← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11680

المسالك والممالك للاصطخري أو مسالك الممالك - مصر

الإصطخري

Полный текст (223 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تعريف بسم الله الرّحمن الرّحيم عزيزى القارئ.. تحرص سلسلة (الذخائر) دائما على التنويع فى الوجبة الثقافية الهنيئة المريئة التى تقدمها لك مرتين كلّ شهر، فهى تخرج بك من كتاب فى الأدب إلى آخر فى اللغة، إلى ثالث فى التاريخ إلى رابع فى الفلسفة، إلى خامس فى الاجتماع.. وهكذا. وفى هذه الحلقة تقدّم لك (الذخائر) كتابا فى جغرافيّة الأقاليم، أو علم البلدان، هو كتاب (المسالك والممالك) لأبى إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسى الإصطخرى المتوفّى حوالى منتصف القرن الرابع الهجرى. ويبدو أن الرجل كان سيّئ الحظ فى حياته، وبعد مماته، أما عن حياته فلم يعرف عنها الكثير، بل إن نسبة (الإصطخرى) قد غلبه عليها فقيه شافعىّ معاصر له، هو: أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد ت ٣٢٨ هـ[سير أعلام النبلاء للذهبى ١١/٦٣٤] أما بعد موته فقد حالف سوء الحظّ كنيته (أبو إسحاق) فكتبت على صفحة عنوان الكتاب فى طبعة وزارة الثقافة- مصر ١٩٦١ (ابن إسحاق) ، بينما كناه محقّق الكتاب (أبو القاسم) [انظر ص ٩ من الطبعة المشار إليها] . عنوان (المسالك والممالك) حمله أكثر من كتاب لأكثر من مؤلّف جغرافىّ. فهناك (المسالك والممالك) لأبى جعفر أحمد بن الحارث بن المبارك الخزّاز ت ٢٥٨ هـ، و (المسالك والممالك) لأبى العبّاس جعفر ابن أحمد المروزىّ ت ٢٧٤ هـ. ويقول صاحب (الفهرست) إنه أوّل من ألّف كتابا فى المسالك والممالك. وممن ألّفوا كتبا بهذا العنوان: أبو العبّاس أحمد بن محمد بن مروان ابن الطيّب السّرخسى ت ٢٨٦ هـ، ومنهم: أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن نصر الجيهانى (ق ٣ هـ) ، ومنهم: عبيد الله بن أحمد بن خرداذ به €

стр. 2

ت ٣٠٠ هـ، ومنهم: أبو زيد أحمد بن سهل البلخى ت ٣٢٢ هـ. ويجيء الإصطخرى مؤلّفنا فى الطبقة التى تلى من تقدّم، ومركزها فى القرن الرابع الهجرى، ومن أبرز أعلامها- إلى جانب الإصطخرى- أبو الفرج قدامة بن جعفر ت ٣٣٧ هـ[وشهرته كنا قد لا تمنع من أنّ له جهودا مدوّنه فى جغرافية البلدان والأقاليم] ، والمسعودى- صاحب (مروج الذهب) ت ٣٤٦ هـ، وابن حوقل ت ٣٦٧ هـ، والمقدسى (شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد ت ٣٧٥ هـ) صاحب (أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم) . اتّساع التأليف فى جغرافية البلدان والأقاليم يلفتنا إلى وجه من الشّبه، قد يبدو- لأول وهلة- بعيدا، بين موضوع هذه الكتب وموضوع الكتاب الذي قدمته (الذخائر) فى حلقتها السابقة، وهو كتاب (مفاتيح العلوم) للخوارزمى ت ٣٨٧ هـ، والذي قرن إليه عند تقديمه كتابا (إحصاء العلوم) للفارابى (أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان ت ٣٣٩ هـ) و (الفهرست) لأبى الفرج محمد بن إسحاق النديم ت ٣٨٠. كلا الضربين من موضوعات التأليف يحمل دلالة تاريخيّة وحضاريّة، كلاهما دالّ على اتّساع رقعة العالم الإسلامى من جهة، وعلى بلوغ العلوم العربيّة الإسلامية مرحلة من النضج والازدهار والتشعّب من جهة أخرى، اتّساع رقعة العالم الإسلامى اقتضى التعريف به بل وببقيّة مناطق العالم المعروفة وقتها، سكّانا وبلادا وطرقا ومعالم طبيعيّة؛ تسهيلا للتنقل بينها، تجارة وعملا، أو دراسة وبحثا، أو متعة وتأمّلا. بينما اقتضى ازدهار العلوم الإسلامية العربيّة وتشعبها العمل على إحصائها ثم تصنيفها وفهرستها. هكذا مضى ركب الثقافة العربيّة الإسلامية، فى ظلّ ظروفه المواتية، حثيثا فى اتجاه التطوّر وسعة الأفق، عازفا عن كلّ ما يجرّ إلى التأخّر ويبعث على الانغلاق. عبد الحكيم راضى €

стр. 3

محقق هذه الطبعة الأستاذ الدكتور محمد جابر عبد العال الحينى عزيزى القارئ ... معذرة.. إذ لم نستطع الحصول على معلومات كافية عن الأستاذ المحقق، وقد لجأنا إلى سؤال العديد من الأصدقاء والزملاء الذين توقعنا أن تكون لهم به معرفة من قريب أو بعيد. لكن ما حصلنا عليه لم يكن ليسد رمقا أو يروى غلة.. لقد ذكر لى أحد أساتذتى «١» أن الدكتور الحينى بدأ حياته بالعمل فى المكتبة العامة لجامعة القاهرة. ونبهنى أحد الأصدقاء «٢» إلى أنه حقق بعض أجزاء كتاب (نهاية الأرب) للنويرى الذي طبعته دار الكتب المصريّة، وقد وجدت اسمه بالفعل على الجزءين الثانى والعشرين والخامس والعشرين، كما استخرجت من فهارس المكتبة العامة لجامعة القاهرة أسماء ثلاثة كتب اقترنت باسمه، أحدها بتحقيقه، وهو كتاب (المسالك والممالك) للإصطخرى الذي نقدمه فى هذه الحلقة، والآخران من تأليفه، أحدهما (الخنساء، شاعرة بنى سليم) وقد صدر فى سلسلة أعلام العرب، عن المؤسسة المصرية العامة للتأليف سنة ١٩٦٢، والآخر (فى العقائد والأديان المعاصرة، الديانات الكبرى) عن الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر سنة ١٩٧١. أما أنا فقد التقيت به فى العالم الجامعى ٧٩/١٩٨٠ فى كلية التربية بجامعة عين شمس، حيث كان كلانا منتدبا لإلقاء بعض المحاضرات بالكلية.. ذلك كلّ ما لدينا عن الأستاذ الدكتور محقق الكتاب، وإن هيئة تحرير سلسلة الذخائر ليسعدها أن تتلقى أى معلومات عنه تفيد فى كتابة ترجمة مناسبة له يمكن الإفادة منها فى المستقبل. رئيس التحرير €

стр. 4

مراجع هذه الطبعة المرحوم الأستاذ الدكتور: محمد شفيق غربال ١٣١١- ١٣٨١ هـ ١٩٨٤- ١٩٦١ م - مؤرخ من رجال التعليم، ومن أعضاء المجمع اللغوى بالقاهرة. تخرج بمدرسة دار المعلمين العليا (١٩١٥) وحصل على الماچستير فى انجلترا (١٩٢٤) . - درّس بالمعلمين العليا، ثم كان أستاذا مساعدا للتاريخ فى الجامعة المصرية القديمة، وتدرّج فى مناصبها إلى أن اختير عميدا لكلية الآداب فيها. - عمل مستشارا فنيا لوزارة التربية والتعليم (المعارف) ثم وكيلا لوزارة الشئون الاجتماعية. - تولى فى أعوامه الأخيرة إدارة معهد الدراسات العربية بجامعة الدول العربية حتى وفاته. من مؤلفاته المطبوعة: (١) بداية المسألة المصرية وظهور محمد على. (٢) المفاوضات البريطانية من الاحتلال إلى معاهدة ١٩٣٦. (٣) منهاج مفصل لدراسة العوامل التاريخية فى بناء الأمة العربية. (٤) «محمد على الكبير» فى سلسلة أعلام الإسلام. من مترجماته: المدينة الفاضلة «ترجمة عن بيكر» . [الأعلام للزركلى ٦/١٥٩] €

стр. 5

مقدم هذه الطبعة الأستاذ الدكتور عبد العال عبد المنعم الشامى - تخرج فى قسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة. - حصل على الماچستير (١٩٧٣) ، والدكتوراه (١٩٧٧) فى الجغرافيا. - تدرج فى وظائف هيئة التدريس حتى أصبح استاذا متفرغا بقسم الجغرافيا بآداب القاهرة. من مؤلفاته: - أثر العامل الجغرافى فى ازدهار أم القرى قبل الإسلام. مجلة الدراسات الإسلامية، السنة الثانية، العدد الأول. - جهود الجغرافيين المسلمين فى رسم الخرائط، الكويت ١٩٨١. - مدن مصر وقراها عند ياقوت الحموى، الكويت ١٩٨١. - جغرافية المدن عند العرب، عالم الفكر، مج ٩/١٤، الكويت ١٩٧٨. - من مباهج الفكر ومناهج العبر للوطواط- دراسة وتحقيق، الكويت، ١٩٨١. - نظم الرى والزراعة فى مصر فى الكتابات العربية، الندوة العالمية الثالثة لتاريخ العلوم عند العرب، المجلس الوطنى، الكويت ١٩٨٣. - جغرافية العمران عند ابن خلدون، الكويت ١٩٨٨. - العمران فى الواحات المصرية خلال العصر الوسيط، مج ٤/ع ٤، ١٩٩٠ كلية الآداب بالمنيا. - مدن مصر وقراها فى القرن الثامن الهجرى- القسم الأول- مجلة الآداب والعلوم الإنسانية، سلسلة الإصدارات الخاصة، مج ٩ ع ١، ١٩٩١ المجلة العلمية بكلية الآداب جامعة المنيا. €

стр. 6

تقديم بقلم د. عبد العال الشامى يعتبر الإصطخرى من أعلام المدرسة الجغرافية العربية فى مجال الدراسات الإقليمية ورسم الخرائط التى ظهرت وازدهرت فى القرن الرابع الهجرى، وتتمثل هذه المدرسة فى نتاج مجموعة من الجغرافيين بدأت برائدهم البلخى (أبو زيد أحمد بن سهل البلخى) ثم تبعه الإصطخرى، الذي عاصره ابن حوقل وجاء من بعده المقدسى. وقد اعتمد هؤلاء فى مؤلفاتهم على إكساب لفظ الإقليم دلالة مغايرة لما كانت عليه الجغرافية عند الإغريق من حيث ما يسمى بالأقاليم السبعة، وجاء هذا الاتجاه الجديد ليقصد بالإقليم كيانا مساحيّا يسهل تحديد حدوده الطبيعية، كما أنه وحدة إدارية سياسية خاضعة لنظام مركزى سياسى موحد، وكثيرا ما كانت هذه الكيانات الإقليمية ذات أصول عرقية ولغوية موحدة فضلا عن الجوانب الاجتماعية. ومثل هذا الاتجاه الجديد المغاير للتقسيمات السابقة أقرب ما يكون لمدلول لفظ الإقليم؛ لأنه كما يقول ياقوت الحموى: إنما سمى إقليما لأنه مقلوم من الأرض التى تتاخمه، أى مقطوع، والقلم فى أصل اللغة القطع وفى القرآن الكريم: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ [سورة آل عمران. الآية ٤٤] . يقول الإصطخرى فى مقدمة كتابه: «ذكرت فى كتابى هذا أقاليم الأرض على الممالك، وقصدت منها بلاد الإسلام بتفصيل مدنها ... €

стр. 7

ولم أقصد الأقاليم السبعة التى عليها قسمة الأرض» . وحين رسم صورة معمور الأرض فى عصره قال: «فهذه صورة الأرض عامرها والخراب منها وهى مقسومة على الممالك. وعماد ممالك الأرض أربعة: مملكة فارس، ومملكة الروم، ومملكة الصين، ومملكة الهند. فلما جاء الإسلام أخذ من كل مملكة بنصيب. وبهذا ظهرت مملكة الإسلام» . ومثل هذا التقسيم الإقليمى الكبير هو أشبه بما ندرسه اليوم فى الدراسات الإقليمية لمناطق كبرى مثل: غرب أوروبا، الاتحاد السوفيتي، جنوب غرب آسيا، الشرق الأوسط، أفريقية جنوب الصحراء، إمريكا اللاتينية.. ثم أعقب هذا التقسيم العام على الممالك بدراسة تفصيلية شاملة لمملكة الإسلام، وهنا يتضح مدلول لفظ الإقليم بصورة أوضح، حيث أصبحت ولايات أو ممالك الإسلام أقاليم جغرافية واضحة المعالم، ولكل إقليم صورة (خريطة) فيها ما يمكن توقيعه من ظاهرات ثم تأتى الكتابة كشرح مفصل لجغرافية الإقليم. وهكذا نجد هناك مزاوجة بين الدراسة الإقليمية ورسم الخريطة على نحو ما يقول: «الغرض من كتابى هذا تصوير الأقاليم التى لم يذكرها أحد علمته، أما ذكر مدنها وجبالها وأنهارها وبحارها والمسافات وسائر ما أنا ذاكره فقد يوجد فى الأخبار، ولا يتعذر على من أراد تقصى شىء من ذلك من أهل كل بلد، فلذلك تجوّزنا فى ذكر المسافات والمدن وسائر ما نذكره» . وإذا كان الإصطخرى قد قدّم لجميع الأرض صورة فى مستهل كتابه، فإنه قد أفرد بعد ذلك لكل إقليم من بلاد الإسلام صورة على حدة، وقد بلغت عشرين إقليما هى: €

