← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فأما الأولى: فهو سنة رسول الله ﷺ ، باطنها وظاهرها، قولها وعملها، في الأمور العلمية والعملية مطلقًا، فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه، والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة، من إيجاب واستحباب، والغالب على هذا الضرب: هو أعمال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. وأما المرتبة الثانية: فهي كثيرة جدًا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة، ومن العامة أيضًا، وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملًا صالحًا مشروعًا، ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم: كالكفر والكذب والخيانة، والجهل. ويندرج في هذا أنواع كثيرة. فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة: كالوصال في الصيام، وترك جنس الشهوات (١) ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها: كأول ليلة من رجب، ونحو ذلك، قد يكون حاله خيرًا من حال البطال (٢) الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته. بل كثير من (٣) هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء، زاهدون في جنس عبادة الله: من العلم النافع، والعمل الصالح، أو في أحدهما -لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن (٤) لا يمكنهم ذلك في المشروع، فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع.

стр. 667

ومع هذا: فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له، ظاهرًا في الأمر بذلك المعروف، والنهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين. فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها، والعمل بها. النوع الثالث (١) ما هو معظم في الشريعة: كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي العيدين والعشر (٢) الأواخر من شهر رمضان والعشر الأول من ذي الحجة، وليلة الجمعة ويومها، والعشر الأول من (٣) المحرم، ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة. فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة، وتوابع ذلك، ما يصير منكرًا ينهى عنه. مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء، في يوم عاشوراء، من التعطش، والتحزن والتجمع (٤) وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، ولا أحد من السلف، لا من أهل بيت رسول الله ﷺ ، ولا من غيرهم (٥) لكن لما أكرم الله فيه سبط نبيه (٦) أحد سيدي شباب (٧) أهل الجنة، وطائفة من أهل بيته، بأيدي الفجرة الذين

стр. 668

أهانهم الله (١) وكانت هذه مصيبة عند المسلمين، يجب أن تتلقى بما يتلقى به المصائب، من الاسترجاع المشروع (٢) فأحدث بعض أهل البدع، في مثل هذا اليوم خلاف ما أمر الله به عند المصائب، وضموا إلى ذلك من الكذب والوقيعة في الصحابة، البرآء من فتنة الحسين ﵁، وغيرها، أمورًا أخرى، مما يكرهها الله ورسوله، وقد روي عن فاطمة بنت الحسين (٣) عن أبيها الحسين (٤) بن علي ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فأحدث استرجاعًا، وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب» رواه أحمد وابن ماجه (٥) . فتدبر كيف روى مثل هذا الحديث الحسين ﵁، وعنه (٦) بنته التي شهدت مصابه!

стр. 669

وأما اتخاذ أمثال أيام المصائب مآتم (١) فهذا ليس في دين المسلمين، بل هو إلى دين الجاهلية أقرب. ثم فوتوا (٢) بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل، وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة، لا أصل لها، مثل: فضل الاغتسال فيه، أو التكحل، أو المصافحة (٣) وهذه الأشياء ونحوها، من الأمور المبتدعة، كلها مكروهة، وإنما المستحب صومه. وقد روي في التوسيع على العيال في آثار معروفة (٤) أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن (٥) المنتشر (٦) عن أبيه (٧) قال: «بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» (٨) رواه عنه

стр. 670

ابن عيينة (١) . وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله. والأشبه أن هذا وضع لما ظهرت العصبية بين الناصبة (٢) والرافضة (٣) فإن هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء مأتمًا (٤) فوضع أولئك فيه آثارًا تقتضي التوسع فيه، واتخاذه عيدًا، وكلاهما باطل. وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (٥) فكان الكذاب المختار بن أبي عبيد (٦) وكان يتشيع

стр. 671

للحسين، ثم أظهر الكذب والافتراء على الله. وكان فيها الحجاج (١) بن يوسف، وكان في انحراف عن علي وشيعته، وكان مبيرًا (٢) . وهؤلاء فيهم بدع وضلال، وأولئك (٣) فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر كذبًا وأسوأ حالًا. لكن لا يجوز لأحد أن يغير شيئًا من الشريعة لأجل أحد، وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء، وتوسيع النفقات فيه، هو من البدع المحدثة المقابلة (٤) للرافضة، وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه من الاغتسال، والاكتحال وغير ذلك. وصححها بعض الناس: كابن ناصر (٥) وغيره، وليس فيها ما يصح. لكن رويت لأناس اعتقدوا صحتها، فعملوا بها، ولم يعلموا أنها كذب، فهذا مثل هذا.

