Полный текст (2 505 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكانت فاطمة قد شرعت في "صحيح البخاري" فكتبت منه مقدار النصف، ثم حصل لها نفاس وأعقبها مرض أشرفت فيه على الموت مرات حتى أن كثيرًا من الأعيان كانون يتهيئون لتشييع جنازتها، ثم نقهت من ذلك، فأكملت الصحيح، فلما فرغت شرعت في تحصيل الورق وغيره لكتابة "صحيح مسلم"، فتوفيت قبل شروعها في الكتابة، وذلك بعد فراغها من "صحيح البخاري" بنحو شهر.
وحكى والدها أنها كانت في أثناء مرضها تتأسف على عدم تكميل البخاري، وتود لو عاشت إلى أن تكمله، ثم تموت، فكان ذلك، وصبر والدها واحتسبها عند الله (١).
وذكر الذهبي أنه احتسب عدة أولاد درجوا، ذكر منهم محمدًا وفاطمة (٢)، وأشار ابن فضل الله العمري إلى أنَّ أولاده توفوا كلّهم في حياته (٣)، ولم نقف في كتب التراجم على أحد من ذريته، مما يدل على صحة ما ذكره ابن فضل الله العمري.
وفاته:
كان الشيخ علم الدين قد مرض في سنواته الأخيرة، ثم قصد الحج مرة سادسة سنة ٧٣٩ هـ عقيب هذا المرض، فعاوده بدرب الحجاز، ودخل المدينة النبوية محمولًا لمرضه. ثم أحرم فتوفي بخُلَيْص بكرة الأحد رابع ذي الحجة من السنة، فعُزِمَ على نقله ودفنه بمكة، فحصل خلاف بين الفقهاء والحجاج في هذه السنة، وكانوا جماعة من شيوخ المذاهب، في جواز النقل،
_________
(١) مالك الأبصار، لابن فضل الله العمري ٥/ ٥٥٠ (١١٣).
(٢) ذيل سير أعلام النبلاء ٣٦١.
(٣) مالك الأبصار ٥/ ٥٤٩.
стр. 37
وخيف عليه من الحر فغسل ودفن بملابس إحرامه، ولم يستر رأسه ليبعث ملبيًا، وصُلِّي عليه بمخيم الحاج، ودفن إلى جانب البرج بخلَيْص، ووصل خبره إلى الديار المصرية، ثم إلى دمشق في خامس المحرم سنة أربعين، وصُلِّي عليه صلاة الغائب بالبلاد، وحزن عليه رفاقه، ولا سيما رفيقه الأثير جمال الدين المزي، فقد بكى عليه غير مرة، ورثاه الشعراء، ومنها مرثية ميمية رائقة لابن فضل الله العمري ذكرها في كتابه "مسالك الأبصار"، ونقلها الصلاح الصفدي في "أعيان العصر" مطلعها:
تراهم بالذي ألقاهُ قد علموا … شَطَّ المزارُ وبانَ البانُ والعَلَمُ (١)
وقد وقف كتبه بدار الحديث السيفية، وبدار الحديث القوصية، وفي الجامع وغيره، وعلى كراسي الحديث (٢)، وتَصَدَّق بثلث ماله (٣).
منزلته العلمية:
أ - مؤلفاته:
عُنِيَ البِرْزالي بالسماع على مشايخ عصره، واستغرق ذلك معظم حياته، ولذلك كان مضطرًا لنسخ عدد ضخم من الأجزاء والكتب المطولة لإثبات سماعاته عليها، وتدوين طباق السماع على الأجزاء والكتب الأخرى التي لم ينسخها، ولذلك تحصلت له مجموعة كبيرة من كتب العلم، وقد أشار الذهبي إلى أنه "كتب بخطه الصحيح المليح كثيرًا" (٤)، وذكر السبكي أنّ
_________
(١) مالك الأبصار ٥/ ٣٤٥ (٤٧)، وذيل سير أعلام النبلاء ٣٦١، واْعيان العصر ٤/ ٥٠، ٥٢ - ٥٤، والبداية والنهاية ١٦/ ٢٨٨، ومعجم شيوخ السبكي ٣٢١.
(٢) البداية والنهاية ١٦/ ٢٨٨.
(٣) مالك الأبصار ٥/ ٣٤٤.
(٤) ذيل السير ٣٦٠.
стр. 38
كتبه وأجزاءه كانت في أربع خزائن (١)، وكان هدفه الرئيس التكثير من الشيوخ والكتب والأجزاء التي قرأها عليهم، فكان ثبته قد بلغ أربعًا وعشرين مجلدًا، وهو ما لم يتحصل لغيره، لذلك كان من أعلم الناس بأهل عصره، ومن ثم حُكم في معرفة رجال العصور الأولى لرفيقه جمال الدين المزي، والمتوسطين لرفيقه الذهبي، وفُضِّل على الجميع في معرفة المتأخرين (٢).
والحق أن مؤلفات علم الدين البرزالي وتخاريجه كانت منصبة على عصره، فكان معجمه الضخم الذي سجل فيه أسماء شيوخه وما قرأ عليهم ومن قرأ معه قد نال إعجاب أهل عصره والذين جاءوا بعده، وفيه يقول الذهبي:
إذا رمت تفتيش الخزائن كلها … وظهور أجزاء حوت وعوالي
ونعوت أشياخ الوجود وما رووا … طالع أو اسمع معجم البرزالي
وكتب ابن حبيب المتوفى سنة ٧٧٩ هـ على معجم شيوخه:
يا طالبًا نعت الشيوخ وما رأوا … ورووا على التفصيل والإجمال
دار الحديث انزل تجد ما تبتغي … لك بارزًا في معجم البرزالي (٣)
ومن هنا وجدنا أن أبرز مؤلفات البرزالي هو هذا التاريخ الذي ذيّل به على ذيل الروضتين لأبي شامة، ومعجم شيوخه القائم على ثبته، وباقي مؤلفاته هي تخاريج لنفسه وشيوخه ورفاقه من أهل العصر، وهو شيء ضخم جدًا استغرق جهدًا عظيمًا، وهي مبثوثة في كتابه، وتاريخ ابن الجزري، والدرر الكامنة للحافظ ابن حجر وغيرها من الكتب المستوعبة لهذا العصر.
_________
(١) معجم شيوخ السبكي ٣٢٠.
(٢) الرد الوافر، للعلامة ابن ناصر الدين ١١٩.
(٣) تذكرة النبيه ٢/ ٣٠٣.
стр. 39
أما بعض الأجزاء المفردة في رجال العصر مثل "الشيوخ المتوسطين" الذي نقل منه ابن رافع في وفياته (١)، أو "معجم البلدان والقرى" الذي ذكره ابن ناصر الدين في التوضيح (٢)، أو "شيوخ حلب" (٣)، ونحوها فهي لا تعدو المستخرجات من ثبته الضخم.
ب - تكوينه الفكري:
اتصل علم الدين البرزالي اتصالًا وثيقًا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر، وهم جمال الدين المزي (٦٥٤ - ٧٤٢ هـ)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ)، وشمس الدين الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ)، وترافق معهم طوال حياتهم، وكان جمال الدين أبو الحجاج المزي أكبرهم سنًّا، وكان بعضهم يقرأ والآخرون يسمعون، وفي الكتاب الكثير من النصوص التي تشير إلى سماع المؤلف بقراءة المزي وابن تيمية، أو سماع الآخرين بقراءته.
وقد ساعد من شَدِّ أواصر هذه الرفقة اتجاههم نحو طلب الحديث منذ مدة مبكرة، وميلهم إلى عقائد السلف ودفاعهم عن مذهبهم، مع أنَّ المزي والبرزالي والذهبي كانوا شافعية في الفروع. وكان كل واحد منهم محبًّا للآخر ذاكرًا فضله، فيذكر الذهبي أنَّ علم الدين البرزالي هو الذي حبّب إليه العناية بالحديث النبوي الشريف، فقال في معجم شيوخه: "وهو الذي حبّب إليَّ طلب الحديث فإنه رأى خطي، فقال: خطك يشبه خط المحدثين، فأثر ذلك فيَّ، وسمعت منه وتخرجت به في أشياء" (٤). وقد ذكرنا كيف أنّ
_________
(١) الوفيات ١/ ٣٦٣، ٤٢٤، ٤٣٠، ٤٣٢ … إلخ.
(٢) توضح المشتبه ٧/ ١٨.
(٣) تاريخ ابن قاضي شهبة ٢/ ١٤٩.
(٤) معجم الشيوخ (٦٣٥).
стр. 40
المزي بَكَاه غير مرة بعد وفاته، وكتب الذهبي عن المزي: "العلامة الحافظ البارع أستاذ الجماعة، محدث الإسلام" (١) "خاتمة الحفاظ وناقد الأسانيد والألفاظ، وهو صاحب معضلاتنا وموضح مشكلاتنا" (٢).
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فكانت شخصيته قد اكتملت منذ شبابه، وصار مجتهدًا منذ فترة مبكرة من حياته، له آراؤه الخاصة التي تقوم في أصلها على اتباع آثار السلف، ويدخل في خصومات عقائدية حادة مع بعض علماء العصر المخالفين له، ويقيم الحدود بنفسه ويحلق رؤوس الصبيان، ويحارب المشعوذين من أدعياء التصوف، ويمنع من تقديم النذور، ويدور هو وأصحابه على الخمارات والحانات ويريق الخمور، ويقاتل بعض أصحاب العقائد الفاسدة، وظهرت شخصيته الجهادية السياسية في الحرب الغازانية في وقعة الخزندار سنة ٦٩٩ هـ، ثم في وقعة شقحب سنة ٧٠٢ هـ التي أبلى فيها بلاءً عظيمًا وشارك بنفسه مع أصحابه في قتال العدو المخذول (٣).
أما جمال الدين المزي، فكان شديد الإعجاب بابن تيمية، وقد أعجب به الإعجاب كله، وترافق معه طوال حياته، قال الذهبي: "ترافق هو وابن تيمية كثيرًا في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرر طريقة السلف في السنة ويعضد ذلك بمباحث نظرية وقواعد كلامية … وما وراء ذلك بحمد الله إلا حسن إسلام وحسبة لله، مع أني لم أعلمه ألف في ذلك شيئًا" (٤).
_________
(١) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٩٨.
(٢) تكملة السير ٢/ ٤٤٨، والدرر الكامنة ٦/ ٢٣٢.
(٣) تنظر التفاصيل في كتابي: الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام ٩٢ - ٩٣ (ط. دار الغرب)، وبحثي: "من محراب العلم إلى ميدان القتال" المنشور في مجلة الرسالة الإسلامية (بغداد ١٩٨٤ م).
(٤) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٩٩.
стр. 41
وهكذا تكوّن فكر هؤلاء الرفقة، وأخلص الثلاثة الإخلاص كله لرفيقهم شيخ الإسلام ابن تيمية وآرائه التجديدية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى إيذائهم والتحامل عليهم بما ليس فيهم، فقد قال تاج الدين السبكي الأشعري الجلد المتوفى سنة ٧٧١ هـ: "واعلم أن هذه الرفقة، أعني المزي والذهبي والبرزالي وكثيرًا من أتباعهم أضر بهم أبو العباس ابن تيمية إضرارًا بيّنًا وحملهم على عظائم الأمور أمرًا ليس هيّنًا وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم وأوقعهم في دكادك من نارٍ المرجو من الله أن يتجاوزها لهم ولأصحابهم" (١).
