Полный текст (1 954 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
يسح فيه الغمام بقطرة، ولا لمعت السماء بنزعة، حتى أضرّت الأنفس الشحّ، وحسر العسر عن ساقه، وتوقفت البذور، فساعده الجدّ بنزول الرّحمة عند نزوله من مرقاة المنبر، مجابة دعوة استسقائه، ظاهرة بركة خشوعه، ولذلك ما أنشدته في تلك الحال «١» : [الكامل]
ظمئت إلى السّقيا الأباطح والرّبا ... حتى دعونا العام عاما مجدبا
والغيث مسدول الحجاب وإنما ... علم الغمام قدومكم فتأدّبا
وتولى النظر في الأحكام فأجال قداحها، مضطلعا بأصالة النظر، وإرجاء المشبّهات، وسلك في الخطابة طريقة مثلى، يفرغ في قوالب البيان أغراضها، ويصرف على الأحكام الكوائن والبساطات أساليبها، من المحاكاة، باختلاف القبض والبسط، والوعد والوعيد، حظوظها على مقبض العدل، وسبب الصواب يقوم على كثير مما يصدع به، من ذلك شاهد البديهة، ودليل الاستيعاب. قال شيخنا أبو البركات: ثم صرفت عنها للسبب المتقدم، وبقيت مقيما بها، لما اشتهر من وقوع الوباء بألمريّة، ثم أعدت إلى القضاء والخطابة بألمرية، وكتب بذلك في أوايل رجب عام تسعة وأربعين. وبقيت على ذلك إلى أن صرفت بسبب ما ذكر. ثم أعدت إليها في أواخر رجب سنة ست وخمسين، عسى أن يكون الانقطاع لله سبحانه. فأنا الآن أتمثل بما قاله أبو مطرّف «٢» بن عميرة ﵀: [الخفيف]
قد نسبنا إلى الكتابة يوما ... وأتت «٣» خطّة القضاء تليها
وبكلّ لم نطق للمجد إلّا ... منزلا نابيا وعيشا كريها
نسبة بدّلت فلم تتغيّر ... مثل ما يزعم المهندس فيها
بدّل من لفظ الكتابة إلى الخطابة. وأغرب ما رأيت ما أحكي لك، وأنت أعلم ببعض ذلك، أن أفضل ما صدر عني في ذلك، الخطة من العمل الذي أخلصت لله فيه، ورجوت منه المثوبة عليه، وفيه مع ذلك مفتخر لمن أراد أن يفتخر غير ملتفت للدنيا، فعليه عوّلت سبحانه. انتهى كلامه.
تصانيفه: كتب إليّ بخطّه ما نصه، وهو فصل من فصول: وأما تواليفي فأكثرها، أو كلها عير متمّمة، في مبيّضات. منها كتاب قد يكبو الجواد في أربعين
стр. 457
غلطة عن أربعين من النّقّاد، وهو نوع من تصحيف الحفّاظ للدّارقطني، منها «سلوة الخاطر فيما أشكل من نسبة النّسب الرّتب إلى الذّاكر» . ومنها كتاب «قدر جمّ في نظم الجمل» . ومنها كتاب «خطر فبطر، ونظر فحظر، على تنبيهات على وثائق ابن فتّوح» . ومنها كتاب «الإفصاح فيمن عرف بالأندلس بالصّلاح» . ومنها «حركة الدّخولية في المسألة المالقية» . ومنها «خطرة المجلس في كلمة وقعت في شعر استنصر به أهل الأندلس» جزء صغير. ومنها «تاريخ ألمريّة» غير تام. ومنها ديوان شعره المسمى ب «العذب والأجاج في شعر أبي البركات ابن الحاج» «١» . ومختصره سمّاه القاضي الشريف «اللؤلؤ والمرجان، اللذان من العذب والأجاج يستخرجان» «٢» . ومنها «عرائس بنات الخواطر المجلوّة على منصّات المنابر» يحتوي على فصول الخطب التي أنشئت بطول بنى والخطابة. ومنها «المؤتمن على أنباء أبناء الزمن» . ومنها تأليف في أسماء الكتب، والتّعريف بمؤلفيها، على حروف المعجم.
ومنها «ما اتفق لأبي البركات فيما يشبه الكرامات» . ومنها كتاب «ما رأيت وما رئي لي من المقامات» . ومنها كتاب «المرجع بالدّرك على من أنكر وقوع المشترك» .
ومنها «مشبّهات اصطلاح العلوم» . ومنها «ما كثر وروده في مجلس القضاء» . ومنها «الغلسيّات» ، وهو ما صدر عني من الكلام على صحيح مسلم أيام التكلّم عليه في التّغليس. ومنها «الفصول والأبواب، في ذكر من أخذ عني من الشيوخ والأتباع والأصحاب» .
ثم قال: وقد ذهب شرخ الشّباب ونشاطه، وتقطّعت أوصاله، ورحل رباطه، وأصبحت النفس تنظر لهذا كله بعين الإمهال والإغفال، وقلّة المبالاة التي لا يصل أحد بها إلى منال. وهذه الأعمال لا ينشّط إليها إلّا المحرّكات التي هي مفقودة عندي، أحدها طلبة مجتمعون متعطّشون إلى ما عندي، متشوّفون غاية التّشوّف، وأين هذه بألمرية؟ الثاني، طلب رياسة على هذا، ومتى يرأس أحد بهذا اليوم، وعلى تقدير أن يرأس به وهو محال في عادة هذا الوقت، فالتشوّف لهذه الرياسة مفقود عندي.
الثالث، سلطان يملأ يد من يظهر مثل هذا، على يده غبطة، وما تم هذا. الرابع، نيّة خالصة لوجه الله تعالى في الإفادة، وهذا أيضا مفقود عندي، ولا بدّ من الإنصاف.
الخامس، قصد بقاء الذّكر، وهذا خيال ضعيف بعيد عني. السادس، الشفقة على شيء ابتدى، وسعي في تحصيل مباديه، أن يضيع على قطع ما سوى هذا الإشفاق،
стр. 458
وهذا السادس، هو الذي في نفسي منه شيء، وبه أنا أقيد أسماء من لقيت، وما أخذت، ويكون إن شاء الله إبراز إذا الصّحف نشرت. وأكثر زماني يذهب في كيفية الخروج عما أنا فيه، فإذا ينظر إليّ العاقل في هذا الوقت بعين البصيرة، لا يسعه إلّا الشّفقة عليّ، والرّحمة لي، فإنه يرى رجلا مطرقا أكثر نهاره، ينظر إلى مآله، فلا ينشط إلى إصلاحه، وهو سابع ولا يلبس بالعبادة، وهو في زمانها المقارب للفوت، ولا ينهض إلى إقامة حقّ كما ينبغي لعدم المعين، ولا يجنح إلى شيء من راحات الدنيا، ويشاهد من علوم الباطل الذي لا طاقة له على رفعه ما يضيّق صدر الحرّ يقضي نصف النهار، محتلّا في مكان غير حسن، تارة يفكر، وتارة يكتب ما هو على يقين منه أنه كذا لا ينتفع به، ونصف النهار يقعد للناس، تارة يرى ما يكره، وتارة يسمع ما يكره، لا صديق يذكّره بأمر الآخرة، ولا صديق يسليه بأمر الدنيا، يكفيني من هذه الغزارة، اللهمّ إليك المشتكى يا من بيده الخلق، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.
شعره: من مطوّلاته في النزعة الغربية التي انفرد بها، منقولا من ديوانه، قال:
ومما نظمته بسبتة في ذي الحجة من عام خمسة وعشرين وسبعمائة، في وصف حالي، وأخذها عني الأستاذ بسبتة، أبو عبد الله بن هاني، والأديب البارع أبو القاسم الحسيني، وأبو القاسم بن حزب الله، وسواهم. ولما انفصلت من سبتة إلى بلاد الريف «١» زدت عليها أبياتا في أولها، وكثر ذلك بوادي لو من بلاد الريف وهي:
[الطويل]
تأسفت لكن حين عزّ التأسّف ... وكفكفت دمعا حين لا عين تذرف
ورام سكونا هو في رجل طائر ... ونادى بأنس والمنازل تعنف
أراقب قلبي مرّة بعد مرة ... فألفيه ذيّاك الذي أنا أعرف
سقيم ولكن لا يحسّ بدائه ... سوى من له في مأزق الموت موقف
وجاذب قلبا ليس يأوي لمألف ... وعالج نفسا داؤها يتضاعف
وأعجب ما فيه استواء صفاته ... إذ الهمّ يشقيه أو السرّ ينزف
إذا حلّت الضّرّاء لم ينفعل لها ... وإن حلّت السّراء لا يتكيّف
مذاهبه لم تبد غاية أمره ... فؤاد، لعمري، لا يرى منه أطرف
فما أنا من قوم قصارى همومهم ... بنوهم وأهلهم وثوب وأرغف
стр. 459
ولا لي بالإسراف فكر محدث ... سيغدو حبيبي أو سيشعر مطرف
ولا أنا ممّن لهوه جلّ شأنه ... بروض أنيق أو غزال مهفهف
ولا أنا ممّن أنسه غاية المنى ... بصوت رخيم أو نديم وقرقف
ولا أنا ممّن تزدهيه مصانع ... ويسبيه بستان ويلهيه مخرّف
ولا أنا ممن همّه جمعها فإن ... تراءت يثب بسعي لها وهو مرجف
على أنّ دهري لم تدع لي صروفه ... من المال إلّا مسحة أو مجلف
ولا أنا ممن هذه الدار همّه ... وقد غرّه منها جمال وزخرف
ولا أنا ممن للسّؤال قد انبرى ... ولا أنا ممن صان عنه التّعطف
ولا أنا ممن نجّح الله سعيهم ... فهمّتهم فيها مصلّى ومصحف
فلا في هوى أضحى إلى اللهو قائدا ... ولا في تقى أمسى إلى الله يزلف
أحارب دهري في نقيض طباعه ... وحربك من يقضي عليك تعجرف
وأنظره شزرا بأصلف ناظر ... فيعرض عنّي وهو أزهى وأصلف
وأضبطه ضبط المحدّث صحفه ... فيخرج في التّوقيع أنت المصحف
ويأخذ مني كلّ ما عزّ نيله ... ويبدو بجهلي منه في الأخذ محتف
أدور له في كل وجه لعلّني ... سأثبته وهو الذي ظلّ يحذف
ولما يئسنا منه تهنّا ضرورة ... فلم تبق لي فيها عليه تشوّف
تكلّفت قطع الأرض أطلب سلوة ... لنفسي فما أجدى بتلك التكلّف
وخاطرت بالنفس العزيزة مقدما ... إذا ما تخطّى النّصل قصد مرهف
وصرّفت نفسي في شؤون كثيرة ... لحظّي فلم يظفر بذاك التّصرّف
وخضت لأنواع المعارف أبحرا ... ففي الحين ما استجرتها وهي تترف
ولم أحل من تلك المعاني بطائل ... وإن كان أهلوها أطالوا وأسرفوا
وقد مرّ من عمري الألذّ وها أنا ... على ما مضى من عهده أتلهّف
وإني على ما قد بقي منه إن بقي ... لحرمة ما قد ضاع لي أتخوّف
أعدّ ليالي العمر والفرض صومها ... وحسبك من فرض المحال تعسّف
