أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو هاشِم الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد هِبَة الله بن أحْمَد بن عَبْدِ الله بن طَاوُوس الشَّامِيّ، إمَام جَامِع دِمَشْق بها، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن مُحمّد الخَطِيبُ بالأنْبَارِ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن مُحَمَّد العَلَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحُسَين بن صَفْوَان البَرْدَعِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عُبَيْد القُرَشِيّ (a)، [قال] (b): حَدَّثَنا [عَبْدُ الرَّحْمن بن صالحِ] (c) الأزْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَعيدُ بن عَبْدِ الله بن الرَّبِيْع بن خُثَيْم، عن نُسَيْر بن ذُعْلُوق، عن بَكْر بن مَاعِز، عن الرَّبِيْع بن خُثَيْم أنَّهُ كان إذا قيل له: كيفَ أصْبَحْتَ؟ قال: أَصْبَحْنا ضُعَفَاءَ مُذْنبينَ؛ نَأكُلُ أرْزَاقَنا، ونَنْتَظِر [آجالَنا] (d).
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو المَكَارِم بن مُحَمَّد اللَّبَّان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَدَّادُ، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظ (١)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن سِنَانٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس السَّرَّاج، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان بن وَكِيع، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان بن عُيَيْنَة، عن عُمَر بن ذَرّ، قال: قيل للرَّبْيِع بن خُثَيْم: كيفَ أصْبَحْتَ يا أبا يَزيد؟ قال: أَصْبَحْنا ضُعَفَاءَ مُذْنبِين؛ نَأكُلُ أرْزَاقَنا، ونَنْتَظِرُ آجالَنا.
وقال أبو نُعَيْم (٢): حَدَّثَنا عَبْد الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن شِبْلٍ (e)، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي شَيْبَة، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مَهْدِي، قال: حَدَّثَنَا
стр. 4552
سُفْيان الثَّوْرِيّ، عن أَبِيهِ، عن أبي يَعْلَى، قال: كان الرَّبِيْع إذا قيل له: كيفَ أصْبَحْتُم؟ يَقُول: ضُعَفَاء مُذْنبين؛ نَأكلُ أرْزاقَنا، ونَنْتظِر آجَالَنا.
قال أبو نُعَيْم (١): حَدَّثَنَا أحْمَد بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أحْمَد، قال: حَدَّثنَا سُرَيْج (a) بن يُونُس، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر، عن حَبِيْب بن حَسَّان، عن مُسْلمِ البَطِيْن أنَّ الرَّبِيْع بن خُثَيْم جاءَتْهُ ابْنَتُهُ فقالت: يا أبَتاهُ، أذْهَبُ ألْعَبُ؟ قال: اذْهبي فقُولي خَيْرًا.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن إبْراهيم المَقْدسِيّ، قال: أخْبَرَتْنا تَجَنِّي بنتُ عَبْد الله الوَهْبَانِيَّة، قالت: أخْبَرَنا الحُسَين بن مُحَمَّد بن طَلْحَة النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحَسَن بن المُنْذِر، قال: أخْبَرَنا الحُسَينُ بنُ صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عِمْران الأَخْنَسِيّ، قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن فُضَيْلٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو حَيَّان التَّيْمِيّ، عن أَبِيهِ، قال: رأيْتُ لبنْت الرَّبِيْع بن خُثَيْم ابْنَةً (b) فقالت: يا أبَتَاهُ، أذْهَبُ ألْعَبُ؟ فقال: يا بُنَيَّة، اذْهَبي قَوْلي خَيْرًا.
وقال: حَدَّثَنَا ابن أبي الدُّنْيا (٣)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن عَبْدِ الله الأسَديّ، قال: حَدَّثَنَا قَيْس بن سُلَيم العَنْبَرِيّ، عن جَوَّاب (c) التَّيْمِيّ، قال: جاءت أُخْتُ الرَّبِيْع بن خُثَيْمٍ عَائِدةً إلى بُنيّ له، فانْكَبَّتْ عليه، فقالت: كيفَ أنْتَ يا بُنيّ؟ فَجَلسَ رَبِيْع فقال: أرْضَعْتِيه؟ قالت: لا، قال: ما عليك لو قُلْتِ: يا ابنَ أخي؟ فصَدَقْتِ.
стр. 4553
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج، قال: أخْبَرَنا أبو المَكَارِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن مَالِك، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أحْمَد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثَني أحْمَد بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا سَهْل بن مَحْمُود، قال: حَدَّثَنَا مُبَارَك بن سَعِيْد، عن يَاسِيْن الزَّيَّاتِ، قال: جاءَ ابنُ الكَوَّاء إلى الرَّبِيْع بن خُثَيْم، قال: دُلَّني على مَنْ هو خَيْر منكَ، قال: نَعَم، مَنْ كان مَنْطِقهُ ذِكْرًا، وصَمْتهُ تَفَكُّرًا، ومَسِيْرهُ تَدَبُّرًا، فهو خَيْرٌ منِّي.
قال أبو نُعَيْم (١): حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن المُسَاوِر، قال: حَدَّثَنَا سَهْل بن عُثْمان، قال: حَدَّثنا سَعيد بن عَبْد الله، عن نُسَيْر بن ذُعْلُوق، عن بَكْر بن مَاعِزٍ، قال: قال ابنُ الكَوَّاء للرَّبِيْع بن خُثَيْم: ما نَرَاك تَعِيْبُ أحدًا ولا تَذمُّه؟ فقال: وَيْلَكَ يا ابنَ الكَوَّاءِ، ما أنا عن نَفْسِي برَاضٍ فأتَفرَّغ من ذَنْبي إلى حَدِيثِ النَّاسِ، إنَّ النَّاسَ خَافوا الله على ذُنُوب النَّاسِ وأمنُوهُ على نفُوسهم.
وقال (٢): حَدَّثَنَا أبو حَامِد بن جَبَلَة، قال: حَدَّثنا أبو العبَّاس السَّرَّاج، قال: حَدَّثَنَا أبو هَمَّام، قال: حَدَّثنا سَعيدُ بن عَبْد الله بن الرَّبِيْع، عن أبي طُعْمَة نُسَيْر بن ذُعْلُوق، عن بَكْر بن مَاعِز، قال: قال الرَّبِيْع بن خُثَيْم: النَّاس رَجُلَان: مُؤْمِنٌ وجَاهِلٌ؛ فأمَّا المُؤْمِنُ فلا تُودّه (a)، وأمَّا الجَاهِل فلا تُجَاهِلْهُ.
وقال (٣): حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن مَالِك، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن أحْمَد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيد بن شُجاعٍ، قال: حَدَّثَنَا خَلَفُ بن خَلِيفَة، عن سَيَّارٍ أبي الحَكَم، عن أبي وَائِل، قال: أتَينا الرَّبْيِع بن خُثَيْم، فقال: ما جاءَ بكُم؟ قُلْنا: جِئْنا لتَحْمَدَ
==
(a) الحلية: تؤذه.
стр. 4554
الله ونَحْمَدهُ معك، وتَذْكُرَ الله ونَذْكُرَهُ معك، قال: الحَمْدُ للّهِ الّذي لَم تَأتُوني تقُولُون: جئنا تَشْرَبُ فنَشْرب معك، وتَزْني فنَزْني معكَ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن إبْراهيم المَقْدِسِيّ، قال: أخْبَرَتْنا تَجَنِّي بنتُ عَبْد الله، قالت (a): أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا الحُسَين بن صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي الدُّنْيا (١)، قال: حَدَّثَني عليّ بن الحَسَن (b)، عن زَيْد بن الحُبَاب، عن صالحِ بن مُوسَى، عن أَبِيهِ، قال: سَمِعَ الرَّبِيْع بن خُثَيْم رَجُلًا يُلَاحِي رَجُلًا، فقال: مَهْ! لا تَلفْظ إلَّا بخَيْر، ولا تَقُل لأخيك إلَّا ما تُحِبُّ أنْ تَسْمَعَهُ من غيرك؛ فإنَّ العَبْدَ مَسْؤُولٌ عن لَفْظه مُحْصَىً عليه ذلك ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (٢).
أخْبَرَنا يُوسُف بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو المَكَارِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَدَّاد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظ (٣)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن سِنَان، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس السَّرَّاج، قال: حَدَّثَنَا أبو قُدَامَة عُبَيْد الله بن سَعيد، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان، عن سَالِم بن أبي حَفْصَة، عن مُنْذِر الثَّوْرِىِّ، عن الرَّبِيْع بن خُثَيْم، قال: حَرْف وأيّما حَرْف! مَنْ يُطع الرَّسُولَ فقد أطَاعَ الله.
وقال أبو نُعَيْم (٤): حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن مَالك، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أحْمَد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثَنَا هَنَّاد بنُ السَّرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحْوَص، عن سَعيد بن مَسْرُوق، عن مُنْذِر الثَّوْرِيّ، قال: قال الرَّبِيْع بن خُثَيْم: سُوْرةٌ يَرَاها النَّاس قَصِيْرة، وأنا أرَاها طَوِيلَةً عَظيِمة، لله تعالَى بَحْتًا ليسَ لها خِلْطٌ، فأيُّكم قَرَأها فلا يَجْمعنَّ إليها شيئًا، اسْتِقْلالًا لها، وليَعْلَم أنَّها مُجْزئة؛ يعني: سُوْرة الإخْلَاصِ.
стр. 4555
وقال (١): حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن العبَّاسِ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم الحَرِبيِّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُقَاتِل، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المُبارَك، عن سُفْيان، ح.
قال: وحَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد بن حَيَّان، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن الصَّبَّاح، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوب الدَّوْرَقيّ، قال: حَدَّثَنَا الأشْجَعيِّ، قال: سَمِعْتُ سُفْيان يَقُول: قال الرَّبِيْع بن خُثَيْم: أريدُوا هذا الخَيْر بالله (a) تَنَالُوه لا بغَيْره، وأكْثِروا ذِكْرَ هذا المَوْت الّذي لَم تَذُوقُوا قَبْله مثْلَهُ، فإنَّ الغَائِب إذا طالَتْ غَيْبَتُه رُجِيَتْ جَيْئَتُهُ (b)، وانْتَظَرهُ أهْلُه، وأوْشَك أنْ يَقْدم عليهم.
وقال (٢): حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن العبَّاسِ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم الحَرْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْرٍ، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن عَبْدِ الله، عن نُسَيْر، عن بَكْر بن مَاعِزٍ، قال: كان الرَّبِيْع يَقُول: أكْثِرُوا ذِكْرَ هذا المَوْت الّذي لَم تَذُوقُوا قَبْلَهُ مثْلَهُ.
وقال (٣): حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ شِبْل، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا وَكِيع، عن سُفْيان، عن أَبيِهِ، عن أبي يَعْلَى، عن الرَّبِيْع بن خُثَيْم، قال: ما غائبٌ يَنْتَظرهُ المُؤْمِن خَيْرٌ من المَوْت.
وقال (٤): حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن سِنَان، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس، قال: حَدَّثَنَا هَنَّاد، قال: حَدَّثَنَا أبو زُبَيْد، عن حُصَيْن، قال: قال الرَّبِيْعُ بن خُثَيْم: عَجِبْتُ لمَلَك المَوْت ولثَلاثةٍ: لمَلِك مُمَنَّعٍ (c) في حُصُونه يأتيهِ مَلَكُ المَوْت فيَنْزِع نَفْسَهُ ويدَعُ مُلْكَه خَلْفَهُ، ومِسْكِين مَنْبُوذ بالطَّريق يقْذَره النَّاسُ أنْ يَدنُوا منه لا يَقْذَرهُ مَلَكُ المَوْتِ أنْ يأتِيَهُ فيَنْزِع نَفْسَه، ولطَبِيْبٍ نِحْرير يَأتيهِ مَلَكُ المَوْت فيَنْزِع نَفْسَه، ويَدَعُ طِبَّهُ خَلْفَهُ.
стр. 4556
وقال (١): حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن مُصْعَب، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الجَبَّار بن العَلَاء، قال: حَدَّثَنَا مَرْوَان بن مُعاوِيَة، قال: حَدَّثَنَا الرَّبِيْع بن المُنْذِر، عن أَبِيهِ، قال: قال الرَّبِيْع: يا مُنْذِر، قُلتُ: لَبَّيْكَ، قال: لا يَغُرُنَّكَ كَثْرة اليَأس (a) من نَفْسكَ فإنَّهُ خَالِصٌ إليك عَملُكَ.
وقال (٢): حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن مَالِك، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أحْمَد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثَني أحْمَد بن [إبْراهيم] (b)، قال: حَدَّثَني عُثْمان بن زُفَر، قال: حَدَّثَنَا رَبِيْعُ بن مُنْذِر، عن أَبِيهِ الرَّبِيْع بن خُثَيْم، قال: كُلّ ما لا تَبْتَغي بهِ وَجْه الله يَضْمَحلّ.
أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن حَنْبَل، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مَهْدِي، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن النَّضْرِ الحَارِثِيّ، قال: كان الرَّبِيْعُ بن خُثَيْم يَقُول: تَفَقَّه ثُمَّ اعْتَزِل.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو شُجاع عُمَر بن أبي الحَسَن بن نَصْر البِسْطَامِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَنِ عليّ بن أحْمَد بن الحَسَن المُوَحِّد، قال: أخْبَرَنا أَبو المُظَفَّر هَنَّادُ بن إبْراهيمَ النَّسَفِيّ القَاضِي، قال: سَمِعْتُ عليّ بن عُمَر بن بِلَال، قال: سَمِعْتُ عليّ بن أحْمَد بن عليّ الوَرَّاق، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحَسَن الزَّاهِد يَقُول: أصَابَ ابن خُثَيْم فَالِجٌ، فقيل له: لو تَدَاوَيْتَ؟ فقال: قد هَمَمْتُ ثمّ ذكرْتُ ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ (٣) كانت
стр. 4557
فيهم الأوْجَاع، وكان فيهم الأطِبَّاء، فهَلَكَ المُدَاوِي والمُدَاوَى، ولَم يغنِ الدَّوَاء شيئًا.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو عبد الرَّحْمن مُحمّد بن مُحمَّد الكُشْمَيْهَنِيِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد جَعْفَر بن أحْمَد بن الحُسَين القَارئ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن أحمد بن شَاذَان، قال: أخْبَرنا عَبْدُ الله بن إسْمَاعِيل الهَاشِميّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عُبَيْدٍ القُرَشِيّ (١)، قال: حَدَّثَني أبي، قال: أخْبَرَنا عليّ بن شَقِيْق، عن عَبْد الله بن المُبارَك، عن سُفْيان الثَّوْرِيّ، قال: كَتَبَ الرَّبِيْعُ بن خُثَيْم إلى بَعْضِ إخْوَانه: أنْ زُمَّ (a) جهَازَك، وكُن وَصِيّ نَفْسِك، ولا تَجْعَل أوْصيَاءَك الرِّجَال.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاجِ، قال: أخْبَرَنا أبوِ المَكَارِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم (٢)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن سَلْم، قال: حَدَّثَنَا هَنَّاد بن السَّرِيّ (٣)، قال: حَدَّثَنَا المُحَارِبِيّ، عن عَبْد المَلِك بن عُمَيْر، قال: قيل للرَّبِيْع بن خُثَيْم: ألَا نَدْعُو لك طَبِيْبًا؟ قال: أَنْظِرُوني، قال: فتَفَكَّر، ثُمَّ قال: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ (٤)، قال: فذَكَرَ من حرْصهم على الدُّنْيا، ورَغْبَتهم كانت فيها، وقال: قد كانت فيهم أطِبَّاء وكان فيهم مَرْضَى، فلا أرَى المُدَاوِي بَقِي ولا المُدَاوَى، وأُهْلِك (b) النَّاعِت والمَنْعُوت (c)، لا حَاجَة لي فيه.
стр. 4558
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظ (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ بن أبي بَكْر، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم النَّسِيبُ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن رَشَاءُ بن نَظِيف، ح.
وأخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مَحْمُود بن المُلَثَّم بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم البُوْصِيرِيّ، وأبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بن حَمْد الأرْتَاحيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين -قال ابنُ حَمْد: إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد العَزِيْز بن الحَسَن بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّاب- قالا: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد الضَّرَّاب، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مَرْوَان المالِكيِّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن علي الوَرَّاق، قال: حَدَّثَنَا الحِمَّانيُّ، عن المُحَارِبِيّ، عن عَبْد المَلِك بن عُمَيْر، قال: قيل للرَّبِيْع بن خُثَيْم في مَرَضِه الّذي ماتَ فيه: ألَا نَدْعُو لك طَبِيْبًا؟ قال: أَنْظِرُوني أَتَفَكَّر (a)، ثُمَّ تَفّكَّر فقال: إنَّ ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ (٣) قد كانت فيهم أطِبَّاءُ، فما أَرَى المُدَاوِي بَقي ولا المُدَاوَى.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم أحْمَد بن عَبْد الله بن عبد الصَّمَد، قال: أخْبَرَنا أبو الوَقْت عَبْد الأوَّل بن عِيسَى، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الدَّاوُودِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَمُّويّ، قال: أخْبَرَنا أبو عِمْران السَّمَرْقَنْديّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الدَّارِمِيِّ (٤)، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن عَوْن، قال: حَدَّثَنَا أبو حَيَّان التَّيْمِيِّ، عن أَبِيهِ، قال: كَتَبَ
стр. 4559
الرَّبِيْعُ بن خُثَيْم وَصِيَّتَهُ: بِسْمِ الله الرَّحْمن الرَّحِيْم، هذا ما أوْصَى به الرَّبِيْعُ بن خُثَيْم، وأشْهَد اللهَ عليه، وكَفَى به شَهِيْدًا، وجَازِيًا لعِبَاده الصَّالِحين ومُثِيْبًا، بأنْ رَضِيتُ بالله رَبًّا، وبالإسْلَام دِيْنًا، وبمُحَمَّد نَبيًّا، وأنْ آمُر نَفْسِي ومَنْ أطَاعَني أنْ نَعْبُد الله في العَابِدِين، ونَحْمَدَهُ في الحَامِدِين، وأنْ نَنْصَح لجَمَاعَةِ المُسْلمِيْن.
أخْبَرَنا يُوسُف بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو المَكَارِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظُ (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو أحْمَد مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُوسَى بن العبَّاسِ، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ بن سَعيد، قال: حَدَّثَنَا جَرِير، عن أبي حَيَّان التَّيْمِيّ، عن أَبِيهِ، قال: كانت وَصِيَّة الرَّبِيْع: هذا ما أوْصَى بهِ الرَّبِيْعُ، ح.
قال: وحَدَّثَنَا أحْمَدُ بن جَعْفَر بن حَمْدَان، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن أحْمَد بن حَنْبَل، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا وَكِيع، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان، عن أَبِيهِ، عن مُنْذِرٍ الثَّوْرِيّ، عن الرَّبِيْع أنَّهُ أوْصَى عند مَوْتهِ، فقال: هذا ما أوْصَى به الرَّبِيْعُ على نَفْسه، وأشْهَدَ الله عليهِ، وكَفَى بهِ شَهِيْدًا، وجَازِيًا لعبَادِهِ الصَّالِحينَ ومُثِيْبًا، بأنِّي رَضِيْتُ باللهِ رَبًّا، وبمُحَمَّدٍ نَبيًّا، وبالإسْلَام دِيْنًا، ورَضِيتُ لنَفْسِي ومَنْ أطَاعَني بأنْ أعبُدَهُ في العَابِدِين، وأحْمَدَهُ في الحَامِدِين، وأنْصَح لجَمَاعَةِ المُسْلمِيْنَ.
قال أبو نُعَيْم (٢): رَوَاهُ شُعْبَةُ، عن سَعيد بن مَسْرُوق، عن الرَّبِيْع. قال شُعْبَة: فقُلْتُ لسَعيْد: مَنْ حَدَّثك بهذا؟ قال: حَدَّثنيهِ الحَسَنُ عن الرَّبِيْع مثْلَهُ.
قال أبو نُعَيْم (٣): حَدَّثَنَا عَبْد الله بنُ مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ أبي سَهْلٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي شَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا ابن مَهْدِي، عن سُفْيان، عن سُرِّيةِ
стр. 4560
الرَّبِيْع، قالت (a): لمَّا حُضِرَ الرَّبِيْع بَكَت ابْنَتُه، فقال: يا بُنَيَّة، لِمَ تَبْكِين، قُوْلي: يا بُشْرَاي؛ لَقِي أبي الخَيْرَ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِيْن، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بن حَمْد بن حَمَّاد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن الحُسَين بن عُمَر الفَرَّاء في كتابهِ، عن أبي إسْحاق الحَبَّالِ وخَدِيجَة المُرَابِطَة -قال الحَبَّال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الطَّرَسُوسيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الحُسَين، وقالت خَدِيجَةُ: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الأَذَنيِّ، قال: حَدَّثَني أبو الحَسَن بن الحُسَين - قالا: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا الفِرْيَابيِّ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان، عن أبي حَيَّان أنَّ الرَّبِيْع بن خُثَيْم قال عند مَوْته: لا تُعْلِمُوا بي أحدًا، وسُلُّوني إلى رَبِّي سَلًّا.
أنْبَأنَا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد الصُّوْفيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبارَكُ عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الحَرْبِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ البَاقِي بن قَانِع، قال: سَنَة إحْدَى وسِتِّين: الرَّبِيْع بن خُثَيْم، يَعْني ماتَ فيها (b).
الرَّبِيْعُ بن زِيَاد بن سَابُور -ويُقال: ابن سُلَيم بن سَابُور- الحَرَشِيّ مَوْلاهُم الكَاتِبُ (١)
كان بالرُّصَافَة كَاتبًا لهِشَام بن عَبْد المَلِك على الرَّسَائِل، ووَلِيَ خَاتمهُ وحِجَابَهُ وحَرَسَهُ، وحَكَي عن هِشَام بن عَبْد المَلِك، وحَكَي عنه عليّ بن مُحَمَّد المَدَائنيّ (c).
стр. 4561
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن الشِّيْرَازيّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايتَه عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب المَاوَرْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن السِّيْرَافِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن إسْحاق، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بن خَيَّاط (٢) قال في تَسْمِيَةِ عُمَّال هِشَام: الخَاتم: الرَّبِيْع بن زِيَاد بن سَابُور (a) مَوْلَى بني الحَرِيْشِ الحَرَشِيّ، [الحَرَسُ] (b) نُصَيْر مَوْلاهُ، ثُمَّ عَزَلَهُ ووَلَّى الرَّبِيْع بن زِيَاد مع الخَاتم الصَّغير والخَاصَّة (c).
أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (٣)، قال: الرَّبِيْع بن زِيَاد بن سَابُور -ويُقال: ابن سُلَيم بن سَابُور- الحَرَشِيّ مَوْلاهُم الكَاتِبُ، كان حَاجِبًا لهِشَام بن عَبْد المَلِك، وكان على خَاتمِهِ وحَرَسِهِ، وحَكَي عن هِشَام، حَكَي عنه عليّ بن مُحَمَّد المَدَائنيّ (d) وأظُنُّه لَم يَلْقَهُ.
وذَكَرَ أبو الحُسَين الرَّازِيّ أنَّ الرَّبِيْع بن زِيَاد كان كَاتبًا لهِشَام بن عَبْد المَلِك على الرَّسَائِل والخَاتم.
رَبِيْع بنُ عَبْدِ الله الحَمَوِيُّ الشَّامِيُّ
كان من أهْلِ الحَدِيْث، من أهْلِ حَمَاة.
رَوَى عنهُ الشَّريف النَّسَّابَة أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أَسْعَد بن عليّ الجَوَّانِيّ،
стр. 4562
ونَقَلْتُ من خَطِّه في كتابهِ المُسَمَّى بالجَوْهَر المَكْنُون في النَّسَب (١)، قال مُؤلِّفُ هذا الكتاب الشَّريفُ النَّسَّابَة: وكان أحَدَ شُيُوخي في الحَدِيْث، ويُسَمَّى رَبِيْع بن عَبْد اللهِ الحَمَوِيّ الشَّافِعيّ، يَرْقِي العَقْرَبَ ويأخُذُها بعد أَنْ يَتْفل عليها قُدَّامِي، ويقُول شيئًا لا أفْهَمُه، فسَألتُه: ما تَقُول عليها؟ فقال لي: رُقْيَةٌ من بعضِ شُيُوخي يُسْندُها عن بَعْضِ مَنْ هَاجَرَ إلى الحَبَشَة أنَّهُ سَمِعَها من الحَبَشَة، يَقُولونَها ويأخُذُونَ العَقْرَبَ بها، وهي: هَلْسَا بَلْسَا بَكْفَى فَيْنَا، بَرْزَاثَا بدَهْدُوْ، هَدُّو، دَارَ بَكَزْ بالشّيْزَزْ بَكَزْ بَكَزْ مِمَّا رَكَزَ مُوْنِسَه سَمَنْكَرَه كَزَنْكَرَه، أَرَهْ. ثُمَّ قالها عليها قُدَامِى بَعْدَ أنْ تَفَلَ عليها من رِيْقِهِ، وأخَذَها، وقال لي: خُذْها أنت أيضًا، فقُلتُ: يا شَيْخ، غُرُّ غَيْري! واللهِ لا مَسَسْتُها أبَدًا، ولا دَنَوتُ منها إلَّا أنْ تكُون مَيِّتَةً، وإذا كانت مَيِّتةً ما أُمْسكُها اسْتِقْذارًا لها.
رَبِيع بن مَحْمُود بن هِبَةِ الله، أبو الفَضْل المَارِدِيْنِيّ (٢)
أحَدُ الأوْلِيَاء المَعْرُوفين بالكَرَامَات، وَرَدَ حَلَب مِرَارًا عِدَّة.
وكان له مع عَمِّي أبي غَانِم ووَالدِي صُحْبَة، وكان إذا قَدِمَ حلَبَ نَزَل بالمَسْجِد المَعْرُوف بنا، الّذي أنْشَأهُ جَدُّ أبي أبو غَانِم مُحَمَّد، وعَمر له وَالدِي زَاوِيَةً إلى جانب هذا المَسْجِد كان يَنْزلها إذا قَدِمَ حلَبَ.
وآخر قَدْمةٍ قَدِمَ حلَبَ قبل السِّتّمائة أو فيها، وخَرَجَ وَالدِي وعَمِّي إلى لقائه وأنا معهما، فالْتَقَيناهُ خَارج باب الأرْبَعِين بالقُرْبِ من خَان مَجْد الدِّين، وكُنْتُ
стр. 4563
إذْ ذاك صَبِيًّا لَم أبْلغ الحُلُم، وسَمِعَ المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي بقُدُومه فخَرَجَ إلى لقائه، فوَصَلِ طَارِدًا فَرَسَهُ، فَوَصَلَ إلينا ونحنُ معه شَرْقي مَسْجِد السبرير (a)، فتَرَجَّل له عن فَرَسه، ومَشَى إليهِ وتبَرَّك بهِ، ودَخَلَ ونحنُ معه إلى الشَّيْخ عليّ بن الصَّكاكَّ (b) أبي الحَسَن الفَاسِيّ، وأحضَرَني وَالدِي بينَ يَدَيْهِ بحَضْرَة الشَّيْخ أبي الحَسَن، واسْتَقْرَأني شَيئًا من القُرْآن العَظِيْم فقَرَأتُه، ودَعا لي ﵀.