وهذا النص المتشنج وأمثاله يشير إلى قدم العلاقة التي ابتدأت منذ أيام الطلب، وأخذت تنمو على مرور الأيام فتزيد متانةً وصلابةً. وقد أوذي المِزّيّ بسبب ذلك: وأُوذي مرّةً، واختفى مدّة من أجل تحديثه بتاريخ بغداد للخطيب البغداديّ، وأُوذي ثانية في شهر رجب من سنة ٧٠٥ هـ حينما ناظر ابنُ تيميّة الأشاعرةَ عند نائب السّلطنة الأفرم، وقُرئت عقيدةُ ابن تيميّة الواسطية وحصل البحث في أماكن منها، ثمّ اضطُرّ المناظرون له إلى قبولها بعد أن أفحمهم شيخُ الإسلام، فقعد المِزّيُّ عندئذٍ تحت قُبّة النَّسْر بجامع دمشق،
_________
(١) الطبقات ١٠/ ٤٠٠ وهذا الكلام جزء من كلامه في هؤلاء الرفقة من الأئمة الأعلام ولا سيما في شيخه الذهبي بحيث قال فيه: "والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله، ولم يكن يستجري أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه" (الطبقات ٢/ ١٣ - ١٤)، قال ذلك وشحن كتابه الطبقات من كتب الذهبي إذ كان معتمده الرئيس!
وكان السبكي أشعريًّا جلدًا بحيث قال يه عز الدين الكناني (ت ٨١٩ هـ): "هو رجل قليل الأدب، عديم الإنصاف جاهل بأهل السنة ورتبهم" (الإعلان للسخاوي ٤٦٩ فما بعد، ومعجم الشافعية لابن عبد الهادي، الورقة ٤٧ - ٤٨ (الظاهرية)، وانظر مناقشتنا لأقواله في الفصل الذي كتباه عن "النقد" عند الذهبي من كتابنا: الذهبي ومنهجه، وخاصة ٤٣٠ فما بعد.
стр. 42
وقرأ فصلًا بالرَّدّ على الجَهْميّة من كتاب "أفعال العباد" للإمام البُخاريّ، بعد قراءة ميعاد البخاريّ، فغضب بعضُ الفقهاء الشافعية الحاضرون، وقالوا: نحن المقصودون بذلك، وشكوه إلى القاضي الشّافعي نجم الدين أحمد ابن صَصْرَى، وكان عدوًا للشّيخ ابن تيميّة، فسجن المزّيَّ، فبلغ الشّيخ تقي الدّين ذلك فتألَّم لحبس المِزّيّ، وذهب إلى السّجن، وأخرجه بنفسه، ولم يَحْفِلْ بالسلطة، وراح إلى القصر، فوجد القاضي ابن صَصْرى هناك، فتقاولا بسبب المِزّي، فحلف ابن صَصْرى: لا بدّ أن يعيده إلى السّجن، والّا عزَلَ نفسه، وكان الأفرم غائبًا عن دمشق ذلك اليوم، فأمر نائبه بإعادته تطييبًا لقلب القاضي، فحبسه عنده أيّامًا، ثم أطلقه (١).
وكان ابن تيميّة كثير الاعتماد على المِزّيّ وعلمه ومعرفته، فحينما خرج من سجنه بمصر سنة ٧٠٩ هـ بعد عودة السّلطان محمّد بن قلاوون وجلسَ في القاهرة ينشُرُ علمه، احتاج إلى بعض كتبه التي بالشّام، فكتب إلى أهله كتابًا يطلب جملة من كتب العلم التي له، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك، بجمال الدين المِزّيّ "فإنّه يدري كيف يستخرج له ما يُريده من الكتب التي أشار إليها" (٢). وحينما ولي المِزّيّ أكبر دار حديث بدمشق هي دار الحديث الأشرفيّة سنة ٧١٨ هـ فرح ابن تيميّة فرحًا عظيمًا بذلك، وقال: "لم يلِ هذه المدرسة من حين بنائها إلى الآن أحقّ شرط الواقف منه" (٣). وقد وليها عظماء العلماء المحدثين، منهم: تقيّ الدين ابن الصّلاح (٥٧٧ - ٦٤٣ هـ)، وابن الحَرَسْتانيّ (٥٧٧ - ٦٦٢ هـ)، وأبو شامة (٥٩٩ - ٦٦٥ هـ)، ومحيي الدّين
_________
(١) البداية والنهاية ١٦/ ٤٤، والدارس ١/ ٧٣.
(٢) البداية والنهاية ١٦/ ٧٦.
(٣) الوافي بالوفيات ٢٩/ ١٠٨ (طـ. دار إحياء التراث)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٧٥، والدرر الكامنة ٦/ ٢٢٩.
стр. 43
النَّوويّ (٦٣١ - ٦٧٦ هـ)، وغيرهم. فقد اعتمد ابن تيميّة قول الواقف: "إن اجتمع مَن فيه الرِّواية ومَن فيه الدِّراية، قُدم مَن فيه الرِّواية" (١). ففضَّله ابنُ تيميّة بذلك على جميع المتقدّمين في الرِّواية.
ولما تُوفي شيخُ الإسلام ابن تيميّة مسجونًا بقلعة دمشق، لم يُسمح لأحد بالدخول أولَ الأمر إلّا لخواصّ أصحابه، قال ابن كثير: "وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المِزّيّ ﵀ وكشفت عن وجه الشّيخ، ونظرت إليه وقبَّلْته … ثم شرعوا في غسل الشّيخ، وخرجتُ إلى مسجدٍ هناك، ولم يمكث عنده إلّا من ساعدَ في غَسْله، منهم شيخُنا الحافظ المِزِيّ، وجماعة من كبار الصالحين الأخيار أهل العلم، والإيمان" (٢). ولما مات المِزيُّ بعد ذلك بأربعة عشر عامًا، دُفِنَ غربيَّ قبر رفيقه وصديقه ابن تيميّة (٣) ﵄.
وظل الرفقة بعد وفاة ابن تيميّة مؤمنين بهذه العقيدة، ولم يفتروا عن دوام الإيمان بها، فنجدهم مدافعين منافحين عن عقيدة الإسلام الصحيحة، محاربين الخارجين المارقين عنها فيشاهد الناسُ المزيَّ في ذي القعدة من سنة ٧٤١ هـ، وهو في الثامنة والثمانين من العمر، يحضُر المجلس بدار العدل مع رفيقه في العقيدة الإمام الذَّهبيّ عند محاكمة عثمان الدَّكّاليّ، أحد المارقين عن الإسلام، قال ابن كثير: "وتكلّما، وحرّضا في القضية جدًّا، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة، وكذا الشيخ زين الدِّين أخو الشّيخ تقي الدِّين ابن تيميّة، وخرج القضاة الثلاثة المالكيّ والحنفيّ والحنبليّ وهم نفذوا حكمه في المجلس، فحضروا قتل المذكور، وكنت مباشرًا لجميع ذلك من
_________
(١) الوافي ٢٩/ ١٠٨، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٧٥، والدرر الكامنة ٦/ ٢٢٩.
(٢) البداية والنهاية ١٦/ ٢١٣.
(٣) البداية والنهاية ١٦/ ٢٩٧.
стр. 44
أوّله إلى آخره" (١). ولم يكن الشافعية الأشاعرة، ومنهم قاضيهم تقيّ الدِّين السُّبْكِئ، قد وافقوا على محاكمة هذا الرجل. قال ابن حجر في ترجمة الدَّكّاليّ هذا: "كان من الخانقاه السّميساطيّة، فدعا طائفةً إلى مقالات الباجربُقيّ، فشاع أمره، فأمسك، وقامت عليه البيّنة بالأمور المنكرة، فحبس، ثم حضر المِزيُّ والذهبيُّ، فشهدا عليه بالاستفاضة لما نُسِب إليه، فحكم القاضي شرف الدِّين المالكيّ بإراقة دمه، ولم يكن ذلك رأي النائب ألطبنغا ولا التقي السبكي، ولكن نفذ أمر الله فيه" (٢).
وسيأتي في مبحث قادم من هذه المقدمة عناية البرزالي بأخبار شيخ الإسلام ابن تيمية بما لا يوجد مثله عند غيره.
وقد وجد العلامة ابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ على جزءٍ فيه ثمانية أحاديث مُنتقاة من جزء الحَسَن بن عَرفة طبقة سماع بخط الحافظ أبي محمد ابن البرزالي المذكور، وهي: "قرأ هذه الأحاديث الثمانيةَ شيخُنا وسيّدُنا الإمام العلّامة الأوحد القُدوة الزاهد العابد الورع الحافظ تقيّ الدِّين، شيخ الإسلام والمسلمين، سيّد العلماء في العالمين، حَبْر الأمّة، مُقْتَدى الأئمّة، حُجّة المذاهب، مفتي الفِرَق، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، أدام الله بركته، ورفع درجته، بسماعه من ابن عبد الدائم، بسنده أعلاه، فسمعها القاسم بن محمد بن يوسف ابن البرزالي، وهذا خطّه. وحضر ولده أبو الفضل محمد، وهو في الشهر السابع من عمره تبرُّكًا بحديث رسول الله ﷺ ، وقصْدًا للبداءة بشيخ جليل القدر، تعود عليه بركته، وينتفع بدعائه. وصحّ ذلك وثبت في يوم السبت التاسع والعشرين من رجب سنة
_________
(١) البداية والنهاية ١٦/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٢) الدرر الكامنة ٣/ ٢٥٢.
стр. 45
خمس وتسعين وست مئة، بسفح جبل قاسيون" (١). هذا وابن تيمية يومئذٍ ابن ثلاثين سنة فقط.
ومع ذلك فإن علم الدين البرزالي كان مجاملًا للجميع مع التزامه بالعقيدة السَّلَفية، فلا نجد عنده حِدّة رفاقه الثلاثة الآخرين، وقلّما تكلّم في أحد بما يَسُوؤه، وقد توسع في ذكر كثير من الصوفية، بما فيهم من المشعبذين، لانتشار أمثالهم في عصره ومصره، بل لبس هو خرقة التصوف، ولكن من طريق الإمام الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الكيلاني الحنبلي، فقال في ترجمة الشيخ أبي العباس أحمد بن علي بن عبد الكريم الموصلي المعروف بالأثري القادري المتوفى سنة ٦٩٥ هـ: "وكان رجلًا صالحًا معمرًا، لبس الخرقة من الشيخ أبي صالح نصر بن عبد الرزاق الجيلي في سنة أربع عشرة وست مئة ببغداد، ولبسناها منه" (٢)، وقال في ترجمة الشيخ جمال الدين أبي سعد عبد الله بن محمد بن نصر بن عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي البغدادي المتوفى في ذي الحجة سنة ٧٠٧ هـ: "وكان قدم في السنة الماضية إلى دمشق، وحج ورجع، وسمعنا عليه ولبسنا منه الخرقة" (٣).
ومثل ذلك لبسها الإمام الذهبي من طريق السهروردي، فقد قال في ترجمة ضياء الدين أبي الهدى عيسى بن يحيى بن أحمد الأنصاري السبتي الصوفي المتوفى سنة ٦٩٦ هـ: "ألبسني الخرقة، وذكر لي أنه لبسها بمكة من الشيخ شهاب الدين السهروردي" (٤).
_________
(١) الرد الوافر ١٢٠.
(٢) المقتفي ٣/ ٢٨٥ (١٨٩٨).
