← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

خط، وجودة أدب، وإطلاق يد، وظهور كفاية؛ وفي أثناء هذا الحال، يقيد ولا يفتر، ويروي الحديث، ويعلّق الأناشيد، ولا يغبّ النظم والنثر، ولا يعفي القريحة، معمّى، مخوّلا في العناية، مشتملا على الطهارة، بعيدا في زمان الشّبيبة عن الرّيبة، نزيها على الوسامة عن الصّبوة والرّقية، أعانه على ذلك نخوة في طبعه، وشفوف وهمّة. كان مليح الدّعابة، طيّب الفكاهة، آثر المشرق، فانصرف عن الأندلس في محرّم عام سبعة وثلاثين وسبعمائة، وألمّ بالدول، محرّكا إياها بشعره، هازّا أعطافها بأمداحه؛ فعرف قدره، وأعين على طيّته؛ فحجّ وتطوّف، وقيّد، واستكثر، ودوّن في رحلة سفره؛ وناهيك بها طرفة؛ وقفل إلى إفريقية، وكان علق بخدمة بعض ملوكها، فاستقرّ ببجاية لديه، مضطلعا بالكتابة والإنشاء. ثم انتقل إلى خدمة سلطان المغرب، أمير المسلمين أبي الحسن؛ ولم ينشب أن عاد إلى البلاد المشرقية، فحجّ، وفصل إلى إفريقية، وقد دالت الدولة بها بالسلطان المذكور، فتقاعد عن الخدمة، وآثر الانقباض؛ ثم ضرب الدهر ضرباته، وآل حال السلطان إلى ما هو معروف، وثابت للموحّدين برملة بجاية بارقة لم تكد تتقد حتى خبت، فعاد إلى ديوانه من الكتابة عن صاحب بجاية. ثم أبى مؤثرا للدّعة في كنف الدولة الفارسية «١» ، ونفض عن الخدمة يده، لا أحقّق مضطرا أم اختيارا، وحجة كليهما قائمة لديه، وانقطع إلى تربة الشيخ أبي مدين «٢» بعبّاد تلمسان، مؤثرا للخمول، عزيزا به، ذاهبا مذهب التّجلّة من التجريد والعكوف بباب الله، مفخرا لأهل نحلته، وحجّة على أهل الحرص والتهافت، من ذوي طبقته، راجع الله بنا إليه بفضله. ثم جبرته الدولة الفارسية على الخدمة، وأبرته بزّة النّسك، فعاد إلى ديدنه من الكتابة، رئيسا ومرءوسا. ثم أفلت نفيه موت السلطان أبي عنان فلحق بالأندلس، وتلقي ببرّ وجراية، وتنويه وعناية، واستعمل في السفارة إلى الملوك؛ وولّي القضاء في الأحكام الشرعية بالقليم بقرب الحضرة؛ وهو الآن بحاله الموصوفة، صدرا من صدور القطر وأعيانه، يحضر مجلس السلطان، ويعدّ من نبهاء من ينتاب بابه، وقد توسّط من الاكتهال، مقيما لرسم الكتابة والظرف مع الترخيص للباس الحرير، والخضاب بالسواد، ومصاحبة الأبّهة، والحرص على التّجلّة.

стр. 212

وجرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه «١» : «طلع شهابا ثاقبا، وأصبح بشعره للشّعرى مصاقبا، فنجم وبرع، وتمّم المعاني واخترع؛ إلى خطّ يستوقف الأبصار رائقه، وتقيّد الأحداق حدائقه، وتفتن الألباب فنونه البديعة وطرائقه، من بليغ يطارد أسراب المعاني البعيدة فيقتنصها، ويغوص على الدّرر الفريدة فيخرجها، ويستخلصها بطبع مذاهبه دافقة، وتأييد رايته خافقة. نبه في عصره شرف البيان من بعد الكرى، وانتدب بالنشاط إلى تجديد ذلك البساط وانبرى، فدارت الأكواس، وتضوّع الورد والآس، وطاب الصّبوح، وتبدّل الروح المروح، ولم تزل نفحاته تتأرّج، وعقائل بناته تتبرّج، حتى دعي إلى الكتابة، وخطب إلى تلك المثابة، فطرّز المفارق برقوم أقلامه، وشنّف المسامع بدرّ كلامه؛ ثم أجاب داعي نفسه التي ضاق عنها جثمانه، لا بل زمانه، وعظم لها فكره وغمّه، وتعب في مداراتها، وكما قال أبو الطيب المتنبي: «وأتعب خلق الله من راد محمده» ، فارتحل لطيّته، واقتعد غارب مطيّته، فحجّ وزار، وشدّ للطّواف الإزار. ثم هبّ إلى المغرب وحوّم، وقفل قفول النسيم عن الرّوض بعدما تلوّم، وحطّ بإفريقية على نار القرى، وحمد بها صباح السّرى، ولم يلبث أن تنقل، ووحر الحميم شفافه وتنغل، ثم بدا له أخرى فشرق، وكان عزمه أن يجتمع فتفرّق» . مشيخته: روى «٢» عن مشيخة بلده وأشجر، وقيّد واستكثر، وأخذ في رحلته عن أناس شتّى يشقّ إحصاؤهم. تواليفه: منها كتاب «المساهلة والمسامحة، في تبيين طرق المداعبة والممازحة» ، و «إيقاظ الكرام، بأخبار المنام» ، و «تنعيم الأشباح بمحادثة الأرواح» ، وكتاب «الوسائل، ونزهة المناظر والحمائل» و «الزّهرات، وإجالة النّظرات» ، وكتاب في «التّورية» على حروف المعجم، أكثره مروي الأسانيد عن خلق كثير، والله تعالى يخره؛ وجزء في تبيين المشكلات الحديثة الواصلة من زبيد اليمن إلى مكّة؛ وجزء في بيان اسم «٣» الله الأعظم، وهو كبير الفائدة، و «نزهة الحدق، في ذكر الفرق» ، وكتاب الأربعين حديثا البلدانية، والمستدرك عليها من البلاد التي دخلتها، ورويت فيها، زيادة على الأربعين، و «روضة العباد المستخرجة من الإرشاد» ، وهو من تأليف شيخنا القطب أبي محمد الشافعي؛ والأربعون حديثا التي رويتها عن الأمراء والشيوخ،

стр. 213

الذين رووا عن الملوك والأمراء؛ والشيوخ الذين رووا عن الملوك والخلفاء القريب عهدهم؛ ووصلت بها خاتمة ذكرت فيها فوائد مما رويته عن الملوك والأمراء، وعن الشيوخ الذين رووا عن الملوك والأمراء؛ وكتاب «اللّباس والصّحبة» وهو الذي جمعت فيه طرق المتصوّفة، المدّعي أنه لم يجمع مثله؛ وكتاب فيه شطر الحماسة لحبيب، وهو غير مكمل؛ ورجز «١» في الفرائض على الطريقة البديعة التي ظهرت ببلاد «٢» الشرق؛ ورجز صغير في الحجب والسّلاح، ورجز في الجدل؛ ورجز «٣» في الأحكام الشرعية سمّاه، ب «الفصول المقتضبة، في الأحكام المنتخبة» ؛ وكتاب سمّاه ب «مثاليث «٤» القوانين، في التّورية والاستخدام والتّضمين» ، وهو كله من نظمه؛ وله تأليف سمّاه ب «فيض العباب، وإجالة قداح الآداب، في الحركة إلى قسنطينة والزّاب» . شعره: ومن شعره في المقطوعات «٥» : [الكامل] طاب العذيب بماء «٦» ذكرك وانثنى ... فكأنما ماء العذيب سلافه واهتزّ من طرب للقياك الحمى ... فكأنّما باناته «٧» أعطافه ومن ذلك «٨» : [الطويل] لي المدح يروى منذ كنت كأنما ... تصورت مدحا للورى وثناء وما لي هجاء فاعجبنّ لشاعر ... وكاتب سرّ لا يقيم هجاء ومن ذلك «٩» : [الطويل] ولي فرس من علية الشّهب سابق ... أصرّفه يوم الوغى كيف أطلب غدوت «١٠» له في حلبة القوم مالكا ... يتابعني ما شئت في السّبق أشهب «١١»

стр. 214

وقال، وقد وقف حاجب السلطان على عين ماء «فيض «١» الثغور» وشرب منها «٢» : [المتقارب] تعجّبت من ثغر هذي البلاد ... وها أنت من عينه شارب «٣» فلله ثغر أرى شاربا ... وعين بدا فوقها حاجب ومن ذلك «٤» : [المتقارب] وحمراء في الكأس مشمولة ... تحثّ على العود في كلّ بيت فلا غرو أن جاءني سابقا ... إلى الأنس خلّ «٥» يحثّ الكميت وقال مضمّنا، وقد تذكر حمراء غرناطة، وبابها الأحفل المعروف «بباب الفرج» «٦» : [المتقارب] أقول وحمراء غرناطة تشوق ... تشوق النّفوس وتسبي المهج ألا ليت شعري بطول السّرى ... أرتنا الوجى واشتكت العرج وما لي في عرج رغبة ... ولكن لأقرع باب الفرج وقال ملغزا في قلم وهو ظريف «٧» : [الطويل] أحاجيك «٨» ما واش يراد حديثه ... ويهوى الغريب النازح الدار إفصاحه تراه مع الأحيان أصفر ناحلا ... كمثل مريض وهو قد لازم الرّاحه «٩» وقال: [الطويل] وقالوا رمى في الكأس وردا فهل ترى ... لذلك وجها؟ قلت أحسن به قصدا ألم تجد اللذّات في الكأس حلبة؟ ... فلا تنكروا فيها الكميت ولا الوردا

стр. 215

وقال «١» : [الطويل] كماة تلاقت تحت نقع سيوفهم ... وللهام رقص كلّما طلب الثّار فلا غرو أن غنّت وتلك رواقص ... لها «٢» فيهم في مارد الحرب أوتار وقال: [الرجز] وعارض في خدّه نباته ... فحسنه بين الورى يسحرنا أجرى دموعي إذ جرت شوقا له ... فقلت هذا عارض ممطرنا وقال وقد توفي السلطان أبو يحيى بن أبي بكر، صاحب تونس، وولي ابنه أبو حفص بعد قتله لإخوته: [الطويل] وقالوا أبو حفص حوى الملك غاصبا ... وإخوته أولى وقد جاء بالنّكر فقلت لهم كفّوا فما رضي الورى ... سوى عمر من بعد موت أبي بكر وقال مضمّنا، وقد حضر الفتى الكبير عنبر قتالا، وكان فارسا مذكورا عند بني مرين: [الكامل] ولقد أقول وعنبر ذاك الفتى ... يلقى الفوارس في العجاج الأكور يا عاثرين لدى الجلاد لعا فقد ... بسقت لكم ريح الجلاد بعنبر وقال وقد اشتاق إلى السّبيكة «٣» خارج حمراء غرناطة: [مجزوء الرمل] إنّ «٤» إفراط بكائي ... لم يرع مني عريكه قد أذاب العين لمّا ... زاد شوقي للسّبيكه وقال: [الكامل] لمّا نزلت من السّبيكة صادني ... ظبي وددت لديه أن لم أنزل فاعجب لظبي صاد ليثا لم يكن ... من قبلها متخبّطا في أحبل

стр. 216

وقال وهو ظريف: [الكامل] قد قارب العشرين ظبي لم يكن ... ليرى الورى عن حبّه سلوانا وبدا الربيع بخدّه فكأنما ... وافى الربيع ينادم النّعمانا وقال «١» : [الطويل] أتوني فعابوا من أحبّ جماله ... وذاك على سمع المحبّ خفيف فما فيه عيب غير أنّ جفونه ... مراض وأنّ الخصر منه ضعيف وقال: [المتقارب] أيا عجبا كيف تهوى الملوك ... محلّي وموطن أهلي وناسي وتحسدني وهي مخدومة ... وما أنا إلّا خديم بفاس نثره: ونثره تلو نظمه في الإجادة، وقد تضمّن الكتاب المسمى ب «نفاضة الجراب» منه ذكر كل بديع؛ فمما ثبت فيه، مما خاطبته به، وقد ولّي خطّة القضاء بالإقليم، أداعبه، وأثير ما تستحويه عجائبه: [السريع] يا «٢» قاضي العدل الذي لم تزل ... تمتار شهب الفضل من شمسك قعدت للإنصاف بين الورى ... فاطلب لنا الإنصاف من نفسك «ما للقاضي، أبقاه الله، ضاق ذرع عدله الرّحيب، عن العجيب؛ وهمّ عن العتب، وضنّ على صديقه حتى بالكتب؛ أمن المدوّنة الكبرى ركب هذا التحريج، أم من المبسوطة ذهب إلى هذا الأمر المريج؛ أم من الواضحة امتنع عن الإمام ببديع الوفاء والتعريج؟ من أمثالهم ارض من أخيك بعشر ودّه إذا ولّي، وقد قنعنا والحمد لله بحبّة من مدّه، وإشارة من درجه، وبرّة وصاعة معتدلة، من زمان بلوغ أشدّه؛ فما باله يمطل مع الغنى، ويحوج إلى العنا، مع قرب الجنى؛ المحلة حلّة ضالع، ومطمع وطامع، ومرأى ورأي، ومستمع وسامع، والكنف واسع، والمكان لا ناء ولا شاسع؛ والضّرع حافل؛ والزّرع كاف كافل؛ والقريحة وارية الزّند، والإمالة خافقة البند؛ وهب أن البخل يقع بها في الخوان على الإخوان، فما باله يسمح بالبيان، وليس الخبر كالعيان؛ ويتعدّى حظّ الجنان، لا خطّ البنان؛ أعيذ سيدي من ارتكاب رأي ذميم، ينقل إلى نميرها بيت تميم؛ ويقصد معناه بتميم، وهلّا تلا حم؛ وعهدي بالسياسة القاضوية، وقد نامت في مهاد أهل الظرف، نوم أهل الكهف، ولم تبال بمردّد الويل