وسَمِعْتُه في ذلك اليَوْم يقول للشَّيْخِ أبي الحَسَن: يا شَيْخ، مُتْ حتَّى نَمُوتَ! فاتَّفَقَ أنَّ الشَّيْخ أبا الحَسَن تُوفِّي سَنَة إحْدَى وستِّمائة، ثمّ تُوفِّي رَبِيْع في أوَائِل سَنَة اثْنَتَيْن وستِّمائة، ثمّ إنَّ الشَّيْخ رَبِيْع انْفَصَل منِ زَاوِيَة الشَّيْخ عليّ الفَاسِيّ ودَخَلَ معنا إلى المَسْجِد، فأقام به عندنا مُدَّة، ثمّ سَافَر.
وكان الشَّيْخ رَبِيْع حَنَفيِّ المَذْهَب، وسَمِعَ الحَدِيْث من الحافِظ أبي مُحَمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن، ورَوَى عنهُ وعن ابن أبي الصَّيْف المَكّيِّ، رَوَى لنا عنْهُ أبو الفَضْل مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أحْمَد بنِ قُرْنَاص، وعَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة، وحَكَي لي عنه أبو مُوسَى عِيسَى بن سَلامَة الحَضْرَميّ، وَأبو الحَجَّاج يُوسُف بن أبي طَاهِر الجَزَرِيّ الكُرْدِيّ، والأَمِير عليّ بن سُلَيمان بن أَيْدَاش أمير الحَاجّ الشَّاميِّ، والقَاضِي أبو عَبْد الله مُحَمَّد ابن شَيْخنا أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن ابن الأُسْتَاذ، وعَمِّي أبو المَعَالِي عبد الصَّمَد بن هِبَة الله، والشَّيْخ أبو القَاسِم الإسْعِرْديّ نَزِيلُ البَيْت المُقَدَّس، وأبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أبي سَعْد.
أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن أحْمَد بن قُرْنَاص بحَلَبَ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الصَّالِحُ أبو الفَضْل رَبِيْع بن مَحْمُود بن هِبَة اللهِ المَارِدِيْنِيّ بحَمَاة، وقد قَدِمَ علينا
стр. 4564
سَنَة إحْدَى وتِسْعِين وخَمْسِمائَة؛ قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو مُحَمَّد القَاسِم ابن الإمَام أبي القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَةِ الله الشَّافِعيّ الدِّمَشقيّ، قال: أخْبرَنا الإمَامُ أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم بن مُحَمَّد بن الفَتْحِ السُّلَمِيّ، قِرَاءةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر الحُسَين بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن طَلَّاب الخَطِيب، قِرَاءةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُمَيْع الغَسَّانيِّ (١) بصَيْدَا، قراءةً منهُ علينا في دَارِه، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد الأَذَنِيّ، قال: مَكْتُوبٌ على حَاشِيَة التَّوْراة اثْنين وعشرين حَرْفًا يَجْتَمعُ (a) إليها عُلمَاءُ بني إِسْرَائِيل يَقْرؤُونها كُلّ يَوْم، أَوَّلها: لا كَنْز أنْفَعِ من العِلْم، ولا مَال أرْبَح من الحِلْم، ولا حَسَب أرْبَح من الأدَب، ولا نَسَب أوْضَع من الغَضَب، ولا قَدر أزْيَن من العَقْلِ، ولا قَرِين أشْيَن من الجَهْلِ، ولا شَرف أكْبَر من التَّقوَى، ولا كَرَم أجْوَد من تَرْك الشَّهَوات، ولا عَقْل أفْضَل من التُقَى (b)، ولا حَسَنة أعْلَىِ من الصَّبْر، ولا سَيِّئة أسْوَأ من الفَقْر، ولا دَوَاء ألْيَن من الرِّفْق، ولا دَاء أوْجَع من الحُزْن، ولا دَلِيْل أوْضَح من الصِّدْقِ، ولا غِنَى أَسْمَي من الحَقِّ، ولا فَقْر أذَلّ من الطَّمَع، ولا عِبَادة أحْسَن من الخشُوع، ولا زُهْد خَيْر من القنُوع، ولا حَيَاة أطْيَب من الصِّحَّة، ولا حَارِس أحْرَس من الصَّمْت، ولا مَعِيْشَة أهْنأ من العَافِيَةِ، ولا غَائِب أَقْرَب من المَوْتِ.
حَدَّثَني عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن أبي جَرَادَة، وكَتَبَهُ لي بخَطِّه، قال: قال لي الشَّيْخُ رَبِيْع بن مَحْمُود: كُنْتُ مع فُقَراءٍ فىِ البَرِّيَّةِ في طَريق مَكَّة، فتَمَشَّيْتُ معهم وأبْعَدْنا أمَام الحَاجّ، فقال بعضُنا: واللهِ كُنَّا نَشْتَهي في هذا المَوضِع رُطبًا،
стр. 4565
فقال فَقِيْرٌ من الجَمَاعَة: وتريدُون ذلك؟ فقُلْنا: نعم، فمَضَى وتَوَارَى عنَّا، فجاءَنا برُطب رَطْبٍ وما على الأرْض رُطْبَةٌ واحدةٌ، فأكَلْنا (a).
أنْشَدَني أبو الحَجَّاج يُوسُفُ بن أبي طَاهِر بن عليّ الجَزَرِيّ الكُرْديُّ، قال: سَمِعْتُ الشَّيْخ رَبِيْع يُنْشد هذين البَيْتَيْن ونحنُ سَائرُونَ من مَكَّة إلى المَدِينَةِ، ولَم نَسَمعْهُ يُنْشدُ غيرهما، وكان لا يَرَى إنْشَاد الشِّعْر ولا سَمَاعَهُ، وإذا سَمِعَ أحدَنا يُنْشِد بَيْتًا يُنْكِر عليه، والبَيْتان: [من الطويل]
لَيَالٍ وأيَّامٌ تَمُرُّ خَوَاليًا … من الوَصْلِ ما فيها لِقاءٌ ولا وَعْدُ
إذا قُلْتُ هذي مُدَّةٌ قد تَصَرَّمَتْ … أتَتْ مُدَّةٌ أُخْرى تَطُولُ وتَمْتدٌ
أخْبَرَني الشَّيْخ أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بن أبي سَعْد الحَلَبِيّ، قال: كان الشَّيْخ رَبِيْع من أهْلِ مَارِدِين، وحَكَى لي أنَّهُ مَضَى إلى البَيْت المُقَدَّس ليزُورَهُ، وهو إذ ذاكَ في يَدِ الفِرِنْج، قال: وكنت أعيْشُ من عَمل الفَاعِل، وكُنْتُ أعْرف بمَارِدِين جَمَاعَةً من النَّصارَى، فنَزْلْتُ عندَهُم في القُدْس، وكُنْتُ أعْملُ عند الرُّهْبَان لأنَّهم لا يَمْنعُوني الصَّلاةَ، وكُنْتُ أقْتَاتُ ممَّا يَحْصُل لي من الأُجْرَة، وآخُذ ما يَفْضُل لي من الأُجْرَة وأزُور به الصَّخْرَةَ، وأَزِنُ للَّذي يَجْلِسُ على باب الصَّخْرَة لأخْذ الجُعْل من المُسْلمِيْن قَرْطيسًا في كُلِّ مرَّة، وكُلَّما فَضَل لي شيء فَعَلْتُ به هكذا، ودَخَلْتُ إلى الصَّخْرَة وزُرْتُ وصَلَّيْتُ، فكُنْتُ في بعضِ الأوْقَات لا أجِدُ شيئًا فجئتُ إليه يَوْمًا وليسَ معي شيء، فقال: هَاتِ، فقُلتُ: ما معي شيء، فقال: ادخُل، فأنْكَر عليه النَّصارَى، وقالُوا له: كيفَ تَتْرك هذا الرَّجُل يَدْخُل ولا تأخُذُ منه شيئًا؟ قال: فقال: إنَّهُ كان يُؤدِّي الّذي يُؤدِّيهِ من وَسْط قَلْبه، فلو كان معه شيء لأدَّاهُ؛ فلهذا تَرَكتُهُ.
стр. 4566
أخْبرَني أبو مُوسَى عِيسَى بن سَلامَة بن سُلَيم بن عَبْد الوَارِث الحَضْرَميّ الحِمْيَرِيّ، قال: كُنْتُ سَمِعْتُ أنَّ الشَّيْخ رَبِيْع بن مَحْمُود أُمِّيٌّ لا يَعْرِفُ الخَطَّ، وأنَّهُ يَقْرأ القُرْآن في المُصْحَفِ، فجِئتُ يَوْمًا إلى موضِعهِ الّذي يَقْرأ فيه القُرْآن، فتَوَارَيْتُ عنه، فسَمِعْتُهُ يَقْرأ سُوْرة الفَتْحِ ويُؤدِّىِ أداءً حَسَنًا كأنَّهُ مارَسَ القراءَةَ ومَهَرَ فيها! فسَلَّمْتُ عليه، وقُلتُ: على مَنْ قرأتَ؟ فقال لي: على الّذي أنْزَلَهُ، فقُلتُ: هذا أجْدَرُ أنْ تُخْبرني به، فأطْبَقَ المُصْحفَ، وقال لي: كُنتُ بالمَدِينَة، على سَاكنها السَّلام، أعْمَل بالفَاعِل وأسْقي بالقِرْبَة، وما يَحْصُل لي في النَّهَار أعْمَل به جَفْنَة للفُقَراءِ مُدَّة اثْنَتي عَشرة سَنَةً، ولمَّا كان بعد ذلك جَعَلتُ أرَى كُلّ مَنْ ألْقَاهُ يُكَلِّمُني بكَلَام حِكْمَة من الطَّيْر والدَّوَابّ والجَمَاد والحِيْطَان وغيرها، فشَقّ عليَّ ذلك، وقُلْتُ: لا أُطِيْقُ حَملَ هذا لأنَّني لا أُحْسِن الكتابةَ، فوَقَع لي أنْ آتي النَّبِيّ ﷺ ، وأشْكُو إليهِ ما نَزَل بي، فجِئْتهُ وشَكَوتُ إليهِ، ونمْتُ فرَأيْتُ النَّبِيّ ﷺ في المَنَام، وقال لي: يا رَبِيْع، ادْعُ الله تعالَى أنْ يُسَهِّلَ عليك قراءةَ القُرْآن في المُصْحَفِ فهي أفْضَل العِبَادَة، فقُمْتُ وتَوَضَّأتُ وجِئْتُ إلى النَّبِيّ ﷺ وصَلَّيْتُ رَكْعَتَين عنده، ودَعَوتُ الله بما أمَرَني به الرَّسُول ﷺ ، ونمْتُ فرَأيْتُ النَّبِيّ ﷺ وقال لي: يا رَبِيْعُ، افْتَح المُصْحَفَ واقْرأ، فأخَذْتُ مُصْحَفًا كان عندي ففَتَحْتُه، وجَعَلْتُ أتَتبَّع سُوَرَهُ، ويَقَع لي أنَّ هذه الكَلِمَة: الحَمْدُ، والأُخْرى: لله، وما بَعْدها كذلك إلى أنْ خَتَمْتُ القُرْآن جَمِيْعَهُ. قال: وصَارَت عبادتَهُ بعدَ ذلك إلى أنْ ماتَ ﵀.
حدَّثَني الشَّيْخُ أبو الحَجَّاج يُوسُف بن أبي طَاهِر بن عليّ الجَزَرِيّ المَعْرُوف بالمُلَقِّن، قال: كان الشَّيْخُ رَبِيْع بن مَحْمُود المَارِديْنيّ (a)، قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، لا يَدَّخِر لغَدَاءٍ من عَشَاءٍ، ولا لعَشاءٍ من غَداءٍ، وكان لا يُفْطِر في كُلِّ شَهْر غير يَوْم أو
стр. 4567
يَوْمَيْن، ويُؤْثر أصْحَابَهُ على نَفْسهِ، ولا يَأكُل من مالِ سُلْطانٍ، ولا جُنْدي، ولا من له قَطِيعةٌ (a) على وَقْفٍ، وصَحِبْناهُ مُدَّةً طَوِيلَةً في البِلَادِ مثل مَكَّة، والمَدِينَة، ودِمَشْق، وغيرها.