(٣) المقتفي ٤/ ٣٢٣ (٣١٥٨).
(٤) تاريخ الإسلام ١٥/ ٨٤٣.
стр. 46
وقد ذكر العلامة شهاب الدين ابن فضل الله العمري المتوفى سنة ٧٤٩ هـ خاصية لا خُلُقه قد تفرّد بها، دالة على طول باله وتأتيه ومحاولة الإصلاح بين العلماء على الرغم من اتجاهه العقدي المعروف، فيذكر أنه كان "يصحب الخصمين وهما من هما، والنَّظيرين والضِّرغامة الأسد منهما، وكل منهما راضٍ بصُحْبته، واثق به لا يعده إلا من أحبته، كان عند شَيْخَي الإسلام آخر المجتهدين: ابن تيمية وابن الزَّمَلُكاني وما منهما إلّا من هو عليه مرتبط وبه مغتبط، يذيع إليه سره في صاحبه، ويتبسّط لديه في معاتبه، وهو ساكت لا ينطق بحرف، ولا يشارك حتى ولا بإيماء طرف، وعُرِفَ بهذا واشتُهِرَ حتى صارَ عندهما موضع الثقة، ومكان المقة (١)، ومحل الصَّداقة المحققة، ثم كان يسعَى في صلاح ذات بينهما فيعجز، ويعده كل منهما به ولا ينجز، فأغمد لسانه، وترك كل امرئ منهما وشأنه" (٢). ومن هنا قال ابن كثير: "وكان أصحابه من كل الطوائف يحبونه ويكرمونه" (٣).
جـ - وظائفه:
تعانى علم الدين البرزالي الشهادة في شبيبته، وهي وظيفة أبيه، فجلس مع أعيان الشهود، وتقدم في الشروط (٤) فأحكمها والسجلات فأتقنها (٥).
وذكر الصفدي في أعيان العصر أنه ولي الإقراء في دار الحديث الأشرفية، وقراءة الحديث بالظاهرية سنة ٧١٣ هـ (٦).
_________
(١) المقة: المحبة، فالهاء عوض الواو، وقد ومقه يَمِقهُ بالكسر فيهما: أي أحبه (الصحاح: ومن).
(٢) مالك الأبصار ٥/ ٥٤٨.
(٣) البداية والنهاية ١٦/ ٢٨٨.
(٤) ذيل سير أعلام النبلاء ٣٦٠.
(٥) مالك الأبصار ٥/ ٥٤٩.
(٦) أعان العصر ٤/ ٥١.
стр. 47
وفي سنة ٧١٦ هـ ولي مشيخة النفيسية بعد وفاة الشيخ علاء الدين علي بن المظفر بن إبراهيم الكندي الإسكندراني ثم الدمشقي المتوفى في تلك السنة والذي كان قد وليها مدة عشر سنين (١)، وتولاها بعد وفاته رفيقه شمس الدين الذهبي (٢).
وولي مشيخة دار الحديث القوصية التي أوقفها شهاب الدين أبو العز إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي القوصي الشافعي وكيل بيت المال بالشام المتوفى سنة ٦٥٣ هـ (٣)، وليها بعد وفاة شيخها علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود العطار سنة ٧٢٤ هـ، وتولاها بعد وفاته ابن رافع السلامي (٤).
كما تولى بعد وفاة علاء الدين ابن العطار سنة ٧٢٤ هـ دار الحديث النورية، أعظم دور الحديث بدمشق، وهي التي أسسها الشهيد المجاهد نور الدين محمود ابن عماد الدين زنكي المتوفى سنة ٥٦٩ هـ، ثم وليها بعده رفيقه جمال الدين أبو الحجاج المزي (٥).
د - آراء العلماء فيه:
وأرى من المفيد في نهاية هذه الترجمة المختصرة أن أنقل بعض آراء العلماء في علم الدين البرزالي فهي المنبئة عن منزلته المتميزة التي احتلها بين علماء عصره.
_________
(١) الدارس ١/ ٨٥، وتنظر البداية ١٦/ ١١٩.
(٢) ذيل السير ٣٦١، والوافي بالوفيات ٢/ ١٦٦.
(٣) ترجمته في تاريخ الإسلام ١٤/ ٧٣٩ - ٧٤١.
(٤) ذيل السير ٣٦١.
(٥) المصدر السابق.
стр. 48
وأول ما أبدأ به قول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) الذي أشار إلى دقته وضبطه، فقال: "نقل البرزالي نَقْر في حَجَر" (١).
وقال رفيقه الإمام شمس الدين الذهبي في معجم شيوخه: "الإمام العدل الكبير الورع … الصادق الحجة مفيدنا ومُعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر علم الدين … فمشيخته بالإجازة والسماع فوق الثلاثة آلاف، وكتبه وأجزاؤه الصحيحة في عدة أماكن، وهي مبذولة للطلبة، وقراءته المليحة الفصيحة الصحيحة مبذولة لمن قصدهُ، وتواضعه وبِشْرهُ مبذول لكل غني وفقير، فالله يلهمه رشده ويمد في عمره. سمعتُ منه في سنة أربع وتسعين وست مئة" (٢).
وقال في ذيل سير أعلام النبلاء: "كان رأسًا في صدق اللهجة والأمانة، صاحب سنة واتِّباع، ولزوم للفرائض، خيِّرًا، متواضعًا، حَسَن البِشْر، عديم الشر، فصيحَ القراءة، قوي الدُّربة، عالمًا بالأسماءِ والألفاظ، سريع السرد مع عدم اللحن والدمج، قرأ ما لا يوصف كثرة، وروى من ذلك جملة وافرة. وكان حليمًا، صبورًا، متوددًا، لا يكثّر بفضائله، ولا ينتقص بفضائل أخيه، بل يوفيه حقه، ويلاطف الناس. وله ودٌّ في القلوب، وحُبٌّ في الصُّدور … وكان حُلو المحاضرة، قويَ المذاكرة، عارفًا بالرجال الكبار، ولا سيما أهل زمانه وشيوخهم، يتقن ما يقوله، ولم يخلف في معناه مثله، ولا عمل أحد في الطلب عمله …
وكان باذلًا لكتبه وأجزائه، سَمْحًا في أموره، مؤثرًا، متصدقًا، رحومًا، مشهورًا في الآفاق، مقصدًا لمن يلتمس إسماعه.
_________
(١) البداية والنهاية ١٦/ ٢٨٨، والدرر الكامنة ٤/ ٢٧٧.
(٢) معجم الشيوخ ٢/ ١١٥ - ١١٦ (٦٣٥).
стр. 49
وكان هو الذي حَبّب إليَّ طلب الحديث، فإنه رأى خطي فقال: خطك يشبه خط المحدثين، فأثّر قوله فيَّ، وسمعت وتخرّجت به في أشياء.
وَلي قراءة دار الحديث سنة عشر وسبع مئة، وقرأه بالظاهرية … وتفرّد ببعض مرويات، وتخرّج به الطلبة، وما أظن الزمان يسمح بوجود مثله، فعند ذلك نحتسب مصابنا به. ولقد حزن الجماعة به، خصوصًا رفيقه أبو الحجاج سْيخنا، وبكى عليه غير مرة، وكان كلٌّ منهما يُعَظّم الآخرَ ويعرفُ فضله … ووقف كتبه وعقارًا جيدًا على الصدقة" (١).
وقال شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العدوي العمري المتوفى سنة ٧٤٩ هـ: "الحافظُ، عُمدةُ الحفاظ، مؤرخُ الشام، ممن ولدته دمشق، والفَحْل فَحْلٌ مُعْرِق، وأوجدته الأيام فسطع ضوءها الفرِق، وتَمَخَضت منه الليالي عن واحدها وأحد أهل المَشرق ومَشى فيها على طريق واحدٍ ما تغيّرَ عن سلوكها، ولا تقهقر لا سُلوكها، يصحب الخَصْمين وهما من هما، والنَّظِيرين والضِّرغامة الأسد منهما، وكل منهما راضِ بصُحْبته، واثق به لا يعده إلا من أحبته، كان عند شَيْخَي الإسلام آخر المُجتهدين: ابن تيمية وابن الزَّمَلُكاني وما منهما إلّا من هو عليه مُرْتَبط وبه مُغْتَبط، يذيعُ إليه سره في صاحبه، ويَتَبسّط لديه في معاتبه، وهو ساكتٌ لا ينطق بحرف، ولا يُشارك حتى ولا بإيماء طَرف، وعُرِفَ بهذا واشتُهِرَ حتى صارَ عندهما موضع الثقة، ومكان المَقَة (٢)، ومَحَل الصَّداقة المُحققة، ثم كان يسعَى في صَلاحِ ذات بينهما فيعجز، ويعده كل منهما به ولا ينجز، فأغمدَ لسانَهُ، وتركَ كل امرئ منهما وشأنَهُ. وكانَ ممن ينفع الطَّلَبة، ويستلذ في راحتهم تعبه، ويحرصُ
_________
(١) ذيل سير أعلام النبلاء ٣٦١.
(٢) المقة: المحبة.
стр. 50
على إسماعهم، ويقيّد مجالسَ سماعِهم، لا يشغله عنهم ما كان مُعدًا له من حضور مجالس الحُكّام، والتسجيل عنهم بالأحْكام، وحضور الوَظائف ومُجالسة أكثر الطَّوائف، ثم بلغني أنه تَوَجه إلى الحج فمات بخُلَيْص، وقد استقبلَ مكة مُيَمِّمًا، وكُفِّن في ثياب إحرامه ليبعث يوم القيامة مُلبيًا مُحْرِمًا.
ولد في عاشر جُمادى الأولى سنة خمس وستين وست مئة. واعتنى بالرواية من صغره، فقرأ بنفسه الكُتْب الكبار، ورحلَ إلى الديار المِصْرية، والثغر، والبلاد الشَّمالية. وسمعَ ما ينيف عن ألفي شيخ، وأجازَ له ألف آخر، فاشتملَ مُعجمه على نَيِّفٍ وثلاثة آلاف شَيْخ، وكتبَ من الأبيات، والتعاليق، والأجزاء، والتاريخ، والتخاريج ما لا يُحصى كثرة، حَرَّرَ مسموعاته، وصارَ مُقْتَدَى به، مرجوعًا إليه في هذا الشأن، مع الحفظ والإتقان، والصِّدق والتَّحَري، وكَتَبَ الشروطَ فأحكمها، والسِّجلات فأتقَنَها، وله فيهما مُصَنَّفات.
وكان مُحْسنًا إلى الطَّلَبة، متلطفًا بهم، صَبُورًا على التعليم، سهل العارية لكتبه وأجزائه، فيقضي أوقاته في السماع والتَّسميع، وكتابة الطَّباق، وقضاء حوائج النّاس، والمواظبة على وظائفه من غير انقطاع إلّا لعذرٍ مانعٍ شَرْعًا. وولي المشيخات، وصحب الأكابر من أهل العلم" (١)، ورثاه بقصيدة طويلة.
وقال تلميذه صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: "شيخنا الإمام الحافظ المحدث المؤرخ … كان، رحمه الله تعالى، رأسًا في صدقه، بارعًا في خِدَمِه، أمينًا، صاحب سنة واتباع، ولزوم فرائض ومجانبة الابتداع، متواضعًا مع أصحابه ومَن عداهم، حريصًا على نفع الطلبة وتحصيل هداهم، حسن البشر دائمه، صحيح الود، حافظ السر كاتمه، ليس فيه شر، ولا له على خيانة مقر، فصيح القراءة، عدم اللحن والدمج،
_________
(١) مسالك الأبصار ٥/ ٥٤٧ - ٥٤٩.