стр. 217

واللهف، أو شربة لحفظ الصّحة بختجا، ودقّت لإعادة الشّبيبة عفصا ورد سختجا؛ وغطّت الصبح بالليل إذا سجا، ومدّت على ضاحي البياض صلّا سجسجا؛ وردّت سوسن العارض بنفسجا، ولبس بحرها الزّاخر من طحلب البحر منتسجا؛ وأحكام العامّة، ومزين المرأة ينصح ويرشد، ويطوي المحاسن وينشد، حتى حسنت الدّارة، وصحّت الاستدارة، وأعجبه الوجه الجميل، والقدّ الذي يميد في دكّة الدّار ويميل، وأغرى بالسّواك السّميم والتكميل، وولج بين شفرتي سيد الميل، وقيل لو صاح اليمين خاب فيك التّأميل؛ وامتدّ جناح برنس السّرق، واحتفل الغصن الرّطيب في الورق، ورشّ الورد بمائه عند رشح العرق. وتهيّأ لمنطلق، فقرأت عليه نساء أعوانه، وكتبة ديوانه، سورة الفلق؛ من بعد ما وقف الإمليق حجّابه على إقدامهم، وسحبهم جلاوزته من أقوامهم؛ فمثلوا واصطفّوا، وتألّفوا والتفّوا، وداروا وحفّوا، وما تسلّلوا ولا خفوا؛ كأنما أسمعتهم صيحة النّشر، وأخرجوا لأول الحشر، فعيونهم بملتقى المصراع معقودة، وأذهانهم لمكان الهيبة مفقودة، وحبالتهم قبل الطلب بها منقودة؛ فبعد ما فرش الوساد، وارتفع بالنّفاق الكساد، وذارع البكا وتأرّج الحسّاد، واستقام الكون وارتفع الفساد، وراجعت أرواحها الأجساد؛ جاءت السّادة القاضوية فجلست، وتنعّمت الأحداق بالنظر فيها واختلست، وسجّت الأكفّ حتى أفلست؛ وزانت شمسها ذلك الفلك، وجلت الأنوار ذلك الحلك، وفتحت الأبواب وقالت هيت لك؛ ووقفت الأعوان سماطين ومثلوا خطّين، وتشكّلوا مجرّة تنتهي منك إلى البطين، يعلنون بالهديّة ويجهرون، ولا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «١» ؛ من كل شهاب ثاقب وطائف غاسق واقب، وملاحظ مراقب؛ كميش الإزار، بعيد المزار، حامل للأوبار، خصيم مبين، وارث سوفسطائيّا عن رثين، مضطلع بفقه البين وحريمها، فضلا عن تلقين الخصوم وتعليمها، يرأسهم العريف المقرّب، والمقدّم المدرّب، والمشافه المباشر، والنّابح الشاكر، والنّهج العاشر؛ الذي يقتضي خلاص العقد، ويقطع الكالي والنّقد، ويزكّي ويجرّح، ويمسك ويسرّح ويطرح، ويحمل من شاء أو يشرّح، والمسيطر الذي بيده ميزان الرّزق، وجميع أجزاء المفترق، وكافة قابلة، وحم الدّواة الفاغرة، ورشا بلالة الصّدور الواغرة؛ فإذا وقف الخصمان بأقصى مطرح الشعاع، أيّان يجتمع الرّعاع، وأعلنّا النّداء، وطلب الأعداء، وصاحا: جعل الله أنفسنا لك الفداء، ورفع الأمر إلى مقطع الحق، والأولى بالمثوبة الأحق، أخذتهما الأيدي دفعا في القفيّ، ورفعا السّتر اللّطيف الخفيّ، وأمسكا بالحجر والأكمام، ومنعا المباشرة والإلمام؛ فإذا أدلى بحجّته من

стр. 218

أدلى، وسمعها دينه عدلا، وحقّ القول، واستقرّ الهول، ووجبت اليمين، أو الأداء الذي يفوت له الذخر الثمين، أو الرهن أو الضّمين، أو الاعتقال الذي هو على أحدهما كالأمين؛ نهش الصّل، الذي سليمه لا هل، ولسبت العقارب، التي لا يفلتها الهارب، ولا تخفى منها المشارب؛ وكم تحت ظلام الليل من غرارة يحملها غرّ، وصدّه ريح فيها صرّ؛ ويهدي ارتقاب قلّة شهد، وكبش يجرّ بقرنيه، ويدفع بعد رفع ساقيه؛ ومعزى وجدي وقلائد، وسرب دجاج، ذوات بجاج، يفضحن الطّارق، ويشعثن المفارق، فمتى يستفيق سيدي مع هذا اللّغط العائد بالصّلة، واللهو المتّصلة، وتفرغ يده البيضاء لأعمال ارتياض، وخطّ سواد في بياض، أو حنين لدوح أو رياض؛ أو إمتاع طرف، باكتشاف حرف، أو إعمال عدل لرسول في صرف، أو حشو طرف، بتحفة ظرف؛ شأنه أشدّ استغراقا، ومثواه أكثر طراقا، من ذكرى حبيب ومنزل «١» ، وأمّ معدّل؛ وكيف يستخدم القلم الذي يصرف ماء الحبر، بذوب التّبر، في ترّهات عدم جناها؛ وأقطع جانب الخيبة لفظها ومعناها؛ اللهمّ إلا أن تحصل النفس على كفاية تحتم لها الصّدر، ويشام من خلالها اللّجين الرفيع القدر، أو يحيى للفكاهة والأنس، أو ينفق لديها ذمام على الجنس؛ فربما تقع المخاطبة المبرورة، وتبيح هذا المرتكب الصعب الضرورة؛ والمرغوب من سيّدنا القاضي أن يذكرنا يوما بالإغفال في نعيمه، ولا يخيّب آمالنا المتعلّقة بأذيال زعيمه، ويسهمنا حظّا من فرائد خطّه، لا من فوايد خطّته، ويجعل لنا كفلا من فضل بريته وحنطته لا من فضل هرّته وقطّته؛ فقد غنينا عن الحلاوات بحلاوات لفظه، وعن الطرف المجموعة، بفنون حفظه، وعن قصب السّكر، بقصب أقلامه؛ وعن جنى الرّوم بروامه، وبهديه، عن جديه؛ وبمجاجته، عن دجاجته؛ وبدلجه عن أترجّه؛ وعن البر ببرّه، وعن الحبّ بحبّه؛ ولا نأمل إلّا طلوع بطاقته، وقد رضينا بوسع طاقته؛ وإلّا فلا بدّ أن يجيش جيش الكلام إلى عتبه، ونوالي عليه ضرايب الكتائب، حتى يتّقي بضريبة كتبه، والسلام» . فراجعني بما نصه: [الطويل] فنيت عن الإنصاف منّي لأنني ... كما قلت لكم من فراقكم قاض فمن سمعنا أو من بعينك إنني ... بكلّ الذي ترضاه يا سيدي راض

стр. 219

«عمرك الله أيها الإمام الفذّ، ومن بمدحه تطرب الأسماع وتلذّ، أوحد الدنيا وحائز الرّتبة العليا؛ ولولا أنك فوق ما يقال، والزّلّة إن لم تظهر العجز عن وصفك لا تقال، لأطلت في القول، وهدرت هدير قرع الشّول، لكن تحصيل الحاصل محال، ولكلّ في تهيّب كمالك مقال، ومقام وحال؛ ولولا أنّ الدعاء مأمول، وهو يظهر الغيب مقبول، والزيادة من فضل الله لا تنتهي، والنّعم قد توافيك، فوق ما تشتهي، لأريت أن ذلك أمر كفي، وأمر ظهر فيه ما خفي: [البسيط] إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا ... أو قلت زانك ربّي فهو قد فعلا إيه يا سيدي، ما هذه الكلمات السّحريّة والأنفاس النّفيسة الشّجرية، والألفاظ التي أنالت المرغوب وخالطت بشاشتها القلوب، والنّزعات الرّائقة، والأساليب الفائقة، والفصاحة التي سلبت العقول، والبلاغة التي أوجبت الذّهول؛ والبيان الذي لا يضيق صحيفه، ولا يبلغ أحد مدّه ونصيفه؛ يمينا بما احتوى من المحاسن، واللطائف التي لم يكن ماؤها بالآسن، وقسما ببراعتك التي هي الواسي المطاع، وطرسك الذي أبهجت به الأبصار والأسماع؛ لقد عاد لي بكتابتك عيد الشّوق، وجاد لي بخطابك جدّ التّوق، ولعهدي بنفسي رهن أشجاني، غير محلولة عقدة لساني، أشدّ من الصخرة جلدا، وأغلظ من الإبل كبدا؛ حتى إذا بدت حقيدة القلب وهبّ نسيمه الرّطب، وأفيح مورده العذب، وأضاء بنوره الشّرق والغرب، ولم يبق لي بثّ ولا شجن، ولا شاقني أهل ولا وطن؛ ومضى سيف اللسان بعد النبوّ، ونهض طرف الفكر بعد البكر، وهزّني الطّرب المثير للأفراح، ومشى الجذل في أطرافي وأعطافي مشي الرّاح؛ بيد أني خجلت ولا خجلة ربّة الخدر، وتضاءلت نفسي لجلالة ذلك القدر؛ وقلت ما لي بشربة من كأس بيانه، وقطرة من بحور إحسانه؛ حتى أؤدّي ولو بعض حقّك، وأكتب عقد ملك رقيّ لرقك، إنني على ما وليت من الصّدقة والصّداقة وبعد طلاقك؛ لكني أقوم في حقك مستغفرا، ولا أرضى أن أكون لذمّة المخدوم خفرا؛ على أنني أقول، قد كتبت فلم يردّ جوابي، وجرمت فهاج الجوى بي، ولعمري قد لزمت فيه خطّة الأدب، ولم أر التّثقيل على المولى الرّفيع الرّتب؛ فأما وقد نفقت عندك بضاعتي المزجاة، وشملني من لدنك الحلم والإناة، وشرّفتني بالخطاب الكريم، والرسالة التي عرفت في وجهها نضرة النعيم؛ فما أبغي إلّا إيرادها عليك وكلها خراج، ولبردها في الإجادة إنهاج؛ ولعلّك ترضى التّخريج من مدوّنة الأخبار، والمبسوطة والواضحة، لكن من الأعذار. وأمّا الولاية التي يقنع بسببها من الودّ بالعشر، أو بحبّة من المدّ إلى يوم النّشر، فلا بدّ أن يكون القانع محتاجا للوالي، ومفتقرا إلى التفقّد المتوالي؛ وأما إذا كان القانع هو الذي تولّى الخطّة، وأكسب الهرّ

стр. 220

الذي أشار إليه والقطّة، فهو قياس عكسه كان أقيس، بل تعليم لمن وجد في نفسه خيفة وأوجس؛ وهأنا قد فهمت وعلمت، من حسن تأديبك ما علمت، وعلى ما فرّطت في جنبك ندمت، وإلى المعذرة والحمد لله ألهمت؛ ومع ذلك أعيد حديث الشيخ القاضي، وذكر عهدك به في الزمان الماضي؛ فلقد أجاد في الخضاب بالسّواد، واعتمد على قول المالكي الذي هدى إلى الرّشاد، وأوجبه بعضهم في بلاد الجهاد؛ وبيّن عمر منافع الخضاب الصادقة الإشهاد، وخضب بالسّواد جماعة من الصّحابة الأمجاد؛ وكان ذلك ترخيصا لم يعدّ شرعا، لكنه دفع شرّا وجلب نفعا؛ لا كأخيه الذي أبكى عين الحميم، وأنشد قول الرّضيّ يوم السقيم، وفجع قلوب أترابه، ولم يأت بيت النّصف من بابه؛ وإلّا فقد علم أن في الخير مشروع «١» ، وتعجّل الشيء قبل أوانه ممنوع، وستغبط أخاك ولو بعد حين، وما كل صاحب يحمد في إيضاح وتبيين، وإني لأرجو أن تتزوجها بكرا، تلاعبها وتلاعبك، أو ثيّبا تقصر عن حبّها مآربك؛ فلا جرم ترجع إلى الخضاب، وحينئذ تمتّع برشف الرّضاب؛ وإلّا قالت سيدي، لا تعظم المنى، ولا تجعل القطر قبل أن يموت عمر؛ لعمر الله إن هذا الموقف صعب، قد ملأ الروح منه روع ورعب؛ وإن أضاف إلى ذلك غلبة الأوهام، وظن الشيخوخة الصادرة عن نيل المرام، سكن المتحرك المصلوب، وتنغّص عند ذلك المحبوب؛ والله يعينك أيّها المولى، ويواليك من بسطه أضعاف ما ولى. وأما الأوصاف التي حسبتها أوصافي، وأوجبت حكمها بالقياس على خلافي، فهي لعمري أوصاف لا تراد، ومراع لا شكّ أنها تراد؛ غير أني بعيد العهد بهذه البلاد، لا أمت لها إلّا بالانتساب والميلاد، لا كالقضاة الذين ذكرت لهم عهدا، ونظمت حلاهم في جيد الدهر عقدا؛ ولو أنك بسرّك بصّرتني بشروط القضاء وسجايا أهل الصّرامة والمضاء، لحقّقت المناط، وأظهرت الزهد والاغتباط؛ لكني جهلت والآن ألهمت؛ وما علّم الإنسان إلّا ليعلم، والله يهدينا إلى الذي يكون أحسن وأقوم؛ وإني لأعلم سيدي بخبري، وأطلع جلاله على عجري «٢» وبجري؛ ولكني رحلت عن تلك الحضرة، وعدمت النّظرة في تلك النّظرة؛ لبست الإهمال، واطّلعت في السفر والاعتمال، فأقيم بادي الكآبة، مهتاج الصّبابة، قد فارقت السّكن، وخلفت الدار مثيرة الشّجن: [الوافر] وكانت جنّتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار

