص، (البِكالي)؛ بالنصب صفة لـ (نوفًا)، بكسر الموحدة وفتحها وتخفيف الكاف نسبة إلى بكال بطن من حمير، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، وهمزةإن مكسورة، و (نوفًا)؛ بالنصب اسمها، وهو منصرف في اللغة الفصيحة، وفي بعضها غير منصرف، وكتبت بدون ألف؛ لأنَّه أعجمي، لكن الأفصح: الصرف؛ لأنَّ سكون وسطه يقاوم إحدى العلتين فيبقى الاسم بعلة واحدة كنوح ولوط، كما بسطه في «عمدة القاري».
(يزعم) : جملة من الفعل والفاعل محلها الرفع خبر (إن)، والزعم بمعنى: القول فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا وهو قوله: (أن)؛ بفتح الهمزة، (موسى) : ممنوع من الصرف؛ للعلمية والعجمة، وإن كان الزعم بمعنى: الظن فأن مع اسمها وخبرها سدت مسد المفعولين؛ أي: موسى صاحب الخضر.
(ليس بموسى بني إسرائيل) الباء زائدة للتأكيد، وهي جملة محلها الرفع خبر (أن)، وفي رواية: بحذف الباء الموحدة من موسى؛ أي: المرسل لبني إسرائيل؛ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، و (موسى) وإن كان علمًا؛ لا يضاف، لكنَّه نكر بأن أوِّل بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه.
(إنما هو موسًى)؛ بالتنوين؛ لكونه نكرة فانصرف؛ لزوال العلمية وعدمه وهو ظاهر، (آخر) غير منصرف؛ للوصفية الأصلية ووزن الفعل فلا ينون على كل حال، وغلبت عليه الاسمية المحضة، فاضمحل عنه معنى التفضيل بالكلية، يعني: يزعم نوف أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بن عمران الذي أرسل إلى فرعون، وإنما هو موسى بن مِيْشا؛ بكسر الميم، وسكون التحتية، وبالشين المعجمة، وميشا يعني: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وهو أول موسى وهو نبي أيضًا مرسل، وزعم أهل التوراة أنه صاحب الخضر.
(فقال) ابن عباس: (كذب عدو الله) نوف ومن تبعه في هذه المقالة، وهذا وقع من ابن عباس على طريق الإغلاظ على القائل، بخلاف قوله: ولم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق؛ فيطلقون أمثال هذا الكلام؛ لقصد الزجر والتنفير عنه، وحقيقته غير مرادة، وكان ذلك منه حال الغضب وألفاظ الغضب تطلق ولا يراد بها حقائقها.
(حدثنا)، وفي رواية: (حدثني)، (أبيُّ بن كعب)؛ بالرفع فاعل التحديث، وهو الصحابي المشهور ﵁، (عن النبي) الأعظم ﷺ أنه (قال: قام موسى) ابن عمران، (النبي)؛ بالرفع صفة (موسى)، ﷺ حال كونه، (خطيبًا في بني إسرائيل)، أولاد يعقوب ﵇، وهم اثني عشر الذين سماهم الأسباط، كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وجميع بني إسرائيل منهم.
(فسُئل)؛ بضم السين المهملة، (أيُّ الناس أعلم) : مبتدأ مضاف وخبره، والتقدير:
стр. 78
أعلم منهم، كما في قولك: الله أكبر؛ أي: من كل شيء، (فقال) موسى: (أنا أعلم) الناس؛ أي: فيما ظهر لي، واقتضاه شاهد الحال أو دلالة النبوة، وهذا أبلغ من الرواية السابقة، هل تعلم أن أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، فإنه إنَّما نفى هناك علمه، وهنا على البت.
(فعتب الله عليه)؛ أي: لم يرض قوله شرعًا، وعن أُبي قال: (أعجب موسى بعلمه فعاتبه الله بما لقي من الخضر)، وهو من باب التنبيه لموسى والتعليم لمن بعده لئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه، والعجب بحالها فيهلك، (إذ)؛ بسكون الذال للتعليل، (لم يُرد)؛ بضم الدال اتباعًا لضمة الراء، والفتح للخفة، والكسر على الأصل من أن الساكن إذا حرك يحرك بالكسر، ويجوز فك الإدغام أيضًا.
(العلم)؛ بالنصب مفعول (يرد)، (إليه)، وفي رواية: (إلى الله تعالى) فكان ينبغي أن يقول: الله أعلم، وقالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وسئل النبي الأعظم ﵇ عن الروح وغيره فقال: لا أدري حتى أسأل الله ، والعتب؛ بمعنى: المؤاخذة وتغير النفس وهما في حق الله تعالى محال فيراد به: لم يرض قوله شرعًا.
(فأوحى الله) تعالى (إليه)؛ أي: إلى موسى، (أن)؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأن، (عبدًا)؛ أي: الخضر، وفي رواية: بكسر الهمزة على تقدير فقال إن عبدًا، (من عبادي) محله النصب صفة عبدًا، (بمجمع البحرين) : الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: كائنًا بمجمع البحرين؛ أي: ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق، وقال أبي بن كعب: إنه بإفريقية وقيل: بطنجة، كما بسطه في «عمدة القاري».
(هو)؛ أي: العبد المسمى: بالخضر، (أعلم منك) جملة اسمية محلها رفع خبر (إن)؛ أي: بشيء مخصوص، كما يدل عليه قول الخضر الآتي: إنِّي على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمك الله لا أعلمه، ولا شك أن موسى أفضل من الخضر بما اختص به من الرسالة، وسماع الكلام، والتوراة، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى ﵇، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إن الخضر ليس بنبي؛ بل ولي، فالنبي أفضل من الولي وهو أمر مقطوع به، والقائل بخلافه كافر بالإجماع؛ لأنَّه معلوم من الشرع بالضرورة.
(قال رب) أصله: يا رب، فحذف حرف النداء، وياء المتكلم للتخفيف اكتفاء بالكسرة، وفي رواية: (يا رب)، (وكيف لي به) بالواو، وفي رواية: بالفاء؛ أي: كيف الالتقاء لي بذلك العبد، و (لي) : في محل رفع خبر مبتدأ محذوف وهو الالتقاء المقدر، و (كيف) وقع حالًا، والتقدير: على أيِّ حالة الالتقاء وبه يتعلق بالمقدر، والفاء على الرواية الثانية زائدة، والفاء في قوله: (فقيل) عاطفة، (له: احمل) أمر وفاعله مستتر.
(حوتًا) : مفعوله والجملة مقول القول، (في مِكَتل)؛ بكسر الميم وفتح الفوقية شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا كما في «العباب» وهو في محل نصب صفة لـ (حوتًا)؛ أي: حوتًا كائنا في مكتل، (فإذا) للشرط، (فَقَدته)؛ بفتح الفاء والقاف؛ أي: الحوت جملة فعل الشرط، (فهو ثَمَّ)؛ بفتح المثلثة ظرف؛ بمعنى: هناك جملة وقعت جواب الشرط فلذا دخلته الفاء؛ أي: العبد الأعلم منك هناك، (فانطلق) : موسى، (وانطلق معه بفتاه) : التصريح بالمعية للتأكيد وإلا فالمصاحبة مستفادة من الباء في (بفتاه)، وفي رواية: بإسقاط لفظ (معه).
(يُوشَع)؛ بضم التحتية وفتح المعجمة، مجرور بالفتحة عطف بيان لـ (فتاه) غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، (ابن نون) : مجرور بالإضافة منصرف كنوح ولوط على الأفصح، وهو من أولاد يوسف بن يعقوب ﵇ وكان يخدمه، وقيل: يأخذ عنه العلم، (وحملا حوتًا في مكتل)، كما وقع الأمر به وقد قيل: كانت السمكة مشوية مملوحة وقيل شق سمكة.
(حتى) للغاية، (كانا عند الصخرة) الحجر الكبير التي دون نهر الزيت بالمغرب الموعود بلقي الخضر عنده، (وضعا رؤوسهما) على الصخرة، (وناما)، وفي رواية: (فناما) بالفاء وكلاهما للعطف على (وضعا)، وفيه غاية التواضع لله تعالى، (فانسلَّ الحوت) المشوي المملوح، (من المكتل)؛ لأنَّه أصاب الحوت من ماء عين الحياة التي في أصل الصخرة لا يصيب مائها لشيء إلا حييى، فتحرك الحوت وانسلَّ من المكتل فدخل البحر، كذا في طريق للمؤلف.
(فاتخذ سبيله)؛ أي: طريقه، (في البحر سربًا)؛ أي: مسلكًا؛ بالنصب على المصدرية أو المفعولية وفي رواية: عند المؤلف: (فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق)، (وكان) إحياء الحوت المملوح وإمساك جرية الماء حتى صار مسلكًا، (لموسى وفتاه عجبًا)؛ بالنصب خبر كان، وجاء عند المؤلف: (فكان للحوت سربًا ولموسى عجبًا)؛ فيجوز أن يكون من قول يوشع ومن قول موسى ثم قال موسى: (عجبت من هذا عجبًا)، فيحسن على هذا الوقف على البحر ويتبدى عجبًا، كذا قاله الزجاج، وقال غيره: يجوز أن يكون إخبارًا من الله تعالى؛ أي: اتخذ موسى طريق الحوت في البحر عجبًا، كذا في «عمدة القاري».
(فانطلقا بقيةً)؛ بالنصب على الظرفية، (ليلتِهما)؛ بالجر على الإضافة، (ويومِهما)؛ بالجر عطفًا على ليلتهما والنصب على إرادة سير جميع اليوم، وعند المؤلف في «التفسير» و «مسلم» : (فانطلقا بقية يومهما وليلتهما)، قال القاضي: وهو الصواب لقوله: (فلما أصبح) ولا يقال: أصبح إلا عن ليل، وفي رواية: (حتى إذا كان من الغد)، وما زعمه ابن حجر رده في «عمدة القاري».
(قال موسى) : جواب (لما)، (لفتاه آتنا غدَائَنا)؛ بفتح الغين مع المد، الطعام يؤكل أول النهار؛ بالنصب على المفعولية، واللام في (لقد) للتأكيد وقد للتحقيق، (لقينا من سفرنا هذا نصَبًا)؛ بفتح النون والصاد، بالنصب مفعول (لقينا)؛ أي: تعبًا، والإشارة لسير البقية والذي يليها ويدل عليه قوله: (ولم يجد موسى) ﵇، (مسًّا)، وفي رواية: (شيئًا) بالنصب مفعول (تجد) (من النصب) : في محل نصب صفة (مسًّا)؛ أي: مساء حاصلًا أو واقعًا من النصب؛ أي: التعب.
(حتى) : للغاية؛ أي: إلى أن، (جاوز المكان الذي أمر به)؛ أي: أمره الله بلقي الخضر فألقى عليه الجوع والنصب، (فقال)، وفي رواية: (قال)، (له فتاهُ)؛ بالرفع فاعل (قال) : (أرأيت)؛ أي: أخبرني ما دهاني، (إذ) : ظرف بمعنى: حين، (أوينا)؛ أي: رقدنا، (إلى الصخرة) عندها، (فإني نسيت الحوت)؛ أي: فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت و (الفاء) : تفسيرية زاد في رواية: (وما أنسانيه)؛ أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وإنما نسبه للشيطان هضمًا لنفسه.
(قال موسى ذلك) : مبتدأ؛ أي: فقدان الحوت، (ما) : موصولة (كنا نبغي) : خبر المبتدأ والعائد محذوف؛ أي: نبغيه؛ أي: نطلب؛ لأنَّه علاه وجدان المقصود ويجوز حذف الياء من (نبغي) للتخفيف وبها قرئ، (فارتدَّا) : رجعا (على آثارهما) : في الطريق الذي جاءا فيه يقصَّان، (قصصًا) فهو منصوب على المصدرية؛ أي: يتبعان آثارهما اتباعًا، (فلما أتيا إلى الصخرة)، وفي نسخة: (انتهيا) زاد مسلم: (فأراه مكان الحوت، فقال: ههنا وصف لي) وإلى هنا انتهى كلام يوشع؛ فافهم.
(إذا) : للمفاجأة، (رجل) : مبتدأ تخصص بالصفة وهي قوله: (مسجًّى)؛ أي: مغطًّى، (بثوب) والخبر محذوف؛ أي: نائم، (أو قال: تسجى بثوبه) شكٌّ من الراوي، ويروى أنهما اتبعا أثر الحوت وقد يبس الماء في ممرِّه فصار طريقًا فأتيا جزيرة فوجدا (١) الخضر قائمًا يصلي على طنفسة خضراء على كبد البحر؛ أي: وسطه.
(فسلم موسى) ﵇، (فقال الخضر: وأنَّى)؛ بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة؛ أي: كيف، (بأرضك السلام)؛ أي: السلام بهذه الأرض عجيب، ويؤيده ما في التفسير: هل بأرض من سلام، وكأنها كانت داركفر وكانت تحيتهم بغير السلام، وقد تكون (أنى)؛ بمعنى: أين، فهي ظرف مكان و (بأرضك) محله النصب على الحال من السلام.
(فقال)، وفي رواية: (قال) : (أنا موسى فقال) له الخضر: أنت (موسى بني إسرائيل) : فهو خبر لمبتدأ محذوف، (قال: نعم) أنا موسى بني إسرائيل، فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علَّمهم الله تعالى؛ لأنَّ الخضر لو كان يعلم كل غيب؛ لعرف موسى قبل أن يسأله.
(قال: هل) : للاستفهام، (أتبِعُك على أن) : مصدرية؛ أي: على اتباعي إياك، (تعلمني مما علمت)؛ أي: من الذي علمك الله علمًا، (رشدًا) فهو منصوب صفة لمصدر
стр. 79
محذوف.
روي أنه قال له الخضر: كفى بالتوراة علمًا وببني إسرائل شغلًا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا، و (من) في (مما علمت) للتبعيض، فطلب تعليم بعض ما علِّم، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا لك في العلم؛ بل أطلب منك أن تفيدني بعض ما علِّمت.
قال البيضاوي: ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه، انتهى.
وقال الإمام الزمخشري: لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله، وإنما يغضُّ منه أن يأخذ ممن دونه، قال الكرماني: هذا الجواب لا يتم على تقدير ولا يته.
أجاب في «عمدة القاري» : بأن الزمخشري قائل بنبوته كما ذهب إليه الجمهور؛ بل هو رسول وينبغي اعتقاد ذلك؛ لئلَّا يتوسل به أهل الزيغ والضلال والفساد من المبتدعة الملاحدة في دعواهم أن الولي أفضل من النبي نعوذ بالله من ذلك.
وقال ابن حجر: هذا الجواب فيه نظر؛ لأنَّه يستلزم نفي ما أوجب.
وأجابه في «عمدة القاري» : بأن هذه الملازمة ممنوعة فلو بين وجهها؛ لأجيب عن ذلك، والله تعالى أعلم؛ فافهم.
(قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا)؛ لأنك ترى أمورًا منكرة بحسب الظاهر ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، (يا موسى؛ إنِّي على علم من علم الله علمنيه) (من) للتبعيض، والجملة من الفعل، والفاعل، والمفعولين أحدهما: ياء المفعول والثاني: الضمير الذي يرجع إلى العلم، محلها الجر صفة لـ (علم)، (لا تعلمه أنت) : صفة أخرى، فالأولى من الصفات الإيجابية والثانية من الصفات السلبية.
(وأنت على علم) : مبتدأ وخبر عطف على قوله: (إني على علم)، (علمك الله) : جملة من الفعل، والفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: علَّمك الله إياه، والجملة صفة لعلم، وفي رواية: (علمكه الله) بهاء الضمير الراجع إلى العلم، (لا أعلمه) : صفة أخرى، وهذا لا بدَّ من تأويله؛ لأنَّ الخضر كان يعرف من علم الشرع ما لا غنى للمكلف عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدَّ منه، كما لا يخفى، قاله القسطلاني.
(قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا)؛ بالنصب مفعول ثاني لـ (ستجدني)، وقوله: (إن شاء الله) معترض بين المفعولين؛ أي: غير منكر.
وفيه: دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى خلافًا للمعتزلة.
(ولا أعصي لك أمرًا) : في محل نصب عطفًا على (صابرًا)؛ أي: ستجدني صابرًا وغير عاصٍ، وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن أو لعلمه بصعوبة الأمر؛ فإنَّ مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد بلا خلف، أفاده البيضاوي وغيره.
(فانطلقا) على السَّاحل حال كونهما، (يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة)؛ أي: مركب، وأول من أحدثه نوح ﵇ قبل الطوفان، فكان كل يوم يشتغل بها فيأتي قومه بالليل فيخرِّبوها، فيأتي نهارًا يجدِّدها إلى أن خلق الله له الكلاب تحرسها إلى أن تمَّت وركب فيها.
(فمرت بهما سفينة) : (فعيلة)؛ بمعنى: (فاعلة) كأنها تسفن الماء؛ أي: تقشره وتشقه، (فكلموهم)؛ أي: كلَّم موسى والخضر أصحاب السفينة، والجمع إمَّا للتعظيم أو لما فوق الواحد، وما قيل: إنهم ثلاثة موسى، والخضر، ويوشع؛ يردُّه تثنية الضمير في (فانطلقا يمشيان ليس لهما، فمرت بهما) فإنه راجع إلى موسى والخضر؛ فليحفظ.
(أن)؛ أي: لأن، (يحملوهما)؛ أي: لأجل حملهم إياهما معهم فيها، (فعُرف)؛ بضم العين، (الخضر)؛ أي: عرف أهل السفينة الخضر كأنه معلوم عندهم يرونه في بعض الأوقات، لما روي عن النبي الأعظم ﵇ أنه قال: «كان الخضر ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر، فطلبه أبوه فلم يقدر عليه»، كذا في «حواشي شيخ زاده».
(فحملوهما)؛ أي: موسى والخضر، (بغير نَول)؛ بفتح النون؛ أي: بغير أجرة، والنول بالواو: الجعل، وأما يوشع؛ فإنه لم يركب معهما، فتركاه قبيل الصخرة؛ لأنَّه لم يقع له ذكر بعد ذلك، وما قيل: إنه روي: (فحملوهم)؛ بالجمع وهو يقتضي أنه ركب معهم: ممنوع بإعادة ضمير التثنية فيما سبق عليهما، أو للتعظيم، أو لما فوق الواحد؛ فافهم.
(فجاء عُصفور)؛ بضم العين طير مشهور سمي به؛ لأنَّه عصى وفر، وقيل: إنه الصرد، (فوقع على حرف) طرف، (السفينة فنقر نقرةً)؛ بالنصب على المصدرية، (أو نقرتين) عطف عليه، (في البحر)؛ أي: شرب منه، وهو يدل على أن البحر عذب؛ لأنَّ الملح لا يشربه الحيوان بأنواعه.
(فقال الخضر) حين رأى نقرة العصفور، وقد رآها موسى أيضًا، (يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله)؛ أي: معلوماته، (إلا كنقرة هذا العصفور في البحر)، وعند المؤلف: (ما علمي وعلمك في جنب الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر)؛ أي: في جنب معلوم الله، فيطلق العلم ويراد به المعلوم، من إطلاق المصدر وإرادة الفعل، وقيل: إن (إلا)؛ بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص علمي وعلمك ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر؛ لأنَّ علم الله لا ينقص بحال، وقيل: (نقص)؛ بمعنى: أخذ؛ لأنَّ النقص أخذ خاص، والمقصود منه التشبيه في القلة والحقارة لا المماثلة في كل الوجوه، كما بسطه في «عمدة القاري».
(فعمَد)؛ بفتح الميم، كضرب، (الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه)، وعند المؤلف: (فوتد فيها وتدًا)، وجاء أيضًا: (فعمد إلى قدوم فخرق به)، وقيل: (أخذ فأسًا فخرق لوحًا حتى دخلها الماء فحشاها موسى بثوبه)، والذي ذكره المفسرون أنه قلع لوحين مما يلي الماء ولعلَّه كان شقين.
(فقال) له (موسى) ﵇: هؤلاء (قومٌ) : مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ما علمت، أو هم قوم، (حملونا) : جملة صفة لـ (قوم)، (بغير نَول)؛ بفتح النون: الجعل، والمراد به الأجرة، (عمَدت)؛ بفتح الميم، (إلى سفينتهم فخرقتها لتُغرِق)؛ بضم الفوقية وكسر الراء، على الخطاب مضارع أغرق؛ أي: لأنَّ تغرق (أهلهَا)؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (لتَغرَق)؛ بفتح الفوقية وفتح الراء، على الغيبة مضارع غرق، و (أهلُها)؛ بالرفع على الفاعلية.
(قال) له الخضر: (ألم أقل: إنك لن تستطيع معي صبرًا)؛ فذكره بما قال له من قبل، (قال) موسى (لا تؤاخذني بما نسيت)؛ أي: بالذي نسيته، أو بشيء نسيته؛ يعني: وصيته بأن لا يعترض عليه، أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها، وقيل: أراد بالنسيان: الترك؛ أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة.
فإن قلت: قول الخضر: (إنك لن تستطيع معي صبرًا)، وقول موسى: (ستجدني إن شاء الله صابرًا) يستلزم صدور الكذب من أحدهما، فإن كل واحد من القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وصدوره من أحدهما ينافي عصمة الأنبياء.
قلت: وأجيب: بأنه لم يحصل صدور الكذب من واحد منهما، أما من الخضر؛ فلتحقق عدم الصبر من موسى باستخباره عما رأى من الخضر وأنكره نظرًا لظاهره، وأما من موسى؛ فإنه قد استثنى في جوابه (وقال: ستجدني إن شاء الله صابرًا) فإن التعليق بالمشيئة يدفع الحنث وينافي الكذب، كمن قال لآخر: آتيك غدًا إن شاء الله تعالى، ولم يأته في الغد لا يكون كذبًا.
وقال ابن عباس: لما خرق الخضر السفينة؛ تنحى موسى بناحية ثم قال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت أتلو في بني إسرائيل كتاب الله غدوة وعشية وآمرهم فيطيعون، فقال له الخضر: يا موسى تريد أن أخبرك بما حدَّثت به نفسك، قال: نعم، قال: قلت: كذا وكذا، قال: صدقت، زاد في رواية أبي ذر: (ولا ترهقني من أمري عسرًا)؛ أي: ولا تغشني عسرًا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر علي متابعتك، (فكانت) المسألة، (الأولى من موسى) ﵇، (نسيانًا)؛ بالنصب خبر كان.
وقال ابن عباس: إنَّما سمي الإنسان إنسانًا؛ لأنَّه عهد إليه فنسي، وفي رواية: (نسيانُ)؛ بالرفع على أن (كانت) : تامة، و (الأولى) : مبتدأ، و (نسيان) : خبره، أو يكون (كانت) : زائدة والتقدير: فالأولى من موسى نسيان، (فانطلقا)؛ أي: موسى والخضر بعد خروجهما من السفينة.
(فإذا) : للمفاجئة، (غلام)؛ بالرفع
стр. 80
مبتدأ، وقد تخصَّص بالصفة وهي قوله، (يلعب مع الغلمان) والخبر محذوف تقديره: فإذا غلام يلعب مع الغلمان بالحضرة أو نحوها، وكانوا عشرة وهو أظرفهم وأوضأهم، قال ابن عباس: كان الغلام لم يبلغ الحنث، وقال الضحاك: كان غلامًا يعمل بالفساد ويتأذَّى منه أبواه، وقال الكلبي: كان الغلام يسرق المتاع بالليل فإذا أصبح؛ لجأ إلى أبويه فيحلفان دونه شفقة عليه، ويقولان: لقد بات عندنا، واختلف في اسمه: فقال الضحاك: جيسون، وقال شعبة: جيسور، وقال وهب: كان اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رحمى.
(فأخذ الخضر برأسه من أعلاه)؛ أي: مسك الخضر رأس الغلام فجرِّه، (فاقتلع رأسه بيده) وعند المؤلف في (بدء الخلق) : (فأخذ الخضر برأسه، فقطعه بيده هكذا) أومأ سفيان بأطراف أصابعه (كأنه يقطف شيئًا)، وفي «التفسير» : ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا مع الغلمان؛ فاقتلع رأسه فقتله، وجاء فوجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين.
وقال الكلبي: صرعه ثم نزع رأسه من جسده فقتله، وقيل: رفعه برجله فقتله، وقيل: ضرب رأسه بالجدار حتى قتله، وقيل: أدخل أصبعه في سرته فاقتلعها فمات، والفاء في (فاقتلع) للدلالة على أنه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروٍّ واستكشاف حال.
(فقال موسى) للخضر ﵉، (أقتلت نفسًا زكيَّة)؛ بتشديد التحتية؛ أي: طاهرة من الذنوب، وهي أبلغ من زاكيَة بالتخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزاكية التي لم تذنب قطٌّ، والزكية التي أذنبت ثم غفرت، ولهذا اختار قراءة التخفيف، فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، والهمزة في (أقتلت) ليست للاستفهام الحقيقي، فهي كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦].
وكانت قصة الغلام في أُبُلَّة؛ بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة بعدها هاء، مدينة بالقرب من البصرة وعبادان، وقيل: بأَيْلا؛ بفتح الهمزة وسكون التحتية واللام الممدودة، مدينة على ساحل بحر القلزم على طريق الحاج المصري، وزعم قوم: أن الغلام كان بالغًا يعمل الفساد واحتجوا بقوله: (بغير نفس) الباء للمقابلة، والقصاص إنَّما يكون في حق البالغ ولم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتقاد به، نبه على أن القتل إنَّما يباح حدًّا أو قصاصًا وكلا الأمرين منتفٍ.
وأجاب الجمهور: بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم، ولعله كان يجب على الصبي كما يجب في شرعنا عليه غرامة المتلفات، أو المراد به: التنبيه على أنه قتل بغير حق.
(قال) الخضر لموسى ﵉ (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا)؛ بزيادة (لك) في هذه المرة زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية.
(قال) سفيان (بن عُيينة)؛ بضم العين، (وهذا)؛ أي: زيادة (لك)، (أوكد)، واستدل عليه بزيادة (لك) في هذه المرة، كذا في «الكشاف»، ولما سمع الخضر مقالة موسى؛ اقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه، فإذا في عظم كتفه؛ مكتوب: كافر لا يؤمن بالله أبدًا، وفي «مسلم» : (وأما الغلام؛ فطبع يوم طبع كافرًا، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك؛ أرهقهما طغيانًا وكفرًا)، قال المؤلف: (وكان ابن عباس يقرأ: وكان أبواه مؤمنين وهو كان كافرًا)، وعنه: (أنه قرأ: وأما الغلام؛ فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين)، كذا في «عمدة القاري».
(فانطلقا) : موسى والخضر (حتى أتيا)، وفي رواية: (حتى إذا أتيا) موافقة للقرآن، (أهل قرية) : هي أنطاكية، كما قاله ابن عباس، وقيل: قرية من قرى الروم يقال لها: ناصرة وإليها تنسب النصارى، وقيل: إنها باجروان مدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها عين الحياة، قال أبي بن كعب: وكان أهلها لئام وافياها بعد غروب الشمس.
(استطعما أهلها)؛ أي: سألاهم الطعام، فإن آخر كسب الجائع الإقدام على المسألة والاستطعام، وهو أمر مباح في كل الشرائع، وربما يجب ذلك عند خوف التلف والضرر الشديد، (فأبوا أن يضيِّفوهما)؛ أي: من أن يضيفوهما، فـ (أن) مصدرية؛ أي: من تضييفهما، و (أبوا)؛ بالموحدة من الإباء وهو الامتناع؛ أي: امتنعوا من استطعامهما، وروي أن أهل القرية لما سمعوا نزول هذه الآية؛ استحيوا وجاؤوا إلى النبي الأعظم ﵇ بحمل من الذهب، وقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء الموحدة تاء مثناة فوقية حتى تصير القراءة هكذا فأتوا أن يضيفوهما؛ أي: إتيان أهل القرية إليهما لأجل الضيافة، وقالوا غرضنا منه أن يدفع عنا هذا اللؤم، فامتنع النبي الأعظم ﵇، وقال: إن تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله وهو يوجب القدح في الآلهية فعلمنا به أن تغيير النقطة الواحدة يوجب بطلان (١) الربوبية، كذا في «حواشي شيخ زاده»، ولم يجدوا تلك الليلة في تلك القرية قرى ولا مأوى وكانت ليلة باردة.
(فوجدا فيها)؛ أي: في القرية، (جِدارًا)؛ بكسر الجيم، وكانا قد التجأا (٢) إليه في تلك الليلة وهو على شاطئ الطريق، قيل: كان سمكه مئتي ذراع بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمس مئة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا.
(يريد أن) : مصدرية، (ينقض)؛ أي: يريد الانقضاض؛ أي: الإسراع بالسقوط، وإسناد الإرادة إلى الجدار مجاز؛ لأنَّه لا إرادة له حقيقة، والمراد هنا المشارفة على السقوط، وقال الكسائي: إرادة الجدار هنا ميله، وعند المؤلف: (مائل وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف)، (قال الخضر بيده)؛ أي: أشار بها، وفي رواية: (فمسحه بيده)، (فأقامه) كالطين يمسحه القلال فاستوى، وعن ابن عباس: أنه هدمه ثم بناه، وقيل: أقامه بعود عمده به، وفيه إطلاق القول على الفعل، وفي رواية: (يريد أن ينقضَّ فأقامه).
(قال موسى)، وفي رواية: (فقال له موسى)؛ أي: للخضر (لو شئت لاتَّخَذت)؛ بهمزة وصل، وتشديد الفوقية، وفتح الخاء، على وزن: (افتعلت) من تخذ؛ كاتبع وليس من الأخذ عند البصريين، وفي رواية: (لتخذت)؛ أي: لاتخذت، (عليه أجرًا) : فيكون لنا قوتًا وبلغة على سفرنا إذ استضفناهم؛ فلم يضيفونا، فكأنه لما رأى الحرمان، ومساس الحاجة، واشتغاله بما لا يعنيه؛ لم يتمالك نفسه، (قال) الخضر لموسى: (هذا فراق بيني وبينك) : بإضافة الـ (فراق) إلى الـ (بين) إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع، والإشارة في قوله: (هذا) إلى الفراق الموعود بقوله: (فلا تصاحبني)، أو تكون الإشارة إلى السؤال الثالث؛ أي: هذا الاعتراض سبب للفراق أو إلى الوقت؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق، أفاده في «عمدة القاري».
(قال النبي) الأعظم ﷺ : يرحم الله موسى) إخبار، ولكن المراد منه الإنشاء لأنَّه دعاء له بالرحمة، (لودِدْنا)؛ بكسر الدال الأولى وسكون الثانية، واللام فيه جواب قسم محذوف وكلمة (لو) هنا؛ بمعنى: أن الناصبة للفعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، والتقدير: والله، (لو صبر)؛ أي: صبر موسى؛ أي: لأنَّه لو صبر؛ لأبصر أعجب الأعاجيب، (حتى يقصُّ) على صيغة المجهول، (علينا من أمرهما) : مفعول ما لم يسمى فاعله.
وهذه القصة كانت حين كان موسى في التيه، فلما فارقه الخضر؛ رفع إلى قومه وهم في التيه وقيل: كانت قبل خروجه من مصر، وما فعله الخضر كله كان بوحي يدل عليه قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]؛ لأنَّ هذه الأفعال لا يجوز لأحد أن يفعلها إلا بالوحي.
وفي الحديث: إثبات كرامات الأولياء، وصحة الولاية، وجواز الإجارة، وركوب البحر والتزود للسفر، وهو لا ينافي التوكل خلافًا لمن نفاه، والحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه.
وفيه: إذا تعارضت مفسدتان؛ يجوز دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما.
وفي شهر ذي القعدة سنة ست وسبعين ومئتين وألف، وقع القتال بين الطائفة الدروز وبين النصارى التي في قرية زحلة، وقرى البقاع، وجبل بيروت فانتصرت الدروز عليهم وصار الواحد منهم يقاوم المئة من النصارى، وخشي الوالي الذي (٣) بدمشق أحمد
стр. 81
رفعت باشا على دمشق فحصن القلعة، ووقع بينه وبين أهل الديوان مشاورات، ولو بسطنا الكلام؛ لمُلِئ كراريس، ونعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكان ذلك بسبب طلوع النجم عند قمر ذي (١) القعدة فحصل بينهما قران، وخرج كوكب الذنب من قبل القبلة والأول بين المغرب والشمال، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(٤٥) [باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا]
هذا (باب من)؛ أي: الذي (سأل وهو قائم عالمًا) بالنصب مفعول (سأل)، (جالسًا) : صفته، والواو للحال؛ يعني: أن سؤال القائم العالمَ الجالسَ ليس من باب من يتمثل له الناس قيامًا، بل هو جائز إذا سلمت النفس فيه من الإعجاب.
[حديث: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله]
١٢٣ - وبه قال: (حدثنا عثمان) : هو ابن أبي شيبة (قال: أخبرني) بالإفراد، وفي رواية: (حدثنا) (جَرير)؛ بفتح الجيم، هو ابن عبد الحميد، (عن منصور) : هو ابن المعتمر، (عن أبي وائل)؛ بالهمز، شقيق بن سلمة، (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁، (قال: جاء رجل) لم يسمَّ (إلى النبي) الأعظم ﷺ إنَّما عدَّاه بكلمة الانتهاء مع أن (جاء) متعدٍّ بنفسه؛ إشعارًا بأن المقصود: بيان انتهاء المجيء إليه، (فقال) عطف على فـ (جاء) : (يا رسول الله؛ ما القتال) : مبتدأ وخبره وقع مقول القول (في سبيل الله؟)؛ أي: طريقه المرضي، (فإن أحدنا) الفاء للتفصيل (يقاتل غضبًا)؛ بالنصب على أنه مفعول له، والغضب حالة تحصل عند غليان الدم في القلب؛ لإرادة الانتقام، (ويقاتل حَميَّةً)؛ بفتح الحاء وتشديد التحتية، بالنصب على أنه مفعول له، وهي المحافظة على الحرم، أو هي الأنفة والغيرة والمحاماة عن العشيرة، والأول إشارة إلى مقتضى القوة الغضبية، والثاني: إلى مقتضى القوة الشهوانية، أو الأول: لأجل دفع المضرة، والثاني: لأجل جلب المنفعة.
(فرفع) النبي الأعظم ﵇ (إليه)؛ أي: إلى السائل (رأسه) الشريف (قال)؛ أي: أبو موسى أو من دونه: (وما رفع إليه رأسه إلا أنه) أي: السائل (كان قائمًا) وهو استثناء مفرغ، و (أن) مع اسمها وخبرها في تقدير المصدر؛ أي: ما رفع لأمر من الأمور إلَّا لقيام الرجل، (فقال) ﵇: (من قاتل لتكون)؛ أي: لأن تكون، واللام: لام كي (كلمة الله)؛ أي: دعوته إلى الإسلام، وقيل: هي قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله (هي العليا) : إما ضمير فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله تعالى في العلو، وأنها المختصة به دون سائر الكلام؛ (فهو) مبتدأ (في سبيل الله) خبره ، والجملة خبر لقوله: (مَن)، وإنما دخلت الفاء لتضمن (من) معنى الشرط، ويدخل فيه من قاتل لطلب الثواب في الآخرة، أو لطلب رضا الله تعالى، كما في «عمدة القاري».
قال: فإن قلت: السؤال عن ماهية القتال، والجواب ليس عنها، بل عن المقاتلة.
قلت: فيه الجواب وزيادة، أو أن القتال بمعنى: اسم الفاعل؛ أي: المقاتلة؛ بقرينة لفظ (فإن أحدنا)، فيكون عبر (بما) عن العاقل، والجواب جمع معنى السؤال لا بلفظه؛ لأنَّ الغضب والحمية قد يكونان لله أو لغرض الدنيا، فأجابه بالمعنى مختصرًا.
وفي الحديث: أنه لا بأس أن يكون المستفتي واقفًا وكذا طالب الحاجة.
وفيه: أن الأعمال إنَّما تحسب بالنية الصالحة، وأن الإخلاص شرط في العبادة، فمن كان الباعث له الدنياوي؛ فلا شك في بطلان عمله، ومن كان الباعث الديني أقوى من الدنياوي فقيل: بإبطال العمل، والجمهور: أن العمل صحيح، لا سيما في الفرائض؛ فإنَّ أئمتنا قالوا: لا رياء في الفرائض؛ أي: لا يدخلها الباعث الدنياوي، وقالوا: إذا ابتدأ العمل لله ثم عرضه الإعجاب؛ فإنَّه لا يضره ويكون مثابًا عليه ثوابًا كاملًا، والله تعالى أعلم.
(٤٦) [باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار]
هذا (باب السؤال) (٢) من المستفتي (والفُتيا)؛ بضم الفاء من المفتي والفتوى؛ بفتح الفاء: الجواب عن حكم الحادثة (عند رمي الجِمار)؛ بكسر الجيم جمع: جمرة، وهي الحصاة، والمراد: جمرات المناسك.
[حديث: رأيت النبي عند الجمرة وهو يُسأل]
١٢٤ - وبه قال: (حدثنا أبو نُعَيْم)؛ بضم النون وفتح العين: الفضل بن دكين (قال: حدثنا عبد العزيز) بن عبد الله (ابن أبي سلمة) الماجَِشُون؛ بفتح الجيم وكسرها، وضم الشين المعجمة، آخره النون، المدني التيمي، وإنما نسبه لجده؛ لشهرته به، وإنما سمي به؛ لأنَّ وجنتيه كانتا حمراوين، فسمي بالفارسية: المايكون، ثم عربه أهل المدينة بالماجشون، وقيل: إن سُكَينة-بضم المهملة- بنت الحسين بن علي ﵄ لقبته بذلك، المتوفى ببغداد سنة أربع وستين ومئة، وصلى عليه المهدي، ودفن في مقابر قريش، (عن الزهري) محمد بن مسلم، (عن عيسى بن طلحة) بن عبيد الله القرشي التيمي، (عن عبد الله بن عمرو)؛ أي: ابن العاصي ﵁، (قال: رأيت النبي) الأعظم ﷺ عند الجمرة)؛ أي: جمرة العقبة؛ لأنها إذا أطلقت كانت هي المرادة، فـ (أل) للعهد أو (أل) للجنس فيشمل كل جمرة كانت من الجمرات الثلاث، (وهو) في حجة الوداع واقف (يُسأل)؛ بضم أوله على صيغة المجهول والواو للحال، (فقال رجل) لم يسمَّ: (يا رسول الله؛ نحرت) هديي (٣) (قبل أن أرمي) الجمرة، و (أن) مصدرية؛ أي: قبل الرمي، (قال) ﵇، وفي رواية: (فقال) : (ارم ولا حرج) عليك.
(قال) رجل (آخر) لم يسمَّ، وفي رواية: (وقال)، وفي أخرى: (فقال)، وكلاهما للعطف على ما تقدم: (يا رسول الله؛ حلقت) رأسي (قبل أن أنحر) الهدي، (قال) ﵇: (انحر) هديك (ولا حرجَ) عليك، فـ (لا) لنفي الجنس، و (حرج) : اسمها مبني على الفتح، وخبرها محذوف تقديره: عليك.