стр. 51
ظاهر الوضاءة، لا يتكثر بما يعرف من العلوم، ولا يتنقص بفضائل غيره، بل يوفيه فوق حقه المعلوم.
وكان عالمًا بالأسماء والألفاظ، وتراجم الرواة والحفاظ، وخطه كالوشي اليماني أو رونق الهندواني، لم يخلف بعده في الطلب وعمله مثله، ولا جاء من وافق شكلُه شكلَهُ … وكان، رحمه الله تعالى، لدمشق به في الحديث جمال، بلغ ثبته أربعًا وعشرين مجلدًا … وكان باذلًا لكتبه لا يمنعها مَن سأله شيئًا منها، سَمْحًا في كل أموره، مؤثرًا، متصدقًا … ووقف كتبًا وعقارًا جيدًا على الصدقات … وكان دائم البشر لي، جميل الود. وكان من عقله الوافر وففله السافر أنه يصحب المتعاديين، وكل منهما يعتقد صحة وده ويبث سره إليه. وكان العلامة تقي الدين ابن تيمية يوده ويصحبه، والشيخ العلامة كمال الدين ابن الزملكاني يصحبه ويوده ويثني عليه" (١).
وقال تاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ: "كان مفيد جماعة المحدثين على الحقيقة. ولما ورد الوالد إلى الشّام في سنة ست وسبع مئة، كان هو القائم بتسميعه على المشايخ، واستقرت بينهما صُحْبة. فلما عاد الوالد إلى الشّام في سنة تسع وثلاثين في رجب قاضيًا لازمه الشيخ علم الدين إلى أوان الحج " (٢).
وقال بدر الدين الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي المتوفى سنة ٧٧٩ هـ: "محدث الشّام، ومؤرخ العصر، كان عالمًا عاملًا، محدثًا كاملًا، كاتبًا مُجيدًا، متفنَنًا، محرّرًا، ضابطًا، مُكثِرًا، ماهرًا في كتابة الشروط،
_________
(١) أعيان العصر ٤/ ٤٩ - ٥٢. أما ترجمته في الوافي بالوفيات فهي منقولة مما كته شمس الدين الذهبي، وما هنا مستفادة في كثير منها من ترجمة ابن فضل الله العمري.
(٢) طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٣٨٢. أما ترجمته في معجم شيوخه فهي منقولة من ذيل السير للذهبي، وكذا ترجمة ابن كثير في البداية مع بعض زيادات.
стр. 52
عارفًا بالمكاتيب الشرعية، معظِّمًا عند الحكام والأعيان، مُحبَّبًا إلى الناس، ديِّنًا خيِّرًا، حسن الأخلاق، كثير التواضع والتّودّد، قائمًا بحقوق أصحابه، ذا مروءةٍ وافرة، وأوصاف شِيَمُها باهرة، وهمّة عالية، رحل في طلب الحديث، إلى البلاد الشامية، والديار المصرية، وثغر الإسكندرية، ومكة المشرَّفة، والمدينة النبوية، وسمع الكثير من الجمّ الغفير، وقرأ وكتب وحدّث، وروى وأفاد، وجمع وألف، ورتّب وصنّف، وانتقى وخرّج، وعُنِيَ بهذا الشأن. ثَبَتُه عشرون مُجلّدًا، وأشياخه الذين سمع منهم يزيدون على ألفي نفر، منهم مئة قاض، وثمانون خطيبًا ومئتا أديب، وأشياخه بالإجازة ألف نفر، وسمع من الكتب الكبار نيفًا وخمسن كتابًا، ومن الأجزاء المختلفة كثيرًا، وأخذ عن العلّامة شرف الدين أبي العباس أحمد الفَزاري، ولازمَ أخاه الشيخ تاج الدين، ولقي المشايخ وسمع منهم، وقرأ عليهم كثيرًا بعبارته الفصيحة الصحيحة، وجمع تاريخًا مفيدًا، رحمه الله تعالى.
رأيت الشيخ عَلَم الدين المذكور بدمشق، واجتمعت به مرَّات، وسمعت من فوائده، وبقراءته على عدّة من مشايخ الحديث بها، وكتب عنّي قصيدة نبوية، ثم وقفت على تاريخه المذكور، وعلى مُعجمه المشتمل على ذكر مشايخه، وهما أكثر من عشرين مجلدًا، ونقلت منهما، واستفدت وكتبت على المعجم المذكور:
يا طالبًا نَعْت الشيوخ وما رأوا … ورووا على التفصيل والإجمال
دار الحديث انزل تجد ما تبتغي … لك بارزًا في معجم البرزالي " (١)
وقال علامة الشام ابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى سنة ٨٤٢ هـ: "الإمام الحافظ الثقة الحجة مؤرخ الشّام وأحد محدثي الإسلام، علم الدين،
_________
(١) تذكرة النبيه ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
стр. 53
مفيد المحدثين … صاحب التاريخ الخطير والمعجم الكبير، كان بأسماء الرجال بصيرًا وناقلًا لأحوالهم نحريرًا …
سمعت بعض مشايخنا يذكر أنَّ الحفاظ الثلاثة: المزي، والذهبي، والبرزالي اقتسموا معرفة الرجال، فالمزي أحكم الطبقة الأولى، والذهبي الوسطى، والبرزالي الأخيرة، يعني كمشايخ عصره ومَن فوقهم بقليل ومن بعدهم، ومَن اطلع على معجم البرزالي حَقّق ذلك.
وفيه يقول الذهبي فيما أنبؤنا عنه:
إن رُمتَ تفتيش الخزائن كلها … وظهور أجزاء حوت وعوالي
ونعوت أشياخ الوجود وما رووا … طالع أو اسمع معجم البرزالي
وهو الذي مدحه الشيخ العالم الأوحد أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الموصلي الطرابلسي الشافعي لما قدم حاجًا سنة أربع وثلاثين وسبع مئة (١):
مازلت أسمع عنكم كل عارفة … لمثلها وإليها ينتهي الكرم
وكنتُ بالسمع أهواكم فكيف وقد … رأيتكم وبدالي في الهوى علم" (٢)
_________
(١) توفي ابن الموصلي سنة ٧٧٤ هـ، وترجمته في وجيز الكلام للسخاوي ١/ ١٩٤ وتعليقنا عليه.
(٢) الرد الوافر، ص ١١٩ - ١٢٠.
стр. 54
الفصل الثاني كتاب المقتفي لتاريخ أبي شامة
عنوان الكتاب:
جاء عنوان الكتاب في طرة النسخة التي كتبها الشيخ محمد بن محمد بن علي الأنصاري المعروف بسبط ابن الحبوبي سنة ٧٢١ هـ بأمر المؤلف وقابلها المؤلف معه وأثبت خطه عليها كما يأتي: "الأول من التاريخ المسمى بالمقتفي لتاريخ الشيخ الإمام شهاب الدين أبي شامة رحمه الله تعالى"، وكذا جاء عنوان المجلد الثاني، وكذا جاء اسمه "المقتفي" في آخر كل مجلد من النسخة، وكذا نص عليه غير واحد (١).
وقد قال المؤلف في مقدمته لهذا الكتاب: "وكان تاريخ الشيخ الإمام العلامة الحافظ المفتي شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، المعروف بأبي شامة - رحمه الله تعالى - الذي جعله ذيلًا على كتابه المسمى بـ "الروضتين في أخبار الدولتين" ورتبه على السنين، وابتدأ فيه من أول سنة تسعين وخمس مئة وانتهى فيه إلى سنة وفاته، سنة خمس وستين وست مئة - وهي سنة مولدي - مجموعًا حسنًا وذيلًا مستحسنًا. ولما طالعته، وحَصّلتُ به نسخة، وقابلته، أحببت أن أذيّل عليه من تلك السنة، وأن أحذو حذوه فيما أتقنه وبَيّنهُ، وأن اهتدي بأنواره، وأن أعُدَّ من جملة أعوانه وأنصاره، ليكون تاريخه معلمًا وإتقانه محكمًا" (٢).
فالكتاب ذيل على ذيل الروضتين، وليس ذيلًا على "الروضتين"، كما ظن الأخ الصديق الدكتور عمر عبد السلام تدمري الذي نشر الكتاب بهذا
_________
(١) انظر مثلًا: النويري في نهاية الأرب ٣٢/ ٣٣٦، والسخاوي في الإعلان بالتوبيخ ٦٧٣.
(٢) المقتفي ١/ ٢٠١.
стр. 55
العنوان (١)، وقد قال الإمام شمس الدين السخاوي: "وللعلامة المجتهد ذي الفنون أبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي ثم الدمشقي الشافعي كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية"، وذيّل هو عليه، وافتتحه بسنة تسعين وخمس مئة، ومات في سنة خمس وستين وست مئة، وهي سنة مولد الحافظ العلم القاسم بن محمد البرزالي، فكان كتابه الذي افتتحه بها ذيلًا عليه وسماه "المقتفي " وانتهى إلى أثناء سنة ست وثلاثين وسبع مئة، بل كتب بعدها قليلًا" (٢).
نطاقه وعدد مجلداته:
ابتدأ علم الدين البرزالي كتابه بسنة ٦٦٥ هـ كما تقدم، وانتهى المبيض منه عند سنة ٧٣٦ هـ، ثم كتب مسودة لسنتي ٧٣٧ و ٧٣٨ هـ، وهذا واضح من قول ابن رافع السَّلّامي (ت ٧٧٤ هـ) الذي ذيَّل عليه بكتابه "الوفيات" (٣): "فإني لما رأيت تاريخ الحافظ أبي محمد القاسم بن محمد البرزالي انتهى فيه إلى آخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة مبيضًا، أردت أن أذيّل عليه، ثم رأيت في المسودات سنتين فكتبت منهما ما تيسر مع الذي جمعته" (٤)، ولذلك بدأ ابن رافع كتابه من سنة ٧٣٧ هـ.
_________
(١) هكذا جاء العنوان في جميع المجلدات، مع أنه ذكر في تقديمه لهذا الكتاب أن أبا شامة "ألف كتاب الروضتين ثم ذيّل عليه فجاء كتاب البرزالي ذيلًا على ذيل الروضتين، وهو يقتفي أثره " ثم يقول مباشرة: "فعرف بالمقتفي على كتاب الروضتين"، والعبارة الأخيرة غلط محض لم يقل بها أحد قبله ولا بعده.
(٢) الإعلان بالتوبيخ ٦٧٣.
(٣) حققه تلمذي الدكتور صالح مهدي عباس، ونال به رتبة الدبلوم العالي بإشرافي ومراجعتي، ونشرته مؤسسة الرسالة سنة ١٩٨٢ م.
(٤) الوفيات ١/ ١٢٥.
стр. 56
وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في آخر سنة ٧٣٨ هـ: "وهذا آخر ما أرَّخ شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيّل به على تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي، وقد كانت وفاة البرزالي في العام القابل وهو مُحْرِم بمنزلة خُلَيْص. وقد ذَيّلتُ على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وسبع مئة" (١).