على أنها إن سلّمت جدليّة ... تعارض آمالا عليها ينيّف
تحدّثني الآمال وهي كدينها ... تبدّل في تحديثها وتحرّف
بأنّي في الدّنيا سأقضي مآربي ... وبعد يحقّ الزهد لي والتقشّف
وتلك أمان لا حقيقة عندها ... أفي قرني الضّدّين يبقى التكلّف؟
стр. 460
وربّ أخلّاء شكوت إليهم ... ولكن لفهم الحال إذ ذاك لم يفوا «١»
فبعضهم يزري عليّ وبعضهم ... يغضّ وبعض يرثي ثم يصدف
وبعضهم يومي إليّ تعجّبا ... وبعض بما قد رأيته يتوقف
وبعضهم يلقي جوابه على ... مقتضى العقل الذي عنه يتوقّف
يسيء استماعا ثم يعدّ إجابة ... على غير ما تحذوه يحذو ويخصف
ولا هو يبدي لي عليّ تعقّلا ... ولا هو يرثي لي ولا هو يعنف
وما أمرنا إلّا سواء إنما ... عرفنا وكلّ منهم ليس يعرف
فلو قد فرغنا من علاج نفوسنا ... وحطّوا الدنيّة من عليل وأنصفوا «٢»
أما لهم من علّة أرمت بهم ... ولم يعرفوا أغوارها وهي تتلف؟
وحضنا لهم في الكتب عن كنه أمرهم ... ومثلي عن تلك الحقائق يكشف
وصنّفت في الآفات كلّ غريبة ... فجاء كما يهوى الغريب المصنّف
وليس عجيبا من تركّب جهلهم ... فإن يحجبوا عن مثل ذاك وصرّفوا «٣»
إذا جاءنا بالسّخف من نزو عقله ... إذا ما مثلناه أزهى وأسخف
فما جاءنا إلّا بأمر مناسب ... أينهض عن كفّ الجبان المثقّف؟
ولكن عجيب الأمر علمي وغفلتي ... فديتكم أيّ المحاسن أكشف
إلّا أنها الأقدار يظهر سرّها ... إذا ما وفى المقدور فالرأي يخلف
أيا ربّ إن اللّب طاش بما جرى ... به قلم الأقدار والقلب يرجف
وإنّا لندعوهم ونخشى وإنما ... على رسمك الشّرعي من لك يعكف
أقول وفي أثناء ما أنا قائل ... رأيت المنايا وهي لي تتخطّف
وإني مع السّاعات كيف تقلّبت ... لأسهمها إن فوّقت متهدّف
وما جرّ ذا التّسويف إلّا شيبتي ... تخيّل لي طول المدى فأسوّف
إذا جاء يوم قلت هو الذي يلي ... ووقتك في الدنيا جليس مخفّف
أقدّم رجلا عند تأخير أختها ... إذا لاح شمس فالنّفس تكسف
كأنّي لداني المراقد منهم ... ولم أودعهم والخضّ ريّان ينسف
وهبني أعيش هل إذا شاب مفرقي ... وولّى شبابي هل يباح التّشوّف؟
وكيف ويستدعي الطريق رياضة ... وتلك على عصر الشّباب توظّف
стр. 461
متى يقبل التّقويم غير عطوفة ... وبي بعده حسّان «١» فالنّار تنسف؟
ولو لم يكن إلّا ظهورة سرّه ... إذا ما دنا التّدليس هان التنطّف
أمولى الأسارى أنت أولى بعذرهم ... وأنت على المملوك أحقّ وأعطف
قذفنا بلجّ البحر والقيد آخذ ... بأرجلنا والرّيح بالموج تعصف
وفي الكون من سرّ الوجود عجائب ... أطلّ عليها العارفون وأشرفوا «٢»
وكعت عليهم نكثة فتأخّروا ... وددت بأن القوم بالكل أسعف
فليس لنا إلّا أن نحطّ رقابنا ... بأبواب الاستسلام والله يلطف
فهذا سبيل ليس للعبد غيرها ... وإلّا فماذا يستطيع المكلّف
وقال: وضمنها محاورة بينه وبين نفسه، وقيّدتها عنه زوال يوم الثلاثاء التاسع والعشرين لمحرم خمس وخمسين وسبعمائة، برابطة العقاب «٣» ، متعبد الشيخ ولي الله أبي إسحاق الإلبيري، ﵀، فمنها «٤» : [الكامل]
يأبى شجون حديثي الإفصاح ... إذ لا تقوم بشرحه الألواح
قالت صفية إذ مررت «٥» بها ... أفلا تنزّل ساعة ترتاح؟
فأجبتها لولا الرقيب لكان لي «٦» ... ما تبتغي بعد الغدوّ رواح
قالت: وهل في الحيّ حيّ غيرنا؟ ... فاسمح فديتك فالسماح رياح
فأجبتها: إنّ الرقيب هو الذي «٧» ... بيديه منّا هذه الأرواح
وهو الشهيد على موارد عبده ... سيّان ما الإخفاء والإفصاح «٨»
قالت وأين يكون جود «٩» الله إذ ... يخشى «١٠» ومنه هذه الأفراح
فافرح بإذن «١١» الله ﷻ ... واشطح فنشوان الهوى شطّاح
стр. 462
وانهج «١» على ذمم الرجال ولا تخف ... فالحكم «٢» رحب والنّوال مباح
وانزل على حكم السّرور ولا تبل ... فالوقت صاف ما عليك جناح
واخلع عذارك في الخلاعة يا أخي ... باسم الذي دارت به الأقداح
وانظر إلى هذا النهار فسنّه ... ضحكت ونور جبينه وضّاح
أنواره ضحكت «٣» وأترع كأسه ... فقد استوى ريحانه والرّاح
وانظر إلى الدنيا بنظرة رحمة ... فجفاؤها بوفائها ينزاح
فأجبتها لو كنت تعلم «٤» ما الذي ... يبدو لتاركها وما يلتاح
من كلّ معنى غامض من أجله ... قد ساح قوم في الجبال وناحوا «٥»
حتى لقد سكروا من الأمر الذي ... هاموا به عند العيان فباحوا «٦»
لعذرتني وعلمت أني طالب ... ما الزهد في الدنيا له مفتاح
فاترك صفيّك قارعا باب الرضى ... والله ﷻ الفتّاح
يا حيّ «٧» ، حيّ على الفلاح وخلّني ... فجماعتي حثّوا المطيّ وراحوا «٨»
وقيدت من خطه في جملة ما كتب إليّ ما نصه:
ومما نظمته بغرناطة، وبعضه ببرجة، وهو مما يعجبني، وأظنه كتبه لك، وهو غريب المنزع، وإنه لكما، قال «٩» : [الكامل]
خذها على رغم الفقيه سلافة ... تجلى بها الأقمار في شمس الضّحى
أبدى أطباء القلوب لأهلها ... منها شرابا للنفس مبرّحا «١٠»
وإذا المرائي «١١» قال في نشوانها ... قل أنت بالإخلاص فيمن قد صحا
ياقوتة «١٢» دارت على أربابها ... فاهتزّت الأقدام منها واللّحا
مزجت فغار الشيخ من تركيبها ... فلذاك جرّدها وصاح وسرّحا «١٣»
فبدت «١٤» فغار الشيخ من إظهارها ... فاشتدّ يبتدر الحجاب ملوّحا
стр. 463
لا تعترض أبدا على مسترفد «١» ... قد غار من أسرارها أن يفضحا «٢»
وكذاك لا تعتب على مستهتر ... لم يدر ما الإيضاح لمّا أوضحا
سكران يعثر في ذيول لسانه ... كفرا ويحسب أنه قد سبّحا
كتم الهوى حريّة «٣» بعض وبع ... ض ضاق ذرعا بالغرام فبرّحا
لا تخشينّ «٤» على العدالة هاتفا ... ثغر «٥» ارتياح العاشقين فجرّحا «٦»
الحبّ خمر العارفين قد ضفت «٧» ... حتما على من ذاقها أن يشطحا
فاشطح على هذا الوجود وأهله ... عجبا فليس براجح من رجّحا
كبّر عليهم إنهم موتى على ... غير الشّهادة ما أغرّ وأقبحا
واهزأ بهم فمتى يقل نصحاؤهم ... أهج «٨» فقل حتى ألاقي مفلحا
وإذا أريبهم «٩» استخفّ فقل له ... بالله يا يحيى بن يحيى دع جحا
أبني سليم قد نجا مجنونكم ... مجنون ليلى العارفين «١٠» به قد محا
هل يستوي من لم يبح بحبيبه ... مع من بذكر حبيبه قد أفصحا «١١»
فافرح وطب وابهج «١٢» وقل ما شئته «١٣» ... ما أملح الفقراء يا ما أملحا
ومن مقطوعاته التي هي آيات العجائب، وطرر حلل البدائع في شتى الأغراض والمقاصد، قوله يعتذر لبعض الطلبة، وقد استدبره ببعض حلق العلم بسبتة «١٤» : [السريع]
إن كنت أبصرتك لا أبصرت ... بصيرتي في الحقّ برهانها
لا غرو أني لم أشاهدكم ... فالعين لا تبصر إنسانها «١٥»
стр. 464
ومنها قوله في غرض التورية، وهو بديع في معناه «١» : [الطويل]
يلومونني بعد العذار على الهوى ... ومثلي في وجدي «٢» له لا يفنّد «٣»
يقولون «٤» أمسك عنه قد ذهب الصّبا ... وكيف يرى «٥» الإمساك والخيط أسود؟ «٦»
ومنها قوله في المجبّنات، وهو من الغريب البديع «٧» : [الطويل]
ومصفرّة الخدّين مطويّة الحشا ... على «٨» الجبن والمصفرّ يؤذن بالخوف
لها هيئة «٩» كالشمس عند طلوعها ... ولكنها في الحين تغرب في الجوف
ومنها قوله في النّصح، ولها حكاية تقتضي ذلك: [الكامل]
لا تبذلنّ نصيحة إلّا لمن ... تلقى لبذل النّصح منه قبولا
فالنصح إن وجد القبول فضيلة ... ويكون إن عدم القبول فضولا
ومنها في الحكم «١٠» : [الخفيف]
ما رأيت الهموم تدخل إلّا ... من دروب العيون والآذان
غضّ طرفا وسدّ سمعا ومهما «١١» ... تلق همّا فلا تثق بضمان
ومنها قوله، وهو من المعاني المبتكرات «١٢» : [الكامل]
حزنت عليك العين يا مغنى الهوى ... فالدمع منها بعد بعدك ما رقا «١٣»
стр. 465
ولذاك قد «١» صبغت «٢» بلون أزرق ... أو ما ترى ثوب المآتم أزرقا؟
ومنها قوله في المعاني الغربية. قال: ومما نظمته في عام أربعة وأربعين في التفكر في المعاني، مغلق العينين: [السريع]
أبحث فيما أنا حصّلته ... عند انغماض العين في جفنها
أحسبني كالشاة مجترّة ... تمضغ ما يخرج من بطنها
وقال: ومما نظمته بين أندرش وبرجة «٣» عام أربعة وأربعين، وأنا راكب مسافر، وهو مما يعجبني، إذ ليس كل ما يصدر عني يعجبني. قلت ويحقّ أن يعجبه «٤» :
[الطويل]
تطالبني نفسي بما ليس لي به ... يدان «٥» فأعطيها الأمان «٦» فتقبل
عجبت لخصم لجّ في طلباته ... يصالح عنها «٧» بالمحال فيفصل
[قال: ومما نظمته في السنّة المذكورة من ذمّ النساء] «٨» : [الخفيف]
ما رأيت النّساء يصلحن إلّا ... للذي يصلح الكنيف لأجله «٩»
فعلى هذه الشريطة صالح «١٠» ... هنّ لا تعد بامرئ عن محلّه
قال: ومما نظمته في السنّة المذكورة «١١» : [الخفيف]