стр. 8

١- ديار العرب، ٢- بحر فارس، ٣- المغرب، ٤- مصر، ٥- الشام، ٦- بحر الروم، ٧- الجزيرة الفراتية بين دجلة والفرات (أى النصف الشمالى من العراق) ، ٨- العراق، ٩- خوزستان (عربستان) ، ١٠- فارس، ١١- كرمان، ١٢- بلاد السند والهند، ١٣- أرمينية وأذربيجان، ١٤- الجبال، ١٥- الديلم، ١٦- بحر الخزر، ١٧- المفازة التى بين فارس وخراسان، ١٨- سجستان، ١٩- خراسان، ٢٠- ما وراء النهر (نهر جيحون) . ويلاحظ من حيث ترتيب الأقاليم الأخذ فى الاعتبار تقديم ديار العرب على غيرها وذلك لمكانتها الدينية، ولما كان بحر فارس بمدلول العصر (أى جملة المسطحات المائية الممثلة فى المحيط الهندى بذراعيه البحر الأحمر والخليج العربى) يحيط بمعظم ديار العرب؛ فقد ذكر تاليا لديار العرب حتى تستكمل الصورة، ثم جاء ذكر الأقاليم الإسلامية بعد ذلك من أقصى الغرب، أى كل الشمال الإفريقى والأندلسى، ثم مصر الممتده حتى برقة فالشام. وعند هذا الحد من الدراسة تكون معظم سواحل بحر الروم (البحر المتوسط) قد ذكرت فى ممالك الإسلام السابقة، ولهذا انتقل إلى دراسة هذا البحر ككل. ثم انتقل إلى الجزيرة وأعقب ذلك بالعراق- وعند هذا الحد يكون قد استوفى الجناح الغربى من بلاد الإسلام لينتقل بعد ذلك إلى الجناح الشرقى. ودراسة الجناح الشرقى جاءت على أساس تقسيمه إلى نطاقين عرضيين: جنوبى وشمالى، وقد بدأ بالنطاق الجنوبى بذكر الأقاليم المجاورة للعراق ثم ما يليها شرقا فذكر خوزستان- فارس- كرمان- بلاد السند والهند. €

стр. 9

وأما فى النطاق الشمالى فبدأ فى الغرب بأرمينية وأذربيجان ثم الجبال (يقصد نطاق جبال زاجورس بين العراق وفارس) ثم الدّيلم. وهنا يكون قد وصل إلى سواحل بحر الخزر (قزوين) ومن ثم درسه كإقليم متكامل متحد. ثم قبل أن ينتقل إلى ما تبقى من ممالك الإسلام فى الشرق، جاءت دراسة المفازة التى بين فارس وخراسان كإقليم له مميزاته، وإن لم يكن وحدة سياسية مستقلة، وأخيرا يدرس أقاليم سجستان وخراسان وما وراء النهر. وواضح أن من بين هذه الأقاليم العشرين ثلاثة أقاليم بحرية: بحر الروم، وبحر فارس، وبحر الخزر، أى أن الدراسة شملت أحواض هذه البحار التى تمثل أقاليم جغرافية واضحة، وهو نهج إقليمى صحيح. أما المفازة بين فارس وخراسان فهى الأخرى اعتبرت إقليما جغرافيا متميزا ومختلفا عما حوله، بل كما قال الإصطخرى: من أقل مفاوز الإسلام سكانا وقرى ومدنا، كما أنها غير خاضعة لسلطان بعينه؛ لأنها ليست فى حيز إقليم بعينه. وهكذا نجد أعلام هذه المدرسة الإقليمية المجددة أصحاب منهج إقليمى سليم فى تحديد وجوه اختلاف هذه المفازة عن غيرها من بوادى العرب والبربر وما فى مفاوز كرمان ومكران والسند، فهذه عامتها مسكونة بالأخبية والأخصاص. أخيرا نجد بعد ما ذكر عن الأقاليم الأربعة السابقة أن ما تبقى هى وحدات سياسية- إدارية، أى ولايات إسلامية قد ذكرها البلخى الرائد الأول الذي لم يصلنا كتابه، ثم الإصطخرى وابن حوقل. أما المقدسى €

стр. 10

فقد كان له تصوره الخاص فى هذه التقسيمات لديار الإسلام، وله اجتهاده المحمود ومبرراته فى أن يختلف مع سابقيه مما يمثل إثراء للفكر الجغرافى العربى. هذا وقد أحصى «ميللر» لأعلام هذه المدرسة ٢٧٥ خريطة استطاع أن يجمعها لهم من المخطوطات المختلفة التى عثر عليها لكل منهم، وأطلق على هؤلاء الذين اعتمدوا أساسا فى كتاباتهم الجغرافية على تصوير الأقاليم أو رسم الأشكال اسم «أصحاب أطلس الإسلام» ، وهذه المجموعة من الخرائط نوع فريد ونسيج وحيد جاء إنتاجا إسلاميا خالصا من ابتكار هؤلاء، ودليلا على أصالة الفكر الجغرافى الإسلامى وقدرته على التجديد فى مجال رسم الخرائط. أما عن الخصائص أو السمات العامة لخرائط الإصطخرى ومن جاء بعده فى هذا الاتجاه فهى خرائط توضيحية فقط، ليست وظيفتها الأساسية تحديد المواقع على وجه الدقة، بل مجرد بيان الهيئة العامة للأرض وبحارها وتوقيع البلاد بالنسبة لبعضها البعض وما تتضمنه من ظاهرات طبيعيّة وبشرية تفيد فى إرشاد الراغبين فى التعريف على جغرافية الإقليم، كما تنفع المسافرين على الطرق بمعرفة أطوال مراحلها وخصائصها، وكل ذلك فى حدود العصر وإمكانياته، وسوف نجد عند ابن حوقل والمقدسى إضافات قيمة تشير إلى مدى الارتقاء فى هذه المدرسة الجغرافية الإقليمية الخرائطية. وهناك شبهة أن يكون الإصطخرى قد نقل الخرائط الواردة فى كتابه عن البلخى الذي سبقه فى تصوير الأقاليم، ولكن هذه المشكلة قد أثيرت فى القرن الرابع الهجرى؛ فقد ذكرها المقدسى الذي عاش بعد نصف قرن من وفاة البلخى، وكذلك ياقوت الحموى وقد جاءت تهمة €

стр. 11

نقل الإصطخرى لكتاب البلخى وصوره عند «دى غويه» دون أى دليل، وقد تولى أهل الاختصاص الرد على هذه الشبه «١» ، ولكن يكفى ما جاء عند ابن حوقل حين قابل الإصطخرى الذي عرض عليه بعض خرائطه وكتابه، وكيف أن ابن حوقل كان منصفا فى تحديد الصواب والخطأ أو الجودة والرداءة فى خرائط الإصطخرى فقال: «ولقيت أبا إسحاق الفارسى وقد صور أرض السند فخلطها، وصورة فارس فجودها، وكنت قد صورت أذربيجان التى فى هذه الصفحة فاستحسنها، والجزيرة فاستجادها وأخرج التى لمصر فاسدة، وللمغرب أكثر خطأ» . وهكذا نجد أن قيمة المرء ما يحسنه، وأن الميزة لا تقتضى الأفضلية حتى أن ابن حوقل يقول: «لقد ظللت لا يفارقنى كتب ابن خردازبه والجيهانى وقدامة بن جعفر، حتى إذا لقيت الإصطخرى أخذت كتابه واستغنيت به عن غيره من الكتب» . هذا وقد تولى محقق كتاب الإصطخرى الرد على ما جاء فى دائرة المعارف الإسلامية من نسبة كتاب الإصطخرى إلى البلخى فى مقدمة التحقيق «٢» ، وكذلك يشير كراتشكوفسكى- (المستشرق الروسى) الذي ألف تاريخ الأدب الجغرافى العربى «٣» - إلى أنه ثبت بعد الفحص €

стр. 12

الدقيق أن بعض المخطوطات التى نسبت فى فهارس المخطوطات، أو حتى فى الأصل إلى البلخى، إنما تمثل فى الحقيقة مسودات لمصنف الإصطخرى أو ابن حوقل. ويحسن أن نشير هنا إلى بعض الملاحظات على خرائط الإصطخرى، فنجد أنه استخدم الألوان على نحو ما نجد عند يوسف كمال فى المجموعة الكمالية، كما أن فى خرائط الإصطخرى تمثيلا للظاهرات الطبيعية حيث يوضح فى شبه جزيرة سيناء وأقسامها الثلاثة: السهل الساحلى الرملى الشمالى (رمل الجفار) ، ثم الهضبة الوسطى (تيه بنى اسرائيل) ، ثم الكتلة الجبلية الجنوبية (طور سيناء) . وحين يكون المظهر التضاريسى الجبلى هو الصفة الغالبة على الإقليم- على نحو ما هو فى خريطة فارس (هضبة إيران) - فإنه لا يوقع الجبال؛ لأنه ليس بفارس بلد إلّا وبه جبل أو يكون الجبل بحيث تراه إلّا اليسير. كذلك يوقع الجزر كظاهرات طبيعية فى المسطحات المائية، مثل جزر الخليج العربى، وإذا كانت هناك مبالغة فى تصوير الجزر فربما يكون مرجع ذلك إلى الناسخ بدليل وجود اختلافات واضحة بين نسخ الإقليم الواحد فى الخرائط التى وصلت عن الإصطخرى، كما أن الإصطخرى قد يصور فى خريطته بعض النباتات لما لها من دلالة، ففى خريطة مصر يوقع عند بداية الحد الشمالى الشرقى المصرى شجرتان وهما تمثلان البداية لحدود مصر عند رباط الشجرتين. كذلك يهتم الإصطخرى بتوقيع ظاهرات بشرية فى خرائطه، مثل توقيع المدن الحربية كحصون (مدينة دمياط) ، وتصوير منار الإسكندرية، والأهرامين، وكذلك ما تشتهر به بعض النواحى من المبانى العجيبة مثل حائط القلاص كجدار أو سور. €

стр. 13

وإذا كان من الممكن أن نصف خرائط الإصطخرى وفقا للموضوعات الجغرافية التى تخدمها هذه الخرائط، فإننا نجد أنه قد بدأ بخريطة عامة للمعمور فى مستهل كتابه، وهى صورة للأرض مستديرة.. أما خرائط العالم الإسلامى الإقليمية فقد جاءت فى مستهل تناوله لكل إقليم، وقد أجاد الإصطخرى فى بعضها- على نحو ما أشاد بذلك ابن حوقل- خاصة تلك التى تتعلق بموطنه الأصلى، أو تلك التى اختصت بأقاليم زارها على نحو ما نجد فى صورة ما وراء النهر، التى توجد فى نسخة كتاب الإصطخرى المحفوظة فى خزانة مدينة هامبورج. كذلك هناك من خرائط كتاب الإصطخرى ما يتناول بالتفصيل الظاهرات الطبيعية والبشرية على نحو ما هو متحقق فى خرائط بحر فارس وبحر الروم وبحر الخزر، وكذلك المفازة بين فارس وخراسان. والخلاصة: أن الإصطخرى قد أدخل مفاهيم جديدة لعلم الخرائط عند الجغرافيين المسلمين، بجعله الخريطة أساسا للبحث الجغرافى، وهو اتجاه قد زاد من بعده عمقا وأصالة بما قدمه ابن حوقل والمقدسى، بحيث أصبح هذا الاتجاه مميزا للمدرسة الجغرافية الإسلامية المجددة فى رسم الخرائط. ولما كانت صورة الإقليم لا يمكن أن تستوعب كل ما يريد المؤلف أن يذكره عن هذا الإقليم، فقد جاءت المادة الجغرافية التالية للصورة شارحة لها وكذلك لذكر التفاصيل، ومن هنا تاتى قيمة ما قدمه الإصطخرى ومن جاء بعده فى مجال جغرافية البلدان أو المسالك والممالك أو الجغرافية الإقليمية فى وقتنا الحاضر. أما عن منهج الإصطخرى فى تناول جغرافية أقاليم مملكة الإسلام فقد حدده بأمور بعينها، أهمها: €

стр. 14

(أ) الخريطة، أو الصورة كما يسميها. (ب) العلاقات المكانية للإقليم. (ج) الأقسام الفرعية ذات الأهمية التى ينقسم إليها الإقليم. (د) المظاهر الطبيعية المختلفة. (هـ) الأحوال الاقتصادية للإقليم وما ينتجه من غلات. (و) المدن الكبرى وأهميتها. (ز) الطرق وأطوالها. وربما عنى بين الحين والحين بأمور أخرى أقل أهمية فى نظره كالنقود والمكاييل والموازين المستعملة فى إقليم ما، أو القبائل التى تعيش فى الإقليم ومنازلها، وربما استطرد أحيانا فذكر بعض النواحى التاريخية وسير الرجال. وإذا كنا قد فصلنا القول عن الخريطة أو صورة الإقليم فيما سبق ذكره، فإن المقصود بالعلاقات المكانية هو ذكر حدود الإقليم الخارجية أو الإطار المكانى للإقليم، وقد يأتى هذا التحديد مفصلا ودقيقا للغاية على نحو ما حدد ديار العرب تحديدا يكاد يشبه إلى حد كبير ما يجمع عليه الجغرافيون المحدثون. وأما الأقاليم الفرعية فكثيرا ما يرى الإصطخرى أن الإقليم الواحد تتنوع أجزاؤه داخل الإطار العام، فيقسمه إلى أقاليم ثانوية يتحدث عن خصائص كل منها، على نحو ما قسم ديار المغرب إلى نصفين شرقى ويشمل كل الشمال الإفريقى، وغربى وهو الأندلس. كما قسم أقاليم ديار العرب الخمسة. وفى مجال الظاهرات الطبيعية ذكرنا تخصيص معالجة للمسطحات المائية الكبرى كبحر فارس وبحر الروم وبحر قزوين، كذلك يهتم بالأنهار ومنابعها €

