← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال أبو مروان الورّاق «١» : وكان «٢» أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين قد أمل في ابنه تاشفين ما لم تكن الأقدار تساعده به، فتشاءم به وعزم على خلعه وصرف عهده إلى إسحاق «٣» ولده الأصغر، ووجّه إلى عامله على إشبيلية عمر «٤» ، أن يصل إليه ليجعله شيخ ابنه، إلى أن وافاه خبر أمضّه وأقلقه ولم يمهله، فأزعج تاشفين إلى عدوّه على غير أهبة بتفويضه إياه، وصرف المدد في إثره، وتوفي لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين «٥» لفعله ذلك. ملكه ووصف حاله: فأفضى إليه ملك أبيه، بتفويضه إياه في حياته، لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وكان بطلا شجاعا حسن الرّكبة والهيئة، سالكا ناموس الشريعة، مائلا إلى طريقة المستقيمين، وكتب المريدين؛ قيل إنه لم يشرب قطّ مسكرا ولا استمع إلى قينة، ولا اشتغل بلذّة ممّا يلهو به الملوك. الثّناء عليه: قال ابن الصيرفي «٦» : وكان بطلا شجاعا، أحبّه الناس، خواصّهم وعوامّهم، وحسنت سياسته فيهم، وسدّ الثّغور، وأذكى «٧» على العدو العيون، وآثر الجند، ولم يكن منه إلّا الجدّ، ولم تنل عنده الحظوة «٨» ، إلّا بالعناء والنجدة. وبذلك حمل على الخيل، وقلّد الأسلحة، وأوسع الأرزاق، واستكثر من الرّماة «٩» وأركبهم وأقام همّتهم «١٠» للاعتناء بالثغور ومباشرة الحرب، ففتح الحصون وهزم الجيوش وهابه العدو. ولم ينهض إلا ظاهرا ولا صدر إلّا ظافرا. وملك الملك ومهد بالحزم وتملّك «١١» نفوس الرعيّة بالعدل «١٢» ، وقلوب الجند بالنّصفة. ثم قال: ولولا الاختصار الذي اشترطناه لأوردنا من سنى خلاله ما يضيق عنه الرّحب، ولا يسعه الكتب. دينه: قال المؤرّخ: عكف على زيارة قبر أبي وهب الزاهد بقرطبة، وصاحب أهل الإرادة، وكان وطئ الأكناف «١٣» ، سهل الحجاب، يجالس الأعيان ويذاكرهم.

стр. 282

قال ابن الصيرفي: ولمّا قدم غرناطة أقبل على صيام النهار، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، وإخفاء الصّدقة، وإنشاء العدل، وإيثار الحق. دعابته: قالوا: مرّ يوما بمرج القرون، من أحواز قلعة يحصب، فقال لزمّال من عبيده كان يمازحه: هذا مرجك؛ فقال الزمّال: ما هو إلّا مرجك ومرج أبيك، وأما أنا فمن أنا؟ فضحك وأعرض عنه. دخوله غرناطة: قالوا «١» : وفي عام ثلاثة وعشرين وخمسمائة، ولّي الأمير أبو محمد تاشفين بن أمير المسلمين عليّ بن أمير المسلمين يوسف، ووافاها في السابع عشر «٢» لذي حجة؛ فقوّى الحصون وسدّ الثغور وأذكى العيون «٣» ، وعمد إلى رحبة القصر، فأقام بها السقائف والبيوت، واتخذها لخزن السلاح ومقاعد الرجال، وضرب السّهام؛ وأنشأ السّقي، وعمل التّراس، ونسج الدّروع، وصقل البيضات والسيوف، وارتبط الخيل، وأقام المساجد في الثغور، وبنى لنفسه مسجدا بالقصر، وواصل الجلوس للنظر في الظّلامات، وقراءة الرّقاع، وردّ الجواب؛ وكتب التوقيعات، وأكرم الفقهاء والطلبة، وكان له يوم في كل جمعة، يتفرّغ فيه للمناظرة. وزراؤه: قال أبو بكر: وقرن الله به ممّن ورد معه، الزبير بن عمر اللّمتوني، ندرة الزمان كرما وبسالة، وحزما وأصالة، فكان كما جاء في الحديث عن رسول الله، ﷺ : «من ولّي شيئا من أمور المسلمين فأراد الله به خيرا، جعل الله له بطانة خير، وجعل له وزيرا صالحا، إن نسي شيئا ذكّره، وإن ذكره أعانه» . عمّاله: الوزير أبو محمد الحسين بن زيد بن أيوب بن حامد بن منحل بن يزيد. كتّابه: الرئيس العالم أبو عبد الله بن أبي الخصال، والكاتب المؤرّخ أبو بكر الصيرفي وغيرهما «٤» . ومن أخبار جهاده: خرج «٥» الأمير تاشفين في رمضان عام أربعة وعشرين وخمسمائة بجيش غرناطة ومطوعتها، واتصل به جيش قرطبة إلى حصن السّكّة من عمل طليطلة، وقد اتخذه العدو ركابا لإضراره بالمسلمين، وشحنه وجمّ به شوكة

стр. 283

حادّة بقومس مشهور؛ فأحدق به، ونشر الحرب عليه، فافتتحه عنوة وقتل من كان به؛ وأحيا قائده «فرند» ومن معه من الفرسان، وصدر إلى غرناطة، فبرز له الناس بروزا لم يعهد مثله. وفي شهر صفر من عام خمسة وعشرين أوقع بالعدو المضيق على أوّليته. وفي ربيع الأول من عام ستة وعشرين، تعرّف خروج عدو طليطلة إلى قرطبة؛ فبادر الأمير تاشفين إلى قرطبة، ثم نهد «١» إلى العدو في خفّ، وترك السيقة والثقل بأرجونة. وقد اكتسح العدوّ بشنت إشطبين «٢» والوادي الأحمر. وأسرى الليل، وواصل الركض، وتلاحق بالعدو بقرية براشة. فتراءى الجمعان صبحا، وافتضح الجيش، ونشرت الرّماح والرّايات، وهدرت الطبول، وضاقت المسافة، وانتبذ العدو عن الغنيمة؛ والتفّ الجمع، فتقصرت الرّماح، ووقعت المسابقة، ودارت الحرب على العدو، وأخذ السيف مأخذه، فأتى القتل على آخرهم، وصدر إلى غرناطة ظافرا. وفي «٣» آخر هذا العام خرج العدو «للنمط» وقد احتفل في جيشه إلى بلاد الإسلام، فصبح إشبيلية يوم النصف من رجب، وبرز إليه الأمير أبو حفص عمر بن علي بن الحاج، فكانت به الدّبرة «٤» في نفر من المسلمين استشهد جميعهم؛ ونزل العدو على فرسخين من المدينة فجلّلها نهبا وغارة؛ فقتل عظيما، وسبى عظيما؛ وبلغ الخبر الأمير تاشفين، فطوى المراحل، ودخل إشبيلية، وقد أسرّها؛ واستؤصلت باديتها، وكثر بها التأديب والتنكيل فأخذ أعقاب العدو، وقد قصد ناحية بطليوس وباجة ويابرة في ألف «٥» عديده من أنجاد الرجال، ومشهور الأبطال، فراش جولا عهدا بالرّوع، فظفر بما لا يحصيه أحد، ولا يقع عليه عدد؛ وانثنى على رسل لثقل «٦» السيقة، وثقته ببعد الصّارخ «٧» ، وتجشمت بالأمير تاشفين الأدلاء كل ذروة وثنيّة، وأفضى به الإعداد «٨» إلى فلاة بقرب الزّلاقة، وهو المهيع الذي يضطر العدو إليه، ولم يكن إلّا كلّا ولا، حتى أقبلت الطلائع منذرة بإقبال العدوّ، والغنيمة في يده قد ملأت الأرض؛ فلما تراءى

стр. 284

الجمعان، واضطربت «١» المحلات، ورتبت المراكب فأخذت مصافّها، ولزمت الرجال مراكبها» ، فكان القلب مع الأمير ووجوه المرابطين وأصحاب الطاعات؛ وعليه البنود الباسقات، مكتّبة «٣» بالآيات، وفي المجتبين «٤» كبار الدولة من أبطال الأندلس، عليهم حمر الرّايات بالصور الهائلة «٥» ، وفي الجناحين أهل الثغر والأوشاب من أهل الجلادة، عليهم الرّايات المرقّعات بالعذبات المجزّعات. وفي المقدمة مشاهير زناته ولفيف الحشم بالرايات المصبغات المنبّقات «٦» . والتقى الجمعان، ونزل الصبر، وحميت النفوس، واشتدّ الضرب والضراب وكثرت الحملات؛ فهزم الله الكافرين، وأعطوا رقابهم مدبرين، فوقع القتل، واستلحم العدوّ السيف، واستأصله الهلاك والأسار؛ وكان فتحا جليلا لا كفاء له، وصدر الأمير تاشفين ظافرا إلى «٧» بلده في جمادى من هذا العام. ولو ذهبنا لاستقصاء حركات الأمير تاشفين وظهوره لاستدعى ذلك طولا كثيرا. بعض ما مدح به: فمن ذلك «٨» : [الكامل] أمّا وبيض الهند عنك خصوم ... فالرّوم تبذل ما ظباك تروم تمضي سيوفك في العدا ويردّها ... عن نفسه حيث الكلام وخيم «٩» وهذه القصائد قد اشتملت على أغراضها الحماسية، والملك سوق يجلب إليها ما ينفق عندها. وفاته: قد تقدّم انصرافه عن الأندلس سنة إحدى وثلاثين وخمسماية، وقيل: سنة اثنتين «١٠» ، واستقراره بمرّاكش مرءوسا لأخيه سير، إلى أن أفضى إليه الأمر بعد أبيه. قال: واستقبل تاشفين مدافعة جيش أمير الموحدين، أبي محمد عبد المؤمن بن

стр. 285

علي خليفة مهديهم، ومقاومة أمر قضى الله ظهوره، والدفاع عن ملك بلغ مداه، وتمّت أيامه. كتب الله عليه، فالتأث سعده، وفلّ جدّه، ولم تقم له قائمة إلى أن هزم، وتبدّد عسكره، ولجأ إلى وهران، فأحاط به الجيش، وأخذه الحصار. قالوا: فكان من تدبيره أن يلحق ببعض السواحل، وقد تقدّم به وصول ابن ميمون قائد أسطوله، ليرفعه إلى الأندلس؛ فخرج ليلا في نفر من خاصّته فرّقهم الليل، وأضلّهم الرّوع، وبدّدتهم الأوعار، فمنهم من قتل، ومنهم من لحق بالقطائع البحرية؛ وتردّى بتاشفين فرسه من بعض الحافّات، ووجد ميّتا في الغد، وذلك ليلة سبع وعشرين لرمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة؛ وصلبه الموحّدون، واستولوا على الأمر من بعده، والبقاء لله تعالى. ثابت بن محمد الجرجاني ثم الأسترآباذي «١» يكنى أبا الفتوح. حاله: قال ابن بسّام «٢» : كان الغالب على أدواته علم اللّسان، وحفظ الغريب، والشعر الجاهلي والإسلامي، إلى المشاركة في أنواع التعاليم، والتصرّف في حمل السلاح، والحذق بأنواع «٣» الجندية؛ والنّفاذ في أنواع «٤» الفروسيّة، فكان الكامل في خلال جمّة. قال أبو مروان: ولم يدخل الأندلس أكمل من أبي الفتوح في علمه وأدبه. قال ابن زيدون: لقيته بغرناطة، فأخذت عنه أخبار المشارقة، وحكايات كثيرة؛ وكان غزير الأدب، قويّ الحفظ في اللغة، نازغا إلى علم الأوائل من المنطق والنجوم والحكمة، له بذلك قوة ظاهرة. طروؤه على الأندلس: قال صاحب الذخيرة «٥» : طرأ على الحاجب «٦» منذ صدر الفتنة للذائع من كرمه، فأكرمه «٧» ورفع شأنه، وأصحبه ابنه «٨» المرشّح لمكانه «٩» ،