(فما سُئل) ﵇، بصيغة المجهول (عن شيء) من أعمال الحج (قُدم ولا أُخر)؛ بضم أولهما على صيغة المجهول، وفي الأول حذف؛ أي: ولا قدم ولا أخر (إلا قال) للسائل: (افعل) ذلك (ولا حرج) عليك، ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنَّكم فعلتموه على الجهل منكم لا على قصد منكم خلاف السنة، وكانت السنة خلاف ذلك؛ فإنَّ الترتيب بين أفعال المناسك واجب عندنا يتعلق الدم بتركه، كما قدمناه في باب (الفتيا وهو واقف على ظهر الدابة).
واعترض بأنه ليس في الحديث معنى ما ترجم له؛ لأنَّ قوله: عند الجمرة ليس فيه إلا السؤال وهو بموضع الجمرة وليس فيه أنه في خلال الرمي، وأجاب في «عمدة القاري» : بأن قوله: (عند رمي الجمار) أعم من أن يكون مقارنًا لشروعه في رمي الجمار، أو في خلال الرمي، أو عقيب الفراغ منه، انتهى؛ فليحفظ.
стр. 82
(٤٧) [باب قول الله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾]
هذا (باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]) وأراد بهذه الآية التنبيه على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيًا ولا غيره.
[حديث: بينا أنا أمشي مع النبي في خرب المدينة]
١٢٥ - وبه قال: (حدثنا قيس بن حفص) بن القعقاع؛ بعين مهملة بين القافين، الدارمي أبو محمد البصري، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئتين، (قال: حدثنا عبد الواحد) : هو ابن زياد أبو بشر البصري، (قال: حدثنا الأعمش سليمان)، وفي رواية زاد: (ابن مهران) (عن إبراهيم) : هو ابن يزيد النخعي، (عن علقمة) : هو ابن قيس النخعي، (عن عبد الله) : هو ابن مسعود ﵁.
(قال بينا) أصلها: بين؛ فأشبعت الفتحة بالألف، والعامل فيها: جوابها وهو قوله: (فمرَّ...) إلخ: لا يقال: الفاء الجزائية تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها، فلا يعمل مرَّ في (بينا)؛ لأنا نقول: بين الفاء وإذا أخوة؛ حيث استعملت الفاء هنا موضع إذا، والغالب أنَّ جواب (بينا) يكون بإذا أو إذا، وإن كان الأصمعي يستفصح تركهما، وتمامه في «عمدة القاري».
(أنا أمشي مع النبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: مصاحبًا له (في خِرَب المدينة) المنورة؛ بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء، آخره موحدة، جمع: خربة، أو بفتح الخاء، وكسر الراء؛ جمع: خرب؛ مثل: كلمة وكلم يستوي فيه المفرد والجمع، وتحقيقه في «عمدة القاري»، وما زعمه ابن حجر مخالف لأهل اللغة، وعند المؤلف في غير هذا الموضع: (حَرْث بالمدينة)؛ بالحاء المهملة المفتوحة، وسكون الراء، والثاء المثلثة، وكذا رواه مسلم في جميع طرقه.
(وهو) ﵇ (يتوكأ)؛ أي: يعتمد، والجملة إسمية وقعت حالًا (على عَسِيْب)؛ بفتح العين، وكسر السين المهملتين، وسكون التحتية، وهو العصا من جريد النخل (معه) : صفة لـ (عسيب)، (فمر بنفَر)؛ بفتح الفاء: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة (من اليهود)؛ باللام وبدونها معرفة، والمراد به: اليهوديون فحذفوا النسبة؛ للفرق بين المفرد والجمع، وسمُّوا بذلك؛ لتهوُّدهم؛ أي: تمايلهم في قراءة التوراة، وهذا بيان لـ (النفر).
(فقال بعضهم لبعض سلوه)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (عن الروح)، وعن فئة فقدوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها، (وقال) وفي رواية: (فقال) (بعضهم: لا تسألوه لا يجيء)؛ بالرفع على الاستئناف، والجزم على جواب النهي، والنصب على معنى: أن (بشيء تكرهونه)، فإنهم قالوا: إن فسَّر ذلك كله؛ فليس بنبي، وإن لم يفسر ذلك؛ فليس بنبي، وإن فسَّر البعض وأمسك عن البعض؛ فهو نبي، وذلك يكرهونه؛ لأنَّه مذكور عندهم في التوراة، وهو دليل على نبوته.
(فقال بعضهم) لبعض والله: (لنسألنه) عن ذلك، فهو جواب قسم محذوف، (فقام رجل منهم) لم يسم، (فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟) وما الفئة التي فقدوا أول الزمان، وما الرجل الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها، وسؤالهم عن الروح مشكل؛ لأنَّ الروح جاء في القرآن على معان منها: القرآن، وجبريل، أو الملائكة، أو عيسى، أو ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله إلى يوم القيامة، وكان ابن عباس يكتم أمر الروح، والتحقيق أنَّ سؤالهم كان عن روح بني آدم وغيره من الحيوان؛ لأنَّه مذكور عندهم في التوراة أنَّه لا يعلمه إلا الله.
(فسكت) ﵇ لمَّا سألوه، قال ابن عباس (فقلت) في نفسي: (إنه يوحى إليه) في ذلك؛ أي: أوحي إليه، وعبَّر بالمضارع عن الحال، (فقمت) عنه حتَّى لا أكون مشوِّشًا عليه، أو فقمت حائلًا بينه وبينهم، (فلما انجلى)؛ أي: انكشف وذهب (عنه) ﵇ الغمُّ الذي كان يغشاه حال الوحي على عادته ﵇.
(فقال) وفي رواية: (قال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ (١) أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ﴾ ... [الكهف: ٩]) إلى آخر القصة، و (قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ﴾ ... [الكهف: ٨٣]) إلى آخر القصة، وقال: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾)؛ بإثبات الواو كالتنزيل، وفي رواية: بدونها (﴿عَنِ الرُّوحِ قُلِ﴾) يا محمد لهم (﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾)؛ أي: من الأمور التي اختصَّ الله بعلمها.
والأكثر على أنَّ النبي الأعظم ﵇ لم يكن عالمًا به، لكن قال جماعة: ليس في الآية دليل على أن الروح لا تعلم، ولا على أن النبي الأعظم ﵇ لم يكن يعلمها، فاختلفوا فيها فقيل: إنَّها جسم لطيف خلقه الله تعالى وأجرى العادة بأنَّ الحياة لا تكون مع فقده، فإذا شاء موته؛ أعدم هذا الجسم منه عند إعدام الحياة، وهذا الجسم وإن كان حيًّا فلا يحيى إلا بحياة تختصُّ به، وهو ممَّا يصحَّ عليه البلوغ إلى جسم ما من الجسم، وبكونه في مكان في العالم أو في حواصل طيور (٢) خضر.
وقيل: إنَّه صورة لطيفة على صورة الجسم لها عينان، وأذنان، ويدان، ورجلان في داخل الجسم يقابل كلُّ جزء منه وعضو نظيره من البدن، وهو خيال، وقيل: إنَّها جوهر محدث قائم بنفسه غير متحيِّز وإنَّه ليس بداخل الجسم ولا خارج عنه، وليس متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، واعترض عليه بوجوه.
والذي اعتمده أهل السنة من المتكلَّمين: أنَّها جسم لطيف في البدن سار فيه سريان ماء الورد فيه، وقد ذكر بعضهم في الروح سبعين قولًا، واختلف هل الروح والنفس واحد أم لا؟ والأصح أنَّهما متغايران؛ لأنَّ النفس الإنسانية هي الأمر الذي يشير إليه كل واحد منا بقوله: أنا، وأكثر الفلاسفة لم يفرَّقوا بينهما، وقال بعض الحكماء والغزالي: النفس المجردة؛ أي: غير جسم ولا جسماني.
(«وما أوتوا»)؛ بصيغة الغائب في أكثر نسخ «الصحيحين»، وفي رواية: (﴿وَمَا أُوتِيتُم﴾)؛ بالخطاب؛ موافقةً للمرسوم (﴿مِّنَ العِلْمِ﴾)، وهو خطاب عامٌّ؛ لأنَّه ﵇ لمَّا قال لهم ذلك؛ قالوا: (نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؛ فقال: «بل نحن وأنتم»)، وقيل: خطاب لليهود خاصة؛ لأنَّهم قالوا للنبي الأعظم ﵇: (قد أوتينا التوراة فيها، وقد تلوت ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩])، فقيل لهم: إن َّعلم التوراة قليل في جنب علم الله تعالى، ولذا قال (﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]) : استثناء من (العلم)؛ أي: إلا علمًا قليلًا، أو من الإيتاء؛ أي: إلا إيتاءً قليلًا، أو من الضمير؛ أي: إلا قليلًا منكم.
(قال الأعمش)؛ أي: سليمان بن مهران: (هكذا في)، وفي رواية: (كذا في)، وفي أخرى: (هكذا هي في) (قراءتنا)؛ يعني: (أوتوا)؛ بصيغة الغائب، قال في «عمدة القاري» : وليست هذه القراءة في السبعة، ولا في المشهور في غيرها، وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءة من قراءة الأعمش، وذكر مسلم الاختلاف في هذه اللفظة عن الأعمش، وهي مخالفة للثابت في المصحف؛ فهي قراءة شاذة.
واختلف الأصوليِّون فيما نقل آحادًا، ومنه: القراءة الشاذة؛ كمصحف ابن مسعود وغيره هل هو حجَّة أم لا؟
فأثبته إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، ونفاه الشافعي، وبنى عليه الإمام الأعظم وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين؛ بما نقل عن مصحف ابن مسعود من قوله: (ثلاثة أيام متتابعات)، فإذا لم يثبت كونه قرآنًا؛ فلا أقلَّ من كونه خبرًا، وقال الشافعي: إنَّ الراوي له إن ذكر أنه قرآن؛ فخطأ، وإلَّا فهو متردِّد بين أن يكون خبرًا أو مذهبًا له،
стр. 83
فلا يكون حجَّة بالاحتمال ولا خبرًا.
وقال الغزالي والرازي: خبر الواحد دليل على أنَّه كذب، وهو خطأ قطعًا، وهو لا يجوز العمل به، وردَّ بأن هذا خبر صحابي أو خبر عنه، وقول الصحابي حجة عنده، وأيُّ دليل قام على أنَّه خبر مقطوع بكذبه؛ فهو ممنوع؛ فليحفظ.
وقال عياض: (القراءة الشاذة لا يحتجُّ بها في حكم، ولا يقرأ بها في صلاة)، وكأنَّه مذهب مالك.
أقول: والقرآن الذي تجوز فيه الصلاة اتفاقًا: هو المضبوط في مصاحف (١) الأئمة التي بعث بها عثمان ﵁ إلى الأمصار، وهو الذي أجمع عليها الأئمة العشرة، وهو المتواتر جملة وتفصيلًا؛ فما فوق السبعة إلى العشرة غير شاذٍّ، وإنَّما الشاذُّ ما وراء العشرة، وهو الصحيح، كذا قاله زين الدين قاسم في فتاويه، فإن قرأ في الصلاة بالشاذِّ؛ فإن كان المقروء من مكان القصص، والأمر، والنهي؛ تفسد صلاته، وإن كان ذكرًا أو تنزيهًا؛ فلا تفسد ولا يجزئ لو اقتصر عليه، فإن قرأ بغيره؛ صحَّت وإلا فسدت، كذا حقَّقه في «البحر والنهر»، وسيأتي في محله إن شاء سبحانه.
(٤٨) [باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس]
هذا (باب من) : موصولة بمعنى الذي (ترك بعض الاختيار)؛ أي: فعل الشيء المختار أو الإعلام به (مخافة)؛ بالنصب على التعليل بدون تنوين؛ أي: لأجل خوف (أن يقصر)، و (أن) : مصدرية في محل جر بالإضافة (فِهم)؛ بالرفع فاعل (يقصر)؛ بكسر الفاء، (بعض الناس عنه فيقعوا) : عطف على (يقصر)، فلذا سقط منه النون التي هي علامة للنصب، (في أشدِّ منه)؛ أي: من ترك الاختيار، وفي رواية: (في أشرِّ منه)، وفي أخرى: (في شرٍّ منه) بالراء فيهما، وبالهمزة في الأولى، وتركها في الثانية.
[حديث: يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم لنقضت الكعبة]
١٢٦ - وبه قال: (حدثنا عبيد الله)؛ بالتصغير (ابن موسى) العبسي مولاهم الكوفي، (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي؛ بفتح المهملة، وكسر الموحدة، بعدها مثناة تحتية، الهمداني الكوفي منسوب إلى سبيع بن سبع، المتوفى سنة ستين ومئة عن ستين سنة، (عن أبي إسحاق) : جد إسرائيل المذكور.
(عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، أدرك زمن النبي الأعظم ﵇ ولم يره، وحجَّ ثمانين حجَّة، توفي بالكوفة سنة خمس وسبعين، وكذا ابنه عبد الرحمن حجَّ ثمانين حجَّة وعمرة، وكان يقول في تلبيته: أنا الحاجُّ بن الحاجِّ، وكان يصلي كلَّ يوم سبع مئة ركعة، وصار عظمًا وجلدًا، وكانوا يسمَّون آل الأسود أهل الجنة، مات سنة خمس وتسعين رحمهما الله تعالى أنَّه (قال: قال لي ابن الزُبير)؛ بضم الزاي: عبد الله الصحابي المشهور (كانت عائشة) ﵂ ((تسرُّ)؛ من الأسرار خلاف الإعلان.
فإن قلت: قوله: (كانت) للماضي و (تسرُّ) للمضارع فكيف اجتمعا؟!
قلت: (تسرُّ) تفيد الاستمرار وذكر بلفظ المضارع؛ استحضارًا لصورة الأسرار، وهو جملة محلها النصب خبر (كانت) أفاده في «عمدة القاري».
(إليك كثيرًا)؛ بالنصب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: أسرارًا كثيرًا، وفي رواية: (تسرُّ إليك حديثًا كثيرًا)، (فما) : استفهامية مبتدأ، (حدَّثتك) : جملة من الفعل، والفاعل، وهو الضمير فيه الراجع إلى عائشة، والمفعول؛ وهو الكاف محلها رفع خبر المبتدأ، (في) شأن (الكعبة)؛ مشتقة من الكعوب؛ وهو النشوز من الأرض؛ بمعنى: مرتفعة، أو لتربعها، قال الأسود: (قلت)، وفي رواية: (فقلت) : (قالت لي) مقول القول: (قال النبي) الأعظم ﷺ : يا عائشة لولا)؛ لربط امتناع الثانية بوجود الأولى (قومكِ)؛ بكسر الكاف، كلام إضافيٌّ مبتدأ (حديثٌ)؛ بالتنوين خبر (عهدهم)؛ بالرفع على إسناد حديث إليه؛ لأنَّه صفة مشبهة، وهو أيضًا يعمل عمل فعله، وفي رواية: (لولا أنَّ قومك)؛ بزيادة (أنَّ)، وليس بمشهور، كما في «عمدة القاري».
قال: فإن قلت: يجب كون خبر لولا كونًا مطلقًا محذوفًا، كما قاله النحاة، فما باله هنا لم يحذف؟!
قلت: إنَّما يجب الحذف إذا كان الخبر عامًا، وأمَّا إذا كان خاصًا؛ فلا يجب حذفه، قال الشاعر:
ولولا الشعر بالعلماء يزري... لكنت اليوم أشعر من لبيد
(قال)، وفي رواية: (فقال) : (ابن الزبير بكفر) أراد أنَّه: ذكره ابن الزبير بقولها فكأنَّ الأسود نسي ذلك، وأمَّا وقوله: (لنقضت...) إلخ؛ فيحتمل ممَّا نسي أيضًا، أو ممَّا ذكر ورواه المؤلف في (الجهاد) والترمذي بتمامه إلا قوله: (بكفر)، فقال: بدَّله بجاهلية، فمقصود الأسود إنِّي لمَّا رويت أوَّل الحديث؛ بادر ابن الزبير إلى رواية آخره؛ إشعارًا بأنَّ الحديث معلوم عنده؛ لأنَّه رواه عن عائشة، فلا حاجة إلى ما قاله الكرماني، كما بسطه في «عمدة القاري»، وقوله: (بكفر) يتعلق بقوله: (حديث عهدهم)، ولكنه من كلام ابن الزبير لا يقال: إنَّه موقوف؛ لأنا نقول: السياق يدلَّ على رفعه، ومن علم أنَّ ابن الزبير روى الحديث المذكور عن عائشة؛ لم يحتج (٢) إلى السؤال والجواب؛ فافهم.
وقوله: (لنقضت الكعبة) : جواب لولا، ورددتها إلى قواعد إبراهيم ﵇، (فجعلت) : عطف على (نقضت) (لها بابين بابٌ)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أحدهما باب، وبالنصب بدله أو بيان لبابين (يدخل الناس) : جملة وقعت صفة لـ (باب)، وضمير المفعول محذوف تقديره: يدخله الناس، وفي رواية (يدخل الناس منه)، (وباب يخرجون) وفي رواية: (منه) وعليها لا يقدَّر وعلى الأولى يقدَّر، وفي رواية: (بابًا) في الموضعين؛ بالنصب على البدل أو البيان، كما تقدم.
(ففعله)؛ أي: فعل النقض والبابين (ابن الزبير)، وهذه المرة السادسة من بناء البيت؛ لأنَّه بَنَتْهُ أولًا الملائكة، ثمَّ إبراهيم، ثمَّ العمالقة، ثمَّ جُرْهُم، ثمَّ قريش في الجاهلية، وحضر النبيُّ الأعظم ﵇ هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين أو خمس وعشرين سنة، وفيه سقط على الأرض حين رفع إزاره، ثمَّ بناه ابن الزبير، ثمَّ بناه الحجاج بن يوسف واستمرَّ، وروي أن هارون سأل مالكًا عن هدمها وردُّها إلى بناء ابن الزبير، فقال: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك لا يشاء أحد إلا نقضه وبناءه، فتذهب هيبته من صدور الناس.
وفي الحديث دليل: على أنَّه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذَّر الجمع بينهما؛ تركت المصلحة؛ لأجل المفسدة؛ لأنَّه ﵇ أخبر أنَّ ردَّ الكعبة إلى قواعد إبراهيم مصلحة، ولكن يعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا؛ لما كانوا عليه من تعظيم البيت، فتركها ﵇ لذلك.
وفيه: المطابقة للترجمة، كما لا يخفى.
(٤٩) [باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا]
هذا (باب من)؛ أي: الذي (خصَّ بالعلم قومًا دون قوم)؛ أي: غير قوم هذا هو الصواب (كراهية)؛ بتخفيف التحتية بالنصب على التعليل مضاف لقوله: (أن لا يفهموا)، و (أن) : مصدرية، والتقدير: لأجل كراهية عدم فهم القوم الذين هم غير القوم الذين خصَّهم بالعلم، وهذه الترجمة والتي سبقت متقاربتان غير أنَّ الأولى في الأفعال، وهذه في الأقوال قاله في «عمدة القاري».
[حديث علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله]
١٢٧ - (وقال علي) : الصديق الأصغر ابن أبي طالب ﵁: (حدِّثوا)؛ بصيغة الأمر؛ أي: كلِّموا، (الناس بما يعرفون)؛ أي: يفهمون، والمراد: كلِّموهم على قدر عقولهم، وفي كتاب «العلم» لابن أبي إياس وفي آخره: ودعوا ما ينكرون؛ أي: ما يشتبه عليهم فهمه، وعند «مسلم» : قال ابن مسعود: (ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).
ففيه دليل: على أنَّ المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامَّة.
(أتحبون)؛ بالخطاب و (الهمزة) : للاستفهام، (أن يُكذب)؛ بضم أوله على صيغة المجهول (الله ورسوله)؛ لأنَّ الشخص إذا سمع ما لا يفهمه وما لا يتصوره؛ يعتقد استحالته؛ جهلًا، فلا يصدق وجوده، فإذا أسند إلى الله ورسوله؛ يلزم تكذيبهما.
وبه قال: (حدثنا عبيد الله)؛ بالتصغير (ابن موسى) : العبسي مولاهم ابن باذام، وفي رواية: (حدثنا به)، (عن معروف بن خَرَّبُوذ)؛ بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء، وضم الموحدة، آخره ذال معجمة، المكي مولى قريش، وسقط في رواية لفظ: (ابن خَرَّبوذ)، قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، (عن أبي الطُّفيل)؛ بضم الطاء المهملة وفتح الفاء: عامر بن واثلة -بالمثلثة- بن
стр. 84
عبد الله الكناني الليثي، ولد عام أحُد، وسكن الكوفة ثم انتقل إلى مكة وأقام بها إلى أن توفي بها سنة عشر ومئة أو سنة خمس وثلاثين ومئة، فقيل: صحابي، وقيل: تابعي، وهو آخر الصحابة موتًا إلا أنه كان فيه تشيع، (عن علي) : الصديق الأصغر (بذلك)؛ أي: بالأثر المذكور، وهذا الإسناد من عوالي المؤلف؛ لأنَّه يلحق بالثلاثيات، من حيث أن الراوي الثالث منه صحابي وهو أبو الطُّفيل المذكور، وعلى قول من يقول: إنه تابعي؛ ليس منها، وإنما أخر الإسناد عن ذكر المتن، إما لأنَّه لم يظفر بالإسناد إلا بعد وضع الأثر معلقًا، أو لضعف الإسناد بسبب ابن خَرَّبوذ، أو للتفنن وبيان الجواز، ولهذا وقع في بعض النسخ مقدمًا على المتن، وسقط هذا الأثر كله من رواية الكشميهني، كذا وضحه في «عمدة القاري».
[حديث: ما مِن أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله]
١٢٨ - وبه قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) : المشهور بابن راهويه (قال: حدثنا) : وفي رواية: أخبرنا (مُعاذ)؛ بضم الميم (ابن هِشَام)؛ بكسر الهاء وفتح المعجمة المخففة: ابن أبي عبد الله الدَّستُوائي؛ بفتح الدال، وضم الفوقية، آخره همزة، المتوفى بالبصرة سنة مئتين (قال: حدثني)؛ بالإفراد (أبي) هشام المذكور، (عن قتادة) : هو ابن دعامة (قال: حدثنا أنس بن مالك) ﵁: (أنَّ رسول الله ﷺ ومُعاذ)؛ بضم الميم؛ أي: ابن جبل الصحابي المشهور، وهو بالرفع مبتدأ.
وقوله: (رديفه)؛ أي: راكب خلفه، خبر المبتدأ (على الرَّحْل)؛ بفتح الراء وسكون الحاء المهملتين، وهو للبعير أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، والقتب -محرك-: رحل صغير على قدر السنام، وعند المؤلف في (الجهاد) : أن معاذًا كان رديفه ﵇ على حمار، ولعل القصة متعددة، والمراد بالرحل هنا: ما يتخذ لدفع البرد من اللباد الصوف المسمَّى بالكوبان.
(قال) ﵇: (يا معاذ بن جبل) : يجوز في (معاذ) : النصب على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب، والمنادى المضاف منصوب، أو الرفع على أنه منادى مفرد علم، وأما (ابن)؛ فهو منصوب بلا خلاف، وتمامه في «عمدة القاري».
(قال)؛ أي: معاذ: (لَبيك يا رسول الله)؛ بفتح اللام، تثنية لَبَّ؛ ومعناه: الإجابة؛ أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، فالتثنية للتأكيد، وتمامه في «عمدة القاري» َ، (وسعديك)؛ بفتح السين المهملة، تثنية سعد؛ والمعنى: إسعادًا بعد إسعاد لطاعتك، فثنى للتأكيد، وهما من المصادر التي يجب حذف فعلها ونصبها، وقال الفراء: نصبت على المصدر.
(ثلاثًا) : يتعلق بقول كل واحد من النبي الأعظم ﵇ ومعاذ؛ أي: ثلاث مرات؛ يعني: النداء والإجابة، قيل: ثلاثًا، وصرح بذلك في رواية مسلم، وتمامه في «عمدة القاري»، (قال) ﵇: (ما من أحد) : فـ (ما) للنفي، و (من) : زائدة للتأكيد، و (أحد) : اسم (ما).
وقوله: (يشهد) : خبرها (أن) مفسرة (لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله صدقًا)؛ بالنصب على الحال؛ أي: صادقًا، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: شهادة صدقًا (من قلبه) : متعلق بقوله: (صدقًا)، أو بقوله: (يشهد)، فعلى الأول الشهادة لفظية؛ أي: يشهد بلفظه ويصدق بقلبه، وعلى الثاني قلبية؛ أي: يشهد بقلبه ويصدق بلسانه، واحترز به عن شهادة المنافقين.
(إلَّا حرمه الله على النار) : ومعنى التحريم: المنع؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء: ٩٥]، وهل في المعنى فرق بين (حرمه الله على النار) و (حرم الله عليه النار)؟
أجيب: بأنه لا اختلاف إلا في المفهومين، وأمَّا المعنيان؛ فمتلازمان، وهل تفاوت بين ما في الحديث وما ورد في القرآن: ﴿حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]؟
أجيب: بأنه يحتمل أن يقال: النار منصرفة، والجنة منصرف عنها، والتحريم إنَّما هو على المنصرف أنسب، فَرُوْعيَ المناسبة.
فإن قيل: ظاهر الحديث يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار؛ لما فيه من التعميم والتأكيد مع أن الأدلة القطعية دلت على أن طائفة من عصاة الموحدين يعذبون في النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة.
وأجيب: بأن هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين تائبًا ثم مات على ذلك، أو أنَّه خرج مخرج الغالب، فإنَّ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية، أو أن المراد بتحريمه على النار: تحريم خلوده فيها لا أصل الدخول فيها، أو أنَّ المراد: تحريم جملته؛ لأنَّ النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، وتمامه في «عمدة القاري».
(قال) معاذ: (يا رسول الله؛ أفلا) : بهمزة الاستفهام وفاء العطف المحذوف معطوفها؛ والتقدير: أقلتَ ذلك، فلا (أخبر به)؛ أي: بما قلتَ (الناسَ)؛ بالنصب، مفعول (أخبر) (فيستبشروا)؛ بالنصب، بحذف النون؛ لأنَّ الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها بعد النفي، والاستفهام، والعرض؛ والتقدير: فإن يستبشروا، وفي رواية: (فيستبشرون)؛ بإثبات النون؛ والتقدير: فهم يستبشرون.
(قال) ﵇: (إذا) : جواب وجزاء؛ أي: إن أخبرتهم (يتَّكلوا)؛ بمثناة فوقية مشددة؛ أي: يعتمدوا، كأنه قال: لا تخبرهم؛ لأنَّهم يتَّكلوا على الشهادة المجردة، فلا يشتغلون بالأعمال الصالحة، وفي رواية: (ينْكُلوا)؛ بنون ساكنة وضم الكاف، من النكول وهو الامتناع؛ أي: يمتنعوا عن العمل؛ اعتمادًا على الكلمة.
وروى البزار في هذه القصة: أنه ﵇ أذن لمعاذ في التبشير، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: لا تعجل، ثم دخل، فقال: يا نبي الله؛ أنت أفضل الناس رأيًا، إنَّ الناس إذا سمعوا ذلك؛ اتَّكلوا عليها، قال: «فرُدَّه»، فرَدَّه، وهذا من موافقات عمر ﵁، واستنبط منه في «عمدة القاري» : جواز الاجتهاد بحضرته ﵇؛ فليحفظ.
(وأخبر) : وفي رواية: (فأخبر) بالفاء، وفي أخرى: (أخبر) بدون واو، (بها)؛ أي: بهذه المقالة، وهذا مدرج من أنس ﵁، (معاذ عند موته)؛ أي: موت معاذ ﵁ أو عند موت النبي ﵇، فالضمير يحتمل رجوعه لكلٍّ منهما، بأنْ أخبر به جماعة عند موت النبي الأعظم ﵇، ولآخرين عند موت نفسه، ولا منافاة بينهما خلافًا لمن زعمها.
(تَأَثُّمًا)؛ بفتح الفوقية والهمزة، وتشديد المثلثة، نصب على أنَّه مفعول له؛ أي: مخافة التأثم إن كتم ما أمر الله به من التبليغ؛ حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى...﴾؛ الآية [البقرة: ١٥٩].
فإذا تأثم من الكتمان؛ فكيف لا يتأثم من مخالفة النبي الأعظم ﵇ في التبشير.
قلنا: النهي كان مقيدًا بالاتَّكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وصنيع معاذ أن النهي كان للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما كان يخبر به أصلًا، أو أن المنع لم يكن إلا من العوام؛ لأنَّه من الأسرار الإلهية لا يجوز كشفها إلا للخواص؛ خوفًا من أن يسمع ذلك من لا علم له، فيتَّكل عليه، فسلك معاذ هذا المسلك، فأخبر به الخواص دون العوام، وتمامه في «عمدة القاري».
وفي الحديث: بشارة عظيمة للموحدين؛ وجواز ركوب الاثنين على الدابة، والإجابة بـ (لبيك وسعديك)، والتخصيص لقوم بالعلم؛ حيث فيهم الضبط والفهم، ومنع قوم بعدمه؛ حيث عدم فيهم الفهم ووجد فيهم التقصير والاتِّكال، وهو محل المطابقة للترجمة.
[حديث: من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة]
١٢٩ - وبه قال: (حدثنا مسدد)؛ بضم الميم: ابن مسرهد، (قال: حدثنا مُعْتمر)؛ بضم الميم وسكون العين: ابن سليمان بن طرخان البصري، نزيل بني تميم، وهو مولى بني مرة، المتوفى سنة سبع وثمانين ومئة، عن إحدى وثمانين سنة، (قال: سمعت أبي) سليمان بن طرخان البصري، نزيل بني مرة، ثم بني تميم؛ بسبب ادِّعائه بالقدر، ثم تاب وصار من العبَّاد، يصلي الليل كلَّه بوضوء العشاء، وكان هو وابنه مُعْتمر يدوران بالليل في المساجد، فيصليان في هذا مرة وفي ذاك أخرى، المتوفى بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومئة.
(قال: سمعت أنسًا) وفي رواية: (أنس بن مالك)، (قال)؛ أي: أنس: (ذُكِر لي) على صيغة المجهول، ولم يسمِّ أنس من ذكر له ذلك، وسيأتي في (الجهاد) : أن الذي حضر ذلك من معاذ: عمرو بن ميمون الأودي، أحد المخضرمين، ورواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن سمرة الصحابي: أنَّه سمع ذلك من معاذ أيضًا، فيحتمل أن يكون الذاكر لأنس إما عمرو بن ميمون وإما عبد الرحمن بن سمرة، فالذاكر لأنس معلوم عنده غير أنه أبهمه عند روايته، وليس ذلك قادحًا في رواية الصحابي، وليس بتعليق أصلًا كما زعم، كما أوضحه في «عمدة القاري».
(أن النبي) الأعظم ﷺ قال لمعاذ) زاد في رواية: (ابن جبل) : (مَن) استفهامية مبتدأ (لقي الله) : مقول القول، والمعنى: من لقي الأجل الذي قدَّره الله؛ يعني: الموت، (لا يشرك به شيئًا) : جملة وقعت حالًا، والمعنى: مات حال كونه موحدًا حين الموت، وقوله: (دخل الجنة) : خبر المبتدأ، وإن لم يعمل صالحًا، إمَّا قبل دخوله النار وإمَّا بعده بمشيئة الله تعالى، إن شاء؛ عفا عنه بفضله، وإن شاء؛ عذَّبه بعدله، ثم أدخله الجنة.
فإن قلت: التوحيد بدون
стр. 85
إثبات الرسالة كيف ينفعه؟ فلا بد من انضمام: (محمد رسول الله) إلى قول: (لا إله إلا الله).
قلت: هذا مثل من توضأ؛ صحت صلاته؛ أي: عند حصول شرائط الصحة؛ فمعناه: من لقي الله موحدًا عند الإيمان بسائر ما يجب الإيمان به، أو علم ﵇ أن من الناس من يعتقد أن المشرك يدخل الجنة، فقال ذلك؛ ردًا لقوله، وما قاله ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.
(قال) معاذ، وفي رواية: (فقال) : (أَلا)؛ بفتح الهمزة للتنبيه، (أبشر الناسَ)؛ بالنصب مفعوله؛ أي: بذلك، (قال) النبي الأعظم ﵇: (لا) تبشرهم، ثم استأنف فقال: (أخاف أن يتَّكلوا)؛ بمثناة فوقية مشددة؛ أي: أخاف اتِّكالهم على مجرد الكلمة، فـ (أن) مصدرية، وفي رواية: (لا، إنِّي أخاف أن يكلوا) بإسقاط المثناة الفوقية، فكلمة النهي ليست داخلة على (أخاف)، وفي رواية: (لا، دعهم فليتنافسوا في الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا)، ومراد النبي الأعظم ﵇: عدم الاتكال على مجرد الكلمة، بل ينبغي لهم العمل؛ فإنَّ العمل دليل على النجاة، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خلق له.
وفي ختام ذو (١) القعدة ختام سنة ست وسبعين ومئتين وألف: أخذت الدروز قرية زحلة وأحرقوها، ونهبوا أموالهم، وخربوا ديورهم، وقتلوا أهلها قتلة أشر قتلة، ولا ريب أنهم أهل الحرب؛ لأنَّهم ذو منعة، ناقضين العهود والمواثيق، لم يعطوا ما عليهم من الحقوق، فدمهم هدر، وأموالهم ونساؤهم وذراريهم تملك وتباع، ولله الحمد والمنة، ولقد أضاءت دمشقنا بهذه البشارة لما وردت، وفرحت الناس بذلك لما يرون منهم من إذلال المسلمين.
(٥٠) [باب الحياء في العلم]
هذا (باب الحياء)؛ بالمد، وهو تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان عند خوف ما يعاب أو يذم، (في) تعلُّم (العلم) وتعليمه، هل هو مذموم أو ممدوح؟ فأشار إلى الأول بالأثر، وإلى الثاني بالحديث، وأطلق عليه الحياء؛ مجازًا.
(وقال مجاهد) بن جبر التابعي مما وصله أبو نعيم في «الحلية» بإسناد صحيح على شرط المؤلف: (لا يتعلم العلم مستحْيِيْ)؛ بإسكان الحاء المهملة، وبيائين؛ ثانيهما ساكنة، من استحى يستحي، فهو مستحيي على وزن (مستفعل)، ويجوز فيه: مستحي؛ بياء واحدة من استحى، فهو مستحي على وزن (مستفع)، ويجوز: مستح؛ بدون الياء على وزن (مستف)، فحذفت منه عين الفعل ولامه، وتمامه في «عمدة القاري»، و (لا) هذه نافية، والفعل بعدها مرفوع، (ولا مستكبر)؛ أي: متعظم في نفسه، فآفات العلم أعظمها: الاستنكاف، وثمرته: الجهل والذلة في الدنيا والآخرة، فالحياء هنا مذموم، وسئل إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم ﵁: بمَ حصلت هذا العلم العظيم الذي شاع في الأمصار والأقطار؟ فقال: ما بخلت بالإفادة ولا استنكفت عن الاستفادة، رضي الله تعالى عنه.
(وقالت عائشة) ﵂ مما وصله أبو داود ومسلم، وهو عطف على (وقال مجاهد)، فكلُّ واحد تعليق على حدة، ليس لأحدهما تعلق بالآخر، خلافًا لمن زعمه، (نِعم النساءُ نساءُ الأنصار)؛ برفع (نساء) في الموضعين، فالأولى: على الفاعلية، والثانية: على أنها مخصوصة بالمدح، والمراد من نساء الأنصار: نساء أهل المدينة، كذا قاله في «عمدة القاري».
(لم يمنعهن الحياءُ)؛ بالرفع فاعله عن (أن يتفقهن)؛ أي: عن التفقه (في) أمور (الدين) فـ (أن) مصدرية، فالحياء هنا مذموم؛ لكونه سببًا لترك أمور الشرع المطلوب تعلمها وتحصيلها.
[حديث: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق]
١٣٠ - وبه قال: (حدثنا محمد بن سلَام)؛ بتخفيف اللام، البيكندي، (قال: أخبرنا) وفي رواية: (أنبأنا)، (أبو معاوية) : محمد بن خازم؛ بالمعجمتين، التميمي، (قال: حدثنا هشام) : زاد في رواية: (ابن عروة)، (عن أبيه) : عروة بن الزبير بن العوام، (عن زينب بنت) : وفي رواية: (ابنة)، (أم سلمة) : نسبة لأمها؛ لشرفها؛ لأنَّها ربيبته ﵇، وإلَّا فأبوها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أبي سلمة، توفيت (٢) سنة ثلاث وسبعين.
(عن أم سلمة) : هند بنت أبي أمية زوج النبي الأعظم ﵇، (قالت: جاءت أم سُلَيم)؛ بضم السين المهملة وفتح اللام، بنت مِلْحان؛ بكسر الميم، وسكون اللام، وبالحاء المهملة والنون، النجارية الأنصارية، واسمها: سهلة، أو رميلة، أو رميثة؛ بالراء فيهما وبالمثلثة في الثاني، تزوجها مالك بن النضر؛ بالضاد المعجمة، أبو أنس بن مالك، فولدت له أنسًا، ثم قتل عنها مشرك، فأسلمت، فخطبها أبو طلحة وهو مشرك، فأبت، ودعته إلى الإسلام، فأسلم، فقالت: إنِّي أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا؛ لإسلامك، فتزوجها.
(إلى رسول اله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إن الله) (لا يستحيي) : جملة محلها الرفع خبر (إن)، وهو باليائين على أفصح، (من الحق) : ضد الباطل؛ أي: لا يمتنع من بيان الحق، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه مما تستحي النساء عادة من السؤال عنه؛ لأنَّ نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال، فالحياء محال على الله فيكون هذا جاريًا على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية، كما في حديث سلمان قال: قال ﵇: «إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع العبد يديه؛ أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا»، وتمامه في «عمدة القاري».
(فهل) : للاستفهام، يجب (على المرأة)، وكذا على الرجل؛ لأنَّ حكمه ﵇ على الواحد كحكمه على الجماعة إلا إذا دلَّ دليل على التخصيص، (من) : زائدة، (غُسل)؛ بضم الغين المعجمة، وفي رواية: بفتح الغين وبالكسر: اسم ما يغسل به كالصابون، وأكثر أهل اللغة على أن الغسل بالفتح والضم: مصدران، وبعضهم فرق بينهما بأن الفتح: مصدر، والضم: اسم للفعل المشهور؛ أي: هل غسل يجب على المرأة (إذا) هي (احتلمت) مشتق من الحُلُم؛ بالضم، وهو ما يراه النائم؛ أي: رأت في منامها أنها تجامع، (قال) وفي رواية: (فقال)، (النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله)، ﷺ : يجب عليها الغسل (إذا) : ظرف بمعنى: حين (رأت الماء)؛ أي: المني إذا انتبهت، ويجوز أن تكون (إذا) شرطية؛ تقديره: إذا رأته؛ وجب عليها الغسل، و (الماء) : منصوب بقوله: (رأت) من رؤية العين، وجعل المني شرطًا للغسل؛ يدل على أنَّها إذا لم تر الماء؛ لا غسل عليها كالرجل، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وعليه الفتوى.