стр. 15

ومجاريها ومصباتها، كما يذكر الجبال والنطاقات الرملية، ولا يغفل ذكر أحوال المناخ وكذلك يعالج التربة على نحو ما ذكر عن أرض العراق. وفى مجال الأحوال الاقتصادية: نجد أن الإصطخرى حديثه مقتضب يذكر غلات الإقليم، وقد يعرض لبعض الصناعات أو يذكر العملة والموازين والمكاييل، والحديث هنا أقرب للمشاهدات التى سجلها فى البلاد التى زارها. وفى مجال العمران: نجد أن ذكر المدن هو الذي يستغرق جزءا كبيرا من كتابه، ويتناول المدينة وموقعها ومبانيها ومابها من المرافق المهمة والآثار إن وجدت. أخيرا فى نهاية كل إقليم يفرد للطرق حيزا يكاد يقارب اهتمامه بالمدن وهذا ما يحقق مدلول كلمة «المسالك» فى عنوان كتابه، ومع هذا فليس ما يرد بالتفصيل فى بعض الطرق بالأقاليم- كما سنذكر بعد قليل- هو ما اتبعه، وإنما يختصر تناوله للطرق بسرد المسافات التى يقيسها أحيانا بالأيام وتارة بالفراسخ أو المراحل. ويعتبر ما ذكره الإصطخرى عن الطرق فى مفازة خراسان خير مثال لدراسته للطرق باعتبارها شرايين الحياة فى هذه المفازة التى تتوسط معظم أقاليم الشرق الإسلامى، وبعد أن صور تلك الطرق على خريطة قال: «هذه المفازة من أقل مفاوز الإسلام سكانا ومدنا وقرى ... وليس يستدرك من هذه المفازة إلّا علم الطريق ... » وقد أظهر المنطقة كمنطقة تخوم بين الأقاليم المحيطة بها، وأنها ليست فى حيز إقليم بعينه فيرعاها أهل ذلك الإقليم بالحفظ، ومن ثم كثرت فيها اللصوص، ويصعب سلوكها بالخيل، وإنما تقطع بالجمال، وبعد أن شرع فى ذكر طرق المفازة سرد مقومات هذه الطرق من الناحيتين الطبيعية والبشرية فذكر: €

стр. 16

أ- موارد المياه فى مختلف صورها من الآبار والعيون والبرك، وما يتجمع من ماء الأمطار والسيول فى الأحواض، وما أقامه الإنسان من قباب على هذه الموارد. ب- كما ذكر ما أقيم على الطرق فى محطاتها من خدمات للمسافرين كالخانات والرباطات والحصون، وينزل بعضها من يقومون بالخفارة (البذرقة) من قبل السلطان. ح- كذلك يشير إلى معلومات عن السكان وعن نمط السكن حتى ولو قل عدد السكان حتى لا يتجاوز بضعة أشخاص، كما يحصى المساكن، ولا ينسى ذكر ما بالقرى من زرع وضرع، وهو يفعل كل ذلك بدقة واضحة. والملاحظ أن نصيب ديار الإسلام من حيث صفحات الكتاب فيه تفاوت كبير بين ما يخص كل إقليم، فإذا كان ما يخص ما وراء النهر يتجاوز ثلاثين صفحة ومثله ما يخص بلاد فارس، فإنّ ما يخص خراسان هو نحو ١٦ صفحة، وما عدا هذه الأقاليم الثلاثة من جملة الأقاليم لا يتجاوز عشر صفحات لكل إقليم، وأحيانا أقل من ثلاث صفحات، مع الأخذ فى الاعتبار ما فى هذه الطبعة من هوامش وتعليقات تشغل حيزا كبيرا لا يقل عن ثلث حجم الكتاب ككل. ومثل هذا التفاوت يرجع إلى أن الإصطخرى قد زار ما وراء النهر وبلاد فارس موطنه الأصلى، كما زار ديار العرب ومصر والشام والعراق والجزيرة العربية، أما ما عدا هذه المناطق فهو مقل فى سرد التفاصيل مكتفيا أساسا بصور الأقاليم. د. عبد العال الشامى

стр. 17

المسالك والممالك

стр. 18

تأليف أبى اسحاق إبراهيم بن محمد الفارسى الإصطخرى (المعروق بالكرخى) المتوفى فى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى تحقيق مراجعة الدكتور محمد جابر عبد العال الحسينى محمد شفيق غربال (١٣٨١ هـ- ١٩٦١ م)

стр. 19

فهرس اجمالى كلمة المحقق من ص ٧ إلى ص ١١ مقدمة المؤلف « «١٥ « «١٩ فصول الكتاب ديار العرب « «٢٠ « «٢٨ بحر فارس « «٢٩ « «٣٢ ديار المغرب « «٣٣ « «٣٨ ديار مصر « «٣٩ « «٤٢ أرض الشام « «٤٣ « «٤٩ بحر الروم « «٥٠ « «٥١ أرض الجزيرة « «٥٢ « «٥٥ العراق « «٥٦ « «٦١ خوزستان « «٦٢ « «٦٦ بلاد فارس « «٦٧ « «٩٦ بلاد كرمان « «٩٧ « «١٠١ بلاد السند « «١٠٢ « «١٠٧ أرمينية والران وأذربيجان من ص ١٠٨ إلى ص ١١٤ الجبال « «١١٥ « «١٢٠ الديلم « «١٢١ « «١٢٧ بحر الخزر « «١٢٨ « «١٣٢ مفازة خراسان « «١٣٣ « «١٣٨ سجستان « «١٣٩ « «١٤٤ خراسان « «١٤٥ « «١٦٠ ما وراء النهر « «١٦١ « «١٩٢ أقاليم ما وراء النهر: خوارزم « «١٦٨ « «١٧٣ بخارى « «١٧٣ « «١٧٦ السغد « «١٧٧ « «١٨٢ أشروسنة « «١٨٢ « «١٨٤ الشاش وإيلاق « «١٨٤ ١٨٧ دراسة لمصورات الكتاب « «١٩٦ « «٢٠٥ فهرس الموضوعات « «٢٠٧ « «٢١٢

стр. 20

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة حفز النجاح السياسى العظيم، الذي ظفرت به الدولة الإسلامية فى القرن الثانى للهجرة، رجالها إلى اقتحام ميادين جديدة، ميادين تعزز هذا النصر السياسى والحربى الذي كان يبعث الهيبة فى القلوب، ميادين تغزو العقول وتعمل بقوة تفوق قوة السيف؛ اتجهت الدولة الإسلامية إلى تراث الأمم السابقة لها تأخذ منها ما يتلاءم وذوقها فى الحياة وما يتفق ومنطقها فى الدراسة، لتبنى أسس هذا المجد العقلى الذي تطمح إليه؛ ترجم المترجمون عن الفارسية واليونانية والسوريانية ترجمات أشرقت بعدها نهضة علمية تبشر بسلطان عظيم، أخذت هذه النهضة العلمية تشع فى كثير من نواحى النشاط العقلى، إذ ساهم العقل الإسلامى مساهمة دفّاعة فى هذه النهضة، كان من أثرها هذا الفضل الذي اعترفت به البشرية، والذي أتاح لتيار الحضارة أن يأخذ سبيله فى مجراه. فى مطلع هذه النهضة نشأ علم البلدان وهو المعروف فى اصطلاحنا الحديث بالجغرافية الوصفية. قام علم البلدان وكانت الحياة العملية تتطلع إليه فى شوق وفى إلحاح، ذلك لأن التجارة كانت تريد منه أن يكون لها هاديا ومرشدا فى دولة مترامية الأطراف واسعة الأرجاء مختلفة الشعوب والأجناس والألسنة، كانت تريد أن تعرف سبلها ومسالكها ومن تعطى وما تأخذ، ولقد وجدت فى هذا العلم مبتغاها، فأقبل عليه التجار والناس يطلبونه من أصحابه، فظفر بتأييد أتاح له أن يتطور تطورا سريعا، تطورا جعل علم البلدان فى أوائل القرن الرابع الهجرى علما كامل المعالم والأسس. ولقد أتاح الله لهذا العلم أفذاذا، جابوا البلاد وتحملوا المشاق، وعرفوا مسالكها وطرقها وناسها، ووقفوا على طبيعة البلاد التى زاروها وحياة أهلها الاجتماعية، ودوّنوا ما رأوا وما خبروا وما سمعوا، حريصين أن يبيّنوا ما رأوا وما سمعوا، فخرجت كتبهم نورا يهدى، ومرشدا لا يضل ولا يضلل، وحظى بالذكر من بين هؤلاء ابن خرداذبه والجيهانى وأبو الفرج قدامة بن جعفر وأبو زيد البلخى وغيرهم، ولقد بلغ من أهمية كتاب ابن خرداذبه وكتاب الجيهانى أنّ ابن حوقل كان يحرص كل الحرص على أن يرافقاه فى حلّه وترحاله، قال: [وكان لا يفارقنى

стр. 21

كتاب ابن خرداذبه وكتاب الجيهانى وتذكرة أبى الفرج قدامة بن جعفر] «١» . ظلت هذه الكتب تستحوذ عليه حتى لقى الإصطخرى فى بغداد، فأخذ كتابه واستغنى به عن غيره من الكتب. يرى الدارس لهذه الفترة من تاريخ علم البلدان أنّ هذا العلم قد تطور على يدى رجلين يعدّان من النوابغ هما أبو زيد البلخى والجيهانى، حتى ليمكن أن يقال إن مخالفتهما أمر كان ينبغى أن يبرّر، خالفهما المقدسى فى كتابه أحسن التقاسيم، خالف الجيهانى- الذي كان يسمى ما بين دجلة والفرات بابل- فى هذه التسمية وسمّى الإقليم العراق، وبيّن ذلك فى قوله: [.. ألا ترى الجيهانى ابتدأ بذكر هذه النواحى وسماها إقليم بابل ... وقد شققنا الإسلام طولا وعرضا فما سمعنا الناس يقولون إلا هذا إقليم العراق وأكثر الناس لا يعلمون أين بابل] «٢» ، وخالف أبا زيد البلخى فى تقسيم المشرق وبيّن هذا فى قوله: [وقد جعله أبو زيد ثلاثة أقاليم خراسان وسجستان وما وراء النهر وأما نحن فجعلناه واحدا ذا جانبين يفصل بينهما جيحون] «٢» ، يتضح مما سقناه حقيقة هى ما لهذين الرائدين أبى زيد البلخى والجيهانى من مكانة سامية عند رواد علم البلدان، هذه المكانة الممتازة هى التى جعلت النساخ يضعون على كتاب الاصطخرى فى هذا العصر المبكر، الاصطلاح الذي جاء به أبو زيد البلخى وهو صور الأقاليم إلى جانب عنوان الكتاب الأصلى، الأمر الذي أشكل على دائرة المعارف الإسلامية فنسبت كتاب الاصطخرى لأبى زيد البلخى أو جعلته معوّلا عليه، وهذه شبهة ليس لها سند أو دليل، وقد أطلقها كاتب مادة الاصطخرى دون أن يؤيد دعواه بأية حجة تسوّغ قوله، ولئن كانت هذه الدعوى غير مؤيدة بالبرهان، ومن ثم فهى تستحق الإهمال، لكن لا يفوتنا أن نشير إلى أن صحة نسبة الكتاب إلى الاصطخرى يقوم عليها الدليل من الكتاب نفسه ومن المعاصرين، ففى حديث الاصطخرى عن فارس يشير إلى رسالة ألّفها، قال: [وقد ذكرت فى الرسالة ما يعلم من قرأها موضع كل كورة برساتيقها ومواضع المدن بها إن شاء الله تعالى] ، ويشهد ابن حوقل أنه لقى الاصطخرى أبا اسحاق الفارسى فى بغداد وأخذ منه كتابه لتصحيحه كما زعم، قال: [ولقيت أبا اسحاق الفارسى وقد صوّر هذه الصورة لأرض الهند فحلطها وصوّر فارس فجوّدها وقد كنت صورت أذربيجان التى فى هذه الصفحة فاستحسنها والجزيرة فاستجادها وأخرج التى لمصر فاسدة وللمغرب أكثرها خطأ وقال قد نظرت فى مولدك وأثرك وأنا أسألك إصلاح كتابى هذا حيث ضللت فأصلحت منه غير مشكل وعزوته إليه] «٣» ، والواضح من قول ابن حوقل وضوحا لا يقبل الشك ولا الجدل أنّ للاصطخرى كتابا وأنه أصلحه كما زعم، وأن هذا الكتاب منسوب للأصطخرى، زد على ذلك أن ياقوت الحموى فى معجم البلدان ينقل