قال: وصَلَّيْتُ معه لَيْلَةً العشَاء الآخرة في الحَرَم الشَّريف بمَكَّة، فلمَّا فَرَغ من الصَّلاة قال لنا: قُومُوا بنا إلى العُمْرَة، وكُنَّا معه أرْبَعة نَفَرٍ وهو، فلمَّا وَصَلْنا إلى التَّنْعِيم وأحْرَمْنا بالعُمْرَة، وأقْبَلْنا إلى مَكَّة، ووَصَلْنا إلى مُتَّكأ النَّبِيّ ﷺ ، وجَلَسْنا سَاعةً نتبرَّك بأثر النَّبِيّ ﷺ ، ثُمَّ قُمْنا مُتَوَجِّهين إلى مَكَّة، فلمَّا قَرُبْنا من مَوضِعٍ يُقال له: الشُّبَيْكَة، قال لنا الشَّيْخُ رَبِيْع: قفُوا مَكانكم، فوَقَفْنا، ثُمَّ أخَذَ على يَسارِ الطَّريق ومَشَى مُتَياسِرًا إلى أنَّنا ما بَقِينا نَرَى منه في ظَلَام اللَّيْل إلَّا شَبَحهُ، فسَمِعْنَاهُ يَقُول: سَلَام عليكم ورَحْمَة الله وبَرَكاته، فتأمَّلْنا وإذا بإنْسَان وَاقِفٌ معه، فصَافَحه ووَقَف معه ساعة ثمّ عاد إلينا، فقال لنا: امضُوا فصَافِحُوه، فجئنا فسَلَّمنا عليه وصَافَحْناهُ، فوَجَدنا يَده على غَايةٍ من اللِّين والتَّرف، وقُلْنا له: ادْعُ لنا، فقال لنا: غَفَر الله لكُم، ثُمَّ جَذَب يَدَهُ منَّا، ومَشَى على حالهِ مُتَوَجِّهًا إلى العُمْرَةِ، فلمَّا جئنا إلى الشَّيْخ رَبِيْع سَألْنَاهُ عنه، فقال: هذا اسْمُهُ عَبْد المَجِيْد اليَمَنِيّ، من أهْلِ اليَمَن، يُصَلِّي الخَمْس الصَّلَوَات في الحَرَمِ ولا يَرَاهُ أحدٌ.
قال لي يُوسُف المُلَقِّنُ: ومَضَيْتُ مع الشَّيْخ رَبِيْع لَيْلَةً إلى عُمْرة الحُدَيْبِيَة، وصَلَّينا بها المَغْربَ، فلمَّا أفْطَرنا أحْرَمنا وتوجَّهنا إلى مَكَّة، وكان الطَّريق وَعْرًا، فتُهْنَا عن الطَّريق، [فقال] (b) لنا الشَّيْخُ رَبِيْع: قفُوا؛ فإنَّ الطَّريق قد اشْتَبَهُ علينا في ظَلَام [اللَّيْل] (c)، فوَقَفْنا على عزير (d) أنْ نَقفَ مكاننا إلى الصَّبَاح، ثُمَّ نَمْضي، ثُمَّ بَدَا للشَّيْخ رَأيٌ، فقال: سِيْرُوا بنا، فما أحْسَسْنَا بأنْفُسنا إلَّا في مَكَّة، حرَسَها اللهُ،
стр. 4568
فسَألْنَاهُ -بعدَ أنْ طُفْنا بالبَيْت وسَعيْنا- عن ذلك، وقُلْنا: إنَّ هذا لعَجَبٌ؛ قُلْتَ لنا: بَيِّتُوا فقد تُهْنَا، ثمّ بَدَا لكَ فسرْت بنا فجئنا على العَادَة ولَم نَتُه عن الطَّريق؟! فقال: لمَّا قُلْتُ لكم: قفُوا، اشْتَبَه عليَّ الطَّريق فقُلْتُ لكم ذلك، فبعدَ سَاعةٍ رَفَع اللهُ البَيْتَ لي حتَّى علا على جَمِيع الجِبَال فوَقَع نَظَري عليه فقَصَدْتُه ولَم أزَل أؤُمّه حتَّى وَصَلْنا.
أخْبَرَني عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة، والأَمِير عليّ بن سُلَيمان بن أَيْدَاش بن السَّلَّار، قالا: قال لنا الشَّيْخُ رَبِيْع: كُنْتُ بمَسْجِد النَّبِيّ ﷺ قَاعِدًا وجَاء رَجُلٌ تُرْكيٌّ من أتْرَاك المَدِينَة إلى فَقِيْر فىِ المَسْجِد يَسْتَفْتيه، فقال له ذلك الفَقِيْر: امْضِ إلى الشَّيْخ رَبِيْع فهو علي مَذْهَبك، يُريدُ أنَّهُ حَنَفِيّ المَذْهَب، فجاءَ إليَّ، فقال: إنَّ رجُلًا من الزَّيْدِيَّةِ له بنْتٌ، وقد سَافَر عنها زَوْجها أو غَاب، وهم يُريدُون يَفْسَخُون النِّكَاح ويُزوِّجُوني بها، فهلِ يَجُوز ذلك لي؟ فقال له الشَّيخ رَبِيْع: قد ذَكَرَ أبوِ الحُسَين القُدُورِيّ فيِ مُخْتَصَره أنَّهُ لا يَحلّ ذلك حتَّى يَبْلغ مائةً وعشرين سَنَةً من يَوْم وُلد وبعد ذلك تُزَوَّج. فقال: فأنا أفْعَل ذلك.
قال الشَّيْخُ رَبِيْع: فلمَّا انْفَصَل عنِّي أخَذَني حَيَاءٌ وخَجَلٌ من النَّبِيِّ ﷺ ، وقُلتُ: مَنْ أنا حتَّى أفْتي بمَحْضَرٍ من رسُول الله ﷺ ، أمِنَ الفُقَهَاء أنا أم من المُفْتِين؟ والله ما هذا إلَّا جُرْأةٌ عَظِيمَةٌ، وأخَذَني حَياءٌ عَظِيم وخَجَلٌ، فنمتُ وأنا قَاعِدٌ، فرَأيْتُه ﷺ وهو يَقُول لي: أفْلَحْتَ دُنيا وآخرة، لو لَم تَعْرف من العِلْم إلَّا هذه المَسْألَهَ لكفَتْكَ، قال: فاسْتَيْقَظتُ فسَمِعْتُه يقُول لي وأنا مُسْتَيقظٌ: أفْلَحْتَ دُنْيا وآخرة، لو لَم تَعْرف من العِلْم إلَّا هذه المَسْألَة لكفَتْكَ، قال: فطَابَ قَلْبي، وزَال عنِّي ما كُنْتُ أجِدُه.
قال لي عَمِّي أبو غَانِم: قال لي الشَّيْخُ رَبِيْع: كُنْتُ في طَرِيق مَكَّة ولَحِق النَّاسَ عَطشٌ شَديدٌ، وكان معي إدْوَاةٌ مَلأى من الماء، فرَأيْتُ اثْنين من الصُّوْفيَّة
стр. 4569
وهمُا مَاشِيان وقد اسودَّت وُجُوههما من شِدَّة العَطَش، فقُلْتُ لهما: تُريدان الماءَ؟ فقالا: نَعَم، فنَاولتهما الإدْوَاةَ وقُلتُ: اشْرَبا منها وخَلِّيَا لي منها، فأخَذَاهَا فشَرِبا ما كان فيها جَمِيعَهُ، ثُمَّ دَفَعاها إليَّ فأخَذْتُها وربَطتُها على الجَمَلِ، فلمَّا نَزَل الحَاجُّ أخَذْتُها وحَلَلْتُها فإذا هي مَلْأى من الماءِ.
أخْبرَني أبو مُوسَى عِيسَى بن سَلامَة الحَضْرَميّ، قال: سَافَرْتُ سَنَة سَبْعٍ وتِسْعِين وخَمْسِمائَةٍ إلى بلاد المَغْرب، فأقَمتُ بها سَنَةً، ثمّ خَرَجْتُ إلى الإسْكَنْدَرِيَّة، فلمَّا قَرُبْتُ من الإسْكَنْدَرِيَّة، رَأيْتُ في المَنَام كأنَّ الشَّيْخ رَبِيْع في الإسْكَنْدَرِيَّة، وقد فَتَح طَاقًا على البَحْر فدَعَا وقال في أثْناء دُعَائهِ: كَتَبَ اللهُ سَلامَتك يا عِيسَى، فبعدَ يَوْمَيْن أو ثلاثةٍ وَصَلْتُ إلى الإسْكَنْدَرِيَّة، وسَمِعْتُ أنَّ الشَّيْخ رَبْيِع فيها، فخَرَجْتُ إليه، وسَلَّمْتُ عليه، وقُلْتُ لهُ: رَأيتُكَ في المَنَام البَارِحَة الأُولَى وقد فَتَحْتَ الطَّاق ودَعَوْتَ بكَذَا وكَذا؟ فقال لي: نَعَم؛ كَذَا جَرَى! ثمّ قَدَّم لنا طَعَامًا فيه سَمَكٌ، ولَم يكُن له عادة بأكْل السَّمَك، فقُلتُ لَهُ: أرَاك تَأكُل السَّمَك ولَم يكُن لك بذلك عادةٌ؟ فقال لي: كُنْتُ في هذا العام بالبَيْت المُقَدَّس، فخَرَجَ على قَلْبي طُلُوعٌ، ولم يَزَل يَكْبُر إلى أنْ صَارَ قَدْر الأُتْرُجّةِ الصَّغيرة، فضيَّق عليَّ فنمتُ، فرَأيْتُ قَائلًا يقُول لي: إنْ أرَدْتَ أنْ يَزُول هذا عن قَلْبك فكُل السَّمَك؛ رَأيت ذلك مَرَّتَين أو ثلاثة، فعزمتُ على أكْلِ السَّمَك، وقُلتُ: لا أسْأل أحدًا فيهِ، إنْ قُدِّمِ بين يَدي أكَلْتُه وإلَّا فلا أسْأله، فأقَمْتُ شَهْرَين بالبَيْت المُقَدَّسِ إلى أنْ وصَلَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فعَزَم عليَّ بالتَّوَجُّهِ إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة، فرَحَلْتُ معه إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة، ونَزَلتُ عند ابن السُّكَّرِيّ، ومن عَادَتهم أَنْ يَعْملُوا لي طَعَامًا ليس فيه سَمَكٌ ولا لَحْمٌ، فصَنَعُوا لي أرُزًّا بلَبَن، فلمَّا جاء صَاحِب المَنْزل بعد العِشَاءِ الآخرة، طَلَب الأرُزّ، وكان قد جَاء إلى المَرْأهَ هَدِيَّة زِبْدِيَّة فيها سَمَكٌ مَطْبُوخِ، فوَضَعَتْها إلى جَانب زِبْدِيَّة الشَّيْخ الّتي فيها الأَرُز، فَطَفِئ السِّرَاج، فأرَادَت أنْ تدْفعَ إليه الأَرُزَّ
стр. 4570
فدَفَعت إليهِ زِبْدِيَّة السَّمَكِ، فلمَّا دَخَلَ إلى الشَّيْخ وَضَعها بينَ يَدَيْهِ، فكَشَفها فإذا فيها السَّمَك، فخَجَل صَاحِبُ البَيْت، وقال: واللهِ ما تَعَمَّدتُ ذلك، ولا عَلِمتُ أنَّ في الدَّار سَمَكًا، وأرادَ أنْ يأخُذ زِبْديَّة السَّمَك ويَرْفَعَها، فقال له الشَّيْخ: دَعْها وامْضِ وارْفَع الخُبْز، ووَجَد فيها السَّمَك، فأكَلَهُ وشَرِب مَرَقتَهُ ونَام. قال الشَّيْخُ: فرَأيْتُ ذلك الشَّخْصَ الّذي رَأيتُه فيِ بَيْت المَقْدِس في النَّوْم وقال: يا شَيْخ رَبِيْع، ألَم أقُل لك إنَّك إذا أكَلْتَ السَّمَك برِئ هذا الدَّاء، فانْتَبَهْتُ فأمْرَرتُ يَدي على صَدْري فلم أجد شيئًا.
قال لي أبو مُوسَى الحَضْرَميّ: ثُمَّ سَألتُ الشَّيْخِ رَبِيْع: ما رأيتَ فىِ خَلْوَتك هذه؛ وكان فىِ الخَلْوة خَارِج الإسْكَنْدَرِيَّة أربَعيْن يوْمًا؟ فقال لي: كُنْتُ يَوْمًا جالِسًا اقْرأُ القُرْآن فىِ المُصْحَفِ وإذا بغُلَام صَاحِب المَوضِع قد دَخَل عليَّ بِطَبَقٍ فيه مَشْمُوم نَارَنْج وليَمْوُن ورَيْحَان، فنَظَرتُ إليه، وتَرَكْتُ النَّظَر في المُصْحَف فعميتُ ولَم أرَ شيئًا! وكان زمَن الصَّيْف، فبَقِيتُ كذلك من بُكْرة ذلك اليَوْم إلى الزَّوَال، وما عَلِمْتُ من أين أتيتُ. فلمَّا كان عند الزَّوَال وَقَعَ لي أنَّ ذلك عُقُوبَة تَرْك النَّظر إلى المُصْحَف والنَّظَر إلى ذلك الطَّبَق، فكَشَفْتُ رَأسِي وسَجَدْتُ وجَعَلْتُ أتضرَّعُ إلى الله تعالَى، فأبْصَرتُ ورَفَعْتُ رَأسي، فرَأيْتُ الشَّمْس زَالت، فتَوضَّأتُ وصَلَّيْتُ.
стр. 4571
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوفِيْقِيْ
سَمِعْتُ القَاضِي جَمال الدِّين أبا عَبْد الله مُحَمَّد ابن شَيْخنا الإمَام عبد الرَّحْمن بن عَبْدِ الله بن عُلْوَان يَقُول: سَمِعْتُ الشَّيْخ رَبِيْع يقُول لي: لا شَكَّ أنَّ طَبْع البَشَرِيَّة يَغْلبُ الإنْسَانَ في كَثِيْرٍ من الأحْوَالِ؛ فإنَّني أحْكي لك أنَّني كُنْتُ نائِمًا بمَكَّة، فرَأيْتُ كأنَّني رَاكِبٌ في البَحْر على سَاحِل الشَّام، أقصدُ زيارةَ بعضِ الَأمَاكن، وكأنَّ المَرْكَب الّذي كُنَّا بهِ قد انْكَسَرت رِجْلُه، ولم يكُن معنا رِجْلٌ، فخِفْنا وكِدْنا نَغْرَق، ودَعَونا الله تعالَى، وغَلَب اليَأسُ علينا، وإذا بمَرْكَبٍ قد لَاح لنا وأقْبل، وجاء نَحونا يَمْشِي مُسْرِعًا حتَّى وَصَلَ إلينا، فأخْرَجُوا لنا رِجْلًا فعَمِلْناها لمَرْكَبنا، فسَلِمْنا.