стр. 672

وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض المنتسبة (١) لمقابلة الروافض، فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا. فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحدثات. ومن هذا الباب: شهر رجب، فإنه أحد الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي ﷺ : «أنه كان إذا دخل شهر رجب قال: اللهم بارك لنا في (٢) رجب وشعبان، وبلغنا (٣) رمضان» (٤) . ولم يثبت عن النبي ﷺ في فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي ﷺ كذب، والحديث إذا لم يعلم أنه كذب، فروايته في الفضائل أمر قريب، أما إذا علم كذبه فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله. لقوله ﷺ : «من روى عني حديثًا وهو يرى (٥) أنه كذب، فهو أحد الكاذبين (٦) » (٧) .

стр. 673

نعم، روي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر، وروي (١) غير ذلك، فاتخاذه موسمًا بحيث يفرد بالصوم، مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب (٢) وأبي بكرة (٣) وغيرهما من الصحابة ﵃. وروى ابن ماجه: "أن النبي ﷺ نهى عن صوم رجب" (٤) رواه عن إبراهيم بن منذر الحزامي (٥) عن (٦) داود بن عطاء (٧) حدثني زيد بن

стр. 674

عبد الحميد بن (١) عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (٢) . ، عن سليمان بن علي (٣) عن أبيه، عن ابن عباس ﵄. وليس بالقوي (٤) . وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله؟ أو ألا يقرن به شهرا آخر؟ فيه للأصحاب وجهان. ولولا أن هذا موضع الإشارة إلى رؤوس المسائل لأطلنا الكلام في ذلك (٥) . ومن هذا الباب: ليلة النصف من شعبان، فقد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة (٦) وأن من السلف من

стр. 675

كان يخصها بالصلاة فيها، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. ومن العلماء: من السلف (١) من أهل المدينة، وغيرهم من الخلف، من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها، كحديث: «إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب» (٢) ". وقال: لا فرق بينها وبين غيرها. لكن الذي عليه كثير من أهل (٣) العلم، أو أكثرهم، من أصحابنا وغيرهم -على تفضيلها، وعليه يدل (٤) نص (٥) أحمد، لتعدد (٦) الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن (٧) . وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر.

стр. 676

فأما صوم يوم النصف مفردًا (١) فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسمًا تصنع فيه الأطعمة، وتظهر فيه الزينة، هو من المواسم المحدثة المبتدعة، التي لا أصل لها. وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف، من الاجتماع العام للصلاة الألفية (٢) في المساجد الجامعة، ومساجد الأحياء والدروب (٣) والأسواق. فإن هذا الاجتماع لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد، وقدر من القراءة لم يشرع، مكروه. فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية (٤) موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وما كان هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناء عليه، وإذا لم يستحب فالعمل المقتضي لاستحبابها مكروه. ولو سوغ (٥) أن كل ليلة لها نوع فضل، تخص بصلاة مبتدعة يجتمع لها، لكان يفعل مثل هذه الصلاة -أو أزيد أو أنقص (٦) - ليلتي العيدين، وليلة عرفة، كما أن بعض أهل البلاد يقيمون مثلها أول ليلة من رجب. وكما بلغني أنه كان (٧) في بعض القرى يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب في جماعة، يسمونها صلاة بر الوالدين. وكما كان بعض الناس يصلي

стр. 677

كل ليلة في جماعة صلاة الجنازة (١) على من مات من المسلمين في جميع الأرض، ونحو ذلك من الصلوات الجماعية التي لم تشرع. وعليك أن تعلم: أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين، وجوز التطوع في جماعة، لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة (٢) ففرق بين البابين، وذلك أن الاجتماع لصلاة تطوع (٣) أو استماع قرآن، أو ذكر الله، ونحو ذلك، إذا كان يفعل أحيانًا، فهذا حسن. فقد صح عن النبي ﷺ : "أنه صلى التطوع في جماعة أحيانًا" (٤) . و"خرج على أصحابه وفيهم من يقرأ وهم يستمعون (٥) فجلس معهم يستمع" (٦) . وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا يقرأ وهم يستمعون. وقد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله ويتلونه، وفي القوم الذين يذكرون الله من الآثار ما هو معروف مثل قوله ﷺ : «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا غشيتهم