стр. 22

عن الاصطخرى ويسند النقل لصاحبه؛ فليس بعد هذه الأدلة شبهة فى نسبة الكتاب لصاحبه. أما قول ابن حوقل انه أصلحه فمع أنه لا يطعن فى نسبة الكتاب إلا أنه يشير إلى توهين ما فيه من بيانات، والحق أن ابن حوقل ينقل عن الاصطخرى بالنص واللفظ، وهو يلجأ إلى هذه الدعوى لتبرير هذا النقل، وأبسط عرض لكتاب ابن حوقل على كتاب الاصطخرى يدل دلالة واضحة على هذه الحقيقة، أما تعويل الاصطخرى على أبى زيد البلخى فليس هذا بعيب فى الكتاب، لأن هذا العلم كان فى بدئه ويعتمد الخلف دائما على السلف كما اعتمد ابن حوقل على الاصطخرى. أما إضافة النساخ (صور الأقاليم) إلى عنوان الكتاب فهى مسألة تجارية يبتغون من وراء شهرة أبى زيد رواج منسوخاتهم لكتاب الاصطخرى، هذا فضلا عن أن هذا اصطلاح عام لا يميز كتابا عن كتاب مثله مثل اصطلاح (المسالك والممالك) لا يدل وضعه على كتاب أنه مأخوذ منه. والآن من هو الاصطخرى؟ هو أبو القاسم إبراهيم بن محمد الفارسى، المشهور بالفارسى فى أيامه، وبالاصطخرى فيما بعد نسبة إلى بلده، وهو رجل- فيما يبدو- لم يكن ذا نباهة فى عصره، لذلك أغفلت ذكره الكتب التى تؤرخ الرجال، ومن هنا لا ندرى سنة ولادته، وإن كانت من المؤكد فى النصف الثانى من القرن الثالث، ولا ندرى سنة وفاته وإن كنا نعلم أنها فى القرن الرابع، ذلك لأن ابن حوقل التقى به فى بغداد فى أواخر حياته أى فى سنة ٣٢٥ هـ، كما يتبين ذلك من قوله أنه كان فى بغداد سنة ٣٢٥ هـ (ص ٢٤٥- ليدن) ؛ ودراسة كتاب الاصطخرى والأشخاص الذين يشير إليهم يدلان على أن سنة وفاته كانت حوالى منتصف القرن الرابع، ذلك لأنه يشير إلى أبى المظفر محمد بن لقمان بن نصر بن أحمد بن أسد السامانى، الذي كان- فيما يبدو- حاكم سمرقند أيام نوح بن نصر السامانى أو أيام ابنه عبد الملك (توفى سنة ٣٥٠ هـ) على أحوط احتمال. والاصطخرى مؤلف ذو منهج يميزه عن غيره، أما مذهبه فى التأليف فيتبين من قوله على سبيل المثال فى إقليم الجبال: (فأما الرىّ فإنا ضممناها إلى الدليم وإن كانت قائمة بنفسها، لأن اتصالها بها اتصال واحد وليس بينهما حاجز يستحق به الانفراد عنها فمرة من الجبال ومرة من عمل خراسان) ، ومن قوله أيضا فى ما وراء النهر: (وقد كان فى التقدير أن نصور نصف خوارزم فى صورة خراسان ونصفها فى صورة ما وراء النهر غير أن الغرض فى هذا الكتاب معرفة هذه الأقاليم ومدنها، فاخترت أن تكون خوارزم مجموعة فى الصورة وجعلتها فى صورة ما وراء النهر فأبلغ بذلك غرضى من غير تكرار فى الصورتين) فأنت ترى أنه مؤلف له خطة مرسومة يسير على نهجها، يخضع لها ولا يقبل التقسيم الإدارى الذي دعت إليه ظروف غير جغرافية، تراه يجعل المنطقة وحدة ولا يجزئها إلا إذا جزّأتها الطبيعة، وهو مؤلف دقيق بالنسبة إلى عصره، وتتبين ذلك واضحا من قوله على سبيل المثال: (وأما النيل فإن ابتداء مائه لا يعلم وذلك أنه يخرج من مفازة من وراء أرض الزنج لا تسلك حتى ينتهى

стр. 23

إلى حد الزنج) ، فهو يرفض الخرافات التى تجعل النيل ينبع من الجنة، ويتضح ذلك أيضا فى حديثه عن الديلم (وفى حماقات الأولين أن الضحاك مقيد بها) ، وفى ختام حديثه عن اليمن فى قوله: (ويحكى عن الغيلان بها من الأعجوبة ما لا أستجيز حكايته) ، فمن هذه الأمثلة تراه رجلا يبحث عن الحقيقة وفق ما يهديه إليه عقله، ويرفض الجرى وراء الخرافات قدر المناهج المتاحة لعصره، وهو بعد ذلك أمين فى التأليف يذكر المحاسن والمساوئ وإن كانت فى قومه الفرس، قال فى فصله عن فارس: (وقد انتحل قوم من الفرس ديانات خرجوا بها من المذاهب فدعوا إليها وانتصبوا لها، لولا إهمال أمرهم ضرب من العصبية وباب من التحامل فنذكر المحاسن ولا نذكر غيرها) . والقارئ لكتاب الاصطخرى يلاحظ فى وضوح أن منهجه فى التأليف يقوم على أسس ثلاثة، أولاد المشاهدة والوصف وفق الرؤية، وتجد ذلك واضحا فى حديثه عن إقليم ما وراء النهر وديار ثمود وغيرهما، وثانيا تحرى الدقة جهد الطاقة مخالفا غيره تارة ومتفقا تارة أخرى، وثالثا سماع الأخبار والاقتصاد فى روايتها، ولقد بيّن ذلك فى مقدمة كتابه قائلا: (فقد يوجد فى الأخبار ولا يتعذر على من أراد تقصّى شىء من ذلك من أهل كل بلد، ولذلك تجوّزنا فى ذكر المسافات والمدن وسائر ما نذكره) ، وليس معنى هذا أنه استغنى عن النقل، وإنما معناه أنه تحرى الاقتصاد فى الرواية، وأثبت ما هو ضرورى ومكمل لكتابه، مما رآه متفقا ومنهجه فى الصحة والمنطق والتصوير. ولا يخفى على الباحث أن الرجل أنفق السنين الأخيرة من حياته مؤلفا لهذا الكتاب، وأنت ترى ذلك واضحا بين ثنايا كتابه، تراه فى بلاد العرب فى أوائل القرن الرابع، كما يتبين ذلك من قوله: (وليس بمكة ماء جار إلا شيء بلغنى بعد خروجى عنها أنه أجرى إليها من عين كان عمل فيها بعض الولاة فاستتم فى أيام المقتدر أمير المؤمنين) ، وهذا يشير- وفقا لمهجه- أنه بدأ فى تأليف كتابه فى أوائل القرن الرابع الهجرى، وأنه ظل يضيف إليه نتيجة مرحلته فى الأقطار الإسلامية حتى حوالى منتصف القرن الرابع، كما يدل على ذلك قوله: (فوقعت فتنة بسمرقند فى أيام مقامى بها وأحرق الباب وذهبت الكتابة وأعاد ذلك الباب أبو المظفر محمد بن لقمان بن نصر ابن أحمد بن أسد كما كان من حديد من غير تلك الكتابة.) ، ومن هذا ندرك أن الرجل لم يأخذ فى تأليف الكتاب إلا بعد نضجه واختزان كثير من التجارب وغربلة ما سمع من أخبار، وأنه ثمرة جهد وعلم كلفاه نصف قرن تقريبا. ومع ذلك فلا عجب أن يكون لكتاب الاصطخرى أهمية تدعو إلى الاحتفال به، أهمية تدفع النساخ أن يقوموا بنسخه وتوزيعه، ولكن عدم شهرة الرجل فى زمانه كانت عاملا يعوق رواجه، ومن ثمّ ظل محدود

стр. 24

الشهرة، لا يحتفل به إلا العارفون لفضله مثل ياقوت الحموى، الذي ينقل عنه فى كتابه معجم البلدان. وكتاب الاصطخرى نشر أول ما نشر- فى عصرنا الحديث- مختصرا فى نسخة بالزنكوغراف، عن نسخة مخطوطة سنة ٦٩٠ هـ، نقلها الدكتور مولر (Dr.J.H.Moeller) فى سنة ١٨٣٩ م، ووضع لها مقدمة باللاتينية، ثم نشره دى جويه المستشرق المشهور من خمس مخطوطات رمز لها.A.B.C.D.E وذلك سنة ١٨٧٠ م، وظل الكتاب رغم مرور هذا الزمن الطويل ورغم ما فيه من زلات لا يفكر أحد فى إعادة طبعه، ظل الأمر كذلك حتى نشطت لهذا الأمر إدارة الثقافة العامة. وهذه النسخة التى أقدمها هى ثمرة المراجعة على مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية برقم ١٩٩ جغرافيا، وعلى مصورتين لمخطوطتين محفوظتين بدار الكتب المصرية، إحداهما برقم ٢٥٦ جغرافيا والأخرى نسخت سنة ٨٧٨ هـ برقم ٢٥٧ جغرافيا، ولقد رمزت للأولى بحرف (ا) وللثانية بحرف (ب) وللثالثة بحرف (ج) ، كما رمزت لنسخة دى جويه المنشورة بحرف (م) للتمييز بين المخطوط وبين المطبوع. والمخطوط اقد كانت فى حوزة المرحوم على باشا مبارك، وأهديت لدار الكتب المصرية، وهى مكتوبة على ورق ثقيل من القطع الكبير وبخط نسخ، وعلى كل صفحتين متقابلتين مكتوب (وقف الأتابك) وهى ناقصة مع الأسف الشديد، ونبهت على هذا النقص فى موضعه، كما أن بها تمزيقا وخروقا وترقيعا، وناسخها غير معروف وتاريخ نسخها غير معروف أيضا، ولكنها ليست أحدث من المخطوطة ج بأية حال من الأحوال لتشابه الخط، ويمتاز ناسخها بخصلة فريدة هى أنه كثيرا ما يجعل للباء أو التاء التى فى أول الكلمة رأسا مستغنيا بها عن النقط، كما أنه يمتاز بوضع فواصل بعد كل جزء من الحديث كامل، وهذه المخطوطة- بعد ذلك- قريبة الشبه بمخطوطة دى جويه المرموز لها بحرف، C أما المصورتان ب، ج فتشبهان A.B. من مخطوطات دى جويه، والملاحظ أن إحدى هاتين المخطوطتين منقولة عن الأخرى، أو على الأقل كلتاهما مأخوذتان عن نسخة واحدة. والنظرة الفاحصة للمخطوطات جميعا يستدل منها على أنها ترجع إلى أصول ثلاثة، فالمخطوطة ا C ترجعان إلى أصل واحد رغم ما بينهما من اختلاف، والمخطوطات ب ج A B ترجع إلى أصل واحد، أما D فهى ترجع إلى أصل، وهذا الاختلاف هو ثمرة الرغبة فى إرضاء القارئ، ولقد حاولت جهدى أن أصل إلى نص الاصطخرى مستعينا بالمخطوطات على ضوء كتاب ابن حوقل، لأنه كما ذكرنا يكاد يكون صورة أخرى لكتاب الاصطخرى. أما بعد فهذا كتاب الاصطخرى فى صورته الجديدة، أرجو أن أكون قد أديت واجبى نحوه، فإن جاء محققا للغرض من إعادة نشره شكرت ربى على التوفيق وإلهام الصواب، وإن كانت الأخرى فالخير ابتغيت، والله يهدى من يشاء القاهرة فى فبراير سنة ١٩٥٨ دكتور محمد جابر الحسينى

стр. 25

[الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آل محمد وسلّم، ونسأل الله التوفيق وخاتمة السعادة]

стр. 26

أول الكتاب الحمد لله مبدى النعم وولى الحمد، وصلى الله على محمد وعلى آل محمد، أما بعد فإنى ذكرت فى كتابى هذا أقاليم الأرض على الممالك، وقصدت منها بلاد الإسلام بتفصيل مدنها، وتقسيم ما يعود بالأعمال المجموعة إليها، ولم أقصد الأقاليم السبعة التى عليها قسمة الأرض، بل جعلت كل قطعة أفردتها مفردة مصوّرة، تحكى موضع ذلك الإقليم، ثم ذكرت ما يحيط به من الأماكن، وما فى أضعافه من المدن والبقاع المشهورة والبحار والأنهار، وما يحتاج إلى معرفته من جوامع ما يشتمل عليه ذلك الإقليم، من غير أن استقصيت ذلك كراهة الإطالة، التى تؤدى إلى ملال من قرأه، ولأن الغرض فى كتابى هذا تصوير هذه الأقاليم، التى لم يذكرها أحد علمته؛ أما ذكر مدنها وجبالها وأنهارها وبحارها والمسافات وسائر ما أنا ذاكره فقد يوجد فى الأخبار، ولا يتعذر على من أراد تقصّى شىء من ذلك من أهل كل بلد، فلذلك تجوّزنا فى ذكر المسافات والمدن وسائر ما نذكره، فاتخذت لجميع الأرض التى يشتمل عليها البحر المحيط الذي لا يسلك صورة، إذا نظر إليها ناظر علم مكان كل إقليم مما ذكرناه، واتصال بعضه ببعض، ومقدار كل إقليم من الأرض، حتى إذا رأى كل إقليم من ذلك مفصّلا علم موقعه من هذه الصورة، ولم تتسع هذه الصورة التى جمعت سائر الأقاليم لما يستحقه كل إقليم فى صورته، من مقدار الطول والعرض والاستدارة والتربيع والتثليث، وسائر ما يكون عليه أشكال تلك الصورة، فاكتفيت ببيان موقع كل إقليم ليعرف مكانه، ثم أفردت لكل إقليم من بلاد الإسلام صورة على حدة، بيّنت فيها شكل ذلك الإقليم وما يقع فيه من المدن، وسائر ما يحتاج إليه علمه، مما آتى على ذكره فى موضعه إن شاء الله تعالى. ففصّلت بلاد الإسلام عشرين إقليما، وابتدأت بديار العرب فجعلتها إقليما، لأن فيها الكعبة ومكة أمّ القرى وهى واسطة هذه الأقاليم، ثم أتبعت ديار العرب ببحر فارس لأنه يكتنف أكثر ديار العرب، ثم ذكرت المغرب حتى انتهيت إلى مصر فذكرتها، ثم ذكرت الشام ثم بحر الروم ثم الجزيرة ثم العراق ثم خوزستان ثم فارس ثم كرمان ثم المنصورة وما يتصل بها من بلاد السند والهند والإسلام، ثم أذربيجان وما يتصل بها، ثم كور الجبال ثم الديلم ثم بحر الخزر ثم المفازة التى بين فارس وخراسان ثم سجستان وما يتصل بها ثم خراسان ثم ما وراء النهر. فهذه صورة الأرض عامرها والخراب منها وهى مقسومة على الممالك. وعماد ممالك الأرض أربعة، فأعمرها وأكثرها خيرا وأحسنها استقامة فى السياسة وتقويم العمارات فيها مملكة إيرانشهر، وقصبتها إقليم بابل وهى مملكة فارس، وكان حدّ هذه المملكة فى أيام العجم معلوما، فلما جاء الإسلام أخذ من كل مملكة بنصيب،