стр. 286

فلم يزل له بهما «١» المكان المكين، إلى أن تغيّر عليه يحيى لتغيّر الزمان، وتقلّب الليالي والأيام بالإنسان، ولحق «٢» بغرناطة بعسكر البرابرة، فحلّت به من أميرهم باديس الفاقرة «٣» . من روى عنه: قال أبو الوليد: قرأت عليه بالحضرة الحماسة في اختيار أشعار العرب، يحملها عن أحمد بن عبد السلام بن الحسين البصري، ولقيه ببغداد سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، عن أبي رياش أحمد بن أبي هشام بن شبل العبسي بالبصرة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وله في الفضائل أخبار كثيرة. محنته ووفاته: لحقه عند باديس مع عمه يدّير بن حباسه تهمة في التدبير عليه، والتسوّر على سلطانه، دعتهما إلى الفرار عن غرناطة، واللّحاق بإشبيلية. قال أبو يحيى الورّاق: واشتدّ شوق أبي الفتوح إلى أهله عند هربه مع يدّير إلى إشبيلية لمّا بلغه أن باديس قبض على زوجته وبنيه وحبسهم بالمنكّب عند العبد قدّاح صاحب عذابه، وكان لها من نفسه موقع عظيم، وكانت أندلسيّة جميلة جدّا لها طفلان ذكر وأنثى، لم يطق عنهما صبرا وعمل على الرجوع إلى باديس طمعا في أن يصفح عنه، كما عمل مع عمّه من أبي ريش؛ فاستأمن إلى باديس يوم نزوله على باب إستجة إثر انهزام عسكر ابن عباد، وفارق صاحبه يدّير، ورمى هو بنفسه إلى باديس من غير توثّق بأمان أو مراسلة؛ فلما أدخل عليه وسلم، قال له: ابتدئ، بأي وجه جئتني يا نمّام؟ ما أجرأك على خلقك، وأشدّ اغترارك بسحرك، فرّقت بين بني ماكسن، ثم جئت تخدعني كأنك لم تصنع شيئا؛ فلاطفه، وقال اتّق الله يا سيدي، وارع ذمامي، وارحم غربتي وسوء مقامي، ولا تلزمني ذنب ابن عمّك؛ فما لي سبب فيه، وما حملني على الفرار معه إلّا الخوف على نفسي لسابق خلطته؛ ولقد لفظتني البلاد إليك مقرّا بما لم أجنه رغبة في صفحك، فافعل أفعال الملوك الذين يجلّون عن الحقد على مثلي من الصعاليك؛ قال: بل أفعل ما تستحقّه إن شاء الله؛ أن تنطلق إلى غرناطة، فدم على حالك، والق أهلك إلى أن أقبل، فأصلح من شأنك. فاطمأنّ إلى قومه، وخرج إلى غرناطة وقد وكّل به فارسان، وقد كتب إلى قدّاح بحبسه؛ فلمّا شارف إلى غرناطة قبض عليه، وحلق رأسه، وأركب على بعير، وجعل خلفه أسود فظّ ضخم يوالي صفعه، فأدخل البلد مشهّرا، ثم أودع حبسا ضيّقا، ومعه رجل من أصحاب يدّير أسر في الوقعة من صنهاجة، فأقاما في الحبس معا إلى أن قفل باديس.

стр. 287

مقتله: قال أبو مروان في الكتاب المسمّى بالمتين: واستراح باديس أياما في غرناطة يهيم بذكر الجرجاني، ويعض أنامله، فيعارضه فيه أخوه بلكّين، ويكذب الظنون وسعى في تخليصه، فارتبك باديس في أمره أياما، ثم غافض أخاه بلكين فقتله وقتا أمن فيه أمر معارضته؛ لاشتغاله بشراب وآلة، وكانت من عادته؛ فأحضر باديس الجرجاني إلى مجلسه، وأقبل يشتمه ويسبّه ويبكّته، ويطلق الشماتة ويقول، لم تغن عنك نجومك يا كذّاب، ألم يعد أميرك الجاهل؟ يعني يدّير، أنه سوف يظفر بي ويملك بلدي ثلاثين سنة، لم لم تدقّق النظر لنفسك وتحذر ورطتك؟ قد أباح الله لي دمك. فأيقن أبو الفتوح بالموت؛ وأطرق ينظر إلى الأرض، لا يكلّمه ولا ينظر إليه؛ فزاد ذلك في غيظ باديس، فوثب من مجلسه والسيف في يده، فخبط به الجرجاني حتى جدّ له وأمر بحزّ رأسه؛ قال: وقدّم الصّنهاجي الذي كان محبوسا معه إلى السيف، فاشتدّ جزعه، وجعل يعتذر من خطيئته، ويلحّ في ضراعته؛ فقال له باديس: أما تستحي يا ابن الفاعلة؛ يصبر المعلم الضعيف القلب على الموت مثل هذا الصبر، ويملك نفسه عن كلامه لي واستعطافي، وأنت تجزع مثل هذا الجزع؟ وطال ما أعددت نفسك في أشدّاء الرجال، لا أقال الرجال، لا أقال الله مقيلك؛ فضرب عنقه، وانقضى المجلس. ومن تمام الحكاية ممّا جلبه ابن حيّان، قال: وكلّم الصنهاجيّون باديس في جثّة صنهاجهم المقتول مع أبي الفتوح، فأمرني بإسلامها إليهم، فخرجوا بها من فورهم إلى المقبرة على نعش، فأصابوا قبرا قد احتفر لميت من أهل البلد، فصبّوا صاحبهم الصّنهاجي فيه، وواروه من غير غسل ولا كفن ولا صلاة، فعجب الناس من تسحّيهم في الاغتصاب حتى الموتى في قبورهم. مولده: سنة خمسين وثلاثمائة. وفاته: كما ذكر ليلة السبت لاثنتين بقيتا من محرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. قال برهون من خدّام باديس: أمرني بمواراة أبي الفتوح إلى جانب قبر أحمد بن عباس، وزير زهير العامري، فقبراهما في تلك البقعة متجاوران، وقال: اجعل قبر عدوّ إلى جانب عدو إلى يوم القصاص، فيا لهما قبران أجمّا أدبا لا كفاء له، والبقاء لله سبحانه. جعفر بن أحمد بن علي الخزاعي من أهل غرناطة، ويعسوب الثاغية والراغية «١» من أهل ربض البيّازين، يكنى أبا

стр. 288

أحمد الشهير ذكره بشرق الأندلس، المعروف بكرامة الناس، المقصود الحفرة، المحترم التّربة حتى من العدوّ، والرائق بغير هذه الملّة. خرج قومه من وطنهم عند تغلّب العدو على الشرق، فنزلوا ربض البيّازين جوفي «١» المدينة، وارتاشوا، وتلثّموا «٢» ، وبنوا المسجد العتيق، وأقاموا رسم الإرادة، يرون أنهم تمسكوا من طريق الشيخ أبي أحمد بآثاره، فلا يغبّون بيته، ولا يقطعون اجتماعا، على حالهم المعروفة من تلاوة حسنة، وإيثار ركعات، ثم ذكر ثم ترجيع أبيات في طريق التصوّف، مما ينسب للحسين بن منصور الحلاج «٣» وأمثاله، يعرفونها منهم مشيخة، قوّالون، هم فحول الأجمة وضرائك «٤» تلك القطيعة يهيجون بلابلهم، فلا ينشبون أن يحمى وطيسهم، ويخلط مرعيّهم «٥» بالهمل، فيرقصون رقصا غير مساوق للإيقاع الموزون، دون العجال الغالبة منهم، بإفراد كلمات من بعض المقول، ويكرّ بعضهم على بعض، وقد خلعوا خشن ثيابهم، ومرقوعات قباطيهم ودرانيكهم «٦» . فيدوم حالهم حتى يتصبّبوا عرقا. وقوّالهم يحرّكون فتورهم، ويزمرون روحهم، يخرجون بهم من قول إلى آخر، ويصلون الشيء بمثله، فربما أخذت نوبة رقصهم بطرفي الليل التمام، ولا تزال المشيّعة لهم يدعونهم، ويحاجّونهم إلى منازلهم، وربما استدعاهم السلطان إلى قصره محمضا في لطائف نعيمه باخشيشانهم، مبديا التبرّك بألويتهم. ولهم في الشيخ أبي أحمد والد نحلتهم، وشحنة قلوبهم، عصبيّة له وتقليد بإيثاره، أنفجت «٧» لعقده أيمانهم، وشرط في صحّة دينهم، وارتكبوا في النفور عن سماع المزمار القصبي المسمّى بالشّبابة الذي أرخص في حضور الولائم، مع نفخ برعه العدد الكثير من الجلّة الصلحاء القدوة مرتكبا، حتى ألحقوه بالكبائر الموبقة، وتعدّوا اجتنابه جبلة وكراهة طباعيّة، فتزوى عند ذكره الوجوه. وتقتحم عند الاتّهام به الدّور، وتسقط فيما

стр. 289

بينهم بفلتة سماعه أخوّة الطريق. وهم أهل سذاجة وسلامة، أولو اقتصاد في ملبس وطعمة واقتيات بأدنى بلغة، ولهم في التعصّب نزعة خارجيّة «١» ، وأعظمهم ما بين مكتسب متسبّب؛ وبين معالج مدرة، ومريع حياكة، وبين أظهرهم من الذّعرة والصعاليك كثير، والطّرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق، جعلنا الله ممّن قبل سعيه، وارتضى ما عنده، ويسّره لليسرى. حاله: قام هذا الرجل مقام الشيخ أبي تمام قريبه على هيئة مهلكه، فسدّ مسدّه، على حال فتور وغرارة، حتى لان متن الخطة، وخفّ عليه بالمران ثقل الوظيفة، فأمّ وخطب، وقاد الجماعة من أهل الإرادة. وقضى في الأمور الشرعية بالرّبض، تحت ضبن «٢» قاضي الجماعة، وهو الآن بعده على حاله، حسن السّجيّة، دمث الأخلاق، ليّن العريكة، سهل الجانب، مقترن الصدق والعفّة، ظاهر الجدّة، محمود الطريقة، تطأه أقدام الكلف، وتطرّح به المطارح القاصية، حوى على الشفاعات، مستور الكفاية في لفق الضعف، متوالي شعلة الإدراك في حجر الغفلة، وجه من وجوه الحضرة في الجمهورية، مرعيّ الجانب، مخفّف الوظائف، مقصودا من منتامي «٣» أهل طريقه بالهدايا، مستدعى إلى من بالجهات منهم في كثير من الفصول، ظاهر الجدوى في نفير الجهاد، ﵀، ونفع بأهل الخير. مولده: عام تسعة وسبعمائة. وفاته: يوم الاثنين التاسع والعشرين لرمضان خمسة وستين وسبعمائة. جعفر بن عبد الله بن محمد بن سيدبونة الخزاعي» من أهل شرق الأندلس، من نظر دانية، يكنى أبا أحمد، الوليّ الشهير. حاله: كان «٥» أحد الأعلام المنقطعي «٦» القرين في طريق كتاب الله، وأولي الهداية الحقّة، فذّ، شهير، شائع الخلّة، كثير الأتباع، بعيد الصيت، توجب حقّه حتى الأمم الدائنة بغير دين الإسلام، عند التغلّب على قرية مدفنه بما يقضى منه بالعجب.