وقيل: يلزمها الغسل بالاحتلام وإن لم تر الماء إذا وجدت اللذة؛ لأنَّ الماء ينزل من صدرها إلى رحمها بخلاف الرجل؛ حيث يشترط ظهور المني حقيقة.
قالت زينب: (فغطت أم سُلَيم) ﵂، فالحديث ملفق من رواية صحابيتين، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون من أم سلمة على سبيل الالتفات، كأنها جردت من نفسها شخصًا، فأسندت إليه التغطية؛ إذ أصل الكلام: فغطيْتُ، قال عروة أو غيره من الرواة: (تعني وجهَها)؛ بالمثناة الفوقية، ونصب (وجهَها) وهذا إدراج من عروة ظاهر، أو من غيره فيكون إدراج في إدراج.
(وقالت) أم سلمة: (يا رسول الله؛ وتحتلم المرأة؟) بحذف همزة الاستفهام، وللكشميهني: (أو تحتلم)؛ بإثباتها، عطف على مقدر يقتضيه السياق؛ أي: أتقول ذلك أو أترى المرأة الماء وتحتلم؟ (قال) ﵇: (نعم)؛ تحتلم وترى الماء، (ترِبت يمينكِ)؛ بكسر الراء والكاف: فعل وفاعله، والجملة خبرية؛ أي: افتقرت وصارت على التراب، فهي كلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر بها كما يقولون: قاتله الله، وقيل: أراد بها المثل، يرى المأمور بذلك الجد، وأنه إن خالفه؛ فقد أساء، وما زعمه ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري».
(فبم) : أصله: فبما؛ فحذفت الألف، (يشبهها ولدها؟)؛ بالرفع فاعل، وفي «الصحيح» من حديث أنس: «فمن أين يكون الشبه؟ ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيها علا أو سبق يكون منه الشبه»، وفي حديث عائشة: «وهل يكون الشَّبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل؛ أشبه الولد أخواله، وإذا علا الرجل ماءها؛ أشبه أعمامه.
وهذا الحديث جاء عن جماعة
стр. 86
من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سليم؛ منهن: خولة بنت حكيم، أخرجه ابن ماجه، وبسرة، ذكره ابن أبي شيبة، وسهلة بنت سهيل، رواه الطبراني، والأحاديث فيه عن أم سلمة وعائشة وأنس، ولم يخرج المؤلف غير حديث أم سلمة، وأخرج مسلم أحاديث الثلاثة، فيحتمل حضورهن معًا في هذه القصة، ويحتمل تعدد القصة والله أعلم.
وفي الحديث: إثبات أن المرأة لها ماء.
وفيه: إثبات القياس وإلحاق النظير بالنظير، وقد بين في «عمدة القاري» مذهب الشافعي وأوضحه؛ لغلط جماعة من الشافعية فيه؛ فراجعه إن شئت.
[حديث: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها .]
١٣١ - وبه قال: (حدثنا إسماعيل) : بن أبي أويس، ابن أخت مالك الإمام، (قال: حدثني)؛ بالإفراد (مالك) : الإمام (عن عبد الله بن دينار) : القرشي العدوي، (عن عبد الله بن عمر) : بن الخطاب ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال: إن من الشجر)؛ أي: من جنسه، (شجرة)؛ بالنصب اسم (إن)، وخبرها: الجار والمجرور، (لا يسقط ورقها) : صفة لـ (شجرة)، (وهي) : وللأصيلي: بحذف الواو، (مَثَلُ المسلم)؛ بفتح الميم والمثلثة، وفي رواية: (مِثْل) بكسر الميم وسكون المثلثة، (حدِّثوني ما هي؟) مبتدأ وخبر، والجملة سدَّت مسدَّ المفعولين، (فوقع الناس في شجر البادية)، فبعضهم يقول: شجرة كذا، وبعضهم يقول: شجرة كذا، (ووقع في نفسي أنها النخلة، قال عبد الله: فاستحييت) أن أقول أنها النخلة؛ لأنَّ في القوم من هو أكبر مني، كأبي بكر وعمر، (فقالوا)؛ أي: الصحابة، وفي رواية: (قالوا) : (يا رسول الله؛ أخبرنا بها)؛ أي: أعلمنا بهذه الشجرة.
(فقال رسول الله ﷺ : هي النخلة) مبتدأ وخبر، والجملة: مقول القول، (قال عبد الله: فحدثت أبي) عمر بن الخطاب، (بما)؛ أي: بالذي (وقع في نفسي) من أنَّها النخلة، (فقال: لَأن)؛ بفتح اللام موطئة للقسم المقدر، (تكون قلتها) : بالماضي مع قوله (تكون) (١) المضارع؛ لأنَّ الغرض منه لأنَّ تكون (٢) في الحال موصوفًا بهذا القول الصادر في الماضي، (أحب)؛ بالمهملة بالرفع: خبر المبتدأ المنسبك من (أن) وصلتها، (إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا)؛ أي: من حمر النعم وغيرها، ولفظ (كذا) موضوع للعدد المبهم، وهو من الكنايات، وفي تمني عمر أن يجاوب ابنه النبيَّ الأعظم ﵇ بما وقع في نفسه فيه من القصة: أن الرجل يباح له الحرص على ظهور ابنه في العلم على الشيوخ وسروره بذلك.
وقيل: إنَّما تمنى ذلك رجاء أن يسر النبي الأعظم ﵇ بإصابته، فيدعو له.
وفيه: أن الابن الموفق العالم أفضل مكاسب الدنيا؛ لقوله: (لأن تكون...) إلخ، ولقول النبي الأعظم ﵇: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وقد كان ابن عمر يمكنه إذا استحى ممن هو أكبر منه أن يذكر ذلك لغيره سرًا؛ ليخبر به عنه، فيجمع بين المصلحتين، فاستلزم حياؤه تفويت ذلك.
(٥١) [باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال]
هذا (باب من استحى) من الشيخ أن يسأل منه بنفسه، (فأمر غيره بالسؤال) من الشيخ العالم.
[حديث علي: كنت رجلًا مذاء فأمرت المقداد أن يسأل النبي]
١٣٢ - وبه قال: (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا عبد الله بن داود) بن عامر بن الربيع الخُريْبي نسبة إلى خُريْبة؛ بضم الخاء المعجمة، وفتح الراء، وسكون التحتية، وفتح الموحدة: محلة بالبصرة، الهمداني، الكوفي الأصل، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين.
(عن الأعمش) سليمان بن مهران، (عن مُنْذر)؛ بضم الميم، وسكون النون، وكسر الذال المعجمة: بن يَعلى؛ بفتح التحتية، وسكون العين المهملة، وفتح اللام، (الثوري)؛ بالمثلثة، الكوفي الثقة، (عن محمد بن الحنفية)؛ أي: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم، والحنفية: أمه، وهي خولة بنت جعفر الحنفي اليمامي، وكانت من سبي بني حنيفة، ولد لسنتين بقيا من خلافة عمر ﵁، المتوفى سنة ثمانين، أو إحدى وثمانين، أو أربع عشرة ومئة، ودفن باليقيع.
(عن) أبيه (علي) الصديق الأصغر، وللأصيلي زيادة: (ابن أبي طالب) (قال) علي: (كنت رجلًا)؛ بالنصب خبر (كان)، (مذَّاءً)؛ بالنصب صفته على وزن (فَعَّال)؛ بالتشديد؛ للمبالغة في كثرة المذي، والمَذْيُّ؛ بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وبكسر الذال، وتشديد الياء التحتية، وبكسر الذال، وتخفيف الياء التحتية؛ وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الملاعبة ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، وهو في النساء أكثر منه في الرجال، والوَدْي؛ بفتح الواو وسكون الدال المهملة: البلل اللزج، يخرج من الذكر بعد البول؛ أي: عقبه، (فأمرت المِقْداد)؛ بكسر الميم وسكون القاف وبالمهملتين: بن عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي، ويقال له: ابن الأسود؛ لأنَّ الأسود بن عبد يغوث ربَّاه، أو تبنَّاه، أو حالفه، أو تزوج بأمِّه، وهو قديم الصحبة من السابقين في الإسلام، وسادس ستة، شهد بدرًا، المتوفى بالجرف، وهو على عشرة أميال من المدينة، ثم حمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ﵁، عن سبعين سنة.
(أن يسأل)؛ أي: بأن يسأل، فـ (أن) مصدرية، (النبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: بالسؤال منه ﵇، (فسأله) عن حكم المذي، (فقال) النبي الأعظم ﵇: (فيه)؛ أي: في المذي، (الوضوء) لا الغسل، فيجب بخروجه الوضوء، ويجب غسله؛ لأنَّه نجس، وهذا بالإجماع إلا في رواية عن أحمد أنه أوجب الغسل، والحديث حجة عليه.
وأطلق إمامنا الإمام الأعظم والشافعي في ذلك؛ أي: سواء كان خروجه عن ملاعبة أو استنكاح أو غيره، وقيده مالك بما كان عن ملاعبة، فإن كان عن استنكاح أو علة؛ فلا وضوء فيه، وإطلاق الحديث يردُّه، وما استدل به من أن السؤال كان عن الخارج على وجه اللذة؛ لقوله في حديث: «إذا دنى من أهله» فيه نظر؛ لأنَّ السؤال مطلق، ففي «الصحيح» : سأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ قال: «اغسل ذكرك وتوضأ»، فلا فرق بين المعتاد وغيره، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح.
واستدل بهذا الحديث على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، وهو خطأ، ففي «النسائي» وغيره: أن السؤال وقع على حاضر، وكذا في «الموطأ» كما أوضحه في «عمدة القاري».
وفي الحديث: استحباب حسن المعاشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي ألَّا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبوي المرأة، وأختها، وغيرهما من أقاربها؛ لأنَّ المذي يكون غالبًا عند ملاعبة الزوجة، ولهذا ترك علي السؤال وأمره غيره، وفي بعض الروايات: (أمر عمار بن ياسر)، وفي بعضها: أنه سأل بنفسه، فيحتمل أنه أرسلهما، ثم سأل بنفسه وتمامه في «عمدة القاري».
(٥٢) [باب ذكر العلم والفتيا في المسجد]
هذا (باب) جواز (ذكر العلم والفِتيا)؛ بكسر الفاء، -والفَتوى؛ بفتحها- جواب حكم الحادثة، (في المسجد) وإن ذلك إلى رفع الصوت.
[حديث: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة]
١٣٣ - وبه قال: (حدثنا)؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (قُتيبة)؛ بضم القاف، وفي رواية زاد: (ابن سعِيد)؛ بكسر العين، (قال: حدثنا الليث)، زاد في رواية: (ابن سعد)، (قال: حدثنا نافع) بن سَرْجَس؛ بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، آخره سين أخرى، وهو (مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب) : أصله من المغرب، أو من نيسابور، أو من سبي كابل، أو من جبال طالقان، أصابه عبد الله بن عمر في بعض غزواته وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن، المتوفى بالمدينة سنة سبع عشرة ومئة.
(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ (أن رجلًا)، قال في «عمدة القاري» : لم أقف على اسمه، (قام في المسجد)؛ أي: النبوي في محل رفع خبر (إن)، (فقال: يا رسول الله؛ من أين) : استفهام عن المكان (تأمرنا أن نُهِلَّ)؛ أي: بأن نهل، و (أن) مصدرية، والتقدير: بالإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية في الحج والمراد به هنا الإحرام مع التلبية، فالسؤال عن موضع الإحرام، وهو الميقات المكاني.
(فقال رسول الله ﷺ : يُهِلُّ)؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل المدينة) : جملة وقعت مقول القول (من) ابتدائية؛ أي: ابتداء إهلالهم من (ذي الحُلَيفة)؛ بضم الحاء المهملة وفتح اللام، تصغير الحلَفة؛ باللام المفتوحة؛ كالقصبة
стр. 87
وهي تنبت في الماء، وجمعها: حلفاء، وقيل: هي سَلسَة غليظة المسِّ لا يكاد أحد يقبض عليها؛ مخافة أن تقطع يده، وقد تأكل منها الغنم والإبل أكلًا قليلًا، وهي أحب شجرة إلى البقر، والواحدة منها حلفاة، وهي موضع بينه وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل: ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف ذراع، ومنه إلى مكة عشر مراحل، وهي الشجرة، وفي موضع آخر: منها إلى المدينة خمسة أميال ونصف مكتوب على الميل الذي وراءها: قريب من ستة أميال من البريد، ومن هذا البريد أهلَّ النبي الأعظم ﵇، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان للنبي الأعظم ﵇، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس والآخر مسجد المعرس، وهي أبعد المواقيت من مكة؛ تعظيمًا لأجر النبي الأعظم ﵇.
(ويُهلُّ)؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل الشام) : عطف على قوله: (يُهلُّ أهل المدينة)، وكذا قوله: (ويُهلُّ أهل نجد) : عطف عليه، والتقدير في الكل: ليهل؛ لأنَّه وإن كان في الظاهر على صورة الخبر، ولكنه في المعنى على صورة الأمر، والشآم؛ بالهمز وتركه، وهو طولًا من العريش إلى الفرات، وعرضًا من أيلة إلى بحر الروم.
(من الجُحْفة)؛ بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي الحليفة، وكان اسمها مَهْيَعة؛ بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح التحتية، سماها النبي الأعظم ﵇ بذلك فأجحف السيل بأهلها؛ أي: أذهبه فسميت جحفة، وهي على ستة أو سبعة مراحل من مكة، وكانت قرية كبيرة جامعة بها منبر بينها وبين البحر ستة أميال، وغدير خم على ثلاثة أميال منها، وهي ميقات المتوجهين من الشام، ومصر، والمغرب، وهي على ثمانية مراحل من المدينة، وكان أهلها العماليق بني عبيل، وهم أخوة عاد من يثرب.
(ويُهلُّ)؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل نَجْد)؛ بفتح النون وضمها لغتان، وسكون الجيم، آخره دال مهملة، لغة: ما أشرف من الأرض واستوى، وسمِّيت نجد؛ لعلوه، أو لصلابة أرضه، وكثرة حجارته، وصعوبته، أو لفزع من يدخله؛ لاستيحاشه، وهو مذكَّر، ولو أريد البلد؛ أنِّث، وهي سبعة مواضع: الحجاز: والشام، والعذيب، والطائف، والمدينة، واليمامة، والبحرين إلى عمان، ونجد المشهورة فيها خلاف والأكثر على أنَّها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام، وقيل: إن نجد ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق، وتمامه في «عمدة القاري».
(من قَرْن)؛ بفتح القاف وسكون الراء، جبل مدور أملس كأنه هضبة مطلٌّ على عرفات، فمن جاء على طريق نجد من جميع البلاد؛ فميقاته قرن المنازل، وهو شرق مكة ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا، وقيل: من قال: بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال: بالفتح أراد الطريق الذي يفرق منه.
وقال ابن الأثير: الفتح ليس بصحيح، فضبط الجوهري لها بفتح الراء خطأ، وزعم الجوهري أيضًا: أن أويسًا (١) القرني بفتح القاف منسوب إليه وهو خطأ أيضًا، والصواب: سكون الراء، وإن أويسًامنسوب إلى قبيلة يقال لها بنوا قرن؛ فليحفظ.
(وقال ابن عمر) : عطف على لفظ (عن عبد الله بن عمر) عطفًا من جهة المعنى كأنه قال: قال نافع: قال ابن عمر، وقال: (ويزعمون) : عطف على مقدر؛ وهو قال رسول الله ﷺ ذلك، ولا بدَّ من هذا التقدير؛ لأنَّ الواو لا تدخل بين القول ومقوله، والمراد من الزعم: إما القول المحقق، أو المعنى المشهور له؛ لأنَّه لا يراد من هؤلاء الزاعمين إلا أهل الحجة والعلم بالسنة، ومحال أن يقولوا ذلك بآرائهم؛ لأنَّ هذا ليس مما يقال بالرأي، كذا قرَّره الإمام بدر الدين في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.
(أن رسول الله ﷺ ؛ بفتح الهمزة، فـ (أن) مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي (زعم)، وفي رواية مالك قال: (وبلغني أن رسول الله ﷺ ، (قال: ويُهل)؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل اليمن من يَلَمْلَم)؛ بفتح الياء التحتية وفتح اللامين، جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، فإن أريد الجبل؛ فمنصرف، وإن أريد البقعة؛ فغير منصرف ألبتة، بخلاف قرن، فإنه على إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل وسطه، وتمامه في «عمدة القاري».
(وكان ابن عمر) ﵄ (يقول) : جملة محلها النصب خبر (كان) : (لم أفقه)؛ أي: لم أفهم ولم أعرف، وفي رواية في (الحج) : (لم أسمع) (هذه)؛ أي: هذه المقالة (من رسول الله ﷺ وهي: (يُهلُّ أهل اليمن من يَلَمْلَم)، ففي الحديث: بيان المواقيت الثلاثة بالقطع، والرابع شك فيه ابن عمر، وقد ثبت هذا أيضًا بالقطع في حديث ابن عباس أخرجه الشيخان وآخرون، وفي رواية مسلم عن جابر وزاد فيه مسلم: (ومهلُّ العراق ذات عرق)، وهو قول الجمهور، وأخرج هذه الزيادة أبو داود بالجزم عن عائشة، وكذا أخرجه النسائي؛ كل منهما برجال ثقات، فصارت ذات عرق ميقاتًا لأهل العراق بالنصِّ القطعي.
وزعم قوم أن أهل العراق لا وقت لهم محتجين بالحديث، ورُدَّ بأن الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي أخرج في كون الميقات لأهل العراق ذات عرق أربعة أحاديث عن الصحابة؛ وهم ابن عمر، وأنس، وجابر، وعائشة، وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي، والحارث بن عمرو عند أبي داود، وعمرو بن العاص عند الدارقطني.
وقال الشافعي: ميقات أهل العراق من العقيق؛ لحديث الترمذي عن ابن عباس: (وقَّت النبي ﵇ لأهل المشرق العقيق)، ولا حجَّة فيه؛ لأنَّ في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف لا يحتجُّ به.
وقال الشافعي في «الأم» : (ذات عرق لأهل العراق كان باجتهاد ابن عمر لا بالنص؛ لحديث الباب)، ورُدَّ بأنه ثبت ذلك بالنصِّ لا بالاجتهاد، كما علمت من الأحاديث الطافحة الدالة على ثبوته بالنص، وفيه أيضًا من معجزات النبي الأعظم ﵇؛ حيث أخبر أنه سيكون عراق ولهم مهل، ويسلمون ويحجون فكان ذلك، ووقَّت لأهل الشام الجحفة ولم يكن فتح، وقطع بلد الخليل لتميم الداري وكتب له بذلك، ولم يكن الشام إذ ذاك؛ فكان ذلك.
وفي الحديث: أيضًا أن هذه المواقيت لا يجوز مجاوزتها بغير إحرام سواء أراد حجًّا أو عمرة، فإن جاوزها بغير إحرام؛ يلزمه دم ولا يفسد حجُّه، وسيأتي تمام الكلام على ذلك في (الحجِّ) إن شاء الله تعالى بعونه، وقوَّته، وتوفيقه، فهو القادر على كل شيء.
(٥٣) [باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله]
هذا (باب من أجاب) الشخص (السائل) الذي سأل عنه (بأكثر)، وفي رواية: (أكثر)، (مما سأله) فلا يلزم مطابقة الجواب للسؤال؛ بل إذا كان السؤال خاصًّا والجواب عامًّا؛ جاز، وقولهم: (يجب أن يكون الجواب مطابقًا للسؤال) فمعناه: أن يكون الجواب مفيدًا للحكم المسؤول عنه، وليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة؛ فافهم.
[حديث: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل]
١٣٤ - وبه قال: (حدثنا آدم)؛ بمد الهمزة، ابن أبي إياس، (قال: حدثنا ابن أبي ذِئْب)؛ بكسر الذال المعجمة وبالهمزة الساكنة، محمد بن عبد الرحمن المدني، (عن نافع) : مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) : عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، (عن النبي) الأعظم ﷺ ؛ للتحويل، (وعن الزهري) : محمد بن مسلم بن شهاب، (عن سالم) : هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، (عن ابن عُمر)؛ بضم العين، عبد الله فهو والد سالم المذكور، (عن النبي) الأعظم ﷺ ، وفي رواية: بإسقاط حرف الجر وكلاهما عطف على قوله: (عن نافع)، فهما إسنادان أحدهما عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، والآخر عن آدم، عن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.
(أن رجلًا)، قال في «عمدة القاري» : لم أقف على اسمه، (سأله) ﵇، جملة محلها الرفع خبر (أن)، (ما) استفهامية أو نكرة موصوفة أو موصولة، محلها النصب مفعول ثان لـ (سأل) (يَلْبِس)؛ بفتح التحتية
стр. 88
والموحدة، مضارع: لبس؛ بكسر الموحدة.
(المحرم) بالحج أو العمرة، وأصله: الداخل في الحرمة؛ لأنَّه يحرم عليه به ما كان حلالًا له قبله من صيد ونحوه، (فقال) ﵇: (لا يلبسُ) من اللُّبس؛ بضم اللام من باب (علم يعلم)، وأما اللَّبس -بالفتح-؛ فهو من باب (ضرب يضرب)، يقال: لبست عليه الأمر، إذا خلطت عليه ومنه التباس الأمر وهو اشتباهه، روي بالرفع على أن لا نافية، وبالجزم على أنها ناهية؛ أي: المحرم.
(القميصَ)؛ بالنصب على المفعولية وهو معروف يتخذ من القطن أو الصوف جمعه: قمص وأقمصة وقمصان، وهو مذكَّر وقد يؤنَّث، (ولا العِمامة)؛ بكسر العين واحدة العمائم، وعمَّمته ألبسته العمامة، وعمِّمَ الرجل سوِّد؛ لأنَّ العمائم تيجان العرب، كما قيل في العجم توِّج واعتمَّ بالعمامة وتعمَّم بها بمعنى، وفلان حسن العمَّة؛ أي: الاعتمام، كذا في «عمدة القاري» عن الجوهري.
(ولا السراويل) : أعجمية عرِّبت وجاء على لفظ الجمع وهي واحدة يذكر ويؤنث، ولم يعرف الأصمعي إلا التأنيث ويجمع على: السراويلات، وقد يقال: هو جمع ومفرده سروالة وهو غير منصرف على الأكثر، وقال سيبويه: سراويل واحدة أعجمية، فأعربت فأشبهت في كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة، وإن سمَّيت بها رجلًا؛ لم تصرفها، ومن النحاة من لا يصرفه أيضًا في النكرة ويزعم أنه جمع: سروال والسراوين؛ بالنون لغة، والشراويل؛ بالشين المعجمة لغة أيضًا أفاده في «عمدة القاري».
(ولا البُرْنُس)؛ بضم الموحدة، وسكون الراء، وضم النون، ثوب رأسه منه ملتزق به، وقيل: قلنسوة طويلة، وكان النسَّاك يلبسونها في صدر الإسلام وهو من البِرس؛ بكسر الموحدة، وهو القطن والنون زائدة، وقيل: غير عربي، وكل ما جُبَّ فيه موضع لإخراج الرأس منه؛ فهو جبة، وكل ما خيط أو نسج في طرفه ليستمسك على اللَّابس؛ فهو برنس كالقفار ونحوها، وتمامه في «عمدة القاري».
(ولا ثوبًا)؛ بالنصب عطف على قوله (القميص)، وروي بالرفع على تقدير فعل ما لم يسم فاعله؛ أي: ولا يلبس ثوب، (مسَّه الوَرْس) : فعل، ومفعول، وفاعل، والجملة محلها النصب أو الرفع صفة لـ (ثوب)؛ بفتح الواو وسكون الراء آخره سين مهملة: نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب ويتَّخذ منه الغمرة للوجه مثل: حب السمسم فإذا جف عند إدراكه؛ يفتق فيغض منه الورس، وتمامه في «عمدة القاري».
(أو الزعفران)، وللأصيلي: (مسه الزَّعْفَران أو الورس) وهو بفتح الزاي والفاء وسكون العين بينهما نبت معروف يصبغ به، يقال: إن الكركمَ عروقه، وإذا كان في مكان لا يدخله سام أبرص وإنما عدل عن طريقة أخواته؛ لأنَّ الطيب حرام على الرجل والمرأة، فأراد أن يعمِّم الحكم للمحرم والمحرمة، بخلاف الثياب المذكورة؛ فإنَّها حرام على الرجال فقط، كذا في «عمدة القاري».
(فإن لم يجد النَّعْلين) : تثنية نعل وهي الحِذَاء؛ بكسر الحاء المهملة، والمد، وفتح النون، وسكون العين المهملة، جمعه: نعال، وكل ما وقيت به القدم من الأرض فهو نعل.
(فلِيلبس)؛ بكسر اللام وسكونها (الخفين) تثنية خفٍّ معروف جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء، (ولِيقطعهما)؛ بكسر اللام وسكونها عطف على (فليلبس)؛ أي: الخفين، (حتى) للغاية؛ أي: أن (يكونا)؛ أي: غاية قطعهما (تحت الكعبين) تثنية: كعب، والمراد به هنا: المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك لا العظم الناتئ عند مفصل الساق؛ فإنَّه في الوضوء، وهذا مذهب إمامنا المعظم الإمام الأعظم.
وقال الشافعي: إنه العظم الناتئ عند مفصل الساق، وجملة (تحت الكعبين) : خبر (يكونا) : المنصوب بحذف النون، والواو في (وليقطعهما) لا تدل على الترتيب، ومعناها الشركة والجمع مطلقًا من غير دلالة على تقديم أو مصاحبة، كما نص عليه سيبويه، وله شواهد في القرآن العظيم وإنما أجاب بما لا يلبس عمَّا يلبس؛ لأنَّ المتروك منحصر والملبوس لا ينحصر؛ لأنَّ الإباحة هي الأصل فحصر ما يترك؛ ليبيِّن أن ما سواه مباح، وهو من بديع كلامه وفصاحته.
وقد راعى (١) المفهوم أيضًا فإنه لو أجاب بما يلبس؛ لتوهم المفهوم، وهو أن غير المحرم لا يلبسه فانتقل إلى ما لا يلبس؛ لأنَّ مفهومه مستعمل منطوقه، فكان أفصح، ونبَّه بـ (القميص) و (السراويل) على كل ما يعمُّ العورة من المخيط وبـ (العمائم) و (البرانس) على كل ما يغطى به الرأس مخيطًا أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وأن لباس ذلك جائز للرجال في غير الإحرام وإنما كان لهم؛ لأنَّ النساء مأمورات بستر رؤوسهن، وبـ (الورس) و (الزعفران) على ما سواهما من أنواع الطيب وهو حرام على الرجل والمرأة والخصوص للرجال؛ من حيث أن الألفاظ كلها للمذكَّرين، والعموم من الأدلة الخارجة عن هذا الحديث، ويدل له رواية قوله: (ولا ثوبُ)؛ بالرفع، وحكمة تحريم اللباس على المحرم: التذلل والخضوع، وفي الطيب: ترك زينة الدنيا، وقطع الخف عند عدم وجود النعل واجب عند إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، فإن لم يقطعه؛ فعليه الفدية؛ للأمر بالحديث.
وقال الشافعي: إذا لم يجد النعل؛ لا يجب قطع الخف، والحديث حجَّة عليه أيضًا، وقال أحمد: يجوز لبس الخف بدون قطع، وزعم أصحابه: أن القطع إضاعة؛ لما روى مسلم: (فإن لم يجد النعلين؛ فليلبس الخفين)، ولا دليل في هذا؛ لأنَّ الجمهور على أن المطلق محمول على المقيَّد، وزيادة الثقة مقبولة يجب الإيمان بها، والإضاعة منهي عنها فيما لم يأمر الشرع به، ودعوى النسخ باطلة؛ لما في «صحيح ابن خزيمة» وغيره من بطلانها، كما أوضحه في «عمدة القاري».
فالحديث حجَّة عليه أيضًا، وهو القول بالرأي بعينه، ومنازعة السنة به؛ فليحفظ.
وقال مجاهد، وهشام بن عروة، وعروة، وابن الزبير، ومالك في رواية: لا يجوز لبس الثوب الذي مسَّه ورس أو زعفران للمحرم سواء كان مغسولًا أو لم يكن؛ لإطلاق الحديث.
وقال إمامنا الإمام الأعظم، ومالك في رواية، وأبو يوسف، ومحمد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يجوز لبس الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران إذا كان غسيلًا لا ينفض؛ لأنَّه ورد في حديث ابن عمر المذكور: (إلا أن يكون غسيلًا)، وأخرج هذه الزيادة الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي في «معاني الآثار» وساقه بتمامه برجال ثقات، وزعم ابن حزم أنه لا يعلم صحته، وزعمه باطل؛ لأنَّ نفي علمه لا يستلزم النفي عن غيره؛ فافهم.
وفي حديث ابن عباس: «من لم يجد إزارًا؛ فليلبس السراويل»، فأخذ به إمامنا الأعظم والإمام مالك، والشافعي، وأحمد، إلا أن إمامنا الأعظم ومالك أوجبا عليه الفدية بدليل آخر، والشافعي وأحمد أخذا بظاهره؛ فلم يجب عليه الفدية عندهما.
قال في «البدائع» : المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل والتستر فيه؛ فعل، فإن لبسه ولم يفتقه؛ فعليه دم في قول أئمتنا، وإن لم يجد رداء وله قميص؛ فلا بأس أن يشق قميصه ويرتدي به؛ لأنَّه لمَّا شقَّه؛ صار بمنزلة الرداء، وكذا إذا لم يجد الإزار؛ فلا بأس أن يفتق سراويله خلاف موضع التكة ويأتزر به؛ لأنَّه إذا فتقه؛ صار بمنزلة الإزار، والله أعلم.
((٤)) [كتاب الوضوء]
ولما فرغ المؤلف من كتاب (العلم) شرع يذكر العبادات مرتِّبًا لها على ترتيب حديث: «بني الإسلام»، وقدَّم الطهارة؛ لأنَّها مفتاح الصلاة، ولأن أوَّل شيء يسأل عنه العبد في القبر الطهارة فقال:
(بسم الله الرحمن الرحيم)
стр. 89
(كتاب الوُضوء)؛ بضم الواو من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة اسم للفعل، وبفتح الواو: اسم للماء الذي يُتوضَّأ به، وهو المشهور، وحكي: فتح الواو فيهما، وحكي أيضًا: ضم الواو فيهما، وشرعًا: غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، والصحيح: أنه ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما الذي اختصت به: هو الغرة والتحجيل، ذكره العلامة نوح أفندي.
وفي رواية عقب البسملة: (كتاب الطَّهَارة باب ما جاء في الوضوء) ، وهذا أنسب؛ لأنَّ الطهارة أعمُّ من الوضوء، والكتاب الذي يذكر فيه نوع من الأنواع ينبغي أن يترجم بلفظ عام حتى يشمل جميع أقسام ذلك الكتاب، وهي بفتح الطاء مصدر: طهر؛ بفتح الهاء أفصح من ضمها، وبكسرها: الآلة كالماء والتراب، وبضمها: اسم لما فضُل بعد التطهير، وحكي: الضم فيهما، وحكي أيضًا: الفتح فيهما، وهي النظافة.
وشرعًا: زوال حدث أو خبث، وهو تعريف صحيح؛ لصدقه بالوضوء وغيره كالغسل من الجنابة، أو الحيض، أو النفاس؛ بل وبالتيمم أيضًا.
والحدث: مانعية شرعية قائمة بالأعضاء إلى غاية استعمال المزيل، والخبث: عين مستقذرة شرعًا.
وأمَّا سبب وجوبها؛ فقيل: الحدث والخبث، قيل: وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي، وقيل: سببها: إقامة الصلاة، وصححه في «الخلاصة»، لكن نسبه في «العناية» إلى أهل الظاهر، وصرَّح في «غاية البيان» بفساده؛ لصحة الاكتفاء بوضوء واحد لصلوات مادام متطهِّرًا.
وقيل: سببها: إرادة الصلاة، وصححه في «الكشف»، واعترضه في «الفتح والتبيين»، وقيل: سببها: وجوب الصلاة لا وجودها؛ لأنَّ وجودها مشروط بها فكان متأخرًا عنها، والمتأخر لا يكون سببًا للمتقدم، كما في «العناية»، والذي اختاره الأكثر من أهل المذهب أن سببها: إرادة ما لا يحل إلَّا بها من صلاة ومسِّ مصحف كما في «البحر الرائق».
وهل الحدث حلَّ في جميع البدن كالجنابة حتى يمنع من مسِّ المصحف بظهره وبطنه أو مختص بأعضاء الوضوء؟ اختلف فيه، والأصحُّ: المنع كما في «الدر المختار»، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب».
(١) [باب ما جاء في الوضوء]
هذا (باب ما جاء) من اختلاف العلماء (في) معنى (قول الله تعالى:)، وفي رواية: (بابٌ)؛ بالتنوين، (في الوضوء وقول الله ، وفي أخرى: (باب ما جاء في الوضوء وقول الله (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾)؛ فـ (يا) حرف نداء للبعيد حقيقة أو حكمًا، وقول الداعي: يا الله استقصار منه لنفسه واستبعاد عن مظانِّ القبول لعمله، و (أي) موصولة عند الأخفش حذف صدر صلتها، والمعنى: يا من هم الذين، أو نكرة مقصودة مبنية على الضم فهي وصلة لما فيه أل نحو يا أيها الرجل، ومنه الآية، و (الهاء) تكون للتنبيه فهي نعت؛ أي: في النداء، و (الذين) : اسم موصول موضوع للجمع وليس هو جمع الذي؛ لأنَّه عام لذي العلم وغيره، والذي يختصُّ بذوي العلم ولا يكون الجمع أخصُّ من مفرده، وهو إما أن يكون صفة لـ (أي) أو يكون موصوفها محذوفًا تقديره: يا أيها الناس الذين آمنوا، فالمجموع كله: هو صفة؛ أي: لا المقدر وحده ولا الموصول وحده، فسقط اعتراض اللاقاني على حافظ الدين النسفي.
و (آمنوا) : فعل ماض للجمع المذكر الغائبين من: (آمن يؤمن إيمانًا)، وإنَّما قال: (آمنوا) ولم يقل: آمنتم؛ ليدخل كل من آمن إلى يوم القيامة، ولو قال: آمنتم؛ لاختص بمن كان في عصره ﵇.
وافتتح المؤلف بهذه الآية؛ للتبرك ولأنها أصل في استنباط المسائل، وإن كان حق الدليل أن يؤخر عن المدلول؛ لأنَّ الأصل في الدعوى: تقديم المدعى.
(﴿إِذَا﴾) ظرفية تتضمن معنى الشرط فلذا دخلت الفاء في جوابها، (﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾)؛ أي: أردتم القيام إليها وأنتم محدثون، يدل لذلك ما في «مسلم» عن بريد: (أنه ﵇ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه فقال: «عمدًا صنعته»)، ورواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي والترمذي فثبت أن في الآية مقدَّرًا، وروى الحافظ الطحاوي والرازي والطبراني عن عبد الله بن علقمة عن أبيه قال: كان ﵇ إذا أجنب أو أهراق الماء إنَّما نكلِّمه؛ فلا يكلِّمنا ونسلِّم عليه؛ فلا يسلِّم علينا حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...﴾؛ الآية، فدلَّ على أن الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة، وأن التقدير: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، وبهذا يظهر فساد قول أهل الظاهر: أن الوضوء واجب في حق المحدث، سنة في حق الطاهر، فكل من قام إليها؛ فعليه أن يتوضأ.
واستدلُّوا بحديث ابن حنظلة: (أنه ﵇ أمره بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلمَّا شقَّ عليه؛ وضع عنه الوضوء إلا من حدث)، وهو ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ويردُّه قوله ﵇: «المائدة من آخر القرآن نزولًا فأحلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها» على أن الجمهور على أن المطلق محمول على المقيد؛ فافهم؛ وتمامه في «عمدة القاري».
واعلم أن إمامنا الشيخ بدر الدين العيني قد تكلم على هذه الآية في «شرحه» كعادته في الآحاديث كلامًا تحقيقيًّا لم يسبق إليه أصلًا لما هو في غاية التحقيق والتدقيق، وترتيب المعاني، والاستنباط، والاختلاف الواقع بين العلماء، فرحم الله هذا المؤلف ما أغزر علمه وأوفر فهمه قدَّس سره العزيز.
وإنَّما أضمر الحدث في الآية؛ كراهة أن يفتتح آية الطهارة بذكر الحدث، كما في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]؛ حيث لم يقل هدى للضالين الصائرين إلى التقوى بعد الضلال؛ كراهة أن يفتتح بذكر الضلالة، فالحدث شرط بدلالة النصِّ وصيغته أمَّا الأول: فقوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾؛ أي: من مضاجعكم، وهو كناية عن النوم وهو حَّدث، وأما الثاني: فلأنه ذكر في (التيمم) الذي هو بدل عنه، والبدل إنَّما وجب بما وجب به الأصل، فكأن ذكر الحدث في الحديث ذكر في المبدل.
وقوله: (إلى الصلاة) : يتناول سائر الصلوات المفروضات، والسنن المؤكدات، والنوافل؛ لأنَّ الصلاة اسم للجنس؛ فاقتضى أن يكون من شرط الصلاة الطهارة أيُّ صلاة كانت.
واستدل طائفة بظاهر الآية: أن الوضوء والتيمم لا يجزئ إلا بعد دخول الوقت، وهو فاسد؛ لأنَّه لم يوقِّت في النص دخول الوقت، ويؤيِّده حديث النسائي عن أبي هريرة أن النبي الأعظم ﵇ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وراح؛ فكأنَّما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية؛ فكأنَّما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة؛ فكأنمَّا قرب كبشًا، ومن راح في الساعة الرابعة؛ فكأنَّما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة؛ فكأنَّما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام؛ حضرت الملائكة يستمعون الذكر».
فهذا نصٌّ على جواز الوضوء والتيمم بالقياس عليه للصلاة قبل دخول وقتها؛ لأنَّ خروج الإمام قبل الوقت ضرورة، وإنما صرَّح بذكر الحدث في (الغسل) و (التيمم) دون (الوضوء)؛ ليعلم أن الوضوء يكون سنة ويكون فرضًا، والحدث شرط في الفرض دون السنة؛ فيكون الغسل على الغسل والتيمم على التيمم عبثًا لا فائدة فيه، وأن الوضوء على الوضوء نور على نور.
(﴿فَاغْسِلُوا﴾) : أمر للجمع المذكر الحاضرين، من: (غسل يغسل غَسلًا وغُسلًا)؛ بالفتح والضم كلاهما مصدران، وقيل: بالفتح مصدر، وبالضم اسم للاغتسال وللماء الذي يغسل به، وبالكسر ما يغسل به من صابون ونحوه.