стр. 678

الرحمة ونزلت (١) عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٢) . وورد أيضًا في الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا (٣) إلى حاجتكم. الحديث (٤) . فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر (٥) بتكرر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام، غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يضاهي الاجتماع للصلوات الخمس، وللجمعة، وللعيدين وللحج. وذلك هو المبتدع المحدث. ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة، فإن ذلك يضاهي المشروع. وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة فروى أبو بكر الخلال، في كتاب الأدب، عن إسحاق بن منصور الكوسج، أنه قال لأبي عبد الله: تكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: "ما أكرهه للإخوان إذا لم

стр. 679

يجتمعوا على عمد (١) إلا أن يكثروا" (٢) . قال إسحاق بن راهويه كما قال (٣) . وإنما معنى أن لا يكثروا: أن لا يتخذوها عادة حتى يكثروا. هذا كلام إسحاق. وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أبو السري الحربي (٤) قال أبو عبد الله: "وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلون، ويذكرون ما أنعم الله عليهم، كما قالت الأنصار؟ " (٥) وهذا إشارة إلى ما رواه أحمد، حدثنا (٦) إسماعيل أنبأنا أيوب، عن محمد بن سيرين قال: "نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول (٧) الله ﷺ المدينة، قالوا: لو نظرنا يومًا فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا، فقالوا: يوم السبت ثم قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم. قالوا: فيوم الأحد. قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم. قالوا: فيوم العروبة. وكانوا يسموه يوم الجمعة يوم العروبة- فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد (٨) بن زرارة فذبحت لهم شاة

стр. 680

فكفتهم" (١) . وقال أبو أمية الطرسوسي (٢) سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون، وربما طفوا (٣) السراج. فقال لي أحمد: إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس. وروى الخلال عن الأوزاعي: أنه سئل عن القوم يجتمعون (٤) فيأمرون رجلا فيقص عليهم. قال: إذا كان ذلك يوما بعد (٥) الأيام فليس به بأس. فقيد أحمد (٦) الاجتماع على الدعاء بما إذا لم يتخذ عادة. وكذلك قيد إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء. قال سندي الخواتيمي (٧) سألنا أبا عبد الله

стр. 681

عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث " ابن أم مكتوم (١) أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته، حتى يتخذ ذلك مصلى". وعلى ما كان يفعل ابن عمر ﵄: يتبع مواضع النبي ﷺ وأثره، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه. وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم (٢) . ولفظه: سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها؛ يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه: سأل النبي ﷺ أن يأتيه فيصلي في بيته، حتى يتخذه مسجدا، وعلى ما كان يفعله (٣) ابن عمر: يتبع مواضع سير النبي ﷺ وفعله، حتى رئي يصب في موضع ماء، فسئل عن ذلك، فقال: رأيت النبي ﷺ يصب هاهنا ماء. قال: أما على هذا فلا بأس قال: ورخص فيه. ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. وهذا الذي كرهه أحمد وغيره من اعتياد ذلك مأثور عن ابن مسعود ﵁ وغيره لما اتخذ أصحابه مكانا يجتمعون فيه للذكر، فخرج إليهم (٤)

стр. 682

قال: "يا قوم لأنتم أهدى من أصحاب (١) محمد (٢) أو لأنتم على شعبة ضلالة" (٣) . وأصل هذا: أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات، حتى تصير سننا ومواسم، قد شرع الله منها ما فيه كفاية العباد، فإذا أحدث اجتماع زائد على هذه الاجتماعات معتاد، كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنه. وفيه من الفساد ما تقدم التنبيه على بعضه، بخلاف ما يفعله الرجل وحده، أو الجماعة المخصوصة أحيانا، ولهذا كره الصحابة إفراد صوم (٤) رجب، لما شبه برمضان، وأمر عمر ﵁ بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بويع (٥) الصحابة تحتها بيعة الرضوان. لما رأى الناس ينتابونها (٦) ويصلون عندها، كأنها المسجد الحرام، أو مسجد المدينة، وكذلك لما رآهم قد عكفوا على مكان قد صلى فيه النبي ﷺ عكوفا عاما نهاهم عن ذلك، وقال: "أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ " (٧) . أو كما قال ﵁. فكما أن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع، من غير أن يتخذ جماعة