стр. 290

قال الأستاذ أبو جعفر بن الزّبير عند ذكره في الصّلة «١» : أحد أعلام «٢» المشاهير فضلا وصلاحا؛ قرأ ببلنسية «٣» ، وكان يحفظ نصف «المدوّنة» وأقرأها، ويؤثر «٤» الحديث والتفسير والفقه، على غير ذلك من العلوم. مشيخته: أخذ «٥» القراءات السبع عن المقرئ أبي الحسن بن هذيل، وأبي الحسن بن النّعمة، ورحل إلى المشرق، فلقي في رحلته جلّة، أشهرهم وأكبرهم في باب الزهد وأنواع سني الأحوال، ورفيع المقامات، الشيخ الجليل، الوليّ لله تعالى، العارف، أبو مدين شعيب «٦» بن الحسين، المقيم ببجاية، صحبه وانتفع به، ورجع من عنده بعجائب دينية، ورفيع أحوال إيمانية، وغلبت عليه العبادة، فشهر بها حتى رحل إليه الناس للتبرّك بدعائه، والتيمّن برؤيته ولقائه، فظهرت بركته على القليل والكثير منهم وارتووا زلالا من ذلك العذب النّمير، وحظّه من العلم مع عمله الجليل موفور، وعلمه نور على نور. لقيت قريبه الشيخ أبا تمام غالب بن حسين بن سيدبونة حين ورد غرناطة، فكان يحدّث عنه بعجائب. دخوله غرناطة: وذكر المعتنون بأخباره بالحضرة إلى طريقه، أنه دخل الحضرة وصلّى في رابطة الرّبط من باب «٧» ... وأقام بها أياما، فلذلك المسجد المزية عندهم إلى اليوم. وانتقل الكثير من أهله وأذياله عند تغلّب العدو على الشرق على بلدهم، إلى هذه الحضرة، فسكنوا منها ربض البيّازين، على دين وانقباض وصلاح، فيحجّون بكنوز من أسراره، ومبشّراته مضنون بها على الناس. وبالحضرة اليوم منهم بقية تقدّم الإلماع بذكرهم. وفاته: توفي، ﵀، بالموضع المعروف بزناتة، في شوّال سنة أربع وعشرين وستمائة، وقد نيّف على الثمانين «٨» .

стр. 291

الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص القرشي الفهري نشأ بغرناطة، يكنى أبا علي، ويعرف بابن الناظر «١» . حاله: كان متفنّنا في جملة معارف، أخذ من كل علم سنا بحظّ وافر، حافظا للحديث والتفسير، ذاكرا للأدب واللغة والتواريخ، شديد العناية بالعلم، مكبّا على استفادته وإفادته، حسن اللقاء لطلبة العلم، حريصا على نفعهم، جميل المشاركة لهم. وقال الأستاذ: كان من بقايا أهل الضبط والإتقان لما رواه، وآخر مقرئي القرآن، ممّن يعتبر في الأسانيد ومعرفة الطرق والروايات، متقدّما في ذلك على أهل وقته، وهو أوفر من كان بالأندلس في ذلك. أقرأ القرآن والعربية بغرناطة مدة، ثم انتقل إلى مالقة «٢» فأقرأ بها يسيرا، ثم انقبض عن الإقراء، وبقي خطيبا بقصبة مالقة نحوا من خمس «٣» وعشرين سنة، ثم كرّ منتقلا إلى غرناطة «٤» ، فولي قضاء ألمريّة، ثم قضاء بسطة، ثم قضاء مالقة. وصمته: قال الأستاذ: إلّا أنه كان فيه خلق أخلّت به، وحملته على إعداء ما ليس من شأنه، عفا الله عنه، فكان ذلك مما يزهّد فيه. مشيخته: روى عن الأستاذ المقرئ أبي محمد عبد الله بن حسين الكوّاب، أخذ عنه قراءة السبع وغير ذلك، وعن أبي علي وأبي الحسن بن سهل بن مالك الأزديّ، وأبي عبد الله محمد بن يحيى، المعروف بالحلبي، وجماعة غير هؤلاء، ورحل إلى إشبيلية فروى بها عن الشيخ الأستاذ أبي علي «٥» أكثر كتاب سيبويه تفقّها، وغير ذلك. وأخذ عن جماعة كثيرة من أهلها، وقدم عليها. إذ ذاك القاضي أبو القاسم بن بقيّ، فلقيه بها وأخذ عنه، ورحل إلى بلنسية، فأخذ بها عن الحاج أبي الحسن بن خيرة، وأبي الربيع بن سالم، وسمع عليه جملة صالحة، كأبي عامر بن يزيد بن أبي العطاء بن يزيد وغيرهم، وبجزيرة شقر عن أبي بكر بن وضّاح، وبمرسية

стр. 292

عن جماعة من أهلها، وبأوريولة عن أبي الحسن بن بقيّ، وبمالقة عن آخرين، وتحصّل له جماعة نيّفوا على الستين. تصانيفه: منها المسلسلات، والأربعون حديثا، والترشيد في صناعة التّجويد، وبرنامج رواياته وهو نبيل. شعره: كان يقرض شعرا لا يرضى لمثله، ممّن برّز تبريزه في المعارف. مولده: يوم الخميس لاثنتي عشرة «١» ليلة بقيت من شوّال سنة خمسين وستمائة. وفاته: توفي بغرناطة لأربع عشرة «٢» ليلة خلت من جمادى الآخرة «٣» سنة تسع وتسعين وستمائة. الحسن بن محمد بن الحسن النباهي الجذامي «٤» من أهل مالقة، يكنى أبا علي. أوّليّته: قال القاضي المؤرّخ أبو عبد الله بن أبي عسكر فيه: من حسباء مالقة وأعيانها وقضاتها، وهو جدّ بني الحسن المالقيين، وبيته بيت قضاء وعلم وجلالة، لم يزالوا يرثون ذلك كابرا عن كابر، استقضى جدّه المنصور بن أبي عامر، وكانت له ولأصحابه حكاية مع المنصور. قال القاضي ابن بياض: أخبرني أبي، قال: اجتمعنا يوما في متنزّه لنا بجهة الناعورة بقرطبة مع المنصور بن أبي عامر في حداثة سنّه، وأوان طلبه، وهو مرتج مؤمّل، ومعنا ابن عمّه عمرو بن عبد الله بن عسكلاجة، والكاتب ابن المرعزى، والفقيه أبو الحسن المالقي، وكانت سفرة فيها طعام، فقال ابن أبي عامر من ذلك الكلام الذي كان يتكلّم به: لا بدّ أن نملك الأندلس، ونحن نضحك منه ومن قوله. ثم قال: يتمنّى كلّ واحد منكم عليّ ما شاء أولّيه؛ فقال عمرو: أتمنى أن تولّيني المدينة، نضرب ظهور الجنّات. وقال ابن المرعزى: وأنا أشتهي الأسفح «٥» ، القضاء في أحكام السّوق. وقال أبو الحسن: وأنا أحب هذه، أن توليني قضاء مالقة بلدي.

стр. 293

قال موسى بن غدرون: قال لي: تمنّ أنت، فشققت لحيته بيدي، واضطربت به وقلت قولا قبيحا من قول السفهاء. فلمّا ملك ابن أبي عامر الأندلس، ولّى ابن عمّه المدينة، وولّى ابن المرعزى أحكام السوق، وولّى أبا الحسن المالقي قضاء ريّه، وبلغ كل واحد ما تمنّى، وأخذ منّي مالا عظيما أفقرني لقبح قولي: فبيت بني الحسن شهير، وسيأتي من أعلامه ما فيه كفاية. حاله: قال ابن الزّبير: كان طالبا نبيلا من أهل الدين والفضل والنّهى والنباهة. نباهته: قال ابن الزبير في كتاب نزهة البصائر والأبصار: استقضي بغرناطة. وفاته: توفي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، ذكره ابن بشكوال في الصّلة، وعرّف بولايته قضاء غرناطة، وذكره ابن عسكر، وتوهّم فيه الملّاحي، فقال: هو من أهل إلبيرة. حسن بن محمد بن حسن القيسي من أهل مالقة، يكنى أبا علي، ويعرف بالقلنار. حاله: كان، ﵀، بقيّة شيوخ الأطباء ببلده، حافظا للمسائل الطّبية، ذاكرا للدواء، فسيح التّجربة، طويل المزاولة، متصرّفا في الأمور التي ترجع إلى صناعة اليدين صدلة وإخراعة، محاربا، مقدورا عليه في أخرياته، ساذجا، مخشوشنا، كثير الصحة والسلامة، محفوظ العقيدة، قليل المصانعة، بريّا من التشمّت، يعالج معيشته بيده في صبابة فلاحة. أخذ صناعة الطب عن أبي الحسن الأركشي «١» ، ومعرفة أعيان النبات عن المصحفي وسرح معه، وارتاد منابت العشب في صحبته، فكان آخر السحّارين بالأندلس، وحاول عمل التّرياق الفارق بالديار السلطانية عام اثنين وخمسين وسبعمائة مبرّزا في اختيار أجزائه، وإحكام تركيبه، وإقدام على اختبار مرهوب حياته، قتلا وصنجا وتقريصا، بما يعجب من إدلاله فيه، وفراهته عليه. حسن بن محمد بن باصة يكنى أبا علي، ويعرف بالصّعلعل، رئيس المؤقّتين بالمسجد الأعظم من غرناطة، أصله من شرق الأندلس.