وقد وقف عبد القادر النعيمي الدمشقي (ت ٩٢٧ هـ) على المجلد الأخير من الكتاب بخط مؤلفه والمتضمن حوادث ووفيات سنة ٧٣٠ - ٧٣٦ هـ، قال: "وقد وقفت في أثناء جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وثمان مئة على الجزء الأخير من تاريخه، من أول سنة ثلاثين وست مئة إلى أواخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة، فرأيته قد نقل فيه عن الذهبي في نحو سبعة مواضع، ثم رأيت الذهبي وقد وقف عليه وكتب على أوله: عَلّقَهُ ودعا له الذهبي، ورأيت خط ابن حجر عليه في أماكن أفاد فيها زيادة على ما ذكره البرزالي" (٢)، وقد أفاد النعيمي من هذا المجلد الذي نص في أكثر من موضع على وجوده بخط مؤلفه، فقال عند ذكر المدرسة الأكزية: "قال البرزالي في تاريخه في سنة ست وثلاثين وسبع مئة ومن خطه نقلتُ" (٣)، وقال عن أحدهم توفي سنة ٧٣١ هـ: "وقال البرزالي، ومن خطه نقلتُ" (٤)، وقال في موضع آخر: "ورأيت بخط علم الدين البرزالي في تاريخه سنة إحدى وثلاثين
_________
(١) البداية والنهاية ١٦/ ٢٨٥. ويلاحظ أن المادة الموجودة في البداية والنهاية اعتبارًا من سنة ٦٦٥ هـ إلى سنة ٧٣٨ هـ منتقى أكثرها من كتاب البرزالي.
(٢) الدارس ١/ ١٤٨.
(٣) الدارس ١/ ١٢٤.
(٤) الدارس ١/ ١٤٨.
стр. 57
وسبع مئة" (١)، وقال: "قال البرزالي في تاريخه سنة ثلاث وثلاثين ومن خطه نقلتُ" (٢)، و"رأيت بخط البرزالي في السنة هذه" (٣)، و"رأيت بخط علم الدين البرزالي في تاريخه لا سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ومن خطه نقلتُ " (٤) … إلخ (٥).
وقد وصل إلينا مجلدان من أول الكتاب إلى آخر سنة ٧٢٠ هـ، كتبهما محمد بن محمد بن علي الأنصاري ابن الصيرفي سبط ابن الحبوبي بطلب من المؤلف، ثم قابلهما المؤلف معه، وتوفي سبط ابن الحبوبي في رمضان من سنة ٧٢٢ هـ (٦)، تضمن المجلد الأول حوادث ووفيات ٦٦٥ - ٦٩٨ هـ، (٣٤) سنة، والمجلد الثاني حوادث ووفيات ٦٩٩ - ٧٢٠ هـ، وهي (٢٢) سنة. أما المجلد الأخير الذي بخط المؤلف فتضمن السنوات ٧٣٠ - ٧٣٦ هـ (٧ سنوات) فقط.
وذكر الإمام الذهبي رفيقه الذي اطلع على هذا الكتاب من أوله إلى آخره، بدلالة النقل منه في جميع المدة التي تناولها أنَّ الكتاب في خمس مجلدات أو أكثر (٧)، ونقل هذا القول عنه تلميذه تاج الدين السبكي في معجم شيوخه (٨)، والصفدي في "الوافي" (٩)، لكنه ذكر في "أعيان العصر" أنه
_________
(١) الدارس ١/ ١٤٩.
(٢) الدارس ١/ ١٨٥.
(٣) الدارس ١/ ٢٠٥.
(٤) الدارس ١/ ٢٦٦.
(٥) وانظر الدارس ١/ ٣٣٣، ٣٥٣، ٣٦٤، ٣٧٣، ٣٨٢، ٣٨٨، ٤٠٢، ٤١٠، ٤١٢، ٤٣٨، ٤٤٢، و ٢/ ٦، ٧، ٦٢، ١٠٤، ١٣٣، ١٧٨ … إلخ.
(٦) ترجمه في: المعجم المختص للذهبي ١١٠ هـ، وذيل العبر، ١٢٣، والدرر الكامنة ٥/ ٤٦٤، والشذرات ٨/ ١٠٦ وغيرها.
(٧) ذيل السير ٣٦.
(٨) معجم شيوخ السبكي ٣٢٠.
(٩) الوافي بالوفيات ٢٤/ ١٦٢.
стр. 58
في ثماني مجلدات (١)، وهو غريب، كما زعم ابن قاضي شهبة أنَّ الذهبي ذكر أنه في سبع مجلدات (٢)، وهو غلط محض إما من النساخ أو منه لأن الذهبي لم يقل مثل هذا في جميع كتبه.
ولما كان المجلد الأخير يبدأ من سنة ٧٣٠ هـ، كما تقدم، فمن المحتمل أن المجلدين الثالث والرابع قد تضمنا السنوات ٧٢١ - ٧٢٩ هـ، ولا يستبعد ذلك لتوسع الأحداث والوفيات في هذه السنوات، ولأننا لا نعرف حجم كل مجلد منهما، وهما بلا شك، مثل الأخير بخط المؤلف كما دلت النقول عنها (٣).
أما قول الذهبي "أو أكثر" فلعلها إشارة إلى السنتين اللتين كتبهما المؤلف في المسودة. وأما القول بأن المجلد الثالث كان يتضمن المدة ٧٢٩ - ٧٢١ هـ (٤) فهو وإن كان معقولًا، ولكن لا دليل عليه.
وكل هذا الذي ذكرناه قائم على التخمين، فلعل الذهبي قد اطلع على نسخة المؤلف قبل قيام سبط ابن الحبوبي بتبييضها، لكن ذكر الذهبي لعدد المجلدات، وهو الناقل عن الكتاب في جميع سنواته التي تناولها ينبغي أن يُعتبر ويُقدّر.
منهجه:
كانت الكتب التاريخية الأولى المرتبة بحسب السنين تعنى بذكر الحوادث بالدرجة الأولى مثل تاريخ خليفة بن خياط المتوفى سنة ٢٤٠ هـ وتاريخ الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وغيرهما، وقلما أعطت أهمية كبيرة ومتميزة للتراجم. وقد ظهر تحول واضح منذ القرن السادس الهجري في هذا
_________
(١) أعيان العصر ٤/ ٥٠.
(٢) طبقات الشافعية ٢/ ٢٧٩ (ط. عالم الكتب).
(٣) انظر مثلًا: البداية والنهاية ١٦/ ١٥١ - ١٥٣.
(٤) مقدمة الدكتور عمر تدمري لطبعته ١/ ٨٨.
стр. 59
النمط من الكتب التاريخية ولا سيما عند المؤرخين المحدِّثين، إذ زاد اهتمامهم بذكر التراجم. ويبدو ذلك واضحًا في كتاب "المنتظم" لأبي الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ، حيث أدخل تقسيمًا واضحًا بين الحوادث والوفيات، فجعل التراجم تعقب حوادث كل سنة ورتبها بحسب حروف المعجم. وقد ظلت هذه الطريقة تؤثر في أُطُر الصور الحولية للمؤلفات التاريخية التي جاءت بعده. ويعزو الأستاذ روزنتال ذلك إلى سيطرة علم الكلام (١)، في حين نعتقد أن هذا التطور لم يكن إلا بتأثير علم الحديث النبوي، واشتداد العناية برواته (٢) (٣).
على أنَّ بعض المؤرخين، ومنهم البرزالي، لم يفصلوا بين الحوادث والوفيات، فذكروها في التسلسل الزمني لليوم والشهر والسنة كلّما أمكن ذلك، وكانت التراجم هي الغالبة على الكتاب حتى كان بعض المؤرخين مثل الذهبي (٤) وابن كثير (٥) وابن الملقن (٦) يطلقون على كتابه "الوفيات"، لأن تنظيمه هو تنظيم كتب وفيات المترجمين التي اتخذت من تاريخ الوفاة أساسًا للتنظيم من غير نظر إلى أهمية المترجم أو قيمته العلمية (٧)، كما هو الحال في كثير من كتب الوفيات، ومها على سبيل المثال لا الحصر "التكملة لوفيات النقلة" لزكي الدين المنذري (ت ٦٥٦ هـ)، و"صلة التكملة لوفيات
_________
(١) علم التاريخ عند المسلمين، ص ١٩٨، ٢٠٤.
(٢) ينظر بحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين، ص ٣٣ - ٣٤ (مجلة الأقلام البغدادية، السنة الأولى، العدد الخامس ١٩٦٥ م).
(٣) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٢ (ط ٢، بيروت ٢٠٠٨ م).
(٤) تاريخ الإسلام ١٥/ ٨٣١.
(٥) طبقات الشافعيين ٢/ ١٣٢.
(٦) العقد المذهب ٤٨١.
(٧) ينظر بحثنا: "أثر دراسة الحديث في تطور الفكر العربي" المنشور في كتاب "رحلة في الفكر والتراث"، ص ٣٢ فما بعد.
стр. 60
النقلة" لعز الدين الحسيني (ت ٦٩٥ هـ)، وكتاب "الوفيات" لتقي الدين ابن رافع السلامي (ت ٧٧٤ هـ) الذي ذيّل به على كتاب البرزالي هذا.
يبدأ المؤلف عادة بذكر السنة أولّا، ثم يدون الشهر، ويذكر، كلما توفرت المادة، الحوادث والتراجم متسلسلة من أول الشهر إلى نهايته حيث يبتدئ الفقرة بلفظة "وفي"، وكثيرًا ما يعقبه بذكر اليوم من الأسبوع، مثل الجمعة، أو السبت، أو الأحد، ثم التاريخ من ذلك الشهر من نحو قوله: "وفي يوم الأحد ثامن عشر شعبان "، وقد يستعمل لفظة "مستهل" لبداية الشهر، أو "سلخ" لنهايته، ثم يذكر الحدث أو الترجمة، فإذا لم يتوفر له التاريخ المتقن اكتفى بالشهر، وربما ذكر في آخر السنة من لم يعرف تاريخ وفاته إلا في السنة، فيقول: "وفي هذه السنة"، وهو القليل النادر.
وغالبًا ما تتكون عناصر الترجمة عند البرزالي من الأمور الآتية:
١ - تاريخ وفاة صاحب الترجمة، ولقبه وكنيته واسمه ونسبه ومذهبه، وما اشتهر به، ومكان وفاته، والمقبرة التي دفن بها، والصلاة عليه، مع العناية بتحليته بالألقاب والصفات المادحة إن كان من أهلها، من نحو قوله: "وفي ليلة الثلاثاء تاسع عر رمضان توفي الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر المقدسي الشافعي المعروف بأبي شامة بدمشق، ودفن بمقبرة باب الفراديس" (١)، وقوله: "وفي غداة السابع عشر من شوال توفي الشيخ الإمام تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن الميمون القيسي المصري المالكي، ابن القسطَلّاني، بمصر، ودفن من يومه بسفح المقطم" (٢).
_________
(١) المقتفي ١/ ٢٢٦ (٢٩).
(٢) المقتفي ١/ ٢٢٩ (٣٢).
стр. 61
٢ - دراسته، وأخذه عن المشايخ، وذكر مسموعاته إن توفرت له.
٣ - ذكر تاريخ ولادته إن توفر له.