стр. 683

عامة (١) متكررة، تشبه المشروع من الجمعة، والعيدين والصلوات الخمس، فكذلك تطوع القراءة والذكر والدعاء، جماعة وفرادى، وتطوع قصد بعض المشاهد، ونحو ذلك، كله من نوع واحد، يفرق بين الكثير الظاهر منه، والقليل الخفي، والمعتاد وغير المعتاد، وكذلك كل مكان مشروع الجنس، لكن البدعة اتخاذه عادة لازمة، حتى يصير كأنه واجب، ويترتب (٢) على استحبابه وكراهته حكم نذره، واشتراط فعله في الوقف والوصية ونحو ذلك، حيث كان النذر لا يلزم إلا في القرب، وكذلك العمل المشروط في الوقف، لا يجوز أن يكون إلا برا ومعروفا على ظاهر المذهب، وقول جمهور أهل العلم. وسنومئ إلى ذلك إن شاء الله. وهذه المسائل تفتقر إلى بسط أكثر من هذا، لا يحتمله هذا الموضع، وإنما الغرض التنبيه على المواسم المحدثة. وأما ما يفعل في هذه المواسم مما جنسه منهي عنه في الشرع، فهذا لا يحتاج إلى ذكره؛ لأن ذلك لا يحتاج أن يدخل في هذا الباب مثل: رفع الأصوات في المساجد، واختلاط الرجال والنساء، أو كثرة إيقاد المصابيح زيادة على الحاجة، أو إيذاء المصلين أو غيرهم بقول أو فعل، فإن قبح هذا ظاهر لكل مسلم. وإنما هذا من جنس سائر (٣) الأقوال المحرمة في المساجد، سواء حرمت في المسجد وغيره، كالفواحش والفحش، أو صين (٤) عنها المسجد: كالبيع (٥) وإنشاد الضالة، وإقامة الحدود ونحو ذلك.

стр. 684

وقد ذكر بعض المتأخرين، من أصحابنا وغيرهم- أنه يستحب قيام هذه الليلة بالصلاة التي يسمونها الألفية، لأن فيها قراءة " قل هو الله أحد " ألف مرة. وربما استحبوا الصوم أيضا، وعمدتهم في خصوص ذلك: الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ في ذلك (١) . وقد يعتمدون على العمومات التي تندرج فيها هذه الصلاة، وعلى ما جاء في فضل هذه الليلة بخصوصها، وما جاء من الأثر بإحيائها، وعلى الاعتياد (٢) حيث فيها من المنافع والفوائد ما يقتضي الاستحباب كجنسها من العبادات. فأما الحديث المرفوع في هذه الصلاة الألفية: فكذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث (٣) . وأما العمومات الدالة على استحباب الصلاة فحق، لكن العمل المعين إما أن يستحب بخصوصه، أو يستحب لما فيه من المعنى العام. فأما المعنى العام: فلا يوجب جعل خصوصها (٤) مستحبا ومن استحبها ذكرها في النفل المقيد: كصلاة الضحى والتراويح. وهذا خطأ، ولهذا لم يذكر هذا أحد من الأئمة المعدودين، لا الأولين ولا الآخرين. وإنما كره التخصيص لما صار يخص ما لا خصوص له بالاعتقاد والاقتصاد (٥) كما كره (٦)

стр. 685

النبي ﷺ : إفراد يوم الجمعة وسرر (١) شعبان بالصيام، وإفراد ليلة الجمعة بالقيام، وصار نظير هذا: لو (٢) أحدثت صلاة مقيدة ليالي العشر (٣) أو بين العشائين، ونحو ذلك. فالعبادات ثلاثة: منها ما هو مستحب بخصوصه: كالنفل المقيد (٤) من ركعتي الفجر، وقيام رمضان، ونحو ذلك. وهذا منه المؤقت كقيام الليل. ومنه المقيد بسبب: كصلاة الاستسقاء، وصلاة الآيات (٥) . ثم قد يكون مقدرا (٦) في الشريعة بعدد: كالوتر. وقد يكون مطلقا مع فضل الوقت: كالصلاة يوم الجمعة قبل الصلاة، فصارت أقسام المقيد أربعة. ومن العبادات ما هو مستحب بعموم معناه، كالنفل المطلق، فإن الشمس إذا طلعت فالصلاة مشهودة محضورة حتى يصلي العصر. ومنها ما هو مكروه تخصيصه لا مع غيره كقيام (٧) ليلة الجمعة. وقد يكره مطلقا، إلا في أحوال مخصوصة، كالصلاة في أوقات النهي. ولهذا اختلف العلماء في كراهة الصلاة بعد الفجر والعصر، هل هو لئلا يفضي إلى تحري

стр. 686

الصلاة في هذا الوقت، فيرخص في ذوات الأسباب العارضة، أو هو (١) نهي مطلق لا يستثنى منه إلا قدر الحاجة؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وفيها أقوال أخر للعلماء (٢) .