стр. 221

حتى إذا حططت رحلي بالقرى، وقنعت بالزّاد الذي كفى معيارا والقرى؛ أدخلت إلى دار ضيقة المسالك، شديدة الظّلمة كالليل الحالك، تذكّرني القبر وأهواله وتنسيني الذي أهواه، بل تزيد على القبر برفل لا يتخلّص، وبراغيث كزريعة الكتّان حين تمحّص؛ وبعوض يطيل اللهز «١» ، ولا تغنّي حتى تشرب، وبوق يسقط سقوط النّدى، ويزحف إلى فراشي زحف العدا؛ وأراقم خارجة من الكوى، وحيّات بلدغها نزّاعة للشّوى؛ وجنون يسمع عزيفها، وسرّاق لا يعدم تخويفها؛ هذا ولا قرق لمن بالقهر حبس، إلّا حصير قد اسودّ من طول ما لبس؛ لا يجتزى في طهارته بالنّضح، ولا يحشد من جلس عليه إلّا بالجرح؛ حتى إذا سجا الليل، وامتدّ منه على الآفاق الذيل، فارقني العون فراق الكرى، ورأيت الدمع لما جرى قد جرى؛ فأتوسّد والله ذراعي، ولأحمد والله اضطجاعي؛ فكلا ليليّ محمومين «٢» ، والوجع والسّهر محمولان على الرأس والعين؛ حتى إذا طلع الصبح، وآن لبالي وعيون الخصوم الفتح، أتاني عون قد انحنى ظهره ظهره، ونيّف عن المائة عمره، لا يشعر بالجون الصّيّب، ولا تسمعه كلمات أبي الطيّب؛ بربري الأصل، غير عارف بالفصل؛ حتى إذا أذنت للخصوم، وأردت إحياء الرسوم، دخل عليّ غولان عاقلان، وأثقل كتفي منهما مائلان، قد أكلا الثّوم النّيء والبصل، وعرقا في الزّنانير عرقا اتّصل، يهديان إليّ تلك الروائح، ويظهران لي المخازي والفضائح؛ فإذا حكمت لأحدهما على خصمه، وأردت الفصل الذي لا مطمع في فصمه؛ هرب العون هربا، وقضى من النجاة بنفسه أربا؛ واجتمع إلى النصحاء، وجاء المرضى والأصحّاء، كلّ يقول أتريد تعجيل المنايا، وإثكال الولايا، وإتعاب صديقك السّيد العماد، بمرتبة كما فعل مع القاضي الحدّاد؛ فأقول هذا جهاد، وما لي في الحياة مراد، فأرتكب الخطر، وأقضي في الحكم الوطر، والله يسلّم، ويكمل اللطف ويتمّم. وأما إذا جاء أحدكم لكتب عقد، وطمعت في نسيئة أو نقد، قطعت يومي في تفهّم مقصده، مستعيذا بالله من غضبه وحرده؛ حتى إذا ما تخلّصت منه، وملأت السّجل بما أثبته عنه، كشف عن أنياب عضل، وعبس عبوس المحب لانقطاع وصل؛ وقال: لقد أخطأت فيما كتبت، ورسمت ما أردت وأحببت؛ فأكتب عقدا ثانيا وثالثا، وأرتقب مع كل كلام حادث حادثا؛ فإذا رضي، فأسأله كيف؛ وسنّ السّالي الذي أظهره، أو اسمه أو السيف، أخرج من فمه درهما نتنا، قد لزم ضرسا عفنا؛ فأعاجله في البخور، وأحكّه في الصّخور، حتى إذا حمل لمن يبيع

стр. 222

خبز الذّرة منتنا، ويرى أنه قد فضل بذلك أنسا وحسنا، وجده ناقصا زائفا، فيرجع حامله وجلا خائفا، ويبقى القاضي فقيد الهجوع، يشدّ الحجر على بطنه من الجوع، على أنني أحمد خلاء البطن، وما بجسمي لا يحكى من الوهن؛ لتعذّر المرحاض، وبعد ماء الحياض، وكمون السّباع في الغياض، وتعلّق الأفاعي بالرّداء الفضفاض، ونجاسة الحجارة، وكثرة تردّد السّيارة، والانكشاف للريح العقيم، والمطر المنصبّ إلى الموضع الذميم. هذه الحال، وعلى شرحها مجال، وقد صدقتك سنن فكري، وأعلمتك بذات صدري، فتجلّى الغرارة غرور، وشهود الشّهد زور، والطّمع في الصّرّة إصرار، ودون التّبر يعلم الله تيّار. وأما الكبش، فحظّي منه غباره إذا خطر، والثّور بقرنه إذا العيد حضر، كما أن حظّي من الجدي التأذّي بمسلكه، وإنّ جدي السماء لأقرب لي من تملّكه، وأنا من الحلاوة سالم ابن حلاوة، ولا أعهد من طرف الطرف الدّماوة، ودون الدّجاج كل مدجّج، وعوض الأترجّ رجّة بكل معرج، ولو عرفت أنك تقبل على علّاتها الهدايا، وتوجب المزيد لأصحابك المزايا، لبعثت بالقماش، وأنفذت الرّياش، وأظهرت الغنى، والوقوف بمبنى المنى، وأوردتها عليك من غير هلع، مطّلعة في الجوف بعد بلع، من كل ساحليّة تقرّب إلى البحر، وعدوية لا تعدّ وصدر مجلس الصّدر، حتى أجمع بين الفاكهة والفكاهة، ويبدو لي بعد الشقف وجوه الوجاهة، وأتبرأ من الصّدّ المذموم، ولا أكون أهدأ من القطا لطرق اللّوم؛ لأنك زهدت في الدنيا زهد ابن أدهم، وألهمك الله من ذلك أكرم ما ألهم؛ فيدك من أموال الناس مقبوضة، وأحاديث اللها الفاتحة للها مرفوضة؛ وإذا كان المرء على دين خليله، ومن شأنه سلوك نهجه وسبيله، فالأليق أن أزهد في الصّفراء والبيضاء، وأقابل زخرف الدنيا بالبغضاء، وأحقّق وأرجو على يدك حسن التخلّي، والاطّلاع على أسرار التّجلّي؛ حتى أسعد بك في آخرتي ودنياي، وأجد بركة خاطرك في مماتي ومحياي؛ أبقاك الله بقاء يسر، وأمتع بمناقبك التي يحسدها الياقوت والدّر، ولا زلت في سيادة تروق نعتا، وسعادة لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وأقرأ عليك سلاما عاطر العرف، كريم التأكيد والعطف، ما رثى لحالي راث، وذكرت أدّاية حراث، ورحمة الله وبركاته. وكتبه أخوك ومملوكك، وشيعة مجدك، في الرابع والعشرين من جمادى الأولى عام أربعة وستين وسبعمائة» . مولده: بغرناطة عام ثلاثة عشر وسبعمائة. محنته: توجّه رسولا عن السلطان إلى صاحب تلمسان السلطان أحمد بن موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيّان، وظفر بالجفن الذي ركبه العدو، بأحواز جزيرة حبيبة، من جهة وهران، فأسر هو ومن بأسطول

стр. 223

سفره من المسلمين؛ وبلغ الخبر فعظم الفجع؛ وبينا «١» نحن نروم سفر أسطول يأخذ الثار، ويستقري الآثار، فيقيل العثار؛ إذ «٢» اتّصل الخبر بمهادنة السلطان المذكور، ففدي من أسر بذلك المال الذي ينيف على سبعة آلاف من العين في ذلك؛ فتخلّص من المحنة لأيام قلائل، وعاد؛ فتولّى السلطان إرضاءه عمّا فقد، وضاعف له الاستغناء وجدّد؛ وكان حديثه من أحاديث الفرج بعد الشدّة محسوبا، وإلى سعادة السلطان منسوبا. وأنشدته شعرا في مصابه، بعدها، وقد قضيت له من برّ السلطان على عادتي، ما جبر الكسر، وخفض الأمر: [المتقارب] خلصت كما خلص الزّبرقان ... وقد محق النّور عنه السّرار «٣» وفي السّيّق والرار ... في هذا سرّ وفي ذا أسرار «٤» وكان تاريخ هذه المحنة المردفة المنحة، حسبما نقلته من خطّه؛ قال: «اعلموا يا سيدي أبقاكم الله تعالى، أنّ سفرنا من ألمريّة، كان في يوم الخميس السادس لشهر ربيع الآخر من عام ثمانية وستين وسبعمائة، وتغلّب علينا العدو في عشيّة يوم الجمعة الثاني منه، بعد قتال شديد؛ وكان خروجنا من الأسر في يوم السبت الثاني والعشرين لربيع الثاني المذكور، وكان وصولي إلى الأندلس في أسطول مولانا نصره الله، في جمادى الآخرة من العام المذكور، بعد أن وصلوا قرطاجنّة وأخذوا أجفانا ثلاثة من أجفان العدوّ، وعمل المسلمون الأعمال الكريمة» . إبراهيم بن خلف بن محمد بن الحبيب بن عبد الله بن عمر ابن فرقد القرشي العامري «٥» قال ابن عبد الملك: كذا وقفت على نسبه بخطّه في غير ما موضع من أهل مورة «٦» ، وسكن إشبيلية. حاله: كان متفنّنا في معارفه، محدّثا، راوية، عدلا، فقيها، حافظا، شاعرا، كاتبا، بارعا، حسن الأخلاق، وطئ الأكناف، جميل المشاركة لإخوانه وأصحابه، كتب بخطه الكثير من كبار الدّواوين وصغارها، وكان من أصحّ الناس كتبا، وأتقنهم

стр. 224

ضبطا وتقييدا، لا تكاد تلقى فيما تولّى تصحيحه خللا، وكان رؤوفا شديد الحنان على الضعفاء والمساكين واليتامى، صليبا في ذات الله تعالى، يعقد الشروط محتسبا، لا يقبل ثوابا عليها إلّا من الله تعالى. مشيخته: تلا بالسّبع على أبي عمران موسى بن حبيب، وحدّث عن أبي الحسن بن سليمان بن عبد الرحمن المقرئ، وعبد الرحمن بن بقّي، وأبي عمرو ميمون بن ياسين، وأبي محمد بن عتّاب، وتفقّه بأبويّ عبد الله بن أحمد بن الحاجّ، وابن حميد، وأبي الوليد بن رشد، وأجاز له أبو الأصبغ بن مناصف، وأبو بكر بن قزمان، وأبو الوليد بن طريف. من روى عنه: روى عنه أبو جعفر، وأبو إسحاق بن علي المزدالي، وأبو أمية إسماعيل بن سعد السعود بن عفير، وأبو بكر بن حكم الشّرمسي، وابن خير، وابن تسع، وابن عبد العزيز الصدفي، وأبو الحجاج إبراهيم بن يعقوب، وأبو علي بن وزير، وأبو الحسن بن أحمد بن خالص، وأبو زيد محمد الأنصاري، وأبو عبد الله بن عبد العزيز الذّهبي، وأبو العباس بن سلمة، وأبو القاسم بن محمد بن إبراهيم المراعي، وأبو محمد بن أحمد بن جمهور، وعبد الله بن أحمد الأطلس. تواليفه: دوّن برنامجا ممتعا ذكر فيه شيوخه، وكيفيّة أخذه عنهم، وله رجز في الفرائض مشهور، ومنظوم كثير، وترسّل منوّع، وخطب مختلفة المقاصد، ومجموع في العروض. دخوله غرناطة: قال المؤرّخ: وفي عام أربعة وخمسين وخمسمائة، عند تغيّب الخليفة «١» بالمهديّة، استدعى السيد أبو سعيد الوالي بغرناطة، عند استقراره بها، الحافظ أبا بكر بن الجدّ، والحافظ أبا بكر بن حبيش، والكاتب أبا القاسم بن المراعي، والكاتب أبا إسحاق بن فرقد، وهو هذا المترجم به، فأقاموا معه مدّة تقرب من عامين اثنين بها. شعره: مما ينقل عنه قصيدة شهيرة في رثاء الأندلس: [المتقارب] ألا مسعد منجز ذو فطن ... يبكي بدمع معين هتن جزيرة أندلس حسرة ... لا غالب من حقود الزّمن ويندب أطلالها آسفا ... ويرثي من الشّعر ما قد وهن