стр. 294

حاله: كان فقيها إماما في علم الحساب والهيئة، أخذ عنه الجلّة والنبهاء، قائما على الأطلال والرّخائم والآلات الشعاعية، ماهرا في التعديل، مع التزام السّنّة، والوقوف عند ما حدّ العلماء في ذلك، مداوم النظر، ذا مستنبطات ومستدركات وتواليف، نسيج وحده ورحقة وقته. وفاته: توفي بغرناطة عام ستة عشر وسبعمائة. الحسن بن محمد بن علي الأنصاري من أهل ... «١» ، يكنى أبا علي ويعرف بابن كسرى. حاله: كان متقدّما في حفظ الأدب واللغة، مبرّزا في علم النحو، شاعرا مجيدا، ممتع المؤانسة، كثير المواساة، حسن الخلق، كريم النفس، مثرّا «٢» في نظم الشعر في غير فن، مدح الملوك والرؤساء، مؤثرا للخمول على الظهور، وفي تخامله يقول شعرا ثبت في موضعه. مشيخته: روى عن أبي بكر بن عبد الله بن ميمون الكندي، وأبي عبد الله الكندي، وأبي الحكم بن هرودس، وأبي عبد الله بن غالب الرّصافي. ممّن روى عنه: روى عنه أبو الطاهر أحمد بن علي الهواري السّبتي، وأبو عبد الله إبراهيم بن سالم بن صالح بن سالم. نباهته وإدراكه: من كتاب نزهة البصائر والأبصار، قال القاضي أبو عبد الله بن عسكر: نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي، ﵀ ما معناه: قال: حدّثني الفقيه الأديب أبو علي، قال: كنت بإشبيلية، وقد قصدتها لبعض الملوك، فبينما أنا أسير في بعض طرقها، لقيت الشيخ أبا العباس، فسلّمت عليه، ووقفت معه، وكنت قد ذكر لي أنّ بها رجلا من الصالحين، زاهدا، فاضلا، ينتقد من الشعر في الزهد والرقائق، ببدائع تعجب. وكان بالمغرب قد قصّد الهربيّ والنادر، فسألني أبو العباس عن مصيري، فأعلمته بقصدي، فرغب أن يصحبني إليه، حتى أتيناه، فرأيناه رجلا عاقلا، قاعدا في موضع قذر، فسلّمنا عليه، فردّ علينا، وسألناه عن قعوده في ذلك الموضع، فقال: أتذكّر الدّنيا وسيرتها، فزدنا به غبطة؛ ثم استنشدناه في ذلك الغرض من كلامه، ففكّر ساعة ثم أنشدنا كلاما قبيحا، تضمّن من القبيح ومن الإقذاع والفواحش ما لا يحلّ

стр. 295

سماعه، فقمنا نلعنه، وخجلت من أبي العباس، واعتذرت له. ثم اتفق أن اجتمعنا في مجلس الأمير الذي كنت قد قصدته، فقال أبو العباس: إن أبا علي قد حفظ لبعض الحاضرين شعرا في الزهد، من أعذب الكلام وأحسنه، فسألني الأمير وطلب مني إنشاده، فخجلت ثم ثاب إليّ عقلي، فنظمت بيتين، فأنشدتهما إيّاه وهما: [المنسرح] أشهد ألّا إله إلّا الله ... محمد المصطفى رسول الله لا حول للخلق في أمورهم ... إنما الحول كلّه لله قال: فأعجب الأمير ذلك واستحسنه. ومن مقاماته بين يدي الملوك وبعض حاله، نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي أبي الحسن بن أبي الحسن، قال: المروي منسوب إلى قرية بقرب مالقة، وهو الذي قال فيه الشيخ أبو الحجاج بن الشيخ ﵁: [المجتث] إذا سمعت من اسرى ... ومن إلى المسجد أسرى فقل ولا تتوقّف ... أبا علي ابن كسرى قال: وهو قريب الأستاذ الأديب أبي علي الإستجي ومعلّمه، وأحد طلبة الأستاذ أبي القاسم السّهيلي، وممّن نبع صغيرا، وارتحل إلى غرناطة ومرسية. وهو الذي أنشد في طفولته السيد أبا إسحاق بإشبيلية: [الكامل] قسما بحمص «١» وإنّه لعظيم ... وهي المقام وأنت إبراهيم وكان بالحضرة أبو القاسم السّهيلي، فقام عند إتمامه القصيدة، وقال: لمثل هذا أحسيك الحسا، وأواصل في تعليمك الإصباح والإمساء، وكان يوما مشهودا. وأنشد الأمير أبا يعقوب حين حلّها: [الطويل] أمعشر أهل الأرض في الطول والعرض ... بهذا استنادي في القيامة والعرض لقد قال فيك الله ما أنت أهله ... فيقضي بحكم الله فيك بلا نقض وإياك يعنى ذو الجلال بقوله ... كذلك مكّنّا ليوسف في الأرض وذكره ابن الزّبير، وابن عبد الملك، وابن عسكر، وغيرهم.

стр. 296

ومن شعره في معنى الانقطاع والتسليم إلى الله تعالى، وهي لزوميّة، ولنختم بها، ختم الله لنا بالحسنى: [الطويل] إلهي أنت الله ركني وملجئي ... وما لي إلى خلق سواك ركون رأيت بني الأيام عقبى سكونهم ... حراك وفي عقبى الحراك سكون رضى بالذي قدّرت تسليم عالم ... بأنّ الذي لا بدّ منه يكون وفاته: توفي بمدينة مالقة في حدود ثلاث وستمائة. الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق التغلبي يكنى أبا علي، مرسيّ الأصل، سبتيّ الاستيطان، منتم إلى صاحب الثورة على المعتمد «١» . حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، إتقانا ومعرفة، ومشاركة في كثير من الفنون اللسانية والتعالميّة، متبحّرا في التاريخ، ريّانا من الأدب، شاعرا مفلقا، عجيب الاستنباط، قادرا على الاختراع والأوضاع، جهم المحيّا، موحش الشكل، يضمّ برداه طويّا لا كفاء له، تحرّف بالعدالة، وبرّز بمدينة سبتة، وكتب عن أميرها، وجرت بينه وبين الأديب أبي الحكم مالك بن المرحّل من الملاحات والمهاترات أشدّ ما يجري بين متناقضين، آلت به إلى الحكاية الشهيرة، وذلك أنه نظم قصيدة نصّها: [الكامل] لكلاب سبتة في النّباح مدارك ... وأشدّها دركا لذلك مالك «٢» شيخ تفانى في البطالة عمره ... وأحال فكّيه الكلام الآفك كلب له في كلّ عرض عضّة ... وبكلّ محصنة لسان آفك متهمّم «٣» بذوي الخنا متزمّع ... متهازل بذوي التّقى متضاحك أحلى شمائله السّباب المفتري ... وأعفّ سيرته الهجاء الماعك وألذّ شيء عنده في محفل ... لمز لأستار المحافل هاتك

стр. 297

يغشى مخاطره اللئيم تفكّها ... ويعاف رؤيته الحليم النّاسك لو أن شخصا يستحيل كلامه ... خرءا «١» للاك الخرء منه لائك فكأنه التمساح يقذف جوفه ... من فيه ما فيه ولا يتماسك أنفاسه وفساؤه من عنصر ... وسعاله وضراطه متشارك ما ضرفا من معدّ الله «٢» ... لو أسلمته نواجذ وضواحك في شعره من جاهلية طبعه ... أثقال أرض لم ينلها فاتك صدر وقافية تعارضتا معا ... في بيت عنس أو بعرس فارك قد عمّ أهل الأرض بلعنه ... فللأعنية في السماء ملائك ولأعجب العجبين أنّ كلامه ... لخلاله مسك يروح ورامك إن سام مكرمة جثا متثاقلا ... يرغو كما يرغو البعير البارك ويدبّ في جنح الظلام إلى الخنا ... عدوا كما يعدو الظّليم الراتك نبذ الوقار لصبية يهجونه ... فسياله فرش لهم وأرائك يبدي لهم سوآته ليسوءهم ... بمسالك لا يرتضيها سالك والدهر باك لانقلاب صروفه ... ظهرا لبطن وهو لاه ضاحك واللسن تنصحه بأفصح منطق ... لو كان ينجو بالنّصيحة هالك تب يا ابن تسعين فقد جزت المدا ... وارتاح للّقيا بسنّك مالك أو ما ترى من حافديك نشابها ... ابن يضاجع جدّه ويناسك هيهات أيّة عشرة لهجت به ... هنوات مملوك وطيّع مالك يا ابن المرحّل لو شهدت مرحّلا ... وقد انحنى بالرّحل منه الحارك وطريد لوم لا يحلّ بمعشر ... إلّا أمال قفاه صفع دالك مركوب لهو لجاجة وركاكة ... وأراك من ذاك اللجاج البارك لرأيت للعين اللئيمة سحّة ... وعلا بصفع عرك أذنك عارك وشغلت عن ذمّ الأنام بشاغل ... وثناك خصم من أبيك مماحك قسما بمن سمك السماء مكانها ... ولديه نفس رداء نفسك شائك لأقول للمغرور منك بشيبة ... بيضاء طيّ الصّحف منها حالك لا تأمنن للذئب دفع مضرّة ... فالذئب إن أعفيته بك فاتك

стр. 298

عار على الملك المنزّه أن يرى ... في مثل هذا للملوك مسالك فكلامه للدّين سمّ قاتل ... ودنوّه للعرض داء ناهك فعليه ثم على الذي يصغى له ... ويل يعاجله وحتف واشك وأتاه من مثواه آت مجهز ... لدم الخناجر بالخناجر سافك وهي طويلة، تشتمل من التعريض والصريح على كل غريب، واتخذ لها كنانة خشبية كأوعية الكتب، وكتب عليها: «رقاص معجّل، إلى مالك بن المرحّل» . وعمد إلى كلب، وجعلها في عنقه، وأوجعه خبطا حتى لا يأوي إلى أحد، ولا يستقرّ، وطرده بالزّقاق متكتّما بذلك. وذهب الكلب وخلفه من الناس أمّة، وقرىء مكتوب الكنانة، واحتمل إلى أبي الحكم، ونزعت من عنق الكلب، ودفعت إليه، فوقف منها على كل فاقرة «١» كفّت من طماحه، وغضّت عن عنان مجاراته، وتحدّث بها مدة، ولم يغب عنه أنها من حيل ابن رشيق، فعوّق سهام المراجعة، ثم أقصر مكبوحا، وفي أجوبته عن ذلك يقول: [المتقارب] كلاب المزابل آذينني ... بأبوالهنّ على باب داري وقد كنت أوجعها بالعصا ... ولكن عوت من وراء الجدار واستدعاه بآخرة أمير المغرب السلطان أبو يعقوب، فاستكتبه، واستكتب أبا الحكم صدقة، فيقال إنه جرّ عليه خجلة كانت سبب وفاة أبي علي. ودخل الأندلس، وحطّ بها بألمريّة، وقد أصيب بأسر عياله، فتوسّل إلى واليها من قرابة السلطان الغالب بالله، بشعر مدحه فيه من قصيدة أولها: [الكامل] ملقي النوى ملق لبعض نوالكا ... فاشف المحبّ ولو بطيف خيالكا ومنها: لا تحسبنّي من فلان أو فلا ... أنا من رجال الله ثم رجالكا ومنها: نصب العدوّ حبائلا لحبائبي ... وعلقت في استخلاصها بحبالكا وفي خاتمها: وكفاك شرّ العين عيب واحد ... لا عيب فيه سوى فلول نصالكا