стр. 687

[فصل في الأعياد المكانية المبتدعة] فصل وقد يحدث في اليوم الفاضل، مع العيد العملي المحدث، العيد المكاني، فيغلظ قبح هذا، ويصير خروجا عن الشريعة. فمن ذلك: ما يفعل يوم عرفة، مما لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك، كما يفعل بعرفات فإن هذا نوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذ القبور أعيادا. وكذلك السفر إلى بيت المقدس، للتعريف فيه، فإن هذا أيضا ضلال بين، فإن زيارة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره. ثم فيه أيضا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيه له بالكعبة، ولهذا قد أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى، غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة، أو من حلق الرأس هناك، أو من قصد النسك هناك.

стр. 688

وكذلك ما يفعله بعض الضلال (١) من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة (٢) كما يطاف بالكعبة. فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء أو الضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه، فمن أقبح المنكرات من جهات أخرى. منها: فعل ذلك في المسجد (٣) فإن ذلك فيه ما نهي عنه خارج المساجد (٤) فكيف بالمسجد الأقصى؟! ومنها: اتخاذ الباطل دينا. ومنها فعله في الموسم. فأما قصد الرجل (٥) مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه، ففعله ابن عباس، وعمرو بن حريث (٦) من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين (٧) ورخص فيه أحمد،

стр. 689

وإن كان مع ذلك لا يستحبه (١) هذا هو المشهور عنه (٢) . وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين: كإبراهيم النخعي (٣) وأبي حنيفة ومالك، وغيرهم. ومن كرهه قال: هو من البدع، فيندرج في العموم لفظا ومعنى. ومن رخص فيه قال: فعله ابن عباس بالبصرة (٤) حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب ﵄، ولم ينكر عليه، وما يفعل في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار لا يكون بدعة. لكن ما يزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في (٥) المساجد بالدعاء، وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة مكروه في هذا اليوم وغيره. قال المروزي: سمعت أبا عبد الله يقول: "ينبغي أن يسر دعاءه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] (٦) . قال: هذا في الدعاء. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: وكان (٧) يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. وروى الخلال بإسناد صحيح، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: "أحدث الناس الصوت عند الدعاء" (٨) . وعن سعيد بن أبي عروبة: أن مجالد بن سعيد (٩) سمع قوما يعجون في

стр. 690

دعائهم، فمشى إليهم فقال: أيها القوم، إن كنتم أصبتم فضلا على من كان قبلكم لقد ضللتم، قال: فجعلوا يتسللون رجلا رجلا، حتى تركوا بغيتهم التي كانوا فيها (١) . وروى أيضا بإسناده عن ابن شوذب (٢) عن أبي التياح (٣) قال: قلت للحسن: إمامنا يقص، فيجتمع (٤) الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء. فقال الحسن (٥) إن رفع الصوت بالدعاء لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة (٦) . فرفع الأيدي فيه خلاف وأحاديث ليس هذا موضعها. والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها: أن في تلك قصد بقعة (٧) بعينها للتعريف فيها: كقبر الصالح، أو كالمسجد الأقصى، وهذا تشبيه بعرفات، بخلاف مسجد المصر، فإنه قصد له بنوعه

стр. 691

لا بعينه، ونوع المساجد مما شرع قصدها، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكانا معينا لا يتبدل اسمه وحكمه، وإنما الغرض بيت من بيوت الله، بحيث لو حول ذلك المسجد لتحول حكمه، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه. وأيضًا، فإن شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه، مثل الحج، بخلاف المصر، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (١) . هذا مما لا أعلم فيه خلافا. فقد نهى النبي ﷺ عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره: إما واجب كالجمعة، وإما مستحب كالاعتكاف به. وأيضا فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيدا، وهذا بنفسه محرم، سواء كان فيه شد للرحل، أو لم يكن، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره، وهو من الأعياد المكانية مع الزمانية. وأما ما أحدث في الأعياد، من ضرب البوقات والطبول فإن هذا مكروه في العيد وغيره، لا اختصاص للعيد به، وكذلك لبس الحرير، أو غير ذلك من المنهي عنه في الشرع وترك السنن من جنس فعل البدع، فينبغي إقامة المواسم على ما كان (٢) السابقون الأولون يقيمونها، من الصلاة والخطبة المشروعة، والتكبير والصدقة في الفطر، والذبح في الأضحى. فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع. ومن الأئمة من يترك أن يخطب للرجال والنساء. كما كان