стр. 27

فأخذ من مملكة الروم الشام ومصر والمغرب والأندلس، وأخذ من مملكة الهند ما اتصل بأرض المنصورة والملتان إلى كابل وطرف أعلى طخارستان، وأخذ من مملكة الصين ما وراء النهر، وانضاف إليه هذه الممالك العظيمة، فمملكة الروم تدخل فيها حدود الصقالبة ومن جاورهم من الروس والسّرير واللّان والأرمن ومن دان بالنصرانية، ومملكة الصين تدخل فيها سائر بلدان الأتراك وبعض التبّت ومن دان بدين أهل الأوثان منهم، ومملكة الهند تدخل فيها السند وقشمير وطرف من التبّت ومن دان بدينهم، ولم نذكر بلد السودان فى المغرب والبجة والزنج ومن فى أعراضهم من الأمم، لأن انتظام الممالك بالديانات والآداب والحكم وتقويم العمارات بالسياسة المستقيمة، وهؤلاء مهملون لهذه الخصال، ولا حظّ لهم فى شىء من ذلك فيستحقون به إفراد ممالكهم بما ذكرنا به سائر الممالك، غير أن بعض السودان المقاربين لهذه الممالك المعروفة يرجعون إلى ديانة ورياضة وحكم، ويقاربون أهل هذه الممالك مثل النوبة والحبشة، فإنّهم نصارى يرتسمون بمذاهب الروم، وقد كانوا قبل الإسلام يتصلون بمملكة الروم على المجاورة، لأن أرض النوبة متاخمة لأرض مصر والحبشة على بحر القلزم، وبينها وبين أرض مصر مفازة فيها معدن الذهب، ويتصلون بمصر والشام من طريق بحر القلزم، فهذه الممالك المعروفة، وقد زادت مملكة الإسلام بما اجتمع إليها من أطراف هذه الممالك. وقسمة الأرض على الجنوب والشمال: فإذا أخذت من المشرق من الخليج الذي يأخذ من البحر المحيط بأرض الصين، إلى الخليج الذي يأخذ من هذا البحر المحيط من أرض المغرب بأرض الأندلس، فقد قسمت الأرض قسمين، وخط هذه القسمة يأخذ من بحر الصين حتى يقطع بلد الهند ووسط مملكة الإسلام، حتى يمتد إلى أرض مصر إلى المغرب، فما كان فى حدّ الشمال من هذين القسمين فأهله بيض، وكلما تباعدوا فى الشمال ازدادوا بياضا، وهى أقاليم باردة، وما كان مما يلى الجنوب من هذين القسمين فإنّ أهله سود، وكلما تباعدوا فى الجنوب ازدادوا سوادا، وأعدل هذه الأماكن ما كان فى الخط المستقيم وما قاربه، وسنذكر كل أقليم من ذلك بما يعرف قربه ومكانه من الإقليم الذي يصاقبه. فأما مملكة الإسلام فإنّ شرقيها أرض الهند وبحر فارس، وغربيّها مملكة الروم وما يتصل بها من الأرمن واللّان والرّان والسرير والخزر والروس وبلغار والصقالبة وطائفة من الترك، وشماليّها مملكة الصين وما اتصل بها من بلاد الأتراك، وجنوبيّها بحر فارس؛ وأما مملكة الروم فإن شرقيّها بلاد الإسلام، وغربيّها وجنوبيّها البحر المحيط، وشماليّها حدود عمل الصين، لأنّا ضممنا ما بين الأتراك وبلد الروم من الصقالبة وسائر الأمم إلى بلد الروم، وأما مملكة الصين فإنّ شرقيّها وشماليها البحر المحيط، وأما جنوبيّها فمملكة الإسلام والهند، وأما غربيّها فهو البحر المحيط، إن جعلنا يأجوج ومأجوج وما وراءهم إلى البحر من هذه المملكة، وأما أرض الهند فإن شرقيها بحر فارس، وغربيّها وجنوبيّها بلاد الإسلام، وشماليّها مملكة الصين، فهذه حدود هذه الممالك التى ذكرناها. وأما البحار فإنّ أعظمها بحر فارس وبحر الروم، وهما خليجان

стр. 28

متقابلان يأخذان من البحر المحيط، وأعظمها طولا وعرضا بحر فارس، والذي ينتهى إليه بحر فارس من الأرض من حدّ الصين إلى القلزم، فإذا قطعت من القلزم إلى الصين على خط مستقيم كان مقداره مائتى مرحلة، وذلك أنّك إذا قطعت من القلزم إلى أرض العراق فى البرّية كان نحوا من شهر، ومن العراق إلى نهر بلخ نحوا من شهرين، ومن نهر بلخ إلى آخر الإسلام فى حدّ فرغانة نيفا وعشرين مرحلة، ومن هناك إلى أن تقطع أرض الخزلجيّة كلها فتدخل فى عمل التّغزغز نيف وثلاثون مرحلة، ومن هذا المكان إلى البحر من آخر عمل الصين نحو من شهرين؛ فأما من أراد قطع هذه المسافة من القلزم إلى الصين فى البحر طالت المسافة عليه، لكثرة المعاطف والتواء الطرق فى هذا البحر، وأما بحر الروم فإنّه يأخذ من البحر المحيط فى الخليج الذي بين المغرب وأرض الأندلس، حتى ينتهى إلى الثغور الشامية، ومقداره فى المسافة نحو من سبعة أشهر، وهو أحسن استقامة واستواء من بحر فارس، وذلك أنّك إذا أخذت من فم هذا الخليج أدّتك ريح واحدة إلى آخر هذا البحر، وبين بحر القلزم- الذي هو لسان بحر فارس- وبين بحر الروم على سمت الفرما أربع مراحل، غير أن بحر الروم يجاوز الفرما إلى الثغور بنيف وعشرين مرحلة، وقد فصّلنا فى مسافات المغرب ما يغنى عن إعادته، فمن مصر إلى أقصى المغرب نحو من مائة وثمانين مرحلة، فكان ما بين أقصى الأرض من المغرب إلى أقصاها من المشرق نحوا من أربعمائة مرحلة؛ وأما عرضها من أقصاها فى حدّ الشمال إلى أقصاها فى حدّ الجنوب فإنّك تأخذ من ساحل البحر المحيط حتى تنتهى إلى أرض يأجوج ومأجوج، ثم تمرّ على ظهر الصقالبة، وتقطع أرض بلغار الداخلة والصقالبة، وتمضى فى بلاد الروم إلى الشام حتى تخرج من الشام وأرض مصر والنوبة، ثم تمتدّ فى برّية بين بلاد السودان وبلاد الزنج حتى تنتهى إلى البحر المحيط، وهذا خط ما بين جنوبىّ الأرض وشماليّها؛ فأما الذي أعلمه من مسافة هذا الخط فإنّ من ناحية يأجوج إلى ناحية بلغار وأرض الصقالبة نحوا من أربعين مرحلة، ومن أرض الصقالبة فى بلد الروم إلى الشام نحوا من ستين مرحلة، ومن أرض الشام إلى أرض مصر نحوا من ثلاثين مرحلة، ومنها إلى أقصى النوبة نحوا من ثمانين مرحلة حتى تنتهى إلى هذه البرّية، فذلك مائتان وعشر مراحل كلها عامرة؛ وأما ما بين يأجوج ومأجوج والبحر المحيط فى الشمال، وما بين برارىّ السودان والبحر المحيط فى الجنوب فقفر خراب، ما بلغنا أنّ فيه عمارة، ولا أدرى مسافة هاتين البرّيتين إلى شط البحر المحيط كم هى، وذلك أن سلوكهما غير ممكن لفرط البرد الذي يمنع من العمارة والحياة فى الشمال، وفرط الحرّ المانع من الحياة والعمارة فى الجنوب؛ وأما ما بين الصين والمغرب فمعمور كلّه، والأرض كلها مستديرة والبحر المحيط محتفّ بها كالطوق، ويأخذ بحر الروم وبحر فارس من هذا البحر؛ فأما بحر الخزر فليس يأخذ من هذا الخليج وإنما هو بحر لو أخذ السائر على ساحله من الخزر على أرض الدّيلم وطبرستان وجرجان والمفازة على سياه كوه لرجع إلى مكانه الذي سار منه، من غير أن يمنعه مانع إلا نهر يقع فيه، وأما بحيرة خوارزم فكذلك. وفى أعراض بلاد الزنج ومن وراء أرض (٣) المسالك والممالك

стр. 29

الروم خلجان وبحار، لم نذكرها لقصورها عن هذه البحار وكثرتها، ويأخذ من البحر المحيط خليج حتى ينتهى فى ظهر بلد الصقالبة، ويقطع أرض الروم على القسطنطينية حتى يقع فى بحر الروم، وأرض الروم حدّها من البحر المحيط على بلاد الجلالقة وافرنجة ورومية وأثيناس إلى القسطنطينية، ثم إلى أرض الصقالبة، ويشبه أن يكون نحوا من مائتين وسبعين مرحلة، وذاك أن من حدّ الثغور فى الشمال إلى أرض الصقالبة نحوا من شهرين. وقد بيّنا أن من الثغور إلى أقصى المغرب مائتين وعشر مراحل، والروم المحض من حد رومية إلى حدّ الصقالبة، فأما ما ضممنا إلى بلد الروم من الافرنجة والجلالقة وغيرهم فإن لسانهم مختلف، غير أن الدين والملك «١» واحد، كما أن فى مملكة الإسلام ألسنة مختلفة والملك واحد؛ وأما مملكة الصين فإنّها نحو من أربعة أشهر فى ثلاثة أشهر، فإذا أخذت من فم الخليج حتى تنتهى إلى دار الإسلام مما وراء النهر فهو نحو من ثلاثة أشهر، وإذا أخذت من حدّ المشرق حتى تقطع إلى حدّ المغرب فى أرض التبت، وتمرّ فى أرض التغزغز وخرخيز وعلى ظهر كيماك إلى البحر فهو نحو من أربعة أشهر. ولمملكة الصين ألسنة مختلفة، فأمّا الأتراك كلها من التغزغز وخرخيز وكيماك والغزيّة والخزلجيّة فألسنتهم واحدة، يفهم بعضهم عن بعض، فأما أرض الصين والتبّت فلهم لسان مخالف لهذه الألسنة، والمملكة كلها منسوبة إلى صاحب الصين المقيم بخمدان، كما أن مملكة الروم منسوبة إلى الملك المقيم بالقسطنطينية، ومملكة الإسلام منسوبة إلى أمير المؤمنين ببغداد، ومملكة الهند منسوبة إلى الملك المقيم بقنّوج. وديار الأتراك متميزة، فأمّا الغزيّة فإنّ حدود ديارهم ما بين الخزر وكيماك وأرض الخزلجية وبلغار، وحدود دار الإسلام ما بين جرجان إلى فاراب وأسبيجاب، وأما ديار الكيماكيّة فإنهم من وراء الخزلجية من ناحية الشمال، وهم فيما بين الغزية وخرخيز وظهر الصقالبة، ويأجوج هم فى ناحية الشمال، إذا قطعت ما بين الصقالبة والكيماكية، والله أعلم بمكانهم وسائر بلادهم؛ وأما خرخيز فإنّهم ما بين التغزغز وكيماك والبحر المحيط وأرض الخزلجية؛ وأما التغزغز فإنهم ما بين التبّت وأرض الخزلجية وخرخيز ومملكة الصين؛ وأما الصين فإنّهم ما بين البحر والتغزغز والتبّت، والصين نفسه هو هذا الإقليم، وإنما نسبنا سائر بلاد الأتراك إليها في المملكة، كما نسبنا سائر مملكة الروم إلى أرض رومية والقسطنطينية، وكما نسبنا سائر ممالك الإسلام إلى إيرانشهر- وهو أرض بابل. وأرض الصقالبة عريضة طويلة نحو من شهرين فى مثلها، وبلغار الخارجة هى مدينة صغيرة ليس فيها أعمال كثيرة، واشتهارها لأنها فرضة لهذه الممالك، والروس قوم بناحية بلغار فيما بينها وبين الصقالبة، وقد انقطعت طائفة من الأتراك عن بلادهم، فصاروا فيما بين الخزر والروم يقال لهم البجناكيّة، وليس موضعهم بدار لهم على قديم الأيام، وإنما انتابوها فغلبوا عليها؛ وأما الخزر فإنّه اسم لهذا الجنس من الناس، وأما البلد فإنه مصر يسمى إتل، وإنما سمى باسم النهر الذي يجرى عليه