قد هجرت «١٢» النساء دهرا فلم أب ... لغ أذاني «١٣» صفاتهنّ الذميمه
ما عسى أن يقال في هجو من قد ... خصّه المصطفى بأقبح شيمه
أو يبقى لناقص «١٤» العقل والدّي ... ن إذا عدّت المثالب قيمه؟
وقال: وما نظمته في تاريخ لا أذكره الآن، هذان البيتان، ولم أر معناهما لمن مضى. ولو رحل رجل إلى خراسان، ولم يأت إلّا بهما، كان ممن لم يخفق
стр. 466
مسعاه، ولا أجدب مرعاه، ينفتح بهما للقلب باب من الراحة فسيح، إذا أجهده ما يكابد من المضاضة، ونقض العهود، واختلاف الوعود. وهذه المحنة من شرّ ما ابتلي به بنو آدم، شنشنة نعرفها من أمرهم. ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي «١» :
[الطويل]
رعى الله إخوان الخيانة إنهم ... كفونا مؤونات البقاء «٢» على العهد
فلو «٣» قد وفوا كنّا «٤» أسارى حقوقهم ... نراوح ما «٥» بين النّسيئة والنقد
وقال يداعبني، وعلى سبيل الكناية يخاطبني: ولقد لقيت رجلا ببلاد الهند يعرف بأبي البركات ابن الحاج، وكان برد في بستان كان له، فقلت أهجوه عام أربعة وأربعين وسبعمائة: [الكامل]
قالوا أبو البركات جمّ «٦» ماؤه ... فغدا أبو البركات لا البركات «٧»
قلنا لأن يكنى بموجوداته ... أولى من أن يكنى بمعدومات
ومما نظمته عام خمسة وأربعين وسبعمائة «٨» : [السريع]
قد كنت معذورا بعلمي وما ... أبثّ من وعظي بين البشر «٩»
من حيث قد أمّلت إصلاحهم ... بالوعظ والعلم فخان النّطر
فلم أجد أوعظ للناس من ... أصوات وعّاظ جلود البقر
ومما نظمته بمرسى تلهى، من بلد هنين «١٠» ، عام ثلاثة وخمسين، وقد أصابني هوس في البحر وخاطبت به بعض الأصحاب: [الكامل]
رأسي به هوس جديد لا الذي ... تدريه من هوس قديم فيه
قد حلّ ما أبديه من هذا كما ... قد حلّ من ذاك الذي أخفيه
стр. 467
ومن الملح قوله: قال: وبتّ بحمام الخندق من داخل ألمرية ليلة الجمعة الثامن من شهر محرم عام اثنين وثلاثين منفردا، فطفىء المصباح، وبقيت مفكرا، فخطر ببالي ما يقول الناس من تخيّل الجنّ في الأرحاء والحمامات، وعدم إقدام كافة الناس إلّا ما شذّ عند دخولها منفردين بالليل، لا سيما في الظلام، واستشعرت قوة في نفسي عند ذلك، أعراض وأوهام، فقلت مرتجلا، رافعا بذلك صوتي: [الكامل]
زعم الذين عقولهم قدرها ... إن عرّضت للبيع غير ثمين
أن الرّحا معمورة بالجن وال ... حمّام عندهم كذا بيقين
إن كان ما قالوه حقا فاحضروا ... للحرب هذا اليوم من صفّين
فلئن حضرتم فاعلموا بحقيقة ... بأني مصارع قيس المجنون
قال: ودخلت رياضا يوما، فوجدت كساء منشورا للشمس لم أعرفه من حوائجي، ولا من حوائج حارسة البستان، فسألتها فقالت: هو لجارتي، فقلت:
[الكامل]
من منصفي من جارتي جارت على ... مالي كأني كنت من أعدائها
عمدت إلى الشمس التي انتشرت على ... أرضي وأمّت فيه بئس كسائها
لولا غيوم يوم تيبس الكسا ... سرّت لحجب السّحب جلّ ضيائها
لقضيت منهم الخسار لأنني ... أصبحت مزورا على بخلائها
قلت: وصرت إلى مغنى بحمّة بجّانة «١» ، وسار معي كلب كان يحرس رياضي اسمه قطمير، وهو، فيما يذكر، كلب أهل الكهف، في بعض الأقوال، فتبعني من ألمريّة إلى الحمّة، ثم من الحمّة إلى ألمرية، فقلت: [المتقارب]
رحلت وقطمير كلبي رفيقي ... يونس قلبي بطول الطريق
فلمّا أنخت أناخ حذائي ... يلاحظني لحظ خلّ شفيق
ويرعى أذمّة رفقي كما ... يتغنّى الصديق الصدوق
على حين قومي بني آدم ... بلؤمهم لم يوفوا حقوقي
ولا فرق بين الأباعد منهم ... وبين أخ مستحب شفيق
أو ابن متى تلقاه تلقه ... هويّ اشتياق بقلب خفوق
стр. 468
فما منهم من وليّ حميم ... ولا ذي إخاء صحيح حقيق
وناهيك ممن يفضّل كلبا ... عليهم فيا ويلهم من رفيق
ألا من يرقّ لشيخ غريب ... أبي البركات الفتى البلفيق
وقال: وممّا نظمته بتاريخ لا أذكره هذين البيتين «١» : [الطويل]
وإنّي لخير «٢» من زماني وأهله ... على أنني للشّرّ أوّل سائق «٣»
لحى الله دهرا قد تقدّمت أهله ... فتلك لعمر الله إحدى البوائق
ومن النزعات الشاذة الأغراض: [البسيط]
لا بارك الله في الزّهاد إنهم ... لم يتركوا عرض الدنيا لفضلهم
بل أثقلتهم تكاليف الحياة فلم ... يصايروها فملّوا ثقل حملهم
وعظّم الناس منهم تركها فغدوا ... من غبطة التّرك في حرص لأجلهم
نعم أسلّم أن القوم إذ زهدوا ... زادا وأعلى الناس طرّا فضل تركهم
من حيث قد أحرزوا التّرجيح دونهم ... لا شيء أبين من ترجيح فضلهم
فالمال والجود والراحات غاية ما ... يحكي لنا الزهد في ذاعن أجلّهم
والزاهدون براحات القلوب مع ال ... أبدان سرّوا وعزّوا بعد ذلّهم
فكل ما فرّقوا قد حصّلوا غرضا ... منه وزادوا ثناء الناس كلّهم
قال: ومما نظمته عام أربعين في ذم الخمر من جهة الدنيا، لا من جهة الدين، إذ ليس بغريب: [الطويل]
لقد ذمّ بعض الخمر قوم لأنها ... تكرّ على دين الفتى بفساد
وقد سلّموا قول الذي قال إنها ... تحلّ من الدنيا بأعظم ناد
وتذهب بالمال العظيم فلن ترى ... لمدمنها من طارف وتلاد
فيمسي كريما سيّدا ثم يغتدي ... سفيها حليف الغيّ بعد رشاد
وقالوا: تسلّى وهو عارية لها ... وإلّا فلم يأتوا لذاك بشاد
وصلّ «٤» ونور وحسناء طفلة ... ومرأى به للطّريف سير جواد
стр. 469
وهلّا «١» يداوى من مرارتها التي ... أواخرها مقرونة بمهاد؟
ولو أشرب الإنسان مهلا بهذه ... لأصبح مسرورا بأطيب زاد
ومن حسن حال الشّاربين يقيّؤ ... نها بالرغم من برق وساد «٢»
ومن حسن ذا المحروم أنّ مدامه ... إذا غلبت تكسوه ثوب رقاد
فيختلف النّدمان طرّا لروحه ... ويحدوهم نحو المروءة حادي
ومن حسنه بين الورى ضرب ظهره ... فيمسي بلا حرب رهين جلاد
مجانين في الأوهام قد ضلّ سعيهم ... يخففون بيعا بحسن غواد
ومن نظمه في الإنحاء على نفسه، واستبعاد وجوه المطالب في جنسه، ممّا نظمته يوم عرفة عام خمسين «٣» وأنا منزو في غار ببعض جبال ألمرية «٤» :
[الخفيف]
زعموا أنّ في الجبال رجالا «٥» ... صالحينا «٦» قالوا من الأبدال
وادّعوا أنّ كلّ من ساح فيها ... فسيلقاهم على كلّ حال
فاخترقنا تلك الجبال مرارا ... بنعال طورا ودون نعال
ما رأينا فيها سويّ «٧» الأفاعي ... وشبا «٨» عقرب كمثل النبال
وسباعا يجرون «٩» بالليل عدوا ... لا تسلني عنهم بتلك الليالي «١٠»
ولو أنّا «١١» لدى العدوة الأخ ... رى رأينا نواجذ الرّئبال «١٢»
وإذا أظلم الدّجى جاء إبلي ... س إلينا يزور طيف الخيال «١٣»
стр. 470
هو كان الأنيس فيها ولولا ... هـ أصيبت عقولنا بالخبال «١»
خلّ عنك المحال يا من تعنّى ... ليس يلقى «٢» الرّجال غير الرجال
قال: ومن المنازع الغريبة ذمّ الأصحاب ومدح الأعداء، فمن ذلك قولي:
[المتقارب]
جزى الله بالخير أعداءنا ... فموردهم أنسى المصدر
هم حملونا على العرف كرها ... وهم صرفونا عن المنكر
وهم أقعدونا بمجلس حكم ... وهم بوّؤونا ذرى المنبر
وهم صيّرونا أئمة علم ... ودين وحسبك من مفخر
عدوّي بأول فدي مأثم ... وإن جئت بالإثم لم يعذر
وأنت ترى تمحيص من يعد ... ل بين المسيء وبين البري «٣»
ولا زوّد الله أصحابنا ... بزاد تقيّ ولا خيّر
هم جرّؤونا على كل إثم ... وما كنت لولاهم بالمخبر
وعدّوا من اكبار آثامنا ... فكانوا أضرّ من الفاتر
أعارني القوم ثوب التّقى ... وإني مما أعاروني بري
إذا خدعوني ولم ينصحوا ... وإني بالنّصح منهم حري
فمن كان يكذب حال الرّضى ... يصدق في غضب يفتري
بلى سوف تلقى لدى الحالتين ... يحكم النّفس هوى الفري
فياربّ أبق علينا عقولنا ... نبيع بها وبها نشتري
قال: وما رأيت هذا المعنى قط لأحد، ثم رأيت بعد ذلك لبعضهم ما معناه:
[الطويل]
عداتي لهم فضل عليّ ومنّة ... فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا
هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
فوقع حافري على ساق هذا. قال: ومما نظمته، متخيّلا أني سابق معناه:
[الوافر]
خلسنا ليلة من كفّ دهر ... ضنين بالليالي الطيّبات
стр. 471
سلكنا للهوى والعقل فيها ... مسالك قد جلين على الشّتات
قضينا بعض حقّ النفس فيها ... وحقّ الله مرعيّ الثّبات
فلم نر قبله في الدهر وقتا ... بدت حسناته في السيّئات
ثم رأيت بعد ذلك على هذا: [مخلع البسيط]
لا وليال على المصلّى ... تسرق في نسكها الذنوب
فوقعت ساقي على حافر هذا المحروم، إلا أني جرّدت ذلك في المعنى، وأوضحته، وجلوته على كرسي التّقعيد والتّنجيد، فلولا التاريخ لعاد سارق البرق.