стр. 299

ولحق بغرناطة، ومدح السلطان بها، ونجحت لديه مشاركة الرئيس بألمريّة. فجبر الله حاله، وخلّص أسره. ومما جمع فيه بين نثره ونظمه ما كتبه لمّا كتب إليه الأديب الطبيب صالح بن شريف بهاتين القصيدتين اللتين تنازع فيهما الأقوام، واتفقوا على أن يحكم بينهما الأحلام، وعبّر عن ذلك الأقلام، ولينظرهما من تشوّق إليهما بغير هذا الموضع. تواليفه: وأوضاعه غريبة، واختراعاته عجيبة، تعرّفت أنه اخترع في سفرة الشطرنج شكلا مستديرا. وله الكتاب الكبير في التاريخ، والتلخيص المسمّى ب «ميزان العمل» وهو من أظرف الموضوعات، وأحسنها شهرة. وفاته: كان حيّا عام أربعة وسبعين وستمائة. حبّوس بن ماكسن بن زيري بن مناد الصّنهاجي «١» يكنى أبا مسعود، ملك إلبيرة وغرناطة؛ وما والاها. حاله وأوّليّته: أما أوّليّته، فقد مرّ ذلك بما فيه كفاية عند ذكر بلكّين. ولمّا دخل زاوي بن زيري على الأندلس غبّ إيقاعه بالمرتضى الذي نصبته الجماعة، واستيلائه على محلّته بظاهر غرناطة، خاف «٢» تمالؤ الأندلس عليه، ونظر للعاقبة، فأسند الأمر إلى ابن أخيه، حبّوس بن ماكسن، وكان بحصن آشر «٣» ، فلمّا ركب البحر من المنكّب، وودّعه به زعيم البلدة وكبير فقهائها أبو عبد الله بن أبي زمنين، ذهب إلى ابن أخيه المذكور واستقدمه، وجرت بينه وبين ابن عمّه المتخلّف على غرناطة من قبل والده، محاورة انجلت عن رحيله تبعا لأبيه؛ حبّوس، فاستبدّ بالملك، ورأب الصّدع سنة إحدى «٤» عشرة وأربعمائة. قال ابن عذاري في تاريخه «٥» : فانحازت «٦» صنهاجة مع شيخهم ورئيسهم حبّوس بن ماكسن، وقد كان أخوه حباسة هلك في

стр. 300

الفتنة، وبقي منهم معه بعد انصراف زاوي إلى إفريقية، جماعة عظيمة، فانحازوا إلى مدينة غرناطة، وأقام حبّوس بها ملكا عظيما، وحامى «١» رعيّته ممّن جاوره من سائر البرابرة «٢» المنتشرين حوله، فدامت رئاسته. وفاته: توفي بغرناطة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة «٣» . الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية «٤» صفته وحاله: كان أصهب العين، أسمر، أقنى، معسّل اللحية، جهير الصوت، طويل الصّلب، قصير الساقين، عظيم السّاعد، أفصم، وكان ملكا «٥» جليلا، عظيم الصّيت، رفيع القدر، عالي الهمّة، فقيها بالمذهب، عالما بالأنساب، حافظا للتاريخ، جمّاعا للكتب، محبّا في العلم والعلماء، مشيرا للرجال من كل بلد، جمع العلماء من كل قطر، ولم يكن في بني أمية أعظم همّة، ولا أجلّ رتبة في العلم وغوامض الفنون منه. واشتهر بهمّته بالجهاد، وتحدّث بصدقاته في المحلول، وأملته الجبابرة والملوك. دخوله إلبيرة: قال ابن الفيّاض: كتب إليه من الثغر الجنوبي أن عظيم الفرنجة من النصارى حشدوا إليه وسألوه الممرة «٦» بطول المحاصرة، فاحتسب شخوصه بنفسه إلى ألمرية في رجب سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، في جحفل لجب من نجدة الأولياء وأهل المراتب. ولما أحلّ إلبيرة ورد عليه كتاب أحمد بن يعلى من طرطوشة بنصر الله العزيز وصنعه الكريم على الرّوم. ووافى ألمريّة، وأشرف على أمورها، ونظر إلى أسطولها وجدّده، وعدّته يومئذ ثلاثمائة قطعة، وانصرف إلى قرطبة.

стр. 301

مولده: لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثمائة. وفاته: لأربع «١» خلون من صفر سنة ستّ وستين وثلاثمائة، وعمره نحو من ثلاث وستين سنة، وهو خاتمة العظماء من بني أمية. الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان بن أمية «٢» كنيته أبو العاصي. صفته: آدم، شديد الأدمة «٣» ، طويل، أشمّ، نحيف، لم يخضب. بنوه تسعة عشر من الذكور، منهم عبد الرحمن وليّ عهده. بناته: إحدى وعشرون «٤» ، أمّه أمّ ولد اسمها زخرف. وزراؤه وقوّاده: خمسة، منهم إسحاق بن المنذر، والعباس بن عبد الله، وعبد الكريم بن عبد الواحد، وفطيس بن سليمان، وسعيد بن حسّان. قضاته: مصعب بن عمران، وعمر «٥» بن بشر، والفرج بن كنانة. وبشر بن قطن، وعبد «٦» الله بن موسى، ومحمد بن تليد، وحامد بن محمد بن يحيى. كتابه: فطيس بن سليمان، وعطاف «٧» بن زيد، وحجّاج بن العقيلي «٨» . حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث. حاله: كان الحكم شديد الحزم، ماضي العزم، ذا صولة تتّقى. وكان حسن التدبير في سلطانه، وتولية أهل الفضل، والعدل في رعيّته، مبسوط اليد بالعطاء الكثير، وكان فصيحا، بليغا، شاعرا مجيدا، أديبا، نحويّا.

стр. 302

قال ابن عذاري «١» : كانت فيه بطالة، إلّا أنه كان شجاعا «٢» ، مبسوط اليد، عظيم العفو، وكان يسلّط قضاته وحكّامه على نفسه، فضلا عن ولده وخاصّته. وهو الذي جرت على يده الفتكة العظيمة بأهل ربض قرطبة «٣» ، الذين هاجوا به وهتفوا بخلعانه، فأظهره الله عليهم، في خبر شهير. وهو الذي أوقع بأهل طليطلة أيضا، فأبادهم بحيلة الدّعاء إلى الطعام بما هو معلوم. دخوله غرناطة: قالوا: وبإلبيرة وأحوازها تلاقى مع عمّه أبي أيوب سليمان بن عبد الرحمن، فهزمه وقتله حسبما ثبت في اسم أبي أيوب. شعره: قالوا: وكان له خمس جوار قد استخلصهنّ لنفسه، وملّكهنّ أمره، فذهب يوما إلى الدخول عليهنّ، فتأبّين عليه، وأعرضن عنه، وكان لا يصبر عنهنّ، فقال «٤» : [البسيط] قضب من البان ماست فوق كثبان ... ولّين «٥» عنّي وقد أزمعن هجراني ناشدتهنّ بحقّي فاعتزمن على ال ... عصيان «٦» حتى خلا منهنّ همياني ملكنني ملك من ذلّت عزيمته ... للحبّ ذلّ أسير موثّق عاني من لي بمغتصبات «٧» الرّوح من بدني ... يغصبنني في الهوى عزّي وسلطاني ثم عطفن عليه بالوصال فقال «٨» : [الخفيف] نلت كلّ «٩» الوصال بعد البعاد ... فكأنّي ملكت كلّ العباد وتناهى السرور إذ نلت ما لم ... يغن عنه تكاثف الأجناد

стр. 303

مناقبة: أنهى «١» إليه عباس بن ناصح وقد عاد من الثغر أن امرأة من ناحية وادي الحجارة سمعها تقول: وا غوثاه، يا حكم، ضيّعتنا، وأسلمتنا، واشتغلت عنّا، حتى استأسد العدوّ علينا، ورفع إليه شعر في هذا المعنى والغرض، فخرج من قرطبة كاتما وجهته، وأوغل في بلاد الشّرك، ففتح الحصون، وهدّم المنازل، وقتل وسبى «٢» ، وقفل بالغنائم على الناحية التي فيها تلك المرأة، فأمر لأهل تلك الناحية بمال من الغنائم يفدون به أسراهم «٣» ، ويصلحون به أحوالهم، وخصّ المرأة وآثرها، وأعطاها عددا من الأسرى، وقال لها: هل أغاثك الحكم؟ قالت: إي والله، أغاثنا وما غفل عنّا، أعانه الله وأعزّ نصره. وفاته: توفي لأربع بقين لذي الحجة سنة ست ومائتين، وكان عمره اثنتين» وخمسين سنة. وجرى ذكره في الرجز من نظمي في تاريخ دول الإسلام «٥» بما نصّه: [الرجز] حتى إذا الدهر عليه احتكما ... قام بها ابنه المسمّى حكما واستشعر الثورة فيها وانقبض ... مستوحشا كاللّيث أقعى وربض حتى إذا فرصته لاحت تفض ... فأفحش الوقعة في أهل الرّبض وكان جبّارا بعيد الهمّه ... لم يرع من آل بها أو ذمّه حكم بن أحمد بن رجا الأنصاري من أهل غرناطة، يكنى أبا العاصي. حاله: كان من قرّائها ونبهائها، وكان من أهل الفضل والطلب، وإليه ينسب مسجد أبي العاصي، وحمام أبي العاصي ودربه بغرناطة، وكفى بذلك دليلا على الأصالة والتأثّل. ذكره أبو القاسم ولم يذكر من أمره مزيدا على ذلك.