وفي الشرع: الغسل: إمرار الماء على الموضع وسيلانه مع التقاطر ولو قطرة حتى لو لم يسل الماء بأن استعمله استعمال الدهن؛ لم يجز في «ظاهر الرواية» عن الإمام الأعظم، وكذا لو توضَّأ بالثلج ولم يقطر منه شيء؛ لم يجز، وقال الإمام أبو يوسف: يجوز ذلك؛ لأنَّ الغسل عنده مجرَّد بلِّ المحلِّ بالماء سال أو لم يسل، يقال له: غسل فينبغي للمتوضئ بالشِّتاء أن يبلَّ أعضاءه بالماء شبه الدهن ثم يسيل الماء عليها، وعلى القولين ليس الدَّلك من مفهومه، وإنما هو مندوب، وفي «الخلاصة» : أنَّه سنة.
وقال مالك بفرضيته، فقد زاد على النصِّ وهو غير جائز، والأمر يقتضي جواز الصلاة بوجود الغسل سواء قارنته النية أو لم تقارنه؛ لأنَّ الغسل اسم شرعي مفهوم المعنى في اللغة، وهو إمرار الماء على الموضع وليس هو عبارة عن النية، فمن شرط النية فيه؛ فقد زاد على النصِّ، والزيادة غير مقبولة شرعًا، فما قيل: إن فيه وجوب النية ممنوع باطل.
стр. 90
(﴿وُجُوهَكُمْ﴾)؛ بالنصب مفعول ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الذي هو جواب الشرط، جمع وجه أو أوجه، لغة: مأخوذ من المواجهة وهي المقابلة، وحدُّه طولًا: من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن سواء كان عليه شعر أم لا، والجبهة: اسم لما يصيب الأرض حالة السجود، والمراد بأسفل الذقن: مجتمع اللحيين، وهما عظما الحنك، ويسميان: الفكين وعليهما منابت الأسنان السفلى، وهذا الحدُّ أولى من قول بعض الشرَّاح والمتون: من قصاص شعره إلى أسفل الذقن؛ لأنَّه يعمُّ الأغمَّ، وهو ما نزل شعره حتى ضيق الجبهة؛ فلا يكفيه الغسل من القصاص.
والأصلع: هو ما انحسر مقدَّم شعر رأسه، فلو مسح على صلعته؛ جاز على الأصح، كما في «الخلاصة».
والأنزع: هو ما انحسر شعره من جانبي جبهته؛ فلا يجب غسلهما كما في «الدرر» و «النهر».
والأقرع: هو ما ذهب شعر رأسه، وهو ظاهر؛ فليحفظ.
وحدُّه عرضًا: ما بين شحمتي الأذنين؛ أي: ما لان منهما، والأُذُن؛ بالضمِّ ولك إسكانها تخفيفًا، والشحمة: معلق القُرط؛ بضم القاف: السوار الصغير المسمى: بالحَلَق؛ بفتحتين، والحدُّ (١) يشير إلى أن الغاية غير داخلة في المغيا لا طولًا ولا عرضًا، وهو كذلك فيفترض غسل ما بين العذار والأذن من البياض؛ لدخوله في الحدِّ، وهو قول الإمام الأعظم ومحمد وبه يفتى، كما في «الدر».
وقال الإمام أبو يوسف: لا يفترض غسله والخلاف في الملتحي، أمَّا الأمرد، والمرأة، والكوسج؛ فيفترض عليه الغسل اتفاقًا، كما في شروح «ملتقى الأبحر»، والعِذار؛ بكسر العين: الشعر النابت على الخد ويخرج الأذنان؛ لعدم دخولهما في الحدِّ اتفاقًا، وشمل الحد غسل المياقي جمع: موق وهو مؤخر العين، والماق مقدمها؛ لأنَّه يجتمع فيهما غالبًا الرمص، وهو ما جمد من الوسخ ولونه أصفر يخرج من العين حين رطوبتها، فيجب إزالته وإيصال الماء تحته إن كان يبقى حال تغميض العين، فلو في داخل العين بحيث لو غمَّض عينيه يبقى داخلًا؛ فلا يجب للحرج، كذا في «البحر».
وشمل الحدُّ ما يظهر من الشفتين عند الانضمام؛ لأنَّه تبع للوجه، فيفترض غسلهما على المعتمد، وقيل: لا؛ لأنَّهما تبع للفم، والمراد بالانضمام: هو الطبيعي المعتاد لا بشدَّة وتكلُّف، وكذا لو غمَّض عينيه شديدًا؛ لا يجوز، لكن ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم الجواز، كما في شرح «نظم الكنز»؛ للحرج والضَّرر؛ لأنَّ العين شحم لا يقبل الماء ومن تكلَّف من الصحابة فيه كُفَّ بصره في آخر عمره كابن عباس وابن عمر ﵄، كما في «المبسوط»، حتَّى لو اكتحل بكحلٍ نجسٍ؛ لا يجب غسله، كما صرح به في «حواشي المراقي».
ولا يجب غسل ما تحت ونيم ذباب، وبرغوث، وحنَّاء، ودرن، ودهن، وتراب، وطين؛ لأنَّ الماء يخرقه وللحرج، ولا أصول اللحية والشارب إذا كانا كثيفين أما إذا بدت البشرة فيهما؛ فيجب غسلها، فالمسترسل من الشعر عن دائرة الوجه لا يجب غسله ولا مسحه اتفاقًا عندنا، كما في «النهر الفائق»، نعم يسنُّ مسحه كما في «المنية»؛ بل يسن غسله كما في «الحلية».
ويجب غسل جلد السمك، والخبز الممضوغ الجاف، والدرن اليابس في الأنف، بخلاف الرطب، كما في «القهستاني»، وكذا يجب غسل الشمع والشحم، كما في «الإمداد»، وما ذكرناه من الحد يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين بالآية؛ لأنَّهما لا يواجه بهما، فمن قال: بوجوبهما في الوضوء؛ فقد زاد على النصِّ، وهو غير جائز، نعم يسن غسلهما ويفترض في الغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس؛ لأنَّهما من تمام البدن، كما في المتون والشروح.
(﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾)؛ بالنصب على العطف على (وجوهكم)؛ أي: اغسلوا أيديكم، جمع: يد، وأصلها: يدي على وزن: (فعْل)؛ بسكون العين، وجمع الأيدي: أيادي (٢)، مثل (أكرع وأكارع) وهي من أطراف الأصابع إلى المنكب، وفي هذا وغيره مقابلة الجمع بالجمع وهي تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد كقولهم: ركب القوم دوابهم، فمعناه: وجوب غسل يد واحدة من كل مكلف.
وأجيب: بأن غسل يد واحدة ثابت في النص، واليد الأخرى ثابتة إمَّا بدلالة النص، أو بفعل الرسول ﵇ المتواتر.
(﴿إِلَى المَرَافِقِ﴾)، جمع: مِرْفَق؛ بكسر الميم وفتح الفاء وعلى العكس: مجتمع طرف الساعد والعضد، والأول اسم الآلة والثاني اسم المكان، ويجوز فتح الميم والفاء على أن يكون مصدرًا أو اسم مكان على الأصل.
واختلف هل الغاية داخلة في المغيَّا أم خارجة عنها؟ فقال الإمام الأعظم، وأبو يوسف، ومحمد، والحسن، والشافعي، وأحمد، ومالك في رواية: أن الغاية داخلة؛ فيفترض غسل المرفقين والكعبين، وقال الإمام زفر، وداود، ومالك في رواية أشهب: أن الغاية غير داخلة؛ فلا يفترض غسلهما، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالليل غير داخل في الصوم بالإجماع، فكذا هذا.
قلنا: إن الغاية إذا كانت لإسقاط ما وراءها تدخل، ومتى كانت لمد الحكم إليها؛ لا تدخل، وهذه الغاية لإسقاط ما وراءها؛ لأنَّه لو اقتصر على وأيديكم وأرجلكم؛ لتناول إلى الإبط وإلى الفخذ؛ لأنَّ اليد اسم لهذه الجملة من رؤوس الأصابع إلى الإبط، فلمَّا قال: ﴿إِلَى المَرَافِقِ﴾؛ خرج عن أن يكون المرفق والكعبان داخلين تحت السقوط؛ لأنَّ الحد لا يدخل في المحدود فبقيت الغاية داخلة بمطلق الاسم، فبقي الغسل ثابتًا في اليد مع المرفق والرجل مع الكعب، والغاية في الصوم؛ لمدِّ الحكم، فيتناول إمساك ساعة، فإن من حلف لا يصوم؛ يحنث بصوم ساعة، فلم تدخل.
قال في «البحر» : وهذا الفرق غير مطَّرد لانتقاضه بالغاية في اليمين، فإنَّ ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم عدم الدخول؛ كما لو حلف لا يكلمه إلى عشرة أيام؛ لا يدخل العاشر مع تناول العدد، كما في «جامع الفصولين»، وكذلك رأس السمكة في قوله: لا آكل السمكة إلى رأسها؛ فإنَّها لا تدخل مع التناول المذكور، انتهى.
وأجاب في «فتح القدير» : بأن الكلام هنا على مقتضى اللغة والأيمان مبنية على العرف عندنا، وجاز أن يخالف العرف اللغة، اهـ؛ فتأمل.
وقيل: إن (إلى) بمعنى: مع؛ أي: مع المرافق، ورُدَّ بأنهم قالوا: اليد من رؤوس الأصابع إلى المنكب، فإذا كانت (إلى) بمعنى: مع؛ وجب غسل اليد إلى المنكب؛ لأنَّه كأغسل القميص وكمَّه، وغايته أنَّه كإفراد فرد من العام، إذ هو تنصيص على بعض متعلِّق الحكم بتعلُّق عين ذلك الحكم، وذلك لا يخرج غيره، ولو أخرج؛ كان بمفهوم اللقب، وهو ليس بحجة.
وقال العلَّامة جار الله الزمخشري والعلَّامة التفتازاني: إنَّ (إلى) تفيد الغاية مطلقًا، فأمَّا دخولها في الحكم وخروجها عنه؛ فأمر يدور مع الدليل، فما فيه دليل الخروج قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وما فيه دليل الدخول آية «الإسراء» للعلم بأنه لا يسرى به إلى المسجد الأقصى من غير أن يدخله، وما نحن فيه لا دليل على أحد الأمرين، فقالوا: بدخولهما احتياطًا؛ لأنَّهم لم يروا عنه ﵇ قطُّ عدم غسلهما، فلا يفيد الافتراض؛ لأنَّ الفعل لا يفيده.
قال في «البحر» : والحقُّ أنَّ شيئًا مما ذكروه لا يدلُّ على الافتراض، فالأولى الاستدلال بالإجماع على فرضيَّتهما، قال الشافعي في «الأم» : لا نعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجر في «الفتح» : فعلى هذا فأهل الظاهر، ومالك، والإمام زفر محجوجون بالإجماع، انتهى.
وردَّه في «النهر الفائق» : بأن قوله: (لا أعلم مخالفًا) ليس حكاية منه؛ للإجماع الذي يكون غيره محجوجًا به، فقد قال الإمام اللامشي في «أصوله» : لا خلاف في أن جميع المجتهدين لو اجتمعوا على حكم واحد ووجد الرضا من الكل نصًا؛ كان ذلك إجماعًا، أمَّا إذا نصَّ البعض وسكت الباقون -لا عن خوف بعد اشتهار القول- فعامة أهل السنة على أن ذلك يكون إجماعًا، وقال الشافعي: لا أقول إنه إجماع، ولكن أقول لا أعلم فيه خلافًا، وقال أبو هاشم من المعتزلة: لا يكون إجماعًا ويكون حجَّة، وقيل: لا يكون حجَّة أيضًا، انتهى، ولهذا لم يحتج في «عمدة القاري» بالإجماع.
وقال في «شرح المنية» : إنَّ غسل المرفقين والكعبين ليس بفرض قطعي، بل هو فرض عملي لا يكفَّر جاحده، فقال في «النهر» أيضًا: ولهذا لا يحتاج إلى دعوى الإجماع؛ لأنَّ الفروض العملية لا يحتاج في إثباتها إلى القاطع، فيحتاج إلى الإجماع، اهـ.
وقال في «عمدة القاري» : والدليل على دخولهما في الغسل ما في «مسلم» من
стр. 91
حديث أبي هريرة: (أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في الساقين ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ)، ولم ينقل تركها، فكان فعله بيانًا أنه مما يدخل، وقوله: (حتى أشرع)؛ أي: أدخل وروي: (حتى أسبغ)، وقدَّمنا أن هذا لا يفيد الافتراض؛ لأنَّ الفعل لا يفيده.
وروي: (أن عمَّارًا تيمم إلى المنكب وقال: تيممنا إلى المناكب مع رسول الله ﵇، وكان ذلك بعموم الآية، ولم ينكر عليه من جهة اللغة؛ لأنَّه من أهل اللغة، فكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب، فثبت بذلك أن الاسم يتناول إلى المنكب، وذكر التحديد بعده يقتضي ذلك إسقاط ما وراءها، وتمامه في «عمدة القاري».
والغايات أربعة: غاية مكان، وغاية زمان، وغاية عدد، وغاية فعل، فغاية المكان من هذا الحائط إلى هذا الحائط، وغاية الزمان قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وكلاهما لا يدخلان في المغيا، وغاية العدد عليه من درهم إلى عشرة، فهي لا تدخل عند الإمام الأعظم والإمام زفر، وعند الإمام أبي يوسف والإمام محمد تدخل، وغاية الفعل: نحو أكلت السمكة حتى رأسها، فإن نصبت السين؛ دخلت وتكون (حتى)؛ بمعنى: الواو عاطفة، وإن خفضتها؛ لم تدخل وتكون (حتى)؛ بمعنى: إلى، كذا قاله الحدادي في «الجوهرة»، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب» «شرح مختصر الإمام القدوري»، وظاهر ما قدمناه: يفيد الوجوب لا الافتراض؛ فتأمل، والله أعلم.
وفي «الظهيرية» : من قطعت يداه ورجلاه وبوجهه جراحة يصلي بلا وضوء ولا تيمم ولا يعيد في الأصح، اهـ.
ومثله: في أكثر الكتب، وأمَّا فاقد الطهورين؛ ففي «الدر» عن «الفيض» وغيره: أنه يتشبه بالمصلين وجوبًا، فيركع ويسجد إن وجد مكانًا يابسًا، وإلا؛ يومئ قائمًا ولا يقرأ ثم يعيد وهو قول الصاحبين، اهـ.
وبه ظهر أن تعمد الصلاة بلا طهر غير مكفِّر كصلاته لغير القبلة أو مع ثوب نجس، وهو ظاهر المذهب كما في «الخانية» وغيرها، وقال بعضهم: المختار أنه يكفر بالصلاة بغير طهارة لا بالصلاة بالثوب النجس وإلى غير القبلة؛ لجواز الأخيرتين حال العذر بخلاف الأولى فإنه لا يؤتى بها بحال؛ فيكفَّر، اهـ، كما في حواشي شيخ شيخنا، ويجب غسل كل ما كان مركبًا على أعضاء الوضوء كالأصابع الزائدة والكف الزائد، فإن كان خلق على العضو؛ غَسَلَ ما يحازي محلَّ الفرض ولا يلزمه غسل ما فوقه، كذا في «الينابيع».
وقشرة القرحة إذا ارتفعت ولم يصل الماء إلى ما تحتها؛ لا بأس به في الوضوء والغسل؛ لأنَّها متصلة بالجلد اتصال الخلقة، كذا في «الجوهرة» وفي «المجتبى»، ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه في الوضوء إن كان واسعًا، وفي الضيِّق اختلاف المشايخ؛ فروى الحسن عن الإمام الأعظم: عدم اشتراط النزع والتحريك، ومثله في «الخانية»، لكن المختار من الرواية: أنه يجب تحريك الخاتم الضيق؛ لأنَّ النبي الأعظم ﵇ كان يحرِّك خاتمه إذا توضأ، ولو انضمَّت الأصابع أو طال الظفر فغطَّى الأنملة؛ وجب غسل ما تحته، ولا يمنع درن تحت الأظفار سواء كان قرويًا أو مدنيًا في الأصح، وعليه الفتوى، وقيل: درن المدني يمنع؛ لأنَّه من الودك بخلاف القروي؛ لأنَّه من التراب، وتمامه في «شرحنا»، والله تعالى أعلم.
(﴿وَامْسَحُوا﴾) : أمر من: (مسح يمسح مسحًا)؛ أي: (فعَل يفعَل)؛ بالفتح فيهما، يقال: مسح الأرض مساحة؛ زَرَعها، ومسح المرأة؛ جامعها، وفي الشرع: المسح: الإصابة باليد المبتلَّة، ويجيء بمعنى: الغسل، كما يأتي.
(﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾) : الجار والمجرور محله النصب على المفعولية، وهو يدل على فرضية المسح على الرأس، واختلف في المفروض منه، فقال الإمام أبو الحسن القدوري: والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وهي ما بين النزعتين من الشعر، كما في «شرح الإرشاد»، وقيل: مقدَّم الرأس، كما في «ضياء الحلوم»، وهي -أي: الناصية-: ربع الرأس، وهو ما اختاره في «الهداية»، و «التبيين»، و «شرح الوقاية».
وقال في «البحر» : الناصية: ليست قدر ربع الرأس بدليل أن صاحب «البدائع» وغيره نقلوا عن الإمام الأعظم روايتين؛ في رواية: المفروض مقدار الناصية، وفي رواية: الربع، ولا تغاير بين الروايتين؛ لأنَّ الإمام الإسبيجابي روى: أن المفروض مقدار الناصية ثم قال: هذا إذا كانت الناصية تبلغ ربع الرأس، وإن لم تبلغ؛ لا يجوز، وروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم: أنه الربع، وروى الكرخي والحافظ الطحاوي: أنه مقدار الناصية، فعلى هذا من روى: الربع؛ روى: الناصية.
وروى هشام عن الإمام: أن المفروض مقدار ثلاثة أصابع، وهي ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم وعليها جرى في «النهاية»، لكن المعتمد رواية: الربع، وعليها مشى المتأخرون كابن الهمام، وابن أمير حاج، والمقدسي، وصاحب «البحر» و «النهر»، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وعليه الفتوى؛ لأنَّ الباء في ﴿برؤوسكم﴾ للإلصاق عند المحققين وأنه المجمع عليه، بخلاف غيره، والفعل الذي هو المسح قد تعدَّى إلى الآلة وهي اليد؛ لأنَّ الباء إذا دخلت على الآلة تعدى الفعل إلى كل ممسوح؛ كمسحت رأس اليتيم بيدي، أو على المحلِّ تعدَّى الفعل إلى الآلة، والتقدير: وامسحوا أيديكم برؤوسكم، فيقتضي استيعاب اليد دون الرأس، واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالبًا سوى ربعه؛ فتعين الربع مرادًا في الآية وهو المطلوب.
وقال مشايخنا: الآية مجملة محتاجة للبيان وقد بيَّنتها السنة، ففي «صحيح مسلم» من حديث المغيرة بن شعبة: (أن النبي الأعظم ﵇ توضَّأ ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين)، وعند ابن ماجه عن المغيرة: (أنه ﵇ أتى سباطة قوم، فبال، وتوضأ ومسح على ناصيته وخفَّيه)، ورواه النسائي، وروى أبو داود عن أنسٍ قال: (رأيت رسول الله ﵇ يتوضَّأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه)، وسكت أبو داود، وما سكت عليه؛ فهو حسن عنده، وروى البيهقي عن عطاء: (أنه ﵇ توضأ فحسر العمامة ومسح مقدَّم رأسه، -أو قال-: ناصيته)، وهو حجَّة أيضًا وإن كان مرسلًا سيما وقد اعتضد بالمتصل، وتمام مسح المقدم: هو الربع المفسر للناصية.
فإن قلت: الحديث يقتضي بيان عين الناصية، والمدعى ربع غير معين وهو الناصية فلا يوافق الدليل؟!
أجيب: بأن الحديث يحتمل معنيين بيان المجمل وبيان المقدر، وخبر الواحد يصلح بيانًا للمجمل في الكتاب، والإجمال في المقدار دون المحل؛ لأنَّه الرأس وهو معلوم، فلو كان المراد منه مطلق البعض؛ لا يحتاج إلى البيان، فإن المسح على أدنى ما ينطلق عليه الاسم غير ممكن إلا بزيادة غير معلومة، وإن الله أفرد المسح بالذكر، ولو كان المراد بالمسح مطلق البعض؛ لم يكن للإفراد بالذكر فائدة.
فإن قلت: لا نسلِّم أن الكتاب مجمل؛ لأنَّ المجمل ما لم يمكن العمل به إلا ببيان، والعمل بالنصِّ ممكن؛ لحمله على الأقل.
قلت: لا نسلِّم أن العمل به ممكن قبل البيان، والأقل لا يكون أقل من شعرة، والمسح عليها لا يكون إلَّا بزيادة عليها، وما لا يمكن إلَّا به فهو فرض، والزيادة غير معلومة فتحقَّق الإجمال في المقدار.
فإن قلت: سلَّمنا أنه مجمل والخبر بيان له، ولكن الدليل أخصُّ من المدلول؛ لأنَّ المدلول مقدار الناصية، وهي الربع والدليل يدلُّ على تعيين الناصية.
قلنا: البيان فيه؛ لما فيه الإجمال، فكأن الناصية بيان للمقدار لا للمحل المسمى: ناصية؛ إذ لا إجمال في المحل، فكان من باب ذكر الخاص وإرادة العام، وهو مجاز شائع، فكانا متساويين في العموم.
فإن قلت: لا نسلِّم أن مقدار الناصية فرض؛ لأنَّ الفرض ما ثبت بدليل قطعي، وخبر الواحد لا يفيد القطع ولئن سلَّمناه، ولكنَّ لازمه -وهو تكفير الجاحد- منتف فينتفي الملزوم.
قلت: الأصل في هذا أن الخبر الواحد إذا لحق بيانًا للمجمل؛ كان الحكم بعده مضافًا إلى المجمل دون البيان، والمجمل من الكتاب دليل قطعي، ولا نسلِّم انتفاء اللازم؛ لأنَّ الجاحد من لا يكون مؤولًا، وموجب القول أو الجميع مؤول يعتمد شبهة
стр. 92
قوية، وقوة الشبهة تمنع التكفير من الجانبين، ألا ترى أنَّ أهل البدع لا يُكَفَّرون بما منعوا مما دلَّ عليه الدليل القطعي في نظر أهل السنة؛ لتأويلهم، وتمامه في «عمدة القاري» و «منهل الطلاب».
وقال مالك: المفروض في مسح الرأس ثلثيه، وفي رواية: الثلث، وفي أخرى: مسح كله فرض، وهو المعتمد عنده؛ لأنَّ الباء: زائدة، والمعنى: امسحوا رؤوسكم، فتعيَّن مسح الجميع، وبه قال أحمد بن حنبل، ويدل لذلك ما رواه مالك من حديث عبد الله بن يزيد بن عاصم: (أنَّه سئل عن وضوئه ﵇، فأكفأ على يديه)، وفي آخره: (ثم أدخل يده في التَّور، فمسح رأسه، فأقبل بها وأدبر مرة واحدة، ثمَّ غسل رجليه)، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين، والقول بزيادتها ضعيف، ويصان كلام الباري عن الزيادة التي لا فائدة فيها، فإنَّه مهما أمكن حمل كلامه تعالى على المعنى؛ يصار إليه ولا يعدل عنه، وإنَّ الحديث الذي رواه ليس بقوي؛ لأنَّ فيه راوٍ ساقط مجهول، وحديث المغيرة وأنس أقوى؛ لأنَّه مروي في الكتب الستة من طرق متعددة، حتَّى قيل: إنَّه بلغ مبلغ المتواتر.
وقال الشافعي: المفروض في مسح الرأس: مسح بعض شعرة أو ثلاث شعرات؛ لأنَّ الباء عنده معناها: التبعيض، وبشعرة أو ثلاث يطلق عليه البعض، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين كما مرَّ، والتبعيض ليس معنًى أصليًّا؛ بل يحصل في ضمن الإلصاق.
وقال ابن جني وابن برهان: من زعم أن الباء للتبعيض؛ فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه، وأثبت ابن مالك والفارسي التبعيض، وهو ضعيف، كما نصَّ عليه المحققون، وأنَّه لم يرو في الأحاديث الصحاح ولا الضعاف: أنَّه ﵇ مسح شعرة أو ثلاث شعرات، ولا أحد من الصحابة والتابعين، فالقول: بالتبعيض ضعيف واهٍ لا يعتمد عليه، كما نصَّ عليه المحققون، والله تعالى أعلم.
(﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾) : يجوز فيه ثلاثة أوجه: الرفع؛ وهي قراءة نافع والأعمش، والنصب قراءة علي، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك، وابن عامر، والكسائي وغيرهم، والجر قراءة أنس، وعلقمة، وأبو جعفر، والمشهور قراءة النصب والجر، فالرفع على معنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة، والنصب عطفًا على المغسول، والجر عطفًا على الممسوح.
ففيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة: أنَّ وظيفة الرجلين الغسل لا غير.
الثاني: مذهب الإمامية من الشيعة وغيرهم: أنَّ الفرض المسح لا غير.
الثالث: مذهب الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري، والشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، والمتصوفة: أنَّه مخير بين الغسل والمسح.
والقراءتان متعارضتان فهو في حكم المجمل المفتقر إلى البيان.
وقد ورد البيان عن النبي الأعظم ﵇ قولًا وفعلًا، أما الأول: فالأحاديث الصحيحة المستفيضة في الكتب المروية عن جابر، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن الحارث، وابن الوليد، وابن سفيان، وأبي أمامة، والصديق الأكبر، وأنس بن مالك وغيرهم: (أنه رأى قومًا يتوضؤون، فبقي على أقدامهم قدر الدرهم لم يصبه الماء، فقال ﵇: «ويل للأعقاب من النار»، فكان أحدهم ينظر، فإن رأى موضعًا لم يصبه الماء؛ أعاد الوضوء)، أخرجها الحافظ الطحاوي، والمؤلف، ومسلم، والدارمي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو نعيم، والطبراني، والحاكم، وأبو عوانة، وأبو داود وغيرهم، كما بسطها الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «عمدة القاري».
وأما الثاني: فالأحاديث الصحيحة أيضًا المستفيضة بالنقل المتواتر عن عثمان بن عفان، وعلي الصديق الأصغر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد، والربيع، وعمرو بن عنبسة (١) وغيرهم: (أنَّه ﵇ غسل رجليه في الوضوء)، كما بسطها في «عمدة القاري»، ولم يثبت في الأحاديث الصحاح أنَّه ﵇ مسح رجليه بغير خف في حضر ولا سفر، وما روى ابن خزيمة: (أنَّ النبي ﷺ توضأ ومسح بالماء على رجليه)؛ فمنكر لا تقوم به حجَّة، وروي مثله في مسح الرجلين، وكلها ضعيفة؛ بعضها فيه مجهول، وبعضها منسوخ، وبعضها فيه ابن لهيعة، وبالجملة؛ فهي لا يحتج بها، كما بسطها في «عمدة القاري»، والوعيد الذي في الأحاديث الصحاح لا يجوز أن يستحق إلا بترك المفروض، فهذا يوجب استيعاب الرجل بالغسل.
وأمَّا قراءة الجر؛ فأجيب عنها بأجوبة:
منها: أنَّها جرت على مجاورة (رؤوسكم)، وإن كانت منصوبة كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] على جوار ﴿يوم﴾ وإن كان صفة لـ ﴿عذاب﴾، وقولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ؛ بجر (خرب) وإن كان مرفوعًا صفة لـ (جحر)، وللنحاة باب مستقل في ذلك.
ومنها: أنَّها عطفت على الرؤوس؛ لأنَّها تغسل بصب الماء عليها، فكأنَّ مظنة الإسراف المنهي عنه لا لتمسح، ولكنَّه؛ لينبِّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، فجيء بالغاية؛ ليعلم أنَّ حكمها مخالف لحكم المعطوف عليه؛ لأنَّه لا غاية في الممسوح، قاله في «الكشاف».
ومنها: أنَّه محمول على حالة اللبس للخف، والنصب على الغسل عند عدمه.
ومنها: أنَّ المسح يستعمل بمعنى الغسل الخفيف، يقال: مسح على أطرافه؛ إذا توضأ، قاله أبو زيد وأبو علي الفارسي.
والتوفيق بين القراءتين يمكن أن يحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتان، وقراءة الجر على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين؛ توفيقًا بين القراءتين، وعملًا بهما بالقدر الممكن.
وقد يقال: إن قراءة الجر معارضة لقراءة النصب، فلا حجة فيهما إذن؛ لوجود المعارضة، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.
(﴿إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾) : قال جمهور أهل اللغة: الكعبان: العظمان الناتئان في آخر الساق مع القدم، وكلُّ مفصل للعظام؛ فهو كعب إلا أنَّ هذين الكعبين ظاهران عن يمنة القدم ويسرته؛ فلذلك لم يحتج أن يقال: الكعبان اللذان من صفتهما كذا وكذا.
وقالت الإمامية من الشيعة وكل من يرى المسح: إنَّ الكعب: عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق؛ حيث يكون مفصل الساق والقدم عند معقد الشراك، وهو مردود؛ لأنَّه لو كان كما قالوه؛ لكان في كلِّ رجل كعب واحد، فكان ينبغي أن يقول: إلى الكعاب؛ لأنَّ الأصل: أنَّ ما يوجد من خلق الإنسان مفردًا، فتثنيته بلفظ الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ومتى كان مثنًّى؛ فتثنيته بلفظ التثنية، فلمَّا لم يقل: إلى الكعاب؛ عُلِم أن المراد ما ذكره جمهور أهل اللغة، كما علمت.
ويدلُّلما قلناه حديث عثمان بن عفان: (أنَّه ﵇ غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثمَّ اليسرى كذلك)، أخرجه مسلم، فدلَّ على أنَّ في كلِّ رجل كعبين، وحديث النعمان بن بشير في تسوية الصفوف: (فقد رأيت الرجل يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه)، رواه أبو داود والمؤلف، وحديث طارق قال: (رأيت رسول الله ﵇ في سوق ذي المجاز وعليه جبَّة حمراء وهو يقول: «يا أيها الناس؛ قولوا؛ لا إله إلا الله؛ تفلحوا» ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمي عرقوبيه وكعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس؛ لا تطيعوه؛ فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن عبد المطلب، قلت: فمن هذا الذي يتبعه ويرميه بالحجارة، قالوا: هذا عبد العزى أبو لهب)، وهذا يدل: على أنَّ الكعب: هو العظم الناتئ في جانب القدم؛ لأنَّ الرمية إذا كانت من وراء الماشي؛ لا تصيب ظهر القدم.
فإن قلت: روى هشام بن عبد الله الرازي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني أنَّه قال: إن الكعب في ظهر القدم عند معقد الشراك.
قلت: اتفق جميع الشرَّاح وأصحاب المناسك على أنَّ ذلك سهو من هشام في نقله عن الإمام محمد؛ لأنَّه قال ذلك في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين
стр. 93
حيث يقطع خفيه أسفل الكعبين، وأشار الإمام محمد بيده إلى موضع القطع، فنقله هشام إلى الطهارة؛ فليحفظ.
وقال ابن بطال في «شرحه» : إنَّه مذهب الإمام الأعظم.
وأجيب: بأن هذا جهل من ابن بطال بمذهب الإمام الأعظم؛ لأنَّه لم يقل به أحد من أصحابه، فهذه جرأة وسوء أدب وافتراء؛ فليحفظ.
واعلم: أن الترتيب بين أفعال الوضوء اختلف فيه؛ فقال إمامنا الإمام الأعظم: إنَّه سنَّة، واختار القدوري أنَّه مستحب، واختار غيره أنَّه واجب، والمعتمد الأول؛ لمواظبة النبي الأعظم ﵇ على ذلك مع الترك أحيانًا، والمواظبة مع الترك تفيد السُّنِّيَّة.
وروى المؤلِّف وأبو داود: أنَّه ﵇ تيمَّم فبدأ بذراعيه قبل وجهه، فلما ثبت عدم الترتيب في التيمم ثبت في الوضوء؛ لأنَّ الخلاف فيهما واحد، ولأنَّ الواو في الآية لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا ولا معية؛ بإجماع أهل اللغة كما نصَّ عليه رئيس الصنعة سيبويه، وروي في «السنن» : أنَّه ﵇ نسي مسح رأسه ثمَّ تذكر فمسحها ولم يُعِد غسل رجليه، وهو مرسل يصح الاحتجاج به عندنا.
وقال الشافعي: إنَّ الترتيب فرض للآية؛ حيث عقَّب القيام بغسل الوجه بالفاء؛ وهي للترتيب، ومتى وجب تقديم الوجه؛ تعيَّن الترتيب وهو منقوض؛ لأنَّ الفاء وإن اقتضت التشريك، لكن المعطوف على ما دخلت عليه الفاء بالواو مع ما دخلت كالشيء الواحد؛ فأفادت ترتيب غسل هذه الأعضاء على القيام إلى الصلاة، لا ترتيب بعضها على بعض، وهذا مما يُعلم بالبديهة، قال الله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فللقاتل أن يبدأ بأيِّهما شاء بالإجماع، وكذا لو قال لغلامه: إذا دخلت السوق؛ فاشتر لحمًا، وخبزًا، وموزًا؛ لا يلزمه شراء اللحم أولًا، واستُدلَّ للشافعي بحديث: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع طهوره مواضعه، فيغسل يديه ثم يغسل به وجهه ثم ذراعيه...» الحديث، وكلمة: (ثمَّ)؛ للترتيب وهو منقوض؛ لأنَّ النووي قال: (إنَّه حديث ضعيف لا يُحتجُّ به)، على أن كلمة: «ثمَّ»؛ للتراخي ولم يقل به أحد وصار بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]؛ أي: وصورناكم.
واستُدلَّ للشافعي أيضًا بأن الله تعالى ذكر ممسوحًا بين مغسولات، والأصل: جمع المتجانس على نسق واحد، ثم عطف غيرهما، لا يُخرَج عن ذلك إلا لفائدة، وهي هنا وجوب الترتيب، وهو منقوض؛ لما نص عليه المفسرون من أن الفائدة هنا التنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء على الأرجل؛ لما أنَّها مظنة الإسراف، والحاصل: أن الدليل قائم على عدم الافتراض؛ لأنَّه الأصل ومدعيه مطالب بالدليل؛ فليحفظ.
فائدة: استُدِل بهذه الآية على أن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، وأمَّا قبل ذلك؛ فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السِّيَر على أن غسل الجنابة فرض على النبي الأعظم ﵇ بمكة؛ كما افترضت الصلاة، وأنَّه لم يصل قط إلا بوضوء، وروى الحاكم في «المستدرك» من حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي ﵇ وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: «ائتوني بوضوء؛ فتوضأ»، فهو دليل على وجود الوضوء قبل الهجرة، وأنه فرض.
وزعم ابن الجهم بأنَّه كان قبل الهجرة مندوبًا، وزعم ابن حزم بأنَّه لم يشرع إلا بالمدينة.
ورد عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في «المغازي» التي يرويها عن أبي الأسود يتيم عروة عنه: أن جبريل علَّم النبي ﵇ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو مرسل، ووصله أحمد وابن ماجه من رواية راشد بن سعيد، وأخرجه الطبراني من طريق الليث بن عقيل موصولًا، والله أعلم.
(قال أبو عبد الله) يعني: المؤلف: (وبيَّن)؛ بتشديد التحتية، وللأصيلي: (قال: وبين) (النبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: في حديث ابن عباس الآتي موصولًا في باب (أن النبي الأعظم ﵇ توضأ مرة مرة) (أن فرض الوضوء)؛ المجمل في الآية المذكورة (مرة) للوجه ومرة لليدين و (مرة) للرأس ومرة للرجلين، وروي فيهما الرفع والنصب، أما الرفع؛ فعلى الخبرية لـ (أن) وهو أقوى الأوجه، وأمَّا النصب؛ فعلى أوجه:
أحدها: أنَّه مفعول مطلق؛ أي: فرض الوضوء غسل الأعضاء غسلة واحدة.
والثاني: أنَّه ظرف؛ أي: فرض الوضوء ثابت في الزمان المسمَّى بالمرة، ذكر هذا الوجه الكرماني، قال في «عمدة القاري» : وفيه بعد، وأقرَّه البرماوي.
الثالث: أنَّه حال سدت مسد الخبر كقراءة بعضهم ﴿ونحن عصبة﴾؛ بالنصب.
الرابع: أنه نصب على لغة من ينصب الجزأين لـ (أن) كقوله: إنَّ حُرَّاسنَا أسدًا، كذا قرره في «عمدة القاري»، قال: (وفائدة التكرار: إما التأكيد أو إرادة التفصيل؛ أي: فرض الوضوء غسل مرة للوجه... إلى آخره، فالتفصيل بالنظر إلى أجزاء الوضوء، أو المعنى: فرض الوضوء في كل وضوء مرة في هذا الوضوء فالتفصيل بالنظر إلى جزئياته) انتهى.
(وتوضأ) ﵇ (أيضًا)؛ بفتح الهمزة مصدر (أضَّ) إذا رجع، كما في الحديث؛ أتى بيانه موصولًا في باب على حدة، (مرتين مرتين)؛ بالتكرار، وفي رواية بدونه، ووجه انتصابهما مثل انتصاب (مرة) كما سبق قريبًا.
(وتوضأ) ﵇ أيضًا (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، وفي رواية: (وثلاثًا ثلاثًا)، وفي رواية: (وثلاثة) بالهاء، فأشار المؤلف بهذين التعليقين إلى أن الأمر من حيث هو لإيجاد حقيقة الشيء المأمور به لا يقتضي المرة ولا التكرار، بل هو محتمل لهما فبيَّن النبي الأعظم ﵇ أن المراد منه: المرة؛ حيث غسل مرة واحدة واكتفى بها، لأنَّه لو لم يكن الفرض إلا مرة واحدة؛ لم يجز الاجتزاء بها، وأشار بقوله: (مرتين) و (ثلاثًا) إلى أن الزيادة عليها مندوب إليها؛ لأنَّ فعل الرسول ﵇ يدل على الندب غالبًا إذا لم يكن دليل على الوجوب بكونه بيانًا للواجب.
قال في «عمدة القاري» : وبيان النبي الأعظم ﵇ أن فرض الوضوء مرة مرة؛ وقع في حديث ابن عباس: أنه ﵇ توضأ مرة مرة، وهو بيان بالفعل لما أجمل في الآية، وحديث أبي بن كعب: أنه ﵇ دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ففيه بيان بالقول والفعل، وهذا أخرجه ابن ماجه، ولكنه ضعيف، وله طرق أخرى كلها ضعيفة، وتمامه فيه، قلت: يحتمل أنه صار حسنًا لغيره لتعدد طرقه وعدم اشتداد ضعفها؛ فليحفظ.
(ولم يزد)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (على ثلاث) بدون التاء، وهي الرواية الصحيحة، كما في «عمدة القاري»، وهو القياس؛ لأنَّ المعدود مؤنث، وفي رواية بالتاء، فإما أوله بـ (أشياء) وإما لأنَّه محذوف، كذا قيل.
قال في «عمدة القاري» : المعنى أنه لم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوء النبي الأعظم ﵇ أنه زاد على ثلاث؛ بل ورد عنه ﵇ ذم من زاد عليها، وهو ما رواه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب: أن النبي ﵇ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: «من زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم»، وإسناده جيد، وكيف يكون ظالمًا بالنقصان وقد ورد في الأحاديث الوضوء مرة مرة ومرتين كما سبق؟
وأجيب عنه بأجوبة:
стр. 94
الأول: أن فيه حذفًا؛ تقديره: أو نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه أبو نعيم بن حماد مرفوعًا: «الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث؛ فقد أخطأ»، وهو مرسل، ورجاله ثقات.