стр. 30

إلى بحر الخزر، وليس لهذا المصر كثير رساتيق ولا سعة ملك، وهو بلد بين بحر الخزر والسرير والروس والغزيّة؛ وأما التبّت فإنها بين أرض الصين والهند وأرض الخزلجيّة والتغزغز وبحر فارس وبعضها فى مملكة الهند، وبعضها فى مملكة الصين، ولهم ملك قائم بنفسه، يقال إن أصله من التبابعة والله أعلم. وأما جنوبى الأرض من بلاد السودان فإن بلد السودان الذي فى أقصى المغرب على البحر المحيط بلد مكنّف، ليس بينه وبين شىء من الممالك اتصال، غير أن حدا له ينتهى إلى البحر المحيط، وحدا له إلى برّية بينه وبين أرض المغرب، وحدا له إلى برية بينه وبين أرض مصر على ظهر الواحات، وحدا له ينتهى إلى أن البرّية التى قلنا إنّه لا يثبت فيها عمارة لشدة الحر؛ وبلغنى أن طول أرضهم نحو من سبعمائة فرسخ فى نحوها، غير أنها من البحر إلى ظهر الواحات أطول من عرضها؛ وأما أرض النوبة فإنّ حدا لها ينتهى إلى أرض مصر، وحدا لها إلى هذه البريّة التى بين أرض السودان ومصر، وحدا لها إلى أرض البجة، وبرارى بينها وبين القلزم، وحدا لها إلى هذه البريّة التى لا تسلك؛ وأما أرض البجة فإن ديارهم صغيرة، وهى ما بين الحبشة والنوبة، وهذه البرية التى لا تسلك؛ وأما الحبشة فإنها على بحر القلزم، وهو بحر فارس، فينتهى حدّ لها إلى بلاد الزنج، وحدّ لها إلى البرية التى بين النوبة وبحر القلزم، وحدّ لها إلى البجة والبرية التى لا تسلك؛ وأما أرض الزنج فإنّها أطول من أرض السودان، ولا تتصل بمملكة غير الحبشة، وهى بحذاء اليمن وفارس وكرمان إلى أن تحاذى أرض الهند؛ وأما أرض الهند فإنّ طولها من عمل مكران فى أرض المنصورة والبدهة وسائر بلد السند إلى أن تنتهى إلى قنّوج، ثم تجوزه إلى أرض التبّت نحو من أربعة أشهر، وعرضها من بحر فارس على أرض قنوج نحو ثلاثة أشهر؛ وأما مملكة الإسلام فإنّ طولها من حدّ فرغانة حتى تقطع خراسان والجبال والعراق وديار العرب إلى سواحل اليمن نحو من خمسة أشهر، وعرضها من بلد الروم حتى تقطع الشام والجزيرة والعراق وفارس وكرمان إلى أرض المنصورة على شط بحر فارس نحو من أربعة أشهر، وإنما تركنا أن نذكر فى طول الإسلام حدّ المغرب إلى الأندلس، لأنها مثل الكم فى الثوب، وليس فى شرقى المغرب ولا فى غربيها إسلام، لأنّك إذا جاوزت مصر فى أرض المغرب كان جنوبىّ المغرب بلاد السودان، وشمالىّ المغرب بحر الروم ثم أرض الروم، ولو صلح أن يجعل طول الإسلام من فرغانة إلى أرض الأندلس لكان مسيرة ثلاثمائة وعشر مراحل لأن من أقصى فرغانة إلى وادى بلخ نيّفا وعشرين مرحلة، ومن وادى بلخ إلى العراق نحوا من ستين مرحلة، ومن العراق إلى مصر نحوا من خمسين مرحلة، وقد بيّنا فى مسافات المغرب أن من مصر إلى أقصاه مائة وثمانين مرحلة، وقصدت فى كتابى هذا تفصيل بلاد الإسلام إقليما إقليما حتى يعرف موقع كل إقليم من مكانه، وما يجاوره من سائر الأقاليم، ولم تتسع هذه الصورة التى جمعت سائر الأقاليم لما يستحقه كل إقليم فى صورته، من مقدار الطول والعرض والاستدارة والتربيع والتثليث وما يكون عليه أشكالها، غير أنّا بيّنا لكل إقليم مكانا يعرف به موضعه، وما يجاوره من سائر الأقاليم، ثم أفردنا لكل إقليم منها صورة على حدة، فبيّنا فيها شكل ذلك الإقليم، وما يقع فيه من المدن، وسائر ما يحتاج إلى علمه، مما نأتى على ذكره فى موضعه إن شاء الله.

стр. 31

ديار العرب وابتدأت بديار العرب لأن القبلة بها ومكة فيها وهى أم القرى، وبلد العرب وأوطانهم التى لم يشركهم فى سكناها غيرهم، والذي يحيط بها بحر فارس من عبّادان، وهو مصب ماء دجلة فى البحر، فيمتد على البحرين حتى ينتهى إلى عمان، ثم يعطف على سواحل مهرة وحضرموت وعدن، حتى ينتهى على سواحل اليمن إلى جدّة ثم يمتد على الجار ومدين حتى ينتهى إلى أيلة، وثمّ قد انتهى حينئذ حدّ ديار العرب من هذا البحر، وهذا للكان من البحر لسان يعرف ببحر القلزم، ينتهى إلى تاران وجبيلات «١» إلى القلزم فينقطع، فهذا هو شرقى ديار العرب وجنوبيّها وشىء من غربيها، ثم يمتد عليها من أيلة إلى مدينة قوم لوط والبحيرة الميّتة التى تعرف ببحيرة زغر، إلى الشراة والبلقاء وهى من عمل فلسطين، وأذرعات وحوران والبثنيّة والغوطة ونواحى بعلبك وذلك من عمل دمشق وتدمر وسلمية وهما من عمل حمص، ثم الخناصرة وبالس وهما من عمل قنّسرين، وقد انتهينا إلى الفرات، ثم يمتد الفرات على ديار العرب حتى ينتهى إلى الرّقة وقرقيسيا والرّحبة والدّالية وعانة والحديثة وهيت والأنبار إلى الكوفة ومستفرغ مياه الفرات إلى البطائح، ثم تمتد ديار العرب على نواحى الكوفة والحيرة على الخورنق وعلى سواد الكوفة إلى حد واسط، فتصاقب ما قارب دجلة عند واسط مقدار مرحلة، ثم تمتد على سواد البصرة وبطائحها حتى تنتهى إلى عبّادان، فهذا الذي يحيط بديار العرب، فما كان من عبّادان إلى أيلة فإنه بحر فارس «٢» ، ويشتمل على نحو ثلاثة أرباع ديار العرب، وهو الحد الشرقى والجنوبى وبعض الغربى، وما بقى من الحد الغربى من أيلة إلى بالس فمن الشام، وما كان من بالس إلى عبّادان فهو الحد الشمالى، فمن بالس إلى أن تجاوز الأنبار من حدّ الجزيرة، ومن الأنبار إلى عبّادان من حد العراق، ويتصل بأرض العرب بناحية أيلة برّية تعرف بتيه بنى اسرائيل، وهى بريّة وإن كانت متصلة بديار العرب فليست من ديارهم، وإنما هى برية بين أرض العمالقة واليونانيّة وأرض القبط، وليس للعرب بها ماء ولا مرعى، فلذلك لم ندخلها فى ديارهم، وقد سكن طوائف من العرب من ربيعة ومضر الجزيرة حتى صارت لهم ديارا ومراعى، فلم نذكر الجزيرة فى ديار العرب، لأن نزولهم بها- وهى ديار فارس والروم- فى اضعاف قرى معمورة ومدن لها أعمال عريضة، فنزلوا على حكم «٣» فارس والروم، حتى إن بعضهم تنصّر ودان بدين الروم مثل تغلب من ربيعة بأرض الجزيرة، وغسّان وبهراء وتنوخ من اليمن بأرض الشام.

стр. 32

وديار العرب هى الحجاز، الذي يشتمل على مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ونجد الحجاز، المتصل بأرض البحرين وبادية العراق وبادية الجزيرة وبادية الشام، واليمن المشتملة على تهامة، ونجد اليمن وعمان ومهرة وحضرموت وبلاد صنعاء وعدن وسائر مخاليف اليمن، فما كان من حدّ السّرّين حتى ينتهى إلى ناحية يلملم، ثم على ظهر الطائف ممتدا على نجد اليمن إلى بحر فارس مشرقا فمن اليمن، ويكون ذلك نحو الثلثين من ديار العرب، وما كان من حد السّرين على بحر فارس إلى قرب مدين، راجعا فى حدّ المشرق على الحجر إلى جبلى طيّي، ممتدا على ظهر اليمامة إلى بحر فارس فمن الحجاز، وما كان من حدّ اليمامة إلى قرب المدينة، راجعا على بادية البصرة حتى يمتد على البحرين إلى البحر فمن نجد، وما كان من حدّ عبّادان إلى الأنبار مواجها لنجد والحجاز، على أسد وطيىء وتميم وسائر قبائل مضر فمن بادية العراق، وما كان من حدّ الأنبار إلى بالس مواجها لبادية الشام على أرض تيماء وبريّة خساف إلى قرب وادى القرى والحجر فمن بادية الجزيرة، وما كان من بالس إلى أيلة مواجها للحجاز على بحر فارس إلى ناحية مدين، معارضا لأرض تبوك حتى يتصل بديار طيّئ فمن بادية الشام، على أن من العلماء بتقسيم هذه الديار من زعم أن المدينة من نجد لقربها منها، وأن مكة من تهامة اليمن لقربها منها، وأنا بمشيئة الله وعونه سأذكر ما انتهى إليه علمى، من مدنها وما تشتمل عليه المدن مما يحتاج إلى علمه، والمشاهير من ديار العرب بها وجبالها ورمالها، وجوامع من المسافات المسلوكة بها، ولا نعلم بأرض العرب نهرا ولا بحرا يحمل سفينة، لأن البحيرة الميّتة التى تعرف بزغر- وإن كانت مصاقبة للبادية فليست منها، ومجمع الماء الذي بأرض اليمن فى ديار سبأ، إنما كان موضع مسيل ماء بنى فى وجهه سدّ، فكان يجتمع فيه مياه كثيرة يستعملونها فى القرى والمزارع، حتى كفروا بعد أن كان الله جعل لهم عمارات- قرى متصلة إلى الشام فسلّط الله على ذلك الماء آفة فكان لا يمسك ماء، وهو قوله تعالى: (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها) «١» إلى قوله: (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) «٢» فبطل ذلك الماء إلى يومنا هذا، وأما الجداول والعيون والسوانى والآبار فإنها كثيرة. ونبتدئ من مدن ديار العرب بمكة شرفها الله، وهى مدينة فيما بين شعاب الجبال، وطول مكة من المعلاة إلى المسفلة نحو ميلين، وهو من حدّ الجنوب إلى الشمال، ومن أسفل جياد إلى ظهر قعيقعان نحو الثلثين من هذا، وأبنيتها حجارة، والمسجد فى نحو الوسط منها، والكعبة فى وسط المسجد، وباب الكعبة مرتفع عن الأرض نحو قامة وهو مصراع واحد، وأرض البيت مرتفعة عن الأرض مع الباب، والباب بحذاء قبّة زمزم، والمقام بقرب زمزم على خط محاذ للباب، وبين يدى الكعبة مما يلى المغرب حائط مبنى مدوّر، وهو من البيت إلّا أنه لم يدخل فيه، وهو الحجر، والطواف يحيط به وبالبيت، وينتهى إلى هذا الحجر من البيت ركنان، أحدهما يعرف بالركن العراقى