نثره: وأمّا نثره، فنمط مرتفع عن معتاد عصره، استنفارا وبلاغة، واسترسالا وحلاوة، قلّما يعرّج على السّجع، أو يأمر على التّكليف، وهو كثير بحيث لا يتعيّن عيونه، ولكن نلمع منه نبذة، ونجلب منه يسيرا. كتب إليّ عند إيابي من الرّسالة إلى ملك المغرب، متمثّلا ببيتين لمن قبله، صدّر بهما «١» : [السريع]
أيتها «٢» النفس إليه اذهبي ... فحبّه المشهور من مذهبي
أيأسني «٣» التّوبة من حبّه ... طلوعه شمسا من المغرب
بل محلّك أمثل من التمثيل بالشمس، فلو كان طلوعك على هذه الأقطار شمسا، لأصبح جلّها لك عبّاد. ولو كان نزولك مطرا لتكيّفت الصّخور ترابا دمثا.
ولولا معرفتنا معشر إخوان الصّفا، بإقرار أنفسنا، لحكمنا بأن قلوبنا تمائم لأصدقائنا، ولكن سبقت عيون السعادة بالكلّات، فلو تصادف بالرضى محلّا؛ لأنّ تحصيل الحاصل محال، لا زلت محروسا، بعين الذي لا تأخذه سنة ولا نوم مكنوفة ببركة الذي يرومه رائم، والسلام.
وكتب إليّ عند ما تقلّدت من رئاسة الإنشاء ما تقلدت: تخصكم يا محلّ الابن الأرضى ولادة، والأخ الصادق إخلاصا وودّا، خصّكم الله من السعادة بأعلاها مرقى، وأفضلها عقبى، وأحمدها غنى، وأكرمها مسعى، تحيّة اللهفان إلى أيام لقائك، المسلى عنها بتأميل العود إليها، المزجى أوقاته بترداد الفكر فيها، محمد بن الحاج، أبقاه الله، عن شوق، والذي لا إله إلّا هو، لم أجد قط مثله إلى وليّ حميم. والله على ما نقول وكيل، معرّفا أنني بعلاقمه، وتصليني عن كسره مجامعه، لما اعتنى به
стр. 472
من توقّلكم بالرّتبة التي ما زال أحبّاؤكم بها ممطولي برّه، على أنك لم تزد بذلك رتبة على ما كنت باعتبار الأهليّة، والمكانة العليّة، إلّا عند الأطفال والأغفال، والمحلّقين من النساء والرجال، لكن أفزعتنا هذه المخاطبة المحظيّة في قالب الجمهور، ولم نسر فيها، على الأصح، لكن على الجمهور، ولو كانت مصارف الوجود بيدي، لوافتك من الوجود منازل أسمائه منازل، وأوطأتك أفلاكه مراكب، وأوردتك كوثره مشربا، وأحللتك أرفعه معقلا، وأقبستك بدره مصباحا، وأهدتك أسراره تحفا. وقد تبلغ المقاصد مبالغ لا تنتهي أقاصيها الأعمال، فنحن وما نضمره لتلك الجملة الجليلة الفاضلة، مما الله رقيب عليه، ومحيط بدقائقه. ولو كانت لهذا العبد الغافل، المأسور في قيد نفسه، المحزون على انتهاب الأيام، رأس عمره في غير شيء، دعوة يساعدها الوجد حتى يغلب على ظنّه أن العليم بذات الصدور، ولّاها من قبوله بارقة لخصّك بها، والله شهيد على ما تكنّه الأفئدة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والفضل جمّ، والمحاسن عديدة، فلنقصر اضطرارا، ولنكفّ امتثالا للرسم، وانقيادا، أمتع الله به.
محمد بن عبد الله بن منظور القيسي «١»
من أهل مالقة، يكنى أبا بكر.
أوّليّته: أصله «٢» من إشبيلية، من البيت المشهور بالتّعيين والتقدّم، والأصالة، تشهد بذلك جملة أوضاع، منها «الرّوض المحظور «٣» في أوصاف بني منظور» ، وغيره.
حاله: من كتاب «عائد الصلة» . كان «٤» جمّ التواضع والتخلّق، كثير البرّ، مفرط الهشّة، مبذول «٥» البشر، عظيم المشاركة، سريع اللسان إلى الثّناء، مسترسلا في باب الإطراء، دربا على الحكم، كثير الحنكة، قديم العالة، بصيرا بالشّروط، ولّي القضاء بجهات كثيرة، وتقدم بمالقة، بلده فشكرت «٦» سيرته، وحمدت مدارته. وكان سريع
стр. 473
العبرة، كثير الخشية، حسن الاعتقاد، معروف الإيثار والصّدقة، شائع الإقراء لمن ألمّ بصقعه، واجتاز على محلّ ولايته، جاريا على سنن سلفه، ينظم وينثر، فلا يقصر.
مشيخته: قرأ «١» على الأستاذ أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي، ولازمه وانتفع به، وسمع على غيره من الأعلام، كالخطيب الولي أبي عبد الله الطّنجالي، والعدل الراوية المسنّ أبي عبد الله بن الأديب، والمسن أبي الحكم مالك بن المرحّل، وعلى الشيخ الصوفي أبي عبد الله محمد بن أحمد الأقشري الفاسي، ولبس عنه خرقة التّصوف، وعلى الخطيب أبي عبد الله بن رشيد، وعن الشيخ القاضي أبي المجد بن الأحوص، وعلى ابن مجاهد الرّندي، المعروف بالسّمّار، والخطيب أبي العباس بن خميس بالجزيرة الخضراء، وعلى الخطيب الزاهد أبي عبد الله السلّال. وكتب إليه بالإجازة، أبو عبد الله بن الزبير، والفقيه أبو الحسن بن عقيل الرّندي، والوزير المعمّر أبو عمر «٢» الطّنجي، وأبو الحكم بن منظور، ابن عم أبيه، والأستاذ أبو عبد الله بن الكماد. نقلت ذلك من خطه.
تواليفه: أخبرني «٣» أنه ألّف «نفحات المسوك «٤» ، وعيون التّبر المسبوك في أشعار الخلفاء والوزراء والملوك» . وكتاب «السّحب «٥» الواكفة والظلال الوارفة، في الردّ على ما تضمّنه المضنون «٦» به على غير أهله من اعتقاد الفلاسفة» . وكتاب الصّيّب الهتّان، الواكف بغايات الإحسان، والمشتمل على أدعية مستخرجة من الأحاديث الصحيحة النبوية وسور القرآن» . وكتاب «البرهان والدليل في خواص سور التّنزيل، وما في قراءتها في النوم من بديع التأويل «٧» » . وكتاب يشتمل على أربعين حديثا في الرقائق، موصولة الأسانيد. وكتاب «تحفة الأبرار في مسألة النبوة والرسالة، وما اشتملت عليه من الأسرار» . وكتاب «الفعل المبرور، والسّعي المشكور، فيما وصل إليه، أو تحصل لديه من نوازل القاضي أبي عمر بن منظور» .
شعره: ومن شعره قوله «٨» : [البسيط]
ما للعطاس ولا للفأل من أثر ... فثق فديتك «٩» بالرحمن واصطبر
стр. 474
وسلّم الأمر فالأحكام ماضية ... تجري على السّنن «١» المربوط بالقدر
محمد بن علي بن الخضر بن هارون الغساني
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عسكر «٢» .
حاله: من كتاب «الذّيل والتكملة» «٣» : كان مقرئا «٤» مجوّدا، نحويا «٥» ، متوقّد الذهن، متفنّنا في جملة معارف، ذا حظّ صالح من رواية الحديث، تاريخيا، حافظا، فهيما «٦» ؛ مشاورا، دؤوبا «٧» في الفتوى، متينا في «٨» الدّين، تامّ المروءة، سنيّا فاضلا، معظّما عند الخاصة والعامة، حسن الخلق، جميل العشرة، رحيب «٩» الصّدر، مسارعا إلى قضاء الحوايج «١٠» ، شديد الإجمال «١١» ، محسنا إلى من أساء إليه، نفّاعا بجاهه، سمحا بذات يده، متقدّما في عقد الوثائق، بصيرا بمعانيها، سريع البديهة «١٢» في النظم والنثر، مع البلاغة والإحسان في الفنّين.
ولّي قضاء مالقة نائبا عن القاضي «١٣» أبي عبد الله بن الحسن مدة، ثم ولي «١٤» مستبدّا بتقديم الأمير أبي عبد الله بن نصر «١٥» ، يوم السبت لليلتين بقيتا من رمضان عام «١٦» خمسة وثلاثين «١٧» . وأشفق «١٨» من ذلك وامتنع منه وخاطبه مستعفيا، وذكر أنه لا يصلح للقيام بما قلّده من تلك الخطّة تورّعا منه، فلم يسعفه.
стр. 475
فتقلّدها، وسار فيها أحسن سيرة، وأظهر الحقوق التي كان الباطل قد غمرها، ونفّذ الأحكام.
وكان ماضي العزيمة، مقداما، مهيبا، جزلا في قضائه، لا تأخذه في الله لومة لائم، واستمرّ على ذلك بقية عمره.
مشيخته: روى «١» عن أبي إسحاق الزّوالي، وأبي بكر بن «٢» عتيق بن منزول «٣» ، وأبي جعفر الجيان «٤» ، وأبي حسن الشقوري، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي الخطّاب بن واجب، وأبي زكريا الأصبهاني مقيم غرناطة.
من روى عنه: روى «٥» عنه أبو بكر بن خميس ابن أخته، وأبو العون «٦» ، وأبو عبد الله بن بكر الإلبيري «٧» . وحدّث عنه بالإجازة، أبو عبد الله الأبّار «٨» ، وأبو القاسم بن عمران، وكتب بالإجازة للعراقيين من «٩» أهل بغداد الذين استدعوها من أهل الأندلس، حسبما تقدم «١٠» في رسم أبي بكر بن هشام، وضمنها نظما ونثرا اعترف له بالإجادة فيهما.
تصانيفه: صنّف «١١» كتبا كثيرة، أجاد فيها وأفاد، منها «المشرع الرّوي في الزيادة على المروي «١٢» » . ومنها «أربعون حديثا» التزم فيها موافقة اسم شيخه، اسم الصابي «١٣» ، وما أراه سبق إلى ذلك، وهو شاهد بكثرة شيوخه، وسعة روايته. ومنها «نزهة الناظر في مناقب عمّار بن ياسر» . ومنها «الخبر «١٤» المختصر، في السّلوى «١٥» عن ذهاب البصر» ، ألّفه لأبي محمد بن أبي الأحوص «١٦» الضرير الواعظ. ومنها
стр. 476
«رسالة في ادّخار الصبر، وافتخار القصر والفقر» . ومنها «الإكمال والإتمام في صلة الإعلام بمجالس «١» الأعلام من أهل مالقة الكرام» . وله اسم آخر، وهو «مطلع الأنوار ونزهة الأبصار «٢» ، فيما احتوت عليه مالقة من الرؤساء والأعلام والأخيار، وتقيّد من المناقب والآثار» . واخترمته المنيّة عن إتمامه فتولّى إتمامه ابن أخته أبو بكر محمد بن خميس المذكور، وقد نقلت منه في هذا الكتاب.