стр. 225

ويبكي الأيامى ويبكي اليتامى ... ويحكي الحمام ذوات الشّجن ويشكو إلى الله شكوى شج ... ويدعوه في السّرّ ثم العلن وكانت رباطا لأهل التّقى ... فعادت مناطا لأهل الوثن وكانت معاذا لأهل التّقى ... فصارت ملاذا لمن لم يدن وكانت شجى في حلوق العدا ... فأضحى لهم مالها محتجن وهي طويلة، ولديّ خلاف فيمن أفرط في استحسانها. وشعره عندي وسط. ومن شعره وهو حجّة في عمره عند الخلاف في ميلاده ووفاته، قال: [الطويل] ثمانون «١» مع ستّ عمرت وليتني ... أرقت دموعي بالبكاء على ذنب فلا الدّمع في محو الخطيئة غنية ... إذا هاج من قلب منيب إلى الرّبّ فيا سامع الأصوات رحماك أرتجي ... فهب «٢» إنسكاب الدّمع من رقّة القلب وزكّ الذي تدريه من شيمة ... تعلّق بالمظلوم من شدّة الكرب وزكّ مثابي في العقود وكتبها ... لوجهك لم أقبل ثوابا على كتب ولا تحرمني أجر ما كنت فاعلا ... فحقّ اليتامى عندي من لذي صعب ولا تخزني يوم الحساب وهو له ... إذا جئت مذعورا من الهول والرّعب مولده: حسبما نقل من خط ابنه أبي جعفر، ولد، يعني أباه سنة أربع وثمانين وأربعمائة» . وفاته: بعد صلاة المغرب من ليلة الثلاثاء الثامن عشر من محرم عام اثنين وسبعين وخمسمائة. ونقل غير ذلك. إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبيدس بن محمود النفزي أبّذي «٤» الأصل، غرناطي الاستقرار، ويكنى أبا إسحاق. حاله: خاتمة الرّحّال بالأندلس، وشيخ المجاهدات وأرباب المعاملات، صادق الأحوال، شريف المقامات، مأثور الإخلاص مشهور الكرامات، أصبر الناس على

стр. 226

مجاهداته، وأدومهم على عمل وذكر وصلاة وصوم، لا يفتر عن ذلك ولا ينام، آية الله في الإيثار، لا يدّخر شيئا لغد، ولا يتحرّف بشيء، وكان فقيها حافظا، ذاكرا للغة والأدب، نحويّا ماهرا، درس ذلك كلّه أول أمره، كريم الأخلاق، غلب عليه التصوّف فشهر به، وبمعرفة طريقه الذي ندّ فيها أهل زمانه، وصنّف فيها التصانيف المفيدة. ترتيب زمانه: كان يجلس إثر صلاة الصبح لمن يقصده من الصالحين، فيتكلم لهم بما يجريه الله على لسانه، وييسّر من تفسير، وحديث وعظة، إلى طلوع الشمس؛ فيتنفّل صلاة الضّحى، وينفصل إلى منزله، ويأخذ في أوراده، من قراءة القرآن والذّكر والصلاة إلى صلاة الظهر، فيبكّر فى رواحه، ويوالي التنفّل إلى إقامة الصلاة، ثم كذلك في كل صلاة، ويصل ما بين العشاءين بالتنفّل، هذا دأبه أبدا. وكان أمره في التوكّل عجبا، لا يلوي على سبب، وكانت تجبى إليه ثمرات كلّ شيء، فيدفع ذلك بجملته، وربما كان الطعام بين يديه، وهو محتاج، فيعرض من يسأله، فيدفعه جملة، ويبقى طاويا، فكان الضعفاء والمساكين له لياذا ينسلون من كل حدب، فلا يردّ أحدا منهم خائبا، ونفع الله بخدمته وصحبته، واستخرج بين يديه عالما كثيرا. مشيخته: أخذ القراءة عن أبي عبد الله الحضرمي، وأبي الكوم جودي بن عبد الرحمن، والحديث عن أبي الحسن بن عمر الوادي آشي، وأبي محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله، والنحو واللغة عن ابن يربوع وغيره. ورحل وحجّ، وجاور وتكرّر. ولقي هناك غير واحد، من صدور العلماء وأكابر الصوفية، فأخذ صحيح البخاري سماعا منه سنة خمس وستمائة عن الشّريف أبي محمد بن يونس، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن المغرباني، ونصر بن أبي الفرج الحضرمي، وسنن أبي داود وجامع التّرمذي على أبي الحسن بن أبي المكارم نصر بن أبي المكارم البغدادي، أحد السامعين على أبي الفتح الكروخي، وأبي عبد الله محمد بن مستري الحمة، وأبي المعالي بن وهب بن البنا، وببجاية عن أبي الحسن علي بن عمر بن عطيّة. من روى عنه: روى عنه خلق لا يحصون كثرة؛ منهم أحمد بن عبد المجيد بن هذيل الغسّاني، وأبو جعفر بن الزبير، وغيره. تواليفه: صنّف في طريقة التصوّف وغيرها تصانيف مفيدة؛ منها «مواهب العقول وحقائق المعقول» ، و «الغيرة المذهلة، عن الحيرة والتّفرقة والجمع» ، و «الرحلة العنوية» ، ومنها «الرسائل في الفقه والمسائل» ، وغير ذلك.

стр. 227

شعره: له أشعار في التصوّف بارعة، فمن ذلك ما نقلته من خط الكاتب أبي إسحاق بن زكريا في مجموع جمع فيه الكثير من القول: [الوافر] يضيق عليّ من وجدي الفضاء ... ويقلقني من الناس العناء وأرض الله واسعة ولكن ... أبت نفسي تحيط بها السماء رأينا العرش والكرسيّ أعلى ... فواليناهما حرم الولاء «١» فأين الأين منّا أو زمان ... بحيث لنا على الكلّ استواء شهدنا للإله بكلّ حكم ... فغاب القلب وانكشف الغطاء ويدعوني الإله إليه حقّا ... فيؤنسني من الخوف الرّجاء ويقبضني ويبسطني ويقضي ... بتفريقي وجمعي ما يشاء ويعي في وجود الخلق نحوا ... ينعت من تولّاه الفناء فكم أخفي وجودي وقت فقدي ... كأن الفقد والإحيا سواء فسكر ثم صحو ثم سكر ... كذاك الدهر ليس له انقضاء فوصفي حال من وصفي ولكن ... ظهور الحقّ ليس له خفاء إذا شمس النهار بدت تولّت ... نجوم الليل ليس لها انجلاء ومن شعره: [البسيط] كم عارف سرحت في العلم همّته ... فعقله لحجاب العقل هتّاك كساه نور الهدى بردا وقلّده ... درّا ففي قلبه للعلم أسلاك كسب ابن آدم في التحقيق كسوته ... إنّ القلوب لأنوار وأحلاك كلّف فؤادك ما يبدي عجائبه ... إنّ ابن آدم للأسرار درّاك كيف وكم ومتى والأين منسلب ... عن وصف باريها والجهل تبّاك كبّر وقدّس ونزّه ما أطقت فلم ... يصل إلى ملك الأملاك أملاك كرسيه ذلّ والعرش استكان له ... ونزه الله أملاك وأفلاك كلّ يقرّ بأنّ العجز قيّده ... والعجز عن درك الإدراك درّاك وقال: وهو ما اشتهر عنه، وأنشدها بعض المشارقة في رحلته في غرض اقتضى ذلك، يقتضي ذكره طولا: [البسيط] يا من أنامله كالمزن هامية ... وجود كفّيه أجرى من يجاريها

стр. 228

بحقّ من خلق الإنسان من علق ... انظر إلى رقعتي وافهم معانيها أني فقير ومسكين بلا سبب ... سوى حروف من القرآن أتلوها سفينة الفقر في بحر الرّجا غرقت ... فامنن عليها بريح منك يجريها لا يعرف الشوق إلّا من يكابده ... ولا الصّبابة إلّا من يعانيها وقال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك، وقد ذكره: على الجملة فبه ختم جلّة أهل هذا الشأن بصقع الأندلس، نفعه الله ونفع به. مولده: ولد بجيّان سنة اثنتين وستين وخمسمائة أو ثلاث وستين. إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر التّسوليّ «١» من أهل تازيّ، يكنى أبا سالم، ويعرف بابن أبي يحيى. حاله: من أهل «الكتاب المؤتمن» «٢» : كان «٣» هذا الرجل قيّما على «التّهذيب» ، و «رسالة ابن أبي زيد» ، حسن الإقراء لهما؛ وله عليهما تقييدان نبيلان، قيّدهما أيام قراءته إياهما على أبي الحسن الصّغير، حضرت مجالسه بمدرسة عدوة الأندلس من فاس، ولم أر في متصدّري بلده أحسن تدريبا «٤» منه. كان فصيح اللسان، سهل الألفاظ، موفيا حقوقها، وذلك لمشاركته الحضر فيما في أيديهم «٥» من الأدوات؛ وكان مجلسه وقفا على «التهذيب» و «الرسالة» ؛ وكان مع ذلك شيخا «٦» فاضلا، حسن اللقاء، على خلق بائنة من «٧» أخلاق أهل مصره. امتحن بصحبة السلطان، فصار يستعمله في الرسائل، فمرّ في ذلك حظّ كبير من عمره ضائعا، لا في راحة دنيا، ولا في نصيب «٨» آخرة. ثم قال: هذه «٩» سنّة الله فيمن خدم الملوك، ملتفتا إلى ما يعطونه، لا إلى ما يأخذون من عمره وراحته، أن يبوؤا «١٠» بالصّفقة الخاسرة، لطف الله بمن ابتلي بذلك، وخلّصنا خلاصا جميلا.

стр. 229

ومن كتاب «عائد الصلة» «١» : الشيخ، الحافظ، الفقيه، القاضي، من صدور المغرب، مشاركا «٢» في العلم، متبحّرا «٣» في الفقه، كان وجيها عند الملوك، صحبهم، وحضر مجالسهم، واستعمل في السفارة، فلقيناه بغرناطة، وأخذنا بها عنه؛ تامّ السّراوة «٤» ، حسن العهد، مليح المجالس، أنيق المحاضرة، كريم الطبع، صحيح المذهب. تصانيفه: قيّد «٥» على «المدوّنة» بمجلس شيخه القاضي «٦» أبي الحسن كتابا مفيدا وضمّ أجوبته على المسائل في سفر، وشرح كتاب «الرسالة» شرحا عظيم الفائدة. مشيخته: لازم «٧» أبا الحسن الصغير، وهو كان قارىء كتب الفقه عليه، وجلّ انتفاعه في التفقّه به. وروى عن أبي زكريا بن أبي ياسين «٨» ، قرأ عليه كتاب «الموطّأ» ، إلّا كتاب «المكاتب» ، وكتاب «المدبّر» ، فإنه سمعه بقراءة الغير، وعن أبي عبد الله بن رشيد، قرأ عليه «الموطأ» ، و «شفاء» عياض، وعن أبي الحسن بن عبد الجليل السّداري «٩» ، قرأ عليه «الأحكام الصغرى» لعبد الحق، وأبي الحسن بن سليمان، قرأ عليه «رسالة ابن أبي زيد» ، وعن غيرهم. وفاته: فلج بآخرة، فالتزم منزله بفاس يزوره السلطان فمن «١٠» دونه، وتوفي بعد عام ثمانية وأربعين وسبعمائة «١١» . إبراهيم بن محمد بن علي بن محمد ابن أبي العاصي التّنوخي «١٢» أصله من جزيرة طريف، ونشأ بغرناطة واشتهر.

