مثل ما نحنُ فيه (١): [من البسيط]
يا مَنْ يُوَقِّعُ لا في قِصَّتي أبدًا … ماذا يَضُرُّكَ لو وقَّعْت لي نَعَمَا
وَقِّعْ نَعَمْ ثمَّ لا تَنْوي الوَفَاء بها … إنْ كُنْتَ مِن قَوْلِهِ باللَّفْظِ مُحْتَشِما
أوْ لا فوَقِّع عَسَى كيما تُعلِّلَني … فإنَّ قَوْلكَ لا يُبْكي العُيُونَ دَمَا
قال: وكَتَبَ في رُقْعَةٍ (a): ومن أحْسَن ما يُذْكَر لعبد الله بن طَاهِر: [من الخفيف]
افْعَلِ الخَيْرَ ما اسْتَطْعتَ وإنْ كا … نَ قَليلًا فلَسْتَ مُدْرِكَ (b) كُلِّهْ
ومَتَى تَفْعلُ الكَثِيْرَ منَ الخَيْـ … ـر إذا كُنْتَ تَارِكًا لأقَلِّهْ
قال: وكَتَبَ في رُقْعَةٍ (c): أنَّ دِعْبِل بن عليّ كَتَبَ في رُقْعَةٍ إلى عَبْدِ الله بن طَاهِرٍ (٢): [من الكامل]
ماذا أقُول إذا انْصَرَفتُ وقيل لي: … ماذا أخذْتَ من الجَوَادِ المُفْضِلِ (d)
إنْ قُلْتُ: أعْطَانِي كَذَبْتُ، وإنْ أَقُل: … ضنَّ الجَوَادُ (e) بمالِهِ لم يَجْمُلِ
فاحْتَل لنَفْسكَ كيف شِئْت (f) فإنَّني … لا بُدَّ أُخْبرهم (g) وإنْ لَم أُسْألِ
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ الله في كتَابهِ، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن أبي مُحَمَّد (٣)، قال: كَتَبَ إليَّ أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن عَبد الوَهَّاب بن مَنْدَة، وحَدَّثَني أبو بَكْر اللَّفْتُوانيّ عنه، قال: أخْبَرَنا عَمِّي أبو القَاسِم، عن أَبِيهِ أبي عَبْدِ الله، قال: قال لنا
стр. 4482
أبو سَعيد بن يُونُس (١): دِعْبِل بن عليّ بن رَزِيْن بن عُثْمان بن عَبْدِ الله بن بُدَيْل بن وَرْقَاءَ الخُزَاعِيّ، من أهْلِ قَرْقِيسِيا، قَدِمَ مِصْر هَارِبًا من المُعْتَصِم لهَجْوٍ هَجَاهُ بهِ، وخَرَجَ منها إلى المَغْرب إلى الأغْلَب، وكان يُجَالسُ بمِصْر جَمَاعَةً من أَهْلِ الأدَب، منهم مُحَمَّد بن يَحْيَى بن أبي المُغِيرَة، وكان مُحَمَّد بن يَحْيَى بن أبي المُغِيرَة يَحْكي عنه حِكَايَات وإنْشَادات.
أَنْبَأْنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلَمِيّ، عن أبي نَصْر عليّ بن هِبَة الله بن مَاكُولا الحافِظ (٢)، قال: دِعْبِل بن عليّ بن رَزِيْن بن سُلَيمان بن نَهْشَل -وقيل: بَهْنَس- بن خِرَاش بن خَالِد بن عَبْد بن خَزْعَل بن أنسَ بن خُزَيْمَة بن سَلَامَان بن أسْلَم بن أفْصَى بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامِر مُزَيْقيا، شَاعِرٌ مُحْسِنٌ، واسْمُه مُحَمَّد، وكُنْيَتُهُ أبو جَعْفَر، ودِعْبِل لَقَبٌ؛ وهو: البَعِيْر المُسنّ.
ثُمَّ قال في مَوضِعٍ آخر (٣): وأمَّا دِعْبِل -أوَّلهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ، ثمّ عينٌ سَاكنةٌ، وباءٌ مُعْجَمةُ بواحدة مَكْسُورَة- فهو دِعْبِل بن عليّ الخُزَاعِيّ الشَّاعر المَشْهُور، رَوَى عن مَالِك بن أَنَس وغيره، رَوَى عنهُ أخُوه عليّ بن عليّ، ولَهُ كتابٌ في الشُّعَراءِ، تقدَّم نَسَبه في حَرْف الباءِ.
أخْبَرَنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، فيما أجازَ لي رِوَايتَهُ عنهُ، قال: أخْبَرَنَا أبو مَنْصُورعبد الرَّحْمن بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيب (٤)، قال: دِعْبِل بن عليّ بن رَزِيْن بن عُثْمان بن عَبْد الله بن بُدَيْل بن
стр. 4483
وَرْقَاء، أبو عليّ الخُزَاعِيُّ الشَّاعرُ، أصْلُهُ منِ الكُوفَة، ويُقال: من قَرْقِيسِيا، وكان يَتَنقَّلُ في البِلادِ، وأقامَ ببَغْدَادَ مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ منها هَارِبًا من المُعْتَصِم لمَّا هَجَاهُ، وعادَ إليها بعدَ ذلك. وكان خَبِيْث اللِّسَان، قَبِيْحَ الهِجَاءِ.
وقد رُوِي عنه أحَادِيْث مُسْنَدة عن مَالِك بن أنَس وعن غيره، وكُلُّها بَاطِلة، نَرَاها من وَضْع ابن أخيهِ إسْمَاعِيْل بن عليّ الدِّعْبِليّ؛ فإنَّها لا تُعْرف إلَّا من جِهَته. وقد رَوَى عنهُ قَصِيْدَته الّتي أوَّلُها: مَدَارِسُ آياتٍ، وغيرَها من شِعْره (a) أحْمَدُ بن القَاسِم أخُو أبي اللَّيْث الفَرَائِضِيّ، وزَعَم أحْمَدُ بن القَاسِم أنَّ دِعْبِلًا لَقَبٌ، واسْمُهُ الحَسَن. وقال ابنُ أخيهِ: اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمن، وقال غيرهما: اسْمُهُ مُحَمَّد وكُنْيَتُهُ أبو جَعْفَر، فالله أعْلَمُ.
قُلتُ: هكذا قال الخَطِيبُ: فإنَّها لا تُعْرف إلَّا من جِهَته، وقد ذَكَرْنا في أوَّل التَّرْجَمَة حَدِيثًا رَوَاهُ عنهُ دِيْكُ الجِنّ عَبْد السَّلام بن رَغْبَان، وليسَ من جِهَة ابن أخيه.
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة الله القَاضِي، فيما أَذِنَ لنَا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم علىِّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (١)، قال: دِعْبِل بن عليّ بن رَزِيْن بن عُثْمان بن عَبْد الله بن بُدَيْل بن وَرْقَاء، ويُقَال: دِعْبِل بن عليّ بن رَزِيْن بن سُلَيمان بن تَمِيْمِ بن بَهْز بن جوَّاس (b) بن خَلَف بن عَبْد بن خَزْعَل (c) بن أنَس بن مَالِك بن خُزَيْمَة بن مَالِك بن مَازِن بن الحَارِث بن سَلَامَان بن أسْلَم بن أفْصَى بن عَامِر بن قَمَعَة بن إلْيَاس بن مُضَر، ويُقال: ابنُ تَمِيْم بن نَهْشَل -وقيل:
стр. 4484
بَهْنَس- بن خِرَاش (a) بن خَالِد بن خَزْعَل (b) بن أنَس بن خُزَيْمَة بن سَلَامَان بن أسْلَم بن أفْصَى بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامِر مُزَيْقياء، أبو عليّ الخُزَاعِيِّ، الشَّاعرُ المَشْهُور، له شِعْرٌ رَائِقٌ، ودِيْوَان مَجْمُوع، وصَنَّفَ كِتَابًا في طَبَقَاتِ الشُّعَراء. يُقال: إنَّ أصْلَهُ من الكُوفَة، ويُقال: من قَرْقِيسِيا، وكان أكْثَر مَقامِه ببَغْدَاد، وسافَرَ إلى غيرها من البِلادِ.
قَدِمَ دِمَشْقَ، ومَدَحَ بها نُوح بن عَمْرو بن حُوَيّ السَّكْسَكِيّ بعدَّة قَصَائِد، وذَكَرَ في بَعْضها قَصْدَه (c) إليهِ ورِحْلَته نحوه، وخَرَجَ منها إلى مِصْر، ومَدَحَ بها.
ويُقال: إنَّ اسْمُهُ مُحَمَّد، وكُنْيَتُهُ أبو جَعْفَر، ودِعْبِل لَقَبٌ. ويُقالُ: الدِّعْبِلُ: البَعِيْر المُسنُّ. ويُقَال: الشَّيءُ القَدِيم.
حَدَّثَ عن المَأْمُون، ومَالِك بن أنَس، ويُقالُ إنَّهُ حَدَّثَ عن يَحْيَى بن سَعيد الأنْصَاريّ، وشُعْبَة بن الحَجَّاج، وسُفْيان الثَّوْرِيِّ، وسَالِم بن نُوح العَطَّار (d)، وخُزَيْمَة بن خَازِم (e) الأزْدِيّ، والحَكَم بن عَبْد المَلِك البَصْرِيّ، ومُحَمَّد بن عُمَر الوَاقِدِيّ، ومُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ، وعُبَيْد الله بن كُلْثُوم الخُزَاعِيّ البَصْرِيّ، وأبي سُفْيان بن العَلَاء أخي أبي عَمْرو المُقْرِئ، وشَرِيك بن عَبْد الله النَّخَعيِّ.
رَوَى عنهُ أحْمَدُ بن أبي دُؤَاد، ومُحَمَّد بن مُوسَى بن حَمَّاد البَرْبَرِيّ، وأخُوه عليّ (f) بن عليّ بن رَزِيْن.
стр. 4485
قال الحافِظُ (١): وبَلَغَني أنَّ سَبَب وَفَاتهِ أنَّهُ هَجَا مَالِك بن طَوْق التَّغْلِبِيّ، فبَعَثَ إليهِ رِجُلًا ضَمِنَ له عَشرة آلاف دِرْهَم، وأعْطَاهُ سُمًّا، فلم يَزَل يَطْلبُه حتَّى وَجَدَهُ قد نَزَل في قَرْيَةٍ بنوَاحِي السُّوْس، فاغْتَاله في وَقْتٍ من الأَوْقَاتِ بعد صَلَاةِ العَتَمَة فضَرَب ظَهْر قَدَمه بعُكَّازٍ لهُ زُجّ مَسْمُوم، فماتَ من غَدٍ، ودُفِنَ في تلك القَرْيَةِ، وقيل: بل حُمِلَ إلى السُّوْس فدُفِنَ بها.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (٢)، قال: أخْبَرَنا بُشْرَى بن عَبْدِ الله الرُّوميّ، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن أَحْمَد بن يُوسُف الوَكِيل، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن القَاسِمِ المَعْرُوف بابنِ أخي السُّوْس، قال: قال أبو القَاسِم إسْمْاعِيْل بن عليّ الخُزَاعِيِّ: وُلِدَ دِعْبِل سَنَة ثَمانٍ وأرْبَعين ومائة، وماتَ سَنَة ستٍّ وأرْبَعين ومَائتَيْن بالطِّيْب، فعاشَ سَبْعًا وتِسْعين سَنَةً وشُهورًا من سَنَة ثَمانٍ، ويُكْنَى بأبي عليٍّ، واسْمُه عبْد الرَّحْمن بن عليّ، وإنَّمَا لقَّبَتْهُ دَايَتُهُ لدُعَابَةٍ كانت فيهِ، فأرادَتْ ذِعْبلًا فأقْلَبَت (a) الذَّال دَالًا.
قَرَأتُ في تاريخٍ جَمَعهُ أبو غَالِب هَمَّام بن الفَضْل بن جَعْفَر بن عليّ بن المُهَذَّب التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ، ممَّا نَقَلَهُ من خَطِّ جَدّ أبيهِ عليّ بن المُهَذَّب ومن غيره (٣)، قال فيه: سَنَة عشْرين ومَائتَيْن، فيها قَتَلَ المُعْتَصِمُ دِعْبِل بن عليّ الخُزَاعِيّ لهِجَائه له، وكان قد اسْتَجار بقَبْر الرَّشِيْدِ بطُوْس فلَم يُجِره.
هكذا ذَكَرَ! والصَّحيحُ ما نُقِلَ عن ابن أخيه إسْمَاعِيْل بن عليّ.
стр. 4486
دَعْلَج بن أحْمَد بن دَعْلَج بن عبد الرَّحْمن، أبو مُحَمَّد السِّجِسْتَانِيّ (١)
دَخَلَ الشَّام، ومَرَّ بالثُّغُور الشَّامِيَّة، ووَقَفَ بطَرَسُوس دَارًا على المُجَاهِدين في سَبِيْل الله تعالَى، ووَقَفَ عليها وَقْفًا، وكان كَثِيْر المَعْرُوف والصَّدَقَات، من أُولي اليَسَار والمال الكَثِيْر، مَوْصُوفًا بالعَدَالَة والأمَانَة.