شعره: ومن شعره، وقد نعيت إليه نفسه قبل أن تغرب من سماء معارفه شمسه «٣» : [الطويل]
ولما انقضى «٤» إحدى وخمسون حجّة ... كأنّي منها بعد كرب «٥» أحلم
ترقّيت أعلاها لأنظر فوقها ... مدى «٦» الحتف منّي علّني «٧» منه «٨» أسلم
إذا هو قد أدنت إليه كأنما ... ترقّيت فيه نجوة وهو سلّم «٩»
وقال في أحدب: [السريع]
وأحدب تحسب في ظهره ... جاء «١٠» به في نهر عائمة
مثلّث الخلقة لكنّه ... في ظهره زاوية قائمة
ومن أمثال نظمه قوله، وقد استدعيت منه إجازة «١١» : [الطويل]
أجبتك لا أني «١٢» لما رمته أهل ... ولكنّ ما أجبت «١٣» محتمل سهل
وما العلم إلّا البحر طاب مذاقه ... وما لي علّ في الورود ولا نهل «١٤»
стр. 477
فكيف «١» أراني أهل ذاك وقد أتى ... عليّ المميتان «٢» البطالة والجهل
وأسأل «٣» ربي العفو عني فإنه ... لما يرتجيه العبد من فضله «٤» أهل
مولده: تخمينا في نحو أربع وثمانين وخمسمائة.
وفاته: ظهر يوم الأربعاء لأربع خلون من جمادى الآخرة، عام ستة وثلاثين وستمائة «٥» .
محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد ابن أبي بكر بن سعد الأشعري المالقي «٦»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بكر، من ذرية «٧» بلج بن يحيى بن خالد بن عبد الرحمن بن يزيد «٨» بن أبي بردة. واسمه عامر بن أبي عامر بن أبي موسى.
واسمه عبد الله بن قيس، صاحب رسول الله ﷺ . ذكره ابن حزم «٩» في جملة من دخل الأندلس من العرب «١٠» .
حاله: من «عائد الصلة» : كان «١١» من صدور العلماء، وأعلام الفضلاء، سذاجة ونزاهة ومعرفة وتفننا. فسيح الدرس، أصيل النظر، واضح المذهب، مؤثرا
стр. 478
للإنصاف، عارفا بالأحكام والقراءات «١» ، مبرّزا في الحديث تاريخا وإسنادا وتعديلا وتجريحا «٢» ، حافظا للأنساب والأسماء والكنى، قائما على العربية، مشاركا في الأصول والفروع، واللغة والعروض والفرائض والحساب، مخفوض الجناح، حسن التخلق «٣» ، عطوفا على الطلبة، محبّا في العلم والعلماء، مجلّا لأهله «٤» ، مطّرح «٥» التصنّع، عديم المبالاة بالملبس، بادي الظاهر، عزيز النفس، نافذ الحكم، صوّالة، معروف بنصرة من أزر إليه. تقدّم للشياخة «٦» ببلده مالقة، ناظرا في أمور العقد والحل، ومصالح الكافة. ثم ولّي القضاء بها، فأعزّ الخطة، وترك الهوادة وإنفاد الحق «٧» ملازما للقراءة والإقراء، محافظا للأوقات، حريصا على الإفادة.
ثم ولّي القضاء «٨» والخطابة بغرناطة في العشر الأول لمحرم سبعة وثلاثين وسبعمائة، فقام بالوظائف، وصدع «٩» بالحق، وجرّح «١٠» الشهود فزيّف منهم ما ينيف على السبعين «١١» عددا، واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة خاض ثبجها، وصادم تيّارها، غير مبال بالمغبّة، ولا حافل بالتّبعة، فناله لذلك من المشقّة، والكيد العظيم ما نال مثله، حتى كان «١٢» يمشي إلى الصلاة ليلا في مسلّة، لا يطمئن على حاله.
جرت في هذا الباب حكايات إلى أن استمرت الحال على ما أراده الله، وعزم عليه الأمير في بعض من الخطّة، ليردّه إلى العدالة، فلم يجد في قناته مغمزا، ولا في عوده معجما، وتصدّر لبثّ العلم بالحضرة، يقرئ فنونا منه جمّة، فنفع وخرّج، ودرّس العربية والفقه والأصول، وأقرأ القرآن، وعلم الفرائض والحساب، وعقد مجالس الحديث شرحا وسماعا، على سبيل من انشراح الصّدر، وحسن التجمّل، وخفض الجناح «١٣» .
стр. 479
وذكره القاضي المؤرخ أبو الحسن بن الحسن، فقال «١» : وأما شيخنا، وقريبنا مصاهرة، أبو عبد الله بن أبي بكر، فصاحب عزم ومضاء، وحكم صادع وقضاء. كان له، ﵀، مع كل قولة صولة، وعلى كل رابع لا يعرف ذرّة، فأحرق قلوب الحسدة والصّب، وأعزّ الخطّة بما أزال عنها من الشّوائب، وذهّب وفضّض «٢» كواكب الحق بمعارفه، ونفذ في المشكلات، وثبت في المذهلات «٣» ، واحتج وبكّت، وتفقّه ونكّت.
توقيعه: قال: وحدّثنا صاحبنا أبو جعفر الشّقوري قال «٤» : كنت قاعدا في مجلس حكمه فرفعت إليه امرأة رقعة، مضمونها أنها محبّة في مطلّقها، وتبتغي من يستشفع لها في ردّها، فتناول الرّقعة، ووقع في ظهرها للحين من غير مهلة: الحمد لله، من وقف على ما بالمقلوب «٥» ، فليصغ لسماعه إصاغة مغيث، وليشفع للمرأة عند زوجها، تأسّيا بشفاعة رسول الله ﷺ لبربرة في مغيث. والله يسلم لنا العقل والدين، ويسلك بنا مسالك المهتدين. والسلام يعتمد على من وقف على هذه الأحرف من كاتبها، ورحمة الله. قال صاحبنا: فقال لي بعض الأصحاب: هلّا كان هو الشفيع لها؟ فقلت: الصحيح أنّ الحاكم لا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه على النصوص «٦» .
شعره: ولم يسمع له شعر إلّا بيتين في وصف قوس عربي النّسب في شعر من لا شعر له، وهما: [البسيط]
هام الفؤاد ببنت «٧» النّبع والنّشم ... زوراء «٨» تزري بعطف البان والصّنم
قوام قامتها تمام معطفها ... من يلق مقتلها تصميه أو تصم
مشيخته: قرأ على الأستاذ المتفنّن الخطيب أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي «٩» القرآن العظيم جمعا وإفرادا، وأخذ عنه العربية والفقه والحديث، ولازمه،
стр. 480
وتأدب به. وعلى الشيخ الراوية الصالح أبي عبد الله محمد بن عيّاش الخزرجي القرطبي، قرأ عليه كثيرا من كتب الحديث، منها كتاب صحيح مسلم، وسمع عليه جميعه إلّا دولة واحدة. ومن أشياخه القاضي أبو القاسم قاسم بن أحمد بن حسن بن السّكوت، والفقيه المشاور الصّدر الكبير أبو عبد الله بن ربيع، والخطيب القدوة الولي أبو عبد الله بن أحمد الطّنجالي، والشيخ القاضي أبو الحسن ابن الأستاذ العلّامة أبي الحجاج بن مصامد، والأستاذ خاتمة المقرئين أبو جعفر بن الزّبير، والخطيب المحدّث أبو عبد الله بن رشيد، والخطيب الولي الصالح أبو الحسن «١» بن فضيلة، والأستاذ أبو الحسن بن اللّباد المشرفي، والشيخ الأستاذ أبو عبد الله بن الكماد السّطّي اللّبليسي. وأجازه من أهل سبتة شيخ الشّرفاء أبو علي بن أبي التّقى طاهر بن ربيع، والعدل الراوية أبو فارس عبد العزيز بن الهواري، وأبو إسحاق التلمساني، والحاج العدل الراوية أبو عبد الله بن الحصّار، والأستاذ المقرئ ابن أبي القاسم بن عبد الرحيم القيسي، والأستاذ أبو بكر بن عبيدة، والشيخ المعمر أبو عبد الله بن أبي القاسم بن عبيد الله الأنصاري. ومن أهل إفريقية الأديب المعمر أبو عبد الله محمد بن هارون، وأبو العباس أحمد بن محمد الأشعري المالقي نزيل تونس، ومحمد بن محمد بن سيّد الناس اليعمري، وعثمان بن عبد القوي البلوي.
ومن أهل مصر النّسابة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطي، والمحدّث الراوية أبو المعالي أحمد بن إسحاق، وجماعة غيرهم من المصريين والشاميين والحجازيين.
مولده: في أواخر ذي حجة من عام أربعة «٢» وسبعين وستمائة.
وفاته: فقد في مصاب «٣» المسلمين يوم المناجزة بطريف «٤» شهيدا محرّضا، زعموا أن بغلة كان عليها كبت به، وأفاق رابط الجأش، مجتمع القوى. وأشار عليه بعض المنهزمين بالركوب فلم يكن عنده قوة عليه. وقال: انصرف، هذا يوم الفرج «٥» ،
стр. 481
إشارة إلى قوله تعالى في الشهداء: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
«١» ، وذلك ضحى يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن محمد بن محمد بن علي بن موسى بن إبراهيم بن محمد ابن ناصر بن حيّون بن القاسم بن الحسن بن محمد ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه «٢»
حسبما نقل من خطه:
أوّليّته: معروفة، كان وليته مثله.
حاله: هذا «٣» الفاضل جملة من جمل الكمال، غريب في الوقار والحصافة، وبلوغ المدى، واستولى على الأمم حلما وأناة، وبعدا عن الريب، وتمسكا بعرى النزاهة، واستمساكا مع الاسترسال، وانقباضا مع المداخلة، معتدل الطريقة، حسن المداراة، مالكا أزمّة الهوى، شديد الشفقة، كثير المواساة، مغار حبل الصبر، جميل العشرة، كثيف ستر الحيا، قوي النفس، رابط الجأش، رقيق الحاشية، ممتع المجالسة، متوقد الذهن، أصيل الإدراك، بارعا بأعمال المشيخة، إلى جلال المنتمى، وكرم المنصب ونزاهة النفس، وملاحة الشّيبة، وحمل راية البلاغة، والإعلام في ميادين البيان، رحلة الوقت في التبريز بعلوم اللسان، حائز الخصل «٤» والفضل في ميدانها، غريبة «٥» غزيرة الحفظ، مقنعة الشّاهد «٦» ، مستبحرة النظر، أصيلة التوجيه، بريّة عن النّوك والغفلة، مرهفة باللغة والغريب والخبر والتاريخ والبيان، وصناعة البديع، وميزان العروض، وعلم القافية، وتقدّما في الفقه، ودرسا له، وبراعة في الأحكام، وإتقان التّدريس، والصبر، والدّؤوب عليه، بارع التصنيف، حاضر الذهن، فصيح اللسان، مفخرة من مفاخر أهل بيته.