стр. 692

رسول (١) الله ﷺ يخطب الرجال ثم النساء (٢) . ومنهم من لا يذكر في خطبته (٣) ما ينبغي ذكره، بل يعدل إلى ما تقل فائدته، ومنهم من لا ينحر بعد الصلاة بالمصلى وهو ترك للسنة، إلى أمور أخرى من السنة (٤) فإن الدين هو فعل المعروف والأمر به، وترك المنكر والنهي عنه.

стр. 693

[فصل في أنواع الأعياد المكانية] فصل وأما الأعياد المكانية فتنقسم أيضا كالزمانية - (١) ثلاثة أقسام: أحدهما: ما لا خصوص (٢) له في الشريعة. والثاني: ما له خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه. والثالث: ما يشرع العبادة فيه، لكن لا يتخذ عيدا. والأقسام الثلاثة جاءت الآثار بها. مثل قوله ﷺ للذي نذر أن ينحر ببوانة: «أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟ قال: لا. قال: فأوف بنذرك» (٣) . ومثل قوله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدًا» (٤) . ومثل نهي عمر عن اتخاذ آثار الأنبياء أعيادا. كما سنذكره إن شاء الله. [النوع الأول مكان لا خصوص له في الشريعة] فهذه الأقسام الثلاثة: أحدها مكان لا فضل له في الشريعة أصلا، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة، أو دونها، فقصد ذلك المكان، أو قصد (٥) الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء، أو ذكر، أو غير ذلك- ضلال بين. ثم إن كان به بعض آثار الكفار، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، صار أقبح وأقبح، ودخل في هذا الباب وفي الباب قبله، في مشابهة الكفار.

стр. 694

وهذه أنواع لا يمكن ضبطها (١) بخلاف الزمان، فإنه محصور. وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عباده الأوثان أو هو ذريعة إليها، أو نوع من عبادة الأوثان، إذ عباد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال، يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى، وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. كما ذكر الله ذلك في كتابه (٢) حيث يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٢] (٣) . كل واحد من هذه الثلاثة (٤) لمصر من أمصار العرب. والأمصار التي كانت من ناحية الحرم، ومواقيت الحج ثلاثة: مكة، والمدينة، والطائف. فكانت اللات: لأهل الطائف، ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا، يلت السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مدة، ثم اتخذوا تمثاله (٥) ثم بنوا عليه بنية سموها: بيت الربة. وقصتها معروفة، لما بعث النبي ﷺ لهدمها لما (٦) افتتحت الطائف (٧) بعد فتح مكة (٨) سنة تسع من الهجرة. وأما العزى: فكانت (٩) لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة

стр. 695

يذبحون عندها ويدعون. فبعث النبي ﷺ إليها خالد بن الوليد، عقب فتح مكة فأزالها، وقسم النبي ﷺ مالها، وخرجت منها (١) شيطانة ناشرة شعرها (٢) فيئست العزى أن تعبد. وأما مناة: فكانت لأهل المدينة، يهلون لها شركا بالله تعالى، وكانت حذو قديد الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي (٣) في أخبار مكة، وغيره من العلماء. ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال: «الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم» (٤) . فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم.

стр. 696

فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟ . فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء (١) أو قناة جارية، أو جبلا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك (٢) عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا. وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به، ويقال: (٣) إنها تقبل النذر، كما يقول بعض الضالين. فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة (٤) عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: أنه يستغفر الله من هذا النذر، ولا شيء عليه، والمسألة معروفة (٥) . وكذلك إذا نذر طعاما من الخبز أو غيره للحيتان التي في تلك العين، أو البئر (٦) . وكذلك إذا نذر مالا (٧) من النقد أو غيره للسدنة، أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة التي كانت (٨)

стр. 697

لللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل (١) ويصدون عن سبيل الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، ﷺ : ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] (٢) وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] (٣) والذين أتى عليهم موسى ﵇ وقومه (٤) كما قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] (٥) . فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين (٦) في هذه البقاع التي لا فضل في الشريعة للمجاور بها، نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد (٧) التي بالهند، والمجاورين عندها. ثم هذا (٨) المال المنذور، إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل أن يصرفه في عمارة المساجد، أو للصالحين من فقراء المسلمين، الذين