رَوَى عن مُحَمَّد بن إسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وعبد الله بن أحْمَد بن حَنْبَل، وآباءِ بَكْر: ابن خُزَيْمَة، وابن أبي دَاوُد (a)، وعبد الله بن مُحَمَّد بن زِيَاد النَّيْسَابُوريّ، وأبي الحَسَن أحْمَد بن عُمَيْر بن جَوْصَا، والحَسَن بن سُفْيان، وعليّ بن عَبْد العَزِيْز البَغَويّ، وأبي القَاسِم البَغَويّ، والعبَّاس بن الفَضْل الأسْفَاطِيّ، وأحمد بن عليّ الأبَّار، ومُحَمَّد بن غَالب التَّمْتَام، وجَعْفَر بن مُحَمَّد بن الحَسَن التّرك (٢)، وعبد الله بن مُحَمَّد بن شِيْرَوُيه، وأحمد بن خَالِد الدَّامَغَانيِّ، وأحمد بن الحَسَن بن عَبْد الجَبَّار الصُّوْفِيّ، وأحمد بن مُحَمَّد بن مَهْدِي الهَرَويّ، وأحمد بن إبْراهِيم بن مِلْحَان، ومُوسَى بن هَارُون الحَمَّال، وجَعْفَر بن مُحَمَّد بن الحَسَن الفِرْيَابِيِّ، وعبد الله بن أحْمَد بن الحَسَن الحَرَّانِيّ، وأبي مُسْلِم الكجِّيّ، وبِشْر بن مُوسَى، ومُحَمَّد بن سُلَيمان البَاغَنْدِيّ، وابنه
стр. 4487
مُحَمَّد بن مُحَمَّد، وأبي المُثَنَّى مُعَاذ بن المُثَنَّى بن مُعَاذ العَنَزِيّ، ويُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي، وعَبْد العَزِيْز بن مُعاوِيَة، ومُحَمَّد بن إبْرَاهِيم البُوْشَنْجيّ، وهِشَام بن عليّ السَّدُوسِيّ، ومُحَمَّد بن عَمْرو الحَرَشِيّ، وعليّ بن الحُسَنِن بن الجُنَيْد، ومُحَمَّد بن النَّضْر الجَارُودِيّ، ومُحَمَّد بن أَيُّوب الرَّازِيّ، وعُثْمان بن سَعِيد الدَّارِمِيّ، وعليّ بن مُحَمَّد بن عِيسَى الهَرَويّ، وإبْراهيم بن زُهَيْر الحُلْوَانيِّ، ومُحَمَّد بن شَاذَان الجَوْهَرِيّ، وعليّ بن الحَسَن بن بنان (a) البَاقِلَّانِيّ، وعُبَيْد الله بن مُوسَى الإصْطَخْرِيّ، وإسْحَاق بن الحَسَن الحَرْبِيّ، ومُحَمَّد بن رُمْح البَزَّاز، ومُحَمَّد بن يَحْيَى بن المُنْذِر القَزَّاز، ومُحَمَّد بن عليّ بن زَيْد الصَّائِغ المَكِّيّ، ومُحَمَّد بن عَبْد الله الحَضْرَمِيِّ، وجَمَاعَة غيرهم.
رَوَى عنهُ أبو الحَسَن عليّ بن عُمَر الدَّارَقُطْنِيّ الحافِظ، والحافِظ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَبْد الله الحاكِم، وأبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُمَيْع الغَسَّانِيّ، وأبو عُمَر بن حَيَّوْيَه الخَزَّاز، وأبو أحْمَد عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد الفَرَضِيّ، وأحمد بن عليّ البَادَا، وأبو عليّ بن شَاذَان، وأحمد بن عَبْدِ الله بن المَحَامِلِيِّ، وأبو الحُسَين ابن الفَضْلِ القَطَّان، وأبو الحَسَن بن رِزْقَويه، وأبو الفَضْل أحْمَدُ بن أبي عِمْران الهَرَويّ، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّابُ، وعليّ وعَبْد المَلِك ابْنَا بِشْرَان، وأبو عَبْد الله أحْمَد بن عُمَر بن مُحَمَّد الحِيْريّ، وعليّ بن أحْمَد الرَّزَّاز، ومُحَمَّد بن أَحْمَد بن رِزْق البَزَّاز، وعليّ بن عَبْد المَلِك بن بِشْرَان، وغَيْلان بن مُحَمَّد السِّمْسَار، وغيرهم.
أخْبَرَنا القَاضِي أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الأنْصَاريّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم، قال: أخْبَرَنَا أبو نَصْر بن طَلَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن جُمَيْع (١)، قال: حَدَّثَنَا دَعْلَج بن مُحَمَّد بن دَعْلَج أبو مُحَمَّد السِّجِسْتَانِيّ بمَكَّة في المَسْجِد الحَرَام، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ مُحَمَّد بن عَمْرو بن النَّضْر
стр. 4488
قَشْمَرْد (a) النَّيْسَابُوريّ، قال: حَدَّثَنَا حَفْص -يعني: ابن عَبْد الله- قال: حَدَّثنا إبْراهيمُ بن طَهْمَان، عنِ مَالِك بن أنَس، عن الزُّهْريّ، عن سَالِم بن عَبْد الله بن عُمر، أنَّه حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا من أهْلِ الشَّام وهو يَسْأل عَبْد الله بن عُمَر عن التَّمتُّع بالعُمْرة إلى الحَجِّ، فقال عَبْد الله: فهي الحَلَال، فقال الشَّاميِّ: إنَّ أباكَ قد نَهَىَ عنها! فقال عَبْد الله: أَرَأيتَ إنْ كان أبي نَهَى عنها وقد صَنَعها رسُول الله ﷺ أتَتَّبع أمرَ أبي أم أمرَ رسُول الله ﷺ ؟ فقال الرَّجُلُ: بل أمْرُ رسُول الله ﷺ ، فقال: قد صَنَعها رسُول الله ﷺ .
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة الله القَاضِي، قال: أخْبَرَنا الحافظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: كَتَبَ إليَّ أبو نَصْر بن القُشَيْريّ، أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحافِظُ، قال: سَمِعْتُ عليِّ بن عُمَرِ الحافِظ يَقُول: صَنَّفْتُ (b) لدَعْلَج المُسْنَد الكَبِير، فكان إذا شَكَّ في حدِيثٍ ضَربَ عليه، ولَم أَرَ في مَشَايخنا أثْبَتَ منهُ.
قال: وسَمِعْتُ عُمَر بن جَعْفَر البَصْرِيّ يَقُول: ما رَأيْتُ ببَغْدَاد فيمَن انتَخَبْتُ عليهم أصَحَّ كُتُبًا، ولا أحْسَن سَمَاعًا، من دَعْلَج بن أحمد.
أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر الدَّارْقَزِّيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن طَرَّاد الزَّيْنَبِي، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، وأبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن السَّمَرْقَنْديّ، وابن المُجْلِيّ وغيرهما، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا منهم أو من أحَدِهم، قالُوا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن مَسْعَدَة الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم حَمْزَةُ بن يُوسُف السَّهْمِيّ، قال: سُئِلَ أبو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ عن
стр. 4489
دَعْلَج بن أحْمَد، فقال: كانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، وذَكَرَ له قِصَّةً في أمَانَتِه وفَضْلِهِ ونُبْلِهِ. أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحمّد القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر بن القُشَيْريّ في كتابهِ، عن مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الرَّحمن السُّلَميِّ، قال: وسَألتُه -يعني: الدَّارَقُطْنِيّ- عن دَعْلَج بن أحْمَد، فقال: الثِّقَةُ المَأْمُونُ مُلَازمٌ (a) لأُصُوله وكُتُبه.
أنْبَأنَا سُليْمان بن الفَضْل البَانِياسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: قَرَأتُ على أبي مُحَمَّد السُّلَميِّ، ح.
وأنْبَأنَا أبو القَاسِم القَاضِي، عن أبي مُحَمَّد السُّلَميِّ، عن أبي مُحَمَّد التَّمِيْميِّ، قال: كَتَبَ إليَّ أبو ذَرّ عَبْدُ بن أحْمَد، وحَدَّثَني عَبْد الغَفَّار بن عَبْد الوَاحِد عنه، قال: سَمِعْتُ عليّ بن عُمَر، وذَكَرَ حِكايَةً عن دَعْلَج، ثُمَّ قال: كان أبو مُحَمَّد قليل الهُزُؤ، سَمِعْتُ أنَّ مُعِزّ الدَّولةَ اسْتَرجَع من غُلَامهِ جَاشْتِكيْن (b)، وأَشْهَدَ عليه العُدُولَ وهو من وَرَاءِ السِّتْر فشَهِدُوا، فلمَّا شَهِدَ النَّاسُ قالُوا لدَعْلَج: اشْهَد، قال: أين المَشْهُود عليه؟ لعَلَّهُ مُقَيِّدٌ، لعَلَّهُ مُكْرهٌ! أَبْرزُوهُ لي حتَّى أرَاهُ وأشْهَد عليه (c)، وكان خَلْف السِّتْر، فقال مُعِزّ الدَّولَة: ما كان فيهم مُسْلِم غيره.
قال أبو ذَرّ: وسَمِعْتُ أنَّ أوَّل ما أخَذَهُ مُعِزُّ الدَّولَة من المَوَارِيْث مال دَعْلَج، خَلَّف ثَلاثمائة ألف مِثْقَال ذَهَب، فقال مُعِزُّ الدَّولةَ دَغرًا (d): ما أُريدُ. فقالُوا: إنَّهُ كَثِيْر، فأخَذَهُ.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ الخَطِيبُ (٢)، قال: حَدَّثَني أبو القَاسِم الأزْهَريّ، عن أبي عُمَر
стр. 4490
مُحَمَّد بن العبَّاس بن حَيَّوْيَه، قال: أدْخَلنِي دَعْلَجُ إلى دَارِه، وأرَاني بِدَرًا من المالِ مُعبَّأةً في مَنْزِلِه، وقال لي: يا أبا عُمَر، خُذْ من هذه ما شِئْتَ، فشَكَرتُ له، وقُلتُ: أنا في كِفَايَةٍ وغَنَاءٍ (a) عنها، ولا حَاجَةَ لي فيها.
قال الخَطِيبُ (١): وحَدَّثَني أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد (b) بن أحْمَد العُكْبَرِيّ، قال: حَدَّثَني أبو الحُسَين أحْمَدُ بن الحُسَين الوَاعِظ، قال: أُوْدِعَ أبو عَبْدِ الله بن أبي مُوسَى الهاشِميّ عَشرةَ آلاف دِيْنار ليَتِيْمٍ، فضَاقَتْ يَدهُ، وامْتَدَّت إليها، فأنْفَقَها، فلمَّا بَلغَ الغُلَامُ مَبْلغَ الرِّجال، أمرَ السُّلْطانُ بفَكِّ الحَجْر عنهُ، وتَسْليم مالِهِ إليه، وتُقُدِّم إلى ابن أبي مُوسى بحَمْل المالِ ليُسَلَّم إلى الغُلَام.
قال ابنُ أبي مُوسَى: فلمَّا تُقُدِّم إِليَّ بذلك، ضاقَتْ عليَّ الأرْض بما رَحُبَتْ، وتحيَّرتُ في أمْري؛ لا أعْلَمُ من أيِّ وجْهٍ أغرَمِ المالَ، فبَكَّرتُ من دَاري، ورَكِبتُ بَغْلَتي، وقَصَدْتُ الكَرْخ لا أعْلَمُ أينَ أتوجَّه، فانْتَهَتْ بي البَغْلة (c) إلى دَرْب السَّلُوليِّ، ووَقَفَتْ بي على باب مَسْجِد دَعْلَج بن أحْمَد، فثَنَيْتُ رِجْلي، ودَخَلْتُ المَسْجِدَ، وصَلَّيتُ خَلْفَهُ صَلَاة الفَجْر، فلمَّا سَلَّم انْفَتَل إليَّ، ورَحَّب بي، وقامَ وقُمْتُ معهُ، ودَخَلَ إلى دَاره، فلمَّا جَلَسْنا، جاءَتْهُ الجَارِيَةُ بمَائِدَةٍ لَطِيْفةٍ وعليها هرِيْسَةٌ، فقال: يَأكُل الشَّريفُ، فأكلتُ وأنا لا أُحَصِّل أمْري، فلمَّا رَأى تَقْصِيري، قال: أراكَ مُنْقَبضًا، فما الخَبَرُ؟ فقصَصْتُ عليه القِصَّةَ، وأنَّني (d) أنْفَقتُ المالَ، فقال: كُلْ فإنَّ حاجَتَكَ تُقْضَى، ثمّ أحْضَرِ حَلْوى فأكَلْنا، فلمَّا رُفِعَ الطَّعَام، وغَسَلنا أيْدِينا، قال: يا جَارِيَة، افْتَحي ذلك البابَ، فإذا خِزَانَة مَمْلوءةٌ زُبُلًا (٢) مُجَلَّدةً، فأخْرَج إليَّ بعضَها، وفَتَحَها إلى أنْ أخْرَج النَّقْد الّذي كانت الدَّنَانِيْر منه، واسْتَدْعَى الغُلَامَ والتَّخْتَ
стр. 4491
والطَّيَّار، فوَزَن عَشرة آلاف دِيْنار وبَدَّرها (a)، وقال: يأخُذُ الشَّريفُ هذه، فقُلتُ: يُثبتُها الشَّيْخُ عليَّ، فقال: أفْعَلُ، وقُمْتُ وقد كاد عَقْلي يَطِيرُ فَرَحًا، فرَكِبْتُ بَغْلتي وتَرَكتُ الكيسَ على القربُوسِ وغَطَّيْتُهُ بطَيْلَسَاني، وعُدْتُ إلى دَاري، وانْحَدَرتُ إلى دار السُّلْطان بقَلْبٍ قَوِيٍّ، وجنَانٍ ثَابِتٍ، فقُلتُ: ما أظُنُّ إلَّا أنَّهُ قد اسْتَشْعَرَ فيَّ أنِّي قد أكْلتُ مالَ اليَتِيْم واسْتَبْدَدْتُ بهِ، والمالَ فقد أخرجْتُه، فأحْضَرَ قاضِي القُضَاة والشُّهُود والنُّقَبَاءَ ووُلَاة العُهُود، وأُحْضر الغُلَامَ ففُكَّ حَجْرهُ، وسُلِّم المال إليه، وعَظُم الشُّكْرُ لي والثَّنَاء عليَّ.