الثاني: أن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم اقتصروا على قوله: «فمن زاد» فقط، كذا رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي عليه السلامن فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هذا الوضوء فمن زاد على هذا؛ فقد أساء، وتعدى، وظلم»، ورواه ابن ماجه في «سننه» وأحمد في «مسنده» والنسائي في «سننه» بلفظ: «فقد أساء وتعدى وظلم».
الثالث: أنَّه يكون ظالمًا لنفسه في تركه الفضيلة والكمال، وإن كان مرة مرة أو مرتين مرتين.
الرابع: أنَّه يكون ظالمًا إذا اعتقد خلاف السنية في الثلاث، ويقال: الإساءة ترجع إلى الزيادة، والظلم إلى النقصان؛ لأنَّ الظلم: وضع الشيء في غير محله، قلت: وكذا الزيادة على الثلاث أيضًا وضع الشيء في غير محله، وأيضًا هذا إنَّما يتمشى على رواية تقديم الإساءة على النقصان؛ فافهم.
قال في «منهل الطلاب» : (واختلف في تأويله؛ فقيل: من زاد على أعضاء الوضوء بأن مسح الحلقوم أو نقص عنها، أو زاد على الحد المحدود أو نقص عنه، أو زاد على الثلاث معتقدًا أنَّ إكمال السنة لا يحصل بالثلاث).
قال في «الحلية» : (والظاهر: أنَّه لو نقص غسلهما عن الثلاث كان آتيًا بالسنة تاركًا لكمالها)، ووافقه في «النهر» وهو جارٍ على القول بأن الأولى فرض، والثانية سنة، والثالثة إكمال، كما في «الكشف»، والصحيح: أنَّه محمول على الاعتقاد دون نفس العمل حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن الثلاثة سنة؛ لا يلحقه الوعيد، كذا في «البدائع»، واقتصر عليه في «الهداية»، ومشى عليه في «الدر المختار»، وفي «البحر» : السنة تكرار الغسلات المستوعبات لا الغرفات، والمرة الأولى فرض، والثنتان بعدها سنتان مؤكدتان على الصحيح، كما في «السراج»، واختاره في «المبسوط»، وأيَّده في «النهر».
ولو اقتصر على مرة واحدة؛ ففي إثمه قولان: قيل: يأثم؛ لترك السنة، وقيل: لا يأثم؛ لأنَّه قد أتى بما أُمِر به، كذا في «السراج»، واختار في «الخلاصة» أنه إن اعتاده؛ أثم، وإلا؛ فلا، ومشى عليه في «الدر»، وهو محمل القولين، كما في «الفتح» و «النهر»، أمَّا إذا لم يجعله عادة له بأن اقتصر على واحدة أحيانًا، أو فعله؛ لعزة الماء، أو لعذر البرد، أو لحاجة؛ فلا يكره، كما في «الخلاصة».
وأمَّا إن زاد على الثلاث لطمأنينة القلب؛ فمندوب؛ لأنَّه أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وهذا في غير الموسوس، أمَّا هو؛ فيلزمه قطع مادة الوسواس عنه، وعدم الالتفات إلى التشكيك؛ لأنَّه فعل الشيطان، وقد أمرنا بمخالفته، ويؤيده ما ذكره في «التاترخانية» : (أنَّه لو شك في بعض وضوئه؛ أعاده إلا إذا كان بعد الفراغ منه، أو كان الشك عادة له، فإنه لا يعيده ولو قبل الفراغ؛ قطعًا للوسوسة عنه) انتهى.
وأمَّا إذا زاد بنية وضوء آخر بعد الفراغ من الأول؛ فلا بأس به؛ لأنَّه نور على نور، وكذا إن نقص؛ لحاجة لا بأس به، كما في «المبسوط»، وفي «التاترخانية» : (لو زاد على الثلاث؛ فهو بدعة، وهذا إذا لم يفرغ من الوضوء، أمَّا لو فرغ ثم استأنف الوضوء؛ فلا يكره بالاتفاق) انتهى، ومثله في «الخلاصة»، وعارض دعوى الاتفاق في «البحر» بما في «السراج» من أنَّه مكروه في مجلس واحد قبل أن يؤدي بالأول عبادة، ووفَّق في «النهر» بأن ما مرَّ فيما إذا أعاده مرة واحدة وما في «السراج» فيما إذا كرره مرارًا، انتهى، قيل: وهو بعيد، وتمامه في «شرحنا»، والله تعالى أعلم.
(وكرِه)؛ بكسر الرَّاء مخففة وبفتحها مشددة، والمكروه: ضد المحبوب، يقال: كَرِه الشيء يكرهه -من باب (سَمِع) - كَرهًا ويضم، وكراهية؛ بالتخفيف والتشديد؛ إذا لم يحبه، كما في «القاموس».
والمكروه نوعان: مكروه تحريمًا؛ وهو المحمل عند إطلاقهم الكراهة، وهو ما تَرْكُه واجب ويثبت بما يثبت به الواجب، كما في «فتح القدير»، ومكروه تنزيهًا؛ وهو ما تركه أولى من فعله، وكثيرًا ما يطلقونه، فلا بد من النظر في الدليل، فإن كان نهيًا ظنيًّا؛ يحكم بكراهة التحريم ما لم يوجد صارف عنه إلى التنزيه، وإن لم يكن الدليل نهيًا، بل كان مفيدًا للترك الغير الجازم؛ فهي تنزيهية، قاله صاحب «البحر».
ثم المكروه تنزيهًا إلى الحلِّ أقرب اتفاقًا كما في «البرهان»، وأمَّا المكروه تحريمًا؛ فالمشهور عن الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف: أنه إلى الحرام أقرب؛ بمعنى: أنه ليس فيه عقوبة بالنار، بل بغيرها كحرمان الشفاعة، وعند الإمام محمد: هو حرام، ولم يطلقه عليه؛ لعدم النص الصريح فيه، كذا في شروح «الملتقى».
(أهل العلم) أي: المجتهدون منهم (الإسراف)؛ وهو صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير؛ فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي (فيه)؛ أي: في الوضوء، أشار بذلك إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة عن هلال بن يسار أحد التابعين قال: (كان يقال: في الوضوء إسراف، ولو كنت على شاطئ نهر)، وأخرج ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ مرَّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟»، قال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم؛ ولو كنت على نهر جارٍ».
(وأن يجاوزوا) أي: أهل العلم (فعل النبي) الأعظم ﷺ ، بالعطف على قوله: (الإسراف فيه)، وهو عطف تفسير للإسراف؛ إذ ليس المراد بالإسراف إلا المجاوزة عن فعله ﵇؛ أي: الثلاث، وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: (ليس بعد الثلاث شيء).
واختلف في الكراهة؛ فقال شمس الأئمة الحلواني: إنها تحريمية، وعليه مشى الإمام الجليل قاضيخان، واستوجهه في «الحلية»، و «البحر»، و «النهر»، ومشى عليه في «الدر»؛ حيث قال: (والإسراف؛ ومنه: الزيادة على الثلاث في الماء مكروه تحريمًا، ولو بماء النهر والمملوك له) انتهى.
أقول: وذكر المحقق في «فتح القدير» أن ترك التقتير والإسراف من المندوبات، ومثله في «البدائع» وغيرهما؛ فأفاد أن الكراهة تنزيهية، وتقدم أن حديث: «من زاد على هذا أو نقص؛ فقد تعدى وظلم» محمول على الاعتقاد عندنا، كما صرح به في «الهداية» وغيرها، وقال في «البدائع» : (إنه الصحيح، حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن الثلاث سنة لا يلحقه الوعيد) انتهى، وهو صريح في عدم كراهة التحريم؛ فلا ينافي كراهة التنزيه، ويؤيد هذا ما في «الدر» معزوًّا (١) للقهستاني عن «الجواهر» : من أن الإسراف في الماء الجاري جائز؛ لأنَّه غير مضيع، انتهى والجائز: قد يطلق على ما لا يمتنع شرعًا، فيشمل المكروه تنزيهًا، وتقدم ما يفيد أن الكراهة تنزيهية لا تحريمية، وأوضحناه في شرحنا؛ فتأمل.
وأما الماء الموقوف على من يتطهر به، ومنه ماء المدارس؛ فالإسراف فيه حرام، كما في «الدر»؛ لأنَّ الزيادة غير مأذون بها؛ لأنَّه إنَّما يوقف ويساق لمن يتوضأ الوضوء الشرعي، ولم يقصد إباحتها لغير ذلك كما في «الحلية»، قال العلامة الرحمتي: (وينبغي تقييده بما ليس بجارٍ؛ كالذي في صهريج، أو حوض، أو نحو إبريق، أما الجاري؛ كماء مدارس دمشق وجوامعها؛ فهو من المباح كماء النهر) انتهى، وأقرَّه شيخ شيخنا السيد محمد محشي «الدر» وارتضاه.
стр. 95
وقد يقال: إنَّ الظاهر: أن الكراهة التنزيهية في الماء الراكد، أمَّا الجاري؛ فلا كراهة أصلًا، والله أعلم، وقالت الشافعية: إنَّ الكراهة تنزيهية على الأصح، وقيل: تحريمية، وقيل: خلاف الأَولى، وحكى الدارمي عن قوم من الشافعية: أنَّ الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء؛ كالزيادة في الصلاة، قال العجلوني: (وهو مردود بأنه قياس فاسد، وخطأ ظاهر، ومخالف لما عليه العلماء)، وقال أحمد وإسحاق: لا تجوز الزيادة على الثلاث، وقال ابن المبارك: إنَّه يأثم.
قيل: مراد المؤلف: الإجماع على الكراهة في منع الزيادة على الثلاث وفيه نظر؛ لأنَّ الشافعي قال في «الأم» : (لا أحب الزيادة عليها؛ فإن زاد؛ لم أكرهه)، واعترض بأن المؤلف لم يذكر حديثًا في الباب، وأجيب: بأن قوله: (وبيَّن النبي ﵇...) إلخ: حديث؛ لأنَّ المراد من (الحديث) أعم من قول الرسول، غاية ما في الباب: أنه ذكره على سبيل التعليق، وكذا قوله: (وتوضأ...) إلخ: حديث؛ لما ذكرنا، ولا شك أن كلًّا منهما بيان للسنة، وهو المقصود من الباب، وتمامه في «عمدة القاري».
(٢) [باب لا تقبل صلاة بغير طهور]
هذا (باب) بالتنوين: (لا تُقبل)؛ بضم المثناة الفوقية، مبني لما لم يسم فاعله (صلاةٌ)؛ بالرفع نائب عن الفاعل، وفي رواية: (لا يقبل الله صلاة) (بغير طُهور)؛ بضم الطاء: الفعل الذي هو المصدر، والمراد به هنا ما هو أعم من الوضوء والغسل، وما زعمه الكرماني من تخصيصه بالوضوء؛ فليس بصواب؛ فافهم، وأمَّا بفتح الطاء؛ فهو الماء الذي يتطهر به.
وهذه الترجمة لفظ حديث رواه مسلم وغيره من حديث ابن عمر بزيادة قوله: «ولا صدقة من غلول»، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طريق أبي المليح عن أبيه عن النبي الأعظم ﵇ قال: «لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور»، وله طرق كثيرة ليس فيها شيء على شرط المؤلف؛ فلهذا عدل عنه إلى ما ذكره من حديث أبي هريرة مع أنَّ حديث ابن عمر مطابق لما ترجم له، وحديث أبي هريرة يقوم مقامه، كذا في «عمدة القاري».
[حديث: لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ]
١٣٥ - وبه قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي)؛ بالحاء المهملة والظاء المعجمة، المشهور بابن راهويه (قال: أخبرنا عبد الرزاق) : هو ابن همام (قال: أخبرنا مَعمَر)؛ بفتح الميمين، بينهما عين ساكنة مهملة، ابن راشد، (عن همَّام)؛ بتشديد الميم الأولى (بن مُنَبِّه) بضم الميم، وفتح النُّون، وتشديد الموحدة المكسورة: (أنه سمع أبا هريرة) : عبد الرحمن بن صخر ﵁ (يقول) جملة وقعت حالًا (قال رسول الله ﷺ : لا تُقبل) بضم المثناة الفوقية، مبني لما لم يسم فاعله (صلاةُ)؛ بالرفع نائب فاعل، كذا في أكثر الروايات، وفي رواية هنا وفي (ترك الحيل) : (لا يقبل الله صلاةَ)؛ بالنصب على المفعولية، والمراد بالقبول هنا: ما يرادف الصحة وهو الإجزاء، فحقيقة القبول: وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، ولمَّا كان الإتيان بشروطها مظنَّة الإجزاء الذي هو القبول؛ عبَّر عنه بالقبول مجازًا، وأمَّا القبول المنفي في مثل قوله ﵇: «من أتى عرَّافًا؛ لم تقبل له صلاة»؛ فهو الحقيقي؛ لأنَّه قد يصح العمل، ولكن يتخلف القبول لمانعٍ، ولهذا كان بعض السلف يقول: لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا، قال: ابن عمر؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، والتحقيق هنا: أنَّ القبول يراد به شرعًا حصول الثواب، وقد تتخلف الصحة بدليل صحة صلاةِ العبد الآبق وشارب الخمر ما دام في جسده شيء منها، والصلاةِ في الدار المغصوبة، وأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله ﵇: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، والمراد بالحائض: من بلغت سن الحيض؛ فإنَّها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة، والقبول يفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء.
وقوله: «لا يقبل...» إلخ: عام في عدم القبول في جميع المُحدِثين في جميع أنواع الصلاة، والمراد بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا: يلزم من القبول الصحة ظاهرًا وباطنًا، وكذا العكس، وقيل: إن الصحة عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر؛ فهما متغايران؛ أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم؛ فالقبول على هذا أخص من الصحة؛ فكل مقبول صحيح ولا عكس؛ فليحفظ.
وقوله: (مَن)؛ موصولة مضافة لما قبلها وصلتها قوله: (أحدث)؛ أي: وُجِد منه الحدث، أو أصابه الحدث، أو دخل في الحدث، من الحدوث؛ وهو كون الشيء لم يكن، قال الصغاني: (وقول الفقهاء: أحدث؛ أي: أتى منه ما نقض طهارته؛ فلا تعرفه العرب) انتهى.
قلت: وفيه أن الحدث: الشيء الحادث؛ فيطلق على كل ما نقض الوضوء؛ لحدوثه، وهذا بموضوعه يطلق على الأكبر؛ كالجنابة، والحيض، والنفاس، والأصغر؛ كنواقض الوضوء، وقد يسمَّى المنع المترتب عليه: حدثًا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع إلا أن يكون رافعًا، وكان الشارع جعل أمد المنع المترتب على خروج الخارج إلى استعمال المطهر، وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث؛ لكون المرتفع هو المنع، وهو مرتفع بالتيمم، لكنه مخصوص بحالة ما أو بوقت ما، وليس ذلك ببدع؛ فإنَّ الأحكام قد تختلف باختلاف محلِّها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكلِّ صلاة؛ فقد ثبت أنه كان مختصًّا بوقت مع كونه رافعًا للحدث اتفاقًا، ولا يلزم من انتفائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة ألَّا يكون رافعًا للحدث، ثمَّ زال ذلك الوجوب، كما عرف.
وذكر الفقهاء أن الحدث: وصف حكميٌّ مقدَّر قيامه بالأعضاء على معنى الوصف الحسي، ويُنْزِلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء، فمن يقول: بأنَّ التيمم لا يرفع الحدث؛ يقول: إن الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع الذي هو ترتب عليه التيمم زائل.
(حتى) للغاية؛ بمعنى: إلى أن (يتوضأ) بالماء أو ما يقوم مقامه؛ لأنَّه قد أتى بما أُمِر به، على أنَّ التيمم من أسمائه الوضوء، قال ﵇: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين»، رواه النسائي بإسناد صحيح عن أبي ذر، فأطلق الشارع على التيمم أنَّه وضوء؛ لكونه قام مقامه، وهذا نفي القبول إلى غاية وهي الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها؛ فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيًا؛ فإن لفظ: (صلاة) اسم جنس؛ فيعم، والمراد أنَّه قد أتى بباقي شروط الصلاة، والضمير في (يتوضأ) يرجع إلى من أحدث، وسمَّاه محدثًا وإن كان طاهرًا باعتبار ما كان؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، وإنما اقتصر على الوضوء؛ نظرًا لكونه الأصل، أو لكثرة وقوعه، وهذا آخر الحديث والباقي إدراج من همَّام؛ حيث قال: (قال رجل) لم يعرف اسمه (من حَضْرمَوت)؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الضَّاد المعجمة، وفتح الميم، اسم بلد باليمن وقبيلة أيضًا، وهو من المركَّب المزجي، فهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، والأول منه مبني على الفتح على الأصح، والثاني المنع من الصرف، وقيل: ببنائهما على الفتح، وقيل: بإعرابهما فيقال: هذا حضرُموتِ برفع الرَّاء وجر التاء، ويجوز فيه الإضافة،
стр. 96
وقال العلَّامة الزمخشري: (فيه لغتان؛ التركيب ومنع الصرف، والثانية: الإضافة، فإذا أضيف؛ جاز في المضاف إليه الصرف وتركه)، وتمامه في «عمدة القاري» : (ما الحدث)؛ مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، وفي رواية: (فما الحدث) (يا أبا هريرة؟) وفي بعض النسخ بحذف الهمزة؛ للتخفيف (قال) أي: أبو هريرة: (فُسَاء)؛ بضم الفاء، وفتح السين المهملة، والمد، مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو فساء؛ أي: الحدث فساء، (أو ضُراط)؛ بضم الضَّاد المعجمة، وهما مشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدبر، يمتاز الأول بكونه بدون صوت، والثاني مع الصوت، وإنَّما اقتصر على هذين مع أن المراد كل خارج من السبيلين، أو ما يكون مظنَّة له كزوال العقل؛ تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، أو لأنَّهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، أو لعلمه أن السائل كان يعلم ما عدا ذلك.
قال في «عمدة القاري» : وفيه بعد، والأقرب أن يقال: إنه أجاب السائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، كما ورد نحو ذلك في حديث آخر: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، وفي الحديث دلالة على [أنَّ] الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة، ويدخل فيها صلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وسجدة التلاوة والشكر وغيرهما، وحكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري: أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث والإجماع، ومن الغريب أنَّ قولهما قال به بعض الشافعية؛ فلو صلَّى محدثًا متعمدًا بلا عذر؛ أثم ولا يكفر عند الجمهور، وروي عن الإمام الأعظم أنَّه يكفر لتلاعبه وقد سبق؛ فافهم، لكن قد يفرق بين صلاة الجنازة والصلاة المطلقة؛ بأن الأولى: دعاء حقيقة، والثانية: ذات الأركان والأفعال، وهو دليل على [أنَّ] تعمد صلاة الجنازة بغير طهور غير مكفِّر؛ لأنَّها دعاء، والصلاة المطلقة المختار أنه يكفر، كما حررناه فيما سبق.
قال بعض الشراح: هذا الحديث رد على من يقول: إذا سبقه الحدث؛ يتوضأ، ويبني على صلاته.
قلت: هذا قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل، وهو رواية عن مالك، وبه قال الشافعي في القديم، وهو ليس يرد عليهم، كما زعم؛ لأنَّ من سبقه الحدث في صلاته إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته؛ يصدق عليه أنه توضأ وصلى بالوضوء، على أنه قد ورد في الحديث عنه ﵇ أنه قال: «من أحدث في صلاته؛ فلينصرف، فليتوضأ، ثم يتم صلاته»، وسيأتي في محلِّه بقية الكلام.
وقال الكرماني: (وفيه: أنَّ الطواف لا يجزئ بغير طهور؛ لأنَّ النبي ﵇ سمَّاه صلاة؛ فقال: «الطواف صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام»).
قلت: الأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، واشتراط الطهارة في الطواف بخبر الواحد زيادة على النص، وهي نسخ؛ فلا يثبت به، غير أنَّا نقول بوجوبها؛ لخبر الواحد، ومعنى الحديث: الطواف كالصلاة، والتشبيه في الثواب دون الحكم؛ لأنَّ التشبيه لا عموم له ألا ترى أن الإنحراف فيه، والمشي، والكلام وغيرهما فيه لا يفسده؛ فافهم، والله أعلم.
(٣) [باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء]
هذا (بابُ فضلِ الوُضوء)؛ بضم الواو بجر (فضل) بالإضافة إلى (باب)، وبرفعه بلا إضافة خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا، وعليه؛ فـ (باب) بالتنوين (والغرَّ المحجلين)؛ بالجر للمستملي عطفًا على الوضوء؛ أي: وفضل الغر المحجلين، كما صرح به الأصيلي، وفي أكثر الروايات كما في «عمدة القاري» : (والغرُّ المحجلون)؛ بالرفع إمَّا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وإما بالعطف على (فضل) المرفوع في الرواية، وإما على الحكاية، وأيَّده في «عمدة القاري» بأنه وقع في رواية مسلم: (أنتم الغرُّ المحجَّلون)، وعليها فـ (الغر) : مجرور بكسرة مقدَّرة عطفًا على المجرور السابق، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، و (المحجَّلون) : نعت لـ (الغر) مجرور بياء مقدرة في الآخر، منع من ظهورها اشتغال المحل بحرف الحكاية، وإمَّا على أن يكون (الغر) خبرًا لمبتدأ محذوف؛ نحو: أنتم، يقدر بعد الواو، أو أن يكون (الغر) مبتدأ، و (المحجلون) صفته، وخبره محذوف؛ أي: مفضلون على غيرهم، أو الخبر قوله: (من آثار الوُضوء)؛ أي: منشؤهم آثار الوضوء، و (من)؛ للسببية، أو لابتداء الغاية، و (الوُضوء) : بضم الواو وفتحها، والواو في (والغر) عاطفة؛ لأنَّ التقدير: باب فضل الوضوء وباب هذه الجملة، وجعلها ابن حجر استئنافية، وتبعه الشيخ إسماعيل، وردَّه في «عمدة القاري» بأن فيه ركاكة، وتبعه البرماوي والدماميني؛ حيث قال: (لا يصح؛ لعدم صحة الحمل؛ لعدم الفائدة).
وقال الزركشي: (و «الغرُّ المحجلون» بالرفع، وإنما قطعه عمَّا قبله؛ لأنَّه ليس من جملة الترجمة)، وردَّه في «عمدة القاري» بأنَّه ليس كما قال، بل هو من جملة الترجمة؛ لأنَّه هو الذي يدل عليها صريحًا؛ لمطابقة ما في حديث الباب إياها، كما ستقف عليه، انتهى، وتبعه على ذلك البرماوي، وانتصر للزركشي الدمامينيُّ تعصُّبًا، وردَّه الشيخ إسماعيل بما يطول؛ فليحفظ.
[حديث: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء]
١٣٦ - وبه قال: (حدثنا يحيى بن بُكَيْر)؛ بضم الموحدة، وفتح الكاف، وإسكان التحتية، المصري (قال: حدثنا الليث) : هو ابن سعد المصري، (عن خالد) : هو ابن يزيد، من الزيادة، الإسكندراني البربري الأصل، أبو عبد الرحيم، المصري التابعي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة، (عن سعيد) بكسر العين (ابن أبي هلال) الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، ولد بمصر، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة، (عن نُعَيْم)؛ بضم النُّون، وفتح العين، وسكون التحتية، ابن عبد الله أو محمد المدني العدوي (المُجمِر)؛ بضم الميم الأولى وكسر الثانية: اسم فاعل من الإجمار على الأشهر، وقيل: بتشديد الميم الثانية من التجمير؛ وهو التبخير، سمي به نعيم وأبوه أيضًا؛ لأنَّهما كانا يبخران مسجد النبي الأعظم ﵇، فهو صفة لهما حقيقة، فلا تصح دعوى المجاز في نعيم كما زعمه النووي؛ فليحفظ.
(قال: رَقِيت)؛ بكسر القاف؛ أي: صعدت، وفي «المطالع» : (أنه بفتح القاف بالهمز وبدونه) انتهى، فهي ثلاث لغات، واللغة الصحيحة المشهورة: كسر القاف، كذا في «عمدة القاري» (مع أبي هريرة) ﵁ (على ظهر المسجد)؛ أي: مسجد النبي الأعظم ﵇، فـ (أل) للعهد، (فتوضأ) بالفاء، وفي رواية: (ثم توضأ)، وفي أخرى: (توضأ) بدون حرف عطف، وفي أخرى: (وتوضأ) بواو العطف، وفي رواية: (يومًا) : بدل (توضأ)، واتفق الشراح على
стр. 97
أنه تصحيف.
وقال العجلوني: (المعنى صحيح فلا ينبغي الجزم بالتصحيف؛ فتأمل).
قلت: تأملته فوجدت المعنى غير مستقيم؛ لأنَّه تفوت المناسبة بين قولهما، وسياق الحديث يدل على ما قلنا؛ فافهم.
ولم يبيِّن هنا كيفية الوضوء، وفي رواية مسلم من طريق عمارة بن غزيَّة عن نعيم قال: (فتوضأ، فغسل وجهه، ويديه فرفع في عضديه، وغسل رجليه فرفع في ساقيه)، وزاد فيه أنَّ أبا هريرة قال: (هكذا رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ)، فأفاد رفع الوضوء، وفيه الرد على من زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة، بل هو من روايته ورأيه معًا كذا قيل.
(فقال) وفي رواية: (قال) بحذف حرف العطف على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ثمَّ ماذا؟ فقال: قال (إني) بكسر الهمزة (سمعت النبي) الأعظم؛ مقول القول، وفي رواية: (رسول الله) ﷺ يقول)؛ جملة وقعت حالًا من (النبي)، وإنَّما عبر بالمضارع؛ لأجل الاستحضار للصورة الماضية، أو لأجل الحكاية عنها، وإلا؛ فالأصل أن يقال: قال؛ بلفظ الماضي: (إن)؛ بكسر الهمزة مقول القول (أمتي)؛ اسم إن، والمراد بها: أمة الإجابة؛ لأنَّ الأمة في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وهي في اللغة: الجماعة، وكل جنس من الحيوان أمة، ففي الحديث: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم؛ لأمرت بقتلها»، ويستعمل في اللغة لمعان كثيرة: الطريقة، والدين، والحين، والملك، والرجل الجامع للخير، والرجل المنفرد بدينه، والأمة: أتباع الأنبياء ﵈، وأمة محمد ﵇ تطلق على معنيين: أمَّة الدعوة؛ وهي من بعث إليهم، وأمة الإجابة؛ وهي من صدَّقه وآمن به، وهذه هي المرادة هنا، كما قلنا، كذا في «عمدة القاري».
(يُدعون)؛ بضم أوله على صيغة المجهول، في محل رفع خبر (إنَّ)، وأصله: يدعوون؛ بواوين، تحركت الأولى، وانفتح ما قبلها؛ قلبت ألفًا، فاجتمع ساكنان الألف والواو بعدها، فحذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين، فصار (يدعون)، وهو إمَّا من الدعاء؛ بمعنى: النداء؛ أي: يدعون إلى الموقف؛ للحساب، وإما من الدعاء؛ بمعنى: التسمية؛ نحو: دعوت ابنِي عبدَ الرزاق؛ أي: سميته به، (يوم القيامة)؛ بالنصب على الظرفية، و (يوم) من الأسماء الشاذة؛ لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة، فهو من باب (ويح) و (ويل)، وهو اسم لبياض النهار من طلوع الفجر الصَّادق إلى غروب الشمس، و (القيامة) : (فعالة) من قام يقوم، وأصلها: قوامه، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها (غُرًَّا)؛ بالنصب حال من ضمير (يدعون)، أو مفعول ثان لـ (يدعون) على تضمنه معنى: يسمَّون، وهو بضم الغين المعجمة وتشديد الرَّاء، جمع أغر؛ أي: ذو غُرَّة؛ بالضم: وهي بياض في جبهة الفرس، والأغر من الخيل: الذي غرته أكثر من الدرهم، والتحقيق: أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض، والأغر: الأبيض من كل شيء، والمراد بها: النور الكائن في وجوه أمَّة النبي الأعظم ﵇ (مُحَجَّلين)؛ بالنصب حال بعد حال، أو مفعول ثان، أو صفة لـ (غرًا) : جمع مُحَجَّل؛ بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الجيم المفتوحة: اسم مفعول من التحجيل؛ وهو بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: في ثلاث قوائم منهنَّ دون الأخرى؛ في رجل ويدين، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والأحجال: جمع حَجل؛ بالفتح؛ وهو القيد والخلخال أيضًا، والحِجل؛ بالكسر لغة فيهما، والأصل فيه: القيد، والحجلان: مشيه للقيد، والمراد به هنا أيضًا: النور في اليدين والرجلين؛ كالغرة في الوجه، فيُدعَون يوم القيامة وهم بهذه الصفة، و (يدعون) : يتعدى في المعنى بالحرف، والتقدير: إلى يوم القيامة؛ كما في قوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، واعتُرِض بأن حذف الحرف ونصب المجرور غير مقيس، ورُدَّ بأن نجعل: (يوم القيامة) ظرفًا؛ أي: يدعون فيه غرًا محجلين (من) للتعليل؛ أي: لأجل (آثار)؛ بالمد: جمع أثر، وهو بقية الشيء (الوضوء)؛ بضم الواو وفتحها، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما، أو (من) : للسببية؛ أي: بسبب آثار الوضوء؛ كما في قوله: ﴿مِمَّا خَطَايَاهُمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]؛ أي: بسبب خطاياهم أغرقوا، وهو متعلق بـ (محجلين) أو بـ (يدعون) على الخلاف في التنازع بين الكوفيين والبصريين.
(فمن) موصولة تتضمن معنى الشرط (استطاع) أي: قدر (منكم) الخطاب للمؤمنين، (أن) مصدرية (يطيل غرته)؛ أي: الإطالة، وذلك بأن يغسل قدرًا زائدًا عن دائرة الوجه واليدين والرجلين؛ بأن يجاوز القدر المفروض في ذلك؛ (فليفعل)؛ أي: الغرة أو الإطالة، ففيه الاختصار؛ حيث حذف المفعول، واقتصر على الغرة، ولم يذكر التحجيل؛ للعلم به، ففيه: الاكتفاء؛ كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحر والبرد، والدليل على أن المراد كلاهما: ما في رواية مسلم: (فليطل غرته وتحجيله).
واقتصاره على الغرة؛ وهي مؤنثة، دون التحجيل؛ وهو مذكر؛ لأنَّ محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وقيل: إنه من باب التغليب، ورُدَّ بأنه ليس بتغليب حقيقي؛ لأنَّه لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب: اجتماع الاسمين أو الأسماء ويغلبا أحدهما على الآخر؛ كالقمرين، وهذا على تقدير كون قوله: (فمن استطاع...) إلخ من الحديث؛ لأنَّ المرفوع منه إلى قوله: «من آثار الوضوء»، والباقي إدراج في آخر الحديث من أبي هريرة، وقد أنكر ذلك بعضهم، ورد بما رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم، وفي آخره: قال نعيم: (لا أدري قوله: «فمن استطاع...» إلخ من قول النبي ﵇ أو من قول أبي هريرة)، وقد روى ذلك الحديث عشرة من الصحابة، وليس في رواية واحد منهم هذه الجملة، فهو دليل ظاهر على أنَّه إدراج.
وفي الحديث التشبيه البليغ؛ حيث شبَّه النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة بغرة الفرس وتحجيله، ويجوز أن يكون كناية؛ بأن كنى بالغرة عن نور الوجه.
وادعى ابن بطال وعياض وابن التين: اتفاق العلماء على عدم استحباب الزيادة فوق المرفق والكعب، وهي دعوى باطلة؛ لأنَّه قد ثبت عن فعل النبي الأعظم ﵇ وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والشافعي وغيرهم، فهم محجوجون بالإجماع، وقد ثبت عن ابن عمر من فعله؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة.
واستدل ابن بطال ومن تبعه بقوله ﵇: «فمن زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم»، وهو استدلال فاسد؛ لأنَّ المراد به: الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب أو الثواب المرتب على نقص العدد، لا الزيادة على تطويل الغرة والتحجيل، وأوهام ابن بطال كثيرة بيَّنها مع ردِّها في «عمدة القاري».
وفي الحديث: جواز الوضوء على ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد؛ فإنَّ حرمة الأعلى كحرمة الداخل، وقد كره ذلك جمع؛ منهم الإمام الأعظم؛ لأنَّ ماء الوضوء مستعمل، وهو نجس في رواية، فينبغي حفظ المسجد عنه، ولأن إلقاء النخامة، والبصاق، والاستنشاق مما يستقذر وتعافه الطباع، فبالأولى أن يحفظ بيت العبادة عن المستقذرات،
стр. 98
إلا إذا كان في المسجد مكان معد للوضوء من زمن الواقف؛ فلا كراهة.
وقال ابن المنذر: (أباح كل من يحفظ العلم الوضوء فيه إلا أن يبله ويتأذى به الناس؛ فإنه يكره، فالمقصود حفظ المسجد من الغسالة وغيرها من الأوخام، وينبغي لمريد الوضوء في المسجد أن يتوضأ بإناء، ويجمع الماء فيه، ثم يلقيه في محلِّه المعدِّ له).
واستُدِل بالحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وعند المؤلف: «لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون عليَّ غرًَّا محجَّلين من آثار الوضوء»، وقال بعضهم: ليس الوضوء مختصًّا بهذه الأمة، وإنَّما الذي اختصَّت به الأمَّة الغرَّة والتحجيل، وهو المشهور؛ لقوله ﵇: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي»، وأجاب: بأن الحديث ضعيف، ولو صحَّ؛ لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أمتهم بخلاف هذه الأمة، وفيه شرف عظيم؛ حيث استووا مع الأنبياء في هذه الخصوصية، وامتازت بالغرَّة والتحجيل، ولكن ورد في حديث جريج عند المؤلف: (أنَّه قام، فتوضأ وصلى، ثم كلَّم الغلام)، وثبت عند المؤلف أيضًا في قصة سارة: لمَّا همَّ الملك بالدنو منها؛ قامت تتوضأ وتصلي، وفيهما دلالة على أنَّ الوضوء كان مشروعًا لهم، وعلى هذا؛ فيكون خاصيَّة هذه الأمة الغرَّة والتحجيل الناشئين عن الوضوء، لا أصل الوضوء.
ونقل الزناتي: (أن الغرَّة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لم يتوضأ؛ كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب)، وهو نقل غريب، وظاهر الأحاديث تقتضي خصوصية ذلك لمن توضأ منهم، وعند ابن حبان في «صحيحه» : يا رسول الله؛ كيف تعرف من لم تره من أمتك؟ قال: «غر محجلون بلق من آثار الوضوء»، كذا في «عمدة القاري».
ووقع عند الترمذي من حديث عبد الله بن بسر وصحَّحه: «أمتي يوم القيامة غرٌّ من السجود، محجَّلة من الوضوء»، قيل: هو معارض؛ لظاهر الحديث، ورُدَّ بعدم ظهور وجه المعارضة، وعليها فحديث جريج وسارة يرُدُّه؛ فليحفظ.
(٤) [باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن]
هذا (بابٌ) بالتنوين: (لا يَتوضأ)؛ بفتح أوله على البناء للفاعل، وفي رواية: (باب من لا يتوضأ)؛ بالإضافة للموصولة، وضمير الفاعل يرجع إلى المتوضئ، و (لا) : نافية، (من) للتعليل؛ أي: لأجل (الشك حتى يستيقن) الحدث، والسين: للطلب، والشك: خلاف اليقين، واليقين: العلم، واصطلاحًا: الشك: ما يستوي فيه طرف العلم والجهل بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر، فإن ترجَّح أحدهما على الآخر؛ فهو ظنٌّ والمرجوح وهمٌ، وتمامه في «عمدة القاري».
[حديث: لا ينفتل حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا]
١٣٧ - وبه قال: (حدثنا علي) : هو ابن عبد الله المشهور بابن المديني (قال: حدثنا سفيان) : هو ابن عيينة (قال: حدثنا الزهري) : محمد بن مسلم، (عن سعيد بن المسيَّب)؛ بفتح المثناة التحتية، (وعن عَبَّاد) بفتح العين المهملة، وتشديد الموحدة (بن تميم) بن زيد بن عاصم الأنصاري المدني، قيل: صحابي، والمشهور: أنه تابعي، ووقع في رواية كريمة: سقوط واو العطف من قوله: (وعن عباد) وهو غلط قطعًا؛ لأنَّ سعيدًا لا رواية له عن عباد أصلًا، والعطف صحيح؛ لأنَّ الزهري يروي عن سعيد وعباد كليهما، وكلاهما يرويان (عن عمه)؛ أي: عمُّ عباد المذكور، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب النجاري الأنصاري المازني المدني، له ولأبيه ولأخيه حبيب صحبة، قتل في ذي الحجة بالحرة سنة ثلاث وستين عن سبعين سنة: (أنه شكا)؛ بالألف، وهو في محل رفع خبر (أن)، وهو على صيغة المعلوم، والضمير فيه يرجع إلى عبد الله بن زيد؛ لأنَّه الشاكي، وبه صرح ابن خزيمة، والشكاية: الإخبار بسوء الفعل (إلى رسول الله ﷺ الرجلَ)؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية أنه بصيغة المجهول، و (الرجل)؛ بالرفع مفعول ناب عن الفاعل، وما قاله النووي وزعمه الكرماني؛ فغلط؛ فتفحص، (الذي يُخيَّل)؛ بالخاء المعجمة على صيغة المجهول؛ أي: يشبه ويخايل، والموصول مع صلته: صفة لـ (الرجل) على الوجهين، وسقط لفظ: (الذي) في رواية، وعليها؛ فالجملة حال من (الرجل) (أنه يجد) محله الرفع خبر (أن)، (الشيءَ)؛ بالنصب مفعوله؛ أي: الحدث خارجًا من دبره، وأمَّا القبل؛ فهو اختلاج لا ريح، فغير ناقض وإن تيقن به (في الصلاة)، و (أنَّ) مع اسمها وخبرها: مفعول لقوله: (يخيل) ناب عن الفاعل.