٤ - تقويم المؤلف لصاحب الترجمة، بذكر صفاته المادحة في الأغلب الأعم، والقادحة في أحايين قليلة جدًا، من نحو قوله مادحًا: "وكان عنده فهم وتيقظ، وله مشاركة في الأدب والتاريخ وغير ذلك، وله مجاميع مفيدة، وكتب بخطه كثيرًا. وكان حسن الأخلاق، لطيف الشمائل، مشغولًا بنفسه … وله شعر جيد ونوادر، لا تُمل مُجالسته" (١)، ومن نحو قوله في ترجمة الأمير جمال الدين آقوش النجيبي الصالحي: "وكان كثير الصدقة، محبًّا للعلماء والفقراء، شافعيًّا، متغاليًا في السنة وحب الصحابة ﵃، قائمًا بما يجب من إخمال الشيعة، ووقف أوقافًا … " (٢).
٥ - صلته بصاحب الترجمة، إن كانت له منه إجازة ذكرها، أو روى له عنه فلان من العلماء ذكره، أو سمع منه، وغالبًا ما يذكر مسموعاته على الشيخ، وهو كثير العناية بذلك، لا سيما بعد أن بدأ بطلب العلم بنفسه ابتداءً من سنة ٦٧٧ هـ، وقد ذكرنا أمثلة من ذلك فيما تقدم عند كلامنا على طلبه العلم.
٦ - ويلاحظ أن المؤلف قليل العناية بذكر مؤلفات المترجم إلا في حالات نادرة مثل الذي فعله في ترجمة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥ هـ فإنه ذكر الكثير من مؤلفاته، على غير عادته (٣).
أما الحوادث التي يذكرها فهي متنوعة تشتمل على أخبار السلاطين، ونوابهم في دمشق وغيرها من البلدان، والأمراء وتحركاتهم وعلاقتهم بالسلطان،
_________
(١) المقتفي ١/ ٤٤٤ (٣٦٦)، قال ذلك في ترجمة جمال الدين اليغموري.
(٢) المقتفي ٢/ ٨٢ (٦١٩).
(٣) المقتفي ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
стр. 62
وذكر ما تتعرض له البلاد من هجمات، وجهاد الدولة في مواجهة أعدائها من صليبيين ومغول وخوارج، وتعمير العمائر من الحصون والمدن، وإنشاء الجوامع، والمدارس، ودور الحديث، والخوانق. ويُعنى في كل عام بذكر الحج، ابتداءً بتهيؤ الناس وخروجهم للحج، والعناية بذكر المحمل، وما يجري على الحجاج في سفرهم وذكر أحوالهم في ذلك الموسم، وعودتهم ووصولهم إلى دمشق، وذكر الأعيان الذين حجوا في ذلك العام، وأمير الحاج.
وتتضمن الحوادث عادة الظواهر الطبيعية وما ينتج عنها، من نحو انقطاع الأمطار، وما يتبع ذلك من غلاء فاحش، أو سقوط الثلوج، أو ما تتعرض له بعض المدن من السيول والفيضانات، والأوبئة وما ينتج عنها من وفيات كثيرة، والحرائق وغيرها.
كما يُعْنَى عناية خاصة بذكر وظائف كبار الموظفين، مثل القضاة والمدرسين، والوزراء، والنظار، والمحتسبين وغيرهم لا سيما في مصر، وبلاد الشام.
وقد حاول المؤلف جهد استطاعته تقديم معلومات عن الدول المجاورة وحكامها، مثل المغول عامة، ومغول القبجاق، وحكام بلاد الروم، وأخبار الصليبيين، ونحو ذلك، وغالبًا ما يعتمد في ذلك على موارد خاصة عارفة بأخبارهم، بحيث تفرد بمعلومات عنهم لا نجدها عند غيره من المؤرخين.
موارد الكتاب:
يُعد تاريخ البرزالي من التواريخ التي عاصر مؤلفها الحوادث والتراجم التي كتبها، إذ بدأ به من عام مولده سنة ٦٦٥ هـ، ووقف عند السنة قبل الأخيرة من وفاته.
وإذا استثنينا السنوات الأولى من كتابه، وهي السنوات الممتدة من ولادته إلى حين إدراكه وبداية طلبه العلم بنفسه، وهي قليلة المادة عمومًا،
стр. 63
فإن جميع الكتاب كان مما أدركه المؤلف وشاهده، ولا سيما فيما يتصل بالحوادث والوفيات الواقعة بدمشق حيث كان يعيش.
ومثل أي مؤرخ كان ينقل المعلومات التاريخية السابقة لعصره من مؤلفات سابقة، كما فعل في النقل من "إكمال الإكمال" لمعين ابن نقطة البغدادي المتوفى سنة ٦٢٩ هـ (١)، و"معجم" عز الدين عمر ابن الحاجب المتوفى سنة ٦٣٠ هـ (٢)، و"عقود الجمان"، لابن الشعار الموصلي المتوفى سنة ٦٥٤ هـ (٣)، و"بغية الطلب في تاريخ حلب" لابن العديم المتوفى سنة ٦٦٠ هـ (٤)، و"ذيل الروضتين" لأبي شامة المقدسي المتوفى سنة ٦٦٥ هـ (٥)، و"تكملة إكمال الإكمال" لشيخه جمال الدين المحمودي المعروف بابن الصابوني المتوفى سنة ٦٨٠ هـ (٦).
وأفاد المؤلف من كتب ألفت قبله وتناولت الحوادث والتراجم التي استغرقها كتابه، فكان ينقل منها ويشير إليها، وهي ليست قليلة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب "صلة التكملة لوفيات النقلة" لعز الدين الحسيني المتوفى سنة ٦٩٥ هـ الذي ذيل به على "التكملة" للمنذري (ت ٦٥٦ هـ)، وتناول الوفيات ٦٤١ - ٦٧٥ هـ (٧)، ونجم الدين إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الأنصاري البادي الصالحي المعروف بابن الخباز (٦٢٩ - ٧٠٣ هـ) الذي أفاد
_________
(١) مثلًا: المقتفي ٣/ ٣٥.
(٢) مثلًا: المقتفي ١/ ٤٤١.
(٣) مثلًا: المقتفي ١/ ٤٠٣.
(٤) مثلًا: المقتفي ١/ ٤٠٣.
(٥) مثلًا: المقتفي ١/ ٢٠١، ٢٠٢، ٢٠٥، ٢٠٧، ٢٠٨، ٢٠٩، ٢١٦، ٢١٧، ٢١٩، ٢٢٣.
(٦) مثلًا: المقتفي ٢/ ٤٦٠ و ٣/ ١٦٩.
(٧) مثلًا: المقتفي ١/ ٢٢٨، ٣٠٦، ٤١٤، ٤١٨، ٤٣٦، ٤٤٩، ٤٥٦، ٤٦٨، ٤٦٩، ٤٦٠.
стр. 64
المؤلف كثيرًا من مشيخته التي بلغت مئة جزء، وفيها أكثر من ألفي شيخ (١)، وشرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطي (٦١٣ - ٧٠٥ هـ) حيث أكثر النقل من معجم شيوخه (٢)، و"ذيل مرآة الزمان" لقطب الدين اليونيني المتوفى سنة ٧٢٣ هـ (٣)، وغيرها من المؤلفات ومعاجيم الشيوخ والمشيخات.
فمن ذلك مثلًا لا حصرًا أفاد من التواريخ التي كان يعنى بتقييدها فخر الدين أبو الفتح بن إسحاق بن نصر الله بن هبة الله بن الحسن ابن سني الدولة المتوفى في منتصف صفر سنة ٦٨٣ هـ والذي "كان من عدول دمشق، شهد تحت الساعات، ويضبط شيئًا من التواريخ" (٤)، فقد قال في ترجمة عماد الدين بن مهاجر المتوفى في رجب سنة ٦٧٠ هـ: "ضبطه فخر الدين ابن سني الدولة في تعليقه" (٥)، وقال في ترجمة الشريف شرف الدين علي بن أشرف العباسي المتوفى في ذي الحجة من السنة: "ضبطه الفخر ابن سني الدولة في تعليقه" (٦)، وقال في ترجمتي شرف الدين ابن ماضي وسعد الدين ابن ناصر الدين ابن الفقيه اللذين توفيا في ربيع الآخر سنة ٦٧١ هـ: "ضبطهما الفخر ابن سني الدولة" (٧)، وقال في ترجمة فخر الدين أبي الربيع سليمان بن داود ابن
_________
(١) ترجمه في المقتفي ٤/ ١٤٩ والتعليق عليها، وله ترجمة جيدة في ذيل طبقات الحنابلة ٤/ ٣٤٧. وينظر: المقتفي ٤/ ٢٠٤، ٣٠٣، ٢٣٤، ٣٧٦، ٣٤٧، ٣٤٤، ٣٧٩، ٤١٠، ٤١٨، ٤٣٨، ٤٤٠، ٤٧٨، ٤٦١ … إلخ.
(٢) مثلًا: المقتفي ١/ ٢٢٢، ٢٧١، ٢٦٧، ٢٦٤، ٢٥٦، ٢٥٣، ٣٠٢، ٣٠٩، ٣١٩، ٣٢٦، ٣٤٥، ٣٥٣، ٣٤٩، ٣٤٧، ٣٥٤ … إلخ.
(٣) مثلًا: المقتفي ٢/ ٧٩، ١٠٠، ٢٢٢ … إلخ.
(٤) المقتفي ٢/ ٢٦٨ (٩٣٢)، وتاريخ الإسلام ١٥/ ٥١٤.
(٥) المقتفي ١/ ٣٥٣.
(٦) المقتفي ١/ ٣٦٦.
(٧) المقتفي ١/ ٣٧٥.
стр. 65
خطيب بيت الآبار المتوفى في صفر سنة ٦٧٥ هـ: "وضبطه فخر الدين ابن سني الدولة يوم الثلاثاء سابع صفر" (١)، ونحو ذلك (٢).
ومثله ما أخذه عن شمس الدين محمد بن محمد بن عباس الأنصاري المعروف بابن جعوان المتوفى سنة ٦٨٢ هـ (٣).
ومما لا ريب فيه أن التراجم الأولى التي لم يدرك أصحابها قد استفادها من شيوخه الذين حدثوه عنهم، وقد كان كثير التصريح بمثل هذا الأمر حينما يقول: روى لنا عنه فلان.
كما أن عددًا من العلماء الذين ترجم لهم في السنوات الأولى كانوا ممن أجاز له. ومعلوم أن الإجازة كانت تحتوي على معلومات يمكن أن يستفيد منها المؤلف في تدوين الترجمة، لا سيما إذا عرفنا أن كثيرًا من الإجازات قد حُصِّلت له في عام مولده وهلم جرًّا (٤). فضلًا عن أن أي إجازة يمكن الإفادة منها في بناء الترجمة، فانظر مثلًا إلى قول المؤلف: "وتاريخ إجازته في سنة ست وست مئة" (٥)، و"رأيت خطه في إجازة سنة ستين وست مئة" (٦)، و"رأيت خطه في إجازة سنة تسع وستين وست مئة" (٧)، وقوله في ترجمة فتح الدين داود بن عثمان بن رسلان البعلبكي المتوفى سنة ٦٧٩ هـ: "رأيت إجازة فيها خطه في سنة ستين وست مئة" (٨)، وقوله في ترجمة عز الدين
_________
(١) المقتفي ٢/ ٩.
(٢) المقتفي ٢/ ١٨، ٢١، ٥٧، ٦٩، ٧٢، ١٠٠.
(٣) انظر مثلًا: ١/ ٤٥١ و ٢/ ٧٢.
(٤) ينظر مثلًا: المقتفي ١/ ٢٠٦، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩، ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٦٨.
(٥) المقتفي ١/ ٢٨٤.
(٦) المقتفي ٣/ ٨٧.