فلمَّا عُدْتُ إلى مَنْزِلي، اسْتَدْعاني أحَدُ الأُمَرَاءِ من أوْلادِ الخَلِيفَة (b)، وكان عَظِيمَ الحالِ، فقال: [قد] (c) رَغبْتُ في مُعَاملَتِكَ وتَضْمِينكَ أمْلَاكي ببَادُورَيَا ونَهْر المَلِك، فضَمِنتُ ذلك بما تقرَّرَ بيني وبينه من المالِ، وجاءتِ السَّنَة ووفَّيْتُهُ، وحَصَل في يَدي من الرّبْح ما له قَدْرٌ كَثِيْرٌ.
وكان ضَمَاني لهذه [الضّيَاع ثَلاث] (d) سِنيْن، فلمَّا مَضَتْ حَسَبْتُ حِسَابي وقد تحصَّلَ في يدي ثَلاثُون أَلف دِيْنار، فعَزَلتُ عِوَضَ العَشرة آلاف دِيْنار الّتي أخَذْتُها من دَعْلَج، وحَمَلتُها إليه، وصَلَّيْتُ معه الغَدَاة، فلمَّا انْفَتَلَ من صَلَاتِه ورآني، نَهَضَ معي إلى دَاره، وقَدَّم المَائِدَة والهَرِيْسة، فأكَلْتُ بجأشٍ ثَابتٍ، وقَلْبٍ طَيِّبٍ، فلمَّا قَضَينا الأكْل، قال: خَبَرك وحَالَكَ؟ فقُلتُ: بفَضْلِ الله وبفَضْلِكَ قد أفدتُ بما فَعَلته معي ثَلاثين ألف دِيْنارٍ، وهذه منها (e) عَشرة آلاف عِوَض الدَّنَانِيْر الّتي أخَذْتُها منك، فقال: يا سُبْحَان الله، واللهِ ما خَرَجَت الدَّنَانِيْرُ عن يَدي ونَوَيْتُ أخْذَ عِوَضَها، حَلِّ بها الصِّبْيَان!
فقُلتُ لَهُ: أيُّها الشَّيْخ، أيْش أصْلُ هذا المال حتَّى تَهَبَ لي عَشرة آلاف دِيْنار؟
стр. 4492
فقال: نَشَأتُ وحَفِظتُ القُرآنَ، وسَمِعْتُ الحَدِيْثَ، وكُنْتُ أتَبَزَّز (١)، فوَافَاني رَجُلٌ من تُجَّار البَحْر، فقال لي: أنتَ دَعْلَج بن أحمد؟ فقُلتُ: نعم، فقال: قد رَغبْتُ في تَسْليم مالي إليك للتِّجَارَةِ (a) لتَتَّجِرَ به، فما سهَّل الله من فَائِدَةٍ كانت بيننا، وما كان من جَائِحةٍ كانت في أصْلِ مالي، وسَلَّم إليَّ بارنامَجات (٢) بألف ألف دِرْهَم، وقال لي: ابسُط يدَكَ، ولا تَعْلَم مَوضِعًا يَنْفُقُ فيهِ هذا المَتَاعُ إلَّا حَملَتَهُ إليه، واسْتَنْبِت (b) فيه الكُفَاةَ، ولَم يَزَل يَتَردَّدُ إليَّ سَنَةً بعدَ سَنَةٍ يَحْملُ إليَّ مثل هذا والبضَاعَةُ تَنْمَى، فلمَّا كان في آخِر سَنَةٍ اجْتَمَعنا فيها، قال لي: أنا كَثِيْرُ الأَسْفَار في البَحْر، فإنْ قَضَى اللهُ عليَّ بما قَضَاهُ على خَلْقهِ فهذا المالُ لك على أنْ تَصَّدَّقَ منه، وتَبْني المَسَاجِدَ، وتَفْعَلَ الخَيْر.
فأنا أفْعَلُ مثل هذا، وقد ثَمَّرَ اللهُ المالَ في يَدِي، فأسْألكَ أنْ تَطْوِي هذا الحَدِيْثَ أيَّامَ حَيَاتي.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر البَغْدَاديّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ (٣)، قال: وحَدَّثَني أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن عليّ بن عَبْدِ الله الحَدَّاد، وكان من أهْلِ الدِّين والقُرْآن والصَّلَاح، عن شَيْخٍ سَمَّاهُ، فذَهَبَ عنِّي حِفْظُ اسْمِهِ، قال: حَضَرتُ يَوْم الجُمُعَة (c) مَسْجِد الجَامِع بمَدِينَة المَنْصُور، فرَأيتُ رَجُلًا بين يَديّ في الصَّفِّ، حَسَنَ الوَقَار، ظَاهِرَ الخشُوع، دَائِمَ الصَّلاةِ، لم يَزَل يَتَنفَّل مُذْ دَخَلَ المَسْجِدَ إلى قُرْب قيَام الصَّلاةِ، قال: ثمّ جَلَسَ، قال: فعَلَتْني هَيْبَتُهُ ودَخَلَ قَلْبي مَحَبَّتُهُ، ثمّ
стр. 4493
أُقِيْمَتْ الصَّلاةُ فلَم يُصَلِّ مع النَّاسِ الجُمُعَة، فكَبُرَ ذلك عليَّ من أمْره، وتَعَجَّبْتُ من حَالهِ، وغَاظَنِي فعْلُهُ.
فلمَّا قَضيْتُ الصَّلاةَ تَقَدَّمْتُ إليهِ، وقُلْتُ لهُ: أيُّها الرَّجُل، ما رَأيْتُ أعْجَبَ من أمْركَ! أطَلْتَ النَّافلَةَ وأحْسَنْتها، وتَرَكتَ الفَرِيْضَة وضَيَّعْتَها؟ فقال: يا هذا، إنَّ لي عُذرًا وبي علَّةٌ مَنَعتني من (a) الصَّلاةِ، قُلتُ: وما هي؟ قال: أنا رَجُلٌ عليَّ دَيْنٌ، اخْتفَيْتُ في مَنْزِلي مُدَّةً بسَبَبهِ، ثُمَّ حَضَرْتُ اليَوْم الجَامِع للصَّلَاةِ، فقَبْلَ أنْ تُقام الْتفَتُّ فرَأيْتُ صَاحِبي الّذي له عليَّ الدَّيْن، ورآني (b) فمن خَوْفه أحْدَثتُ في ثِيَابي! فهذا خَبَري، فأسْألك بالله (c) إلَّا سَتَرْتَ عليَّ وكَتَمتَ أمْري، قال: فقُلْتُ: ومَنْ الّذي له عليكَ الدَّيْن؟ قال: دَعْلَج بن أحْمَد، قال: وكان إلى جَانبِهِ صَاحِبٌ لدَعْلَج قد صَلَّى وهو لا يَعْرفُه، فسَمِعَ هذا القَوْل، فَمَضَى في الوَقْتِ إلى دَعْلَج فذَكَرَ له القِصَّةَ، فقال له دَعْلَجِ: امْضِ إلى الرَّجُل واحْمِلْهُ إلى الحَمَّام، واطْرَح عليه خِلْعةً من ثِيَابي، وأجلِسْهُ في مَنْزِلي حتَّى انْصَرفَ من الجَامِع، ففَعَل الرَّجُلُ ذلك، فلمَّا انْصَرَفَ دَعْلَجُ إلى مَنْزِلهِ، أمَرَ بالطَّعَام فأُحْضِر، وأكَلَ هو والرَّجُل، ثُمَّ أخْرَج حِسَابَهُ فنَظَر فيه، وإذا له عليه خَمْسَة آلاف دِرْهَم، فقال: له انْظُر لا يكون عليكَ في الحِسَاب غَلَط أو نُسِي لك نَقْده؟ فقال الرَّجُل: لا، فضَرَبَ دَعْلَج على حِسَابهِ، وكَتَبَ تحتَهُ عَلَامةَ الوَفَاء، ثُمَّ أحْضَرَ المِيْزَان ووَزن خَمْسَة آلاف دِرْهَم، وقال له: أمَّا الحِسَابُ الأوَّلُ فقد حَلَلْناكَ فيما بيننا وبينَك فيه، وأسْألُكَ أنْ تَقْبَل هذه الخَمْسَة آلاف دِرْهَم، وتَجْعَلَنا في حِلٍّ من الرَّوْعةِ الّتي دَخَلَت قَلْبَك برُؤيَتِكَ إيَّانا في مَسْجِد الجَامِع، أو كما قال (١).