(فقال) ﵇ له: (لا يَنْفَتِل)؛ بفتح التحتية، وسكون النُّون، وفتح الفاء، وكسر الفوقية، بعدها لام، من الانفتال؛ وهو الانصراف، بالرفع على أن (لا) نافية، والجزم على أنها ناهية، (أو لا ينصرف) بالوجهين، والشك من الراوي وممن دونه، وفي رواية: (لا ينصرف) من غير شك (حتى) للغاية؛ أي: إلى أن (يسمعَ)؛ بالنصب؛ بتقدير: (أن) الناصبة (صوتًا)؛ أي: من الدبر، وزاد في رواية: (خارجًا)، (أو يجد ريحًا)؛ أي: من دبره أيضًا، وفي «صحيح ابن خزيمة»، و «ابن حبان»، و «الحاكم» من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵇ قال: «إذا جاء أحدَكم الشيطانُ، فقال: إنك أحدثت؛ فليقل: كذبت، إلا ما وجد ريحًا بأنفه أو سمع صوتًا بأذنه»؛ أي: فليقل: (كذبت) في نفسه لا ينطق بلسانه؛ لأنَّه يفسد عليه صلاته، والمراد: تحقق وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع؛ لأنَّ الأصم لا يسمع شيئًا، والأخشم -الذي راحت منه حاسة الشم- لا يشم أصلًا، وخصَّ النوعين بالذكر وإن كان غيرهما كذلك؛ لأنَّه خرج على حرف المسألة التي سأل عنها السائل، وإنَّما عبَّر بالوجدان دون الشم؛ ليشمل ما لو لمس المحل بيده ثم شم يده، وفيه دليل على أن لمس الدبر غير ناقض للوضوء؛ فليحفظ.
وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة من قواعد الفقه: وهي أنَّ الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلافها، ولا يضر الشك الطارئ عليها، واتفق العلماء عليها، فمن تيقن الطهارة وشكَّ في الحدث؛ يحكم ببقائه على طهارته سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهو بالإجماع إلا عن مالك روايتان؛ أحدهما: أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والأخرى: يلزمه بكل حال، وحكيت الأولى عن الحسن البصري، والأولى والثانية عن بعض الشافعية، وروي عن مالك أيضًا: أنَّه لا وضوء عليه.
فإن تيقن الحدث وشكَّ في الطهارة؛ فإنه محدث يلزمه الوضوء بالإجماع.
وعلى هذا الأصل مَن شَكَّ في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع أو سجد أم لا، أو نوى الصوم، أو الصلاة، أو الاعتكاف وهو في أثناء هذه العبادات وما أشبهها؛ فكل هذه الشكوك لا تأثير لها والأصل عدم الحادث.
واستدلَّ بعضهم بالحديث على أنَّ رؤية المتيمم الماء في صلاته لا تنقض طهارته، وهو استدلال فاسد لا يصح؛ لأنَّه ليس من باب ما ذكر؛ لأنَّ المقصود به جنس الخارج من البدن فالتعدي إلى غير الجنس المقصود به اغتصاب للكلام.
نكتة: جاء رجل إلى الإمام الأعظم فقال: شربت البارحة نبيذًا فلا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ فقال له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنَّك طلقتها، فتركه وذهب إلى سفيان الثوري فسأله، فقال: اذهب فراجعها، فإن كنت طلقتها؛ فقد راجعتها، وإلَّا؛ فلا تضرك المراجعة، فتركه وذهب إلى شريك فسأله، فقال: اذهب فطلقها ثم راجعها، فتركه وذهب إلى الإمام زفر فسأله، فقال: هل سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، وقص عليه القصة، فقال في جواب الإمام الأعظم: الصواب قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قال، ولما بلغ إلى قول شريك؛ ضحك مليًّا، ثم قال: لأضربنَّ لهم مثلًا؛ رجل مر بمشعب يسيل دمًا فشك في ثوبه هل أصابته نجاسة؟ قال له الإمام الأعظم:
стр. 99
ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال سفيان: اغسله، فإن كان نجسًا؛ فقد طهرته، وإلا؛ فقد زدته طهارة، وقال شريك: بُلْ عليه ثم اغسله، انتهى.
فانظر إلى فقه الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وإلى جودة الإمام زفر، وحسن ضرب المثل ﵃ أجمعين.
(٥) [باب التخفيف في الوضوء]
هذا (باب) جواز (التخفيف في الوضوء) مع إسباغه.
[حديث: أن النبي نام حتى نفخ ثم صلى]
١٣٨ - وبه قال: (حدثنا) بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (علي بن عبد الله) المديني (قال: حدثنا سفيان) : هو ابن عيينة، (عن عَمرو) : هو ابن دينار المكي أنَّه (قال: أخبرني) بالإفراد (كُرَيْب)؛ بضم الكاف، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، آخره موحدة: ابن أبي مسلم القرشي، مولى عبد الله بن عباس، المكنى بأبي رِشْدِيْن -بكسر الرَّاء، وسكون الشين المعجمة، وكسر الدَّال المهملة، وسكون التحتية، آخره نون-، المتوفى بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وهو من أفراد الكتب الستة؛ فافهم، (عن ابن عباس) ﵄: (أنَّ النبي) الأعظم ﷺ نام) : جملة محلها الرفع خبر (أنَّ)؛ أي: مضجعًا (حتى) للغاية؛ أي: إلى أن (نَفَخ)؛ بفتح النُّون والخاء؛ أي: خيشومه وهو المعبر عنه بالغطيط، (ثم صلى) : وفي رواية: بإسقاط (ثم صلى) (وربما) : أصله للتقليل، وقد تستعمل للتكثير، وهنا تحتمل الأمرين، (قال) أي: سفيان: (اضطجع) ﵇ (حتى) أي: إلى أن (نفخ، ثم قام فصلى) : والاضطجاع: وضع الجنب بالأرض لغة، والمراد به: النوم، فبين قوله: (نام حتى نفخ) وبين قوله: (اضطجع حتى نفخ) مساواة، والمراد أنَّ سفيان قال: (اضطجع حتى نفخ) بدل قوله: (نام حتى نفخ)، ولفظة (قام) لا بد منها في الروايتين؛ لأنَّ التقدير في الأولى: نام حتى نفخ ثم قام فصلى، وتقدير الثانية: اضطجع حتى نفخ ثم قام فصلى، فما زعمه الكرماني وابن حجر ليس بشيء، كما لا يخفى.
قال ابن المديني: (ثم حدثنا به)؛ أي: بالحديث (سفيان) ابن عيينة تحديثًا (مرةً بعد مرة)؛ فهو بالنصب صفة لمصدر محذوف، وقوله: (بعد مرة) : كلام إضافي صفة لـ (مرة)؛ يعني: أنَّه كان يحدثهم به تارة مختصرًا وتارة مطولًا، (عن عَمرو) أي: ابن دينار، (عن كُريب) : مولى ابن عباس، (عن ابن عباس) رضي الله عنهماأنَّه (قال: بِتُّ)؛ بكسر الباء الموحدة، من بات يبيت بيتوتة (عند خالتي) : أم المؤمنين (ميمونة) : غير منصرفة؛ للعلمية والتأنيث، بنت الحارث الهلالية، وأختها لُبابة -بضم اللام وبالموحدتين- زوجة العباس عم النبي الأعظم ﵇ أم عبد الله والفضل وغيرهما (ليلةً)؛ بالنصب على الظرفية، (فقام النبي) الأعظم ﷺ مبتدئًا (من الليل) : فمعنى (من) الابتداء، أو قام من مضيِّ زمن من الليل، وفي رواية: (فنام) من النوم، وصوبها القاضي عياض؛ لقوله: (فلمَّا) : الفاء للعطف المحض، خلافًا لما زعمه ابن حجر (كان)؛ أي: وجد، فهي تامة (في) : وفي رواية: (من) (بعض الليل) : ولفظة (في) زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١]؛ أي: اركبوها، ولفظة: (من) في الرواية الأخرى زائدة أيضًا، وجواب (لمَّا) قوله: (قام النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ﷺ : وقيل: إنَّ (كان) ناقصة، واسمها عائد لـ (الرسول).
(فتوضأ) : وضوءه للصلاة (من شَنٍّ)؛ بفتح الشين المعجمة وتشديد النُّون؛ أي: من قربة خلقة (معلقٍ)؛ بالجر صفة لـ (شَنٍّ) على تأويله بالجلد، وفي رواية: (معلقة)؛ بالتأنيث؛ لتأويله بالقربة (وضوءًا خفيفًا)؛ بنصب الأول على المصدرية، ونصب الثاني على أنَّه صفته، (يخففه عَمرو)؛ أي: ابن دينار، وهذا إدراج من سفيان بين كلام ابن عباس، والمراد به أن يكون بين الوضوءين، وليس المراد منه ترك الإسباغ، بل الاكتفاء بالمرة الواحدة مع الإسباغ، (ويقلله)؛ أي: عمرو (١) بالاقتصار على مرة مرة، فالتخفيف يقابله التثقيل، فهو من باب الكيف، والتقليل يقابله التكثير، فهو من باب الكمِّ، وليس فيه دليل على وجوب الدلك كما زعمه ابن بطال؛ لأنَّ قوله: (يخففه) ينافي الدلك، فكيف يكون فيه دليل على وجوبه؟ ولا شك أنَّ وجوب الدلك زيادة على النص؛ وهو غير جائز، فلا يعول عليه، والجملتان محلهما النصب صفتان لقوله: (خفيفًا).
(وقام) ﵇ (يصلي) : وفي رواية: (فصلى)، والجملة محلها النصب على الحال من الضمير الذي في (قام) (فتوضأت)؛ أي: وضوءًا خفيفًا (نحوًا)؛ بالنصب صفة لمصدر محذوف؛ أي: توضأ نحوًا (مما توضأ) ﵇، و (ما) يجوز أن تكون موصولة أو أن تكون مصدرية، وفي رواية تأتي: (فقمت فصنعت مثل ما صنع)، وهي ترُدُّ على الكرماني؛ حيث زعم هنا أنَّه لم يقل: (مثلًا)؛ لأنَّ حقيقة مماثلته ﵇ لا يقدر عليها أحد غيره، انتهى.
ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل وجه؛ فافهم.
قال ابن عباس: (ثم جئت فقمت عن يساره)؛ أي: مجاوزًا، فمعنى (عن) : المجاوزة وتحتمل الظرفية، (وربما قال سفيان) ابن عيينة: (عن شِماله)؛ بكسر الشين المعجمة: الجارحة، خلاف اليمين، وبالفتح: الريح التي تهب من ناحية القطب، وهي خلاف الجنوب، وهذا إدراج من علي ابن المديني، (فحولني)؛ بالحاء المهملة، من التحويل؛ أي: النبي الأعظم ﵇ (فجعلني عن يمينه، ثم صلى) ﵇ (ما شاء الله) : وذلك بأن جذبه فأداره من خلفه لا من قدامه؛ لئلا يمر بين يديه فإنَّه مكروه، ولم يذكر كيفية التحويل، ففي رواية: (أخذ برأسه فجعله عن يمينه)، وفي أخرى: (وضع يده اليمنى على رأسي، فأخذ بأذني يفتلها)، وفي أخرى: (فأخذ برأسي من ورائي)، وفي بعضها: (بيدي أو عضدي)، والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات، وكلها عند المؤلف، فيستفاد منه أنَّ السُّنة أن يقوم المقتدي الواحد عن يمين الإمام، وهو مذهب الإمام الأعظم كما هو المنصوص عليه في كتب المذهب متونًا وشروحًا وفتاوًى، فإن وقف عن يساره أو خلفه؛ جاز ويكون مسيئًا، فما زعمه ابن بطال من أنَّ مذهب الإمام الأعظم: أن يقوم الواحد خلف الإمام؛ خطأ ظاهر، ووهم عاهر، وافتراء وجرأة، وسوء أدب، وجهل بالأحكام، وهو دليل على قلة علمه وأدبه.
(ثم اضطجع) ﵇ (فنام حتى) أي: إلى أن (نفخ ثم أتاه المنادِي)؛ بكسر الدَّال؛ أي: المؤذن بلال أو غيره (فآذنه)؛ بالمد؛ أي: أعلمه، وفي رواية: (يؤذنه)؛ بلفظ المضارع بدون الفاء، وفي أخرى: (فناداه) (بالصلاة)؛ أي: صلاة الفجر، كما لا يخفى، (فقام) أي: المنادِي (معه) ﵇ (إلى الصلاة) : ويجوز أن يقال: فقام النبي ﵇ مع المنادي إلى الصلاة، وما زعمه الكرماني؛ فليس بشيء، (فصلى) ﵇ (ولم يتوضأ) من النوم، قال سفيان بن عيينة: (قلنا لعمرو) أي: ابن دينار: (إن ناسًا)؛ بغير همز في الأول؛ أي: جماعة (يقولون: إن رسول الله ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه)؛ أي: ليعي الوحي إذا أوحي إليه في المنام، وهذا حديث صحيح كما سيأتي من وجه آخر، ففيه: دليل على أنَّ النوم ليس حدثًا، بل مظنته والنبي الأعظم ﵇ كان لا ينام قلبه، فلو أحدث؛ لعلم بذلك، ولهذا تارة كان يتوضأ إذا قام من النوم، وتارة لا يتوضأ.
(قال عمرو) المذكور: (سمعت عبيد بن عمير)؛ بالتصغير فيهما؛ أي: ابن قتادة الليثي المكي، قاضي مكة، مات قبل ابن عمر، وعبيد هذا من كبار التابعين، وقيل: إنَّه رأى النبي الأعظم ﵇، وعمير من الصحابة (يقول: رؤيا الأنبياء وحي) : رواه مسلم مرفوعًا عن أنس في (التوحيد)، والرؤيا: مصدر؛ كـ (الرجعى)، تختص برؤيا المنام، كما اختص الرأي بالقلب والرؤية بالعين، فإذا كانت وحيًا؛ فيترتب عليها ما يترتب على الوحي يقظة؛ لأنَّها حق.
(ثم قرأ) أي: عبيد بن عمير: (﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي
стр. 100
أَذْبَحُكَ﴾) [الصافات: ١٠٢] : وجه الاستدلال بالآية من جهة أنَّ الرؤيا لو لم تكن وحيًا؛ لما جاز لإبراهيم ﵇ الإقدام على ذبح ولده؛ لأنَّه محرَّم، فلولا أنَّه أبيح له في الرؤيا بالوحي؛ لما ارتكب الحرام؛ لأنَّه معصوم عنه كغيره من الأنبياء.
واختلف في الذبيح؛ فقيل: إنَّه إسحاق، وقيل: إسماعيل وهو الأصح، وقال الداودي: قول ابن عمير لا تعلق له بالباب، ورُدَّ بأنَّه ما زاده إلا لأجل أنَّ فيه من نوم العين دون نوم القلب، ولم يلتزم المؤلف ألَّا يذكر من الحديث إلا ما يتعلق بالترجمة فقط، وهذا لم يشترطه أحد.
وفي الحديث: أنَّ نومه ﵇ مضطجعًا لا ينقض الوضوء، وكذا سائر الأنبياء ﵈؛ لأنَّ يقظة قلوبهم تمنع عنهم الحدث، وما روي أنَّه ﵇ توضأ بعد النوم؛ فذلك لعلمه أنَّه استثقل يومًا فاحتاج إلى الوضوء معه، أو أنَّه أحس بالحدث.
وفيه: جواز مبيت من لم يحتلم عند مَحرَمِه.
وفيه: مبيته عند الرجل مع أهله، وقد روي: أنَّها كانت حائضًا.
وفيه: جواز الإمامة في النافلة وصحة الجماعة فيها.
وفيه: جواز ائتمام واحد بواحد، وجواز ائتمام صبي ببالغ.
وفيه: أنَّ أقل الوضوء المجزئ إذا أسبغ مرة مرة مع التقاطر ولو قطرة واحدة.
وفيه: التعليم بالصلاة إذا كان بحركة، لا بحركات، فإنَّه مبطل.
وقال الداودي: فيه: أنَّ النوم الخفيف غير ناقض، ورُدَّ بأنَّه لا دلالة على ما قاله، فإنَّ نومه ﵇ ليس خفيفًا، بل هو نوم معتاد وهو ناقض في حقِّنا.
وفيه: أنَّ النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنَّه ﵇ لم يتكلم.
وفيه: دليل على منع الكلام في الصلاة مطلقًا ولو حرفًا واحدًا مفهمًا، وهو مذهب الإمام الأعظم، وهو حجة على الشافعي في إباحته الكلمة؛ لأنَّه لا دليل عليه.
وفيه: أنَّ الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل، وتمامه في «عمدة القاري».
(٦) [باب إسباغ الوضوء]
هذا (بابُ إسباغِ الوضوء)؛ أي: إتمامه، وإبلاغه مواضعه، وإيفاء كل عضو حقه من غسل ومسح.
(وقال) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب فيما أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» موصولًا بسند صحيح: (إسباغ الوضوء: الإنقاء) : من تفسير الشيء بلازمه؛ لأنَّ الإسباغ لغةً: الإتمام والاتساع، والإتمام يستلزم الإنقاء عادة، ويدل له ما رواه ابن المنذر بإسناد صحيح: أنَّ ابن عمر كان يغسل رجليه في الوضوء سبع مرات؛ لأنَّه كان يقصد بذلك الإنقاء، واقتصاره في ذلك على الرجلين؛ لأنَّهما محل الأوساخ غالبًا لاعتيادهم المشي حفاة، بخلاف بقية الأعضاء، وقد سبق أنَّ الزيادة على الثلاث ظلم وتعد، وأجيب: بأنَّ ذلك فيمن لم ير الثلاث سنة، وأمَّا إذا رآها وزاد على أنَّه من باب الوضوء على الوضوء؛ يكون ذلك نورًا على نور، كذا قرره في «عمدة القاري».
[حديث: دفع رسول الله من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال]
١٣٩ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن مَسْلمَة)؛ بفتح الميمين وسكون السين المهملة: القعنبي، (عن مالك) : هو ابن أنس، (عن موسى بن عُقبة)؛ بضم العين: ابن أبي عَيَّاش -بفتح العين وتشديد التحتية- أبو محمد المدني، مولى الزبير بن العوام، أو مولى أم خالد زوجة الزبير، القرشي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، (عن كُريب)؛ بضم الكاف: ابن أبي مسلم القرشي (مولى ابن عباس) ﵄، (عن أُسَامة)؛ بضم الهمزة وفتح السين المهملة (بن زيد) بن حارثة بن شراحيل الكلبي المدني، الحبِّ بن الحبِّ، مولى النبي الأعظم ﵇، وابن حاضنته ومولاته أم أيمن -واسمها بركة-، المتوفى بوادي القرى سنة أربع وخمسين على الأصح عن خمس وخمسين سنة، وقد ذكر اسم أبيه في القرآن العظيم: (أنَّه سمعه) جملة محلها الرفع خبر (أنَّ) (يقول) جملة في محل نصب على الحال، ومقول القول قوله: (دفع) أي: أفاض ورجع (رسول الله ﷺ من) وقوف (عرفة) بعرفات؛ لأنَّ (عرفة) اسم الزمان، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة على الصحيح، فالمضاف فيه يكون محذوفًا، وقيل: عرفة وعرفات كلاهما اسمان للمكان المخصوص، يقال: هذا يوم عرفةَ، غير منون، وعليه فلا حاجة إلى التقدير، ولا تدخلهما الألف واللام، وعرفات: الموضع الذي يقف فيه الحاج يوم عرفة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وهي اسم في لفظ الجمع فلا يجمع، لا واحد لها، وليس بعربي محض، وقول الناس: نزلنا عرفة، شبيه بمولَّد، وإنَّما سميت به؛ لأنَّ آدم ﵇ عرف حواء بها، فإنَّ الله أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، فتعارفا في الموقف، أو لأنَّ جبريل عرَّف إبراهيم ﵉ المناسك هناك، أو للجبال التي فيها، والجبال التي هي الأعراف، وكل باب: عرف، ومنه: عرف الديك، أو لأنَّ الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها، أو لأنَّها مكان مقدس معظم قد عُرِّف؛ أي: طُيِّب، كذا في «عمدة القاري».
(حتى إذا كان) أي: النبي الأعظم ﵇ (بالشِّعْب)؛ بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة: الطريق في الجبل المعهود للحاج، و (حتى) : ابتدائية أو حرف جر، والباء في (بالشِّعب) : ظرفية، و (إذا) : ظرفية محلها الجر بـ (حتى) الجارة، وعلى الأول فموضعها النصب، والعامل فيه قوله: (نزل)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ عن دابته، (فبال ثم توضأ)؛ أي: بماء زمزم، كما أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في «زوائد مسند أبيه» بسند حسن من حديث علي، وفيه رَدٌّ على من منع استعمال ماء زمزم لغير الشرب؛ فافهم.
(ولم يسبغ الوضوء)؛ أي: خففه؛ لما في «مسلم» : (فتوضأ وضوءًا خفيفًا)، أو معناه: توضأ مرة مرة بالإسباغ، أو خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عاداته، وما قيل: إنَّ معناه: الوضوء اللغوي؛ فبعيد، وأبعد منه ما قيل: إنَّه الاستنجاء؛ لما يأتي عند المؤلف في باب (الرجل يوضئ صاحبه) من قوله: (فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ)؛ لأنَّه لا يجوز أن يصب عليه أسامة إلَّا وضوء الصلاة، وفي آخره قال أسامة: (الصلاة يا رسول الله)، وإنَّما لم يسبغ الوضوء؛ إما ليذكر الله؛ لأنَّهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة، أو لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، أو لاستصحابه الطهارة في طريقه، وتمامه في «عمدة القاري».
(فقلت: الصلاةَ)؛ بالنصب على الإغراء، أو على تقدير: أتريد الصلاة؟ ويؤيده رواية تأتي: (فقلت: أتصلي يا رسول الله؟)؛ يعني: أتريد الصلاة؟ والأَولى أن يقدر: تصلي الصلاة (يا رسول الله) : ويجوز فيه الرفع على تقدير: حانت الصلاة أو حضرت.
(فقال) وفي رواية: (قال) : (الصلاةَ)؛ بالرفع على الابتداء، وخبره قوله: (أَمامَك)؛ بفتح الهمزة؛ أي: قدامك؛ لأنَّه منصوب على الظرفية؛ والمعنى: وقت الصلاة أمامك أو مكان الصلاة، فيكون من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل، وهو أعم من كونه في المكان أو الزمان، ومراده أنَّ سنة الصلاة لمن دفع من عرفة أن يصلي العشاءين بالمزدلفة، ولم يعلم أسامة ذلك؛ إذ كان في حجة الوداع، وهي أول سُنَّة سَنَّها ﵇ في الجمع بين الصلاتين في المزدلفة.
ففيه: مشروعية الوضوء للدوام على الطهارة؛ لأنَّه ﵇ لم يقيد بذلك الوضوء، وقيل: المراد أنَّ موضع هذه الصلاة المزدلفة وهي أمامك، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس ببيان فعله ﵇.
وفيه: دليل على أنَّه لا يصليها الحاج إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها، وأنَّ عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع على ما سنه ﵇ بفعله وبيَّنه بقوله، ولو أجزأته في غير المكان؛ لما أخَّرها عن وقتها الموقَّت لها في سائر الأيام، وما زعمه الكرماني رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.
(فركب) أي: النبي الأعظم ﵇ دابته من الشِّعب وسار (فلمَّا جاء المُزدلفةَ)؛ بضم الميم، من الإزدلاف؛ وهو التقرب والاجتماع، وهي بالنصب على المفعولية، وهي موضع مخصوص بين عرفات ومنًى، سمِّيت بها؛ لأنَّ الحجاج يزدلفون فيها إلى الله تعالى؛ أي: يتقربون بالوقوف فيها إليه، وتسمى أيضًا: جمعًا؛ لأنَّ آدم اجتمع فيها على حواء ﵉ وازدلف إليها؛ أي: دنا منها، وتمامه في
стр. 101
«عمدة القاري».
وجواب (لمَّا) قوله: (نزل) أي: النبي الأعظم ﵇ عن دابته (فتوضأ)؛ أي: بماء زمزم كما سبق، (فأسبغ الوضوء)؛ أي: أتمه وأكمله؛ أخذًا بالأفضل على عادته، وهذا موضع المطابقة للترجمة، وفيه: دليل على استحباب إعادة الوضوء من غير أن يفصل بينهما بعبادة؛ لأنَّه نور على نور حيث تبدل المجلس، أمَّا إذا لم يتبدل المجلس أو لم يؤدِّ بالأول عبادة؛ فهو إسراف مكروه، وما زعمه بعضهم من أنَّه يحتمل أنَّه أحدث؛ فبعيد؛ لأنَّه ﵇ دائم على الطهارة الكاملة؛ فليحفظ.
(ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب)؛ أي: قبل حط رحالهم كما صرح به المؤلف في رواية، ويدل له قوله: (ثم أَناخ) بفتح الهمزة؛ أي: أبرك (كل إنسان) أي: من الجماعة (بعيره في منزله)؛ أي: مكانه؛ خشية ما يحصل منها من التشويش أو لإراحتها، والظاهر أنَّ (ثم) هنا وفي قوله: (ثم أقيمت العِشاء) ليست للتراخي، و (العِشاء)؛ بكسر العين وبالمد، والمراد به: صلاة العشاء التي وقتها من غروب الشفق إلى طلوع الفجر، (فصلَّى) بتشديد اللام (ولم يصلِّ بينهما)؛ أي: بين الصلاتين سنة المغرب ولا سنة العشاء القبلية، ففيه: دليل ظاهر على المنع من التطوع بينهما؛ لأنَّه يخل بالجمع، ولو تطوع أو تشاغل بشيء؛ فإنَّه مكروه وعليه إعادة (١) الإقامة لوقوع الفصل، وهو مذهب الإمام الأعظم ﵁، كما نص عليه الإمام المرغيناني في «الهداية»، وقال الإمام زفر: يعيد الأذان أيضًا، كما في «شرح الكنز».
وفيه أيضًا: دليل ظاهر على (٢) أنَّ تأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء واجب، حتى لو صلى المغرب في الطريق؛ لم يجز وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر، وهو مذهب الإمام الأعظم، وبه قال الإمام محمد، والإمام زفر، والجمهور.
وقال الشافعي: لو جمع بينهما في وقت المغرب في عرفات، أو في الطريق، أو في موضع آخر، أو صلى كل صلاة في وقتها؛ جاز الجميع وإن كان خلاف الأفضل، وبه قال الإمام أبو يوسف، وجماعة من الصحابة والتابعين، والأوزاعي، وأشهب، وهذا الجمع يسمى جمع التأخير، ولا يشترط فيه سوى المكان والإحرام.
والسبب في هذا الجمع بمزدلفة: النُّسك؛ فلهذا يجمع المزدلفي، وعند الشافعي: السفر فلا يجمع المزدلفي، فليس لنا أن نجمع بين صلاتين في وقت واحد إلَّا هنا وفي عرفة للحاج لا لغيرهم بشرط الإمام والإحرام، فيجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم كما يأتي في (الحج) إن شاء سبحانه.
وقال ابن بطال: فيه: أنَّ يسير العمل إذا تخلل بين الصلاتين غير قاطع نظام الجمع بينهما؛ لقوله: (ثم أناخ)، ولكنه لا يتكلم.
قلت: ليس فيه ما يدل على عدم جواز التكلم بينهما، ولا ما يدل على عدم القطع اليسير وعلى قطع الكثير؛ بل فيه دليل ظاهر على عدم القطع مطلقًا يسيرًا أو كثيرًا؛ لأنَّهم لم يشتغلوا بشيء سوى إناخة البعير وهو عمل يسير لا يعد قاطعًا؛ فافهم.
واستدل به الشافعي على أنَّ الفوائت لا يؤذَّن لها، لكن يقام.
قلت: هذا الاستدلال فاسد؛ لأنَّ تأخير المغرب إلى العشاء ليس بقضاء، وإنَّما هو أداء؛ لأنَّ وقته قد تحول إلى وقت العشاء؛ لأجل العذر المرخص، فكيف يصح القياس عليه؟! وإنَّه قياس مع الفارق؛ فليحفظ.
وقيل: فيه: دليل لمن لا يتنفَّل في السفر، ورُدَّ بأنَّه ليس فيه دلالة على ذلك، بل في ترك التنفل بينهما، أما تركه مطلقًا؛ فلا دلالة فيه، كما لا يخفى.
واتفق الفقهاء على اختيار التنفل في السفر إلا إذا ضاق وقت المكتوبة سواء كان سفرًا أو حضرًا، فيترك التنفل ويشرع بالفرض، ولو اقتصر على الفرائض؛ جاز حتى يكون مؤديًا الفرض بوقته.
ولم يذكر في الحديث الأذان، ومذهب الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، والإمام محمد، وسعيد بن جبير، والثوري: أنَّ الجمع بأذان واحد وإقامة واحدة لهما، وهو المروي عن جابر، وابن عمر، وأبي أيوب الأنصاري.
وفي الحديث: تنبيه المفضول الفاضل إذا خاف عليه النسيان؛ لما كان فيه من الشغل؛ لقول أسامة: (الصلاة يا رسول الله)، وتمامه في «عمدة القاري».
(٧) [باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة]
هذا (باب) جواز (غَسل) بفتح الغين المعجمة (الوجه باليدين من غَرفة واحدة)؛ بفتح الغين المعجمة، بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف؛ وهي ملء الكف، وفي «العباب» : غرفت الماء بيدي غرفًا، والغرفة: المرة الواحدة، والغُرفة؛ بالضم: اسم للمغروف منه؛ لأنَّك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة، ومراد المؤلف: التنبيه على عدم اشتراط الاغتراف باليدين جميعًا في الوضوء، ووجه المناسبة بين البابين من حيث إنَّ الأول فيه بعض وصف الوضوء، وفي هذا وصفه بتمامه، وتمامه في «عمدة القاري».
[حديث وضوء عبد الله ابن عباس]
١٤٠ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم)؛ أي: ابن أبي زهير أبو يحيى البغدادي، المعروف بصاعقة، لُقِّب به؛ لسرعة حفظه، وكان بزازًا، المتوفى سنة خمس وخمسين ومئتين في شعبان (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (أبو سَلَمة) بفتح السين واللام (الخُزاعي) بضم الخاء المعجمة (منصور بن سَلمة)؛ بفتح المهملة: البغدادي، المتوفى بالمصيصة سنة عشرين ومئتين، أو عشر، أو سبع، أو تسع ومئتين (قال: أخبرنا ابن بلال؛ يعني: سليمان) : أبو محمد المدني، والعناية تحتمل من كلام المؤلف أو من كلام ابن عبد الرحيم، والظاهر الأول، (عن زيد بن أَسْلم)؛ بفتح الهمزة وسكون السين المهملة، (عن عطاء بن يَسار)؛ بفتح التحتية أوله بعدها سين مهملة، (عن ابن عباس) عبد الله ﵄ (أنَّه) أي: ابن عباس (توضأ) : زاد أبو داود في أوله: (أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﵇ يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء)، (فغسل وجهه) : من عطف المفصل على المجمل، ثم بين الغسل على وجه الاستئناف، فقال: (أخذ غَرفة) بفتح الغين (من ماء) بالمد (فمضمض) : وفي رواية: (فتمضمض)؛ بالمثناة الفوقية (بها واستنشق) : وإنَّما ترك العاطف؛ لأنَّه بيان لغسل الوجه، فإن كان بيانًا والمضمضة والاستنشاق ليسا من غسل الوجه، وأجيب: بأنَّه أعطى لهما حكم الوجه؛ لكونهما في الوجه.
والمضمضة: تحريك الماء في الفم، وعند الفقهاء: استيعاب الماء جميع الفم، والإدارة والمج ليسا بشرط، فلو شرب الماء عبًّا -بالعين المهملة-؛ أجزأه، ولو مصًّا؛ لا يجزئه، كما في «فتح القدير»، لكن الأفضل أن يمجه؛ لأنَّه ماء مستعمل، كما في «السراج».
والاستنشاق: جذب الماء بريح الأنف إليه، وعند الفقهاء: إيصال الماء إلى المارن؛ وهو ما لان من الأنف، فالجذب ليس شرطًا فيه شرعًا بخلافه لغة، كما في «النهر الفائق».
ولفظ الراوي يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يجمع بينهما بغرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق منها ثلاثًا، والثاني: أن يجمع بينهما أيضًا بغرفة لكن يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، والوجهان قول للشافعي، وقال أحمد: إنَّه مخير بين أن يتمضمض ويستنشق ثلاثًا من غرفة أو بثلاث غرفات، فإنَّ عبد الله بن زيد روى عن النبي الأعظم ﵇: (أنَّه مضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا من غرفة واحدة)، وروى ابن ماجه: (أنَّه ﵇ توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا من كف واحدة)، وإن أفرد لكل عضو ثلاث غرفات؛ جاز؛ لأنَّ الكيفية في الغسل غير واجبة، كذا في «المغني الحنبلي».
والسنة عندنا: أن يتمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، يأخذ لكل واحدة ماءً جديدًا، ولو تمضمض ثلاثًا بغرفة واحدة؛ أقام السنة في المضمضة لا سنة التكرار، وأمَّا الاستنشاق؛ فلا يصح أن يكون التثليث من غرفة واحدة؛ لعدم انطباق الأنف على باقي الماء فيصير الباقي مستعملًا، كما في «الجوهرة» و «الشرنبلالية».
ويدل لما قلنا ما رواه الترمذي عن علي الصديق الأصغر: أنَّه غسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم،
стр. 102
ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومدلوله ظاهر، وهو أن يتمضمض ثلاثًا يأخذ لكل مرة ماءً جديدًا، ثم يستنشق كذلك.
ويدل لذلك ما رواه الطبراني عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده كعب: أنَّ النبي الأعظم ﵇ توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، فأخذ لكل واحدة ماءً جديدًا، ورواه أبو داود في «سننه» وسكت عنه، وما سكت عنه؛ فهو صحيح، وأمَّا ما في حديث الباب وغيره مما ورد من أنَّه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد؛ فهو محمول على بيان الجواز، ويحتمل أنَّه فعل ذلك بكف واحد بمياه متعددة، والمحتمل لا تقوم به حجة، أو يُرَدُّ هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه؛ توفيقًا بين الدليلين، وقد يقال: إنَّ المراد استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين، كما في الوجه، وقد يقال: إنَّه فعلهما باليد اليمنى؛ ردًّا على من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأنَّ الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، كذا في «المبسوط».
والسنة: أن يكون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى، وقال بعضهم: المضمضة باليمنى، والاستنشاق باليسرى؛ لأنَّ الفم مطهرة، والأنف مقذرة، واليمين للأطهار، واليسار للأقذار، ولنا ما روى الحسن بن علي ﵄: أنَّه استنثر بيمينه، فقال معاوية له: جهلت السنة، فقال: كيف أجهل والسنة من بيوتنا خرجت، أمَا علمت أنَّ النبي ﷺ قال: «اليمين للوجه، واليسار للمقعدة»، كذا ذكره «صاحب البدائع».
والترتيب بينهما سنة، كما في «الخلاصة»؛ لأنَّه لم ينقل عن النبي الأعظم ﵇ في صفة وضوئه إلا هكذا، فالمضمضة والاستنشاق في الوضوء سنة، وفي الغسل فرض؛ لأنَّهما من تمام البدن، ولا حرج في غسلهما، هذا مذهب الإمام الأعظم ومن قال بقوله، وقال مالك والشافعي: إنَّهما سنتان في الوضوء والغسل معًا، والمشهور عن أحمد: أنَّهما واجبتان فيهما كمذهبنا، وذهب داود إلى أنَّ الاستنشاق فرض في الوضوء والغسل، وأنَّ المضمضة سنة فيهما، والله تعالى أعلم.
(ثم أخذ غَرفة) -بفتح الغين المعجمة- واحدة (من ماء)؛ بالمد، و (من) : للبيان مع إفادة التبعيض، (فجعل بها هكذا) : وإنَّما عطف بـ (ثم)؛ لوجود المهلة بين الغَرفتين، ثم بيَّن الإشارة بقوله: (أضافها)؛ أي: الغرفة، فترك العاطف؛ لبيان الإشارة (إلى يده الأخرى) : بأن جعل الماء في يديه معًا؛ لكونه أمكن في الغسل، (فغسل بها) أي: بالغرفة (وجهه) وللأصيلي: (فغسل بهما)؛ أي: باليدين، وظاهره أنَّه غسله مرة واحدة، وكذا فيما سيأتي؛ اقتصارًا على أدنى الوضوء، وعلى هذا فالظاهر أنَّ الغرفة الأولى تمضمض بها مرة، واستنشق بها مرة؛ ليطابق الجميع، كذا قيل، (ثم أخذ غَرفة) بفتح المعجمة (من ماء)؛ بالمد، و (من) : للبيان مع إفادة التبعيض كما قلنا، (فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة) أخرى (من ماء) أيضًا (فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه)؛ يعني: بعد أن قبض قبضة من الماء، (ثم نفض يده)، كما في رواية أبي داود مع زيادة: (مسح أذنيه)، ففي الحديث حذفٌ دل عليه ما رواه أبو داود، وقد خفي هذا على الكرماني فقدر المحذوف، زاد النسائي: (ومسح أذنيه مرة واحدة، باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه)، وزاد ابن خزيمة: (وأدخل أصبعيه فيهما) انتهى.
ولا يصير الماء مستعملًا؛ لأنَّ الماء ما دام على العضو لا يوصف بالاستعمال، فإذا انفصل عنه؛ صار مستعملًا سواء استقر في مكان أو لا على المعتمد، وعليه الفتوى، وقيل: لا يوصف بالاستعمال إلَّا إذا استقر في مكان، والثمرة تظهر فيما لو وضع أحد يده مثلًا تحت ماء الوجه فغسلها به؛ فعلى الأول لا يجزئه، وعلى الثاني يجزئه، والأصح الأول.
(ثم أخذ غرفة من ماء فرشَّ)؛ أي: صبه قليلًا قليلًا حتى صار غسلًا (على رجله اليمنى) : فالمراد بالرش: الغسل؛ بدليل قوله: (حتى)؛ أي: إلى أن (غسلها) لكن عبر عنه بالرش؛ احترازًا عن الإسراف الذي هو مظنة الرجلين، ووقع في رواية أبي داود والحاكم: (فرش على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحها بيديه؛ يد فوق القدم، ويد تحت النَّعل)، والجواب: أنَّ المراد بالمسح الغسل؛ لأنَّ المسح في كلام العرب يكون غسلًا، كما قاله ابن الأعرابي وأبو زيد الأنصاري.
وأمَّا قوله: (تحت النَّعل)؛ فمحمول على التجوز عن القدم على أنَّ هذه الرواية شاذة رواها هشام بن سعد، وهو ممن لا يحتج به عندهم عند الانفراد، فكيف إذا خالفه غيره؟! كذا في «عمدة القاري».
(ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله)؛ بغين معجمة وسين مهملة، من الغسل، كذا وقع في الأصول، وقال ابن التين: إنَّه بالعين المهملة، قال في «عمدة القاري» : إنَّه غريب، وتكلف، وتصحيف، والصواب ما في الأصول: (فغسل بها رجله)، قال زيد بن أسلم أو من هو دونه من الرواة: (يعني: اليسرى) : وفي رواية: (فغسل بها؛ يعني: رجله اليسرى).
(ثم قال) أي: ابن عباس: (هكذا رأيت رسول الله) : ولأبي الوقت: (النبي) الأعظم ﷺ يتوضأ) : جملة محلها النصب على الحال، وعبَّر بالمضارع؛ لأجل حكاية الحال الماضية، وفي رواية: (توضأ)؛ بحذف التحتية، وفي الحديث: البداءة باليمين، وهو مستحب على الصحيح، كما صرح به الإمام القدوري، وتبعه صاحب «الملتقى»، و «التنوير»، وغيرهما.