стр. 482
ولايته: قدم على الحضرة في دولة الخامس من ملوك بني نصر «١» ، كما استجمع شبابه، يفهق علما باللسان، ومعرفة بمواقع البيان، وينطق بالعذب الزّلال من الشعر، فسهّل له كنف البر، ونظم في قلادة كتاب الإنشاء، وهو إذ ذاك ثمينة الخزرات، محكمة الرّصف، فشاع فضله، وذاع رجله. ثم تقدم، فنقل من طور الحكم، إلى أن قلّد الكتابة والقضاء والخطابة بالحاضرة، بعد ولاية غيرها التي أعقبها ولاية مالقة في الرابع من شهر ربيع الآخر عام سبعة وثلاثين وسبعمائة. فاضطلع بالأحكام، وطبّق مفصل الفضل، ماضي الصّريمة، وحيّ الإجهار، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، قليل النّاقد، مطعم التوفيق، يصدع في مواقف الخطب، بكل بليغ من القول، مما يريق ديباجته، ويشفّ صقاله، وتبرأ من كلال الخطباء جوانبه وأطرافه. واستعمل في السّفارة للعدوّ ناجح المسعى، ميمون النّقيبة، جزيل الحياء والكرامة، إلى أن عزل عن القضاء في شعبان من عام سبعة وأربعين وسبعمائة، من غير زلّة تخفض، ولا هنة تؤثر، فتحيّز إلى التّحليق لتدريس العلم، وتفرّغ لإقراء العربية والفقه، ولم ينشب أميره المنطوي على الهاجس، المغري بمثله، أن قدّمه قاضيا بوادي آش، بنت حضرته، معزّزة بسندها الكبير الخطّة، فانتقل إليه بجملته. وكانت بينه وبين شيخنا أبي الحسن بن الجيّاب، صداقة صادقة، ومودة مستحكمة، فجرت بينهما أثناء هذه النّقلة، بدائع، منها قوله، يرقب «٢» خطّة القضاء التي اخترعها، ويوليها خطة الملامة «٣» :
[السريع]
لا مرحبا بالناشز الفارك ... إن جهلت رفعة مقدارك
لو أنها قد أوتيت رشدها ... ما برحت تعشو إلى نارك
أقسمت بالنّور المبين الذي ... منه بدت مشكاة أنوارك
ومظهر الحكم الحكيم الذي ... يتلو عليه «٤» طيب أخبارك
ما لقيت مثلك كفؤا لها ... ولا أوت أكرم من دارك «٥»
стр. 483
ثم أعيد إلى القضاء بالحضرة، فوليها، واستمرت حاله وولايته على متقدّم سمته من الفضل والنّزاهة والمراجعة فيما يأنف فيه من الخروج عن الجادّة، إلى أن هلك السلطان «١» مستقضيه، مأموما به، مقتديا بسجدته، يوم عيد الفطر، خمسة وخمسين وسبعمائة. وولي الأمر ولده «٢» الأسعد، فجدّد ولايته، وأكّد تجلّته، ورفع رتبته، واستدعى مجالسته.
مشيخته: قرأ «٣» ببلده سبتة على أبيه الشريف الطاهر، نسيج وحده في القيام، وعلى أبي عبد الله بن هاني وبه جلّ انتفاعه، وعليه جلّ استفادته. وأخذ عن الإمام شيخ المشيخة أبي إسحاق الغافقي. وروى عن الخطيب أبي عبد الله الغماريّ، والخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد، والقاضي أبي عبد الله القرطبي، والفقيه الصالح أبي عبد الله بن حريث. وأخذ عن الأستاذ النظار أبي القاسم بن الشاط وغيره.
محنته: دارت عليه يوم مهلك السلطان المذكور رحى الوقيعة، فعركته بالثّقال، وتخلّص من شرارها هولا، لتطارح الأمير المتوثّب أمام ألمريّة عليه، خاتما في السّجدة، ودرس الحماة إياه عند الدّجلة، من غير التفات لمحل الوطأة، ولا افتقاد لمحل صلاة تلك الأمّة، فغشيه من الأرجل، رجل الرّبى كثيرة، والتفّ عليه مرسل طيلسانه، سادّا مجرى النّفس إلى قلبه، فعالج الحمام وقتا، إلى أن نفّس الله عنه، فاستقلّ من الرّدى، وانتبذ من مطّرح ذلك الوغى، وبودر بالفصاد، وقد أشفى، فكانت عثرة لقيت لما ومتاعا، فسمح له المدى آخر من يوثق به، من محل البثّ، ومودعات السّرّ من حظيّات الملك، أن السلطان عرض عليه قبل وفاته في عالم الحلم، كونه في محراب مسجده، مع قاضيه المترجم به، وقد أقدم عليه كلب، أصابه بثوبه، ولطّخ ثوبه بدمه، فأهمّته رؤياه، وطرقت به الظنون مطارقها، وهمّ بعزل القاضي، انقيادا لبواعث الفكر، وسدّا لأبواب التوقيعات، وقد تأذن الله بإرجاء العزم، وتصديق الحلم، وإمضاء الحكم، جلّ وجهه، وعزّت قدرته، فكان من الأمر ما تقرر في محله.
стр. 484
تصانيفه: وتصانيفه بارعة، منها، «رفع الحجب المستورة في «١» محاسن المقصورة «٢» » ، شرح فيها مقصورة الأديب أبي الحسن حازم بما تنقطع الأطماع فيه.
ومنها «رياضة الأبيّ «٣» في قصيدة الخزرجي» ، أبدع في ذلك بما يدل على الاطلاع وسداد الفهم، وقيّد على «كتاب التّسهيل» لأبي عبد الله بن مالك تقييدا جليلا، وشرحا بديعا، قارب التمام. وشرع في تقييد على الخبر المسمّى ب «درر السّمط في خبر السّبط» . ومحاسنه جمّة، وأغراضه بديعة.
شعره: وأمّا الشعر، فله فيه القدح المعلّى، والحظّ الأوفى، والدّرجة العليا، طبقة وقته، ودرجة عصره، وحجة زمانه، كلامه متكافئ في اللفظ والمعنى، صريح الدّلالة، كريم الخيم، متحصّد الحبل، خالص السّبك، وأنا أثبت منه جزما خصّني به، سمّاه جهد المقل، اشتمل من حرّ الكلام، على ما لا كفاء له.
الحمد لله تردّده أخرى الليالي، فهو المسؤول أن يعصمنا من الزّلل، زلل القول، وزلل الأعمال. والصلاة على سيدنا محمد خاتم الإرسال. هذه أوراق ضمنتها جملة من بنات فكري، وقطعا مما يحيش به في بعض الأحيان صدري، ولو حزمت لأضربت عن كتبها كل الإضراب، ولزمت في دفنها وإخفائها دين الأعراب، لكني آثرت على المحو الإثبات، وتمثلت بقولهم إن خير ما أوتيته العرب الأبيات. وإذا هي عرضت على ذلك المجد، وسألها كيف نجت من الوأد، فقد أوتيتها من حرمكم إلى ظلّ ظليل، وأحللتها من بنائكم معرّسا ومقيل، وأهديتها علما بأن كرمكم بالإغضاء عن عيوبها جدّ كفيل، فاغتنم قلة التهدئة مني، إن جهد المقلّ غير قليل، فحسبها شرفا أن تبوّأت في جنابك كنفا، وكفاها مجدا وفخرا أن عقدت بينها وبين فكرك عقدا وجوارا ومما قلت في حرف الهمزة.
مولده: بسبتة في السادس لشهر ربيع الأول «٤» من عام سبعة وتسعين وستمائة.
وفاته: توفي قاضيا بغرناطة في أوائل شعبان «٥» من عام ستين وسبعمائة.
стр. 485
محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي «١»
قاضي الجماعة ببيضة الإسلام فاس، يكنى أبا عبد الله.
حاله: هذا الرجل له أبوّة صالحة، وأصالة زاكية، قديم الطلب، ظاهر التخصّص، مفرط في الوقار، نابه البزّة والركبة، كثير التهمة، يوهم به الفارّ، وصدر الصّدور في الوثيقة والأدب، فاضل النفس، ممحوض النصح، جميل العشرة لإخوانه، مجري الصّداقة نصحا ومشاركة وتنفيقا على سجيّة الأشراف وسنن الحسباء، مديد الباع في فن الأدب، شاعر مجيد، كاتب بليغ، عارف بالتّحسين والتّقبيح، من أدركه، أدرك علما من أعلام المشيخة. قدّمه السلطان الكبير العالم أبو عنان فارس، قاضيا بحضرته، واختصّه، واشتمل عليه، فاتصل بعده سعده، وعرف حقّه. وتردّد إلى الأندلس في سبيل الرسالة عنه، فذاع فضله، وعلم قدره. ولما كان الإزعاج من الأندلس نحو النّبوة التي أصابت الدولة، بلوت من فضله ونصحه وتأنيسه، ما أكد الغبطة، وأوجب الثناء، وخاطبته بما نصه: [الكامل]
من ذا يعدّ فضائل الفشتالي ... والدهر كاتب آيها والتّالي
علم إذا التمسوا الفنون بعلمه ... مرعى المشيح ونجعة المكتال
نال الذي لا فوقها من رفعة ... ما أمّلتها حيلة المحتال
وقضى قياس تراثه عن جدّه ... إن المقدّم فيه عين التالي
قاضي الجماعة، بماذا أثنى على خلالك المرتضاة؟ أبقديمك الموجب لتقديمك؟ أم بحديثك الداعي لتحمّل حديثك؟ وكلاهما غاية بعد مرماها، وتحامى المتصوّر حماها، والضالع لا يسام سبقا، والمنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وما الظنّ بأصالة تعترف بها الآثار وتشهد، وأبوّة صالحة كانت في غير ذات الحق تزهد، وفي نيل الاتصال به تجهد، ومعارف تقرر قواعد الحق وتمهّد، وتهزم الشّبه إذا تشهّد. وقد علم الله أن جوارك لم يبق للدهر عليّ جوارا «٢» ، ولا حتّ من غصني ورقا ولا نوّارا. هذا وقد زأر على أسد وحمل ثورا، فقد أصبحت في ظل الدولة التي وقف على سيدي اختيارها، وأظهر خلوص إبريزه معيارها، تحت كنف وعزّ مؤتنف، وجوار أبي دلف، وعلى ثقة من الله بحسن خلف. وما منع من انتساب ما لديه من
стр. 486
الفضائل إلّا رحلة لم يبرك بعد حملها، ولا قرّ عملها، وأوحال حال بيني وبين مسوّر البلد القديم «١» مهلها. ولولا ذلك لا غتبطت الزّائد، واقتنيت الفوائد، والله يطيل بقاءه، حتى تتأكد القربة، التي تنسى بها الغربة، وتعظم الوسيلة، التي لا تذكر معها الفضيلة.
وأمّا ما أشار به من تقييد القصيدة التي نفق سوقها استحسانه، وأنس باستظرافها إحسانه، فقد أعمل وما أمهل، والقصور باد إذا تأمّل، والإغضاء أولى ما أمّل، فإنما هي فكرة قد أخمدت نارها الأيام، وغيّرت آثارها اللّئام. وقد كان الحق إجلال مطالعة سيدي من خللها، وتنزيه رجله عن تقبيل مرتجلها. لكنّ أمره ممتثل، وأتى من المجد أمرا لا مردّ له مثل. والسلام على سيدي من معظم قدره، وملتزم برّه، ابن الخطيب، ورحمة الله.