стр. 4494
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِه تَوفِيْقِي
[رَاجِح بن إسْمَاعِيْل بن أبي القَاسِم الأسَدِيُّ الحِلِّيّ الشَّاعِر، الأَمِير شَرف الدِّين، أبو الوَفَاء] (١)
سَمِعْتُ رَاجحِ بن إسْمَاعِيْل الحِليِّ يُنْشد المَلِكَ الظَّاهِرَ قَصِيدَةً يَرْثِي بها الأَمِير أبا الحَسَن عليّ ابن الإمَام النَّاصِر لدين اللهِ أَمِيرِ المُؤْمنِيْن، وقد وَرَدَ الخَبَرُ إلى حَلَبَ بوفاته، وجَلَسَ السُّلْطان المَلِكُ الظَّاهِر للعَزَاء، فأنْشَدَه (٢): [من الكامل]
أَكَذَا يَهُدُّ الدَّهْرُ أطْوَادَ الهُدَى … ويَرُدُّ [بالنَّكبَات] شَارِدَةَ الرَّدَى
стр. 4495
[أكَذا] تَغِيْبُ النِّيِّرَاتُ ويَنْطَفي … ما كان من [أنْوَارها] مُتَوَقِّدَا
يا للرِّجَال لنَكْبَةٍ نَبَويَّةٍ طَوَتِ … العُلَى [قَلْبًا] عليها مُكْمَدَا
[ولخطَّةٍ شَنْعاء] لَاحَظها الهُدَى … دَامِي [الجفُوف] فغَضَّ طَرْفًا أرْمَدَا
[لو كُنتَ] بالشَّهْبَاءِ [يَوْم] تَوَاتَرت … أنْبَاؤُها (a) لرَأيتَ يَوْمًا أسْوَدَا
[يوم] تَزَاحَمَت المَلائِكَةُ العُلَي … [فيه فعزَّت] عن عَليٍّ أحْمَدَا
قَصَدَتْ أَمِيرَ المُؤْمنِيْنَ رزيَّةٌ … عادات وَقْع [سِهَامها] أن تَقْصِدَا
[هي ضَعْـ]ـضَعَتْ شُمَّ الجِبَال وأخْضَعَتْ … مَنْ لَمْ يكُن لمَذَلَّة مَتَعوِّدَا
[شَنَّت على] حرَم الخِلَافَة غَارَةً … شَعْواء غادَرتِ [الفَخَار] مُطَّرَدَا
فسقَتْ أبا حَسَنٍ ثَرَاك صَنائع … لك ليس تبرحُ [باديات عُوَّدا]
يا طُودُ زُلْتَ فزُلْزِلَتْ أرْض [رَجَت] … [حيْنًا بَعْدل منك] أنْ تَتَمَهَّدَا
يا لَيْثُ (b) مَن يُغْني غَنَاءَكَ والظُّبَا … تَبْكي دَمًا يا غَيْث مَنْ يَرْوي الصّدَا
يا وَحْشَةَ المِحْرَابِ منْكَ إذا دَجَى … غسَقُ الظَّلَام ولم يَجِدْ مُتَعبَّدَا
هذا كتابُ اللهِ لِم غَادرْتَهُ … من بَعْدِ إحْكَامِ الّذي فيهِ سُدَى
أسَفي لمُنْتَجع وعَافٍ معيلِ (c) … عَدِمَا سَحَابًا (d) منْكَ تَمْطُر عَسْجَدَا
تاللهِ ما ظَفِرَ الحِمَام بمثْلها … يَوْمًا ولَم يَمْدُد إلى أَحَدٍ يَدَا
يا دَهْرُ لَسْتَ وإنْ عُرفْتَ بعَبْدِه … في البَغْي أوَّلَ من طَغَى (e) وتَمَرَّدَا
أحْيَا بنِيْكَ وما عَدَاكَ تَعَطُّفٌ … منهُ ففيم عليه صَرْفكَ قد عَدَا
تَعْسًا لجَدِّك إذ كَفَفْتَ أنَامِلًا … يا طَالمَا وَكَفَتْ نَدَىً وَكَفَتْ رَدَى
قال فيها:
ما للإمَامةِ (f) أصْبَحَتْ مَفْجُوعةً … بأعزِّها حَسَبًا وأزْكَى مَحْتِدَا
стр. 4496
وَرِث الخَلَائفُ عِلْمَ يَوْم مُصَابه … فلأجْله اتَّخَذُوا الشِّعَار الأسْوَدَا
منها:
يا خَابطَ البَيْدَاءِ يحمي نَوْمَهُ … أرَقٌ فيَرْمِي بالمَطيِّ الفَدْفَدَا
لا تَحْدُوَنَّ اليَعْمَلَات (a) وخَلِّها … تَسْرِي سيُغْنِيها الزَّفِيْر عن الحُدَا
ميْعَاد طَرْفكَ بالبُكَاء مَتَى بَدَا … عَلَمُ الحِجَاز ولَاح مُعْتليًا كُدَا
فهُنَاكَ صِحْ: يا آل هاشِم دَعْوَةً … تُذْكي غَلِيْلًا أسى وتُبكي جلدَا (b)
واقْر السَّلامَ على المَشَاعِر والصَّفَا … واحْبس هُنالك النَّعيِّ (c) مُرَدِّدا
واكْتُم عن الوَفْدِ الحلُولِ مُصَابَهُ … فالقَوْمُ صَرْعَى السّير من بُعْد المَدَا (d)
وَصِل (e) السُّرَى حتَّى تَحُلّ بيَثْرِبٍ … لَيْلًا فعَزِّ بهِ النَّبيِّ مُحَمَّدا
وقُلْ ابن عَمّكَ يَوْمُهُ أدْنَاهُ من … أجلٍ فكُن جار الجِنَان لهُ غَدَا
واعْدِلْ إلى العبَّاسِ عَمِّ المُصْطَفَى … إنْ أنت عَاينْتَ البَقِيْعَ الغَرْقَدَا
وصفِ المُصَابَ وقُلْ فُجعْت بدَوْحَةٍ … نَبَويَّةٍ كادَتْ تَطُول الفَرْقَدا
وتَرَكْت بالزَّوْرَاءِ أهْلَ قيامةٍ … كان النَّعِيْم عليهم قَدْ خُلِدَا
صَلَّى الإلَهُ على قُبور أئمَّةٍ … مُلِئت مع الحِلْم الشَّجَاعَة والنَّدَى
صَبْرًا أَمِيرَ المُؤْمنِيْنَ فلَم تَزَل … في كُلِّ حَادِثَةٍ بصَبْرك يُقْتَدَى
إنَّ السَّماءَ تَكَادُ عندَ مُصَابكُم … تَهْوي وعِقْدُ الشُّهْب أنْ يَتَبدَّدَا
وامْنَح غِيَاثَ الدِّين صَبْرًا منكَ لو … أرْشَدْتَهُ يَوْمًا إليهِ لاهْتَدَى
فهو الضَّعِيْفُ إذا تُلمّ مُلمَّةٌ … بكُمُ وما زال القَوِيَّ تَجَلُّدَا
واسْلَم فلا سعَتِ اللَّيالِي بَعْدَهَا … أبدًا إليْكَ بما يُسَرُّ به العِدَا
стр. 4497
أنْشَدَني الأَمِيرُ شَرَف الدِّين رَاجِح بن إسْمَاعيْل بن أبي القَاسِم الحِلّيِّ لنَفْسِه بحَرَّان في المَلِك الأشْرَف مُوسَى بن أبي بَكْر بن أَيُّوب، وذَكَرَ لي أنَّهُ كان مَرضَ مَرْضَة عَظِيمَة، وكان هو أيضًا مَرِيْضًا، فلمَّا أبَلَّ المَلِكُ الأشْرَفُ من مَرَضِهِ عُوْفي الحِلِّيّ أيضًا، فأنْشَدَهُ مُهَنِّئًا (١): [من البسيط]
هَاجَتْ فُنُونَ الهَوَى وَرْقَاءُ في فَنَن … ناهيكَ من شَجَر [أَثْـ]ـمَرن بالشَّجَنِ
نَاحَتْ وأفياؤُها خضْرٌ مَرَاتعُها … وإلْفُها عن فُروع البَان لَم يَبنِ
شَدَتْ فأصْغَيْتُ مُلْتذًّا بنَغمتها … جَهْلًا فماذا لقَلْبي هِجْتِ أُذُنِي
وَقَفْتُ ما بين مُلتفِّ الأرَاك وبي … من سَجْعها أنَّهُ النَّائي (a) عن الوَطَنِ
أَبْكي وتَبْكي (b) فلَوْلَا أنْ عَلَا نَفْسِي … فاسْتَيْقظ الرَّكْبُ لَم يُدْر الجَوَى بمَنِ
فبَعْدَها لا أُرى بالجِزْع ذا جَزع … على الدِّيَار ولا بالحَزْن ذا حَزَنِ
وأنْتَ يا حَامِل الخَطيّ مُعْتَرِضًا … لقَتْل عُشَّاقِهِ (c) خَفَّفْ عن البَدَنِ
صُلْ بالقَوَام ودَعْ ما أنْتَ حَاملُهُ … فأين من لَدنه فِعْلُ القَنَا اللُّدُنِ
يا مَنْ ثَنَتْهُ شَمُولٌ من شَمَائِلهِ … فاهْتَزَّ مثْل اهْتِزَاز الذَّابِل (d) اليَزَنِي
في فَتْرة الطَّرْف أَرْسَلْتَ العِذَارَ فما … هذا التَّثَنِّي الّذي يَدْعُو إلى الوَثَنِ
عَلمَتُ إذ قُمْتَ للعُشَّاق مُنْتَصِبًا … أَنْ سَوْفَ تَظْهَرُ فيها دَوْلَة الفتَنِ
سَلْ خَدّكَ الأحْمَر القَانِي أَيَشْعُرُ ما … شِعَارهُ فهو خَوْفَ الثَّأر (e) في جَنَنِ
مَنْ صَرَّف الخَمْر في عنقُود عَارضهِ … وأطْلَعَ البَدْر تَحْت اللَّيْل في غُصنِ
واسْتَبْقِ أسَرَاكَ من أهْلِ الغَرَامِ فقد … طاحَتْ نفوسُهُم نَهْبًا بلا ثَمَنِ
وهَات قُلْ لي أزَيْدُ الخَيْل في دَمِهِم … أفْنَاكَ بالفَتْكِ أم سَيْف بن ذِي يَزَنِ
стр. 4498
فَمِل إلى السِّلْم فالأيَّامُ خَاليةٌ … بصَفْو مُلْكِ بني أَيُّوبَ من إحَنِ
واشْرَبْ على بُرْءَ مُوسَى من مشَعْشَعَةٍ … مَشْمُولة عُتِّقَت في الدَّنِّ زَمَنِ
واطْرَبْ على الدَّوْلَةِ الغَرَّاء مُقْبلَةً … تَجُر ثَوْب (a) التَّهَاني مُعْلَمَ الرُّدُنِ
حَسْبُ الهُدَى بُرْءُ فَيَّاضِ النَّدَى كَلفٍ … بالمَكْرُمَاتِ نَقيّ العَرض من دَرَنِ
لاحَتْ بَوَارقُ بُشْرَاهُ فأطْرَبَني … ما خَلْفَها من عُمُوم العَارِضِ الهَتنِ
بُشْرَى عرفْتُ شَذَاهَا الشَّاذَوِي وقد … خفِيْتُ عن عَيْن عُوَّادِي فلَم تَرَني
جَاءَتْ ورُوْحِيَ قد راحَتْ تُقَسمُها … أيْدي الرَّدَى فأعَادَتْها إلى بَدَني
منها:
ما بَعْدَكُمْ يا بَني أَيُّوبَ مُنْتَجَعٌ … لطَالِبِ الرِّزْق يَسْتَعْدِي على الزَّمَنِ
وكَّلْتُمِ بالرَّعَايا عَيْنَ عَدْلكم فما … درَتْ بَعْدَكُم ما (b) لذَّةُ الوَسَنِ
تَلَاعَبَتْ بصُرُوف الدَّهْرِ سَطْوتُكم … تَلَاعُبَ الرِّيْح في الآذِيّ بالسُّفُنِ (c)
فالمُلْكُ بالشَّرْقِ مُمْتَدُّ الرِّوَاقِ إلى … فُسْطَاط مِصْر فأقْصَى (d) الهِنْد فاليَمَنِ
وقُل [المُفْتَخر] (e) بالبَأْسِ من مُضَر … وبالسَّمَاحَةِ من قَيْسٍ ومن يَمَنِ
دَعُوا العُلَى أو فَعُدُّوا مثْلَ سُؤْدَدِهم … هذي المَنَاقِبُ لا قعْبَان من لَبَنِ (f)
ما كُلّ رَوْنق وَجْه تَحْتَه كَرَمٌ … هَيْهات قد يَنْبُتُ المَرْعَى على الدِّمَنِ
ما يَسْتَوي العوْدُ مُشْتَدًّا عَريْكتُه … وابنُ اللَّبُون إذا ما لُزَّ في قَرَنِ (g)
يا مَنْ يَطُوفُ بهِ وَفْدُ العُفَاةِ كما … طَافَ الحَجِيْجُ ببَيْت اللهِ والرُّكُنِ
أَجَرْتَني حين جَار الدَّهْرُ مُعْتَمدًا … جَبْري فكم مِنَحِ عوّضْتَ من (h) مِحَنِ
وجُدْتَ لي بالَّذي صرْتُ الغَنِيّ بهِ … وكُنْتُ أحْوَجَ من مَيْتٍ إلى كَفَنِ
стр. 4499
أنْشَدَني رَاجِحِ بن إسْمَاعِيْل الحِلِّيّ لنَفْسِه بحَرَّان يَمْدَحُ المَلِك المُعَظَّم عِيْسَى ابن المَلِك العادِل، وأنْشَدَهُ إيَّاها بحَضْرَة أخيه المَلِك الأشْرَف مُوسَى، وكان قد جَرَتْ بينهما وَحْشَةٌ أوْجَبَتْ أنَّ المَلِكَ المُعَظَّم أغرَى خُوَارَزْم شَاه جَلَال الدِّين ببلَادِ أخْلَاط، وهي بلاد أخيه المَلِك الأشْرَف، وأوْجَبَ ذلك أنْ سارَ المَلِكُ الأشْرَف من الجَزِيْرَة إلى دِمَشْقَ واجْتَمَع بأخيهِ طَمَعًا في أنْ تَزُول الوَحْشَة بينهما، فاتَّفَقَ أنْ وَرَدَ الخَبَرُ إلى دِمَشْق بنُزُول خُوارَزْم شَاه على أخْلَاط مُحَاصِرًا لها، فأنْشَدَه هذه القَصِيدَة يُعَرِّضُ فيها بتَقْرِيعهِ على ما فَعَل، ويُحَذِّره عَاقبة الخِلَاف وذلك في سَنَة أرْبَعٍ وعشْرين وستِّمائة (١): [من الطويل]
مَلَكْتَ كما شَاءَ الهَوَى فتَحكَّمِ … وإلَّا ففِيْمَ الهَجْرُ لي وإِلى كَمِ
أخَذْتَ تُوَرِّي عن دَمِي أوَ مَا … تَرَى بخَدَّيْكَ من أثَاره لَوْنَ عَنْدَمِ
ولو جحدَتْ عَيْنَاك قَتْلِي وأنْكَرَت … أقرَّ بهِ خَطُّ العَذَار المُنَمْنَمِ
أيَحْسُنُ أنْ تُمْسِي من الحُسْنِ مُثْرِيًا … وتَمْنَعُ من مَاعُوْنه فَقْرَ مُعْدِمِ
وفَوْقَ يَوَاقِيْت الشِّفَاهِ زَبَرْجَدٌ … نقَشْت به أفراد دُرٍّ مُنَظَّمِ (a)
فما لي إذا حَاوَلْتُ منْكَ الْتِفَاتةً … أحَلْتَ على تَمْويهِ طَيْفٍ مُسَلّمِ
وَهَبْني أرْضَى بالخيالِ وزُوره … فَمن لي إذْ تَجْفُو بجَفْنٍ مُهَوّمِ