стр. 33

والآخر بالركن الشامى، والركنان الآخران أحدهما عند الباب، والحجر الأسود فيه على أقل من قامة، والركن الآخر يعرف باليمانى، وسقاية الحاج- التى تعرف بسقاية العباس- على ظهر زمزم، وزمزم فيما بينها وبين البيت، ودار الندوة من المسجد الحرام فى غربيّة، وهى خلف دار الإمارة مشرعة إلى المسجد، وهو مسجد قد جمع إلى المسجد الحرام وكان فى الجاهلية مجتمعا لقريش، والصّفا مكان مرتفع من جبل أبى قبيس، وبينها وبين المسجد الحرام عرض الوادى الذي هو طريق وسوق، ومن وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الأسود، والمسعى ما بين الصفا والمروة، والمروة حجر من جبل قعيقعان، ومن وقف عليها كان بحذاء الركن العراقى، إلا أن الأبنية قد سترت ذلك الركن عن الرؤية، وأبو قبيس هو الجبل المشرف على الكعبة من شرقيّها، وقعيقعان هو الجبل الذي من غربى الكعبة، وأبو قبيس أعلى وأكبر منه، ويقال إن حجارة البيت من قعقعان، ومنى «١» على طريق عرفة من مكة، وبينها وبين مكة ثلاثة أميال، ومنى شعب طوله نحو ميلين وعرضه يسير، وبها أبنية كثيرة لأهل كل بلد من بلدان الإسلام، ومسجد الخيف فى أقل من الوسط مما يلى مكة، وجمرة العقبة فى آخر منى مما يلى مكة، وليست العقبة التى تنسب إليها الجمرة من منى، والجمرة الأولى والوسطى هما جميعا فوق مسجد الخيف إلى ما يلى مكة، والمزدلفة مبيت للحاجّ ومجمع للصلاة إذا صدروا من عرفات، وهو مكان بين بطن محسّر والمأزمين، وأما بطن محسّر فهو واد بين منى والمزدلفة، وليس من منى ولا من المزدلفة، وأما المأزمان فهو شعب بين جبلين يفضى آخره إلى بطن عرنة، وهو واد بين المأزمين وبين عرفة، وليس من عرفة، وعرفة ما بين وادى عرنة إلى حائط بنى عامر إلى من أقبل على الصّخرات، التى يكون بها موقف الإمام وعلى طريق عقبة «٢» ، وحائط بنى عامر «٣» نخيل عند عرفة، وبقربه المسجد الذي يجمع فيه الإمام بين الصلاتين الظهر والعصر، وهو حائط نخيل وبه عين، وينسب إلى عبد الله بن عامر بن كريز، وليس عرفات من الحرم، وإنما حدّ الحرم إلى المأزمين، فإذا جزتهما إلى العلمين المضروبين فما وراء العلمين من الحلّ، وكذلك التّنعيم الذي يعرف بمسجد عائشة ليس من الحرم والحرم دونه، وحدّ الحرم نحو عشرة أميال فى مسيرة يوم، وعلى الحرم كله منار مضروب يتميّز به من غيره، وليس بمكة ماء جار، إلا شىء بلغنى بعد خروجى عنها أنه أجرى إليها، من عين كان عمل فيها بعض الولاة، فاستتم فى أيام المقتدر أمير المؤمنين، ومياهم من السماء وليست لهم آبار تشرب، وأطيبها بئر زمزم، ولا يمكن الإدمان

стр. 34

على شربه، وليس بجميع مكة- فيما علمته- شجر مثمر إلا شجر البادية، فإذا جزت الحرم فهناك عيون وآبار وحوائط كثيرة وأودية ذات خضر ومزارع ونخيل، وأما الحرم فلم أر ولم أسمع أن به شجرا مثمرا، إلا نخيلات رأيتها بفخّ ونخيلات يسيرة متفرقة، وأما ثبير فهو جبل مشرف يرى من مني والمزدلفة، وكانت الجاهلية لا تدفع من المزدلفة إلا بعد طلوع الشمس إذا أشرقت على ثبير، وبالمزدلفة المشعر الحرام، وهو مصلى الإمام يصلى به المغرب والعشاء والصبح، والحديبية بعضها فى الحلّ وبعضها فى الحرم، وهو مكان صدّ فيه المشركون رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام، وهو أبعد الحلّ إلى البيت، وليس هو فى طول الحرم ولا فى عرضه إلا أنّه فى مثل الزاوية للحرم فلذلك صار بينها وبين المسجد أكثر من يوم. وأما المدينة فهى أقل من نصف مكة، وهى فى حرّة سبخة الأرض، ولها نخيل كثيرة، ومياه نخيلهم وزروعهم من الآبار، يستقون منها العبيد، وعليها سور، والمسجد فى نحو من وسطها، وقبر النبي ﷺ من المسجد فى شرقيه قريبا من القبلة، وهو الجدار الشرقى من المسجد، وهو بيت مرتفع ليس بينه وبين سقف المسجد إلا فرجة، وهو مسدود لا باب له، وفيه قبر رسول الله ﷺ وقبر أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، والمنبر الذي كان يخطب عليه رسول الله ﷺ غشّى بمنبر آخر، والروضة أمام المنبر بينه وبين القبر، ومصلى رسول الله الذي كان يصلى فيه الأعياد فى غربى المدينة داخل الباب، وبقيع الغرقد خارج باب البقيع فى شرقى المدينة؛ وقباء خارج المدينة على نحو من ميلين إلى ما يلى القبلة، وهو مجمع بيوت للأنصار يشبه القرية؛ وأحد جبل فى شمالى المدينة، وهو أقرب الجبال إليها على مقدار فرسخين، وبقربها مزارع فيها ضياع لأهل المدينة توازى «١» العقيق فيما بينها وبين الفرع، والفرع من المدينة على أربعة أيام فى جنوبيّها، وبها مسجد جامع، غير أن أكثر هذه الضياع خراب، وكذلك حوالى المدينة ضياع كثيرة وأكثرها خراب، والعقيق واد من المدينة فى قبليها على أربعة أميال فى طريق مكة، وأعذب مياه تلك الناحية آبار العقيق. وأما اليمامة فإنّ مدينتها دون مدينة الرسول، وهى أكثر تمرا ونخلا من المدينة ومن سائر الحجاز. وأما البحرين فإنها من ناحية نجد، ومدينتها هجر وهى أكثر تمورا، إلا أنها ليست من الحجاز، وهى على شط بحر فارس، وهى ديار القرامطة، ولها قرى كثيرة وقبائل من مضر ذوو عدد قد احتفّوها، وليس بالحجاز مدينة بعد مكة والمدينة أكبر من اليمامة، ويليها فى الكبر وادى القرى، وهى ذات نخيل كثيرة وعيون، والجار فرضة المدينة وهى على ثلاث مراحل من المدينة على شط البحر، وهى أصغر من جدّة، وجدّة فرضة أهل مكة على مرحلتين منها على شط البحر، وهى عامرة كثيرة التجارات والأموال، ليس بالحجاز بعد مكة أكثر مالا وتجارة منها، وقوام تجارتها بالفرس.

стр. 35

والطائف مدينة صغيرة نحو وادى القرى، إلا أن أكثر ثمارها الزبيب، وهى طيبة الهواء وأكثر فواكه مكة منها، وهى على ظهر جبل غزوان. وبغزوان ديار بنى سعد وسائر قبائل هذيل، وليس بالحجاز- فيما علمته- مكان هو أبرد من رأس هذا الجبل، ولذلك اعتدل هواء الطائف، وبلغنى أنه ربما جمد الماء فى ذروة هذا الجبل، وليس بالحجاز مكان يجمد فيه الماء سوى هذا الموضع فيما علمته. والحجر قرية صغيرة قليلة السكان، وهى من وادى القرى على يوم بين جبال، وبها كانت ديار ثمود، الذين قال الله فيهم: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ) «١» ورأيت تلك الجبال ونحتهم، الذين قال الله عنهم: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ) «٢» ، ورأيتها بيوتا مثل بيوتنا فى أضعاف جبال، وتسمى تلك الجبال الأثالب، وهى جبال فى العيان متصلة، حتى إذا توسّطتها رأيت كل قطعة منها قائمة بنفسها، يطوف بكل قطعة منها الطائف، وحواليها رمل لا يكاد يرتقى إلى ذروة كل قطعة منها أحد إلا بمشقة شديدة، وبها بئر ثمود التى قال الله فى الناقة: (لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) «٣» . وتبوك بين الحجر وبين أول الشام على أربع مراحل نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخيل، وحائط ينسب إلى رسول الله ﷺ ، ويقال إنّ أصحاب الأيكة الذين بعث إليهم شعيب كانوا بها، ولم يكن شعيب منهم، وإنما كان من مدين. ومدين على بحر القلزم محاذية لتبوك على نحو من ست مراحل، وهى أكبر من تبوك، وبها البئر التى استقى منها موسى ﵇ لسائمة شعيب، ورأيت هذه البئر مغطاة قد بنى عليها بيت، وماء أهلها من عين تجرى لهم، ومدين اسم القبيلة التى كان منها شعيب، وإنما سميت القرية بهم، ألا ترى أنّ الله يقول: (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً) «٤» . وأما الجحفة فإنها منزل عامر، وبينها وبين البحر نحو من ميلين، وهى فى الكبر ودوام العمارة نحو من فيد، وليس بين المدينة ومكة منزل يستقل بالعمارة والأهل جميع السنة إلا الجحفة، ولا بين المدينة والعراق مكان يستقل بالعمارة والأهل جميع السنة مثل فيد، وفيد فى ديار طيّئ، وجبلا طيئ منها على مسيرة يومين «٥» ، وفيها نخيل وزرع قليل لطيئ وبها ماء قليل، يسكنها بادية من طيئ، ينتقلون عنها فى بعض السنة للمراعى، وجبلة حصن فى آخر وادى ستارة، ووادى ستارة بين بطن مرّ وعسفان عن يسار الذاهب إلى مكة، وطول هذا الوادى نحو من يومين، لا يكون الإنسان منه فى مكان من بطن هذا الوادى لا يرى فيه نخلا، وعلى ظهر هذا الوادى واد مثل هذا يعرف بساية وآخر يعرف بالسائرة، وبجبلة كانت وقعة لبنى تميم فى بكر بن وائل، وفى جرف منها قيل هلك لقيط بن زرارة أخو حاجب.

стр. 36

خيبر حصن ذات نخيل كثيرة وزروع، وينبع حصن بها نخيل وماء وزروع، وبها وقوف لعلي بن أبى طالب ﵇ يتولاها أولاده؛ والعيص حصن صغير بين ينبع والمروة، والعشيرة حصن صغير بين ينبع والمروة، تفضّل تمورها على سائر تمور الحجاز، إلا الصّيحانى بخيبر والبردى والعجوة بالمدينة، وبقرب ينبع جبل رضوى، وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية، ورأيته من ينبع أخضر، وأخبرنى من طاف فى شعابه أن به مياها كثيرة وأشجارا، وهو الجبل الذي زعم طائفة يعرفون بالكيسانية، أن محمد بن الحنفية بن على بن أبى طالب حى مقيم به، ومن رضوى يحمل حجر المسنّ إلى سائر الآفاق، وبقربه فيما بينه وبين ديار جهينة وبلىّ وساحل البحر ديار للحسنيّين، حزرت بيوت الشعر التى يسكنونها نحوا من سبعمائة بيت وهم بادية مثل الأعراب، ينتقلون فى المراعى والمياه انتقال الأعراب، لا تميّز بينهم فى خلق ولا خلق، وتتصل ديارهم مما يلى المشرق بودّان؛ وودّان هذه من الجحفة على مرحلة، وبينها وبين الأبواء- التى هى على طريق الحاج فى غربيّها- ستة أميال، وبها كان فى أيام مقامى بها رئيس الجعفريين، أعنى أولاد جعفر بن أبى طالب، ولهم بالفرع والسّائرة ضياع كثيرة وعشيرة وأتباع، وبينهم وبين الحسنيّين حروب ودماء، حتى استولت طائفة من اليمن يعرفون ببنى حرب على ضياعهم، فصاروا حزبا لهم فضعفوا؛ وتيماء حصن أعمر من تبوك وهى فى شمالى تبوك، وبها نخيل وهى ممتار البادية، وبينها وبين أول الشام ثلاثة أيام، ولا أعلم فيما بين العراق واليمن والشام مكانا إلا وهو فى ديار طائفة من العرب، ينتجعونه فى مراعيهم ومياههم، إلا أن يكون بين اليمامة والبحرين وبين عمان من وراء عبد القيس برية خالية من الآبار والسكان والمراعى، قفرة لا تسلك ولا تسكن، فأما ما بين القادسية إلى الشّقوق- فى الطول وفى العرض من قرب السّماوة إلى حدّ بادية البصرة- فسكانها قبائل من بنى أسد، فإذا جزت الشقوق فأنت فى ديار طيّىء، إلى أن تجاوز معدن النّقرة فى الطول وفى العرض من وراء جبلى طيّىء محاذيا لوادى القرى، إلى أن تتّصل بحدود نجد من اليمامة والبحرين، ثم إذا جزت المعدن عن يسار المدينة فأنت فى سليم، وإذا جزته عن يمين المدينة فأنت فى جهينة، وفيما بين مكة والمدينة بكر بن وائل فى قبائل من مضر من الحسنيّين والجعفريين وقبائل من مضر، وأما نواحى مكة فإن الغالب على نواحيها مما يلى المشرق بنو هلال «١» وبنو سعد فى فبائل من هذيل، وفى غربيّها مدلج وغيرها من قبائل مضر. وأما بادية البصرة فإنها أكثر هذه البوادى أحياء وقبائل، وأكثرها تميم حتى يتصلوا بالبحرين واليمامة، ثم من ورائهم عبد القيس؛ وأما بادية الجزيرة فإن بها أحياء من ربيعة واليمن، وأكثرهم كلب اليمن، وفى قبيلة منهم يعرفون ببنى العليص خرج صاحب الشام، الذي فلّ جيوش مصر وأوقع بأهل الشام، حتى قصده المكتفى بنفسه إلى الرّقة فأخذه؛ وبادية السماوة من دومة الجندل إلى عين التمر، وبريّة خساف من بادية الجزيرة، وبريّة خساف فيما بين الرقة وبالس عن يسار الذاهب إلى الشام، وصفّين