стр. 304

حاتم بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله ابن سعيد بن الحسين بن عثمان بن سعيد بن عبد الملك ابن سعيد بن عمّار بن ياسر «١» أوّليّته: قد مرّ بعض ذلك، وسيأتي بحول الله. حاله: قال أبو الحسن بن سعيد في كتابه الموضوع في مآثر القلعة «٢» : كان صاحب سيف وقلم وعلم، ودخل في الفتنة المردنيشيّة «٣» ، حسبما مرّ ذلك عند ذكر أخيه أبي جعفر، فصار من جلساء الأمير أبي عبد الله محمد بن سعد بن مردنيش بمرسية، وأرباب آرائه، وذوي الخاصّة من وزرائه، وكان مشهورا بالفروسية والشجاعة والرأي. حكاياته ونوادره: قال: كان التّندير والهزل قد غلبا عليه، وعرف بذلك، فصار يحمل منه ما لا يحمل من غيره. قالوا: فحضر يوما مع الأمير محمد بن سعد، يوم الجلاب «٤» من حروبه، وقد صبر الأمير صبرا جميلا. ووالى الكرّ المرّة بعد المرة. وذلك بمرأى من حاتم؛ فردّ رأسه إليه، وقال: يا قائدا أبا الكرم، كيف رأيت؟ فقال له حاتم: لو رآك السّلطان اليوم لزاد في مرتّبك، فضحك ابن مردنيش، وعلم أنه أراد بذلك: لا تليق به المخاطرة، وإنما هو للثّبات والتدبير. وقال له يوما وقد جرى ذكر الجنّات: جنّ اليوم يا أبا الكرم على بستانك بالزّنقات. وأردت أن أكون من ضيافتك، فقال عبد الرحمن بن عبد الملك، وهو إذ ذاك وزير الأمير وبيده المجابي والأعمال: لعل الأمير اغترّ بسماع اسمه حاتم، ما فيه من الكرم إلّا الاسم، فقال الحاتم: ولعلّ الأمير اغترّ بسماع أمانة عبد الرحمن، فقدّمه على وزرائه، وما عنده من الأمانة إلّا الاسم، فقال ابن مردنيش وقد ضحك: الأولى فهمت، ولم أفهم الثانية، فقال له كاتبه أبو محمد السلمي: إنما أشار إلى قول رسول الله، ﷺ ، في عبد الرحمن بن عوف، ﵁، أمير هذه الأمة، وأمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض؛ فطرب ابن مردنيش، وجعل يقول: أحسنتما.

стр. 305

شعره: قال أبو الحسن: ولم أحفظ من شعر حاتم ما أورده في هذا المكان إلّا قوله يخاطب حفصة الرّكّونية الشاعرة، التي يأتي ذكرها، حين فرّ إلى مرسية، وتركها بغرناطة: [الوافر] أحنّ إلى ديارك يا حياتي ... وأبصر ذو وهد سيل الظّبات «١» وأهوى أن أعود إليك لكن ... خفوق البند «٢» عاق عن القنات وكيف إلى جنابك من سبيل ... وليس يحلّه إلّا عداتي! مولده: في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وقال أبو القاسم الغافقي فيه عند ذكره: كان طالبا نبيها، جميلا، سريّا، تامّ المروءة، جميل العشرة. وفاته: قال: مات بغرناطة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة «٣» . حباسة بن ماكسن بن زيري بن مناد الصّنهاجي «٤» كان شهما هيّبا، بهمة من البهم، كريما في قومه، أبيّا في نفسه، صدرا من صدور صنهاجة؛ وكان أشجع من أخيه حبّوس. وفاته: قال أبو مروان «٥» عند ذكر وقعة «رمداي» بطرف قرطبة في حروب البرابرة لأهلها في شوّال عام اثنين وأربعمائة، قال «٦» : واستلحم حباسة بن ماكسن الصنهاجي ابن أخي زاوي بن زيري، وهو فارس صنهاجة طرّا وفتاها؛ وكان قد تقدّم إلى هذه الناحية، زعموا لمّا بلغه اشتداد الأمر فيها، فرمى بنفسه على طلّابها، واتّفق أن ركب بسرج طري العمل متفتح اللّبد، وخانه مقعده عند المجاولة، لتقلّبه على الصّهوة؛ وقيل إنه كان منتبذا على ذلك، فتطارح على من بإزائه، ومضى قدما بسكرى

стр. 306

شجاعته ونشوته، يصافح البيوت بصفحته، ويستقبل القنا بلبّاته، لا يعرض له شيء إلّا حطّه، إلى أن مال به سرجه، فأتيح حمامه لاشتغاله بذلك، بطعنة من يد المسمّى النّبيه النصراني، أحد فرسان الموالي العامريين؛ فسقط لفيه، وانتظمته رماح الموالي فأبادته؛ وحامى أخوه حبّوس، وبنو عمّه، وغيرهم من أنجاد البرابرة على جثته، فلم يقدروا على استنقاذها بعد جلاد طويل، وغلب عليه الموالي فاحتزّوا رأسه، وعجّلوا به إلى قصر السلطان، وأسلموا جسده للعامّة؛ فركبوه بكل عظيمة، واجتمعوا إليه اجتماع البغاث على كبير الصّقورة، فجرّوه في الطرق وطافوا به الأسواق، وقطعوا بعض أعضائه، وأبدوا شواره وكبده بكل مكروه من أنواع الأذى، بأعظم ما ركب ميت، فلمّا سئموا تجراره، أوقدوا له نارا فحرقوه بها جريا على ذميم عادتهم، في قبح المثلة، ولؤم القدرة. وانجلت الحروب في هذا اليوم لمصابه، عن أمر عظيم، وبلغ من جميع البرابرة الحزن عليه مناله، ورأت أن دماء أهل قرطبة جميعا لا تعدله. من الكتاب «المتين» . حبيب بن محمد بن حبيب من أهل النّجش «١» ، من وادي المنصورة «٢» أخوه مالك النّجشي، دباب الحلقات، ومراد أذناب المقرّبين. حاله: كان على سجيّة غريبة من الانقباض المشوب بالاسترسال، والأمانة مع الحاجة، بادي الزّي واللسان، يحفظ الغريب من اللغة، ويحرّك شعرا لا غاية وراءه في الرّكاكة، وله قيام على الفقه وحفظ القرآن، ونغمة حسنة عند التّلاوة. قدم الحضرة غير ما مرة وكان الأستاذ، إمام الجماعة، وسيبويه الصناعة، أبو عبد الله بن الفخّار، المعروف بإلبيري، أبا مثواه ومحطّ طيّته، يطلب منه مشاركته بباب السلطان في جراية يرغب في تسميتها، وحال يروم إصلاحها، فقصدني مصحبا منه رقعة تتضمن الشّفاعة، وعرض عليّ قصيدة من شعره يروم إيصالها إلى السلطان، فراجعت الأستاذ برقعة أثبتها على جهة الإحماض وهي: «يا سيدي الذي أتشرّف، وبالانتماء إلى معارفه أتميّز، وصل إليّ عميد حصن النجش، وناهض أفراخ ذلك العشّ، تلوح عليه مخايل أخيه المسمّى بمالك، ويترجّج به الحكم في الغاية في أمثال تلك المسالك، أشبه من الغراب بالغراب، وإنها لمن

стр. 307

عجائب الماء والتراب، فألقى من ثنائكم الذي أوجبته السيادة والأبوّة، ما يقصر عن طيب الألوّة، وتخجل عند مشاهدته الغرر المجلوّة، وليست بأولي برّ أسديتم، ومكرمة أعدتم وأبديتم، والحسنات وإن كانت فهي إليكم منسوبة، وفي أياديكم محسوبة، وبلوت من الرجل طلعة نتفة، لم يغادر من صفات النبل صفة، حاضر بمسائل من الغريب، وقعد مقعد الذكي الأريب. وعرض عليّ حاجته وغرضه، وطلب مني المشاركة، وهي مني لأمثاله مفترضة، ووعدني بإيقافي على قصيدة حبّرها، وأنسى بالخبر خبرها، وباكرني بها اليوم مباكرة الساقي بدهاقه، وعرضها عليّ عرض التاجر نفائس أعلاقه، وطلب مني أن أهذّب له ما أمكن من معانيها وألفاظها، وأجلو القذى عن ألحاظها، فنظرت منها إلى روض كثرت أثغابه، وجيش من الكلام زاحم خواصّه أو شابه، ورمت الإصلاح ما استطعت، فعجزت عن ذلك وانقطعت، ورأيت لا جدوى إلى ذلك الغرض، ما لم تبدّل الأرض غير الأرض. وهذا الفنّ، أبقى الله سيدي، ما لم يمتّ إلى الإجادة بسبب وثيق، وينتمي في الإحسان إلى مجد عريق، وكان رفضه أحسن وأحمد، واطّراحه بالفائدة أعود، وإذا اعتبره من عدل وقسط، وجده طريقين لا يقبل الوسط، فمنهما مالّ يقتنى ويدّخر، وسافل يهزأ به ويسخّر، والوسط ثقيل لا يتلبّس به نبيل. قيل لبعضهم: ألا تقول الشعر؟ فقال: أريد منه ما لا يتأتّى لي، ويتأتّى لي منه ما لا أريده. وقال بعضهم: فلان كمغنّ وسط لا يجيد فيطرب، ولا يسيء فيسلّي. فاقتضى نظركم الذي لا يفارق السّداد والتوفيق، وإرشادكم الذي رافقه الهدى ونعم الرفيق، أن يشير عليه بالاستغناء عن رفعها، والامتساك عن دفعها، فهو أقوى لأمته «١» ، وأبقى على سكنته وسمته، وأستر لما لديه، قبل أن يمدّ أبو حنيفة رجليه، وإن أصمّت عن هذا العذل مسامعه، وهفت به إلى النجاح مطامعه، فليعتمد على الاختصار، فذو الإكثار جمّ العثار، وليعدل إلى الجادة عن ثنيات الطّرق، ويجتزئ عن القلادة بما أحاط بالعنق، فإذا رتّبها وهذّبها، وأوردها من موارد العبارة أعذبها، تولّيت زفافها وإهداءها، وأمطت بين يدي الكفوء الكريم رداءها، والسلام» . حمدة بنت زياد المكتّب «٢» من ساكني وادي الحمّة بقرية بادي من وادي آش.