وبي حُرَقٌ بين الجَوَانِح كُلَّما … خلَتْ منك عيْدَان الأراكِ بمَبْسمِ
تُحدّث عن [برد] (b) الثَّنَايَا نَسِيْمُها … فيا طِيْبَ ما أَدَّاهُ عن ذلك الفَمِ
فظلَّتْ نَشَاوَى مُورقاتٍ غُصُونها … تثنَّى وباتَتْ وُرْقُها في تَرَنُّمِ
لي اللهُ من غُصْنٍ وَريقٍ ومَبْسِم … وريقٍ حَماه اللَّحْظُ عن وِرْد حوَّمِ
فيا شُغُلي بالفَارِغ القَلْب والحَشَا … أطلْتَ شَقَائي بالغَزَال المُنَعَّمِ
стр. 4500
وعيسٍ رَحلناها قِسيًّا فأرْقَلَتْ … إلى غَرض الآمَالِ منَّا بأسْهُمِ
تَظلُّ الثّنَايَا مُدْميَاتٍ نُحُورَها … فتَقْتَصُّ (a) أيديهنَّ من (b) أَنْفِ محرمِ
وزَنْجيُّ لَيْلٍ بَاتَ رُوِميُّ ثَلْجه … أغَرَّ يريْني منْهُ تَحْجِيْلَ أَدْهَمِ
تَدَرَّعْتُه لمَّا دَجَى فضَرَبتهُ (c) … إذا ضَرَبْتُه الرِّيحُ لَم أتلَثَّمِ
وفي شُعَب الأكْوَار أبناءُ مطْلَبٍ … شِعَارُهُم تَوْشيعُ شعرٍ مُنَمْنَم (d)
هَدَاهُم غُلَامٌ من خُزَيْمَةَ عَالِمٌ … مَلِيءٌ بأعْمَالِ المَطيّ (e) المُخَزَّمِ
جَنَبْنا المَذَاكي وامْتَطَينا إلى العُلَى … نَجَائبَ من نَسْلِ الجَدِيْل وشَدْقَمِ
فكم من هِلالٍ فَوْقَ بَدْرٍ تريكَهُ … إذا هي ألْقَتْ حَافِرًا فَوْق مَنْسِمِ
تَيَمَّمْنَ أرْضَ الغُوْطَتَيْن فلَم تمل … بنا العِيْسُ عن أبْوَاب عِيسَى المُعَظَّمِ
إلى شَرَف الدِّين انْبَرَت في بُرِينها … حَرَاجِيْجُ قد أُدْمَيْن كُلّ مُخَدَّمِ
إلى مَلِكٍ من دَوْحَةٍ شَاذويَّةٍ … تَفِيءُ (f) على وردٍ من الجُوْدِ مُفْعَمِ
إلى طَود حلم ثَابِت الهَضْب شَامِخٍ … إلى بَحْر عِلْم زَاخِر اللُّجِّ خضْرمِ
إلى مَنْ كأنَّ اللَّائِذِيْن بظِلِّهِ … من الأمْنِ ما بين الحَطِيْم وزَمْزَمِ
إلى مُخْبتٍ يُغْضِي حَيَاءً وسَمْعه (g) … يَصِيْخُ فيرضَى دَعْوَةَ المُتَظَلِّمِ
إلى كَعْبَةٍ تَدْعُو بحَيّ على الهُدَى (h) … وتُلْبِسُ أثْوَاب النَّدَى كُلّ مُحْرِمِ
تُريهِ وُجُوهَ الغَيْب مِرْآةُ فِكْرِه … فتُؤمنُه (i) من كُلّ ظَنٍّ مرجّمِ
ويَغْشَى غِمَار المَوْت في كُلِّ معْركٍ … يُرَاع لهُ قَلْب الخَمِيْس العَرَمْرَمِ
ويُطْربُه خَلْعُ النُّفُوس على القَنَا … إذا رَنَّحَتْ أعْطَافَها حُمْرَةُ الدَّمِ
له نَشْوَةٌ في الجُوْد ليسَت لحَاتِم … وشِنْشَنَةٌ في المَجْدِ لَيْسَتْ لأخْزَمِ
стр. 4501
فيا مَنْ له يَوْم النّوالِ أنَامِلٌ … إليها الغُيُوث المُسْتَهلَّة تَنْتَمِي (a)
سَحَبْنَ النَّدَى في كُلِّ قُطْرٍ كأنَّما … أغَرْنَ على نَوْأَيْ سِمَاكِ ومرْزَمِ
أُعِيْذ عُلَاكُم أنْ يُبَاحَ لمُلْكِكم … حِمَىً وبكم غُرُّ المَمَالِكِ تَحْتَمِي
فسَفْحُ خلَاطٍ قَاسِيُون وتَرْكُها … تقلّد طوْق العَار جيْدَ المُقَطَّمِ
فَقْد أَنِفَ الجَفْنِيُّ من عَار لطْمَةٍ … فبَاع بعزّ الكُفْر ذلَّةَ مُسْلمِ
وجرَّ على عَبْسٍ وأَشْجَعَ حَتْفَها … مُغَار دُرَيْدٍ بعد طَعْنَةِ زَهْدَمِ
وصَبَّح في جَوِّ اليَمَامةِ حَاجِبٌ … بأَشْأم يَوْمٍ عَابسٍ حَيَّ أَشْأمِ
وما مَاتَ من نجَّى الضَّغَائن هُلْكُهُ … وأَبْقَى جَمِيل الذِّكْرِ كابن مُكَدَّمِ
أبَتْ لكُمُ آباءُ صدْقٍ نَمَتكُم (b) … تخيُّلَ ضغْنٍ يَقْتَضِي نَقْضَ مُبْرَمِ
فقد جرَّ قبح الغَدرِ مصْرَعَ مَالكٍ … فما ردَّه تَرْصِيْع شعر [مُتَمَّمِ] (c)
نَصِيْحة عَبْدٍ عَاشَ في ظِلِّ مُلْكِكم … تُقَابلُه بالنُّجْحِ أوْجُهُ أَنْعُمِ
نَدَاكَ به نَادَى فجاءَ مُزَحَّمًا … وإنْ كان أصْلُ الوَضْع غيرَ مُرَخَّمِ
يعني أنَّ رَاجحِ إذا رَخَّمْتَهُ حذفْت الحَاء فصَارَ: رَاج.
فَدُونكها أحْلَى من الأمْنِ مَوْقعًا … وأطْيَبَ من شَوْقٍ (d) إلى قَلْب مُغْرَمِ
إذا حَدَّثَتْ أبْيَاتُها عن عُلَاكُم … غَدَتْ أُمَّ أوْفَى دمنَةً لَم تكَلَّمِ
قال رَاجِح: فسُرَّ المَلِك الأشْرَف بهذه، وحَنِقَ عليَّ المَلِكُ المُعَظَّم بسَبَبها، فلمَّا خَرَجنا من المَجْلِسِ، اسْتَدْعاني المَلِكُ الأشْرَفُ، وقال لي: والله شفيْتَ قَلْبي في هذا اليَوْم، وأمَّا المَلِكُ المُعَظَّم فإنَّهُ أسَرَّ ذلك في نَفْسِه حتَّى خَرَجَ المَلِك الأشْرَف من دِمَشْق وخَرَجْتُ عَقِيْبَ خُرُوجهِ، فقَبَضَ على أخي، وجَعَل حُجَّةً وحَبَسَهُ، فبَقي في السِّجْن سَنَة.
стр. 4502
أخْبَرَني بعضُ الأصْدِقَاء أنَّ رَاجِح الحِلِّيّ تُوفِّي بدِمَشْق في يَوْم الخَمِيْس الخَامِس والعشْرين من شَعْبان سَنَة سَبْعٍ وعشْرين وستِّمائة.
وأنْبَأنَا الحافِظُ عَبْدُ العَظِيْمِ بن عَبْد القَوِيّ المُنْذِريّ (١)، قال: وفي لَيْلَةِ السَّابِع والعشرين من شَعْبان -يعني من سَنَة سَبْعٍ وعشرين وستِّمائة- تُوفِّي الشَّيْخُ الأدِيْبُ أبو الوَفَاء رَاجِحُ بن إسْمَاعِيْل بن أبي القَاسِم الأسَدِيُّ الحِلِّيُّ الشَّاعرُ المَنْعُوتُ بالشَّرَف، بدِمَشْق، مَدَحَ جَمَاعَةً من المُلُوك وغيرهم بمِصْر والشَّام والجَزِيْرَة، وحَدَّثَ بشيءٍ من شِعْره بحَلَب وحَرَّان وغيرهما.
رَاجِح بن الحُسَين -وقيل: الحَسَن- ابن عَتَّاب بن عَتَّاب، أبو الحَسَنِ النَّشَائيُّ
مَنْسُوبٌ إلى النَّشَاءَ المَعْمُول من الحِنْطَة.
حَدَّثَ بحَلَب عن مُحَمَّد بن خَلَف بن صالح التَّيْمِيّ، ومُحَمَّد بن كَثِيْر البَصْرِيّ. رَوَى عنهُ الحافِظُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَين بن صالح السَّبِيْعيِّ، وأبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الطُّوْسيّ.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحمّد بن هِبَةِ الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، والشَّيْخ أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عَبْدِ الله بن عُلْوَان الأسَدِيُّ، وابنُه القَاضِي أبو عَبْد الله مُحَمَّد ابن عبد الرَّحْمن، وأبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الطَّرَسُوسِىِّ الحَلَبِيُّونَ بها، قالُوا: أخْبَرَنا أبو سَالِم أحْمَد بنُ عَبْدِ القَاهِر بن المَوْصُول الحَلَبيِّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة الحَلَبيِّ بها، قال: حَدَّثَني أبو الفَتْح عَبْدُ اللهِ بن إسْمَاعِيْل بن الجِلِّيّ الحَلَبيِّ بها، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الزَّاهِدُ أبو عُبَيْدِ
стр. 4503
الله عَبدُ الرَّزَّاق بن عَبْد السَّلام بن أبي نُمَيْرٍ العَابِد الحَلَبيِّ بها، قال: أخْبَرنا مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن صَالحِ السَّبِيْعيّ الحَلَبيِّ بها، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن الرّاجِح بن الحُسَين بن عَتَّاب بن عَتَّاب النَّشَائيّ بحَلَبَ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن خَلَف بن صالح التَّيْمِيّ بكُنَاسَة الكُوفَة، قال: حَدَّثَني سُليْمان الأَعْمَشُ، قال: بَعَثَ إليَّ أبو جَعْفَر المَنْصُور في اللَّيْل، فقُلْتُ في نَفْسِي: ما وَجَّه إليَّ في هذا الوَقْت إلَّا وهو يُريدُ أنْ يَسْألني عن فَضَائِل عليّ بن أبي طَالِب ﵇، وذَكَرَ الحَدِيْثَ، وقال فيه عن المَنْصُور، قال: حَدَّثَني أبي، عن جدِّي (١)، قال: كُنَّا جُلُوسًا عند رسُول اللهِ ﷺ إذا أقبلَتْ فاطِمَةُ باكيةً، فقال لها رسُول الله ﷺ : ما يُبْكِيْك يا بُنَيَّة؟ قالت: يا رَسُول اللهِ، عَيَّرْنني نِسَاءُ قُرَيْشٍ وزَعَمن أنَّكَ زَوَّجْتَنِي مُعْدَمًا لا مال لهُ، فقال لها رسُول اللهِ: والّذي بَعَثني بالحَقِّ نَبِيًّا، يا بُنَيَّة، ما زَوَّجْتُك حتَّى زَوَّجَكِ اللهُ من فَوْق عَرْشِهِ، وأشْهَدَ على ذلك جِبْرِيل ومِيْكائِيل.
رَاجِح بن أبي بَكْر بن إبْراهيم بن مُحَمَّد، أبو الوَفَاء العَبْدَرِيُّ القُرَشِيُّ المَيُّورْقِيُّ (٢)
شَيْخٌ حَسَن صَالِحٌ من أهْل مَيُّورْقَة، قَدِمَ الشَّامَ ونَزَل حَمَاة، فاتَّفَقَ يَوْمًا أنْ رَأى صَاحِبها المَلِكَ المُظَفَّر مَحْمُود بن مُحَمَّد بن عُمَر بن شَاهَانْشَاه بن أَيُّوب وهو يَشْرب في مَرْكَب في العَاصِي، فنادَاهُ: أمَّا تَخَاف من اللهِ؟ فنَزَلَ إليه وضَرَبَهُ وهو سَكْران ضَرْبًا مُبَرِّحًا، فلمَّا أفَاق نَدِم على ذلك واعْتَذَر.
стр. 4504
وخَرَج رَاجِح من حَمَاة، وقَدِمَ علينا حَلَب وأقام بها مُدَّةً، وتأهَّل بها، وصَار له بها حُرْمَةٌ وَافِرةٌ، ورُتِّبَ شَيْخًا في الخاَنقَاه الّتي وَقَفَها قاضِي القُضَاةِ أبو المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم.
ثمّ إنَّهُ رُتِّب بعد ذلك شَيْخًا في خَانقَاه ابن المُقَدَّم بحَلَب، ثمّ عُزِلَ عنها، ورُتِّبَ له مَعْلُوم على مَصَالِح المُسْلمِيْن إلى أنْ كَسَرَ التَّتَار مَلِكَ الرُّوم غِيَاثَ الدِّين فخَاف من التَّتَار، وخَرَجَ من حَلَب في سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وستِّمائة، وتَوَجَّه إلى الدِّيَارِ المِصْرِيَّة، ورَافَقْتُهُ من دِمَشْق إلى مِصْر، وكُنْتُ إذ ذاكَ قد سُيِّرت رَسُولًا إلى مِصْر، فَحدَّثَني ببَيْسَان بشيءٍ من الحَدِيْث عن أبي زَكَريَّاء يَحْيَى بن عليّ بن مُوسَى المَغِيْليّ بعد مُشَاهدة سَمَاعِهِ عليه بمُوَطَّأ يَحْيَى بن يَحْيَى، وأخْبرَني أنَّهُ سَمِعَ من مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُبَيْر.
وسَألتُهُ عن مَوْلدِه فقال: بمَيُّورْقَة في سَنَة ثَمانٍ وسَبْعِين في آخرها أو أوَائِل سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، ولَم يَبْقَ صَاحِب حَمَاة الملك المُظَفَّر بعد ضَرْبه إلَّا مُدَّة يَسِيْرة، وفُلجَ وبَطلت حَرَكته، ودَام مَفْلُوجًا إلى أنْ ماتَ.