стр. 230

حاله: من «عائد الصلة» : كان نسيج وحده حياء، وصدقة، وتخلّقا، ومشاركة، وإيثارا. رحل عند استيلاء العدو على جزيرة طريف، عام أحد وسبعين وستمائة، متحوّلا إلى مدينة سبتة، فقرأ بها واستفاد. وورد الأندلس، فاستوطن مدينة غرناطة، وكتب في الجملة عن سلطانها، وترقى معارج الرّتب، حالّا محالا، من غير اختلاف على فضله، ولا نزاع في استحقاقه، وأقرأ فنونا من العلم، بعد مهلك أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزبير، بإشارة منه به؛ وولّي الخطابة والإمامة بجامعها منتصف صفر عام ستة عشر وسبعمائة، وجمع بين القراءة والتدريس، فكان مقرئا للقرآن، مبرّزا في تجويده، مدرّسا للعربية والفقه، آخذا في الأدب، متكلّما في التفسير، ظريف الخط، ثبتا محققا لما ينقله. وألقى الله عليه من المحبة والقبول، وتعظيم الخلق له، ما لا عهد بمثله لأحد؛ بلغ من ذلك مبلغا عظيما، حتى كان أحبّ إلى الجمهور من أوصل أهلهم وآبائهم، يتزاحمون عليه في طريقه، يتمسّحون به، ويسعون بين يديه، ومن خلفه، ويتزاحم مساكينهم على بابه، قد عوّدهم طلاقة وجهه، ومواساته لهم بقوته، يفرّقه عليهم متى وجدوه، وربما أعجلوه قبل استواء خبزه، فيفرّقه عليهم عجينا، له في ذلك أخبار غريبة. وكان صادعا بالحق، غيورا على الدين، مخالفا لأهل البدع، ملازما للسّنّة، كثير الخشوع والتخلّق على علوّ الهمّة، مبذول المشاركة للناس والجدّ في حاجاتهم، مبتليا «١» بوسواس في وضوئه، يتحمل الناس من أجله مضضا في تأخير الصلوات ومضايقة أوقاتها. مشيخته: قرأ ببلده على الخطيب القاضي المقرئ أبي الحسن عبيد الله بن عبد العزيز القرشي، المعروف بابن القارئ، من أهل إشبيلية، وقرأ بسبتة على الأستاذ إمام المقرئين لكتاب الله، أبي القاسم محمد بن عبد الرحمن بن الطيّب بن زرقون القيسي الضرير، نزيل سبتة، والأستاذ أبي إسحاق الغافقي المريوني، وقرأ على الشيخ الوزير أبي الحكم بن منظور القيسي الإشبيلي، وعلى الشيخ الراوية الحاج أبي عبد الله محمد بن الكتامي التلمساني بن الخضّار، وقرأ بغرناطة على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وأخذ عن أبي الحسن بن مستقور. شعره: كان يقرض شعرا وسطا، قريبا من الانحطاط. قال شيخنا أبو بكر بن الحكيم «٢» في كتابه المسمّى ب «الفوائد المنتخبة، والموارد المستعذبة» : كتب إليه

стр. 231

شيخنا وبركتنا أبو جعفر بن الزيّات في شأن شخص من أهل البيت النبوي بما نصّه: [الخفيف] رجل يدّعي القرابة للبي ... ت وإنّ الثريّا منه بمعزل سال «١» مني خطابكم وهو هذا ... ولكم في القلوب أرفع منزل فهبوه دعاءكم وامنحوني ... منه حظّا ينمي الثواب ويجزل وعليكم تحيّة الله مادا ... م أمير الهدى يولّي ويعزل فأجابه: [الخفيف] يا إمامي ومن به قطركم ذا ... ك وحادي البلاد أطيب منزل لم أضع ما نظمتم من يدي حتى ... أنيل الشّريف تحفة منزل وحباه بكلّ منح جزيل ... من غدا يمنح الثّواب ويجزل دمتم تنشرون علما ثواب الله فيه لكم أعزّ وأجزل تذكرون الله ذكرا كثيرا ... وعليكم سكينة الله تنزل وطلبتم منّي الدّعاء وإنّي ... عند نفسي من الشروط بمعزل لكن ادعو ولتدع لي برضا الله وأبدى فهم ذكر قد أنزل وحديث الرسول صلّى عليه ... كل وقت وربّ لنا الغيث ينزل وعليكم تحيّتي كل حين ... ما اطمأنّت بمكة أمّ معزل قال: ومما أنشدني من نظمه أيضا في معرض الوصيّة للطلبة «٢» : [الكامل] اعمل بعلمك تؤت علما إنما ... عدوى علوم المرء منح الأقوم «٣» وإذا الفتى قد نال علما ثم لم ... يعمل به فكأنما «٤» لم يعلم

стр. 232

وقال موطئا على البيت الأخير «١» : [المتقارب] أمولاي أنت الغفور الكريم ... لبذل النّوال مع المعذره «٢» عليّ ذنوب وتصحيفها ... ومن عندك الجود والمغفره إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن محمد ابن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر بن قيس الأنصاري الخزرجي «٣» أمير المؤمنين «٤» بالأندلس، ﵀. أوّليّته: تقرّر عند ذكر الملوك من قومه في اسم صنو جدّه، أمير المسلمين أبي عبد الله الغالب بالله. حاله: من كتاب «طرفة العصر في تاريخ دولة بني نصر» من تصنيفنا «٥» : «كان، ﵀، حسن «٦» الخلق، جميل «٧» الرّواء، رجل جدّ، سليم الصدر، كثير الحياء، صحيح العقل «٨» ، ثبتا في المواقف، عفيف الإزار، ناشئا في حجر الطهارة، بعيدا عن «٩» الصّبوة، بريئا من المعاقرة. نشأ مشتغلا بشأنه، متبنّكا «١٠» نعمة أبيه، مختصّا بإيثار السلطان جدّه أبي أمّه، وابن عمّ والده، منقطعا إلى الصّيد، مصروف «١١» اللّذّة إلى استجادة سلاحه، وانتقاء مراكبه، واستفراه جوارحه، إلى أن أفضى إليه الأمر، وساعدته الأيام، وخدمه الجدّ، وتنقّل «١٢» إلى بيته الملك به، وثوى في عقبه الذّكر، فبذل العدل في رعيّته، واقتصد في جبايته، واجتهد في مدافعة

стр. 233

عدو الله «١» ، وسدّ ثلم ثغوره «٢» ، فكان غرّة في قومه، ودرّة في بيته، وحسنة من حسنات دهره. وسيرد نبذ من أحواله، مما يدلّ على فضل جلاله» . صفته: كان معتدل القدّ، وسيم الصورة، عبل اليدين، أبيض اللون، كثير اللحية، بين السواد والصهوبة «٣» أنجل أعين أفوه مليح العين، أقنى الأنف، جهير الصوت؛ أمه الحرّة الجليلة، العريقة في الملوك، فاطمة بنت أمير المؤمنين أبي عبد الله نخبة الملك، وواسطة العقد، وفخر الحرم، البعيدة الشّأو في العزّ والحرمة، وصلة الرّعي، وذكر التراث. واتصلت حياتها، ملتمسة الرأي، برنامجا للفوائد، تاريخا للأنساب، إلى أن توفيت في عهد حفيدها السلطان أبي الحجّاح، رحمها الله، وقد أنفت على تسعين من السنين، فكان الحفل في جنازتها، موازيا لمنصبها، ومتروكها، المفضي إليه خطيره، وقلت في رثائها: [الطويل] نبيت على علم بغائلة الدهر ... ونعلم أنّ الخلق في قبضة الدّهر ونركن للدنيا اغترارا بقهرها ... وحسبك من يرجو الوفاء من الغدر ونمطل بالعزم الزّمان سفاهة ... فيوم إلى يوم، وشهر إلى شهر وتغري بها نفسي المطامع والهوى ... ونرفض ما يبقى ضيعة العمر هو الدهر لا يبقى على حدثانه ... جديد ولا ينفكّ من حادث نكر وبين الخطوب الطارقات تفاضل ... كفضل من اغتالته في رفعة القدر ألم تر أنّ المجد أقوت ربوعه ... وصوّح من أدواحه كل مخضرّ ولاحت على وجه العلاء كآبة ... فقطّب من بعد الطلاقة والبشر وثبتّ اسمها في الوفيات من الكتاب المذكور بما نصّه: «السلطانة الحرّة، الطاهرة، فاطمة بنت أمير المسلمين أبي عبد الله ابن أمير المسلمين الغالب بالله، بقيّة نساء الملوك، الحافظة لنظام الإمارة، رعيا للمتات «٤» ، وصلة للحرمة، وإسداء للمعروف، وسترا للبيوتات، واقتداء بسلفها الصالح، في نزاهة النفس، وعلوّ الهمّة، ومتانة الدين، وكشف الحجاب، ونفاذ العزم، واستشعار الصبر. توفّيت في كفالة حفيدها أمير المسلمين أبي الحجاج، مواصلا برّها، ملتمسا دعاءها،

стр. 234

مستفيدا تجربتها وتاريخها، مباشرا مواراتها بمقبرة الجنان، داخل الحمراء، سحر يوم الأحد السابع لذي حجة، من عام تسعة وأربعين وسبعمائة» . أولاده: تخلّف «١» من الولد أربعة؛ أكبرهم محمد، وليّ الأمر «٢» من بعده، وفرج شقيقه التالي له بالسنّ، المنصرف عن الأندلس بعد مهلك أخيه المذكور، المتقلب في الإيالات، الهالك أخيرا في سجن قصبة ألمرية عام أحد وخمسين وسبعمائة، مظنونا به الاغتيال، ثم أخوه أمير المسلمين أبو الحجاج، تغمّده الله برحمته، أقعد القوم في الملك، وأبعدهم أمدا في السعادة، ثم إسماعيل أصغرهم سنّا، المبتلي في زمان «٣» الشبيبة في الثّقاف «٤» المخيف مدة أخية، المستقرّ الآن موادعا مرفودا، بقصر المستخلص من ظاهر شالوبانية، وبنتين ثنتين من حظيّته علوة، عقد عليهما أخوهما أبو الحجاج، لرجلين من قرابته. وزراؤه: وزر «٥» له أول أمره القائد البهمة «٦» أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح الفهري، وبيت هؤلاء القوّاد شهير، ومكانتهم من الملوك النصريين مكينة. أشرك معه في الوزارة الفقيه الوزير أبا الحسن علي بن مسعود بن علي بن مسعود المحاربي، من أعيان الحضرة، وذوي النباهة، فجاذب رفيقه حبل الخطّة، ونازعه لباس الحظوة، حتى ذهب باسمها ومسمّاها. وهلك القائد أبو عبد الله بن أبي الفتح، فخلص له شربها، وسيأتي التعريف بكل على انفراد. كتابه: كتب «٧» عنه لأول أمره بمالقة، ثم بطريقه إلى غرناطة، وأياما يسيرة بها، الفقيه الكاتب أبو جعفر بن صفوان المتقدّم ذكره. ثم ألقى المقادة إلى كاتب الدولة قبل، شيخنا أبي الحسن بن الجيّاب فاصل الخطّة، وباري القوس، واقتصر عليه إلى آخر أيامه. قضاته: استقضى «٨» أخا وزيره، الشيخ الفقيه أبا بكر بن يحيى بن مسعود بن علي، رجل الجزالة، وفيصل الحكم، فاشتدّ في إقامة الحكم «٩» ، وغلظ بالشرع، واستعان بالجاه، فخيفت «١٠» سطوته، واستمرّ قاضيا إلى آخر أيامه.

стр. 235

رئيس جنده الغربي: الشيخ «١» البهمة «٢» ، لباب قومه، وكبير بيته، أبو سعيد عثمان بن أبي العلاء «٣» إدريس بن عبد الله «٤» بن عبد الحق، مشاركا له في النعمة، ضاربا بسهم في المنحة، كثير التجنّي والدّالّة، إلى أن هلك المخلوع، وخلا الجوّ، فكان منه بعض الإقصار. الملوك على عهده: وأولا «٥» بعدوة المغرب: كان على عهده من ملوك المغرب السلطان الشهير، جواد الملوك، الرّحب الجناب، الكثير الأمل، خدن العافية، ومحالف الترفية، مفحم «٦» النّعيم، السعيد على خاصته وعامته، أبو سعيد عثمان بن السلطان الكبير، المجاهد، المرابط، أبي يوسف» بن عبد الحق. وجرت بينه «٨» وبينه المراسلات، واتصلت أيامه بالمغرب بعد مهلكه وصدرا من أيام ولده أبي عبد الله حسبما مرّ «٩» عند ذكره. وبمدينة تلمسان، وطن القبلة، الأمير أبو حمّو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيّان. ثم توفي قتيلا «١٠» على عهده بأمر ولده المذكور، واستغرقت أيام ولده المذكور الوالي بعده، إلى أن هلك في صدر أيام أبي الحجاج؛ وجرت بينه وبين الأمير مراسلات وهدايات. وبمدينة تونس، الشيخ المتلقّب بأمير المؤمنين أبو يحيى زكريا بن أبي حفص المدعو باللّحياني، المتوثّب بها على الأمير أبي البقاء خالد بن أبي زكريا بن أبي حفص، وهو كبير، إلّا أن أبا حفص أكبر سنّا وقدرا، وقد تملّك تونس تاسع جمادى الآخرة من عام ظهر له اضطراب من بها، أحد عشر وسبعمائة، وتمّ له الأمر. واعتقل أبا البقاء بعد خلعه، ثم اغتاله في شوّال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، ثم رحل عن تونس لما ظهر له من اضطراب أمره بها، وتوجّه إلى طرابلس «١١» في وسط عام خمسة عشر «١٢» ، واستناب صهره الشيخ أبا عبد الله بن أبي