قال: فانْتَبَهْتُ وقُلتُ: لأرْكَبنَّ البَحْرَ حتَّى أنْظُر ما يكُون من هذه الرُّؤْيا، قال: فجئتُ إلى سَاحِل جُدَّة، وطَلَبْتُ الرُّكُوبَ في بعضِ المَرَاكِب، فجَعَل أصْحَاب المَرَاكِب يَطْلبُونني، وكُلّ منهم يَطْلب أنْ أرْكَبَ معهم لحُسْن عَقِيْدتهم فيَّ، فرَكِبْتُ في بعض المَرَاكِب، وإذا به ذلك المَرْكَب الّذي عايَنْتُه في المَنَام بعَيْنهِ! قال: فسِرْنا في البَحْر، فانْكَسَرَت رِجْل المَرْكَب على [ما رَأيتُه] (a) في النَّوْم، ودَخَلَ الماءُ في المَرْكَب، وخِفْنا من الغَرَق، واسْتَولَى اليَأسُ عَلينا، وكُنْتُ كأحدهم، ولحقَني من الجُبْن والخَوْف كما لَحِقَ الباقين، مع ما ظَهَر لي من أوَائِل الأمر الّذي شَاهدتُه في المَنَام، قال: وجَعَلْتُ أَصِيح لصَاحِب المَرْكَب وهو على الصَّاري: انْظُر إلى هذه الجِهَة، وأنا أنْتَظر الفَرَج كما شَاهَدْتُ في النَّوْم، قال: فجَعَل
стр. 4572
يَنْظُر إلى تلك الجِهَة ثُمَّ صَاحَ بعد سَاعةٍ: جاءَ الفَرَجُ، قد لَاح لنا مَرْكَبٌ، قال: فجاء المَرْكَبُ الّذي شَاهدْتُه في النَّوْم على الصِّفَة الّتي شَاهدتُها، وسَاقَ نَحْونا حتَّى وَصَلَ إلينا، وقد كدْنا نَهْلِكُ، وكان معهم رِجْلٌ دَفَعُوها إلينا فأصْلَحْنا بها مَرْكَبنا، وسَلِمْنا، وللهِ الحَمْدُ.
أخْبَرَني يُوسُف بن أبي طَاهِر المَنْبِجِيّ، قال: وَرَدَ الشَّيْخ رَبِيْع بن مَحْمُود من مَكَّة إلى حَلَب، وأقام بمَسْجِد جَمال الدِّين عمِّك أيَّامًا، ثُمَّ خَطَر للشَّيْخ أبي الحَسَن عليّ الفَاسِيّ والشَّيْخ رَبِيْع وعَمّك أبي غَانِم أنْ يمضُوا لزيَارة الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء إلى دَيْر النَّقِيْرَة، فقَامُوا وخَرَجُوا، وخَرَجْتُ معهم ونحنُ أربعةٌ نَمْشي حتَّى بتْنَا بأقْذَار (١)؛ قَرْيَةُ وَالدِكَ، ثمّ قُمْنا منها وصَلَّينا الظُّهْر بحَاضِر طَيّءٍ، وأقَمْنا بها إلى العَصْر، ثُمَّ جِئنا إلى تَلّ بَاجر (٢) وَقْت المَغْرب، وكُنْتُ أَنا والشَّيْخِ رَبِيْع صَائِمَيْن؛ لأنِّي كُنتُ قد آلَيْتُ على نَفْسِي أنْ لا أُفْطِر حتَّى أخْتم القُرْآن، ولَم أكُن خَتَمْته بعد، فأتَانَا الفَلَّاحُونَ بطَعَامٍ، وجَاؤُوا في جُمْلَته بصَحْنٍ كَبير فيه بَطَّة وهم فَرحُونَ كيفَ قدَّمُوا لنا البَطَّة حتَّى نَأكُلها، فقال الشَّيْخُ رَبِيْع: كُلُوا ولا تَأكُلوا من هذه البَطَّة شَيْئًا! فامْتَثَلنا أمْرَهُ ولَم نَأكُل منها، وأنْفُسنا تَشْتَهيها، فقال الفَلَّاحُون: يا مَشَايخِ، كُلُوا فما هو لمَنْ خُبي (a) بل هو لمَن رُزِق، والْتَفَتَ الفَلَّاحُ الّذي جاء بها إلى رفِيْقه وقال: يا فُلَان، انْظُر إلى فعل ذلك الظَّالم، كيفَ ألْزَمَنا وكَلَّفَنا عمَل هذه البَطَّة وأحْوَجنا إلى أنْ نَحْتال في ثَمنها فلَم يَجْعَلَها الله في رِزْقه،
стр. 4573
وكانت في رِزْق هؤلاء السَّادَةِ، فلمَّا سَمِعْنا ذلك منهُ نَظَرَ كُلٌّ منَّا إلى صَاحِبه، وسَكَتَ، وحَمَدْنا الله تعالَى على ذلك، وعَلِمْنا أنَّ الشَّيْخ رَبِيْع كُوْشِفَ بذلك.
قال لي يُوسُف المَنْبِجِيّ: وحَجَجْتُ في بعض السِّنِيْن قَبْل أنْ يُفْتَح البَيْت المُقَدَّس بسَنةٍ، وكُنْتُ قد حَجَجْتُ مَاشِيًا في ذلك العامِ، واجْتَمَعْتُ بالشَّيْخ رَبِيْع بمَكَّة، ولَم يَشْعُر بي إلَّا وأنا نائم على باب قُبَّة الشَّرَاب، وكُنْتُ قد قيل لي إنَّهُ سَاكِنٌ بها، فرحَّب بي، وقال لي: أنْتَ رَفِيْقي إلى الشَّام بعد الوَقْفَة في هذه السَّنَة، فإنَّ في هذه السَّنَة الآتية يَفْتَحُ اللهُ البَيْت المُقَدَّس وبلاد الفِرِنْج! ولا تُعْلِم بذلك أحدًا.
فَخَرَجْتُ بعد قَضَاء الحَجِّ في صُحْبَتهِ، فلمَّا أشْرَفنا على دِمَشْق، نَزَلنا من
المَحَارة، وقال للجَمَّال: أنْتَ في حِلٍّ ممَّا فيها، وكان فيها أشْيَاء ممَّا يَحْتاج إليهِ،
وأقَمنا في دِمَشْق أيَّامًا، ثمّ صَعدْنا إلى طَبَرِيَّة، وقَدَّرَ اللهُ أنْ فُتِحَت القُدْس
والسَّاحِل في تلك السَّنَة، وحَضَرْتُ معه فُتُوح البِلَادِ كُلّها.
قال لي يُوسُف المَنْبِجِيّ: وكُنْتُ مُجَاوِرًا مع الشَّيْخ رَبِيْع في بعضِ السِّنِيْن، وأنا إذْ ذاك صَبِيٌّ، فاشْتَقْتُ إلى أهْلي، وقُلتُ: هذه السَّنَة أخْرُج إلى أهْلي إنْ جاءَني مَنْ أعْرف منهم، فلمَّا قُضِيَ الحَجّ ولَم أرَ أحدًا من أهلي ولا ممَّن أعْرفهُ من البِلاد، جئتُ في بعض الأيَّامِ وطُفْتُ بالبَيْتِ، وتقدَّمْتُ إلى الرُّكْن اليَمَانِيّ، وأنا آيسٌ من العَوْدِ إلى البِلَادِ في تلك السَّنَة، ففَتَح اللهُ عليَّ أنْ قُلتُ: يا رَبّ، إنْ رَزَقْتَني جَمَلًا أرْكَب، وخُبْزًا آكُل، وماءً أشْرَب، عُدْتُ إلى أهْلي في هذه السَّنَة وإلَّا أقَمْتُ بمَكَّة، وكان ذلك ضَحْوَة ذلك النَّهَار، وصَلَّيْتُ الظُّهْر في ذلك النَّهَار عند الشَّيْخ رَبِيْع، فالْتَفَتَ إليَّ، وقال لي: يا يُوسُف، قد حَصَّلْتُ لكِ جَمَلًا تَرْكب، وخُبْزًا تَأكُل، وماءً تَشْرَب، ولَم أُعْلِمْهُ بقَوْلي، والْتَفَتَ إلى بعضِ الجَمَّالين،
стр. 4574
وقال له: هذا الصَّبيِّ الّذي قُلْتُ لك في مَعْناه، واكْتَرَى لي معه بأربعة دَنَانِيْر مُكَفًّا (a) والخُبْزُ والماءُ عليهِ.
أخْبَرَني عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله، قال: قال لي الشَّيْخ رَبِيْع: حَجَجْتُ في بعض السّنِيْن ورجَعتُ إلى البِلادِ، فلمَّا كُنْتُ في بعضِ الطَّريق، نَفَدَ ما كان معي، ولَم يَبْقَ إلَّا النَّاقَة فقُلْتُ لبعض الجَمَّالين: احْملني إلى الكُوفَة وخُذْ النَّاقَة، ففَعَل، فلمَّا وصَلْتُ إلى الكُوفَة قُلتُ لصَاحِبٍ لي: أيْشٍ قعُودُنا؟ نَمْضي إلى بَغْدَاد؛ فَمَضَيْتُ أنا وصَاحِبي إلى بَغْدَاد، وما أقَمْنا بها، ومَضَينا منها على البَوَازِيْج، ووَصَلْنا إلى المَوْصِل، وما وَصَلَ خَبَرُ الحَاجّ إلى المَوْصِل، فوَجَدْنا قَضِيْب البَان على باب المَوْصِل، فقُلْنا له: ادْعُ لنا، فقال: أنتم دُعاؤكم مُسْتَجاب إلى أرْبَعيْن يَوْمًا، وكُنَّا إذا قُلْنا إنَّنا جِئْنا من الحَجّ لَم نُصَدِّق.
قال لي عَمِّي: قال لي الشَّيْخُ رَبِيْع: كُنْتُ مرَّةً مَع الحَاجِّ من المَوْصِل إلى بَغْدَاد، فنَزَلْتُ وتَمَشَّيْتُ أمام القَافِلَة، فرأيْتُ رَجُلًا، فَمشَيْتُ معه قَليلًا، فقال لي: امْشٍ معي، فَمَشيتُ معه سَاعةً، فقال لي: تَدْري أينَ أنْتَ؟ قُلتُ: نَعَم، فودَّعَني ومَضى، فبَقِيْتُ قي ذلكَ المَوضِع تلك اللَّيْلة وذلك اليَوْم إلى العِشَاءَ الآخرة من الغَدِ حتَّى وَصَلَتْ إليَّ قَافِلَة الحَاجّ.
أخْبرَني أبو مُوسَى عِيسَى بن سَلامَة صاحِب الشَّيْخ رَبِيْع، قال: كُنْتُ مُجَاوِرًا بمَكَّة في سَنَة إحْدَى وستِّمّائة في صُحْبَة الشَّيْخ رَبِيْع، فقال لي: أُرِيْدُ أنْ أنْفَرد في هذه الأشْهُر -يعني: شَهْر رَجَب، وشَعْبان، وشَهر رمَضَان- بنَفْسِي ولا يَقْربني أحدٌ، ففَعَلَ ذلك.
فلمَّا كان يَوْم العِيْد، جئتُ إلى بابهِ، فأرَدْتُ الدُّخُول إليهِ للسَّلَام عليه، فضَرَبْتُ البابَ، فَخَرَجَ إليَّ، وسَلَّم عليَّ وسَلَّمْتُ عليه، وجاءَ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عليه،
стр. 4575
فقال لي: ماتَ الشَّيْخ أبو الحَسَن الفَاسِيُّ؟ فقُلتُ لَهُ: نَعَم، مَنْ أَخْبرك بهذا!؟ وكُنْتُ قد سَمِعْتُ بمَوْتِه من مَرَاكِب جَاءت في البَحْر، فقال لي: رَأيْتُ في المَنَام كأنَّ ثَنيَّتي العُلْيا قد سَقَطَتْ، فقُلتُ لَهُ: يُؤَوَّلُ هذا بالإخْوَة والآباءِ! فقال: أيّ أب أو أخٍ أعْظَم من الشَّيْخ أبي الحَسَن؟! ثمّ قال لي: قد قَرُبَ المَوْتُ يا أصْحَابنا، ما بَقِيْنا نَجْتَمع بعدَ هذه الوَقْفَة إلَّا في الدَّار الآخرة إنْ شَاءَ اللهُ.
ثمّ قال لي: كُنْتُ قد عزمْتُ على أنِّي لا أخْرُجِ وأنْ أصُوم السِّتَّة أيَّام أُتْبع شَهْر رَمَضَان، وما كُنْتُ فَعَلْتُ هذا قبل ذلك لأنَّ مَذْهَبي -وهو مَذْهَب أبي حَنِيْفَة ﵁ أنَّهُ يُكْره صَوْمُها مُتَتابِعًا، فرَأيْتُ الشَّيْخَ أبا الحَسَن الفَاسِيَّ في المَنَامِ، وقال: لأيِّ شيءٍ رجَعْتَ عن مَذْهَبك وعَادَتكَ، قُمْ فاخْرُج إلى النَّاسِ، فقُمْتُ وخَرَجْتُ لمَّا سَمِعْتُ ضَرْبَكَ الباب.