أخْبَرَنا مُخْلص الدِّين أبو الوَفَاء رَاجِح بن أبي بَكْر بن إبْراهيم بن مُحَمَّد العَبْدَرِيّ القُرَشِيّ المَيُّورقِيَّ بَبيْسَان، قال: أخْبَرَنا أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن عليّ بن مُوسَى المَغِيْليّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن عليّ القَيْسِيّ عُرفَ بابن الرِّمَامَةِ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَحْرٍ سُفْيان بن العَاصِي الأسَدِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُمَر يُوسُفُ بن عَبْد البَرّ (١)، قال: حَدَّثَني أبو عُثْمان سَعِيْد بن نَصْر، قال: حَدَّثَنَا قَاسِم بن أصْبَغ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَضَّاح، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن يَحْيَى، عن مالكٍ. قال أبو عُمَر ابن عَبْد البَرّ: وحَدَّثَني أبو الفَضْلِ أحْمَد بن قَاسِم بن عبدِ الرَّحْمن التَّاهَرْتيُّ البَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ المَلِك مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الله بن أبي دُلَيْم، عن أبي الحَرَم وَهْب بن مَيْسَرة،
стр. 4505
قال: حَدَّثَنَا ابن وَضَّاح، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى، عن مالك، عن يَحْيَى بن سَعيدٍ، عن عَمْرَة بنت عبدِ الرَّحْمن، عن عائِشَة زَوْج النَّبيّ ﷺ أنَّها قالت (١): إنْ كانَ رسُولُ اللهِ ﷺ ليُصَلِّي الصُّبْحَ فيَنْصَرفُ النِّسَاءُ مُتَلفِّفاتٍ بمُرُوطِهنَّ ما يُعْرَفْنَ من الغَلَسِ.
تُوفِّي الشَّيْخ رَاجِح بن أبي بَكْر المَيُّورْقِيّ في شَوَّال سَنَة ثَلاثٍ وأرْبَعين وستِّمائة بمَكَّة، شَرَّفَها اللهُ، ودُفِنَ بالمَعْلَا [ة]؛ أخْبَرَني بذلك عَبْد المُؤْمِن بن خَلَف الدِّمْياطِيّ.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ رَاشِد
رَاشِدُ بن سَعْد المُقْرَائيُّ (a)، ويُقال: الحُبْرَانيّ الحْمِصِيُّ (٢)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ بن أبي سُفْيان، وحَدَّثَ عنهُ وعن ثَوْبَان مَوْلَى رسُول الله ﷺ ، وأبي أُمَامَة البَاهِلِيّ، وعَمْرو بن العَاص، وأبي
стр. 4506
الدَّرْدَاء، ويَعْلَى بن مُرَّة، وعبد الله بن بُسْر المَازِنِيّ، والمِقْدَام بن مَعْد يكَرِب، وعبد الله بن نُجَيّ الهَمْدانِيّ، وعُتْبَة بن عَبْد السُّلَميِّ، وعَبْد الرَّحمن بن عَائِذ الثُّمَاليِّ، وجَبَلَة بن الأزْرَق، وعَبْد الرَّحمن بن قَتَادَة، وحَمْزَة بن عَبْدِ كُلَال.
رَوَى عنهُ حَرِيْز بن عُثْمان الرَّحَبيِّ، وثَوْر بن يَزِيد الكَلاعيِّ، ومُحَمَّد بن الوَلِيد الزُّبَيْدِيّ، ومُعاوِيَة بن صالح الحَضْرَميِّ، وأبو ضَمْرَة مُحَمَّد بن سُلَيمان بن أبي ضَمْرَة السُّلَميِّ، وبُكَيْر بن عَبْد الله بن أبي مَرْيَم.
والمُقْرَائيّ (a): مَنْسُوبٌ إلى بَطْنٍ بن حِمْيَر، وكذلك الحُبْرَانيّ أيضًا. أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد بن يُوسُف الصُّوْفيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن الحُسَين بن زَكَرِيَّاء الطُّرَيْثِيثيِّ، وأبو سَعْد مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن خُشَيْش، ح.
وأخْبَرَنا أبو إسْحاق إبْراهيِم بن عُثْمان بن يُوسُف الكَاشْغَرِيّ البَغْدَاديّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن عليّ بن صالح الكَاغَدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن الحُسَين، ح.
قال أبو إسْحاق الكَاشْغَرِيّ: وأخْبَرَنا أبو الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقى بن سَلْمَان المَعْرُوف بابنِ البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل أحْمَد بن الحَسَن بن خَيْرُون، قالُوا: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد بن إبْراهيم بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن جَعْفَر بن دَرَسْتَوَيْه، قال: حَدَّثَنَا أبو يُوسُف يَعْقُوب بن سُفْيان (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو رَوْح الرَّبِيْع الحْمِصِيّ مُحَمَّد بن حَرْب، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيديّ، عن رَاشِد بن سَعْد المُقْرَائيّ، عن أبي عَامِر الهَوْزَنِيّ، عن أبي كَبْشَة الأَنْمَارِيّ أنَّهُ أتى رَجُلًا
стр. 4507
فقال له (١): أطْرِقْني من فَرَسك فإنِّي سَمِعْتُ رسُول الله ﷺ يَقُول: مَنْ أطْرَقَ مُسْلمًا فعَقب لهُ الفَرَس كان له كأجْر ستِّين فَرَسًا يُحْمل عليها في سَبِيْل الله ، فإنْ لَم تعقب كان له كأجْر فَرَس [يُحمل] (a) عليها في سَبِيْل الله .
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الله بنُ الحُسَين الأنْصَاريّ إذْنًا، عن الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا ثَابِت بن بُنْدَار، قال: أخْبَرَنا الحُسَين بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا الوَلِيدُ بن بَكْر، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن أحْمَد الهاشِميّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُسْلم صالح بن أحْمَد بن عَبْد الله العِجْليِّ، قال: حَدَّثَني أبي (٢)، قال: رَاشِد بن سَعْدٍ شَاميٌّ ثِقَةٌ.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد الدَّارْقَزِّيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بنُ نَاصِر السَّلَاميِّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحسُين المُبارَك بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو إسْحاق إبْراهيم بن عُمَر بن أحْمَد الفَقِيهُ البَرْمَكِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد الله الدَّقَّاق، قال: أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن عِيسَى الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن هَانِئ الطَّائيّ الأَثْرَمُ، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن حَنْبَل يَقُول: رَاشِدُ بن سَعْدٍ لا بَأْسَ بهِ.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْدِ الله بن عُلْوَان إذْنًا، قال: أنْبَأنَا مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، عن أبي عَمْرو عَبد الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا حَمْد بن عَبْدِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي حَاتِم (٣)، قال:
стр. 4508
رَاشِد بن سَعْد المُقْرَائيِّ، رَوَى عن ثَوْبَان، وأبِي أُمَامَة، ويَعْلَى بن مُرَّة، وجَبَلَة بن الأزْرَق، ومُعاوِيَة. رَوَى عنهُ ثَوْر بن يَزِيد، وحَرِيْز بن عُثْمان، ومُعاوِيَة بن صالِح، ومُحَمَّد بن سُلَيمان أبو ضَمْرَة، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك. سُئِلَ أبي عنه فقال: ثِقَةٌ.
وقال ابنُ أبىِ حَاتِم (١): حَدَّثَنَا صالح بنُ أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن المَدِيْنيّ، قال: قُلْتُ ليَحْيَى القَطَّان: تَرْوي عن رَاشِد بن سَعْد؟ قال: ما شَأنه؟! هو أَحبّ إليَّ من مَكْحُول.
وقال ابنُ أبي حَاتِم: أخْبَرَنا يَعْقُوب بن إسْحاق الهَرَويّ في كتابهِ إليَّ، قال: حَدَّثَنَا عُثْمانُ بن سَعيد الدَّارِمِيّ (٢)، قال: سَألْتُ يَحْيَى بن مَعِيْن عن رَاشِد بن سَعْدٍ، فقال: ثِقَةٌ.
ذَكَرَ الحافِظُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن عُمَر الجِعَابِيّ في كتاب الإخْوَة الّذين رُوِيَ عنهم الحَدِيْث: رَاشِد بن سَعْد الحِمْصِيّ، وأخُوه هو خَالِدُ بن سَعْدٍ. وقال: حَدَّثَني إسْحاقُ بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان بن عَبْد الحَميْد، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن يَعْقُوب الكِنْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا خَالِد بنُ عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قال: حَدَّثَني صَفْوَان، عن رَاشِدِ بن سَعْدٍ، قال: سَألني طَاوُوس: من أين أنتَ؟ فأخْبَرتُهُ فبَسَطَ إليَّ يَدَهُ وقال: رَاشِد الحِمْصِيّ؟ قُلتُ: نعم، قال: إنَّ هذا لوَجْهٌ كُنْتُ أتمنَّى -أو قال: أشْتَهِي- أرَاهُ.
وقال أبو بَكْر الجِعَابيِّ: حَدَّثَنَي أحْمَد بن مُوسَى بن عِمْران الدُّوْرِيّ، قال: حَدَّثَنَا الفِيْريَابِيّ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي السَّرِيّ، قال: حَدَّثَنا [ … ] (a)، قال: حَدَّثَنَا حَرِيْز بن عُثْمان، عن رَاشِد بن سَعْد أنَّهُ حضَرَ يَوْم صِفِّيْن مع مُعاوِيَةَ وكان يُجِيزُ على الجَرْحَى.
стр. 4509
وقال: حَدَّثَني إسْحاقُ بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان بن عَبْد الحَميْد، قال: حَدَّثَنَا ابنُ مُصَفَّي، قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عن صَفْوَان، قال: شَهِدَ رَاشِدُ بن سَعْدٍ صَفِّيْن وذَهَبَتْ عيْنُهُ فيها (a).
أنْبَأنَا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد الأَوَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا المُبارَك بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن الحَرْبيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ البَاقِي بن قَانِع، قال: سَنَة ثلاث عَشْرة ومائة رَاشِد بن سَعْد المُقْرَائيّ -بَطْن من حِمْيَر- يعني: ماتَ.
رَاشِد
غير مَنْسُوب، غُلَامٌ كان لعَمَّار بن يَاسِر، لهُ ذِكْرٌ، وشَهِدَ صِفِّيْنَ مع عَمَّار ﵁.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن مَحْمُود المَحْمُودِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبُو مُحَمَّد عَبْد الله بن أحْمَد بن أحْمَد بن الخَشَّاب إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاء، قال: أخْبَرَنَا أبو غَالِب البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن نِيْخَاب، قال: حَدَّثَنا إبْراهيم بن الحُسَين، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بن مُزَاحِم (١)، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن شَمِر، عن السُّدِّيّ، عن ابن حُرَيْث، قال: أقْبَل غُلَامٌ لعَمَّار بن يَاسِر يَوْمئذٍ، اسْمُه رَاشِد، وهو يَحْمْل شَربةً من لَبن ليَسْقي عَمَّارًا، فقال عَمَّار: أمَا إنِّي سَمِعْتُ خَلِيلي رسُول الله ﷺ يَقُول: إنَّ آخر زَادكَ من الدُّنْيا شَرْبة من لبنٍ، ثُمَّ شَرِب.
стр. 4510
رَاغِب الخَادِم (١)
مَوْلَى المُوَفَّق أبي أحْمَد بن جَعْفَر المُتَوَكِّل.
كان قَائِدًا مَعْرُوفًا جَلِيْلًا، وكان فَاضِلًا، فَصِيحًا، حَسَن المُجَالسة، وله مال وَافِر، وغِلْمَان مُتَوافرُونَ، ولمَّا مَاتَ مَوْلاه انْتَقَل إلى ثَغْر طَرَسُوس وأقام بها، وابْتَنى بها دُورًا ومَسَاكن له ولمَوَالِيه، وكان حين وصَلَ إلى حَلَب سَيَّر مالَهُ وثَقَلهُ إلى طَرَسُوس، وتَوَجَّه إلى خُمَارَويْه بن أحْمَد بن طُوْلُون فأقامَ عنده مُدَّة، وفَرح أهْلُ الثَّغْر بكَثْرة غِلْمَانه ومقامه بهم عنده، وتوهَّم أهْل طَرَسُوس أنَّ خُمَارَوَيْه قَبَض عليه، فعَمَدُوا إلى وَالي طَرَسُوس، وهو ابنُ عَمّ خُمَارَوَيْه، فقَبَضُوا عليهِ، ونَهَبُوه وسَجَنُوه إلى أنْ [أطْلَق] (a) لهم رَاغِب، وهَمَّ خُمَارَوَيْه بعد ذلك بالقَبْضِ عليه فعَصَمهُ الله منه، وكان له ولمَوَالِيه نِكَايَة في العَدُوِّ، وآثارٌ حَسَنةٌ في الجِهَادِ.