قال ابن قدامة في «المغني» : التيامن مستحب، ولا نعلم قائلًا بخلافه، ولأنَّه لا يعقل فيها إلَّا شرف اليمين، وذلك لا يقتضي عدمه العقاب، واختار المحقق الكمال بن الهمام في «فتح القدير» : أنَّه سنة، وتبعه العلامة الشرنبلاليُّ في كتبه، فيستحب التيامن في الوضوء والغسل، وكذا في التيمم، وكذا في مسح الخف، كما حرره في «منهل الطلاب»، وأمَّا الأذنان والخدان؛ فلا يستحب التيامن فيهما؛ لأنَّ الأذنين تبع للرأس وهو عضو واحد، والخدين تبع للوجه وهو عضو واحد، فإن كان المتوضئ أقطع؛ بأن كان له يد واحدة أو كان في إحدى يديه علة ولا يمكنه مسحهما معًا؛ فيستحب له أن يبدأ بالأذن اليمنى ثم باليسرى، وكذا يستحب له أن يبدأ بغسل الخد الأيمن ثم بالأيسر، كما يستفاد من كلام السراج، فقولهم: لا يستحب التيامن فيهما؛ مقيَّد بالصحة، كذا في «منهل الطلاب»، والله أعلم.
(٨) [باب التسمية على كل حال وعند الوقاع]
هذا (باب) طلب (التسمية) وهي قول: بسم الله (على كل حال)؛ يعني: سواء كان طاهرًا، أو محدثًا، أو جنبًا (وعند الوِقاع)؛ بكسر الواو؛ أي: الجماع، وهو من عطف الخاص على العام؛ للاهتمام به.
والحديث المسُوق هنا شاهد للخاص لا للعام، لكن لمَّا كان حال الوِقاع أبعد حالًا من ذكر الله ومع ذلك تسن التسمية فيه؛ ففي غيره أولى، ولهذا ساقه المؤلف هنا؛ لمشروعية التسمية عند الوضوء، ولم يسق حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، مع كونه أبلغ في الدلالة؛ لكونه ليس على شرطه، بل هو مطعون فيه وبفرض صحته، فهو محمول على الكمال؛ كحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، وأصح ما في التسمية حديث أنس: أنَّه ﵇ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، وقال: «توضؤوا بسم الله...»؛ الحديث، ويقرب منه حديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله...»، وتمامه في «عمدة القاري».
[حديث: لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله]
١٤١ - وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) أي: ابن المديني (قال: حدثنا جرير) : هو ابن عبد الحميد، (عن منصور) :
стр. 103
هو ابن المعتمر (عن سالم بن أبي الجَعْد)؛ بفتح الجيم وسكون العين المهملة: رافع الأشجعي مولاهم، الكوفي التابعي، المتوفى سنة مئة، (عن كُريب)؛ بضم الكاف: مولى ابن عباس، (عن ابن عباس) ﵄ (يَبلُغ)؛ بفتح أوله وضم ثالثه، من البلاغ، والجملة محلها النصب على الحال من ابن عباس، وقوله: (به) صلة (يبلغ)؛ أي: يصل ابن عباس بالحديث (النَّبيَّ) الأعظم بالنصب على المفعولية ﷺ : وهذا كلام كُريب، وغرضه أنَّه ليس موقوفًا على ابن عباس، بل هو مسند إلى النبيِّ الأعظم ﵇، لكنه يحتمل أن يكون بالواسطة بأن سمعه من صحابيِّ سمعه من النبيِّ الأعظم ﵇، وأن يكون بدونها، ولمَّا لم يكن قاطعًا بأحدهما أو لم يرد بيانه؛ ذكره بهذه العبارة، كذا في «عمدة القاري»، وما قيل باحتمال أنَّه من كلام ممن دونه؛ فبعيد؛ فتأمل.
(قال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇: (لو) : هي لمجرد الربط، تفيد ترتيب الوجود عند الوجود (أنَّ أحدكم)؛ بفتح الهمزة، وهي مع معمولها في محل الرفع على الفاعلية لـ (ثبت) محذوفًا الواقع شرط (لو) الشرطية، وجوابها قوله: (لم يضره) الآتي؛ والتقدير: لو ثبت قول أحدكم وقت إتيان أهله: اللَّهم... إلخ، ويجوز جعل المصدر المقدر مبتدأ والخبر محذوف، (إذا أتى أهله)؛ أي: زوجته، ومثلها الأمة؛ أي: جامعها، وهو كناية عن الجماع، و (إذا) : ظرف لقوله: (قال: بسم الله) : خبر (أنَّ)، ولو أضاف إليها: الرحمن الرحيم؛ لكان حسنًا، (اللهم) أي: يا الله (جنِّبنا)؛ بتشديد النُّون المكسورة، أمر من جنَّبَ الشيء: أبعده، ومنه: الجُنُب؛ لبعده عن ذكر الله، وأجنب: تباعد، وقرأ طاووس وغيره: (وأجنبني) [إبراهيم: ٣٥]؛ بقطع الهمزة، وتمامه في «عمدة القاري»، (الشيطان)؛ بالنصب مفعول ثان لـ (جَنِّب)، وهو كل عاتٍ متمرد من الإنس، والجن، والدواب، والعرب تسمي الحية: شيطانًا، ونونه أصلية، وقيل: زائدة، فإن جعلته (فيعالًا) من قولهم: تشيطن الرجل؛ صرفته، وإن جعلته من (تشيَّط)؛ لم تصرفه؛ لأنَّه (فعلان)، واختلف في اشتقاقه؛ فقيل: من شاط يشيط؛ إذا هلك، ووزنه (فعلان)، وقيل: من شطن؛ أي: بعد؛ لبعده من الصلاح والخير، وتمامه في «عمدة القاري».
(وجنب) أي: أبعد (الشيطانَ) بالنصب على المفعولية (ما) موصولة (رزقتنا)؛ أي: الذي رزقناه، فـ (ما) موصولة محلها النصب مفعول ثان، والمراد به: الولد؛ لأنَّ اللفظ أعم، لأنَّه يطلق على المطر وعلى الحظ، وفي «العباب» : الرزق: ما ينتفع به، وقيل: الرَّزق؛ بالفتح: المصدر الحقيقي، وبالكسر: الاسم، وقيل: الرزق: كل شيء يؤكل؛ وهو باطل؛ لأنَّ الله أمرنا أن ننفق مما رزقنا، فقال: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم﴾ [المنافقون: ١٠]، فلو كان الرزق هو الذي يؤكل؛ لما أمكن إنفاقه، وقيل: هو ما يملك؛ وهو باطل؛ لأنَّ الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولدًا صالحًا وزوجة صالحة، وهو لا يملك الولد والزوجة.
وفي عرف الشرع: فقال أهل السنة: إنَّه اسم لما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان فيأكله، وذلك قد يكون حلالًا وقد يكون حرامًا، مباحًا أو مملوكًا أو غير مملوك، وكلٌّ يستوفي رزق نفسه حلالًا كان أو حرامًا، ولا يُتصوَّر ألَّا يأكل إنسان رزقه أو يأكل غير رزقه.
وقالت المعتزلة: الرزق: ما ينتفع به، فالحرام لا يكون رزقًا له، ورُدَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد يعيش الإنسان طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: طول عمره لم يكن يأكل من رزقه شيئًا، وهو باطل، وتمامه في كتب الكلام.
(فقُضِي)؛ بضم القاف وكسر الضَّاد، على البناء للمفعول، من القضاء، وله معان كثيرة؛ منها: الحكم، والفراغ، والقتل، والموت، والأداء، والإبلاغ، والقدر، والمناسب هنا: إما حكم أو قدر، (بينهما)؛ أي: بين الأحد والأهل، وفي رواية: (بينهم) بالجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو بالنظر إلى معنى الجمع من الأهل (ولدٌ) ذكرًا كان أو أنثى (لم يضرُّه) الشيطان، بضم الرَّاء؛ لأجل ضمة ما قبلها، والفتح للخفة وفك الإدغام؛ أي: لا يكون للشيطان على الولد سلطان ببركة اسمه ؛ بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، أو المعنى: أنَّ الشيطان لا يتخبطه ولا يداخله بما يضر عقله أو بدنه، وهذا أقرب، وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته أو لم يفتنه بالكفر.
وروى ابن جرير في «تهذيب الآثار» بسنده عن مجاهد قال: «إذا جامع الرجل أهله ولم يسمِّ؛ انطوى الجان على إحليله فجامع معه»، فذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ففيه الملازمة لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته، وقد جعل الله ذِكْرَ اسمه حجابًا لذلك، أعاذنا الله منه، فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، وعلى خيشومه إذا نام، وعلى قلبه إذا استيقظ، فإذا غفل؛ وسوس، وإذا ذكر الله؛ خنس، ويضرب على قافية رأسه إذا نام ثلاث عقد: عليك ليل طويل، وتنحل بالذكر والصلاة.
وصفتها: أنَّها سنة، وليست بواجبة فلو تركها عمدًا؛ صح وضوؤه، وهو قول الإمام الأعظم، ومالك، والشافعي، والجمهور، ورواية عن أحمد، وأخرى أنَّها واجبة، وهو قول أهل الظاهر، وقال إسحاق ابن راهويه: إنَّها واجبة إن تركها عمدًا؛ بطلت طهارته، وإن سهوًا؛ لا تبطل، وروي عن الإمام الأعظم: أنَّها ليست بمستحبة، وروي عن مالك: أنَّها بدعة، وفي رواية: أنَّها مباحة، والله تعالى أعلم.
(٩) [باب ما يقول عند الخلاء]
هذا (باب ما يقول)؛ أي: الذي يقوله الشخص (عند) إرادة دخول (الخَلاء)؛ بفتح الخاء المعجمة وبالمد: موضع قضاء الحاجة، سمي به؛ لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة؛ وهو الكنيف والحش والمرتفق، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تجوز به عن ذلك، وأما الخلى؛ بالقصر: فهو الحشيش الرطب والكلأ، وبالكسر والمد: العيب في الإبل كالحران في الخيل، وتمامه في «عمدة القاري».
[حديث: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبايث]
١٤٢ - وبه قال: (حدثنا آدم)؛ بالمد: هو ابن أبي إياس (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن عبد العزيز بن صُهيب) بضم الصَّاد المهملة (قال: سمعت أنسًا)؛ أي: ابن مالك حال كونه (يقول) أتى به مضارعًا مع (سمعت) الماضي؛ استحضارًا لصورة القول: (كان النبي) الأعظم ﷺ وأتى بـ (كان) للدلالة على الثبوت والدوام (إذا) ظرف بمعنى: حين (دخل الخلاء)؛ بالنصب بتقدير (في)؛ أي: أراد الدخول في الخلاء، كما سيأتي التصريح به في التعليق آخر الباب؛ لأنَّ اسم الله تعالى مستحب الترك بعد الدخول، وإنما يذكر في الخلاء بالقلب لا باللسان، ويكره الدخول في الخلاء ومعه شيء مكتوب فيه اسم الله أو قرآن، لما في «أبي داود» و «الترمذي» : عن أنس قال: (كان ﵇ إذا دخل الخلاء؛ نزع خاتمه)؛ أي؛ لأنَّ نقشه (محمد رسول الله)، ففيه دليل على استحباب (١) تنحية المستنجي اسم الله واسم رسوله، وكذا سائر الرسل والقرآن، وكذا كل ما عليه معظَّم من اسم الله أو نبي أو ملك، فإن خالف؛ كره؛ لترك التعظيم، ومنه يعلم كراهة استعمال نحو إبريق في خلاء مكتوب عليه شيء من ذلك، وطشت تغسل فيه الأيدي، ومحل الكراهة إن لم يكن مستورًا، فإن كان في جيبه؛ فلا بأس به، وفي «القهستاني» عن «المنية» : الأفضل ألَّا يدخل الخلاء وفي كمه مصحف إلَّا إذا اضطر، ونرجو ألَّا يأثم بلا اضطرار، انتهى، وفي «شرح المنية» : الخاتم المكتوب فيه شيء من ذلك إذا جعل فصه إلى باطن كفه قيل: لا يكره، والتحرز أولى، انتهى.
ويدخل الخلاء برجله اليسرى؛ لأنَّه محل مستقذر، ويخرج باليمنى، فإذا أراد أن يدخل؛ (قال) وفي رواية: (يقول) وهي
стр. 104
في محل نصب خبر (كان)، وهي أولى؛ لأنَّها تفيد تكرار الفعل، وأنَّه عادة له هنا بخلاف الأولى: (اللهم)؛ أي: يا الله، وهذا إذا كان المكان معدًّا لذلك كالكنيف، فإن كان في الصحراء أو غيره مما لم يكن معدًّا لذلك؛ فيقول وقت الجلوس قبل كشف العورة: (إني أعوذ) جملة محلها الرفع خبر (إن)؛ أي: ألوذ وألتجئ (بك من الخُبُث)؛ بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة، وقد تسكَّن؛ وهي رواية، وقال الخطابي: تسكين الباء غلط، والصواب الضم، وأنكره في «عمدة القاري» بأنَّ أبا عبيد حكى تسكين الباء وكذا الفارسي والفارابي، جمع خبيث، مثل عَتِيق وعُتُق، (والخبائث) جمع الخبيثة (١)؛ أي: ذكران الشياطين وإناثهم؛ لأنَّهم يحضرون الأخلية، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله، فقدم لها الاستعاذة احترازًا منهم، وقد قال النبي الأعظم ﵇: «إن هذه الحشوش محتضرة-أي: للجان والشياطين- فإذا دخل أحدكم الخلاء؛ فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، فكان ﵇ يستعيذ؛ إظهارًا للعبودية وتعليم الأمَّة، وإلا فهو ﵇ محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا على سارية من سواري المسجد، واستُدِل بهذا على أنَّ إبليس نجس العين، ورُدَّ بأنَّ في «شرح السنة» : أنه ﵇ أمسك إبليس في الصلاة ولم يقطعها؛ فهو يدل على أنَّه طاهر العين، لكنه نجس الفعل من حيث الطبع.
ويستحب أن يقول: (بسم الله) مع التعوذ؛ لما رواه المعمري عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ: «إذا دخلتم الخلاء؛ فقولوا: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، وإسناده على شرط مسلم، وفي «كتاب ابن عدي» بسند فيه ضعف: كان ﵇ إذا دخل الكنيف؛ قال: «بسم الله» ثم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، ففيه زيادة التسمية وتقديمها على (٢) التعوذ، فالسنة هنا تقديم التسمية على التعوذ، عكس المعهود في التلاوة على الصحيح، وقيل: بالاكتفاء بأحدهما تحصل السنة والجمع أفضل.
والشياطين على نوعين: جني وإنسي؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وشيطان الإنس أعظم من شيطان الجن؛ لأنَّه من التعوذ يفر ويهرب، أمَّا شيطان الإنس؛ فلو قرأت عليه التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان؛ لم يفر ولم يتحرك من مكانه؛ بل لو رآه شيطان الجن؛ لفر وهرب منه؛ لأنَّه لا يخلو من أذاه، لأنَّه ربما تحيَّل عليه وركبه كما تركب الدابة في زماننا.
ولو أتى بالبسملة كلها؛ فحسن، كما في «السراج»، لكن الأحسن: بسم الله، كما في «النتف» موافقة للحديث.
وأفاد الحديث أن يقول: (أعوذ)، وفي رواية وهيب: (فليتعوذ)، وهو شامل لألفاظ الاستعاذة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، فالأولى أن يقول ذلك موافقة للقرآن، وقد يفرق بأن ذلك مخصوص بقراءة القرآن، وذاك مخصوص بدخول الخلاء.
(تابعه) وفي رواية: (قال أبو عبد الله: تابعه)؛ أي: تابع آدمَ بن أبي إياس (ابنُ عَرعَرة)؛ بتكرار العين المفتوحة والرَّاء المهملات، واسمه محمد؛ أي: في رواية الحديث (عن شعبة) كما رواه المؤلف في (الدعوات) موصولًا، والحاصل: أن ابن عرعرة روى هذا الحديث عن شعبة كما رواه آدم عن شعبة، وهذه هي المتابعة التامة وفائدتها التقوية.
(وقال غُنْدَر)؛ بضم الغين المعجمة، وسكون النُّون، وفتح الدَّال المهملة على المشهور وبالرَّاء، ومعناه: المشغب، وهو لقب محمد بن جعفر البصري ربيب شعبة، (عن شعبة) كما وصله البزار في «مسنده» بلفظ: (إذا أتى الخلاء) فهو تعليق لا متابعة، ورواه أحمد بن خليل عن غندر بلفظ: (إذا دخل) فيكون متابعة.
(وقال موسى)؛ أي: ابن إسماعيل التبوذكي مما وصله البيهقي، (عن حماد) هو ابن سلمة بن دينار الربعي، وكان يعد من الأبدال، وعلامة الأبدال ألَّا يولد له، تزوج سبعين امرأة، فلم يولد له، المتوفى سنة سبع وستين ومئة، بلفظ: (إذا دخل)؛ أي: الخلاء، وهذه المتابعة ناقصة لا تامة.
(وقال سعيد بن زيد)؛ أي: ابن درهم الجهضمي، أبو الحسن الأزدي البصري أخو حماد بن زيد بن درهم، مما وصله المؤلف في «الأدب المفرد» بلفظ: (حدثنا عبد العزيز)؛ أي: ابن صهيب... إلى أنس قال: كان النبي الأعظم ﵇ (إذا أراد أن يدخل)؛ أي: الخلاء... ؛ الحديث، زاد في رواية: (قال أبو عبد الله -يعني المؤلف-: ويقال: الخبْث) يعني: بسكون الموحدة.
وقد تكلم بعضهم في سعيد بن زيد بضعفه، وروى له المؤلف هنا فقط هذا التعليق استشهادًا، مات سنة وفاة ابن سلمة، وهذه الألفاظ معناها متقارب يرجع إلى معنى واحد؛ وهو أنَّ التقدير: كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول في الخلاء لا بعده، وجاء بلفظ (الغائط) موضع (الخلاء) عند الإسماعيلي في «معجمه»، وجاء لفظ (الكنيف)، ولفظ (المرفق)، فالأول في حديث علي بسند صحيح مرفوعًا: «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله»، والثاني في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه مرفوعًا: «لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم» وسنده ضعيف.
ولم يذكر المؤلف ما يقول إذا خرج من الخلاء، وقد جاء فيه، لكن ليس على شرط المؤلف، فروي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الغائط؛ قال: «غفرانك» أخرجه ابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم، قال أبو حاتم الرازي: هذا أصح شيء في الباب.
وروى ابن ماجه من حديث أنس قال: كان النبي الأعظم ﵇ إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»، وروى النسائي من حديث أبي ذر مثله، وروى الدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعًا: «الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك عليَّ ما ينفعني»، وروى الدارقطني أيضًا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى عليَّ قوته، وأذهب عني أذاه».
والحكمة في قول: (غفرانك) أنَّه إنَّما يستغفر من ترْكه ذكر الله تعالى مدة لبثه في الخلاء، ويقرب منه ما قيل: إنَّه لشكر النعمة التي أنعم عليه بها؛ إذ أطعمه وهضمه، فحق على من خرج سالمًا مما استعاذه منه أن يؤدي شكر النعمة في إعاذته وإجابة سؤاله وأن يستغفر الله؛ خوفًا ألَّا يؤدي شكر تلك النعمة، كذا في «عمدة القاري».
(١٠) [باب وضع الماء عند الخلاء]
هذا (باب وضع الماء عند الخلاء)؛ ليستعمله المتوضئ بعد خروجه منه.
[حديث: أن النبي دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا]
١٤٣ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد) الجعفي المسنَدي؛ بفتح النُّون (قال: حدثنا هاشم بن القاسم) أبو النضر؛ بالنُّون والضَّاد المعجمة، التميمي الليثي الكناني الخراساني، نزيل بغداد، الملقب بقيصر، المتوفى بها سنة سبع ومئتين عن ثلاث وسبعين سنة (قال: حدثنا ورْقاء)؛ بسكون الرَّاء مع المد: مؤنث الأورق، ابن عمر اليشكري الكوفي، أبو بشر، المتوفى سنة تسع وستين ومئة، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن أبي يزيد) من الزيادة، المكي، قارظ؛ بالقاف، والرَّاء، والظاء المعجمة، حلفاء بني زهرة، المتوفى سنة ست وعشرين ومئة، ووقع في رواية الكشميهني: (عبيد الله بن أبي زائدة)، قال في «عمدة القاري» : وهو غلط، والصحيح: ابن أبي يزيد، ولا يعرف اسمه، انتهى؛ فليحفظ.
(عن) عبد الله (ابن عباس) ﵄: (أن النبي) الأعظم ﷺ دخل الخلاء)؛ بالخاء المعجمة والمد، بيت التغوط، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل رفع خبر (أن)، (فوضعتُ) بضم التاء (له وَضوءًا)؛ بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به، وبالضم المصدر، وهو بالنصب على المفعولية، والجملة معطوفة على الجملة السابقة، وما قيل: إنَّه ناوله إياه ليستنجي به؛ فممنوع؛ لأنَّ فيه
стр. 105
تعرضًا للاطلاع (١) على عورته ﵇، ويدل لهذا قوله: (قال)؛ أي: النبي الأعظم ﵇ بعد الخروج من الخلاء، وفي رواية: (فقال) : (مَن) استفهامية مبتدأ خبره قوله: (وضع هذا؟)؛ أي: الوضوء في هذا المكان، (فأُخْبِر) -أي: النبي الأعظم ﵇ أنَّه ابن عباس-؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول، عطف على ما قبله، وقد علم أن في عطف الاسمية على الفعلية أقوالًا، والمفهوم من كلام النحاة جواز ذلك، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني والعجلوني.
وقوله: (على ما قبله)؛ أي: على (قال) أو (فوضعت)، لا على (من وضع هذا؟)؛ لفساد المعنى، والمخبرة: ميمونة بنت الحارث زوج النبي الأعظم ﵇ وخالة ابن عباس؛ لأنَّ وضع الوضوء كان في بيتها.
(فقال) ﵇: (اللهم) أصله: يا الله، فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم، (فقِّهْهُ في الدين) من الفقه، وهو لغة: الفهم، تقول: فقِه الرجل؛ بالكسر، ثم خص به علم الشريعة والعالم به فقيه، و (الدين)؛ أي: الإسلام؛ أي: شرائع الإسلام، وإنَّما دعا له لأجل وضعه؛ لكونه ﵇ تفرَّس فيه الذكاء والفطنة، فالمناسب أن يدعو (٢) له بالتفقه في الدين؛ ليطلع به على أسرار الفقه في الدين فينتفع وينفع، لأنَّ وضعه عند الخلاء كان أيسر له ﵇؛ لأنَّه لو وضعه في مكان بعيد منه؛ كان احتاج إلى طلب الماء، وفيه مشقة ما، ولو دخل به إليه كان تعرضًا للاطلاع على حاله وهو يقضي حاجته، فلما رأى ابن عباس هذه الحالة أوفق وأيسر؛ استشهد به ﵇ على غاية ذكائه مع صغر سنه، فدعا له بما دعا به، وقد حقق الله دعاءه ﵇؛ حيث صار فقيه الأمة، ففيه: دليل قاطع على إجابة دعاء النبي الأعظم ﵇.
وفيه: استحباب المكافأة بالدعاء، ويدل له قوله ﵇: «من أهدى (٣) لكم معروفًا؛ فكافئوه وإلا فادعوا له».
وفيه: أن حمل الخادم الماء إلى المغتسل غير مكروه، وأن الأولى عدمه؛ ليقيم الإنسان العبادة بنفسه من غير إعانة غيره عليها.
وفيه: دليل على أن وضع الماء عند الخلاء للاستنجاء.
وفيه: ردٌّ على من ينكر الاستنجاء بالماء، وأجاب: بأن وضع ذلك الوضوء للنساء، وأما الرجال؛ فيتمسحون بالحجارة، وهو ممنوع.
ونقل ابن التين عن مالك: أنَّه ﵇ لم يستنج عمره بالماء، وهو ممنوع، فقد عقد المؤلف لذلك بابًا مستقلًا سيأتي، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله ﵇ خرج من غائط قط إلا مس ماء)، وفي «جامع الترمذي» من حديثها أنها قالت: (مُرْن أزواجكن أن يغتسلوا إثر الغائط والبول فإنَّه ﵇ كان يفعله)، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث أبي هريرة: (أنَّه ﵇ قضى حاجته ثم استنجى من تور)، والجمهور على أنَّ الأفضل الجمع بين الماء والحجر.
واستُدِل بالحديث على أنَّ الوضوء من الأواني أفضل من المشارع والبرك، قال القاضي عياض: هذا لا أصل له، ولم ينقل أنَّه ﵇ وجدها فعدل عنها إلى الأواني، كذا في «عمدة القاري»، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى.
(١١) [باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلَّا عند البناء جدار أو نحوه]
هذا (بابٌ) بالتنوين: (لا تُسْتَقبلُِ القبلةُ) روي: بضم التاء المثناة من فوق على صيغة المجهول، وبرفع (القبلة) مفعول ناب عن الفاعل، وروي: (يَسْتَقبل)؛ بفتح المثناة التحتية على صيغة المعلوم وبنصب (القبلةَ) على المفعولية، ولام (يستقبل) يجوز فيها الضم على أن (لا) نافية، والكسر على أن تكون ناهية.
وإنما اقتصر على الاستقبال مع أنَّ الحديث فيه كلا الأمرين؛ توقف فيه العجلوني، قلت: لأنَّ الاستقبال لا خلاف فيه، وأما الاستدبار؛ ففيه خلاف سيأتي، فاقتصر على المتفق عليه وترك المختلف فيه؛ تأمَّل.
(بغائط) الباء: فيه ظرفية أو للإلصاق، وهو: اسم للعذرة نفسها؛ لأنَّهم يلقونها بالغيطان، (أو بول) فـ (أو) للتنويع، يدل عليه رواية ابن عساكر: (لا يستقبل بغائط ولا بول)، والغائط: أصله: المطمئن من الأرض الواسع يأتونه لقضاء الحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث؛ كراهة لذكره؛ لأنَّ عادة العرب استعمال الكناية، ثم استعمل للخارج وغلب على الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلا الخارج من الدبر فقط؛ لتفرقته في الحديث بينهما، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، فإنَّ الحكم عام، (إلا عند البِناء)؛ بكسر الباء الموحدة، استثناء من قوله: (لا يستقبل القبلة) (جدارٍ)؛ بالجرِّ بدل من (البناء) (أو نحوه)؛ أي: نحو الجدار كالأحجار الكبار، والسواري، والأساطين، وفي رواية: (أو غيره) بدل (أو نحوه)، وهما متقاربان في المعنى.
وقال الإسماعيلي ليس في حديث الباب دلالة على الاستثناء المذكور، وأجاب: بأنَّه أراد بالغائط معناه اللغوي لا العرفي، فصح الاستثناء، ورُدَّ بأنَّهم استعملوه للخارج، وغلب المعنى العرفي على المعنى الأصلي، فصار حقيقة عرفية غلبت على الحقيقة اللغوية، فهجرت حقيقته اللغوية.
وقال ابن بطال: الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر الآتي؛ لأنَّ الحديث كله واحد، ورُدَّ بأنَّ على هذا كان ينبغي أن يذكر حديث ابن عمر في هذا الباب، وعدم ذكره دليل على أنَّ الحديث مخصوص ببابه، وبعيدٌ أن يترجم لشيء في باب ويحيل المطابقة له في حديث مذكور في باب آخر، فإنَّه معيب عند المؤلفين، لا يقال: إنَّ الغائط مشعر بأنَّ الحديث ورد في الصحارى لأنَّا نقول: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وكلُّ من توجه إلى نحو الكعبة يطلق عليه أنَّه مستقبل الكعبة سواء كان في الصحراء أو في الأبنية، فإن كان في الأبنية فالحائل بينه وبين القبلة الأبنية، وإن كان في الصحارى؛ فهو الجبال والتلال، والصواب أن يقال: إنَّ الحديث عنده عام مخصوص وعليه يوجه الاستثناء، كذا قاله في «عمدة القاري»، وما قاله العجلوني في شرحه؛ فليس بشيء؛ لأنَّه محاولة وخروج عن الظاهر ومنشؤه التعصب؛ فليحفظ.
[حديث: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره]
١٤٤ - وبه قال: (حدثنا آدم) -بالمد- هو ابن أبي إياس (قال حدثني) بالإفراد، وفي رواية: (حدثنا) (ابن أبي ذئب)؛ بالهمز، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا فهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام، المدني العامري (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع (الزهري) محمد بن مسلم، (عن عطاء بن يزيد) من الزيادة (الليثي) ثم الجُنْدُعي؛ بضم الجيم، وسكون النُّون، وضم الدَّال المهملة، آخره عين مهملة، المدني الشامي التابعي، المتوفى سنة سبع أو خمس ومئة عن اثنين وثمانين سنة، (عن أبي أيوب) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عوف (الأنصاري) النجاري الخزرجي، شهد بدرًا والعقبة الثانية، وعليه نزل النبي الأعظم ﵇ حين قدم المدينة شهرًا، وهو من كبار الصحابة ونجبائهم، المتوفَّى غازيًا بالروم في دار الخلافة القسطنطينية، سنة خمسين، أو إحدى وخمسين، أو اثنتين وخمسين، وعليه الأكثر، وقبره هناك مشهور يزار ويُتَبرك به، معظَّم وعليه من المهابة ما يليق به، يستسقون به فيسقون، وقد بنى عليه قبة عظيمة السلطان سليم خان ﵁، وهو جدي وإليه أنسب، ولله الحمد والمنة.
(قال: قال رسول الله ﷺ : إذا) للشرط ولذا دخلت الفاء في جوابها (أتى) من الإتيان، وهو المجيء؛ أي: جاء (أحدُكم الغائطَ)؛ بالنصب مفعول (أتى)؛ أي: المكان المطمئن لقضاء الحاجة أو الحاجة نفسها؛ أي: قارب ظهورها، والغائط يشمل البول؛ كما قدمناه، وجواب (إذا) قوله: (فلا يَسْتَقبلُِ)؛ بالتحتية والبناء للفاعل لا غير، واللام مكسورة على أن (لا) ناهية، ومضمومة على أنها نافية؛ روايتان (القبلةَ)؛ بالنصب على المفعولية والمراد بها الكعبة، (ولا يُولِّها)؛ أي: القبلة؛ بضم التحتية وتشديد اللام، مجزوم بحذف الياء على النهي، وقد يرفع على أنَّه نفي بمعنى النهي (ظهرَه)؛ بالنصب مفعول ثان؛ أي: لا يجعلها
стр. 106
مقابل ظهره، وفي رواية مسلم: (ولا يستدبرها ببول أو غائط) وهو عام فيشمل الصحارى والبنيان، فلذا قال إمامنا الإمام الأعظم: يكره تحريمًا استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط مطلقًا؛ أخذًا بعموم الحديث، وهو مذهب مجاهد، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الراوي أبي أيوب، وهو حجة على الشافعي في إباحته بالبنيان؛ لأنَّ المنع لأجل تعظيم القبلة، وهو موجود في الصحارى والبنيان، فالجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل؛ فالحائل موجود أيضًا في الصحارى كالجبال والأودية لا سيما عند من يقول بكروية الأرض، فإنَّه لا موازاة إذ ذاك بالكلية، ولأنَّ المصلي في البيت يعتبر مستقبل القبلة ولا تجعل الحائط حائلًا، فكيف إذا كشف العورة في البيت لا تجعل الحائط حائلًا؟! وما ذاك إلا مخالفة للنص، ويستثنى من المنع ما لو كانت الريح تهب عن يمين القبلة أو شمالها، فإنَّهما لا يكرهان للضرورة، وإذا اضطر إلى أحدهما ينبغي أن يختار الاستدبار، لأنَّ الاستقبال أقبح فتركه أدل على التعظيم، كذا في «شرح النقاية» وبه قال الشافعي.
وكذا يكره إمساك صبي نحو القبلة للبول؛ لأنَّ كل ما كره فعله لبالغ كره أن يفعله بصغير، والنهي مخصوص بخروج الغائط والبول لا بكشف العورة، فلو استقبلها لأجل التطهير، أو حال الجماع، أو حال خروج الدم، أو الريح أو غيرها؛ فلا يكره تحريمًا؛ بل يندب تركه؛ لأجل التعظيم، كما نصَّ عليه ابن أمير حاج في «الحلية»، والتمرتاشي في «شرح الجامع الصغير»؛ فليحفظ.
ولو اشتبهت عليه القبلة؛ استظهر في «منهل الطلاب» تبعًا لشيخ شيخه أنَّه يلزمه.
وإذا جلس مستقبلًا أو مستدبرًا للقبلة غافلًا فتذكر؛ فإنَّه ينحرف عنها ندبًا إجلالًا لها إن أمكن، وإلا فلا بأس به؛ لحديث الطبري: «من جلس يبول قبالة القبلة فذكرها فانحرف عنها إجلالًا لها؛ لم يقم من مجلسه حتى يغفر له»، كذا في «إمداد الفتاح» و «الدر المختار»، والمراد: أنَّه ينحرف بجملته أو بقلبه حتى يخرج عن جهتها، والكلام في الإمكان فليس في الحديث دلالة على أنَّ المنهي عنه استقبال العين، كما لا يخفى.
لكن قال بعضهم: ورأيت في «التبيين» ما يفيد أنه يكفي في ذلك الانحراف اليسير؛ فتأمل، وقيد الإجلال لا بد منه في المغفرة، وبحث في «النهر» وجوبه، وقال في «النهاية» : فإن لم يفعل؛ لم يكن به بأس، انتهى.
قال الحلبي: وكأنَّه لم يجب؛ لأنَّه وقع معفوًا عنه للسهو وهو فعل واحد، انتهى، والمراد غفران ما شاء الله من ذنوبه الصغائر، وقول «النهاية» : لا بأس به؛ المراد: نفي الكراهة أصلًا، ويحتمل أنَّ المعنى: وإن لم ينحرف مع الإمكان فلا بأس به، وحينئذٍ فالمراد به خلاف الأولى كما هو الشائع في استعماله، ولعلَّه جرى على الرواية الأخرى؛ لأنَّه روي عن الإمام الأعظم روايات؛ أحدها: المنع مطلقًا، وهو ظاهر الرواية عنه وعليه الفتوى، والثانية: الإباحة مطلقًا، والثالثة: كراهة الاستقبال فقط، والرابعة: كراهة الاستدبار أيضًا إلَّا إذا كان ذيله مرخيًّا، كذا في «منهل الطلاب».
(شَرِّقوا أو غَرِّبوا)؛ بفتح أولهما المعجم، وتشديد ثانيهما المكسور؛ أي: لكن خذوا إلى جهة المشرق أو المغرب، وهو جواب سؤال نشأ عن النهي المذكور، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، قيل: الخطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب؛ فإنه لا يشرِّق ولا يغرِّب.
وقيل: إنَّما ذلك في المدينة وما أشبهها كأهل الشام واليمن، وأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب؛ فإنَّه يتيامن أو يتشاءم، وقيل: البيت قبلة لمن في المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لسائر أهل الأرض، وقالوا: ما بين المشرق والمغرب قبلة فيما يحازي الكعبة أنَّه يصلي إليه من الجهتين ولا يشرق ولا يغرب يحازي كل طائفة الأخرى في هذا، وأخرج ابن ماجه وأبو داود عن معقل بن أبي معقل: أنَّه نهى النبيُّ ﵇ أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط، وأراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس، فالنهي إمَّا لاحترام بيت المقدس؛ حيث كان قبلة لنا مرة، أو يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة؛ لأنَّ من استقبله فقد استدبر الكعبة، وصرح في «منهل الصلاح» : بكراهة استقبال بيت المقدس، وبه قال إبراهيم، وابن سيرين، وبعض الشافعية، فما قاله الخطابي من دعوى الإجماع على عدم الكراهة؛ خطأ.
وقال مالك والشافعي: إنَّه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان؛ لحديث ابن عمر الآتي وحديث جابر: (نهانا رسول الله ﵇ أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فدل حديث ابن عمر على جواز الاستدبار في الأبنية، وحديث جابر على جواز الاستقبال، ورُدَّ بأن حديث ابن عمر محمول على الخصوصية بالنبي الأعظم ﵇، ولأنَّه يحتمل أنَّه رآه حال الاستنجاء، والدليل إذا كان محتملًا يسقط الاستدلال به، كما سيأتي.
وأمَّا حديث جابر؛ فقال ابن حزم: إنَّه ضعيف؛ لأنَّه رواه أبان بن صالح، وهو ليس بمشهور، وقال أحمد ابن حنبل وأبو عمرو: إن حديث جابر ليس بصحيح؛ لأنَّ أبان ضعيف، وقول الحاكم: إنَّه صحيح على شرط مسلم؛ مردود؛ لأنَّ أبان -راويه عن مجاهد عن جابر- لم يخرج له مسلم شيئًا، والحديث حديثه وعليه يدور، وزعمهم بأن حديث جابر ناسخ لحديث الباب خطأ مردود؛ لأنَّ حديث أبي أيوب صحيح، وحديث جابر ضعيف، فكيف ينسخ الضعيف الصحيح؟! هذا لا يقوله عاقل على أنَّه لا يصار إلى الحديث الضعيف إلَّا عند تعذُّر الجمع بينهما، وهو ممكن هنا كما سيأتي، على أنَّه محمول على أنَّه رآه في بناء أو نحوه؛ لأنَّ ذلك هو المعهود من حاله ﵇ لمبالغته في التستر، ولعلَّه رآه حال الاستنجاء وهو محتمل فيسقط الاستدلال به.
واستنبط ابن التين من الحديث منع استقبال النَّيِّرين في حالة الغائط والبول، وكأنَّه قاسه على الاستقبال، وليس القياس بظاهر، وإن كان الحكم كذلك فقد نص أئمتنا على كراهة استقبالهما؛ أي: عين الشمس والقمر احترامًا لهما؛ لأنَّهما آيتان عظيمتان من آيات الله كما في «الإمداد»؛ أي: لأجل بول أو غائط، كما في «الدر»، ومفاده: أنَّه لو كان الاستقبال لأجل التطهير؛ لا يكره، كما قدمناه، وإطلاق الكراهة يقتضي التحريم واقتصارهم على الاستقبال يفيد أنَّه لا يكره الاستدبار، كذا قاله بعضهم، واستظهر شيخ شيخنا أنَّ الكراهة هنا للتنزيه؛ لأنَّه لم يرد فيه نهي، لكن سيدي العارف الشيخ عبد الغني النابلسي نقل أنَّه لا يقعد مستقبلًا ولا مستدبرًا لهما؛ للتعظيم، انتهى.
فهذا يفيد كراهة استدبارهما حال قضاء الحاجة وهو الظاهر، والمراد أنَّه يكره استقبال عينهما مطلقًا سواء كان في الصحراء أو في البنيان لا جهتهما ولا ضوئهما، وأنَّه لو كان ساتر يمنع عن العين ولو سحابًا فلا كراهة كما في «شرح مقدمة أبي الليث»، والظاهر: أنَّ الكراهة إذا لم يكونا في كبد السماء، وإلا فلا استقبال للعين، وهذا كله مستفاد من قوله: (عين...) إلخ، مع صريح النقل في ذلك كذا في «منهل الطلاب».