(٧) المقتفي ٣/ ١٢٦.
(٨) المقتفي ٢/ ١٥٤ (٧٥٣).
стр. 66
عبد العزيز بن يعقوب الدمياطي نسيب الشيخ شرف الدين الدمياطي، المتوفى سنة ٧٠٩ هـ: "ثم رأيت بخطه إجازة ابن المهندس أن مولده سنة تسع وثلاثين وست مئة" (١).
إن معاصرة المؤلف لأغلب الأحداث التي دونها في كتابه سواء أكانت حوادث أم وفيات، إنما حَصّلها بالمشاهدة والتقييد المستمر، ولا شك أن ثبته كان معينًا عظيمًا في تكوين مادة كثير من التراجم التي تظهر فيها ذاتية المؤلف واضحة بيّنة حينما يذكر الأجزاء والكتب التي سمعها منه، والوثائق التي وقف عليها ودونها في كتابه أو التي لم يدونها ولكنه أفاد منها في صياغة الأخبار والوفيات الخاصة بدمشق، وهي الكثرة الكاثرة.
أما المدن الشامية الأخرى والبلدان الأخرى من مثل مصر والعراق وبلاد العجم والروم وغيرها، فكان لكل مها موارده. وكانت الكتب المؤلفة عن هذه البلدات وتلك البلدان أو الذين عاشوا فيها، من الموارد المهمة التي كونت مادة كتابه، فضلًا عن شبكة من العلاقات والمراسلات مع عدد من المعنيين بهذا الشأن، فقد كان صديقه الشيخ شهاب الدين أبو طاهر أحمد بن عبد الله بن عبد الغني البعلبكي الحنبلي (٦٨٦ - ٧٣٥ هـ) يزوده بأخبار وفيات بعلبك، فقد قال في ترجمة أم أحمد فاطمة بنت الشيخ الصالح عماد الدين إسماعيل بن إبراهيم بن سلطان البعلبكي المتوفاة في الثاني والعشرين من رجب سنة ٧١٢ هـ: "ضبط لنا موتها الفقيه أحمد الدريني" (٢)، وقال في ترجمة المحدث أحمد بن شجاع بن أبي الهيجاء المتوفى ببعلبك في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٧١٤ هـ: "كتب إليّ بذلك ابن
_________
(١) المقتفي ٤/ ٣٧٠ (٣٢٥٣).
(٢) المقتفي ٥/ ٣١.
стр. 67
زوجته الفقيه أحمد ابن الدريني" (١)، وقال في ترجمة شجاع الدين أبي بكر بن عبد الرحيم ابن البردي المتوفى ببعلبك في ليلة الأربعاء تاسع شهر رمضان سنة ٧١٤ هـ: "كتب به إليَّ أحمد ابن الدريني، وذكر أنه حَدّث" (٢).
وأخذ أخبار مصر ووفيات علمائها هن مجموعة من أصحابه العلماء الذين كانوا يراسلونه ويبعثون له ما يستجد من حوادث ووفيات، منهم الإمام العلامة الشيخ فخر الدين أبو محمد عثمان ابن الأنصاري النويري (٧٣٦ - ٧٥٦ هـ) (٣)، فقد قال في ترجمة الشيخ ناصر الدين محمد بن أحمد بن أبي العز المعروف بابن الدماغ المصري: "نقلت وفاته من خط الشيخ فخر الدين النويري المالكي" (٤)، وقال في ترجمة الشيخ القاضي فخر الدين أبي عمرو عثمان بن علي بن يحيى الأنصاري الشافعي المعروف بابن بنت أبي سعد: "نقلت وفاته من خط الشيخ فخر الدين النويري المالكي" (٥)، وقال مثل ذلك في ترجمة أبي القح نصر بن سلمان بن عمر المنبجي (٦)، وترجمة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الحسن بن علي الجزائري القرشي (٧)، وقال في ترجمة الشيخ زكي الدين أبي بكر عبد الله بن أبي البركات بن أبي الفرج بن فضل المصري: "كتب إليّ بوفاته الشيخ أبو بكر الرحبي، ثم وجدت وفاته
_________
(١) المقتفي ٥/ ١٠٤.
(٢) المقتفي ٥/ ١٢٣.
(٣) ترجمته في: معجم شيوخ الذهبي ١/ ٤٤٠، والمعجم المختص ١٥٦، ووفيات ابن رافع ٢/ ١٨٩ (٦٨٩)، والدرر الكامنة ٣/ ٢٦٦ وغيرها.
(٤) المقتفي ٥/ ٣٥٩.
(٥) المقتفي ٥/ ٣٧٥.
(٦) المقتفي ٥/ ٣٧٦.
(٧) المقتفي ٥/ ٣٩٥.
стр. 68
بخط الشيخ فخر الجين النويري المالكي، وذكر أنه في العشر الأُخر من شهر رمضان، وكذلك وجدته بخط أحمد بن أيبك الحسامي أحد الطلبة" (١)، وقال في ترجمة الشيخة أم الحياء زاهدة بنت الشيخ محمد بن عبد الله الظاهري: "نقلت ذلك من خط الشيخ فخر الدين النويري المالكي، ثم وصل إليّ كتاب ابن أخيها الشيخ فخر الدين عثمان بمثل ذلك" (٢).
وممّن أفاده وفيات المصريين الشيخ شهاب الدين أبو الطاهر أحمد بن يونس بن أحمد بن بركة الإربلي ثم المصري، المولود بالقاهرة سنة ٦٤١ هـ والمتوفى بها سنة ٦٩٣ هـ وكان من الطلبة المشهورين بديار مصر، وجمع لنفه معجمًا (٣)، فقد قال في ترجمة أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن يوسف التلمساني المتوفى بالقاهرة في رجب سنة ٦٦٥ هـ: "ذكره لي ابن يونس الإربلي" (٤)، وقال في ترجمة أمين الدين أبي الحسن علي بن عثمان بن علي، ابن السليماني الشباني الإربلي الشاعر المتوفى بالفيوم في العشر الأول من جمادى الآخرة سنة ٦٧٠ هـ: "وضبط وفاته ابن يونس الإربلي في العشر الأخير من جمادى الأولى" (٥)، وقال في ترجمة الشيخ أبي عبد الله محمد بن مزيد بن مبشر الخويي المتوفى بالقاهرة في شوال سنة ٦٧٤ هـ: "ذكره ابن يونس الإربلي في وفياته، وقال: حضرت جنازته ودفنه" (٦)، وقال في ترجمة النبيه أبي إسحاق
_________
(١) المقتفي ٥/ ٤٠٣، وتوفي ابن أيبك سنة ٧٤٩ هـ، وهو الذي استدرك وفيات على عز الدين الحسينى في الصلة.
(٢) المقتفي ٥/ ٤١٠.
(٣) ترجمته في المقتفي ٣/ ١٦١، وتاريخ الإسلام ١٥/ ٧٦٠.
(٤) المقتفي ١/ ٢١٩.
(٥) المقتفي ١/ ٣٤٩.
(٦) المقتفي ١/ ٤٨٨.
стр. 69
إبراهيم بن مهلهل الأجهوري المتوفى بالقاهرة في محرم سنة ٦٧٥ هـ: "ذكره ابن يونس الإربلي في وفياته" (١)، وقال في ترجمة أبي الفضل محمد بن علي بن الحسين البدليسي الأخلاطي المتوفى بالقاهرة في رمضان سنة ٦٧٥ هـ أيضًا: "ذكره ابن يونس الإربلي في وفياته" (٢)، وغير ذلك (٣)، ومن نحو قوله: "قرأت في بعض الكتب الواردة من القاهرة المحروسة" (٤)، وفيما ذكرنا كفاية.
أما أخبار العراق والروم والتتار وحكامهم وبلادهم فقد استفادها من الشيخ عز الدين حسن بن أحمد بن زفر الإربلي الصوفي الطبيب الذي كان مقيمًا في دويرة حَمْد (٦٦٣ - ٧٢٦ هـ)، ذكر الذهبي أنه كان قد سمع معه كثيرًا في سنة سبع مئة وبعدها، وأنَّه كان مظلمًا في دينه ونحلته متفلسفًا، لكنه كان صادقًا في نقله، وذكر الصفدي أنّ خطّه معروف بين الفضلاء، ومجاميعه غالبها تراجم شعراء وتواريخ ووفيات (٥).
والحق أن المؤلفات الشامية والمصرية التي تناولت هذه المدة من تاريخ الأمة الإسلامية قد ركزت أخبارها وتراجمها على هذين البلدين، وكادت أخبار العراق والمشرق تنقطع فيها، ومن ثم فإن ذكر بعض أخبار هذه البدان يُعد شيئًا مهمًا، تتبعه المؤلف عن طريق عز الدين حسن الإربلي هذا، فقد نقل عنه النزاع الذي وقع بين النقيبين ابن أبي الفائز وابن حسينك في مشهد الحسين ﵁ بكربلاء حين أراد كل واحد منهما الاستقلال
_________
(١) المقتفي ٢/ ٧.
(٢) المقتفي ٢/ ٢٣.
(٣) المقتفي ٢/ ٢٤، ٣٤، ٦٥، ٧٧، ٧٨، ٨٩، ١٢٥، ١٦٢، ٢١٣.
(٤) المقتفي ٤/ ١١٨.
(٥) ترجمه في: معجم شيوخ الذهبي ١/ ٢٠٩، وأعيان العصر ٢/ ١٨٩، والدرر الكامنة ٢/ ١١١، والمنهل الصافي ٥/ ٦٥.
стр. 70
بالنقابة، وحصول القتال بينهما، ومقتل قرابة الأربع مئة نفر بسبب ذلك، وتوجه ابن أبي الفائز إلى خَرْبندا ملك التتار لطلب المعونة وبذله له الأموال الجمة، فساعده بألف وخمس مئة فارس، وقال المؤلف: "نقلت ذلك من خط عز الدين حسن الإربلي" (١).
وحين ترجم المؤلف لبدر الدين عبد الرحمن بن إبراهيم، سبط ابن قنيتو الإربلي الشاعر المتوفى بإربل في سلخ شوال سنة ٧١٧ هـ، وذكر من شعره، قال: "وأشعاره كثيرة، ولكن ليس منها في هذه البلاد شيء، وأكثرها بإربل والموصل، فاعلم ذلك. ضبط لنا وفاة هذا الرجل وحاله الشيخ عز الدين حسن الإربلي الطبيب، فإنه بلديُهُ وهو خبير به من البلاد" (٢).
وذكر المؤلف في حوادث سنة ٧١٨ هـ وصول الأخبار في أولها إلى دمشق بما حصل بديار بكر والموصل وإربل وماردين والجزيرة وميافارقين وغيرها من الغلاء العظيم والجلاء وخراب البلاد وبيع الأولاد، ثم قال بعد أن ذكر تفاصيل ذلك: "نقلت ذلك من خط عز الدين الحسن بن أحمد بن زُفر الإربلي الصوفي الطبيب واختصرت بعضه" (٣).
وأورد المؤلف في شعبان سنة ٧١٥ هـ خبر توجه الجيش من حلب إلى حصار قلعة عرقنية من أعمال آمد التي كان فيها أخو مندو وقتله والاستيلاء على بعض القلاع في تلك الأماكن، قال: "نقلت ذلك من خط عز الدين حن الإربلي" (٤).
_________
(١) المقتفي ٥/ ١٥٩.
(٢) المقتفي ٥/ ٢٧٧ (٤٠١٤).