стр. 37

أرض من هذه البادية بقرب الفرات ما بين الرقة وبالس، وهو الموضع الذي كانت به حرب معاوية وعلىّ صلوات الله عليه، والحرب تنسب إليها، ورأيت هذا الموضع من بعد، وأخبرنى من رأى به قبر عمّار بن ياسر رضى الله عنه، وبيت المال الذي كان يجمع فيه الفىء لعلى بن أبى طالب صلوات الله عليه. وأما بادية الشام فإنها ديار لفزارة ولخم وجذام وبلىّ وقبائل مختلطة من اليمن وربيعة ومضر، وأكثرها يمن، والرمل المذكور بالحجاز هو الرمل الذي عرضه من الشقوق إلى الأجفر، وطوله من وراء جبلى طيّىء إلى أن يتّصل مشرقا بالبحر، وهو رمل أصفر ليّن اللمس، يكاد بعضه يحكى الغبار. وأما تهامة فإنّها قطعة من اليمن وهى جبال مشتبكة، أولها مشرف على بحر القلزم، مما يلى غربيّها، وشرقيّها بناحية صعدة وجرش ونجران، وشماليتها حدود مكة، وجنوبيها من صنعاء على نحو من عشر مراحل، وقد صورت جبال تهامة فى صورة ديار العرب؛ وبلاد خيوان تشتمل على قرى ومزارع ومياه معمورة بأهلها، وهى مفترشة وبها أصناف من قبائل اليمن، ونجران وجرش مدينتان متقاربتان فى الكبر بهما نخيل، ويشتملان على أحياء من اليمن كثيرة، وصعدة أكبر وأعمر منهما، وبها يتخذ ما كان يتخذ بصنعاء من الأدم، ويتّخذ بنجران وجرش والطائف أدم كثير، غير أن أكثر ذلك يرتفع من صعدة، وبها مجتمع التجار والأموال، والحسنىّ المعروف بالزيدى بها مقيم، وليس بجميع اليمن مدينة أكبر ولا أكثر أهلا ومرافق من صنعاء، وبلغنى أنها من اعتدال الهواء بحيث لا يتحوّل الإنسان عن مكان واحد شتاء وصيفا عمره، وتتقارب بها ساعات الشتاء والصيف، وبها كانت ديار ملوك اليمن فيما تقدّم، وبها بناء عظيم قد خرب، فهو تلّ عظيم يعرف بغمدان كان قصرا لملوك اليمن، وليس باليمن بناء أرفع منه. والمذيخرة جبل للجعفرى، بلغنى أن أعلاه نحو عشرين فرسخا، فيها مزارع ومياه ونباتها الورس «١» ، وهو منيع لا يسلك إلا من طريق واحد حتى تغلب عليه القرمطىّ، الذي كان خرج باليمن يعرف بمحمد بن الفضل، وشبام جبل منيع جدا فيه قرى ومزارع وسكان كثيرة، وهو مشهور من جبال اليمن. ويرتفع من اليمن العقيق والجزع، وهما حجران إذا حكّا خرج منهما الجزع والعقيق، لأن وجه الحجر كالغشاء، وبلغى أنهما يكونان فى صحارى فيها حصى فيلتقط من بين الحجارة. وعدن مدينة صغيرة، وإنما شهرتها لأنها فرضة على البحر، ينزلها السائرون فى البحر، وبها معادن اللؤلؤ. وباليمن مدن كثيرة هى أكبر منها وليست بمشهورة. وبلاد الإباضية بقرب خيوان، وهى أعمر بلاد تلك النواحى مخاليف ومزارع وأغزرها مياها، وحضرموت فى شرقى عدن بقرب البحر، وبها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وحضرموت فى نفسها مدينة صغيرة ولها أعمال عريضة، وبها قبر هود النبي ﵇، وبقرمها بلهوت بئر عميقة لا يكاد يستطيع أحد أن ينزل

стр. 38

إلى قعرها. وأما بلاد مهرة فإن قصبتها تسمى الشّحر، وهى بلاد قفرة ألسنتهم مستعجمة جدا، لا يكاد يوقف عليها، وليس ببلادهم نخيل ولا زرع، وإنما أموالهم الأبل، وبها نجب من الأبل تفضل فى السير على سائر النجب، واللّبان الذي يحمل إلى الآفاق من هناك؛ وديارهم مفترشة، وبلادهم بواد نائية، ويقال إنها من عمان. وعمان مستقلة بأهلها، وهى كثيرة النخيل والفواكه الجرميّة «١» من الموز والرمّان والنبق ونحو ذلك، وقصبتها صحار وهى على البحر، وبها متاجر البحر وقصد المراكب، وهى أعمر مدينة بعمان وأكثرها مالا، ولا تكاد تعرف على شاطىء بحر فارس بجميع بلاد الإسلام مدينة أكثر عمارة ومالا من صحار، وبها مدن كثيرة، وبلغنى أنّ حدود أعمالها نحو من ثلاثمائة فرسخ، وكان الغالب عليها الشراة، إلى أن وقع بينهم وبين طائفة من بنى سامة ابن لؤى- وهم من كبراء تلك النواحى- حروب، فحرج منهم رجل يعرف بمحمد بن القاسم السامى إلى المعتضد فاستنجده، فبعث معه بابن ثور ففتح عمان للمعتضد، وأقام بها الخطبة له، وانحاز الشراة إلى ناحية لهم تعرف بنزوة، وإلى يومنا هذا بها إمامهم وبقية ما لهم وجماعتهم؛ وعمان بلاد حارة جدا، وبلغنى أن بمكان منها بعيد عن البحر ربما وقع ثلج دقيق، ولم أر أحدا شاهد ذلك إلا بالإبلاغ، وبأرض سبأ من اليمن طوائف من حمير وكذلك بأرض حضرموت. وأما ديار همدان وأشعر وكندة وخولان فإنّها مفترشة فى أعراض اليمن، وفى أضعافها مخاليف وزروع، وبها بواد وقرى تشتمل على بعض تهامة وبعض نجد اليمن من شرقى تهامة، وهى قليلة الجبال مستوية البقاع؛ ونجد اليمن غير نجد الحجاز، غير أن جنوبى نجد الحجاز يتصل بشمالىّ نجد اليمن، وبين البحرين وبين عمان بريّة ممتنعة؛ وباليمن قرود كثيرة، بلغنى أنها تكثر حتى لا تطاق إلا بجمع عظيم، وإذا اجتمعت كان لها كبير تتبعه مثل اليعسوب للنحل، وبها دابة تسمى العدار، بلغنى أنها تطلب الإنسان فتقع عليه، فإن أصابت منه ذلك تدوّد جوف الإنسان فانشق، ويحكى عن الغيلان بها من الأعجوبة مالا أستجيز حكايته. وأما المسافات بديار العرب فإنّ الذي يحيط بها: من عبّادان إلى البحرين نحو من ١٥ مرحلة، ومن البحرين إلى عمان نحو من شهر، ومن عمان إلى أرض مهرة نحو من شهر، وإلى حضرموت من مهرة نحو من شهر، ومن أقصى حضرموت إلى عدن نحو من شهر، ومن عدن إلى جدة نحو من شهر. ومن جدة إلى ساحل الجحفة نحو من ٥ مراحل، ومن ساحل الجحفة إلى الجار نحو من ٣ مراحل، ومن الجار إلى أيلة نحو من ٢٠ مرحلة، ومن أيلة إلى بالس نحو من ٢٠ مرحلة، ومن بالس إلى الكوفة نحو من ٢٠ مرحلة، ومن الكوفة إلى البصرة نحو من ١٢ مرحلة، ومن البصرة إلى عبادان نحو من مرحلتين، فهذا هو الدور الذي يحيط بها.

стр. 39

وأما طرقها: فإن من الكوفة إلى المدينة نحو من ٢٠ مرحلة، ومن المدينة إلى مكة نحو ١٠ مراحل؛ وطريق الجادة من الكوفة إلى مكة أقصر من هذا الطريق بنحو من ٣ مراحل، إذا انتهى إلى معدن النقرة عدل عن المدينة، حتى يخرج إلى معدن «١» بنى سليم إلى ذات عرق حتى ينتهى إلى مكة. وأما طريق البصرة فهو إلى المدينة نحو من ١٨ مرحلة، ويلتقى مع طريق الكوفة بقرب معدن النّقرة، وأما طريق البحرين إلى المدينة فنحو من ١٥ مرحلة، وأما طريق الرّقة إلى المدينة فنحو من نحو ٢٠ مرحلة، وكذلك من دمشق إلى المدينة نحو من ٢٠ مرحلة، ومن فلسطين إلى المدينة نحو من ٢٠ مرحلة، ومن مصر إلى المدينة على الساحل نحو من ٢٠ مرحلة. ولم نفرد لمصر والمغرب طريقا لأنه يلتقى بأيلة مع طريق أهل فلسطين، فيصير الطريقان سوى، وهو أول حد البادية، وإنما يتفرق قبل دخول البادية، ولأهل مصر وفلسطين إذا جاوزوا مدين طريقان: أحدهما إلى المدينة على بدا وشغب- قرية بالبادية كان بنو مروان أقطعوها الزّهرى المحدّث وبها قبره- حتى ينتهى إلى المدينة على المروة، وطريق يمضى على ساحل البحر حتى يخرج بالجحفة، فيجتمع بها طريق أهل العراق ودمشق وفلسطين ومصر؛ وأما طريق البصرة والرّقة، فهما لا يسلكان وقد تعطّلا، وسائر الطرق مسلوكة. ومن عدن إلى مكة نحو شهر، ولها طريقان: إحداهما على ساحل البحر وهو أبعد، والآخر يأخذ على صنعاء وصعدة وجرش ونجران والطائف حتى ينتهى إلى مكة، ولهم طريق على البوادى وتهامة هو أقرب من هذين الطريقين، إلّا أنّه على أحياء اليمن ومخاليفها، تسلكه الحواس «٢» منهم. وأما أهل حضرموت ومهرة فإنّهم يقطعون عرض بلادهم حتى يتصلوا بالجادّة التى بين عدن وبين مكة، والمسافة منهم إلى الاتصال بهذه الجادّة ما بين عشرين مرحلة إلى خمسين مرحلة. وأما طريق عمان فهو طريق يصعب سلوكه فى البرية، لكثرة القفار بها وقلة السكان، وإنما طريقهم فى البحر إلى جدة، فإن سلكوا على السواحل من مهرة وحضرموت إلى عدن- أو إلى طريق عدن- بعد عليهم، وقلّ ما يسلكونه، وكذلك ما بين عمان والبحرين فطريق شاق، يصعب سلوكه لتمانع العرب فيما بينهم بها، وأما ما بين البحرين وعبّادان فغير مسلوك وهو قفر، والطريق فيها على البحر، ومن البصرة إلى البحرين نحو من ١٨ مرحلة فى قبائل العرب ومياههم مسلوك عامر «٣» ، غير أنه مخوف. فهذه جوامع المسافات التى يحتاج إلى علمها، فأما ما بين ديار العرب لقبائلها من المسافات فقلّ ما تقع الحاجة لغير أهل البادية إلى معرفتها.

стр. 40

بحر الفارس وسنذكر بعد ديار العرب بحر فارس، فإنّه يشتمل على أكثر حدودها، ويتصل بديار العرب منه وبسائر بلدان الإسلام ونصوّره، ثم نذكر جوامع ممّا يشتمل عليه هذا البحر، ونبتدئ بالقلزم على ساحله مما يلى المشرق، فإنّه ينتهى إلى أيلة، ثم يطوف بحدود ديار العرب، التى ذكرناها وبيّناها قبل هذا إلى عبّادان، ثم يقطع عرض دجلة وينتهى على الساحل إلى مهروبان ثم إلى جنّابة، ثم يمرّ على سيف فارس إلى سيراف، ثم يمتد إلى سواحل هرمز وراء كرمان إلى الدّيبل وساحل الملتان وهو ساحل السند، وقد انتهى حدّ بلدان الإسلام، ثم ينتهى إلى سواحل الهند حتى ينتهى إلى سواحل التبّت فيقطعها إلى أرض الصين؛ وإذا أخذت من القلزم غربيّها على ساحل البحر سرت فى مفاوز، من حدود مصر حتى تنتهى إلى مفاوز هى للبجة، وبها معادن الذهب، إلى مدينة على شط البحر يقال لها عيذاب ثم يمتد على بلد الحبشة، وهى محاذية لمكة والمدينة حتى يحاذى قرب عدن، ثم يقطع الحبشة ويتصل بظهر بلد النوبة حتى ينتهى إلى بلدان الزنج وهى من أوسع تلك الممالك فيمتد على محاذاة جميع بلدان الإسلام، وقد انتهى مسافة هذا البحر، ثم تعرض فيه جزائر وأقاليم مختلفة، إلى أن يحاذى أرض الصين. وقد صوّرت هذا البحر وذكرت حدوده مطلقا، وسأصف ما يحيط به وما فى أضعافه جملا، يقف عليه من قرأه إن شاء الله. أما ما كان من هذا البحر من القلزم إلى ما يحاذى بطن اليمن فإنه يسمى بحر القلزم، ومقداره نحو ثلاثين مرحلة طولا، وعرضه أوسع ما يكون غير مسير ثلاث ليال، ثم لا يزال يضيق حتى يرى من بعض جنباته الجانب الآخر، حتى ينتهى إلى القلزم، ثم يدور على الجانب الآخر من بحر القلزم، وبحر القلزم مثل الوادى به جبال كثيرة قد علا الماء عليها، وطرق السفن بها معروفة لا يهتدى فيها إلا بربان، يتخلّل بالسفينة فى أضعاف تلك الجبال بالنهار، فأما بالليل فلا يسلك، وماؤه صاف ترى تلك الجبال فيه، وفى هذا البحر ما بين القلزم وأيلة مكان يعرف بتاران، وهو أخبث ما فى هذا البحر من الأماكن، وذلك أنه دوّارة ماء فى سفح جبل، إذا وقعت الريح على ذروته انقطعت الريح على قسمين، فتنزل الريح على شعبين فى هذا الجبل متقابلين، فتخرج الريح من كلا هذين الشعبين فتتقابل فيثور الماء، وتتبلّد كل سفينة تقع فى تلك الدوّارة باختلاف الريحين وتتلف فلا تسلم واحدة، وإذا كان للجنوب أدنى مهب فلا سبيل إلى سلوكه، ومقدار طوله
следующие страницы →