стр. 236

عمر «١» ، ولم يعد بعد إليها. ثم اضطرب أمر إفريقية، وتنوّبه «٢» عدة من الملوك الحفصيين، منهم الأمير أبو عبد الله بن أبي عمر «٣» المذكور، وأبو عبد الله بن «٤» اللّحياني، والسلطان أبو بكر بن الأمير أبي زكريا بن الأمير أبي إسحاق، لبنة تمامهم، وآخر رجالهم، واستمرّت أيامه إلى أيام ولده الأمير بالأندلس ومعظم أيام ولديه، رحم الله الجميع. ومن ملوك الروم بقشتاله؛ كان على عهده مقرونا بالعهد القريب من ولايته، الطاغية هرانده بن شانجة بن ألهنشة «٥» بن هراندة المجتمع له ملك قشتالة وليون «٦» ، وهو المتغلّب على إشبيلية، وقرطبة، ومرسية، وجيّان؛ ابن الهنشة «٧» الذي جرت له وعليه هزيمة الأرك «٨» والعقاب «٩» ، ابن شانجه بن الهنشة المسمّى إنبرذور، وهو الذي أفرد صهره وزوج بنته بملك برتقال، إلى أجداد، يخرجنا تقصّي ذكرهم عن الغرض. ومن ملوك رغون «١٠» من شرق الأندلس، الطّاغية جايمش بن بطره بن جايمش الذي تغلب على بلنسية، ابن بطره بن الهنشة «١١» ، إلى أجداد عدة كذلك. ثم هلك في أخريات أيامه، فولّي ملك أرغون «١٢» بعده ألهنشة «١٣» بن جايمش إلى أخريات «١٤» أيامه. وببرتقال ألهنشة «١٥» بن يومس «١٦» بن ألهنشة «١٧» بن شانجة بن ألهنشة «١٨» بن شانجة بن ألهونشة «١٩» ، وتسمّى «٢٠» أولا دوقا. ذكر تصيّر الأمر إليه: لما ولي «٢١» الأمر بالأندلس، حرسها الله، السلطان أبو الجيوش نصر بن السلطان أبي عبد الله محمد بن السلطان الغالب بالله أبي عبد الله بن

стр. 237

نصر، يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة، بالهجوم على أخيه أبي عبد الله الزّمن المقعد، الآمن في ركن بيته، واغتيال ابن الحكيم وزيره ببابه، والإشادة بخلعه حسبما يأتي في موضعه، استقرّ الأمر على ضعف أخيه، وسارع دخلته، فساءت السّيرة لمنافسة الخاصّة، وكان الرئيس الكبير عميد القرابة، وعلم الدولة أبو سعيد فرج، ابن عمّ السلطان المخلوع، وأخيه الوالي بعده، راسخا قدمه وعرفه، بمثوبة الوارث، ولنظره عن أبيه المسوّغ عن جدّه مالقة وما إليها، ولنظره مدينة سبتة، المضافة إلى إيالة المخلوع عن عهد قريب، قد أفرد بها ولده المترجم به، وجميعهم تحت طاعته، وفي زمان انقياد سوغ مديد الدولة، بل مدّ سروها لما شاء من احتوائهم في حبل هذا الدايل، يتعقبون على الرئيس الكبير أمورا تثرّ مخيمة الصدور، وتستدعي فرض الطاعة، وتحتوي على مظنّات مخلة، واحترسوا صافيات منافعه، وأوعزوا إلى ولاة الأعمال بالتضييق على رجاله، وصرفوا سننه عن نظره. ولمّا بادر إلى الحضرة لإعطاء صفقة البيعة وتهنئة السلطان نصر عن روحه وابن عمّه، على عادته، داخله بعض أرباب الأمر، محذّرا، ومشيرا بالامتناع ببلده، والدّعاء لنفسه، ووعده بما وسعه، فاستعجل الانصراف إلى بلده، ولم تمرّ إلّا برهة، واشتعلت نار الفتنة، وهاجت مراجل الحفيظة، فتلاحق به ولده، وأظهر الانفراد والاستعداد في سابع عشر رمضان من هذا العام. وأقام ولده إسماعيل، برسم الملك والسلطان، ورتّب له ألقاب الملك، ودوّن ديوان الملك بحسبه، ونازل حضرة أنتقيرة، وناصبها القتال، فتملّكها؛ ودخلت مربلّة في طاعته، وتحرّك إلى بلّش فنازلها، ونصب عليها المجانيق فدانت، فضخمت الدعوة، ومكنت الجباية، والتفّ إليه من مساعير الحروب ومن أجاب. وتحرّك إلى غرناطة في أول شهر محرم، عام اثني عشر وسبعمائة، ونزل بقرية العطشا من مرجها. وبرز السلطان نصر في جيش خشن «١» ، مستجاد العدّة، وافر الرّجل «٢» ، فكان اللقاء ثالث عشر الشهر، فأظهر الله أقلّ الفئتين «٣» ، وانجرّت على الجيش الغرناطي الهزيمة، وكبا بالسلطان نصر فرسه في مجرى سقي لبعض الفدن، فنجا بعد لأي ودخل البلد مفلولا، وانصرف الجيش المالقي ظاهرا إلى بلده. وطال بالرئيس وولده الأمر وضرّستها الفتنة، وعظم احتياجه إلى المال، وكادت تفضحه المطاولة، وزاحمه الملك بمكلف ضخم، فاقتضى ذلك إذعانه إلى الصلح، وإصغاره المهادنة، على سبيله من المقام ببلده، مسلّما للسلطان في جبايته، جارية وطائفة في رئاسته، وأرزاق جنده، فتمّ ذلك في ربيع الأول من العام المذكور. ثم لقحت فتنة في العام

стр. 238

بعده، فعادت جذعة، وكانت ثورة الأشياخ في غرناطة في رمضان من العام المذكور هاتفين بخلعان السلطان، وطاعة مخلوعهم، وطالبين منه إسلام وزيره خدن الروم، المتهم على الإسلام أبي عبد الله «١» بن الحاجّ. ثم لحق زعماؤهم بمالقة عند اختلال ما أبرموه، فكانت الحركة الثانية لغرناطة بعد أمور اختصرتها، من استبداد السلطان أبي الوليد بأمره «٢» ، والانحطاط في القبض على أبيه، إلى هوى جنده، والتصميم في طلب حقّه، فاتصل سيره، واحتلّ بلوشة سرار شوال فتملّكها. ورحل قافلا إلى وطنه، طريد كلب الشتاء، وافر الخزانة، واقتضى الرأي الفائل ممّن له النظر الجاش من زعيم شيوخ جندها، اتّهاما له بالطاغية، فسجنه. ثم بدا له في أمره، ثم سرّحه بعد استدعاء يمينه، فوغرت صدور حاشيته، وتبعهم من كان على مثل رأيهم، وهو شوكة حادّة، فصرفوا الوجوه إلى السلطان المقبل الحظ، المحبوب إليه هوى الملك، بما راعه، ثانيا من عنانه بأحواز أرجدونة، إلّا تثويب داعيهم، فكرّ إلى المدينة وبرز إليه جيشها، ملتفّا على عبد الحق بن عثمان، فأبلى» ، وصدق الحملة، فكادت تكون الدائرة؛ فلولا ثبوت السلطان لما استقبلت بأسفلهم الحملة، فولّوا منهزمين، وتبعهم إلى سور المدينة، وقد خفت اللّفيف والغوغاء النّاعقون «٤» بالخلعان، الشّرهون إلى تبديل الدّعوات، وإلى «٥» تسنّم المآذن والمنارات «٦» والرّبا. وبرز أهل ربض البيّازين، الهافّون إلى مثل هذه البوارق، إلى شرف ربوتهم «٧» ، كلّ يشير مستدعيا إعلانا بسوء الجوار، وملل الإيالات، والانحطاط، وبعد التلوّن والتقلّب، وسآمة العافية؛ شنشنة معروفة في الخلق مألوفة. وبودر غلق باب إلبيرة، ففضّ «٨» قفله، ودخلت المدينة، وجاء «٩» السلطان إلى معقل الحمراء بأهله وذخيرته وخاصّته، وبرز السلطان أبو الوليد بالقصبة القدمى تجاهها، بالدار الكبرى المنسوبة لابن المول، ينفذ الصكوك، ويذيع العفو، ويؤلف الشّارد، وضعفت بصائر المحصورين، وفشلوا على وجود الطعمة، ووفور المال، وتمكّن المنعة، فالتمسوا لهم ولسلطانهم عهدا نزلوا به، منتقلين إلى مدينة وادي آش، في سبيل العوض بمال معروف، وذخيرة موصوفة؛ وتمّ ذلك، وخرج السلطان ﵀ مخلوعا، ساء به القرار، جانيا على ملكه الأخابيث والأغمار، ليلة الثامن والعشرين من شوّال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، واستقرّ بها

стр. 239

موادعا مرة، ومحاربا أخرى، إلى أن هلك حسبما يأتي ذكره. وخلا للسلطان «١» الجوّ، وصرفت «٢» إليه المقادة، وأطاعه القاصي والدّاني، ولم يختلف عليه اثنان، والبقاء الخلص لله وحده. مناقبه: اشتدّ «٣» ، ﵀، على أهل البدع، وقصر الخوض على ما تضطر إليه الملّة. ولقد تذوكر بين يديه أهل البيت، فبذل في فدية بعضهم ما يعزّ بذله، ونقل منهم بعضا من حرف خبيثة، فزعموا أنه رأى رسول الله، ﷺ ، في النوم، فشكر «٤» له ذلك. واشتدّ في إقامة الحدود، وإراقة المسكرات، وحظر تجلّي القينات للرجال في الولائم، وقصر طربهنّ على أجناسهنّ من الناس، وأخذ يهود الذمّة بالتزام سمة تشهرهم، وشارة تميّزهم، وليوفّى «٥» حقّهم من المعاملة التي أمر بها الشّارع في الخطاب والطّرق «٦» ، وهي شواشي صفر. ولقد حدّث من يخفّ حديثه، من الشيوخ أولي المجانة والدّعابة، قال: كنّا عاكفين على راح، وبرأسي شاشيّة ملف حمراء، فحاول أصحابي إنامتي، حتى أمكن ذلك، وبادروا إلى رقاع من ثوب أصفر، فصنعوا منها شاشية، ووضعوها في رأسي، مكان شاشيتي، وأيقظوني، فقمت لشأني، وقد هيّئوا ثمنا لشراء بقل وفاكهة، وجهّزوني لشرائه، فخرجت حتى أتيت دكان السوق، فساومته، فلمّا نظر إليّ قال لصاحبه: جزى الله هذا السلطان خيرا، والله لقد كنت أبادر هذا اللّعين بالسلام عند لقائه، أظنّه مسلما، وبصق عليّ؛ فهممت أن أوقع به، ثم فطنت للحلية، فانتزعتها، وبادرت فأوسعتهم ذمّا، وعظم خجلي، وسبقني إليهم عين لهم عليّ، فكاد الضحك يهلكهم عند دخولي. ومناقبه كثيرة. جهاده وبعض الأحداث في مدته: والتأثت «٧» الأمور، لأول مدته، فجرت على جيشه بمظاهرة جيش المخلوع لجيش الرّوم، الهزيمة الشنيعة، بوادي فرتونة؛ أوقع بهم الطاغية بطره، كافل ملك الروم، المملك صغيرا على عهد أبيه، وعمّه الذّابّ عنه، ففشا في الأعلام القتل، وذلك في صفر من عام ستة عشر وسبعمائة، وظهر العدوّ بعدها فغلب على حصن شتمانس «٨» وحصن بجيج «٩» ، وحصن طشكر،

стр. 240

وثغر «١» روط. ثم صرفت المطامع عزمه إلى الحضرة، فقصد مرجها، وكفّ الله عاديته، وقمعه، ونصر الإسلام عليه، ودالت للدين عليه الهزيمة العظمى بالمرج من ظاهر غرناطة على بريد منها، واستولى على محلّته «٢» النّهب، وعلى فرسانه ورجاله القتل، وعظم الفتح، وبهر الصنع وطار الذكر، وثاب السّعد. وكانت الوقيعة سادس جمادى الأولى من عام تسعة عشر وسبعمائة، وفي ذلك يقول كاتبه شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب: الحمد حقّ الحمد للرحمن ... كافي العدو وناصر الإيمان ومكيّف الصنع الكريم ودافع ال ... خطب العظيم وواهب الإحسان في كل أمر للمهيمن حكمة ... أعيت على الأفكار والأذهان واستقرّ ملكهم القتيل بأيدي المسلمين بعد فرارهم، فجعل في تابوت خشب، ونصب بالسور المنازل من الحمراء يسار الداخل بباب يعقوب من أبوابها، إذاعة للشّهرة، وتثبّتا لتخليد الفخر. ومن الغريب أنني في هذه الأيام بعد خمسين سنة تماما «٣» ، تفقدت ذلك المكان في بعض ما أباشره، أيام نيابتي عن السلطان بدار ملكه على عادتي، فألفيته قد علا عليه كوم من الحجارة، رجم الصبيان إياه، فظهر لي تجديد الإشادة به، والاستفتاح بوقوع مثله، ولمّا كشف عن الرّمة لتنقل إلى وعاء ثان، ألفي بعظم القطن «٤» العريض منها سنان مرهب ثبت في العظم، انتزع منه، وقد غالبتني الرقّة والإجهاش، وقلت اللهمّ ادّخر رضوانك لمن أودع في هذه الرّمّة الطاغية، سنان جهادك إلى اليوم، وأثبه وارفع درجته، إنك أهل لذلك. رجع «٥» : واستقامت الأيام، وهلك المخلوع، فصفا الجو، واتّحدت الكلمة، وأمكن الجهاد، فتحرّك في شهر «٦» رجب من عام أربعة وعشرين وسبعمائة، وأعمل القصد «٧» إلى بلاد العدو، ونازل حصن إشكر «٨» ، الشّجى المعترض «٩» في حلق