стр. 308

حالها: قال أبو القاسم: نبيلة، شاعرة، كاتبة؛ ومن شعرها وهو مشهور «١» : [الوافر] أباح الدّمع أسراري بوادي ... له في الحسن «٢» آثار بوادي فمن نهر «٣» يطوف بكلّ روض ... ومن روض يطوف بكل وادي ومن بين الظّباء مهاة إنس ... سبت لبّي وقد سلبت فؤادي «٤» لها لحظ ترقّده لأمر ... وذاك الأمر يمنعني رقادي إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في جنح السّواد «٥» كأنّ الصّبح مات له شقيق ... فمن حزن تسربل في الحداد «٦» ومن غرائبها «٧» : [الطويل] ولمّا أبى الواشون إلّا قتالنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار «٨»

стр. 309

وشنّوا على آذاننا «١» كلّ غارة ... وقلّت حماتي عند ذاك وأنصاري رميتهم «٢» من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسّيف والسّيل والنار وقال أبو الحسن بن سعيد في حمدة وأختها زينب «٣» : شاعرتان، أديبتان، من أهل الجمال، والمال، والمعارف والصّون، إلّا أن حبّ الأدب كان يحملهما على مخالطة أهله، مع صيانة مشهورة، ونزاهة موثّق بها. حفصة بنت الحاج الرّكوني «٤» من أهل غرناطة، فريدة الزمان في الحسن، والظّرف، والأدب، واللّوذعيّة؛ قال أبو القاسم: كانت أديبة، نبيلة، جيّدة البديهة، سريعة الشعر. بعض أخبارها: قال الوزير أبو بكر بن يحيى بن محمد بن عمر الهمداني: رغبت أختي إلى حفصة أن تكتب شيئا بخطها فكتبت «٥» : [البسيط] يا ربّة الحسن، بل يا ربّة الكرم ... غضّي جفونك عمّا خطّه قلمي «٦» تصفّحيه بلحظ الودّ منعمة ... لا تحفلي بقبيح «٧» الخطّ والكلم قال أبو الحسن بن سعيد، وقد ذكر أنهما باتا بحوز مؤمّل «٨» في جنّة له هنالك على ما يبيت عليه أهل الظّرف والأدب، قال «٩» : [الطويل]

стр. 310

رعى الله ليلا لم يرع بمذمّم ... رعانا ووارانا بحوز مؤمّل «١» وقد نفحت «٢» من نحو نجد أريجة «٣» ... إذا نفحت هبّت بريح «٤» القرنفل وغرّد قمريّ على الدّوح وانثنى ... قضيب من الرّيحان «٥» من فوق جدول يرى «٦» الرّوض مسرورا بما قد بدا له: ... عناق وضمّ وارتشاف مقبّل فقالت: [الطويل] لعمرك ما سرّ الرياض وصالنا «٧» ... ولكنه أبدى لنا الغلّ والحسد ولا صفّق النّهر ارتياحا لقربنا ... ولا صدح «٨» القمريّ إلّا لما وجد «٩» فلا تحسن «١٠» الظّنّ الذي أنت أهله ... فما هو في كل المواطن بالرّشد فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ... لأمر سوى كي ما تكون «١١» لنا رصد قال أبو الحسن بن سعيد: وبالله ما أبدع ما كتبت به إليه وقد بلغها أنه علق بجارية سوداء أسعت له من بعض القصور، فاعتكف معها أياما وليالي، بظاهر غرناطة، في ظلّ ممدود، وطيب هوى مقصور وممدود «١٢» : [مخلع البسيط] يا أظرف الناس قبل حال ... أوقعه نحوه «١٣» القدر عشقت سوداء مثل ليل ... بدائع الحسن قد ستر

стр. 311

لا يظهر البشر في دجاها ... كلّا ولا يبصر الخفر بالله قل لي وأنت أدرى ... بكلّ من هام في الصّور من الذي هام في جنان «١» ... لا نور «٢» فيه ولا زهر؟ فكتب إليها بأظرف اعتذار، وألطف أنوار: [مخلع البسيط] لا حكم إلّا لأمر ناه ... له من الذنب يعتذر «٣» له محيّا به حياتي ... أعيذ مجلاه «٤» بالسّور كضحوة «٥» العيد في ابتهاج ... وطلعة الشّمس والقمر بسعده «٦» لم أمل إليه إلّا ... اطّرافا «٧» له خبر عدمت صبحي فاسودّ عشقي «٨» ... وانعكس الفكر والنّظر إن لم تلح يا نعيم روحي ... فكيف لا تفسد الفكر؟ قال: وبلغنا أنه خلا مع حاتم وغيره من أقاربهم، لهم طرب ولهو، فمرّت على الباب مستترة، وأعطت البوّاب بطاقة فيها مكتوب «٩» : [الخفيف] زائر قد أتى بجيد غزال ... طامع من محبّه بالوصال «١٠» أتراكم بإذنكم مسعفيه ... أم لكم شاغل من الأشغال؟ «١١» فلمّا وصلت الرّقعة إليه، قال: وربّ الكعبة، ما صاحب هذه الرّقعة إلّا الرّقيعة حفصة؛ ثم طلبت فلم توجد، فكتب إليها راغبا في الوصال والأنس

стр. 312

الموصول «١» : [الخفيف] أيّ شغل عن الحبيب «٢» يعوق ... يا صباحا «٣» قد آن منه الشّروق صل وواصل فأنت أشهى إلينا ... من جميع «٤» المنى فكم ذا نشوق بحياة الرّضى يطيب صبوح ... عرفا إن جفوتنا أو غبوق «٥» لا وذلّ الهوى «٦» وعزّ التلاقي ... واجتماع إليه عزّ الطريق وذكرها الأستاذ في «صلته» ، فقال: وكانت أستاذة وقتها، وانتهت إلى أن علّمت النساء في دار المنصور؛ وسألها يوما أن تنشده ارتجالا فقالت «٧» : [المجتث] امنن عليّ بصكّ «٨» ... يكون للدّهر «٩» عدّه تخطّ يمناك فيه: ... الحمد لله وحده «١٠» قال: فمنّ عليها، وحرّز لها ما كان لها من ملك. وفاتها: قالوا: توفيت بحضرة مرّاكش في آخر سنة ثمانين أو إحدى وثمانين وخمسمائة «١١» .

стр. 313

الخضر بن أحمد بن الخضر بن أبي العافية «١» من أهل غرناطة، يكنى أبا القاسم. حاله: من كتاب «عائد الصلة» «٢» : كان، ﵀، صدرا من صدور القضاة، من أهل النظر والتقييد، والعكوف على الطّلب، مضطلعا «٣» بالمسائل، مسائل الأحكام؛ مهتديا «٤» لمظنّات النّصوص، نسخ بيده الكثير، وقيّد على الكثير من المسائل، حتى عرف فضله، واستشاره الناس «٥» في المشكلات. وكان بصيرا بعقد الشروط، ظريف الخطاب «٦» ، بارع الأدب، شاعرا مكثرا، مصيبا غرض الإجادة. وتصرّف في الكتابة السلطانية، ثم في القضاء، وانتقل في الولايات الرفيعة النّبيهة. وجرى ذكره في «التّاج المحلّى» بما نصّه «٧» : «فارس في ميدان البيان، وليس الخبر كالعيان؛ وحامل لواء الإحسان، لأهل هذا الشّان «٨» ؛ رفل في حلل «٩» البدائع فسحب أذيالها، وشعشع أكواس «١٠» العجائب فأدار جريالها «١١» ، واقتحم على الفحول «١٢» أغيالها «١٣» ، وطمح إلى الغاية البعيدة فنالها، وتذوكرت المعضلات «١٤» فقال: أنا لها. عكف واجتهد، وبرز إلى مقارعة المشكلات ونهد، فعلّم وحصّل، وبلغ الغاية وتوصّل؛ وتولّى القضاء، فاضطلع بأحكام الشّرع، وبرع في معرفة الأصل والفرع، وتميّز في المسائل بطول الباع، وسعة الذّراع؛ فأصبح صدرا في مصره، وغرّة في صفحة عصره. وسيمرّ في بديع كلامه، وهثّات «١٥» أقلامه، وغرر إبداعه، ودرر اختراعه، ما يستنير «١٦» لعلم الحليم، وتلقي له البلغاء يد التسليم» .

стр. 314

شعره: قال في غرض الحكمة والأمثال «١» : [الكامل] عزّ «٢» الهوى نقصان والرأي الذي ... ينجيك منه، إذا ارتأيت مروما «٣» فإذا رأيت الرأي يتّبع الهوى ... خالف وفاقهما تعدّ حكيما وكيف تخاف من الحليم مداجيا «٤» ... خف من نصيحك ذي «٥» السّفاهة شوما واحذر معاداة الرجال توقّيا ... منهم ظلوما كنت أو مظلوما فالناس «٦» إما جاهل لا يتّقي ... عارا ولا يخشى العقوبة لوما أو عاقل يرمي بسهم مكيدة ... كالقوس ترسل سهمها مسموما فاحلم عن القسمين تسلم منهما ... وتسد فتدعى سيّدا وحليما «٧» ودع المعاداة «٨» التي من شأنها ... أن لا تديم على الصّفاء قديما «٩» أبت المغالبة الوداد فلا تكن ... ممّن يغالب ما حييت نديما «١٠» وإذا منيت بقربه «١١» فاخفض جنا ... ح «١٢» الذّلّ واخضع ظاعنا ومقيما إنّ الغريب لكالقضيب محاير «١٣» ... إن لم يمل للريح عاد رميما وارع «١٤» الكفاف ولا تجاوز حدّه ... ما بعده يجني عليك هموما وابسط يديك متى غنيت ولا تكن ... فيما «١٥» يكون به المديح ذميما وإذا بذلت فلا تبذّر إنّ ذا ال ... تبذير يومئذ أخوه رجيما «١٦» وعف الورود إذا تزاحم مورد ... واحسب ورود الماء منه حميما واصحب كريم الأصل ذا فضل فمن ... يصحب لئيم الأصل عدّ لئيما فالفضل من لبس الكرام فمن عرى ... عنه فليس لما «١٧» يقول كريما

стр. 315

(إنّ المقارن بالمقارن يفتدي) «١» ... مثل جرى جري الرياح قديما وجماع كلّ الخير في التّقوى فلا ... تعدم حلى التّقوى تعدّ عديما وقال يصف الشّيب من قصيدة، وهي طويلة؛ أولها «٢» : [الكامل] لاح الصباح، صباح شيب المفرق ... فاحمد سراك نجوت ممّا تتّقي هي شيبة الإسلام فاقدر قدرها ... قد أعتقتك وحقّ قدر المعتق خطّت بفودك أبيضا في أسود ... بالعكس من معهود خطّ مهرق «٣» كالبرق راع بسيفه «٤» طرف الدّجى ... فأعار «٥» دهمته شتات «٦» الأبلق كالفجر يرسل في الدّجنّة خيطه ... ويجرّ «٧» ثوب ضيائه بالمشرق كالماء يستره بقعر «٨» طحلب ... فتراه بين خلاله كالزّئبق كالحيّة الرقشاء إلّا أنه ... لا يبرأ الملسوع منه إذا رقي كالنّجم عدّ لرجم شيطان الصّبا ... يا ليت شيطان الصّبا لم يحرق كالزّهر إلّا أنه لم يستنم «٩» ... إلّا بغصن «١٠» ذابل لم يورق كتبسّم الزّنجيّ إلّا أنه ... يبكي العيون بدمعه «١١» المترقرق وكذا البياض قذى العيون ولا ترى ... للعين أبكى «١٢» من بياض المفرق ما للغواني وهو لون خدودها ... يجزعن من لألائه المتألّق وأخلته لمع السّيوف ومن يشم ... لمع السّيوف على المفارق يفرق هو ليس ذاك ولا الذي أنكرته «١٣» ... كن «١٤» خائفا ما خفن منه واتّق داء يعزّ على «١٥» الطبيب دواؤه ... ويضيع خسرا فيه مال المنفق