وقيل: إنَّهُ لمَّا وَصَلَ حَلَب اجْتَمَع بطُغْج بن جُفّ لِمَا لقيه بحَلَب، ووَعَدَهُ بأشْيَاء عن خُمَارَوَيْه، فصَعدَ إلى مِصْر في سَنة تِسْعٍ وسِتِّين ومَائتَينْ، ورَدَّ رَاغِب خَادِمَهُ مَكْنُون مع سَائِر أمْوَاله وسِلَاحهِ إلى طَرَسُوس، ومَضَى إلى خُمَارَوَيْه إلى مِصْر في خَمْسَة (b) غِلْمَان، وكَتَبَ طُغْج إلى مُحَمَّد بن مُوِسَى الأعْرَج بالقَبْضِ على مَكْنُوِن وما معَهُ، ففَعَلَ، ووَثَب عليه أهْل طَرَسُوس ومَنعُوه من ذلك، وكَتَبُوا إلى خُمَارَوَيْه وقالُوا: اطْلِق لنا رَاغِبًا حتَّى نُطْلِق الأعْرَج، وأنْفَذَ معَهُ أحْمَدَ بن طُغَان
стр. 4511
وَاليًا على الثُّغُور، وعَزَلَ عنهم الأعْرَج. ذَكَرَ ذلك ابنُ أبي الأزْهَر والقُطْرُبُّلِيّ في تَارِيْخهِما الّذي اجْتَمَعا على تأليْفه.
وذَكَرَ أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إبْرَاهيم بن زُوْلَاق فيما قَرأتُه في سِيْرَة أبي الجَيْشِ خُمَارَوَيْه بن أحْمَد بن طُوْلُون (١)، قال: وفي هذه السَّنَة في صَفَر منها -يعني سَنَة ثَمانٍ وسَبْعِين ومَائتَيْن- ماتَ أبو أحْمَد المُوَفَّق، وعُقِدَ العَهْد لابنه أبي العبَّاس، وكان للمُوَفَّق غُلَام خَادِم من جِلَّةِ غِلْمَانه يُعْرَفُ بَراغِب، فلمَّا مَاتَ مَوْلاهُ أحْزَنه مَوْتُه، فأحبَّ أنْ يَسْكُن طَرَسُوس، فاسْتَأذن في ذلك، فأُذِنَ له، فَخَرجَ قَاصِدًا يُريد الثَّغْر، وكان خُمَارَوَيْه يَوْمئذٍ بدِمَشْق، فلمَّا بَلَغَ رَاغِب إلى حَلَبَ، وهمَّ بالدُّخُول إل طَرَسُوس قيلِ له: طَرَسُوس من عَمَل أبي الجَيْش، وهو بالقُرْبِ منك، فلو صرْت إليهِ زَائِرًا وقَضَيْتَ حَقّهُ، وعَرَّفتَهُ ما عزمْتَ عليه من المقام بالثَّغْر ما ضرَّك ذلك، وكان أجَلَّ لمَحلِّك، وأقْوَى لك على ما تُريدُه، فبَعَثَ بثَقَله وجميع ما كان معه معِ غُلَام له يُعْرَفُ بمَكْنُون وأمَرَهُ أنْ يتقدَّمَهُ إلى طَرَسُوس، ورحَلِ هو مُخفًّا إلى دِمَشْق، فلقي أبا الجَيْش، فأحْسَن أبو الجَيْش تَلقِّيه، وسُرَّ بنَظره، ووَصَلَهُ وأحْسَن إليه، وكان يُكثر عنده ويُحَادثهُ، وكانت لرَاغِب عَارِضَةٌ وبَيَان وحُسْن عِبَارَة، وكان قد رَأى الخُلَفَاءَ، وعَرِفَ كَثِيْرًا من أخْبَارهم، فكان يَصِلُ مَجْلسَهُ بشيءٍ من أخْبَارهِم وسِيَرهمِ، فأَنِسَ به خُمَارَوَيْه، وكان يَسْتَريح إلى حَدِيثهِ ومُذْاكرته، فلمَّا رَأى رَاغِبُ ما يَخُصُّه بهِ خُمَارَوَيْه من التَّكْرِمَة والأُنْسِ بهِ والاسْتِدْعَاء إذا تأخَّر اسْتَحْيَا أَنْ يَذْكُر له الخُرُوج إلى طَرَسُوس.
فلمَّا طَالَ مقامه بدِمَشْق، ظَنَّ مَكْنُون غُلَامه أنَّ أبا الجَيْشِ قد قَبَضَ عليه ومَنَعَهُ من الخُرُوج إلى الثَّغْر، فأذَاعَ ما ظَنَّهُ عند المُطَّوِّعَة وشَكَاهُ إليهم، وأكْثَرُ
стр. 4512
هؤلاءِ المُطَّوِّعَة من أهْلِ الجَبَل وخُرَاسَان، معهم (a) غِلَظ الأعْجَميَّةِ، وسُوء أدَبِ الصُّوْفيَّة، فأحْفَظَهم هذا القَوْل وظَنُّوه حَقًّا، فقالُوا: تَعْمد إلى رَجُلٍ قد خَرَجَ إلى سَبِيْل الله مُحْتَسِبًا نَفْسَهُ لله ؛ وفي مقَام مثْلهِ في الثَّغْر قُوَّة للمُسْلِمين، وكَبْتٌ لأعْدَائهمِ من الكَافِرين، فتَقْبض عليه وتَمْنَعُه من ذلك جُرَأة على الله، ولَفَّفُوا وتَجَمَّعُوا ومشَى بعضُهم إلى بعضٍ، وأقْبَلُوا إلى وَاليهم، وهو ابنُ عَمِّ خُمَارَوَيْه، فشَغَبُوا عليه، فأدْخَلَهُم إليهِ ليُسَكِّن منهم، [ويُجيبهم لِمَا] (b) يُحبُّون، فقَبَضُوا عليه وقالُوا: لا تَزَال في اعْتِقَالنا أو يُطْلقِ [خُمَارَوَيه] (c) صَاحِبَنا، فإنْ قَتَلَهُ قَتَلْناك به، وتَسَرَّعَ سِفَلُهُم إلى دَاره فنُهِبَت وهُتكت حَريمُهُ، ولحَقَهُ كل ما يَكْره، وجَاءتِ الكُتُب إلى أبي الجَيْشِ بذلك، فأحْضَرَ رَاغِبًا وأقْرَأهُ الكُتُبَ، وقال له: واللَّهِ ما مَنَعناكَ ولا حَظَرْنا عليك الخُرُوج، ولقد سُرِرنا بقُرْبك وما أَوْلَيْتَ وأوليْناكَ إلَّا جَمِيْلًا، وقد جَنَى علينا سُوء ظَنِّ غُلَامكَ ما لَم نَجْنهِ، فإذا شئْتَ فارْحَل مُصَاحبًا، وقُلْ لأهْلِ طَرَسُوس: يا جَهَلَة، ما يَوْمنا فيم بواحدٍ؛ تَتَسَرَّعُونَ إلى ما نَكْره مَرَّةً بعد أُخْرى، ونُغْضِي عنكم، ويَحْكم (d) الله ، ولولا المُحَافَظة على ثَغْرِ المُسْلمِيْن وعِزّ الإسْلَام لا خَشْيَةً منكم ولا من كَثْرتِكُم، وإلى الله الشَّكْوَى، ولولا الخَوْفُ من غَضَبه ، لجَازَيْناكُم على أفْعَالكُم.
فوَدَّعَهُ رَاغِب، ورَحَلِ إلى طَرَسُوس، فلمَّا صَحَّ عند أهْل طَرَسُوس خَبَر رَاغِب أطْلَقُوا عن مُحَمَّد بن مُوسَى بن طُوْلُون، فلمَّا أُطْلقِ قال: [قَبَّح الله جوَاركُم] (e)، ورَحَلَ عنهم فسَكَنَ بَيْت المَقْدِس، وكان له دِيْنٌ، وفيه خَيْرٌ كَثِيْرٌ.
стр. 4513
وقَرَأتُ في سِيْرَة الإخْشِيْذ، تأليفُ أبي مُحَمَّد بن زُوْلَاق (١)، قال: وحَدَّثَني أحْمَدُ بن عُبَيْد الله، عن أَبِيهِ، قال: قال طُغْج: كُنْتُ بدِمَشْق أخلُفُ أبا الجَيْشِ، فجاءَني كتابُه يأمُرُني بالمَسِيْر إلى طَرَسُوس، وأقْبض على رَاغب وأقْتُله، فسرْتُ إلى طَرَسُوس، وكان شِتَاءً عَظيْمًا، فما أمْكَن أحدٌ أنْ يَتَلقَّاني، فلَقِيَنِي رَاغِبٌ وحْدَهُ في غِلْمَانه، وكان له مائتا غُلَام قد أَشْجَوا العَدُوّ، فأنْزَلَني وخَدَمني وقَضَى حَقِّي فأمْسَكْتُ (a) عنه، وحَضَرْتُ معه غَزَاةً أشْجَى فيها العَدُوّ، فقال لي جَمَاعَة [من أهْلِ] طَرَسُوس: بالله إلَّا صُنْتَ هذا الرَّجُل (c) وأحْسَنْتَ إليهِ، ففَعَلْتُ [وآثرتُ] (d) رضَى الله ، فانْصَرَفْتُ إلى دِمَشْق، وكَتَبْتُ إلى أبي الجَيْشِ أعْتَذرُ، [وأذْكُر] (e) أشْيَاء مَنَعَتْني من القَبْضِ على رَاغِب.
قال طُغج: فما شَعَرْتُ وأنا بدِمَشْقَ حتَّى وَافَى أبو الجَيْشِ، فلَقِيتُه وخَدَمتُه، وجَلَسْتُ معه لَيْلَةً [للشُّرْب] (f)، فلمَّا تَمَكَّن منه الشَّرَاب قال لي: يا طُغْج، شَعَرت (g) بأنَّهُ ما جاءَ بي إلى دِمَشْقَ سِوَاك؟ فاضْطَربْتُ، فلمَّا رَآني قد تغيَّرتُ أَقْلَب (h) الحَدِيْث، وانْصَرَفتُ وأنا خائفٌ منهُ، وعلمْتُ أنَّهُ يَقْتُلني كما قَتَل صَافِيًا (i) غُلَامَ أبيهِ بدمَشْقَ؛ لأنَّهُ سَارَ إليهِ من مِصْر وقَتَلَهُ، فقُتِلَ أبو الجَيْش تلك اللَّيْلة، وكَفَاني الله أمْرَهُ لأنِّي عَملتُ مع رَاغِب لله (j) فكُفِيْت.
قَرأتُ بخَطِّ القَاضِي أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد الله الطَّرَسُوسِيّ في كتَاب
стр. 4514
سِيَر الثُّغُور الّذي وَضَعَهُ للوَزِير أبي الفَضْل جَعْفَر بن الفَضْل بن الفُرَات، قال في ذِكْر طَرَسُوس ومَنَازِلها: ويُلَاصِق شَارِع البَرَامِكَة إلى جِهَة الغَرْب دَار رَاغِب مَوْلَى المُوَفَّق بالله، وهي الدَّار الصَّغيرة، فيها مَوَالِيه وموالياتهِ وأوْلَادُهم في حُجرٍ مَفْرُوزة، وكانت الرِّئَاسَة فيهم إلى بُشْرَى الرَّاغِبِيّ، ثمّ انْتَقَلت إلى أحْمَد بن بُشْرَى، ووقُوفهم بنقَابلُس وغيرها، وضِيَاع في أعْمَال طَرَسُوس بنَوَاحِي باب قَلَمْيَة، منها ما يُضمن، ومنها ما يقوم به المَوَالِي (a).
وذَكَرَ من المَوَالِي جَمَاعَة من أهْلِ العِلْم ومن أهْلِ النَّجْدَهَ والشَّجَاعَة، قد ذَكَرْنا بعضهم في كتابنا هذا.
ثُمّ قال بعد ذلك: ثمّ تَسِيرُ فتَجِد عجاليْن وبيَاطِرة (b) حتَّى تصل إلى بابٍ (c) يَسَارك إلى دَار رَاغِب الكُبْرَى وهي على مثال دار السَّيِّدة، غير أنَّ تلك أعْلَى فناءً، وفي هذه الدَّار خَدَمٌ وشُيُوخٌ من الفُرْسَان المُقَدَّمِين، منهم أبو هِلالِ الرَّاغِبيِّ، وذَكَرَ حاله، وقد ذَكَرْناهُ أيضًا في هذا الكتاب (١).
قال: وما زال الجِهادُ بأهْلِ هذه الدَّار حتَّى قَلَّ عَدَدُهم، ونَفد مَدَدُهم، وتَفَانَوا مَوْتًا وقَتْلًا وأسْرًا، واخْتَلَّت جَوَانِبهُا، حتَّي رأيتُ عَبْد الله بن أشْكَام الخُرَاسَانيّ قد نَزَلها، ثمّ رَأيتُ عليّ بن عَسْكَر بَعْدُ نَزَلَها، وخَرَجْنا عن طَرَسُوس وهي مَعْمُورةُ.
وقرأت بخَطِّه في هذا الكتاب: وحَدَّثَني أبو بَكْر أحْمَد بن أفْلَح الرَّاغِبيّ، قال: سَمِعْتُ أبي يُحَدِّثُ عن [مَوْلاه] (d) رَاغِب موْلَى الرَّاضِي بالله أنَّ قَبْرَ المَأْمُون هو هذا الّذي يَظْهر في دَار المُقَبَّبة صَحِيحٌ نَعْلمه حَقًّا يَقِيْنًا.