стр. 241

بسطة، فأخذ بمخنّقه «١» ، ونشر الحرب عليه «٢» ، ورمى بالآلة العظمى المتخذة بالنفط كرة حديد محماة طاق «٣» البرج المنيع من معقله، فاندفعت يتطاير شررها، واستقرّت بين محصوريه، فعاثت عياث الصواعق السموية، فألقى الله الرعب في قلوبهم، وأتوا بأيديهم، ونزلوا قسرا على حكمه في الرابع والعشرين من الشهر، وأقام بظاهره، فصيّره دار جهاد، وعمل في خندقه بيده، وانصرف، فكانت غزاة جمّة البركة عظمت بها على الشرق الجدوى، وأنشد الشعراء في هذه الوجهة قصائد أشادت بفضلها، وشهرت من ذكرها، فمن ذلك عن كاتب سرّه «٤» قوله «٥» : [الكامل] أمّا مداك فغاية لم تلحق «٦» ... أعيت على غرّ الجياد السّبق «٧» ورفع إليه شيخنا الحكيم أبو زكريا بن هذيل، قصيدة أولها «٨» : [الطويل] بحيث القباب «٩» الحمر والأسد الورد ... كتائب سكان السماء لها جند أنشدني منها في وصف النفط قوله: وظنّوا بأنّ الصّعق «١٠» والرّعد في السما ... فحاق بهم من دونها الصّعق والرّعد غرائب أشكال سما هرمس بها ... مهنّدة «١١» تأتي الجبال فتنهدّ ألا إنها الدنيا تريك عجائبا ... وما في القوى منها فلا بدّ أن يبدو وفي «١٢» العاشر لشهر رجب من عام خمسة وعشرين وسبعمائة، تحرّك للغزو «١٣» بعد أخذ الأهبة والاستكثار والاجتهاد للمطوعة، وقصد مدينة مرتش العظيمة الساحة، الطيبة البقعة، فأضرب بها المحلّات وكان القصد «١٤» إجمام الناس، فصوّب «١٥» الحشود ووجّهها إلى ما بها من بحر «١٦» الكروم والملتفّات، وأدواح

стр. 242

الأشجار، فأمعنوا في إفسادها، وبرز حاميتها، فناشبت الناس القتال، فحميت النفوس، وأريد منع الناس، فأعيا أمرهم وسال منهم البحر، فتعلّقوا بالأسوار، وقيل للسلطان: بادر بالركوب، فقد دخل الرّبض «١» ، فركب ووقف بإزائها، فدخل البلد «٢» عنوة، واعتصم أهله بالقصبة، فدخلت أيضا القصبة عنوة، وانطلقت أيدي الغوغاء على من بها من ذكر وأنثى كبيرا أو صغيرا «٣» ، فساءت القتلة، وقبحت الأحدوثة، ورفعت من الغد آكام من الجثث صعد ذراها المؤذّنون، وقفل إلى غرناطة بنصر لا كفاء «٤» له، فكان «٥» دخوله من هذه الغزاة في الرابع والعشرين لرجب المذكور. وفاته: ولما «٦» فصل من مرتش نقم على أحد الرؤساء من قرابته، وهر ابن عمّه محمد بن إسماعيل، المعروف بصاحب الجزيرة، أمرا تقرّعه عليه، وبالغ في الإهمال له «٧» ، وتوعّده بما أثار حفيظته، فأقدم عليه بالفتكة الشّنعاء التي ارتكبها منه بباب قصره، بين عبيده وأرباب دولته «٨» ، آمن ما كان سربا، وأعزّ سلطانا «٩» وجندا؛ وذلك يوم الاثنين ثالث يوم من دخوله من مرتش، بعد أن عاهد في الأمر جملة من القرابة والخدّام، فوثب به، وهو مجتاز بين السّماطين من ناسه إلى مجلس «١٠» كان يجلس فيه للناس، فاعتنقه وانتضى «١١» خنجرا كان ملصقا في ذراعه، فأصابه بجراحات ثلاث؛ إحداهنّ في عنقه، بأعلى ترقوته، فخرّ صريعا. وصاح بكر وزيره، فعمّته سيوف الحاضرين من أصحاب الفاتك، ووقعت الرّجّة، وسلّت السيوف، وتشاغل كلّ بمن يليه، واستخلص السلطان من يديه، وحيل بينه وبينه؛ وحين تشاغل القوم بالوزير، رفع السلطان وظنّ أنه قد أفلت جريحا، فوقع البهت، وبادروا الفرار، فسدّت المذاهب، فقتلوا حيث وجدوا. وأخذت الظّنّة قوما من أبريائهم، فامتحنوا «١٢» ، ونهب «١٣» الغوغاء دورهم، وعلّقت بالجدران أشلاؤهم، وكان يوما عصيبا، وموقفا صعبا، واحتمل السلطان إلى بعض دور قصره، وبه صبابة روح، أشبه

стр. 243

شيء بالعدم، للزوق العمامة بفوهة شريانه المبتور، ففاض لحينه بنفس زوال العمامة، ﵀. وكان من أخذ البيعة لولده الأمير أبي عبد الله من بعده، ما هو معروف في موضعه. ودفن غلس ليلة «١» الثلاثاء، ثاني يوم وفاته، بروضة الجنة «٢» من قصره، إلى جانب جدّه؛ وتنوهي الاحتفال بقبره نقشا، وتخريما «٣» ، وإحكاما، وحليا، وتمويها، يشقّ «٤» على الوصف، وكتب بإزاء رأسه في لوح الرخام ما نصّه، من كلام شيخنا، بعد سطر الافتتاح: «هذا قبر السلطان الشهيد، فتّاح الأمصار، وناصر ملّة المصطفى المختار، ومحيي سبيل آبائه الأنصار، الإمام العادل، الهمام الباسل، صاحب الحرب والمحراب، الطاهر الأنساب والأثواب، أسعد الملوك دولة، وأمضاهم في ذات الله صولة، سيف الجهاد، ونور البلاد الحسام «٥» المسلول في نصرة الإيمان، والفؤاد المعمور بخشية الرحمن، المجاهد في سبيل الله، المنصور بفضل الله، أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن الهمام الأعلى الطاهر الذات والفخار «٦» ، الكريم المآثر والآثار، كبير الإمامة النّصرية، وعماد الدولة الغالبية، المقدّس، المرحوم أبي سعيد فرج، ابن علم الأعلام، وحامي حمى الإسلام، صنو الإمام الغالب، وظهيره «٧» العليّ المراتب، المقدّس، المرحوم أبي الوليد إسماعيل بن نصر، قدّس الله روحه الطيّب، وأفاض عليها «٨» غيث رحمته الصيّب، ونفعه بالجهاد والشهادة، وحباه «٩» بالحسنى والزيادة، جاهد في سبيل الله حقّ الجهاد، وصنع له في فتح البلاد، وقتل كبار الأعاد «١٠» ، ما يجده مذخورا يوم التناد، إلى أن قضى الله بحضور أجله، فختم عمره بخير عمله، وقبضه إلى ما أعدّ له من كرامته وثوابه، وغبار الجهاد طيّ أثوابه، فاستشهد «١١» ﵀ شهادة أثبتت له في الشّهداء من الملوك قدما، ورفعت له في أعلام السعادة علما.

стр. 244

«ولد ﵁، في الساعة المباركة بين يدي الصبح من يوم الجمعة سابع عشر شوّال «١» عام سبعة وسبعين وستمائة، وبويع يوم الخميس السابع والعشرين لشوّال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، واستشهد في يوم الاثنين السادس والعشرين لشهر رجب «٢» عام خمسة وعشرين وسبعمائة. فسبحان الملك الحق، الباقي بعد فناء الخلق» . وبعده من جهة اللوح الأخير «٣» : [البسيط] تخصّ قبرك يا خير السلاطين ... تحيّة كالصّبا مرّت بدارين قبر به من بني نصر إمام هدى ... عالي المراتب في الدنيا وفي الدين أبو الوليد، وما أدراك من ملك ... مستنصر واثق بالله مأمون سلطان عدل وبأس غالب وندى ... وفضل تقوى وأخلاق ميامين لله ما قد طواه الموت من شرف ... وسرّ مجد بهذا اللحد مدفون ومن لسان بذكر الله منطلق ... ومن فؤاد بحبّ الله مسكون أما الجهاد فقد أحيا معالمه ... وقام منه بمفروض ومسنون فكم فتوح له تزهى «٤» المنابر من ... عجب بهنّ وأوراق الدواوين مجاهد نال من فضل الشهادة ما ... يجبي عليه بأجر غير ممنون قضى كعثمان في الشهر الحرام ضحى ... وفاة مستشهد في الدار مطعون في عارضيه غبار الغزو تمسحه ... في جنّة الخلد أيدي حورها العين يسقى بها عين تسنيم «٥» ، وقاتله ... مردّد بين زقّوم وغسلين تبكي البلاد عليه والعباد معا ... فالخلق ما بين أحزان أفانين لكنه حكم ربّ لا مردّ له ... فأمره الجزم بين الكاف والنون فرحمة الله ربّ العالمين على ... سلطان عدل بهذا القبر مدفون بعض ما رثي به: وعظمت «٦» فيه فجيعة المسلمين لما ثكلوا من جهاده وعزمه، وبلوه من سعده وعزّ «٧» نصره، فكثرت فيه المراثي، وتراهنت «٨» في شجوه القرائح، وبكاه الغادي والرائح. فمن المراثي التي أنشدت على قبره، قول كاتبه شيخنا

стр. 245

أبي الحسن بن الجيّاب «١» : [الطويل] أيا عبرة العين امزجي الدّمع بالدّم ... ويا زفرة الحزن احكمي وتحكّمي ويا قلب ذب وجدا وغمّا ولوعة ... فإنّ الأسى فرض على كل مسلم ويا سلوة الأيّام لا كنت فابعدي ... إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم وصح بأناة الصبر سحقا تأخري ... وقل لشكاة الحزن أهلا تقدّمي ولم لا وشمس الملك والمجد والهدى ... وفتّاح أبواب النّدى والتكرّم ثوى بين أطباق الثرى رهن غربة ... وحيدا وأصمته الليالي بأسهم على ملك الإسلام فاسمح بزفرة ... تساقط درّا بين فذّ وتوأم على علم الأعلام والقمر الذي ... تجلّى بوجه العصر غرّة أدهم على أوحد الأملاك غير منازع ... أصالة أعراق وفضل تقدّم ومن مثل إسماعيل نور لمهتد ... وبشرى لمكروب وعفو لمجرم وما مثل إسماعيل للبأس والندى ... لإصراخ مذعور وإغناء معدم وما مثل إسماعيل للحرب يجتنى ... به الفتح من غرس القنا المتحطّم وما مثل إسماعيل سهم سعادة ... أصاب به الإسلام شاكلة الدم شهيد سعيد صبّحته شهادة ... تبوّأ منها في الخلود التنعم أتت وغبار الغزو طيّ ثيابه ... ظهير أمان من دخان جهنّم فتبّا لدار لا يدوم نعيمها ... فما عرسها إلّا طليعة مأتم ولا أنسها إلا رهين بوحشة ... ولا شهدها إلّا مشوب بعلقم فيا من يرى الدنيا مجاجة نحلة ... ألا فاعتبرها فهي نبتة أرقم فمن شام منها اليوم برق تبسّم ... ففي الغد تلقاه بوجه جهنّم فضاحكها باك وجذلانها شج ... وطالعها هاو ومبصرها عم وسرّاؤها تفنى وضرّاؤها معا ... فكلتاهما طيف الخيال المسلّم سطت بملوك الأرض من بعد آدم ... تبدّد منهم كلّ شمل منظم فكم من قصير قصّرت شأو عمره ... فخرّ صريعا لليدين وللفم وكم كسرت كسرى وفضّت جيوشه ... فلم تحمه منها كتائب رستم ولو أنها ترعى إمام هداية لأعفت ... عليّا من حسام ابن ملجم «٢»

стр. 246

وما قتلت عثمان في جوف داره ... فقدس من مستسلم ومسلّم وما أمكنت فيروز «١» من عمر الرّضى ... فهدّت من الإسلام أرفع معلم إلى آخرها. وتضمن إجمال ما ذكر من ذلك، التاريخ المسمّى ب «قطع السلوك» «٢» المنظوم رجزا من تأليفي بما نصّه: [الرجز] وعندما خيف انتثار السّلك ... ووزر الرّوم وزير الملك تدارك الأمر الإمام الطّاهر ... فعالج الدار طبيب ماهر وهو أبو الوليد إسماعيل ... والشمس لا يفقدها دليل ابن الرئيس الماجد الهمام ... فرد العلا وعلم الأعلام وجدّه صنو الإمام الغالب ... مناقب كالشّهب الثواقب فقاد من مالقة الجنودا ... ونشر الأعلام والبنودا وعاد نصر بمدى حمرائه ... أتى وأمر الله من ورائه فخلع الأمر وألقى باليد ... من بعد عهد موثّق مؤكّد وسار في الليل إلى وادي الأشى ... والملك لله يعزّ من يشا ولم يزل فيها إلى أن ماتا ... وطلّق الدنيا بها بتاتا واتّسق الأمر وقرّ الملك ... وربما جرّ الحياة الهلك ومن الرجز المذكور في وصف جهاده ومقتله: [الرجز] وكان يوم المرج في دولته ... ففرّق الأعداء من صولته وفتح المعاقل المنيعه ... وابتهجت بعدله الشريعه وانتبه الدهر له من نومه ... على يدي طائفة من قومه بكى عليه الحرب والمحراب ... وندبته الضّمّر العرّاب إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر «٣» السلطان الذي احتال على أخيه، المتوثّب على ملكه، يكنى أبا الوليد.