(٣) المقتفي ٥/ ٢٩٤.
(٤) المقتفي ٥/ ١٦٨.
стр. 71
ومن ذلك الأخبار المتعلقة بالمغول وعلماء تلك البلاد، فقد ذكر المؤلف ترجمة الصدر زين الدين علي ابن فخر الدين عبد السلام بن علي التاجر المتوفى بمدينة تبربز في رمضان سنة ٧١٧ هـ، قال: "ضبط ذلك وحرره الشيخ عز الدين حسن الإربلي الطبيب الصوفي" (١).
وحين ذكر تفاصيل المجزرة التي قام بها بعض التتار حين قتلوا أكثر من تسع مئة من التجار والجفال النازحين من ماردين والقاصدين الشام في حوادث سنة ٧١٧ هـ قال: "ضبطها لنا وفحص عن أمرها، وسأل عنها التجار والمسافرين حتى تحررت: عز الدين حسن الإربلي الصوفي الطبيب" (٢).
وأورد المؤلف نصًّا طويلًا (٣) عن عز الدين الحسن بن أحمد الإربلي عن الخلف الواقع بين أمراء الدولة التتارية والتآمر على الأمير جوبان نائب السلطنة لأبي سعيد ابن الملك خربندا، وما وقع بسبب ذلك من مقتلة عظيمة بلغت قرابة الثلاثين ألف قتيل أو أكثر، وذكر الإربلي أن الحجاج هم الذين أخبروه بذلك، ثم قال: "ولم يزل هذا الخبر يزيد وينقص إلى أن ورد الشيخ محمد ابن الشيخ أبي بكر القطان الإربلي حاجًّا فأخبرني بأكثر تفصيل هذا الأمر على جليته، قال"، فذكره.
وعُني عز الدين الإربلي ببعض تراجم الصوفية والأطباء، وكان مصدر المؤلف عنهم، فقد ذكر المؤلف ترجمة الحكيم شهاب الدين أحمد المغربي
_________
(١) المقتفي ٥/ ٢٧٠.
(٢) المقتفي ٥/ ٢٨١.
(٣) المقتفي ٥/ ٣٨١ - ٣٨٩. ونظرًا لأهميته مثل هذا الخبر فقد نقلته عن المؤلف المؤرخون الآخرون، منهم الذهبي في ذيل العبر ١٠١ - ١٠٣، والنويري في نهاية الأرب ٣٢/ ٢٩٨ - ٣٠٢، والصفدي في أعيان العصر ١/ ٦٦٦ - ٦٦٨، والوافي ١/ ٢٢، وابن تغري بردي في المنهل الصافي ٣/ ١٨٦ - ١٨٧ وغيرهم.
стр. 72
رئيس الطب بالديار المصرية الذي كان يهوديًّا وأسلم سنة ٦٩٠ هـ وتوفي في أواخر شهر صفر سنة ٧١٧ هـ وقال: "ضبط ذلك عز الدين الإربلي ونقته من خطه" (١).
وقال المؤلف في ترجمة الشيخ الفاضل علاء الدين علي ابن حُسام الدين بيات بن مختار البغدادي المعروف بالخطائي المتوفى بحماة في رابع ذي القعدة سنة ٧١٨ هـ، وذكر أنه كان طبيبًا فاضلًا، قال: "قال عز الدين الإربلي: سألته عن مولده ونحن بالمدرسة التقوية بدمشق قبل سفره إلى بغداد فقال: ولدتُ بغداد سنة تسع وخمسين وست مئة في ثامن عشر رجب منها، ونشأتُ بها، واختصصت في الطب بخدمة الصدر ظهير الدين ابن محاسن، وذكر لي جماعة فضلاء من مشايخه الذين أخذ عنهم العلم" (٢).
إن موارد البرزالي متنوعة، وهي بلا شك كثيرة، ألمحنا إلى شيء منها، لكن المصدر الرئيس في هذا الكتاب هو البرزالي نفسه الذي عاصر أكثر الحوادث والوفيات في هذا الكتاب النفيس.
أهمية الكتاب:
إن قيمة أي كتاب تاريخي تتحدد في قربه من الحوادث التي يصفها أو استخدامه موارد قريبة من الأحداث، وكتاب البرزالي هذا قد استغرق حياة المؤلف كلها، فالحق أن جميعه من التاريخ المعاصر، ومن هنا جاءت أهميته بعد أن عرفنا إتقان المؤلف وتحريه ودقته وإنصافه في تدوين الحوادث والتراجم مما يُعْلِي قيمته ولغليها، ولذلك صار مصدرًا لجميع المؤرخين الذين جاءوا بعده، فقد سَلَخه رفيقه شمس الدين الجزري المتوفى سنة ٧٣٩ هـ في كتابه "حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه"، فأكثر التراجم التي
_________
(١) المقتفي ٥/ ٢٩٩.
(٢) المقتفي ٥/ ٣٤١.
стр. 73
فيه مأخوذة بنصها من هذا الكتاب باعتراف المؤلف نفسه، حتى ظن بعضهم أنَّ مخطوطة "حوادث الزمان" بإستانبول هي جزء من كتاب "المقتفي" (١).
وسلخ الإمام شمس الدين الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" الذي هو أس كتبه الأخرى معظم مادة الكتاب في الحوادث والتراجم مع مراعاة اختصارها، يشير إليه تارة ويهمل الإشارة في كثير من الأحيان، كما دلت عليه مقابلة النصوص بين الكتابين.
كما أنَّ المادة التي أوردها ابن كثير في "البداية والنهاية" مأخوذ جلها من هذا الكتاب باعتراف المؤلف نفسه؛ حيث قال في آخر حوادث سنة ٧٣٨ هـ: "وهذا آخر ما أرخ شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيّل به على تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي، وقد كانت وفاة البرزالي في العام القابل وهو محرم بمنزلة خُلَيْص. وقد ذَيّلتُ على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، أحسن الله خاتمتها، آمين" (٢).
وعني بعض المؤرخين بالاقتباس من كتابه قبل وفاته وقبل أن يتم هذا التأليف، كما نوهنا في نقل الشمس ابن الجزري في تاريخه، ومنهم شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب القرشي التيمي البكري المعروف بالنويري المتوفى سنة ٧٣٣ هـ في كتاب "نهاية الأرب" حيث صَرّح بالنقل من كتابه في غير موضع من كتابه، منها ذكر المجاعة والغلاء العظيم الحاصل بديار بكر والموصل وإربل وماردين والجزيرة وميافارقين سنة ٧١٨ هـ حيث قال: "نقلت هذه الحادثة من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي، وبعض ألفاظها
_________
(١) التاريخ العربي والمؤرخون ٤/ ٤٥.
(٢) البداية والنهاية ١٦/ ٢٨٥.
стр. 74
أوردتها بالمعنى، وقال المذكور أنه نقل ذلك من خط عز الدين الحسن بن أحمد بن زفر الإربلي الصوفي الطبيب واختصر بعضه" (١)، ومنها المؤامرة على جوبان حيث قال: "نقلته وما قبه من تاريخ البرزالي" (٢)، ثم قال: "وقد نقل الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه أن الشيخ محمد بن أبي بكر القطان الإربلي ورد إلى دمشق وأخبره تفصيل ذلك على جليته" (٣).
والحق أن معظم المؤرخين الذين جاءوا بعده قد اعمدوا كتاب البرزالي هذا فكان من بين مصادرهم الرئيسة في المدة التي أرخها والتراجم التي حررها، مثل الأدفوي (ت ٧٤٩ هـ) في "الطالع السعيد"، وصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) في كتابيه "الوافي بالوفيات" و"أعيان العصر"، وابن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤ هـ) في "فوات الوفيات"، وتاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ) في "طبقات الشافعية" و"معجم شيوخه "، والإسنوي (ت ٧٧٢ هـ) في "طبقات الشافعية"، والفيومي (ت ٧٧٠ هـ) في "نثر الجمان في تراجم الأعيان "، وابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) في "الذيل على طبقات الحنابلة"، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في "العقد المذهب"، وتقي الدين الفاسي (ت ٧٣٢ هـ) في "العقد الثمين" و"ذيل التقييد"، والمقريزي (ت ٧٤٥ هـ) في "المقفى الكبير "، وابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ) في "توضيح المشتبه "، وابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في " الدرر الكامنة"، وغيرهم، مما لا يحتاج إلى برهان لكثرته.
وقد تضمن "المقتفي" مادة واسعة في التاريخ السياسي والإداري وقدم معلومات إدارية واقتصادية جيدة في بلاد الشام ومصر في المدة التي استغرقها.
_________
(١) نهاية الأرب ٣٢/ ٢٩٤.
(٢) نهاية الأرب ٣٢/ ٢٩٥.
(٣) نهاية الأرب ٣٢/ ٢٩٨. وانظر نصوصًا أخرى في ٣٢/ ٣٠١ و ٣٣/ ٣٧، ٦٧، ٧٦، ١٨٦، ١٩٦، ٢١٣، ٢١٧، ٢٤٤، ٢٤٦، ٢٧٠، ٢٩٥، ٣١٣.
стр. 75
أما من الناحية الاجتماعية فقد أبان لنا هذا الكتاب الذي احتوى على أكثر من أربعة آلاف ترجمة اتجاه المؤرخين في تخليد المبرزين في المجتمع، وصوَّر جانبًا من القاعدة الاجتماعية لفئة العلماء، وظهر في هذا الكتاب عدم وجود تأثير المنزلة الاجتماعية والاقتصادية وقلة تأثيرها، بل انعدامها، في تقدير الناس، وأن المجتمع الإسلامي لم يكن يعرف في هذا المجال في الأقل أي نوع من النظم الطبقية، وأكذَبَ الفكرةَ القائلة: إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ حكام لم يعن بتاريخ جماهير الأمة، فإن عناية المسلمين بتاريخ "التراجم" وتدوينهم سير الناس ممن اشتهروا بسياسة، أو علم، أو أدب، أو فن، أو عقيدة وما إليها من غير نظر لمركز اقتصادي أو اجتماعي، يؤكد من غير شك أن موازينهم كانت على غاية من الرقي الإنساني، وقد جربنا المؤلف وهو يترجم محدثًا فقيرًا ويترك غنيًّا، ويثني على شخص من عامة الناس ويذم آخر من عليه القوم، في الوقت الذي اقتصرت فيه النواحي العلمية ومحتويات كتب التراجم - عند كثير من الأمم في هذه الأعصر - على فئات معينة من الناس كما كان في أوربا العصور الوسطى.
وكشف لنا هذا التاريخ عن انتقال المراكز العلمية الإسلامية بالكلية إلى البلاد الشامية والمصرية بعد احتلال المغول لأقاليم الإسلام الشرقية والعراق وتدمير الحضارة العربية الإسلامية فيها، ونجاح المماليك في صد هذا الهجوم المدمر، ومحاولات الأشرف خليل تحرير العراق منهم، لكن قتله حال دون تحقيق تلك الأمنية.
وفي الوقت الذي اقتصر كثير من المؤرخين على تدوين سير شرائح مُعينة من المترجمين، نجد البرزالي يتوسع في ذكر تراجم لا يُعنى بها كثير منهم، مما يشير إلى سعة أفقه، وعدم تعصبه، ولا أدل على ذلك أن عددًا كبيرًا من تراجم الكتاب قد تفرد بذكرها، وأعرض عن اقتباسها من جاء بعده.
следующие страницы →