стр. 316

لكنه والحقّ أصدق مقول ... شين المسيء الفعل زين المتّقي ومن مقطوعاته قوله «١» : [المتقارب] أقلّي فما الفقر بالمرء عار «٢» ... ولا دار من يألف الهون دارا وما «٣» يكسب العزّ إلّا الغنى ... غنى النّفس فلتتّخذه «٤» شعارا وما اجتمع الشّمل في غيره ... فيحسن إلّا وساء انتشارا فزهرة غيرك لا تنظري «٥» ... فيألم قلبك منه انكسارا وهزّي إليك بجذع الرّضى ... تساقط عليك الأماني ثمارا وقال أيضا: [المجتث] العلم حسن وزين ... والجهل قبح وشين والمال عزّ وعيش ... والفقر ذلّ وحين والناس أعضاء جسم ... فمنهم است وعين هذي مقالة حقّ ... ما في الذي قلت مين وقال أيضا: [الخفيف] إن أراك الزمان وجها عبوسا ... فستلقاه بعد ذلك طلقا «٦» لا يهمّنك حاله إنّ في طر ... فة عين ترتاح فيه وتشقى أيّ عزّ رأيت أو أيّ ذلّ ... لذوي الحالتين في الدهر يبقى سل نجوم الدّجى إذا ما استنارت ... ما الذي في وقت الظّهيرة تلقى وتفكّر وقل بغير ارتياب ... كلّ شيء يفنى وربّك يبقى وقال أيضا «٧» : [الكامل] لو أنّ أيام الشّباب تعود لي ... عود النّضارة للقضيب المورق ما إن بكيت على شباب قد ذوى ... وبقيت منتظرا لآخر مونق

стр. 317

وقال في القلم «١» : [الطويل] لك القلم الأعلى الذي طال فخره ... وإن لم يكن إلّا قصيرا مجوّفا تعلّم منه الناس «٢» أبدع حكمة ... فها هو أمضى ما يكون محرّفا وقال في التشبيه: [البسيط] كأنما السّوسن الغضّ الذي افتتحت ... منه كمائمه المبيضّة اللون بنان كفّ فتاة قطّ ما خضبت ... تلقى بها من يراها خيفة العين وقال يعرّض بقوم من بني أرقم: [المتقارب] إذا ما نزلت بوادي الأشى «٣» ... فقل ربّ من لدغه سلّم وكيف السلامة في موطن ... به عصبة من بني أرقم؟ وقال موريا بالفقه، وهو بديع «٤» : [الخفيف] لي دين على الليالي قديم ... ثابت الرّسم منذ خمسين حجّه «٥» أفأعدى بالحكم بعد عليها «٦» ؟ ... أم لها في تقادم الدّهر «٧» حجّه؟ ونختم مقطوعاته بقوله «٨» : [الطويل] نجوت بفضل الله ممّا أخافه ... ولم لا وخير العالمين شفيع؟ وما ضعت في الدنيا بغير شفاعة ... فكيف إذا كان الشفيع أضيّع؟ وقال أيضا: [الطويل] عليك بتقوى الله فيما ترومه ... من الأمر تخلص بالمرام وبالأجر ولا ترج غير الله في نيل حاجة ... ولا دفع ضرّ في سرار ولا جهر فمن أمّ غير الله أشرك عاجلا ... وفارقه إيمانه وهو لا يدري «٩» وفاته: توفي قاضيا ببرجة، وسيق إلى غرناطة، فدفن بباب إلبيرة عصر يوم الأربعاء آخر يوم من ربيع «١٠» عام خمسة وأربعين وسبعمائة.

стр. 318

خالد بن عيسى بن إبراهيم بن أبي خالد البلوي «١» من أهل قنتورية «٢» ، من حصون وادي المنصورة. حاله: هذا الرجل من أهل الفضل والسذاجة، كثير التواضع، منحطّ في ذمّة التّخلّق، نابه الهيئة، حسن الأخلاق، جميل العشرة، محبّ في الأدب؛ قضى ببلده وبغيره، وحجّ وقيّد رحلته في سفر، وصف فيه البلاد ومن لقي، بفصول جلب أكثرها من كلام العماد الأصبهاني، وصفوان وغيرهما، من ملح. وقفل إلى الأندلس، وارتسم في تونس في الكتابة عن أميرها زمانا يسيرا؛ وهو الآن قاض ببعض الجهات الشرقية. وجرى ذكره في الرّحلة «٣» التي صدرت عني في صحبة الرّكاب السلطاني عند تفقّد البلاد الشرقية؛ في فصل حفظه الناس، وأجروه في فكاهاتهم وهو: «حتى إذا الفجر تبلّج، والصّبح من باب المشرق تولّج، عدنا وتوفيق الله قائد، وكنفنا من عنايته صلة وعائد، تتلقّى ركابنا الأفواج، وتحيّينا الهضاب والفجاج إلى قنتورية، فناهيك من مرحلة قصيرة كأيام الوصال، قريبة البكر من الآصال، كان المبيت بإزاء قلعتها السّامية الارتفاع، الشهيرة الامتناع؛ وقد برز أهلها في العديد والعدّة؛ والاحتفال الذي قدم به العهد على طول المدّة، صفوفا بتلك البقعة خيلا ورجلا كشطرنج الرّقعة، لم يتخلّف ولد عن والد، وركب قاضيها ابن أبي خالد؛ وقد شهرته النّزعة الحجازيّة، وقد لبس من الحجازيّ، وأرخى من البياض طيلسانا، وتشبّه بالمشارقة شكلا ولسانا، وصبغ لحيته بالحنّاء والكتم «٤» ، ولاث عمامته واختتم، والبداوة تسمه على الخرطوم، وطبع الماء والهواء يقوده قود الجمل المخطوم، فداعبته مداعبة الأديب للأديب؛ والأريب للأريب، وخيّرته بين خصلتين، وقلت: نظمت مقطوعتين، إحداهما مدح؛ والأخرى قدح؛ فإن همت ديمتك، وكرمت شيمتك، فللذين أحسنوا الحسنى، وإلّا فالمثل الأدنى. فقال: أنشدني لأرى على أيّ امرئ أتيت، وأفرق بين ما جنّيتني وما جنيت، فقلت: [الكامل] قالوا وقد عظمت مبرة خالد ... قاري الضيوف بطارف وبتالد

стр. 319

ماذا تممت به فجئت بحجّة ... قطعت بكل مجادل ومجالد أن يفترق نسب يؤلّف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد وأما الثانية فيكفي من البرق شعاعه، وحسبك من شرّ سماعه. ويسير التنبيه كاف للنّبيه؛ فقال: لست إلى قراي بذي حاجة، وإذا عزمت فأصالحك على دجاجة؛ فقلت: ضريبة غريبة، ومؤنة قريبة؛ عجّل ولا تؤجّل، وإن انصرم أمد النهار فأسجل؛ فلم يكن إلّا كلّا ولا، وأعوانه من القلعة تنحدر، والبشر منهم بقدومها يبتدر، يزفّونها كالعروس فوق الرّءوس، فمن قائل يقول: أمّها يمانيّة، وآخر يقول: أخوها الخصيّ الموجّه إلى الحضرة العليّة، وأدنوا مرابطها من المضرب، بعد صلاة المغرب، وألحفوا في السؤال، وتشطّطوا في طلب النّوال؛ فقلت: يا بني اللّكيعة جئتم ببازي، بماذا كنت أجازي، فانصرفوا وما كادوا يفعلون، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون؛ حتى إذا سلّت لذبحها المدى، وبلغت من طول أعمارها المدى، قلت: يا قوم، ظفرتم بقرّة العين، وأبشروا باقتراب اللقاء فقد ذبحت لكم غراب البين» . ولقد بلغني أنه لهذا العهد بعد أن طال المدى، يتظلّم من ذلك، وينطوي من أجله على الوجدة؛ فكتبت إليه: وصل الله عزّة الفقيه النّبيه، العديم النظير والتّشبيه؛ وارث العدالة عن عمّه وابن أبيه، في عزّة تظلّله، وولاية تتوّج جاهه وتكلّله. داود بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان ابن عمر بن حوط الله الأنصاري الحارثي الأندي «١» يكنى أبا سليمان. أوّليّته: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: من بيت علم وعفاف، أصله من أندة «٢» ، حصن بشرقي الأندلس، وانتقل أبو سليمان هذا مع أخيه أبي محمد إلى حيث يذكر بعد. حاله: قال ابن عبد الملك: كان حافظا للقراءة، عارفا بإقراء القرآن بها، أتقن ذلك عن أبيه، ثم أخيه كبيره أبي محمد، محدّثا متّسع الرواية، شديد العناية بها، كثير

стр. 320

السّماع، مكثرا، عدلا، ضابطا لما ينقله، عارفا بطرق الحديث. أطال الرّحلة في بلاد الأندلس، شرقها وغربها، طالبا العلم بها، ورحل إلى سبتة وغيرها من بلاد الأندلس العدوية «١» . وعني بلقاء الشيوخ كبارا وصغارا والأخذ منهم أتمّ عناية، وحصل له بذلك ما لم يحصل لغيره. وكان فهيما بصيرا بعقد الشروط، حاذقا في استخراج نكتها، تلبّس بكتبها زمانا طويلا بمسجد الوحيد من مالقة، وكان محبّا في العلم وأهله، حريصا على إفادته إيّاهم، صبورا على سماع الحديث، حسن الخلق، طيّب النفس، متواضعا، ورعا، منقبضا، ليّن الجانب، مخفوض الجناح، حسن الهدى، نزيه النفس، كثير الحياء، رقيق القلب، تعدّد الثّناء عليه من الجلّة. قال ابن الزّبير: كان من أهل العدالة والفضل، وحسن الخلق، وطيب النفس والتّواضع، وكثرة الحياء. وقال ابن عبد المجيد: كان ممّن فضّله الله بحسن الخلق والحياء على كثير من العلماء. وقال أبو عبد الله بن سلمة مثل ذلك. وقال ابن «٢» ... بمثله. مشيخته: قال الأستاذ: أقرأ «٣» بمرسية، وأخذ بها، وبقرطبة، ومالقة، وإشبيلية، وغرناطة وسبتة، وغيرها من بلاد الأندلس، وغرب العدوة، واعتناؤه يعينه وأخاه بباب الرّواة، والأخذ عن الشيوخ، حتى اجتمع لهما ما لم يجتمع لأحد من أهل عصرهما؛ فمن ذلك أبوهما أبو داود، وأبو الحسن صالح بن يحيى بن صالح الأنصاري، وأبو القاسم بن حسن، وأبو عبد الله بن حميد، وأبو زيد السّهيلي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن عراق الغافقي، وأبو العباس يحيى بن عبد الرحمن المجريطي، وعن ابن بشكوال. وأخذ عن أبي بكر بن الجد، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي محمد بن عبد الله، وأبي عبد الله بن الفخّار الحافظ، وأبي العباس بن مضاء، وأبي محمد بن بونة، وأبي محمد بن عبد الصمد بن يعيش الغسّاني، وأبي بكر بن أبي حمزة، وأبي جعفر بن حكم الزاهد، وأبي خالد بن يزيد بن رفاعة، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي عبد الله بن عروس، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي محمد بن جمهور، وأبي بكر بن النّيار، وأبي الحسن بن محمد بن عبد العزيز الغافقي الشّقوري، وأبي القاسم الحوفي القاضي، وأبي بكر بن بيبش بن محمد بن بيبش العبدري، وأبي الوليد بن جابر بن هشام الحضرمي، وأبي
следующие страницы →