стр. 247

حاله: كان صبيّا كما اجتمع وجهه، بادنا «١» دمث الخلق، ليّن الجانب، شديد البياض، كثيف الحاشية، متصلا بالجفوة، لطول الحجبة، وبعد التمرّن والحنكة، غرّا، فاقدا لحسن الأدب، عريقة ألفاظه في العجمة. تصيّر الأمر إلى أخيه السلطان خيرتهم ولباب بيتهم، يوم قتل أبوهما؛ وله مزية السّنّ والرّجاحة والسكنى بمحل وفاة الأب؛ فأبقى عليه، وأسكنه بعض القصور لصقه، ولم يضايق أمّه فيما استأثرت به من بيت المال، إذ كان إقليده في يدها، وبيضاؤه وصفراؤه في حكمها، ورفّه متبوّأه، واستدعى له ولأخيه المعلم الذي كان السبب في إفاتة إرماقهما، وإعدام حياتهما، الشيخ السّفلة محمد البطروجي البائس، فردّ ذلك السّرب، فاستمرّت أيام احتجابه وانتظاره على قصره، إلى رمضان من عام ستّين وسبعمائة. وحرّك سماسرة الفتنة له ولأمّه جواز الطمع في الملك، ودندنوا لها حتى رقصت على إيقاعهم، وخفّت إلى مواعدهم، وشمّروا إلى خلاص الأمر؛ وأحام الوثبة صهره الرئيس أبو عبد الله، حلف الشؤم زوج أخته، محمد بن إسماعيل، الشهير الكائنة، المذكور في موضعه من حرف الميم، فسيّرت إليه أمّه المال، فبثّه في الدعرة والشرار، حتى تمّ غرضه، واقتحم القلعة من بعض أسوارها عند البالية، وقد هدم منها شيء في سبيل إصلاحه، ليلة الأربعاء الثامن والعشرين لرمضان من عام ستين وسبعمائة؛ والسلطان ليلتئذ غير حالّ بها، فملؤوها لجبا ولغطا وصراخا وهولا وتنويرا، في جملة تناهز المائة؛ وانضاف إليهم أخوان رأيهم من حرّاسها وسكانها؛ فألبس الناس، وسقط في أيديهم. وأهدى الليل فتكتة هائلة، وأدّاها شنيعة، فاقتصر كل على النظر لنفسه، وانقسموا فرقتين؛ قصدت إحداهما دار كبير الدولة، وقيّوم التّفويض، وشيخ رجال الملك رضوان، المستبدّ بإحالة كورتها، الشيخ الذّهول، معزوز القدر، ورائب النّكتة، ومعود الإقالة، وجرّار رسن الأطواد، وطول الإملا، الماشي على خدّ الدنيا، المغضوض البصر عن النّظر، المستهين بكل سبّة وحيّة تسعى، المعوّل على نظره، وقوة سعده وإجابة دعوته، مع كونه نسيج وحده في عفافه وديانته، ورضى الناس به، وسقوط منافستهم من أجله، ومأويهم على مولّ لفظه، وبساط معاملته، وصحة عقده. فعالجوا بابه طويلا وتولّجوا داره، وقتلوه بين أهله وولده. وقصدت الأخرى دار الأمير المترجم به ومعها صهره، فأخرجوه، وأركبوه على فرس، راعد الفرائض، ممتقع اللون، مختلط القول، تحفّ به داياته بين مولولة،

стр. 248

وتافلة ومعوّذة، قد جعلوا به سيفا مصلتا على سبيل اللّواعب بالنّصول والرّواقص، في مدارج اللهو؛ واستخرجت طبول الملك فقرعت، وقيدت الخيل من مرابطها فركبت، وقصدت الخزائن السلاحية ففرقت، وتمّ الأمر، وحلّ من الريب على دار الإمارة القصد، وخرجت الكتب إلى البلاد والقواعد، فالتقت باليد أمهاتها لقطع من بها من أولي الأمانة، بتمام الأمر، وهلاك السلطان، فتمّ له الأمر، وبادر أخوه السلطان لحينه لظهر سابق كان مرتبطا عند مجرّ له من الجنّة لصق القلعة، فاستأجر الليل، ووافق الحزم، فاستقرّ بوادي آش، وكان أملك بها، ونازلته المحلّات، وأخذ بمخنّقه الحصص، واستنصرت لمنازلته الناس، وأعملت الحيل؛ وتأذّن الله بثبوت قدمه، وانتقاله إلى ملك المغرب صبح عيد النحر من العام المذكور؛ إلى أن أعاد الله إليه أمره وردّ عليه حقّه، وتولّى بعد اليأس جبره، حسبما يذكر في موضعه، إن شاء الله. وخلا الجو لهذا الأمير المضعوف، واستولى على أريكة الملك الأغمار وأولو البطالة، وأولياء صهره الرئيس، خاطبها له ابتداء ثم ناقلها إلى نفسه انتهاء، وحاملها إلى غايته درجا، وإلى إعاقته سلّما؛ وهو ما هو من غشّ الحبيب، وسوء العقد، ودخل السريرة، واستيطان المكروه، فأغرى منه بالعهد نفسا مطاوعة للشهوة، متبرّمة بالامتحان والخلوة، بريّة من نور العلم وتهذيب الحكمة، ناشئة بين أخابيث القسوة، جانية أماني الشهوة والمخالفة، مضادّة للفلاح، حايدة عن سبيل النجاة، بمحل اغتراب عن النّصحاء، وانتباذ عن مقاعد الأحرار؛ فجرى طلق الجموح في التخلّف، حتى كبا لفيه ويديه، وأعان نسمة السوء الرئيس على نفسه؛ وقد كان اصطنع الرجال، واستركب أولي البسالة، وأسالف الدّعرة؛ واختصّ في سبيل خدمته والذبّ عنه، بالبؤساء والمساعير، يشركهم في الأكلة، ويصافيهم النعمة. وأظلم ما بينهما، فحذر كلّ جانب أخيه، إلّا أن المهين كا أضعف من أن يستأثر بخطة المعالجة، ويهتدي إلى سبيل الحزم. وفي عشيّ يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر شعبان، شارفه من مكمن غدره الرّحب بجوار قصره، وارتبط به الخيل واستكثر من الحاشية، وأخفى المساعير، وداخل الموروري المشؤوم على الدولة، فبادر رجاله سدّ الأبواب، وانخرط في جملة أوباشه من باب السلطان، من الرّجل لنظر ممالئه في العناء، وعونه على الهول الموروري، فأحاط به، وقد بادر الاعتصام بالمصنع ثاني الصرح المنسوب إلى هامان سموّا ونفالا في السّكاك «١» وسعة ذرع. وبعدما رقي وصرخ بالناس،

стр. 249

يناشدهم الذّمام، فخفّ إليه منهم الكثير، وتراكموا بالطريق تحته، وتولّى استنزاله عن سويّه مملوك أبيه، العلج المخذول عبّاد، وقد تحصّل في قبضته الغادر، فقتل له في الغارب والذّروة، ووعده الحياة، فنزل عن أمان فسحة الغدر الصّراح، والوفاء المستباح. ولحين استهاله، أمر نقله إلى المطبق، فقيد مختبلا كثير الضراعة، إلى الأريّ «١» لصق قصره، وتعاورته السيوف، وألحق به صغيره قيس، استخرج من بعض الخزائن، وقد جهدت أمّه في إخفائه؛ فمضى لسبيله، وطرح رأسه على الرّعاع المجيبين لندائه، فانفضّوا لحينه، وبقي مطروحا موارى بحلس «٢» دابّة من دواب الظهر، إلى يوم بعده، فووري هو وأخوه بمقربة من مدفن أبيهما، فكان من أمرهما عبرة. وقد استوفى ذلك الكتاب المسمى ب «نفاضة الجراب» من تأليفنا. وزراء دولته: قدّم للوزارة عشية «٣» يوم ولايته، محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح الفهري، بطالع الشؤم، ونعبة النحس. عهد بالطبيب الإسرائيلي الحبري العظيم المهارة في الفن النجومي، إبراهيم بن زرزار، يتطاير بتلك الولاية بكون النّحس الأعظم في درجة طالعها، جذوا انفرد بنحز أديمه الجهّالة، المعدودون في البهم والهمج، الذين لا يعبأ الله بهم؛ فكان الخبر وفوق الخبر، فلم ير في الأندلس وزارة أثقل وطأة، ولا أخبث عهدا، ولا أعظم شرها، ولا أكثر حجرا منها. ثم كانت عاقبتهما أنهما في النار خالدان فيها، وذلك جزاء الظالمين من رجل حبركى «٤» ، كمد اللون، تنطف سحنته مرّة وسمّا، غائر العين، مطأطئ الرأس، طرف في الحقد والطمع وعيّ المنطق وجمود الكفّ، معدن من معادن الجهل، مثل في الخيانة؛ تناول الأمر مزاحما فيه بالرئيس المتوثّب، وابن عمّ نفسه، الغادر، الضخم الجرارة، بالوعث المهين، وثور النقل، وثعبان الفواكه، وصاعقة الأخونة «٥» ، ووكيل الدولة المنحطّ عن خلالهم بالأبوّة والنشأة؛ فجرت أمورها أسوأ مجاريها، إلى أن كان ما أذن الله به، من مداخلة الرئيس الغادر، على قتل أميره المسكين المهين، مقلّده أنوه الرّتب، وتاركه وخطة الخيانة؛ ثم أخذه الأخذة الرابية بيد من أمدّه في الغيّ، وظاهره في الخزي؛ فجعله نكالا لما بين يديه وما خلفه، وموعظة للمتّقين، حسبما يأتي في اسمه، بحول الله تعالى.

стр. 250

كاتبه: واستعمل في الكتابة صاحبنا الرجل الأخرق، الطّوال، الأهوج، البريّ من الخلال الحميدة، إلّا ما كان من وسط الخط وسوقيّ السجع، والدرك الأسفل من النظم، عبد الحق «١» بن محمد بن عطية المحاربي، الآتي ذكره «٢» . وهو الذي أفرده الله، ﷻ ؛ بالغاية البعيدة من مجال سوء العهد؛ وقلّة الوفاء. وتولّى القضاء أبو جعفر «٣» أحمد بن أبي القاسم بن جزي أياما، ثم شهّر به قوم من الفقهاء منافسيه، ورشقوه بما أوجب صرفه؛ وقدّم للقضاء الشيخ المسنّ، الطويل السّباحة في بحر الأحكام، المفري الودجين والحلقوم بسكّين القضاء، المنبوز «٤» بالموبقات فيه، تجاوز الله عنه، سلمون بن علي بن سلمون. وشيخ الغزاة على عهده، يحيى بن عمر بن عبد الله بن عبد الحق، شيخ الغزاة لأخيه، أصبح يوم الكائنة في قياده، ونصح له فأمر له؛ وضاعف برّه. الملوك على عهده مولده: في يوم الاثنين الثامن والعشرين لربيع الأول من عام أربعين وسبعمائة. وفاته: حسبما تقرّر آنفا في يوم الأربعاء السابع والعشرين لشعبان من عام أحد وستين وسبعمائة. أبو بكر بن إبراهيم، الأمير أبو يحيى المسوفي الصحراوي «٥» من أمراء المرابطين، صهر علي بن يوسف بن تاشفين، زوج أخته، وأبو ولده منها يحيى، المشهور بالكرم. أوّليّته: معروفة تستقرأ عند ذكر ملوكهم. حالهم: كان مثلا في الكرم، وآية في الجود، أنسى أجواد الإسلام والجاهلية إلى الغاية؛ في الحياء والشجاعة والتّبريز في ميدان الفضائل. استوزر الوزير الحكيم الشهير أبا بكر بن الصائغ، واختصّه؛ فتجمّلت دولته ونبه قدره. وأخباره معه شهيرة.
следующие страницы →