قال لي عَمِّي أبو غَانِم: سَمِعْتُ الشَّيْخ رَبِيْع يَقُول: رَأيْتُ الشَّيْخ أبا زَكَرِيَّاء ﵀ في المَنَامِ، فقال لي: يا رَبِيْع، أوَّل مَنْ يَمُوت منَّا: أنا، ثُمَّ الشَّيْخِ عليّ الفَاسِيّ، ثمّ أنْتَ! فَمَضَى لذلك قليل فمَاتَ الشَّيْخ أبو زَكَرِيَّاء، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخ رَبِيْع قَدِمَ حلَبَ فوَجَد الشَّيْخ أبا الحَسَن مَرِيْضًا، فكان يقُول له: يا شَيْخِ، مُتْ حتَّى أمُوتَ أنا، فبَقِي الشَّيْخ عليّ بعد ذلك مُدَّةً ثمّ ماتَ بحَلَب، ثمّ ماتَ بعدَهُ الشَّيْخ رَبِيْع بعد مُدَّةٍ قريبةٍ بالبَيْت المُقَدَّس، رَحِمَهُم اللهُ تعالى.
حدَّثني عَمِّي أبو المَعَالِي عبد الصَّمَد بن هِبَةِ الله بن أبي جَرَادَة، وكان قد حَجَّ سَنَة إحْدَى وستِّمائة، قال: لمَّا وَصَلْتُ مَكَّةَ، حَرَسَها اللهُ، وجَدْتُ الشَّيْخ رَبِيْع في أواخر مَرض أشْفَى فيه على المَوْت، وأيس منهُ أصْحَابه، فرآهم مُنْزعجين بسَبَبهِ، وبَكوا حَوْله، فقال لهم: لا تشغلُوا قُلُوبكم فإنِّي لا أمُوت إلَّا في البَيْت المُقَدَّس، فلمَّا قَضَيْنا حَجَّنا، وكُنْتُ قد حَجَجْتُ على العِرَاق، عَرضْتُ على الشَّيْخ رَبِيْع أنْ أحْملَهُ إلى الشَّام، وعُدْتُ على طَرِيق أَيْلَة، وكان أكْثَر رَغْبتي في العَوْد على طَرِيق
стр. 4576
أَيْلَة صُحْبَة الشَّيْخ رَبِيْع، فصَحِبْتُه، وأصَابَهُ الذَّرَبُ، وقَوِيَ عليه في الطَّريق، وجِئْنا إلى عَقَبَةِ أَيْلَة؛ وهي عَقَبةٌ مُشقّةٌ لا يَرْكب فيها أحدٌ، فلَم يمُكن الشَّيْخ رَبِيْع النُّزُول، وصَعدَ رَاكبًا على الجَمَل، والجَمَل الّذي تَحْته في العَقَبَة يَصْعَدُ به كأنَّه يَمْشِي في أرْضٍ سَهْلَةٍ! قال: ووَصَلْنا إلى قَبْر الخَلِيل ﵇ وزُرْناهُ، ووَصَلْنا إلى البَيْت المُقَدَّسِ، واشْتَدَّ بهِ المَرَضُ وفَارقْتُه منه، فلمَّا وَصَلْتُ دِمَشْق وَصَلَني خَبَرُ وَفَاتهِ أنَّهُ تُوفِّي بالبَيْت المُقَدَّس في أواخر صَفَر أو أوَائل شَهْر رَبِيْع من سَنَة اثْنَتَيْن وستِّمائة.
قال لي عَمِّي أبو غَانِم: وبَلَغَني أنَّ الشَّيْخ رَبِيْع أوْصَى بأنْ يَتَولَّى غَسْله عليّ بن السَّلَّار، وكان ابن السَّلَّار بدِمَشْق، فتعَجَّب أصْحَابُه، وقالُوا: ابن السَّلَّار بدِمَشْق، فكيف يُغَسِّلُه!؟ فبينا هُم على ذلك وَصَلَ ابن السَّلَّار من دِمَشْق قُبَيْل مَوْته، فوَليَ غسْلهُ.
قال: ولمَّا احْتضر خَرَج أصْحَابُه من عنده فسَمعُوه من دَاخِل وهو يَقُول بانْزِعاجٍ: ألمِثْلي يُقال هذا، أَلمِثْلي يُقَال هذا؟ ثُمَّ سَكَت، ثُمَّ قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (١)، فدَخَلُوا إليه، فوَجَدُوهُ قد قَضَى نَحْبَهُ.
وقال لي الأَمِير عليّ بن سُلَيمان بن أَيْدَاش بن السَّلَّار، أمير الحَاجِّ الشَّامِيِّ: أوْصىَ الشَّيْخ رَبِيْع إليَّ في غَسْله وتَجْهيزه ودَفْنه، وكُنْتُ بدِمَشْق ولَمِ أعْلَم بذلك، فبَلَغَني خَبْرُ وُصُوله إلى البَيْت المُقَدَّس، فعَزَمْتُ على قَصْدِه، وجذَبني إليه جَاذِبٌ، فرَكِبتُ من دِمَشْق إلى البَيْت المُقَدَّس، واجْتَهدتُ في السَّيْر -وأظُنُّه قال لي: وَصَلْتُ في ثلاثة أيَّام- فلَحقْتُه قَبْل أنْ يَمُوت، فتَوَلَّيْتُ غَسْلَه وتَجْهيزَهُ ودَفْنَهُ، ﵀.
стр. 4577
أخْبَرَني الشَّيْخ أبو القَاسِم الإسْعِرْديّ بالمُنْحَنَى في طَرِيق الحَجِّ، وكان حَجَّ في الِسَّنَةِ التّي حَجَجْتُ فيها على طَرِيق تَبُوك في سَنَةِ ثَلاثٍ وعشرِين وستِّمائة، وكان رَجُلًا صَالِحًا خِيَارًا، قد صَحِبَ المَشَايخ، وتَأدَّب بهم، وجَاورَ بالبَيْت المُقَدَّس مُدَّة، وكان له زَاويَة بالحَرَمِ ممَّا يلي باب الرَّحْمَةِ، قال: دَخَلَ الشَّيْخُ رَبِيْع البَيْتَ المُقَدَّس وهو مَرِيْضٌ، وقَوِي مَرَضُه، فسَألْنَاهُ مَن يُغَسِّلهُ؟ فقال لنا: السَّاعَة يَقْدم من دِمَشْق مَنْ يتولَّى ذلك! فقَدِمَ هذا شُجاع الدِّين عليّ بن سُلَيمان بن السَّلَّار أمير الحَاجّ، وأشَار إليهِ. قال أبو القَاسِم: وسَمِعْتُه يقُول وَقْت مَوْتهِ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (١).
قُلتُ: ودُفِنَ بمَقْبَرَة البَيْت المُقَدَّس الغَرْبيَّة المَعْروفة بمَامِلَّى، وزُرْتُ قَبْره مِرَارًا عندَ مُرُوري بالبَيْت المُقَدَّس، وقَبْره ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ في تُرْبَةٍ فيها جَماعةٌ من الصَّالِحين، ﵀.
الرَّبِيْعُ بن نَافعِ، أبو تَوْبَة الحَلَبيِّ (٢)
نَزِيلُ طَرَسُوس، أحَدُ الثِّقَات الأثْبَات.
حَدَّثَ عن عَطَاء بن مُسْلِم الخَفَّاف الحَلْبِيّ، وأبي عُثْمان سَعيد بن شَبِيْب
стр. 4578
الطَّرَسُوسِيّ، وعبد الله بن المُبارَك، وسُفْيان، وعِيسَى بن يُونُس، وأيُّوْب بن النَّجَّار اليَمَامِيِّ، وإسْمَاعِيْل بن عَيَّاش، وشَرِيك بن عَبْدِ الله، وأبي سُليْمان عبد الرَّحْمن بن سُلَيمان بن أبي الجَوْن العَنْسِيّ، وأبي كَامِل يَزِيد بن رَبِيْعَة الرَّحبِيّ الصَّنْعانِيّ، وعُبَيدِ الله بن عَمْرو الرَّقِّيّ، ويَحْيَى بن حَمْزَة، ومُحَمَّد بن الفُرَات الجَرْميّ، ومُعاوِيَة بن سَلَّام، وسَعِيد بن عَبْد العَزِيْز، والهَيْثَم بن حُمَيْد، وشِهَاب بن خِرَاشٍ، وأبي الأحْوَصِ، ومُحَمَّد بن المُهاجِر الأنْصَاريّ، وهِشَام بن يَحْيَى بن يَحْيَى، وأبو الخَطَّاب مَسْلَمَةُ بن عليِّ، وعليّ بن سُلَيمان الكِسَائِيّ، والحَكَم بن ظُهَيْر، والرَّبِيْع بن بَدْر عُلَيْلَة، ومُصْعَب بن مَاهَان الخُرَاسَانيّ، وشُعْبَة، وعُمَر بن المُغِيرَة مُفْتِي المَسَاكين، وسُليْمان بن حَيَّان الكُوْفيّ، والمُعْتَمِر بن سُلَيمان، وأبي عُمَر الصَّنْعانِيّ، والوَلِيد بن صالِح.
رَوَى عنهُ أبو اللَّيْث يَزِيد بن جَهْوَر، وعبْد الله بن أبي مُسْلمِ الطَّرَسُوسِيَّان، وأحمدُ بن خُليَدْ الكِنْدِيّ الحَلَبيِّ، وأحمد بن إبْراهيم بن فِيْل الأنْطَاكيِّ، وإبْراهيم بن سَعيد الجَوْهَرِيّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْدَة المِصِّيْصيّ، وأبو دَاوُد سُليْمان بن الأشْعَث السِّجِسْتَانِيّ، وأبو سَعيد عُثْمان بن سَعيد بن خَالِد، وأبو مُحَمَّد عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن الدَّارِمِيَّان، وفَهْد بن سُلَيمان، ومُوسَى بن سَعيد بن النُّعْمان، والعبَّاس بن أحْمَد بن الأزْهَر المُسْتَمْلِيّ اليَمَامِيّ، وأحمد بن إبْراهيم المُقْرِئ، وعَبْد الكَريم بن الهَيْثَم القَطَّان، وأحمدُ بن مُحَمَّد بن حَنْبَل، والحَسَن بن مُحَمَّد بن الصَّبَّاح، ومُحَمَّد بن عَامرِ الأنْطَاكيِّ، وأبو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن المُنْذِر الحَنْظَلِيّ، ورَجَاء بن عبد الرَّحيم، ويَحْيَى بن أكْثَمِ القَاضِي، وأبو جَعْفَر مُحَمَّد بن بَكْر، وإبْراهيم بن الحُسَين بن دِيْزِيْل، وأبو بَكْر مُحمَّد بن عبد الرَّحْمن بن الأشْعَث الدِّمَشقيّ، وعليّ بن زَيْد الفَرَائِضِيّ، وزهَيْر بن مُحَمَّد بن قُمَيْر، وأبو الأحْوَص مُحَمَّد بن الهَيْثَم قَاضِي عُكْبَرا، وأبو القَاسِم عَقِيل بن الفَضْل
стр. 4579
التَّمِيْمِيِّ، وأحمد بن الحُسَين بن جُنْدَب التِّرْمِذيّ، وأبو جَعْفَر مُحَمَّد بن جَعْفَر السِّمْنَانِيّ، وأبو إسْمَاعِيْل مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل التِّرْمِذيّ.
ورَوَى أبو عَبْد الله البُخاريّ عنهُ تَعْلِيقًا، ورَوَى أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ، وأبو الحُسَين مُسْلم بن الحَجَّاج، وأحمد بن شُعَيْب النَّسَائِيّ، وأبو عَبْد الله مُحَمَّد بن يَزِيد بن مَاجَه القَزْوِينيّ، عن رَجُلٍ، عنهُ.
أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عَبْد الله بن الحُسَين بن عَبْد الله بن رَوَاحَة الأنْصَاريّ الحَمَوِيّ، وأبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن يُوسُف الأَوَقِيّ، وأبو طَالِب بَارسْطُغان بن مَحْمُود بن أبي الفُتُوح القَاضِي، قالُوا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا الرَّئِيسُ أبو عَبْد الله القَاسِم بن الفَضْل بن أحْمَد الثَّقَفِيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن إبْراهيم بن مُحَمَّد بن يَحْيَى النَّيْسَابُوريّ المُزَكِّي، قال: أخْبَرَنا حَمْزَةُ بن العبَّاس بن الفَضْل، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَريم بن الهَيْثم، قال: حَدَّثَنَا أبو تَوْبَة الرَّبِيْع بن نَافِعِ الحَلَبِيِّ، قال: حَدَّثَنَا مُعاوِيَة -يعني ابن سَلَّام- عن يَحْيَى بن أبي كَثِيْر، عن عبد الرَّحْمن بن أبي بَكْرَة، عن أبي بَكْرَة، قال (١): نَهَانا رسُولُ الله ﷺ أنْ نَبِيْعَ الفِضَّة بالفِضَّة إلَّا عَيْنًا بعَيْن، سَوَاءً بسَواء، وأنْ لا نَبِيعِ الذَّهَبَ بالذَّهَب إلَّا عَيْنًا بعَيْن. وقال رَسُولُ الله ﷺ : تَبَايَعُوا الذَّهبَ بالفِضَّةِ كيف شِئْتُم، والفِضَّة بالذَّهَب كيف شِئتُم.
حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِم (٢)، عن إسْحَاق بن مَنْصُور، عن يَحْيَى بن صالِح، عن مُعاوِيَة (a).
стр. 4580
أخْبَرَنَا أبو بَكْر عَتِيقُ بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر، عن أبي المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا رَشَاءُ بن نَظِيف، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن دَازِيْل، قال: حَدَّثَنَا الرَّبِيْعُ بن نَافِع، قال: قال بعضُ الحُكَمَاء: مَنْ أخْطَأتهُ سِهَامُ المَنَايا قيَّدتْهُ اللَّيالِي والسُّنُونُ (a).