стр. 698

يستعينون بالمال على عبادة الله وحده لا شريك له- كان حسنا. فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي، أو رجل صالح، وليس كذلك، أو يظن أنه مقام له، وليس كذلك. فأما ما كان قبرا له أو مقاما، فهذا من النوع الثاني (١) . [بعض الأمكنة والقبور التي ابتدعها الناس] وهذا باب واسع أذكر بعض أعيانه: فمن ذلك: عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف بين أهل العلم، أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة، لم يمت بدمشق. والله أعلم قبر من هو، لكنه ليس (٢) بقبر أبي بن كعب صاحب رسول الله ﷺ بلا شك. وكذلك مكان بالحائط القبلي، بجامع دمشق (٣) يقال إن فيه قبر هود ﵇، وما عملت أحدا من أهل العلم ذكر أن هودا النبي مات بدمشق، بل قد قيل إنه مات باليمن، وقيل بمكة، فإن مبعثه كان باليمن، ومهاجره بعد هلاك قومه كان إلى مكة، فأما الشام فلا داره (٤) ولا مهاجره، فموته بها -والحال هذه مع أن أهل العلم لم يذكروه بل ذكروا خلافه- في غاية البعد. وكذلك مشهد خارج الباب الغربي من دمشق، يقال إنه قبر أويس القرني (٥) وما علمت أن أحدا ذكر أن أويسا مات بدمشق، ولا هو متوجه

стр. 699

أيضا، فإن أويسا قدم من اليمن إلى أرض العراق. وقد قيل: إنه قتل بصفين، وقيل: إنه مات بنواحي أرض فارس، وقيل غير ذلك. فأما الشام فما ذكر أنه قدم إليها فضلا عن الممات بها. ومن ذلك أيضا: قبر يقال له: قبر أم سلمة زوج النبي ﷺ ، ولا خلاف أنها ﵂ ماتت بالمدينة لا بالشام، ولم تقدم الشام أيضا. فإن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، لم تكن تسافر بعد رسول الله ﷺ . بل لعلها أم سلمة أسماء بنت يزيد بن السكن (١) الأنصارية، فإن أهل الشام كشهر بن حوشب (٢) ونحوه، كانوا إذا حدثوا عنها قالوا: أم سلمة. وهي بنت عم معاذ بن جبل، وهي من أعيان الصحابيات، ومن ذوات الفقه والدين منهن. أو لعلها أم سلمة (٣) امرأة يزيد بن معاوية (٤) وهو بعيد، فإن هذه ليست مشهورة بعلم ولا دين. وما أكثر

стр. 700

الغلط في هذه الأشياء وأمثالها من جهة الأسماء المشتركة أو المغيرة. ومن ذلك: مشهد بقاهرة (١) مصر يقال: إن فيه رأس الحسين ﵁، وأصله (٢) أنه كان بعسقلان مشهد يقال: إن فيه رأس الحسين، فحمل فيما قيل الرأس من هناك إلى مصر، وهو باطل باتفاق أهل العلم، لم يقل أحد من أهل العلم (٣) إن رأس الحسين كان بعسقلان، بل فيه أقوال ليس هذا منها، فإنه حمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد (٤) بالكوفة، حتى روي له عن النبي ﷺ ما يغيظه. وبعض الناس يذكر أن الرواية كانت أمام يزيد بن معاوية بالشام، ولا يثبت ذلك، فإن الصحابة المسمين في الحديث (٥) إنما كانوا بالعراق.

стр. 701

وكذلك مقابر كثيرة لأسماء (١) رجال معروفين، قد علم أنها ليست مقابرهم. فهذه المواضع ليست فيها فضيلة أصلا، وإن اعتقد الجاهلون أن لها فضيلة، اللهم إلا أن يكون قبرا لرجل مسلم فيكون كسائر قبور المسلمين، ليس لها من الخصيصة (٢) ما يحسبه الجهال، وإن كانت القبور (٣) الصحيحة لا يجوز اتخاذها أعيادا (٤) ولا أن يفعل ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة، أو تكون قبرا لرجل صالح غير المسمى، فيكون من القسم الثاني. ومن هذا الباب أيضا: مواضع يقال إن فيها أثر النبي ﷺ أو غيره، ويضاهي بها مقام إبراهيم الذي بمكة، كما يقول الجهال في الصخرة التي ببيت المقدس، من أن فيها أثرا من وطء رسول الله ﷺ (٥) وبلغني أن بعض الجهال يزعم أنها من وطء الرب ! فيزعمون أن ذلك الأثر موضع القدم. وفي مسجد قبلي دمشق -يسمى مسجد القدم- أثر (٦) أيضا يقال إن ذلك أثر (٧) قدم موسى ﵇، وهذا باطل لا أصل له. ولم يقدم موسى دمشق ولا ما حولها. وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناء على أنه رؤى