стр. 4515
قُلتُ: إنَّما قال: مَوْلَى الرَّاضِي؛ لأنَّ وَلاءه في بَنِي العبَّاس، وقد ذكرَ أوَّلًا أنَّ رَاغِب مَوْلَى المُوَفَّق، وذكر أنَّ أحْمَد بن أفْلَح من مَوَالِي رَاغِب.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ رَافِع
رَافِعُ بن خَدِيْج بن رَافِع بن عَدِيّ بن زَيْد بن عَمْرو بن يَزِيْد (a) بن جُشَم بن حَارِثَة بن الحَارِث بن الخَزْرَج بن عَمْرو بن مَالِك بن أَوْسٍ، أبو عَبْد الله الحَارِثِيّ الأَوْسِيِّ الأنْصَاريّ (١)
صَحِبَ النَّبِيّ ﷺ ، ورَوَى عنهُ، وشَهِدَ معه أُحُدًا والخَنْدَق وأكْثَر مَشَاهِده.
стр. 4516
رَوَى عنهُ عَبْد الله بن عُمَر، وابن عَمّه أُسَيْد بن ظُهَيْر بن رَافِع الأنْصَاريّ، والسَّائِب بن يَزِيد، ومَحْمُود بن لَبِيْد من الصَّحَابَةِ، ومن التَّابِعِين ابن ابنهِ عَبَايَة بن رِفَاعَة بن رَافِع، وعَامِر الشَّعْبِيّ، ومُجَاهِد بن جَبْر، وعَطَاء بن أبي رَبَاح، وأبو النَّجَاشِيّ، وعَمْرَة بنتُ عبد الرَّحْمن، وقيل: ابن ابنه عِيسَى بن سَهْل بن رَافِع بن خَدِيْج.
وشَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، ورَوَى زَيْد بنُ حَسَن أنَّهُ شَهِدَ بصِفِّيْن على كتاب الحَكَمَيْن بين عليٍّ ومُعاوِيَة.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم أحْمَد بن عَبْد الله بن عبد الصَّمَد البَغْدَاديّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَقْت عَبْد الأوَّل بن عِيسَى بن شُعَيْب، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد الدّاوُودِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن أحْمَد بن حَمُّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أبو عِمْران عِيسَى بن عُمَر بن العبَّاس السَّمَرْقَنْديّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن [عبد الرَّحْمن] (a) بن بَهْرَام الدَّارِمِيّ (١)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن يُوسُف، عن سُفْيان، عن أَبِيهِ، عن عَبَايَة بن رِفَاعَة، عن جَدِّه رَافِع بن خَدِيْج أنَّ بَعِيْرًا نَدَّ وليس في القَوْم إلَّا خَيْل يَسِيْرة، فرَمَاهُ رَجُل بسَهْمٍ فحَبَسَهُ، فقال له رسُول الله ﷺ : إنَّ لهذه البَهَائِم أوَابدَ كأوَابدِ الوَحْش فما غَلَبَكُم منها فاصْنَعُوا به هكذا.
أخْبَرَنا أبو إسْحاق إبْراهيم بن عُثْمان بن يُوسُف الكَاشْغَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن عليّ الكَاغَدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن الحُسَين الطُّرَيْثِيثِيّ، ح.
стр. 4517
قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن الحَسَن بن خَيْرُون، قالا: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن جَعْفَر بن دَرَسْتَوَيْه، قال: حَدَّثَنَا أبو يُوسُف يَعْقُوب بن سُفْيان (١)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن المُنْذِر الحِزَامِيّ، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن طَلْحَة، عن حُسَيْن بن ثَابِت بن أنس بن ظُهَيْر، وأُخْته سُعْدَى بنت ثَابِت، عن أبيهما، عن جَدِّهما، قال: لمَّا كان يَوْم أُحُد حَضَرَ رَافِع بن خَدِيْج مع رسُول الله ﷺ ، فكأنَّ رسُول الله ﷺ اسْتَصْغَرَهُ، فقال: هذا غُلَامٌ صَغِيرٌ وهَمَّ بردِّهِ، فقال [عَمُّ] (a) رَافِع بن خَدِيْج ظُهَيْر: رَافِع يا رسُولَ الله ابن أخي رَجُلٌ رَامٍ، فأجازَهُ، فأُصِيْبَ يَوْم أُحُدٍ بسَهْمٍ في لبَّتِهِ -أو في صَدْرِه؛ شَكَّ مُحَمَّد بن طَلْحَة- قال: فانْتَضَل النَصْل، فجاءَ بهِ عَمُّه ظُهَيْرُ بن رَافِع إلى رسُول اللهِ ﷺ فقال: يا رسُول الله، ابن أخي أُصِيْب بسَهْمٍ، قال: ما شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أنْ تُخْرجَهُ أخْرجناه، وإنْ أحبَّ أنْ نَدَعهُ؛ فإنْ ماتَ وهو فيه ماتَ شَهِيْدًا، قال: أَدَعُه يا رسولَ الله. قال إبْراهيم: قال لي مُحَمَّد بن طَلْحَة: فكان الحُسَين والمَرْأةُ يُحَدِّثان عن أبيهما عن جَدِّهما أنَّهُ كان يقُول: كان إذا سَعَلَ رَافِعٌ شَخَصَ النَصْل من وراءِ اللَّحْم حتَّى ينظرَ إليه.
قال لي مُحَمَّد بن طَلْحَة: هَلَكَ رَافِع بن خَدِيْج في زَمَن مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان (b).
أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل المَقْدِسِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم خَلَفُ بن عَبْدِ المَلِك بن بَشْكُوَال في كتابهِ إليَّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بنُ عَتَّاب،
стр. 4518
وأبو عِمْران بن أبي تَلِيْد إجَازَةً، قالا: أخْبَرَنا أبو عُمَر النَّمَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم خَلَفُ بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ سَعيد بن عُثْمان بن السَّكَن، قال: ومن الصَّحَابَةِ مَن اسْمُه رَافِع جَمَاعَة منهم: رَافِع بن خَدِيْج بن رَافِع بن عَدِيّ بن زَيْد بن جُشَم بن حَارِثَة بن الحَارِث بن الخَزْرَج، أبو عَبْدِ الله الأنْصَاريّ الحَارِثِيّ، مَدِيْنِيٌّ ماتَ قبل ابن عُمَر في سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين، وماتَ وهو ابنُ ستٍّ وثمانين، أجَازَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْم أُحُدٍ، ويُقالُ إنَّهُ رُمِي يَوْم أُحُدٍ بسَهْمٍ فانتقضَتْ في زَمنِ مُعاوِيَة، وأُمُّه [حَلِيْمَة] (a) بنتُ عُرْوَة بن مَسْعُود بن سِنَان بن عَامِر بن الخَزْرَج، وروى رَافِع [عن] رسُول اللهِ ﷺ أحَادِيْثَ يَسِيْرةً، وهو ابنُ أخي ظُهَيْر [ومُظَهَّر] ابني رَافِع بن عَدِيٍّ.
وشَهِدَ رَافِعٌ أُحُدًا والخَنْدَق والمَشَاهِد كُلّها، وكان أصَابَهُ يَوْم أُحُدٍ سَهْمٌ في تَرْقُوتهِ، فقال له النَّبِيُّ ﷺ (١): إنْ شِئْتَ نَزعْت السَّهْمَ وتركت القُطْبَة (b)، وشَهِدْتُ يَوْم القِيامَة أنَّكَ شَهِيْد فتَرَكَها. وكان إذا ضَحِكَ واسْتَغْرب بَدَا ذلك السَّهْم.
أسْقَطَ ابنُ السَّكَن في نَسَبه بين زَيْدِ وجُشَم: عَمْرو بن يَزِيد، واللهُ أعْلَمُ.
أنْبَأنَا أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد الله الأسَدِيّ، عن مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عَبد الوَهَّاب بن أبي عَبْد الله بن مَنْدَة إذْنًا، قال: أخْبَرَنا [حَمْد] (c) بن عَبْدِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي حَاتِم (٢)، قال:
стр. 4519
رَافِعُ بنِ خَدِيْج الحَارِثِيّ الأَوْسِيّ البَصْرِيّ (١) المَدِيْنِيّ أبو عَبْد الله الأنْصَاريّ، له صُحْبةٌ، رَوَى عنهُ السَّائِب بن يَزِيد، ومُجَاهِدٌ، وعَطَاء، والشَّعْبِيّ، وابن ابنهِ عَبَايَةُ بن رِفَاعَة؛ سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك، ورَوَى عَنْهُ ابنُ عُمَرَ، ومَحْمُود بن لَبِيْد، وعَمْرَةُ بنتُ عبد الرَّحْمن.
أخْبَرَنا أبو الفُتُوح نَصْر بن أبي الفَرَج الحُصْرِىِّ، فيما كَتَبَ به إلينا من مَكَّة، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عليّ الأَشِيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَلِيد يُوسُف بن عَبْد العَزِيْز بن الدَّبَّاغ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد العَزِيْز بن ثَابِت، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر يُوسُف بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عَبْد البَرِّ (٢)، قال: رَافِع بن خَدِيْج بن رَافِع بن عَدِيّ بن زَيْد بن عَمْرو بن يَزِيد (a) بن جُشَم الأنْصَاريّ الحَارِثِيّ (b) الخَزْرَجيّ، يُكْنَى أبا عَبْدِ الله، وقيل: أبا خَدِيْج، رُوِي [عن ابن عُمَر] أنَّهُ قال له: يا أبا خَدِيْج، وأُمُّه حَلِيمة بنتُ مَسْعُود (c) بن سِنَان بن [عَامِر بن عَدِيّ بن أُمَيَّة] بن بَيَاضَة الأنْصَاريّ، هو ابن أخي ظُهَيْر ومُظَهَّر [ابْنَي رَافِع بن عَدِيّ]، رَدَّهُ رسُول اللهِ ﷺ يَوْم بَدْرٍ لأنَّهُ [اسْتَصْغَرَهُ]، وأجَازَهُ يَوْم أُحُدٍ، شَهِدَ أُحُدًا والخَنْدَقَ وأكْثَر المَشَاهِد، [وأصَابَهُ] يَوْم أُحُدٍ سَهْمٌ، فقال له رسُول الله ﷺ : أنا أشْهَدُ لك يَوْم القِيامَة، وانتقضَتْ جراحتُهُ في زَمَن عَبْدِ المَلِك بن مَرْوَان، فمات قبل ابن عُمَر [بيَسِيْر] (d) سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين وهو ابنُ ستٍّ وثَمانين.
стр. 4520
قال الوَاقِدِيّ: ماتَ في أوَّل سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين وهو بالمَدِينَة.
قال أبو عُمَر (١) ﵀: رَوَى عَنْهُ ابنُ عُمَر، ومَحْمُود بن لَبِيْد، والسَّائِب بن يَزِيد، وأُسَيْد بن ظُهَيْر. ورَوَى عنهُ من التَّابِعِين من دُون هؤلاء: مُجَاهِد، وعَطَاء، والشَّعْبِيّ، وابنُ ابنهِ عَبَايَةُ بن رِفَاعَة بن رَافِع، وعَمْرَةُ بنتُ عبد الرَّحْمن. شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁.
قُلتُ: وهكذا نَسَب ابن عَمّه أُسَيْد بن ظُهَيْر بن رَافِع بن عَدِيّ بن زَيْد بن عَمْرو بن يَزِيد بنِ جُشَم، وكان ابن عَمّه لَحًّا، وزَادَ بعد جُشَم بن حَارِثَة بن الحَارِث بن الخَزْرَج بن عَمْرو بن مَالِك بن أَوْسٍ الأنْصَاريّ الحَارِثِيّ.
وقال في تَرْجَمَةِ عَمِّه (٢): ظُهَيْرُ بن رَافِع بن عَدِيّ بن زَيْد بن جُشَم بن حَارِثَة بن الحَارِث بن الخَزْرَج بن عَمْرو، [وهو] النَّبِيْتُ بن مَالِك بن الأَوْس (a)، وشَهِدَ أُحُدًا وما بعدها من المَشَاهِد، هو وأخُوه مُظَهَّر بن رَافِع، وهو عَمُّ رَافِع بن خَدِيْج ووالدُ أُسَيْد [بن ظُهَيْر].
فذَكَرَ نَسَب أُسَيْد بن ظُهَيْر مُوَافقًا لنَسَب رَافِع بن خَدِيْج، [وأدْخَل في] نسْبَته ظُهَيْرًا: عَمْروًا ويَزِيْد فيما بين زَيْد وجُشَم كما فَعل [ابن السَّائِب]، وقال في ذِكْر رَافِع بن خَدِيْج: الحَارِثِيّ الخَزْرَجيّ، وليس بخَزْرَجيّ! [إنَّما هو] أَوْسِيّ من وَلد أَوْس أخي الخَزْرَج الأكْبَر الّذي هو أصْل الخَزْرَج، [وقال في] نَسَب رَافِع: الخَزْرَج، وهو الخَزْرَج الأصْغَر بن عَمْرو بن مَالِك [بن الأَوْس] ولا يُنْسَب إليه الخَزْرَجيّ، ورُبَّما تُوهُّم أنَّهُ من أوْلادِ الخَزْرَج [الأكْبَر] أصْلُ الفَخذ الثَّاني، وليس به.