أَنْبَأنَا أبو عَبْد الله الحُسَين بن عُمَر بن بَاز في كِتَابِهِ إليْنَا، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الحَقّ بن عَبْد الخَالِق، قال: أخْبَرَنَا أبو الغَنائِم مُحَمَّد بن عليّ النَّرْسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد الغُنْدَجَانِيّ، قال: أخْبَرَنَا أحْمَد بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنَا مُحَمَّد بن سَهْل، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل (٣)، قال: رَبِيْع بن نَافِع أبو تَوْبَة، سَكَنَ طَرَسُوس، حَلَبِيُّ الأصْلِ، سَمِعَ مُعاوِيَةَ بن سَلَّامٍ، وعَطَاءَ بن مُسْلِم.
أَنْبَأنَا أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد الله بن عُلْوَان، عن مَسْعُود بن الحَسَن بن القَاسِم الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَمْرو عَبد الوَهَّاب بن أبي عَبْد الله بن مَنْدَة، إذْنًا إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قَال: أخْبَرَنا حَمْد بن عَبْدِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (٤)، قال: رَبِيْع بن نَافِعٍ أبو تَوْبَة، رَوَى عن مُعاوِيَة بن سَلَّام، ومُحَمَّد بن المُهاجِر، وعَطَاء بن مُسْلم، رَوَى عنهُ أبي، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك.
стр. 4581
قال أبو مُحَمَّد (١): أَخْبَرَنَا عليّ بن أبي طَاهِر في كتَابهِ إليَّ، قال: حَدَّثَنَا الأَثْرَم، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله، وذَكَرَ أبا تَوْبَة، فأثْنَى عليه، وقال: لا أعْلَم إلَّا خَيْرًا. سُئِلَ أبي عنه، فقال: ثِقَةٌ، صَدُوقٌ، حُجَّةٌ (a) .
ذَكَرَ أبو حَاتِم مُحَمَّد بن حِبَّان البُسْتِيّ في الطَّبَقَةِ الرَّابِعةِ من تاريخ الثِّقَات (٢)، قال: الرَّبِيْع بن نَافِعٍ، أبو تَوْبَة الحَلَبِيّ، سَكَنَ طَرَسُوس، يَرْوي عن مُعاوِيَة بن سَلَّام، وعَطَاء بن مُسْلِم الحَلَبِيّ، رَوَى عنهُ إبْراهيمُ بن سَعيد الجَوْهَرِيّ، ماتَ بعد سَنَةِ ثَلاثٍ وعشرين (b) ومَائتَيْن.
الرَّبِيْعُ بن يُونُس بن مُحَمَّد بن كَيْسَان أبي فَرْوَة، أبو الفَضْل الحَاجِبُ (٣)
وقيل: الرَّبِيْع بن يُونُس بنِ عَبْد الله بن أبي فَرْوَة الأُمَوِيّ، مَوْلَى الحَارِث الحَفَّار، مَوْلَى عُثْمان بن عَفَّان ﵁. وقيل: هو مَوْلَى عُثْمان بن عَفَّان.
стр. 4582
تولَّى الحِجْبَة لأبي جَعْفَرِ المَنْصُور، وقَدِمَ معَهُ حَلَب حينَ قَدِمَهَا مُجْتَازًا لزيَارَة البَيْتِ المُقَدَّس في سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين ومائة، ثُمَّ صَارَ وَزِيرًا له، ثمّ تولَّى الحِجْبَة للمَهْدِي، وقَدِمَ معَهُ حَلَب حِينَ قَدِمَها في سَنَة ثَلاثٍ وِسِتِّين ومائة، وأغْزَى ابْنَهُ هَارُون، وجَعَلَ الرَّبِيْع معه مُدَبِّر جَيْشهِ. وقيل: إنَّهُ وَزَر بعد ذلك للهَادِي.
حدَّثَ الرَّبِيْع عن جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق ﵁، وعن أبي جَعْفَر عَبْد الله بن مُحَمَّد المَنْصُور.
رَوَى عنهُ ابنُه الفَضْل بن الرَّبِيْع، ومُوسَى بن سُهيْل، وعبد الله بن عَامِر التَّمِيْمِيّ، وسُليْمان بن بَشِير، وخُزَيْمَة بن خَازِم، ومُحَمَّد بن عائِشَة القُرَشِيّ.
أَنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، وأخْبَرَنا أبو هَاشِمِ عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد الشَّيْبَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن ثَابِت الخَطِيب (١)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عُبَيْدِ الله بن مُحَمَّد الحِنَّائِيّ، قال: حَدَّثَنا عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن شَاذَان البَزَّاز، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحَسَن بن سَهْل، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن عَامِر التَّمِيْمِيّ، قال: حَدَّثَنَا الرَّبِيْع الحَاجِب، قال: حَدَّثَني أبو جَعْفَر المَنْصُور، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن أبي جَدِّه ﵁، قال (٢): كان رسُولُ الله صَلَّي الله عليه وسلَّم إذا دَخَلَ (a) الشِّتَاء دَخَلَ البَيْتَ لَيْلَةَ الجُمُعَة، وإذا جاءَ الصَّيْفُ خرَجَ لَيْلَةَ الجُمُعَة، وإذا لَبسَ ثَوْبًا جَدِيدًا حَمِدَ الله، وَصَلَّى رَكْعَتَين، وكَسَا الخَلِقَ.
стр. 4583
هكذا جاء في رِوَايَة أبي بَكْر الخَطِيب وقد سَقَطَ من الإِسْنَاد رَجُلَان، والله أعْلَمُ.
وقد رَوَاهُ أبو عَبْد الله الحُسَين بن هَارُون الضَّبِّيِ، عن أبي الحُسَين عَبْدِ الله بن مُحَمَّد بن شَاذَان، عن مُحَمَّد بن سَهْل بن الحَسَن، عن عَبْد الله بن عَامِر الأنْصاريّ، عن أبي بِلَالٍ الأشْعَرِيّ، عن خُزَيْمَة بن خَازِم، عن الرَّبِيْع الحَاجِب، وهو أقْرَبُ إلى الصَّوَاب، والله أعْلَمُ.
أخْبَرَنا بذلك الشَّريفُ أبو هاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْدٍ عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو البَدْر إبْراهيم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور القَطِيْعِيِّ بكَرْخ بَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين أحْمَد بن مُحَمَّد بن النَّقُّور البَزَّاز، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي أبو عَبْدِ الله الحُسَين بن هَارُون الضَّبِّيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين عَبْد الله بن مُحَمَّد بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَهْل بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن عَامِر بن سَعْد الأنْصَاريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بِلَالٍ الأشْعَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا خُزَيْمَةُ بن خَازِم التَّمِيْمِيّ، قال: حَدَّثَنَا الرَّبِيْع الحَاجِبُ، قال: حَدَّثَني أبو جَعْفَر المَنْصُور، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن أبي جَدِّه ﵃، قال: كان رسُول الله ﷺ إذا جَاءَ الشِّتَاء دَخَل البَيْت يَوْم الجُمُعَة، وإذا جاءَ الصَّيْف خَرَجَ لَيْلَةَ الجُمُعَة، وإذا لَبسَ ثَوْبًا جَدِيدًا حَمِدَ الله تعالَى، وصَلَّى رَكْعَتَين، وكَسَا الخَلِق.
أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد إذْنًا، قال: أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ (١)، قال: أخْبَرَني الحَسَن بن أبي بَكْر، قال: ذَكَرَ أحْمَد بن كَامِل القَاضِي أنَّ الرَّبِيْع حَاجِبَ المَنْصُور، هو الرَّبِيْعِ بن يُونُس بن مُحَمَّد بن أبي فَرْوَة، قال: واسْمُ أبي فَرْوَة كَيْسَان، مَوْلَى
стр. 4584
الحَارِث الحَفَّار، مَوْلَى عُثْمان بن عَفَّان، قال: وكان ابنُ عيَّاش (a) المَنْتُوف يَطْعَنُ في نَسَب الرَّبِيْع طَعْنًا قَبِيْحًا، ويقُول للرَّبِيْع: فيك شَبَه من المَسِيْح؛ يَخْدَعُهُ بذلك، فكان يُكْرمُهُ لذلك حتَّى أخْبَرَ المَنْصُورَ بما قال له، فقال إنَّهُ يَقُول: لا أبَ لك! فتَنَكَّر له بعد ذلك.
وفي الرَّبِيْع يقُول الحَارِثُ بن الدَّيْلَمِيّ: [من الطويل]
شَهِدْتُ بإذن الله أنَّ مُحَمَّدًا … رِسُولٌ من الرَّحْمن غير مُكَذَّبِ
وأنَّ ولاء كَيْسَانَ للحَارِث الّذي … وَلِيَ زَمَنًا حَفْر القُبُور بيَثْرِبِ
قَرأتُ بخَطِّ بعضِ عُلَمَاءِ النَّسَب أنَّ الرَّبِيْع الحَاجِب هو الرَّبِيْع بن يُونُس بن عَبْد الله بن أبي فَرْوَة، واسْمُ أبي فَرْوَة: فَريذُون بن نَرْسِي بن بَهْرَام بن توزل بن مَاهشْرَاد، وكان من أبْنَاءِ مَرَازِبَة عُمَان، وأُمُّ أبي فَرْوَة من بَلِيّ قُضَاعَة، فهَلكَ أبُوه فباعَهُ أخْوَاله في أَزْمةٍ، فسَقَطَ إلى عُثْمان بن عَفَّان في أيَّامِهِ، فأعْتَقهُ حينَ عَرف شَرَفهُ، ووَلي عَبْد الله بن أبي فَرْوَة خَرَاج العِرَاق لابن الزُّبَيْر، وإلى الرَّبِيْع تُنْسَبُ قَطِيْعَة الرَّبِيْع، وعَمُّ االرَّبِيْع إسْحَاق بن عَبْد الله بن أبي فَرْوَة أَحَدُ فُقَهَاء المَدِينَةِ.
أَنْبَأَنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبوِ بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: الرَّبِيْع بن يُونُس، أبو الفَضْل، حَاجِبُ أبي جَعْفَر المَنْصُور ومَوْلاهُ.
قَرَأتُ في كتاب الوُزَرَاءِ والكُتَّاب صَنْعَةُ أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عُبْدُوْس الجَهْشِيَارِيّ (٢)، قال: وقلَّدَ المَنْصُورُ الرَّبِيْعَ مَوْلاهُ نَفَقَاتِه والعَرْضَ عليه، وهو الرَّبِيْعُ بن
стр. 4585
يُونُس بن أبي فَرْوَة (a) ، واسْمُ أبي فَرْوَة كَيْسَان، مَوْلَى الحَارِث الحَفَّار، مَوْلَى عُثْمان بن عَفَّان. وكان عَبْد الله بن أبي فَرْوة كاتب مُصْعَب بن الزُّبَيْر على العِرَاق (b) ، وكان يُونُس بن مُحَمَّد شَارِيًّا شَاطِرًا بالمَدِينَةِ، فَعَلِقَ أَمَةً لقَوْمٍ بالمَدِينَة؛ غَلَبَها على نَفْسها (c) فجاءَت بالرَّبِيْع فاسْتُعْبِد، ولَم يكُن ليُونُس حَالٌ (d) أيَّام أبي العبَّاسِ وأهْدَاه إليهِ فخَدَمَهُ، وخَفَّ على قَلْبه، ثُمَّ خَدَمَ أبا جَعْفَر بعدَهُ، فخُصَّ بهِ، واسْتَولَى على أمْره.
قال (١): ولمَّا عَزم على تَقْلِيد الرَّبِيْع العَرْضَ عليه، قال له: اجْلِسْ في بَيْتكَ حتَّى يأتيك رَسُولي، فاغْتَمَّ لذلك، فصَارَ إليهِ الرَّسُول بدُرَّاعَة وطَيْلَسَانٍ وشَاشِيَّة، فقال له: الْبَسْ هذا وارْكَب بهذا الزِّيّ، فرَكِبَ، وأمَرَ الفَرَّاشَ أنْ يَطْرح له مِرْفقةً تحْتَ البِسَاطِ تَقْصِيرًا به عِن مَنْزِلة المَهْدِيّ وعِيسَي بن عليّ؛ لأنَّهُ كان يُطْرَحُ لهما مِرْفقَتَان ظَاهِرَتَان (e)، فلمَّا وَصَلَ إليهِ قال له: قد وَلَّيْتُكَ الوِزَارَة والعَرْضَ عليَّ (f)، ووَلَّيْتَ ابْنكَ الفَضْلَ الحِجَابَةَ. فدَخَلَ عليه الرَّبِيْعُ يَوْمًا والفَضْلُ يَمْشِي خَلْفَهُ، فأخَذَ الرَّبِيْعُ بيده وقال: إنَّ الحَاجِب لا يَمْشِي خَلْفَ إنْسَانٍ، فقال له المَنْصُور: بَلَى يا رَبِيْعُ، هذا معَكَ أنْتَ وَحْدَكَ.