فكتب إليّ مراجعا، وهو المليء بالإحسان: [الكامل]
وافت يجرّ الزّهو فضلة بردها ... حسناء قد أضحت نسيجة وحدها
لله أي قصيدة أهديت لو ... يهتدي المعارض نحو غاية قصدها
لابن الخطيب بها محاسن جمّة ... قارعت عنه الخطوب ففلّت من حدّها «٢»
سرّ البلاغة عنه أودع حافظا ... قد صانه حتى فشا من عندها
في غير عقد نفثنه بسحرها «٣» ... فلذا أتى سلسا منظّم عقدها
لم أدر ما فيها وقمت معاونا ... من طرسها أو معلما من بردها
حتى دفعت بها لأبعد غاية ... باعا تقصّر في البلوغ بحدّها
حدّان من نظم ونثر إنّ من ... يلقاهما منها بذلّة عبدها
أولى يدا بيضاء موليها فما ... لي مزية من «٤» أن أقوم بحمدها
ورفضت تكذيب المنى متشيّعا ... لعلي مرآها يصادق وعدها
فبذلت شعري رافعا من برّها ... وهززت عطفي رافلا من بردها
خذها، أعزّ الله جنابك، وأدال للأنس على الوحشة اغترابك، كغبّة «٥» الطائر المتجعد، ونهبة الثائر المستوفز، ومقة اللّحظ، قليلة اللّفظ، قد جمعت من سوامها وانقحامها، بين نظم قيد، وصلود زند، ونوّعت، فعلى إقدامها وانحجامها إلى قاصر
стр. 487
ومعتد، وليتني إذا جادت سحابة ذلك الخاطر الماطر الودق، وانجاب العاني عن مزنة فكرتي، بتقاضي الجواب، انجياب الطّوق، وأيقنت أني قد سدّ عليّ باب القول وأرتحج، وقلت: هذه السّالفة الكلية فسدت لها الدّاعة من تكلّم الإمرة ولم أنه إذ أعوزت المرّة بالحلوة، لكني قلت: وجدّ المكثر كجهد المقلّ، والواجب قد يقلّ الامتثال فيه بالأقلّ. فبعثت بها على علّاتها، وأبلغتها عذرها، في أن كتبت عن شوقها بلغاتها، وهي لا تعدم من سيدي في إغضاء كريم، وإرضاء سليم. والله، ، يصل بالتأنيس الحبل، ويجمع الشّمل.
والسلام الكريم يخصّ تلك السيادة، ورحمة الله وبركاته. من محمد بن أحمد الفشتالي.
وهو الآن قاض بفاس المذكورة، محمود السيرة، أبقاه، وأمتع به.
محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى ابن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي بن داود القرشي المقري «١»
يكنى أبا عبد الله، قاضي الجماعة بفاس وتلمسان.
أوّليّته: نقلت من خطّه، قال «٢» : وكان الذي اتخذها من سلفنا قرارا بعد أن كانت لمن قبله مرارا «٣» ، عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقري، صاحب أبي مدين «٤» ، الذي دعا له ولذرّيته، بما ظهر فيهم من قبول «٥» وتبيّن. وهو أبي الخامس؛ فأنا محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن، وكان هذا الشيخ عروي «٦» الصلاة، حتى أنه ربما امتحن بغير شيء فلم يؤنس منه التفات، ولا استشعر منه شعور، ويقال: إن هذا الحضور، ممّا أدركه من مقامات شيخه أبي مدين. ثم «٧» اشتهرت ذريّته على ما ذكر من طبقاتهم بالتجارة، فمهّدوا طريق الصحراء
стр. 488
بحفر الآبار، وتأمين التّجار، واتخذوا طبل الرّحيل «١» ، وراية التّقدم «٢» عند المسير.
وكان ولد يحيى، الذي «٣» كان أحدهم أبو بكر، خمسة رجال، فعقدوا الشّركة بينهم فيما ملكوه «٤» وفيما يملكونه على السواء بينهم والاعتدال، وكان «٥» أبو بكر ومحمد، وهما أرومتا نسبي من جميع جهات الأم والأب «٦» بتلمسان، وعبد الرحمن وهو شقيقهما الأكبر بسجلماسة، وعبد الواحد وعلي، وهما شقيقاهم الصغيران، بأي والأتن «٧» فاتخذوا هذه «٨» الأقطار والحوايط والدّيار، فتزوجوا «٩» النساء، واستولدوا الإماء. وكان التلمساني يبعث إلى الصّحراوي بما يرسم له من السلع. ويبعث إليه الصحراوي بالجلد والعاج والجوز والتّبر، والسّجلماسي كلسان الميزان يعرّفهما بقدر الرّجحان والخسران «١٠» ، ويكاتبهما بأحوال التّجار، وأخبار البلدان، حتى اتسعت أموالهم، وارتفعت في الفخامة «١١» أحوالهم. ولما افتتح التّكرور كورة أي والأتن وأعمالها، أصيبت أموالهم فيما أصيب من أموالها، بعد أن جمع من كان بها «١٢» منهم إلى نفسه الرّجال، ونصب دون «١٣» ماله القتال. ثم اتصل بملكهم فأكرم مثواه، ومكّنه من التجارة بجميع بلاده، وخاطبه بالصديق الأحبّ، والخلاصة الأقرب. ثم صار يكاتب من بتلمسان، يستقضي منهم مآربه، فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة، وعندي من كتبه وكتب الملوك بالمغرب، ما ينبئ عن ذلك، فلما استوثقوا من الملوك، تذلّلت لهم الأرض للسّلوك، فخرجت أموالهم عن الحدّ، وكادت تفوق «١٤» الحصر والعدّ؛ لأن بلاد الصحراء، قبل أن يدخلها أهل مصر، كانت «١٥» تجلب لها من المغرب ما لا بال له «١٦» من السّلع، فيعاوض «١٧» عنه بماله بال من الثمن «١٨» . ثم قال أبو مدين:
الدنيا ضمّ جنب أبو حمو «١٩» ، وشمل ثوباه. كان يقول: لولا الشناعة لم أزل في بلادي تاجرا من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السّلع، ويأتون بالتّبر الذي
стр. 489
كلّ أمر الدنيا له تبع، ومن سواهم يحمل منها الذّهب، ويأتي إليها بما يضمحلّ عن قريب ويذهب، إلى ما يغيّر من العوائد، ويجرّ السفهاء إلى المفاسد.
ولما هلك «١» هؤلاء الأشياخ، جعل أبناؤهم ينفقون مما تركوا لهم ولم يقوموا بأمر التثمير قيامهم، وصادفوا توالي الفتن، ولم يسلموا من جور السلطان «٢» ، فلم تزل «٣» حالهم في نقصان إلى هذا الزمان «٤» ، فها أنا ذا لم أدرك «٥» في ذلك إلا أثر نعمة اتخذنا فصوله عيشا، وأصوله حرمة. ومن جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب، وأسباب كثيرة تعين على الطلب، فتفرّغت بحول الله، ، للقراءة، فاستوعبت أهل البلد لقاء، وأخذت عن بعضهم عرضا وإلقاء، سواء المقيم القاطن، والوارد والظاعن.
حاله: هذا «٦» الرجل مشار إليه بالعدوة المغربية اجتهادا، ودؤوبا، وحفظا وعناية، واطلاعا، ونقلا ونزاهة، سليم الصدر، قريب الغور، صادق القول، مسلوب التّصنّع، كثير الهشّة، مفرط الخفّة، ظاهر السذاجة، ذاهب أقصى مذاهب التخلّق، محافظ على العمل، مثابر على الانقطاع، حريص على العبادة، مضايق في العقد والتوجّه، يكابد من تحصيل النيّة بالوجه واليدين مشقّة، ثم يغافض «٧» الوقت فيها، ويوقعها دفعة متبعا إياها زعقة التكبير، برجفة ينبو عنها سمع من لم يكن «٨» تأنّس بها عادة، بما هو دليل على حسن المعاملة، وإرسال السّجية، قديم النّعمة، متصل الخيريّة، مكبّ على النظر والدرس والقراءة، معلوم الصّيانة والعدالة، منصف في المذاكرة، حاسر الذراع «٩» عند المباحثة، راحب عن الصّدر في وطيس المناقشة، غير مختار للقرن، ولا ضانّ «١٠» بالفائدة، كثير الالتفاف، متقلّب الحدقة، جهير بالحجّة، بعيد عن المراء والمباهتة، قائل بفضل أولي الفضل من الطّلبة، يقوم أتمّ القيام على العربيّة والفقه والتفسير، ويحفظ الحديث، ويتهجّر بحفظ الأخبار «١١» والتاريخ والآداب، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق، ويكتب ويشعر
стр. 490
مصيبا في ذلك «١» غرض الإجادة، ويتكلم في طريقة الصّوفية كلام أرباب المقال، ويعتني بالتّدوين فيها. شرّق وحجّ، ولقي جلّة، واضطبن «٢» رحلة مفيدة، ثم آب إلى بلده، فأقرأ به، وانقطع إلى خدمة العلم. فلما ولي ملك المغرب السلطان، محالف الصّنع ونشيدة الملك، وأثير الله من بين القرابة والإخوة أمير المسلمين «٣» أبو عنان فارس «٤» ، اجتذبه وخلطه بنفسه، واشتمل عليه، وولّاه قضاء الجماعة بمدينة فاس، فاستقلّ بذلك أعظم الاستقلال، وأنفذ الحكم «٥» ، وألان الكلمة، وآثر التّسديد، وحمل الكلّ «٦» ، وخفض الجناح، فحسنت عنه القالة «٧» ، وأحبّته الخاصّة والعامة.
حضرت بعض مجالسه للحكم، فرأيت من صبره على اللّدد «٨» ، وتأتّيه «٩» للحجج ورفقه بالخصوم، ما قضيت منه العجب.
دخوله غرناطة: ثم «١٠» لمّا أخّر عن القضاء، استعمل بعد لأي في الرّسالة، فوصل الأندلس، أوائل جمادى الثانية من عام ستة «١١» وخمسين وسبعمائة. فلما قضى غرض الرسالة «١٢» ، وأبرم عقد وجهته، واحتلّ مالقة في منصرفه، بدا له في نبذ الكلفة، واطّراح «١٣» وظيفة الخدمة، وحلّ التّقيّد، إلى ملازمة الإمرة، فتقاعد، وشهر غرضه، وبتّ في الانتقال، طمع من كان صحبته، وأقبل على شأنه، فخلّي بينه وبين همّه. وترك وما انتحله من الانقطاع إلى ربّه. وطار الخبر إلى مرسله، فأنف من تخصيص إيالته بالهجرة، والعدول عنها، بقصد التّخلّي والعبادة، وأنكر ما نحله «١٤» غاية الإنكار، من إبطال عمل الرسالة، والانقباض قبل الخروج عن العهدة، فوغر صدره على صاحب الأمر، ولم يبعد حمله على الظّنّة والمواطأة على النّفرة، وتجهّزت جملة من الخدّام المجلّين في مآزق «١٥» الشّبهة، المضطلعين بإقامة الحجة، مولين خطّة الملام، مخيّرين بين سحائب عاد من الإسلام، مظنّة إغلاق النعمة «١٦» ،
стр. 491
وإيقاع المثلة «١» ، والإساءة «٢» بسبب القطيعة والمنابذة. وقد كان المترجم به لحق بغرناطة فتذمّم بمسجدها، وجأر «٣» بالانقطاع إلى الله، وتوعّد من يجيره «٤» بنكير من يجير ولا يجار عليه سبحانه، فأهمّ أمره، وشغلت القلوب آبدته، وأمسك الرسل بخلال ما صدرت شفاعة اقتضت «٥» له رفع التّبعة، وتركه إلى تلك الوجهة.