стр. 702

في المنام هناك، ورؤية النبي ﷺ أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة تقصد البقعة لأجلها، وتتخذ مصلى، بإجماع المسلمين. وإنما يفعل هذا وأمثاله أهل الكتاب، وربما صور (١) فيها (٢) صورة النبي أو الرجل الصالح أو بعض أعضائه، مضاهاة لأهل الكتاب، كما كان في بعض مساجد دمشق، مسجد (٣) يسمى مسجد الكف، فيه تمثال كف يقال: إنه كف علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (٤) حتى هدم الله ذلك الوثن. وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد. وفي الحجاز مواضع، كغار عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة يقال: إنه الغار الذي كان فيه (٥) النبي ﷺ وأبو بكر، وإنه الغار الذي ذكره الله في قوله (٦) تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] (٧) ولا خلاف بين أهل العلم أن الغار المذكور في القرآن إنما هو غار بجبل ثور، قريب من مكة، معروف عند أهل مكة إلى اليوم. فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة -كائنة ما كانت- (٨) فإن تعظيم

стр. 703

مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه، فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة فيها (١) وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها. وكما ينهى عن إفراد الجمعة وسرر شعبان بالصوم، وإن كان الصائم لا يقصد التخصيص بذلك الصوم، فإن ما كان مقصودا بالتخصيص، مع النهي عن ذلك، ينهى عن تخصيصه أيضا بالفعل. وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي (٢) أسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم. فإن ذلك المسجد لما بني ضرارا وكفرا، وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، نهى الله نبيه ﷺ عن الصلاة فيه، وأمر بهدمه. وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله، وتعظيما لما لم يعظمه الله، وعكوفا على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصدًا للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله ﷺ تسليما، واتخاذها عيدا هو الاجتماع عندها واعتياد قصدها، فإن العيد من المعاودة. ويلتحق بهذا الضرب -لكنه ليس منه- مواضع يدعى لها خصائص لا تثبت، مثل كثير من القبور التي يقال إنها قبر نبي، أو قبر صالح، أو مقام نبي، أو صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقا، وقد يكون كذبا. وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب. فإن القبور الصحيحة والمقامات الصحيحة قليلة جدا. وكان غير واحد من أهل العلم يقول: لا يثبت

стр. 704

من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا ﷺ . وغيره قد يثبت غير هذا أيضا مثل: قبل إبراهيم الخليل ﵇، وقد يكون علم أن القبر في تلك الناحية لكن يقع الشك في عينه، ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير من دمشق، فإن الأرض غيرت مرات، فتعيين قبر أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد يثبت، إلا من طريق خاصة، وإن كان لو ثبت ذلك لم يتعلق به حكم شرعي مما قد أحدث عندها. ولكن الغرض أن نبين هذا القسم الأول، وهو تعظيم الأمكنة التي لا خصيصة لها: إما (١) مع العلم بأنه (٢) لا خصيصة لها، أو مع عدم العلم بأن لها خصيصة، إذ العبادة والعمل بغير علم منهي عنه، كما أن العبادة والعمل بما يخالف العلم منهي عنه، ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين لما أهمل، ولما ضاع عن الأمة المحفوظ دينها، المعصومة عن الخطأ. وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها (٣) الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. وقد يحكي من الحكايات التي فيها تأثير، مثل أن رجلا دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى (٤) الله حاجته فقضيت حاجته، ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام فإن القوم كانوا أحيانا يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها (٥) وكذلك

стр. 705

يجري لأهل (١) الأبداد (٢) من أهل الهند وغيرهم. وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج، والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله، كأنه يمينه، والمساجد التي هي بيوته. وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس (٣) وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض. وقد صح "عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير (٤) وإنما يستخرج به من البخيل» (٥) فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا فائدة فيه، ولا يأتي بخير، فما الظن بالنذر لما (٦) لا يضر ولا ينفع؟ . وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه (٧) اضطرار الداعي وصدقه (٨) وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه (٩) الله لا لأجل دعائه، وقد
следующие страницы →