قال (٢): ولمَّا قلَّد أبو جَعْفَر الرَّبِيْعَ العَرْضَ عليه، حَسُنَ مَذْهَبُهُ، وآثَر الخَيْريَّة حتَّى عُرِفَ بذلكَ، فكان أبو جَعْفَر إذا أراد لإِنْسَانٍ خَيْرًا أمرَ بتَسْلِيمهِ إلى الرَّبِيْع،
стр. 4586
وإذا أرَادَ شَرًّا أمَرَ بتَسْليْمهِ إلى المُسَيَّب. فكَتَبَ العَامِلُ بفِلَسْطين يَذْكُر أنَّ بَعْض أهْلها وَثَبَ عليه، واسْتَغْوَى جَمَاعَةً منهم، فعَاثَ في العَمَل. فكَتَبَ إليه أبو جَعْفَر: دَمُكَ مُرْتَهَنٌ إنْ لَم تُوجِّه بهِ!. فصَمَدَ له العَامِلُ فأخَذَهُ، ووجَّه بهِ، فلمَّا مَثُل بينَ يَدي أبي جَعْفَر، قال: أنت المُتَوَثّبِ على عَامِلِ أَمِير المُؤْمنِيْن؟ لأنْثُرنَّ من لْحَمكَ أكْثَر ممَّا يَبْقَى على عَظْمكَ! فقال -وكان شَيْخًا كَبيرًا- بصَوْتٍ ضَئيل: [من الكامل]
أَتَرُوضُ عِرْسَكَ بعدَما كبرَت (a) … ومن العَناءِ رِيَاضَةُ الهَرَمِ
فقال يا رَبِيْعُ: ما يقُول؟ قال: يَقُول: [من البسيط]
العَبْدُ عَبْدُكُم والمالُ مالكُم … فهل عَذَابُكَ عنِّي اليَوْمَ مَصْروفُ
فقال أبو جَعْفَر: يا رَبِيْع، قد عَفَوتُ عنه، فَخلِّ سَبِيلَهُ، واحْتَفِظ بهِ، واحْسِن إليهِ.
قال (١): وهذا الشِّعْرُ لعَبْد بني الحَسْحَاسِ، كان مَوْلاهُ اتَّهَمَهُ بابْنَتهِ، فعَزَم على قَتْله، فقال هذا الشِّعْر، وأوَّلُهُ: [من البسيط]
أَمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْن مَذْرُوفُ … لو أنَّ ذا منْكَ قَبْل اليَوْم مَعْرُوفُ
كأنَّها حين تبكى ما تكلِّمُنِي … ظَبْيٌ بعَلْيَاء سَاجِي الطَّرْف مَطْروفُ
لا تَبْكِ عَيْنُك إنَّ الدَّهْر ذو غِيَر … فيه يفرَّقُ (b) ذُو إلْفٍ ومَألُوفُ
العَبْدُ عَبْدُكُم والمالُ مالكُم … فهل عَذَابُك عنِّي اليَوْم مَصْرُوفُ
قال (٢): ولمَّا استَوْزَرَ المَنْصُورُ الرَّبِيْعَ، تركَ أنْ يَسْأله حاجةً تَخْفِيفًا؛ فقال له المَنْصُور يَوْمًا: قد انْقَبَضْتَ عن مُسَاءلتي حَوَائجِكَ حتَّى أوْحَشْتَني، فقال: ما
стр. 4587
تَرَكتُ ذاك؛ أنَّى وَجَدْتُ لها غير أَمِير المُؤْمنِيْن! ولكنِّي مِلْتُ إلى التَّخْفيف، قال: فاعْرض عليَّ ما تُحبّ من حَوَائِجكَ، قال: حاجَتي يا أَمِير المُؤْمنِيْن أنْ تُحبّ الفَضْلَ ابني، قال: وَيْحَك! إنَّ المَحَبَّة لا تَقَعُ ابْتداءً، وإنَّما تَقَعُ بأسْبَابٍ، قال: قد أوْجَدَك اللهُ السَّبِيْلَ إليها، قال: وما ذاك؟ قال: تُنْعِم عليه، فإذا أنْعَمْتَ عليه أحبَّكَ، فإذا أحبَّكَ أحْبَبْتَهُ، قال: فقد والله حَبَّبتَهُ إليَّ قبل أن يَقَعَ من هذا شيء، ولكن كيف اخترتَ له المَحَبَّة من بين سَائِر الأشْيَاء؟ قال: لأنَّكَ إذا أحْبَبْتَهُ كَبُرَ عندَكَ صَغِيرُ إحْسَانهِ، وصَغُرَ عندَكَ كَبير إسَاءآتهِ، وكانت حَاجَاتهُ عندَك مَقْضيَّةً، وذُنُوبه عندكَ مَغْفُورةً.
قال الجَهْشِيَارِيّ (١): وكانت وَفاهُ المَهْدِيّ، والهَادِي مُقِيمٌ بجُرْجَان، وهَارُون مع المَهْدِيّ في عَسْكَره. وقد كان الرَّبِيْع قام بأمْرِ البَيْعَة ببَغْدَاد، وشَغَب الجُنْدُ عليهِ وأحْرَقُوا بابَهُ، ولَقي منهم شَرًّا إلى أنْ أعْطَاهُم أرْزَاق ثَمانية عَشَر شَهْرًا، وسَكَّنَهُم إلى أنْ وَرَدَ مُوسَى الهَادِي، وقد كان مُوسَى عتَبَ على الرَّبِيْع من أجْل ما أطْلقَهُ من المالِ واسْتَكْثَرَهُ، ولأنَّ الخَيْزُرَان وجَّهَتْ إليه وإلى يَحْيَى بن خَالِد، فأمَّا الرَّبِيْع فدَخَل إليها، وأمَّا يَحْيَى فامتنعَ من ذلك، وقال: أعرفُ الهَادِي غيُورًا وأكْرَهُ الإقْدَام على الدُّخُول إلى وَالدته، فعَتَبَ على الرَّبِيْع في دُخُوله، وأحْمَدَ من يَحْيَى امْتِنَاعَهُ، فوجَّه الرَّبِيْع بابنه الفَضْل مُتلَقِّيًا له إلى هَمَذَان، وحَمَلَ معه ألْطَافًا وهَدَايا، وأمْرَهُ بالاعْتِذَار إليهِ ممَّا أنْكَرهُ، وتَعْريفه السَّبَب الدَّاعِي إليه، فقَبِلَ هَدَاياهُ، ورجع له وتَجاوَزَ عن زلَّتهِ (a)، وقلَّدَهُ وِزَارتَهُ، وتَدْبِير أُمُوره وما كان عُمَرُ بن بَزِيع يَتَولَّاه من دَوَاوِيْن (b) الأزِمَّةِ.
стр. 4588
قال (١): وحُكِيَ أنَّ الرَّبِيْع لمَّا لَقِيَهُ، شَرَع في الاعْتِذَار إليه ممَّا أنْكَرَهُ، فقال: لا حاجَة بكَ إلى الاعْتِذَار؛ قد كَفَاكَ الصَّفْحُ منَّا مَؤُونَتَهُ، ثُمَّ صَرَفَ الرَّبِيْعَ عن الوِزَارَة وقلَّدها إبْراهيمِ بن ذَكْوَان الحَرَّانيّ الأعْوَر، صَاحِب طَاق الحَرَّانيّ (a)، وأقَرَّ الرَّبِيْع على دَوَاوِيْن الأزِمَّةِ، فلَم يَزَل عليها إلى أنْ تُوفِّي في سَنَة تِسْعٍ وسِتِّين ومائة، وكانت وَفَاتُه وسِنُّهُ ثَمان وخَمْسُون سَنَةً، وصَلَّى عليه الرَّشِيْدُ وهو وليّ عَهْدٍ.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ وغيرُه، قالُوا: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي إذْنًا، عن أبي غَالِب بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المَرَاعِيشيِّ، وأبو العَلَاء الوَاسِطِيّ، قالا: أخْبَرَنا إبْراهيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة، قال: وكان المَهْدِيّ يَوْم تُوفِّي ابنُ ثلاثٍ وأرْبَعين سَنَةً، وكان على رَسَائِلهِ الرَّبِيْع مَوْلاه، وعلى حِجَابَته الفَضْل بن الرَّبِيْع، وكان على حِجَابَتِهِ قَبْل الفَضْل بن الرَّبِيْع: الرَّبِيْع.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد المُكْتِب، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ (٢)، قال: أخْبَرَنا الحُسَين علي الصَّيْمَريّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن عليّ الصَّيْرَفِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عُمَر بن سَلْم الحافِظ، قال: ذَكَرُوا أنَّهُ لُم يُرَ في الحِجَابَةِ أعْرَق من رَبِيْع ووَلده، وكان رَبِيْع حَاجِبَ أبي جَعْفَر ومَوْلاهُ ثُمَّ صَارَ وَزِيرَهُ، ثمّ حَجَبَ المَهْدِيّ، وهو الّذي بَايَعَ المَهْدِيّ وخلع عِيسَى بن مُوسَى، ومن وَلَده الفَضْل حَجَبَ هَارُون ومُحَمَّدًا المَخْلُوع، وابْنه عبَّاس بن الفَضْلِ حَجَبَ مُحَمَّدًا الأَمِين، فعبَّاس حَاجِبٌ ابن حَاجِب ابن حَاجِب. وقيل: إنَّ الرَّبِيْع بن يُونُس وَزَرَ للمَنْصُور وللهَادِي، ولَم يَزر للمَهْدِي، وأنَّهُ ماتَ في أوَّل سَنَة سَبْعِين ومائة.
стр. 4589
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ رَبِيْعَة
رَبِيْعَةُ بن شُرَحْبِيل (١)
له ذِكْرٌ في وَقْعَة صِفِّيْن، وشَهِدَها مع عليٍّ ﵁، وقيل: إنَّهُ شَهِدَ على كتاب الحَكَمَين بين عليّ ومُعاوِيَة.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن مَحْمُود بن أحْمَد بن الصَّابُونِيّ، عن أبي مُحَمَّد بن الخَشَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاء، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر البَاقِلَّانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن نِيْخَاب، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن الحُسَين بن دِيْزِيْل، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الجَعْد، قال: أخْبَرَنا عَمْرو بن شَمِرٍ، عن جَابِر، قال: سَمِعْتُ زَيْد بن حَسَنٍ يَذْكُر كتاب الحَكَمَيْن، وزَادَ فيهِ شيئًا على ما ذَكَرَ مُحَمَّد بن عليّ والشَّعْبيِّ في كَثْرة الشُّهُود وفي زِيَادَةٍ في الحُرُوف ونُقْصَان، أملاهُ عليَّ من كتاب عنده وذَكَرَهُ، وقال: شَهِدَ على ما في هذا الكتاب من أصْحَاب عليّ ﵇: الأشْعَث بن قَيْسٍ، وعبد الله بن العبَّاس، والأشْتَر مَالِك بن الحَارِث، وِسَعِيْد بن قَيْسٍ الهَمْدانِيّ، وحُصَيْن، والطُّفَيْل ابْنا الحَارِث، وأبو أُسَيْد ابن رَبِيْعَة الأنْصَاريّ، ورِفَاعَة بن رَافِعٍ الأنْصَاريّ، وعَوْف بن مَالِك بن المُطَّلِب القُرَشِيّ، وبُرَيْدَةُ بن الحُصَيْب الأَسْلميّ، وعُقْبَةُ بن عَامِرِ الجُهَنِيّ، ورَافِع بن خَدِيْج الأنْصَاريّ، وعَمْرو بن الحَمِق الخُزَاعيّ، والحَسَن والحُسَين ابْنا عليّ، وعَبْد الله بن جَعْفر الهاشِميّ، والنُّعْمان بن عَجْلَان الأنْصَاريّ، وحُجْر بن عَدِيّ الكِنْدِيّ، ووَفَاء بن سُمَيّ البَجَليّ، وعبد الله بن الطُّفَيْل العَامِريّ، وعبد الله بن جَحْل العِجْليِّ، وعُقْبَة بن زِيَاد الأنْصَاريّ،
стр. 4590
ويَزِيْد بن حُجَيَّة (a) الكِنْدِيّ، ومَالك بن كَعْب الهَمْدانيِّ، ورَبِيْعَةُ بن شُرَحْبِيل، والحَارِث بن مَالِك، وحُجْر بن يَزِيد، وعُقْبَة بن حُجَيَّة (b).
رَبِيْعَة بن عَاصِم العُقَيْلِيُّ (١)
قَدِمَ مع زُفَر بن الحَارِث الكِلَابيّ وسَيَابَة (c) السُّلَميِّ على مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان، وكان طَرِيقهِم على الجَزِيْرَة فاجْتَازوا بقِنَّسْرِيْن، أو ببَعْضِ عَمَلها في طَرِيْقهِم ما بين الجَزِيْرَة ودِمَشْق، ولهُ ذِكْرٌ في الأخْبار.
أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظ (٢)، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن صَابِر، قال: أخْبَرَنا سَهْل بن بِشْرٍ قراءةً عن أبي نَصْر عُبَيْد الله بن سَعيد بن حَاتِم الوَائِليِّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا علىِّ بن الحُسَين بن بُنْدَار، قال: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن مُحَمَّد، قال: وأخْبَرَني حَبَشُ بن مُوسَى، عن الهَيْثَم بن عَدِيّ، عن ابن عَيَّاشٍ أنَّ قَيْسًا أقْبَلَتْ حين قُتِلَ عُثْمان من الكُوفَة والبَصْرَة يريدُونَ الشَّام، قال ابنُ عَيَّاشٍ: أخْبَرَني أبي، قال: أخْبَرَني زُفَر بن الحَارِث الكِلَابيّ، قال: أَتْبَعَنا عليٌّ خَيْلًا تَبِعَتْنَا حتَّى وَرَدْنا عَانَات، قال: فمَرَرنا بالجَزِيْرَة، فإذا بلادٌ خِصْبَةٌ رِيْفِيَّةٌ، ومُزْدَرَعٌ، وسَعَة، وقِلَّة أهْلٍ، وإنَّما كان الفَرْضُ والجُنْدُ بحِمْصَ والجَزِيْرَة -وقِنَّسْرِيْن يَوْمئذٍ