(١٢) [باب من تبرز على لبنتين]
هذا (باب) حكم (من) موصولة وصلتها قوله: (تبرَّز)؛ بتشديد الرَّاء وبالزاي، من التبرز وهو التغوط، وأصل التبرز: الخروج إلى البَراز للحاجة، والبراز؛ بفتح الموحدة: اسم للفضاء الواسع من الأرض، فكنوا به عن حاجة الإنسان، (على لَبِنتين) تثنية لَبِنة؛ بفتح اللام وكسر الموحدة، ويجوز تسكينها مع فتح اللام وكسرها، ويجوز فيه الأوجه الثلاثة كـ (كتف)، وقال الجوهري:
стр. 107
مثل كلمة وكلم، وهو الطوب النيء، والذي يوقد عليه النار يسمى الآجر؛ بالمد، وتمامه في «عمدة القاري»، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال؛ أي: جالسًا، لا متعلق بـ (تبرز)؛ فافهم.
[حديث ابن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله]
١٤٥ - وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ أي: التِّنِّيسي؛ بكسر المثناة الفوقية وتشديد النُّون (قال: أخبرنا مالك)؛ أي: ابن أنس الإمام، (عن يحيى بن سعِيد)؛ بكسر العين المهملة الأنصاري المدني، (عن محمد بن يحيى بن حَبَّان)؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، الأنصاري النجاري -بالنُّون والجيم- المازني، المتوفى بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومئة، (عن عمه)؛ أي: عم محمد بن يحيى (واسع بن حَبَّان)؛ بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابن منقذ بن عمرو الأنصاري النجاري -بالنُّون- المازني، ولواسع رؤية؛ فلذا ذُكِر في الصحابة، ولأبيه منقذ -اسم فاعل من أنقذ؛ بالمعجمة- وجده عمرو صحبة، وحَبَّان: إن أخذته من حَبِن؛ بفتح المهملة وكسر الموحدة: إذا طرأ له السقي؛ صرفته، وإذا أخذته من حب؛ منعته؛ فليحفظ.
(عن عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵄: (أنَّه)؛ أي: عبد الله بن عمر كما صرح به مسلم (كان) في محل رفع خبر (أنَّ) (يقول) في محل نصب خبر (كان) : (إنَّ) بكسر الهمزة (ناسًا) مقول القول؛ أي: جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة، ومعقل الأسدي، وغيرهم ﵃ ممن ذهب إلى أنَّ الاستقبال والاستدبار عند الحاجة في الصحراء أو في البنيان منهي عنه؛ لعموم الحديث السابق (يقولون) في محل رفع خبر (إنَّ) : (إذا قعدت) خطاب عامٌّ لكل من يتأتَّى منه القعود (على حاجتك) لفظة (على) إما للاستعلاء أو للتعليل، وهو كناية عن قضاء الحاجة قاعدًا أو قائمًا، وعبَّر بالقعود؛ لأنَّه الغالب؛ (فلا تستقبل القبلةَ)؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: الكعبة (ولا بيتَ المقدس)؛ بالنصب عطفًا على القبلة والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى صفته؛ كمسجد الجامع؛ أي: صخرته؛ لأنَّها هي التي كانت قبلة، وفيه لغتان مشهورتان: فتح الميم وسكون القاف وكسر الدَّال المخففة، وضم الميم وفتح القاف والدَّال المشددة، والمشدد معناه: المطهر، والمخفف لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، ومعناه: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره: إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها أو من الذنوب.
وهذا دليل على أنَّ الصحابة كانوا يختلفون في معاني السنن، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف، وكلامه يدل على إنكاره على من يقول: إنَّ استقبال بيت المقدس عند الحاجة غير جائز، فلذا قال أحمد بن حنبل: حديث ابن عمر ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس واستدباره، يدل لهذا ما روى مروان الأصغر عن ابن عمر: أنَّه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن؛ أليس قد نهي عن هذا؟ قال: إنَّما نهي عن هذا في الفضاء، وأمَّا إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك؛ فلا بأس.
قلت: وهذا لا يدل على النسخ؛ بل على التسليم، غاية الأمر أنَّه يقول: لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ويجيزهما في البنيان، كما هو مشهور مذهبه؛ للساتر، وقوله: (لا بأس) يدل على أنَّ النهي موجود لكن أخف من النهي عن القبلة؛ فتأمل، لأنَّ بيت المقدس معظَّم محتَرم؛ حيث إنَّه كان قبلة لنا مرة، أو من أجل استدبار الكعبة؛ لأنَّ من استقبله بالمدينة؛ فقد استدبر الكعبة؛ كما قدمناه.
(فقال عبد الله بن عمر) ﵄، وهذا ليس جوابًا لواسع كما زعمه الكرماني؛ بل هو من كلام ابن عمر لما تقدم من تصريح رواية مسلم بذلك، فالفاء: سببية؛ لأنَّ ابن عمر أورد القول الأول منكِرًا له، ثم بين السبب في إنكاره بما رآه من فعله ﵇، وقدم عليه القسم مع ما بعده؛ لتحقيق خبره.
ولما أراد واسع الراوي عنه التأكيد أيضًا؛ أعاد قوله: (فقال ابن عمر) : (لقد) اللام فيه: جواب قسم محذوف؛ أي: والله لقد (ارتقيتُ)؛ بضم التاء؛ أي: صعدت، وفي رواية: (رقيت)، والقسم المقدَّر وجوابه: مقول (فقال)، (يومًا)؛ بالنصب على الظرفية، ولفظ: (يومًا) سقط في رواية (على ظهر بيت لنا) متعلق بـ (ارتقيت)، وفي رواية تأتي: (على ظهر بيتنا)، وفي أخرى تأتي: (على ظهر بيت حفصة)؛ يعني: أخته، كما صرَّح به في رواية مسلم، ويدلُّ له رواية ابن خزيمة: (فدخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت)، والجمع بينهما بأنَّه بيت حفصة الذي أسكنها فيه النبي الأعظم ﵇، فالإضافة إليها ظاهرة، ونسب إليه إما باعتبار أنَّها أخته أو باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنَّه ورثها لكونه شقيقها دون إخوته، (فرأيت)؛ أي: أبصرت، فلا يقتضي إلا مفعولًا وحدًا وهو قوله: (النبي) الأعظم ﷺ على لَبِنتين) في محل نصب على الحال من (النبي) ﵇؛ أي: مستعليًا عليهما أو للتعليل، (مستقبلًا) بالنصب حال منه ويجوز أن يكونا حالين مترادفين ومتداخلين (بيتَ) مفعول (مستقبلًا) مضاف إلى قوله: (المقدس)؛ أي: ومستدبر الكعبة؛ للزومه عادة، وفي رواية تأتي: (مستقبل الشام مستدبر القبلة)، وعند ابن حبان: (مستقبل القبلة مستدبر الشام)، ولعلَّه مقلوب أو على تعدد القصة، والظاهر الأول؛ (لحاجته) اللام للتعليل؛ أي: لأجل حاجته أو للوقت؛ أي: وقت حاجته وهي التبرز، وعند الحكيم الترمذي: (فرأيته في كنيف)، وفي رواية ابن خزيمة: (فأشرفت على رسول الله ﵇ وهو على خلائه)، وفي رواية أخرى: (فرأيته يقضي حاجته محجوبًا بلَبِن)، ونَظَرُ ابن عمر له ﵇ وهو في تلك الحالة محمول على أنَّه وقعت منه تلك اتفاقًا للضرورة من غير قصد، كما يدل له الرواية الآتية، أو قصد ذلك فرأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمَّلَ قعوده، فعرف كيف هو جالس، فنقل ما شاهد.
وهذا يرد على من قال: بالجواز مطلقًا، يحتمل أنَّه رآه بالفضاء، وكونه على لَبِنتين لا يدل على البناء؛ لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما على الأرض، ويردُّ هذا الاحتمال أيضًا أنَّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلا بساتر، كما رواه أبو داود وغيره، فاستدلَّ بذلك مالك والشافعي على جواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة في البنيان، وأنَّه مخصص لعموم النهي، كما ذكرناه في الباب قبله.
قلت: بل النهي باق على عمومه، وأن الحديث مخصوص بالنبي الأعظم ﵇، ويدل لذلك إنكار أبي أيوب، وأبي هريرة، ومعقل، وغيرهم على ابن عمر الاستقبال بالساتر، ويحتمل أنَّ ابن عمر رأى النبي الأعظم ﵇ وهو يستنجي بالأحجار مستقبلًا وهو جائز، ويحتمل أنَّ في أعالي السطح قذرًا فخشي النبي ﵇ أن يصيبه فارتفع على لبنتين لا للحاجة؛ بل للقذر، وعلى فرض كونه للحاجة يحتمل أنَّه كان في مهب الريح؛ لأنَّه العادة في المكان المرتفع، فلو استقبل الريح لا شك أنَّه يعود عليه الخارج، فاختار ﵇ استقبال بيت المقدس فيكون مستدبر الكعبة؛ لأنَّه أخف من استقبال القبلة؛ لأنَّه أقبح، على أنَّ حديث أبي أيوب راجح على حديث ابن عمر؛ لأنَّه قول وذاك فعل، والقول مقدم على الفعل عند المحققين، وهو مثبت وذاك منفي، والمثبت مقدم على النافي عند المدققين، فالمصير إلى حديث أبي أيوب متعين لوجود الاحتمالات في حديث ابن عمر والدليل إذا طرقه الاحتمال؛ سقط الاستدلال به، على أنَّ حديث أبي أيوب محرِّم، وحديث ابن عمر مبيح، والمحرِّم مقدم على المبيح عند الأصوليين فتعيَّن المصير إليه وسقط الاستدلال به؛ فليحفظ.
(وقال) أي: ابن عمر: (لعلَّك) الخطاب لواسع، وغلط من زعم أنَّه مرفوع، قاله ابن حجر، (من الذين يصلون على أوراكهم) جمع: ورك، كـ (كتف) مؤنثة، ففيها لغاتها، والوركان: العظمان على طرف عظم الفخذين، كما في «عمدة القاري»؛ أي: الذين لا يعرفون السنة، إذ لو كنت عارفًا بها؛ لعرفت جواز استقبال بيت المقدس ولما التفتَّ إلى قولهم.
وإنَّما كنَّى عن الجاهلين
стр. 108
بـ (الذين يصلون على أوراكهم)؛ لأنَّ المصلي على الورك لا يكون إلا جاهلًا بالسنة وإلا لما صلى عليه، والسنة في السجود التخوية؛ أي: لا يلصق الرجل بالأرض؛ بل يرفع عنها.
(فقلت: لا أدري والله)؛ أي: قال واسع: لا أدري أنا منهم أم لا، أو لا أدري السنة في الاستقبال، فجواب القسم محذوف لدلالة المذكور عليه، أو المذكور قدم من تأخير كما قيل بنظيره في نحو: أقوم إن قام زيد.
(قال مالك)؛ أي: ابن أنس في تفسير الصلاة على الورك: (يعني)؛ أي: ابن عمر بقوله ذلك (الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض يسجد) جملة في محل نصب على الحال، (وهو لاصق بالأرض) والجملة أيضًا محلها النصب على الحال، فتفسير الصلاة على الورك هو اللصوق بالأرض حالة السجود، وهو خلاف السنة؛ لأنَّ السنة أن يجافي؛ أي: يباعد بطنه عن فخذيه، وعضديه عن إبطيه؛ لأنَّه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض في غير زحمة، وعلى كلٍّ فصلاته صحيحة، وزعم بعضهم: أنَّ صلاته كذلك باطلة، ولعلَّه نظر إلى عدم نصب أصابعه على الأرض ولفظ (قال مالك) إن كان من قول المؤلف؛ نقْله منه يكون تعليقًا، وإن كان من قول عبد الله؛ يكون داخلًا تحت الإسناد المذكور، كذا في «عمدة القاري» ومثله في «الكرماني».
قلت: والظاهر: أنَّ لفظ: (قال مالك) من قول المؤلف ومقوله -وهو (يعني...) إلخ- من قول ابن عمر، يدل لذلك سياق مسلم، وفي أوله عنده: (عن واسع قال: كنت أصلي في المسجد؛ فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلما قضيت صلاتي؛ انصرفت إليه من شقي، فقال عبد الله: يقول ناس...)؛ فذكر الحديث، فكأن ابن عمر رأى منه في حالة السجود شيئًا لم يتحققه فسأله عنه بالعبارة المذكورة وكأنَّه بدأ بالقصة الأولى؛ لأنَّها من روايته المرفوعة.
وقال العجلوني: لفظ (قال مالك) من قول المؤلف، ومقوله من قول مالك، انتهى.
وهو غير ظاهر؛ لخفائه ومنشأ ذلك القول التعصب على الإمام بدر الدين العيني؛ فافهم.
وفي الحديث: استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وجواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل.
ومن الآداب: أن يكون المستنجي بعيدًا إذا كان في براح من الأرض أو ضرب حجاب أو ستر وأعماق الآبار والحفائر، وألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض جاء ذلك في حديث أبي داود عن أنس، وتغطية الرأس كما كان الصديق الأكبر يفعله، وترك الكلام كفعل عثمان ﵁، والاستنجاء باليسار، وغسل اليد بعد الفراغ بالتراب، رواه ابن حبان، والاستجمار، واجتناب الروث والرمة، وألا يتوضأ في المغتسل، وينزع خاتمه إذا كان فيه اسم الله كما رواه النسائي، وألا يبول قائمًا، ولا في طريق الناس ولا ظلهم، ولا في الماء ومساقط الثمار وضفة الأنهار، وأن يتكئ على رجله اليسرى، وينثر ذكره ثلاثًا، وتمامه في كتب الفروع.
(١٣) [باب خروج النساء إلى البراز]
هذا (باب خروج النساء) من إضافة المصدر إلى فاعله (إلى البَراز)؛ بفتح الباء الموحدة، وبراء وزاي، بينهما ألف: اسم للفضاء الواسع من الأرض، ويكنى به عن الحاجة؛ سميت باسم الصحراء كما سميت بالغائط، وقال الخطابي: وكسر الموحدة غلط؛ لأنَّ البِراز؛ بالكسر: مصدر بارزت الرجل مبارزة، واعترضه ابن حجر بأنَّه يطلق بالكسر على نفس الخارج، فمن فتح؛ أراد الفضاء من إطلاق اسم المحل على الحال، ومن كسر؛ أراد نفس الخارج، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّ ابن الأعرابي قال: برِز بالكسر: إذا ظهر بعد خمول، وبرَز بالفتح: إذا خرج إلى البراز الغائط، وهو الفضاء الواسع، ويقول الفراء: (هو الموضع الذي ليس به خمر من شجر ولا غيره، والبراز: الحاجة)، وتمامه فيه، فالحقُّ ما قاله الخطابي، وكلامه في غاية التوجيه، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في اللغة.
[حديث: أن أزواج النبي كنَّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع]
١٤٦ - وبه قال: (حدثنا يحيى بن بُكَير)؛ بضم الموحدة وفتح الكاف، بالتصغير (قال: حدثنا الليث)؛ أي: ابن سعد الفهمي من أتباع الإمام الأعظم على التحقيق (قال: حدثني) بالإفراد (عُقيل)؛ بضم العين المهملة مصغرًا، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن عروة) : هو ابن الزبير، (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂: (أنَّ أزواج النبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: ومنهن عائشة؛ بناء على أنَّ المتكلم يدخل في عموم كلامه أمرًا، أو نهيًا، أو خبرًا، لكن المرجح أنه لا يدخل، ولذا لو أمر الإمام بصيام ثلاثة؛ فيجب أو يندب صومها عليهم دونه؛ فتأمَّل، (كُنَّ)؛ بتشديد النُّون، والجملة محلها الرفع خبر (أنَّ) (يخرجن) : جملة محلها النصب خبر (كان) (بالليل) : الباء ظرفية؛ أي: فيه (إذا) ظرفية (تبرَّزن)؛ أي: إذا خرجن إلى البراز للبول والغائط، وأصله من (برَز) بفتح عين الفعل؛ إذا خرج إلى البَراز للغائط؛ وهو الفضاء الواسع (إلى المَناصِع)؛ بفتح الميم وكسر الصَّاد المهملة، جمع مَنْصَع (مَفْعَل) كـ (مَقْعَد) من النصوع؛ وهو الخلوص، وهي المواضع خارج المدينة من جهة البقيع يتخلى فيها للحاجة، وسميت بالمناصع؛ لخلوصه عن الأبنية والأماكن، وتمامه في «عمدة القاري»، والجار والمجرور يتعلق بـ (يخرجن)، وقول الكرماني: إنه يتعلق بـ (تبرزن)؛ بعيد وإن تبعه العجلوني تعصبًا؛ فافهم.
(وهو) مبتدأ؛ أي: المناصع (صعيدٌ)؛ بالتنوين: التراب أو وجه الأرض (أَفْيَح)؛ بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وبالتحتية المفتوحة، وبالحاء المهملة، صفة وموصوف، خبر المبتدأ؛ أي: واسع، وأفرد الضمير مع رجوعه إلى المناصع؛ لأنَّها صارت علمًا للموضع، وهذه الجملة تفسير لـ (المناصع)، وهو يحتمل أن يكون من عائشة، أو من عروة، أو ممن دونه من الرواة، كما في «عمدة القاري»، واستظهر ابن حجر أنَّه من عائشة، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه لا دليل على الظاهر؛ فافهم.
(فكان) بالفاء وفي رواية: بالواو (عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵁ (يقول) جملة محلها النصب خبر (كان) : (للنبي) الأعظم ﷺ : احجب نساءك) مقول القول؛ أي: امنعهن من الخروج من البيوت؛ بدليل قول عمر لسودة بعد نزول آية الحجاب: (قد عرفناك يا سودة)، ويحتمل أنَّه أراد الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر على ما أراد؛ أحب أيضًا أن تحجب أشخاصهن مبالغة في التستر، فلم يُجَب؛ للضرورة، قال ابن حجر: وهذا أظهر الاحتمالين، واعترضه في «عمدة القاري» : بأنَّ هذا الاحتمال لا يدل عليه هذا الحديث؛ بل حديث آخر، وإنَّما الأظهر الاحتمال الأول بشهادة سياق الكلام، وأطال الكلام في ذلك؛ فراجعه فإنه في غاية التحقيق والتدقيق، ولعمري إنَّه الصواب؛ فافهم.
(فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل)؛ أي: ما قاله عمر من حَجْبهن، والجملة محلها النصب خبر (كان)، وفيه دليل على أنَّه ﵇ كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية؛ لأنَّه لم يأمرهن بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه حتى نزلت الآية، وكذا في الإذن لهنَّ بالخروج.
(فخرجت سودةُ بنتُ)؛ بالرفع صفة لـ (سودة) (زَمَعَةَ)؛ بالجرِّ على الإضافة ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث، وهي بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات، وقال ابن الأثير في «النهاية» : وأكثر ما سمعنا أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم، ابن قيس القرشية العامرية (زوجُ النبي) الأعظم برفع (زوج) صفة، أو بدل، أو عطف بيان من (سودة) ﷺ أسلمت قديمًا وبايعت، وكانت تحت ابن عمٍّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، أسلم معها وهاجرا جميعًا إلى الحبشة، فلما قدما مكة؛ مات زوجها، فتزوجها النبي الأعظم ﵇ ودخل بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة، قبل
стр. 109
أن يعقد (١) على عائشة ﵄، وهاجرت إلى المدينة، فلما كبرت؛ أراد طلاقها، فسألته ألَّا يفعل، وجعلت يومها لعائشة فأمسكها، توفيت آخر خلافة عمر أو زمن معاوية ﵄ سنة أربع وخمسين بالمدينة، (ليلةً)؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: خرجت في ليلة (من الليالي عِشاءً)؛ بكسر العين المهملة، وبالمد والنصب بدل من قوله (ليلة)، والمراد به: ما بعد الغروب وقت العتمة، (وكانت) أي: سودة (امرأة طويلة)؛ أي: فلا تخفى، (فناداها عمر) أي: ابن الخطاب بعد أن عرفها قائلًا في ندائه: (ألَا)؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام: حرف استفتاح، ينبَّه بها على تحقق ما بعده (قد عرفناكِ) بكسر الكاف (يا سودةُ) منادى مفرد معرفة، مبني على الضم؛ (حِرصًا)؛ بكسر الحاء المهملة؛ بالنصب على أنَّه مفعول له، والعامل فيه (فناداها)، (على أن يُنزَل)؛ بضم المثناة التحتية على صيغة المجهول، و (أن) مصدرية، وسقط لفظ (على) للأصيلي، وفي رواية: (أن يَنزِل)؛ بفتح التحتية على صيغة المعلوم، و (أن) مصدرية؛ أي: على نزول (الحجابُ)؛ بالرفع على الروايتين؛ أي: حكم احتجاب النساء عن الرجال، (فأنزل الله آية الحجاب) وفي رواية: (فأنزل الله الحجاب)؛ أي: وتسترهن بالثياب، و (آية الحجاب) يحتمل أن يراد به: الجنس فيتناول الآيات الثلاثة؛ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ...﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ...﴾ (٢) الآية [النور: ٣٠]، ويحتمل أن يراد بها العهد من واحدة من هذه الثلاث.
وقيل: المراد بـ (الحجاب) في قوله: (حرصًا على الحجاب) استتارهن بالثياب حتى لا يُرَى منهن شيء عند خروجهن، وأمَّا (الحجاب) الثاني؛ فهو إرخاؤهنَّ الحجاب بينهنَّ وبين الناس، انتهى.
وعليه فالمراد بـ (آية الحجاب) : قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا...﴾ الآية بخصوصها، لكن الأظهر أن يكون المراد بـ (آية الحجاب) ما في رواية أبي عوانة في «صحيحه» من طريق الزبيدي عن ابن شهاب: (فأنزل الله الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ...﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣])، فهذه الرواية فسرت المراد من آية الحجاب صريحًا، وسيأتي أنَّ سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لمَّا أوْلَمَ عليها وتأخر النفر الثلاثة في البيت، واستحى النبي الأعظم ﵇ أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب، وسيأتي أيضًا حديث عمر ﵁: (قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهنَّ البرُّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب)، وروى جرير في «تفسيره» من طريق مجاهد قال: (بينا النبي الأعظم ﵇ يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم؛ إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبي الأعظم ﵇ ذلك، فنزلت آية الحجاب)، وطريق الجمع بين هذه أنَّ أسباب نزول الحجاب قد تعددت، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية، أو المراد بـ (آية الحجاب) في بعضها: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
والحجب ثلاثة؛ الأول: هو الأمر بستر وجوههن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ...﴾ الآية، فالحجاب الذي خص به أمهات المؤمنين هو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادةٍ ولا غيرها.
الثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهنَّ وبين الناس، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
الثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية، فإذا خرجن لا يظهر شخصهن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها سترت شخصها حين خرجت، وزينب عملت لها قبة لما توفيت.
وكان لهن في التستر عند قضاء الحاجة ثلاث حالات؛ الأولى: بالظلمة؛ لأنَّهن كنَّ يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة في هذا الحديث، وسيأتي في حديث عائشة في قصة الإفك: (فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع؛ وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا...)؛ الحديث، ثم نزل الحجاب فتسترنَّ بالثياب، لكن ربما كانت أشخاصهنَّ تتميز، ولهذا قال عمر: (قد عرفناك يا سودة)، وهذه هي الحالة الثانية، ثم لمَّا اتُّخذتِ الكنف في البيوت؛ منعنَّ عن الخروج منها وهي الحالة الثالثة، يدل عليه حديث عائشة أيضًا في قصة الإفك فإن فيها: (وذلك قبل أن تتخذ الكنف)، وكانت قصة الإفك قبل نزول الحجاب.
وقال قتادة: الحجاب كان في السنة الخامسة، وقال أبو عبيد: في الثالثة، وقال ابن إسحاق: بعد أم سلمة، وقال ابن معبد: في السنة الرابعة في ذي القعدة، كذا قرره في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.
[حديث: قد أذن أن تخرجن في حاجتكن]
١٤٧ - وبه قال: (حدثنا) وفي رواية: (وحدثنا)، وفي أخرى: (حدثني) (زكرياء) هو ابن يحيى بن صالح اللؤلؤ البلخي الحافظ، المتوفى ببغلان، ودفن عند قتيبة بن سعيد سنة ثلاثين ومئتين (قال: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي، (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) ﵂، (عن النبي) الأعظم ﷺ قال)؛ أي: بعد نزول الحجاب: (قد أُذن)؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول، والآذن هو الله تعالى، وبنى الفعل للمفعول؛ للعلم بالفاعل، وفي رواية إسقاط لفظة (قد) وهذا مقول القول، (أن)؛ أي: بأن (تَخرجن)؛ بفتح الفوقية أوله، فـ (أن) مصدرية، والتقدير: بخروجكنَّ (في حاجتكنَّ) متعلق بـ (تخرجن).
(قال هشام)؛ أي: ابن عروة المذكور، وهذا إما تعليق من المؤلف وإما مقول هشام أو عروة، وما قيل بأنه مقول أبي أسامة؛ فبعيد، كما لا يخفى: (تعني)؛ أي: تقصد عائشة بالحاجة، وفي رواية: (يعني النبي ﷺ : (البَرازَ)؛ بفتح الموحدة؛ أي: الخروج إلى البراز، وهو بالنصب بقوله: (تعني)، ودلَّ قوله: (قد أذن أن تخرجن) على أنَّه لم يرد هنا حجاب البيوت، فإن ذلك وجه آخر، وإنَّما أراد أن يتسترن بالجلباب حتى لا يبدو منهن إلا العين، قاله الداودي.
وهذا الحديث طرف من حديث يأتي إن شاء الله في (التفسير) بطوله، وحاصله: أنَّ سودة خرجت بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عمر ﵁ فقال: يا سودة؛ أما والله لا تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، فرجعت فشكت ذلك إلى النبي الأعظم ﵇ وهو يتعشى، فأوحى الله تعالى إليه فقال: «إنَّه قد أُذِن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ»؛ أي: لضرورة عدم الأخلية في البيوت، فلمَّا اتُّخِذت فيها الكنف؛ منعهنَّ من الخروج إلا لضرورة شرعية، ففيه والذي قبله فضل عمر، فإنَّه تعالى أيَّد به الدين، وهذه إحدى ما وافق فيها ربَّه، والثانية: في قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، والثالثة قوله: (لو اتخذتَ من مقام إبراهيم مصلًّى)، وهذه الثلاثة ثابتة في «الصحيح»، والرابعة: موافقته في أسرى بدر، والخامسة: في منع الصلاة على المنافقين، وهاتان في «مسلم»، والسادسة: موافقته في آية المؤمنين.
وروى أبو داود الطيالسي في «مسنده» من حديث علي بن زيد: وافقت ربي لما نزلت: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقلت أنا: ﴿تبارك الله أحسن الخالقين﴾، فنزلت، والسابعة: موافقته في تحريم الخمر، كما سيأتي في محلِّه، والثامنة: موافقته في قوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ...﴾؛ الآية [البقرة: ٩٨]، ذكره العلَّامة الزمخشري، وفي «جامع الترمذي» مصحَّحًا عن ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قطُّ فقالوا فيه وقال عمر فيه، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر، وقال ابن العربي: إنَّه وافق ربه تعالى تلاوة ومعنًى في أحد عشرة موضعًا.
وفي الحديث: جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق، وجواز وعظ الإنسان أمَّه في البر، وجواز الإغلاظ في القول والعتاب إن كان قصده الخير.
وفيه: التزام النصيحة لله ولرسوله، وجواز تصرف النساء فيما لهن حاجة إليه؛ لأنَّ الله أذن لهنَّ في الخروج إلى البَراز بعد نزول الحجاب، فلما جاز ذلك لهنَّ؛ جاز لهنَّ الخروج إلى غيره من مصالحهنَّ الضرورية، وقد أمر ﵇ بالخروج إلى العيدين، ولكن في هذا الزمان لما كثر الفساد ولا يؤمن عليهنَّ من الفتنة؛ ينبغي أن يمنعن من الخروج إلا عند الضرورة الشرعية، كذا في «عمدة القاري».
هذا في زمانه فكيف في زماننا؟! فلا يبعد القول بالوجوب؛ لكثرة الفساد، وأهل الفسق والملاهي، واتباع الشهوات، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما من أهله، وقد صار الأمر بالمعروف منكرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنَّه على ما يشاء قدير.
стр. 110
(١٤) [باب التبرز في البيوت]
هذا (باب التبرز) مصدر (تبرَّز)؛ أي: قضاء الحاجة (في البيوت) أشار بهذه الترجمة إلى [أن] خروج النساء للبراز لم يستمر؛ بل اتُّخِذت بعد ذلك الأخلية والمرتفعات في البيوت، فاستُغنِي عن الخروج إلا لضرورة.
[حديث: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي]
١٤٨ - وبه قال: (حدثنا) بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (إبراهيم بن المنذر)؛ بضم الميم، وسكون النُّون، وكسر الذال المعجمة، بلفظ اسم الفاعل من الإنذار، الحراني القرشي (قال: حدثنا أنس بن عِياض)؛ بكسر العين المهملة، أبو ضمرة الليثي المدني، المتوفى سنة مئتين عن ست وتسعين سنة، (عن عبيد الله)؛ بالتصغير، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان القرشي المدني، المتوفى سنة سبع وأربعين ومئة، (عن محمد بن يحيى بن حَبَّان)؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، (عن) عمه (واسع بن حبان) المذكور (عن عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵄، (قال)؛ أي: عبد الله: (ارتقيتُ)؛ أي: صعدت (فوق ظهر بيت حفصة)؛ يعني: أخته كما صرح به مسلم (لبعض حاجتي)، ولفظ: (ظهر) ساقط في رواية، وفي الرواية السابقة: (على ظهر بيتٍلنا)، وفي رواية تأتي: (على ظهر بيتنا)، وطريق الجمع: أن إضافة البيت إليه مجازٌ؛ لكونها أخته، وإضافته إليها باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبي الأعظم ﵇ فيه - [لا] (١) في بيت عمر- يعرف بها، واستمر في يدها إلى أن ماتت فورثه عنها، وإضافته إلى نفسه باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنَّه ورثها دون إخوته؛ لكونها كانت شقيقته، (فرأيت)؛ أي: أبصرت، فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا (رسول الله ﷺ حال كونه (يقضي حاجته) فالجملة محلها النصب على الحال، وحال كونه (مستدبر القبلة)؛ أي: جاعلها خلفه؛ أي: بالاستنجاء، كما يدل عليه حديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها، أو كان في مهبِّ الريح فخشي أن يعود عليه أو غير ذلك، وعلى كلِّ؛ فحديث النهي مقدَّم على هذا من وجوه ذكرناها في الباب قبله، (مستقبل الشأم)؛ بالهمز وترْكه؛ أي: جاعلها قدَّامه، لا يقال: شرط الحال أن يكون نكرة؛ لأنَّا نقول: إضافته لفظية لا تفيد التعريف، وفائدة ذكره: التأكيد والتصريح به، وإلا فمستقبل الشام في المدينة مستدبر القبلة قطعًا، وفي الرواية السابقة: (مستقبلًا بيت المقدس)، وكذا في الرواية الآتية، ولا منافاة فإنَّ العبارة مختلفة والمعنى واحد؛ لأنَّهما في جهة واحدة.
[بابٌ]
هذا (بابٌ) بالتنوين، وهو ساقط في رواية، بغير ترجمة.
[حديث ابن عمر: لقد ظهرت ذات يوم على ظهر بيتنا فرأيت]
١٤٩ - وبه قال: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن يوسف الدورقي (قال: حدثنا يزيد)؛ أي: ابن هارون -كما صرح به الأصيلي وأبو الوقت- ابن زاذان؛ بالزاي والذال المعجمة، أبو خالد الواسطي الذي كان يحضر مجلسه ببغداد سبعون ألفًا، المتوفى بواسط سنة ست ومئتين عن ثمانٍ وثمانين سنة، (قال: أخبرنا يحيى)؛ أي: ابن سعيد الأنصاري المدني الذي روى عنه مالك هذا الحديث كما سبق، ((عن محمد بن يحيى بن حَبَّان)؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: (أن عمه واسع بن حبان) المذكور (أخبره: أن عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب ﵄، (أخبره قال: لقد ظهرت)؛ بالظاء المشالة؛ أي: علوت وارتفعت، مؤكد بـ (قد) واللام، (ذات يوم)؛ أي: يومًا، من إضافة المسمَّى إلى اسمه، أي: ظهرت في زمان هو مسمى لفظ اليوم وصاحبه، ويحتمل أن يكون من إضافة العام إلى الخاص؛ أي: ظهرت نفس اليوم، فيفيد التأكيد؛ أي: اليوم نفسه، وإنَّما لم ينصرف (ذات يوم) و (ذات مرة)؛ لأنَّ إضافتها من قبيل إضافة المسمَّى إلى الاسم كما ذكرنا؛ ولأنَّ (ذات) ليس لها تمكُّن في ظروف الزمان؛ لأنَّه ليس من أسماء الزمان.
وزعم السهيلي: أن (ذات مرة) و (ذات يوم) لا يتصرفان في لغة خثعم ولا غيرها، وحكي عن سيبويه: أنَّه ادَّعى جواز التصرف في لغة خثعم، كذا في «عمدة القاري».
(على ظهر بيتنا) متعلق بـ (ظهرت)، (فرأيت)؛ أي: أبصرت، فلا يطلب إلا مفعولًا واحدًا (رسول الله ﷺ حال كونه (قاعدًا على لَبِنتين)؛ بفتح اللام وكسر الموحدة، تثنية: لَبِنة: الطوب النيء (مستقبلَ بيتِ المقدس)؛ بالنصب على الحال، حال بعد حال مترادفة أو متداخلة، واستغنى هنا عن (مستدبر القبلة) كما وقع في الرواية السابقة؛ لأنَّه لازم لمستقبل بيت المقدس بالمدينة، وعبَّر هنا بـ (بيت المقدس)، وفي السابقة بـ (الشام)؛ للتفنن، وإلَّا فالمراد منهما واحد، وقعوده ﵇ كان إما للاستنجاء، واختاره لكونه خاليًا من الناس؛ لأنَّ كشف العورة له حرام، أو إمَّا للبول أو الغائط؛ حيث كان في مهبِّ الريح، فاختار استدبار القبلة؛ لأنَّه أخفُّ، فإنه لو شرَّق أو غرَّب؛ عاد عليه الخارج بسبب الريح، فارتكب أخفَّ الضررين؛ أحدهما: هذا، والثاني: حرمة استقبال القبلة واستدبارها؛ لأنَّه قول منصوص عليه من النبي الأعظم ﵇، وهو أولى من الفعل عند المحققين، وذكرنا بقية الكلام عليه في باب (لا يستقبل القبلة بغائط أو بول)؛ فافهم، والله أعلم.
وفي يوم الاثنين العشرون من ذي الحجة آخر سنة ست وسبعين ومئتين وألف قامت الإسلام على النصارى في ديارنا الشريفة الشامية، فأحرقوا بيوتهم وكنائسهم، وهدموا أماكنهم، ونهبوا أموالهم، وقتلوا بعضهم، ونعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
(١٥) [باب الاستنجاء بالماء]
هذا (باب) حكم (الاستنجاء بالماء) المطلق، (استفعال)؛ أي: طلب الإنجاء، والهمزة للسلب والإزالة؛ كالاستعتاب؛ لطلب الإعتاب لا العتب، وهو إزالة النجو؛ أي: الأذى الباقي في فم المخرج، وأكثر ما يستعمل في الماء، وقد يستعمل في الأحجار، وأصله من النجو؛ وهو القَشْر والإزالة، وقيل: من النجوة؛ لاستتارهم به أو لارتفاعهم وتجافيهم عن الأرض عند ذلك، أو من النجو؛ بمعنى: القطع؛ لأنَّه يقطع عنه الأذى بالماء أو الحجر، والنجو: ما يخرج من البطن، يقال: نجا وأنجى؛ إذا أحدث، وفي اصطلاح الفقهاء: هو إزالة النجو عن أحد المخرجين بالماء أو بالحجر، وظاهره: أن النجاسة تزول بالحجر بالكلية حتى لو دخل الماء القليل لا ينجسه، وهو قول في المذهب كما في «السراج» وغيره، لكن ذكر في «البزازية» و «الخلاصة» وغيرهما: أن حكم النجاسة بعد الحجر باقٍ حتى لو دخل الماء القليل نجَّسه؛ بناء على أنَّ الحجر مخفِّف لا قالع، كما في «فتح القدير» فهما قولان مصحَّحان كما في «منهل الطلاب».
والفرق بين الاستنجاء والاستبراء والاستنقاء: أنَّ الاستنجاء: استعمال الماء أوالحجر، والاستبراء: نقل الأقدام والركض بها ونحو ذلك حتى يستيقن بزوال أثر البول، والاستنقاء: هو النقاوة؛ وهو أن يدلك بالأحجار حال الاستجمار، أو بالأصابع حال الاستنجاء بالماء حتى تذهب الرائحة الكريهة، هذا هو الأصحُّ في الفرق بينها كما في «المقدمة الغزنوية».
وأشار المؤلف بهذه الترجمة كما في «عمدة القاري» الرد على من كره الاستنجاء بالماء، وقال: إنه للنساء، وعلى من نفى وقوعه من النبي الأعظم ﵇.
[حديث أنس: كان النبي إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام]
١٥٠ - وبه قال: (حدثنا أبو الوليد هِشام) بكسر الهاء (بن عبد الملك) الطيالسي البصري، (قال: حدثنا شعبة) : هو ابن الحجاج، (عن أبي مُعاذ)؛ بضم الميم وبالذال المعجمة، (واسمه عطاء بن أبي ميمونة) البصري التابعي مولى أنس بن مالك أو عمران بن حصين، المتوفى بعد الطاعون في البصرة، سنة إحدى وثلاثين ومئة، وفي نسخة: الاقتصار على قوله: (عن أبي معاذ)، قيل: إنه يرى القدر، (قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁ حال كونه (يقول) فالجملة حال محلها النصب: (كان) أتى بها؛ لأنَّها تشعر في مثل هذا بالتكرار والاستمرار لمدخولها (النبي) الأعظم ﷺ ، وفي رواية: (رسول الله)، وعلى الروايتين فهو مرفوع بـ (كان) على أنَّه اسمها (إذا خرج)؛ أي: من بيته أو من بيت غيره (لحاجته) اللام: للتعليل؛ أي: لأجل قضائها، وهي البول أو الغائط، وجملة قوله: (أجيء أنا وغلام) خبر (كان) حذف منه العائد؛ تقديره: أجيئه أنا وغلام معي، ويدل عليه الرواية الآتية: (تبعته أنا وغلام منَّا)؛ أي: من الأنصار، وكلمة (إذا) للظرف المحض، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشرط، وجوابه: قوله: (أجيء) والجملة تكون في محل نصب على أنَّها خبر (كان)، وكلمة (أنا) مرفوع (أبرز) (٢)؛ ليصح عطف (غلام) على ما قبله؛ لئلَّا يلزم عطف اسم على فعل،