ولمّا تحصّل ما تيسّر من ذلك، انصرف محفوفا بعالمي القطر، قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني المترجم «٦» به قبله، والشيخ الخطيب أبي البركات بن الحاج، مستهلين «٧» لوروده، مشافهين للشفاعة «٨» في غرضه، فأقشعت «٩» الغمّة، وتنفّست الكربة. وجرى أثناء هذا من المراسلة والمراجعة، ما تضمّنه الكتاب المسمّى ب «كناسة الدّكان بعد انتقال السّكان» المجموع بسلا ما صورته:
«المقام الذي يحبّ الشّفاعة، ويرعى الوسيلة، وينجز العدّة، ويتمّم الفضيلة، ويضفي مجده المنن الجزيلة، ويعيى حمده الممادح العريضة الطويلة، مقام محلّ والدنا الذي كرم مجده، ووضح سعده، وصحّ في الله تعالى عقده، وخلص في الأعمال الصالحة قصده، وأعجز الألسنة حمده، السلطان الكذا «١٠» ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله سبحانه لوسيلة يرعاها، وشفاعة يكرم مسعاها، وأخلاق جميلة تجيب دعوة الطّبع الكريم إذا دعاها، معظّم سلطانه الكبير، وممجّد مقامه الشهير، المتشيّع لأبوّته الرفيعة قولا باللّسان واعتقادا بالضمير، المعتمد منه بعد الله على الملجإ الأحمى والوليّ النّصير. فلان «١١» . سلام كريم، طيب برّ عميم، يخص مقامكم الأعلى، وأبوّتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد «١٢» حمد الله، الذي جعل الخلق الحميدة دليلا على عنايته بمن حلّاه حلاها، وميّز بها النفوس النفيسة، التي اختصّها بكرامته وتولّاها، حمدا يكون كفوا
стр. 492
للنعم التي أولاها، وأعادها ووالاها، والصلاة والسلام «١» على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، المترقّي من درجات الاختصاص أرفعها وأعلاها، الممتاز من أنوار الهداية بأوضحها وأجلاها، مطلع آيات السعادة يروق مجتلاها، والرضا عن آله وصحبه الذين خبر صدق ضمائرهم لمّا ابتلاها، وعسل ذكرهم «٢» في الأفواه فما أعذب أوصافهم على الألسن وأحلاها، والدعاء لمقام أبوّتكم حرس الله تعالى علاها، بالسعادة التي يقول الفتح: أنا طلّاع الثّنايا وابن جلاها «٣» ، والصّنائع التي تخترق المفاوز بركائبها المبشّرات فتفلي فلاها. فإنّا كتبنا إليكم، كتب الله تعالى لكم عزّة مشيّدة البناء، وحشد على أعلام صنائعكم الكرام جيوش الثناء، وقلّدكم قلائد «٤» مكارم الأخلاق، ما يشهد لذاتكم منه بسابقة الاعتناء. من حمراء غرناطة حرسها الله، والودّ باهر السّناء «٥» ، مجدّ على الأناء، والتشيّع رحب الدّسيعة «٦» والفناء.
وإلى هذا، وصل الله تعالى سعدكم، وحرس مجدكم! فإننا خاطبنا مقامكم الكريم، في شأن الشيخ الفقيه الحافظ الصالح أبي عبد الله المقري، خار الله تعالى لنا وله، وبلّغ الجميع من فضله العميم أمله، جوابا عمّا صدر من مثابتكم «٧» فيه من الإشارة المتمثّلة «٨» ، والمآرب المعملة، والقضايا غير المهملة، نصادركم بالشفاعة التي مثلها بأبوابكم لا يردّ، وظمآها عن منهل قبولكم لا تجلى «٩» ولا تصدّ، حسبما سنّه الأب الكريم والجدّ، والقبيل الذي وضح منه في المكارم الرسم والحدّ. ولم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيّلة، وتبلّج صبح الزّهادة والفضيلة، وجود النفس الشّحيحة بالعرض الأدنى البخيلة، وظهر تخلّيه عن هذه الدار، واختلاطه باللفيف والغمار، وإقباله على ما يعني مثله من صلة الأوراد، ومداومة الاستغفار.
وكنّا لما تعرّفنا إقامته بمالقة لهذا الغرض الذي شهره، والفضل الذي أبرزه للعيان
стр. 493
وأظهره، أمرنا أن يعتنى بأحواله، ويعان على فراغ باله، ويجرى عليه سيب من ديوان الأعشار الشرعية وصريح ماله، وقلنا: أما أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله، ففرّ من مالقة على ما تعرّفنا لهذا السبب، وقعد بحضرتنا مستور المنتمى والمنتسب، وسكن بالمدرسة بعض الأماكن المعدّة لسكنى المتّسمين بالخير، والمحترفين ببضاعة الطّلب، بحيث لم يتعرّف وروده ووصوله إلّا ممّن لا يؤبه بتعريفه، ولم تتحقق زوائده وأصوله لقلّة تصريفه. ثم تلاحق إرسالكم الجلّة. فوجبت حينئذ الشفاعة، وعرضت على سوق الحلم والفضل من الاستلطاف والاستعطاف البضاعة، وقررنا ما تحققناه من أمره، وانقباضه عن زيد الخلق وعمره، واستقباله الوجهة التي من ولّى وجهه شطرها فقد آثر أثيرا، ومن ابتاعها بمتاع الدنيا فقد نال فضلا كبيرا وخيرا كثيرا، وسألنا منكم أن تبيحوه ذلك الغرض الذي رماه بعزمه، وقصر عليه أقصى همّه. فما أخلق مقامكم أن يفوز منه طالب الدّنيا بسهمه، ويحصل منه طالب الآخرة على حظّه الباقي وقسمه، ويتوسّل الزاهد بزهده والعالم بعلمه، ويعوّل البريء على فضله، ويثق المذنب بحلمه. فوصل الجواب الكريم بمجرد الأمان، وهو أرب من آراب «١» ، وفائدة من جراب، ووجه من وجوه إعراب، فرأينا أن المطل بعد جفاء، والإعادة ليس يثقلها خفاء، ولمجدكم بما ضمّنا عنه وفاء، وبادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله، وأن يكون الانتقال عن رضا منه من صفة حاله، وأن يقتضي له ثمرة المقصد، ويبلغ طيّة الإسعاف في الطريق إن قصد، إذ كان الأمان لمثله ممن تعلّق بجناب الله من مثلكم حاصلا، والدّين المتين بين نفسه وبين المخافة فاصلا، وطالب «٢» كيمياء السّعادة بإعانتكم واصلا. ولما مدّت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبدا يحرّض، وعلمكم يصرّح بمزيتها ولا يعرّض، فكمّلوا أبقاكم الله ما لم تسعنا فيه مشاحة الكتاب، وألحقوا بالأصل حديث هذه الإباحة فهو أصحّ حديث في الباب، ووفّوا غرضنا من مجدكم، وخلّوا بينه وبين مراده من ترك الأسباب، وقصد غافر الذنب وقابل التّوب بإخلاص المتاب، والتّشمير ليوم العرض وموقف الحساب، وأظهروا عليه عناية الجناب، الذي تعلّق به، أعلق الله به يدكم من جناب، ومعاذ الله أن تعود شفاعتنا من لدنكم عير مكملة الآراب. وقد بعثنا من ينوب عنا في مشافهتكم بها أحمد المناب، ويقتضي خلاصها بالرّغبة لا بالغلاب، وهما فلان وفلان. ولولا الأعذار لكان في هذا الغرض إعمال الرّكاب، بسبق «٣» أعلام الكتاب، وأنتم تولون هذا القصد من مكارمكم ما يوفّر الثناء الجميل، ويربي على التّأميل، ويكتب على الودّ الصريح العقد وثيقة
стр. 494
التّسجيل. وهو سبحانه يبقيكم لتأييد المجد الأثيل، وإنالة الرّفد الجزيل. والسلام الكريم يخصّ مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته. في الحادي والعشرين لجمادى الآخرة من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، والله ينفع بقصده، وييسر علينا الرجعة إلى وجهه وفضله «١» .
مشيخته: قال «٢» : فممّن أخذت عنه، واستفدت منه علماها، يعني تلمسان، الشامخان، وعالماها الراسخان: أبو زيد عبد الرحمن، وأبو موسى عيسى، ابنا محمد بن عبد الله بن الإمام «٣» ، وحافظها ومدرّسها ومفتيها أبو موسى عمران بن موسى بن يوسف المشذالي «٤» ، صهر شيخ المتأخرين «٥» أبي علي ناصر الدين «٦» على ابنته، ومشكاة الأنوار التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن حكيم الكناني «٧» السّلوى، ﵀. ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد النور «٨» ، والشيخ أبو عبد الله محمد بن الحسن «٩» البرّوني، وأبو عمران موسى بومن «١٠» المصمودي الشهير بالبخاري. قال: سمعت البرّوني يقول: كان الشيخ أبو عمران يدرّس البخاري «١١» ، ورفيق له يدرّس صحيح مسلم، وكانا يعرفان بالبخاري ومسلم، فشهدا عند قاض، فطلب المشهود عليه بالإعذار فيهما، فقال له أبو عمران: أتمكّنه من الإعذار في الصّحيحين البخاري ومسلم؟ فضحك القاضي، وأصلح بين الخصمين. ثم قال: ومن شيوخي الصلحاء الذين لقيت بها، خطيبها الشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي الخياط، أدرك أبا
стр. 495
إسحاق الطيّار. ومنهم أبو عبد الله بن محمد الكرموني، وكان بصيرا بتفسير الرّؤيا، فمن عجائب شأنه، أنه كان في سجن أبي يعقوب يوسف بن عبد الحق مع من كان فيه، من أهل تلمسان أيام محاصرته لها، فرأى أبا جمعة علي التّلالسي الجرايحي منهم، كأنه قائم على ساقية دائرة، وجميع أقداحها وأقواسها تصب في نقير في وسطها، فجاء ليشرب، فاغترف الماء، فإذا فيه فرث ودم، فأرسله، واغترف فإذا هو كذلك، ثلاثا أو أكثر، ثم عدل إلى خاصّة ماء، فجاءها وشرب منها. ثم استيقظ، وهو النهار، فأخبره، فقال: إن صدقت الرؤيا، فنحن عن قليل خارجون من هذا السجن. قال: كيف؟ قال: الساقية الزمان، والنّقير السلطان، وأنت جرايحي، تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث والدّم، وهذا ما لا يحتاج معه إلى دليل، فأخرج، فوجد السلطان مطعونا بخنجر، فأدخل يده في جوفه، فناله الفرث والدّم، فخاط جراحته وخرج، فرأى خاصّة ماء، فغسل يده وشرب. ولم يلبث السلطان أن توفي، وسرّحوا من كان في سجنه. ومن أشياخه الإمام نسيج وحده، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد الآبلي التلمساني، وهو رحلة الوقت في القيام على الفنون العقلية، وإدراكه وصحّة نظره.
حدّث قال: قدم على مدينة فاس، شيخنا أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي، عرف بابن المسفّر، رسولا من صاحب بجاية. وزاره الطلبة، فكان مما حدّثهم أنهم كانوا على زمان ناصر الدين، يستشكلون كلاما وقع في تفسير سورة الفاتحة من كتب فخر الدين، واستشكله الشيخ معهم. وهذا نصه: ثبت في بعض العلوم العقلية، أن المركّب مثل البسيط في الجنس، والبسيط مثل المركّب في الفصل، وأن الجنس أقوى من الفصل، فأخبروا بذلك الشيخ الآبلي لما رجعوا إليه، فتأمله ثم قال: هذا كلام مصحّف، وأصله أن المركّب قبل البسيط في الحسّ، والبسيط قبل المركّب في العقل، وأن الحسّ أقوى من العقل، فأخبروا ابن المسفّر، فلجّ، فقال لهم الشيخ: التمسوا النسخ، فوجدوا في لفظ بعضها كما قال الشيخ.
رحلته: رحل «١» إلى بجاية مشرّقا، فلقي بها جلّة، منهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي، ابن المسفّر «٢» . ومنهم قاضيها أبو عبد الله محمد ابن الشيخ
следующие страницы →