← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وها أنا أجري منه «١» على حسن معتقده، وأكله في هذا الغرض إلى ما رآه بمقتضى تودّده، وأجيز له ولولديه، أقرّ الله بهما عينه، وجمع بينهما وبينه، رواية جميع ما نقلته وحملته «٢» ، وحسن اطلاعه يفصّل من ذلك ما أجملته، فقد أطلقت لهم الإذن في جميعه، وأبحت لهم الحمل عني ولهم الاختيار في تنويعه. والله «٣» يخلّص أعمالنا لذاته، ويجعلها في ابتغاء مرضاته. قال هذا «٤» محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم حامدا لله ، ومصلّيا ومسلما. وفاته: قتل، ﵀، صبيحة عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة «٥» ، وذلك لتاريخ خلع سلطانه. واستولت «٦» يد الغوغاء على منازله، شغلهم بها مدبّر الفتنة خيفة من أن يعاجلوه قبل تمام أمره، فضاع بها مال لا يكتب، وعروض لا يعلم لها قيمة من الكتب، والذّخيرة والفرش والآنية والسلاح والمتاع والخرثيّ، وأخفرت ذمّته «٧» ، وتعدّي به عدوة القتل إلى المثلة «٨» ، وقانا الله مصارع السوء، فطيف بشلوه، وانتهب فضاع ولم يقبر، وجرت فيه شناعة كبيرة، رحمه الله تعالى. مولده: برندة ظهر يوم الاثنين الحادي والعشرين من ربيع الأول المبارك، من عام ستين وستمائة. وممّن رثاه شيخنا أبو بكر بن شبرين رحمه الله تعالى بقوله «٩» : [الطويل] سقى الله أشلاء كرمن على البلى ... وما غضّ من مقدارها حادث البلا وممّا شجاني أن أهين مكانها ... وأهمل قدر ما عهدناه مهملا ألا اصنع بها يا دهر ما أنت صانع ... فما كنت إلّا عبدها المتذلّلا سفكت وما كان الرّقوء نواله ... لقد جئتها «١٠» شنعاء فاضحة الملا

стр. 702

بكفّي سبنتى أزرق العين مطرق «١» ... عدا فغدا في غيّه متوغّلا لنعم قتيل القوم في يوم عيده ... قتيل تبكّيه المكارم والعلا ألا إنّ يوم ابن الحكيم لمثكل ... فؤادي، فما ينفكّ ما عشت مثكلا فقدناه في يوم أغرّ محجّل ... ففي الحشر نلقاه أغرّ محجّلا سمت نحوه الأيام وهو عميدها ... فلم تشكر النّعمى ولم تحفظ الولا تعاورت الأسياف منه ممدّحا ... كريما سما فوق السّماكين منزلا «٢» وخانته رجل في الطّواف به سعت ... فناء بصدر للعلوم تحمّلا وجدّل لم يحضره في الحيّ ناصر ... فمن مبلغ الأحياء أنّ مهلهلا «٣» يد الله في ذاك الأديم ممزّقا «٤» ... تبارك ما هبّت جنوبا وشمألا ومن حزني أن لست أعرف ملحدا ... له فأرى للتّرب منه مقبلا رويدك يا من قد غدا شامتا به ... فبالأمس ما كان العماد المؤمّلا وكنّا نغادي أو نراوح بابه ... وقد ظلّ في أوج العلا متوقّلا «٥» ذكرناه يوما فاستهلّت جفوننا ... بدمع إذا ما أمحل العام أخضلا ومازج منه الحزن طول اعتبارنا ... ولم ندر ماذا منهما كان أطولا وهاج لنا شجوا تذكّر مجلس ... له كان يهدي الحيّ والملأ الألى به كانت الدنيا تؤخّر مدبرا ... من الناس حتما أو تقدّم مقبلا لتبك عيون الباكيات على فتى ... كريم إذا ما أسبغ العرف أجزلا على خادم الآثار تتلى صحائحا ... على حامل القرآن يتلى مفصّلا على عضد الملك الذي قد تضوّعت ... مكارمه في الأرض مسكا ومندلا

стр. 703

على قاسم الأموال فينا على الذي ... وضعنا لديه كلّ إصر على علا وأنّى لنا من بعده متعلّل ... وما كان في حاجاتنا متعلّلا ألا يا قصير العمر يا كامل العلا ... يمينا لقد غادرت حزنا مؤثّلا يسوء المصلّى أن هلكت ولم تقم ... عليك صلاة فيه يشهدها الملا وذاك لأنّ الأمر فيه شهادة ... وسنّتها محفوطة لن تبدّلا فيا أيها الميت الكريم الذي قضى ... سعيدا حميدا فاضلا ومفضّلا لتهنك «١» من ربّ السماء شهادة ... تلاقي ببشرى وجهك المتهلّلا رثيتك عن حبّ ثوى في جوانحي ... فما ودّع القلب العميد وما قلا «٢» ويا ربّ من أوليته منك نعمة ... وكنت له ذخرا عتيدا وموئلا تناساك حتى ما تمرّ بباله ... ولم يدّكر «٣» ذاك النّدى والتّفضّلا يرابض في مثواك كلّ عشيّة ... صفيف شواء أو قديدا «٤» معجّلا «٥» لحى الله من ينسى الأذمّة رافضا ... ويذهل مهما أصبح الأمر مشكلا حنانيك يا بدر الهدى فلشدّ ما ... تركت بدور الأفق بعدك «٦» أفّلا وكنت لآمالي حياة هنيئة ... فغادرت مني اليوم قلبا مقتّلا فلا وأبيك الخير ما أنا بالذي ... على البعد ينسى من ذمامك ما خلا فأنت الذي آويتني متغرّبا ... وأنت الذي أكرمتني متطفّلا فإن لم أنل منك الذي كنت آملا ... فما كنت إلّا المحسن المتفضّلا «٧» فآليت لا ينفكّ قلبي مكمدا ... عليك ولا ينفكّ دمعي مسبلا محمد بن عبد الرحمن العقيلي الجراوي من أهل وادي آش، وسكن غرناطة.

стр. 704

حاله: فقيه أديب متطبّب، متفنن في علوم جمة، شاعر مطبوع، يكنّى أبا بكر. مدح الأمير علي بن يوسف اللمتوني بقوله: [مجزوء الكامل] رحلوا الركائب موهنا ... فأذاع عرفهم السّنا والحلي قد أغرى بهم ... لمّا ترنّم معلنا كم حفّ حول حماهم ... من كلّ خطّار القنا قال أبو جعفر بن الزبير، ينفك منها قصائد: [الكامل] رحلوا الركاب موهّنا ليكتموا ... ظعن الحمول وهل توارى الأنجم؟ فأذاع سرّهم السّنا ورمى بهم ... فلّ الذميل شذاهم المتنسّم كم حفّ حمل قبابهم وركابهم ... من ليث غاب في براثنه الدم من كل خطّار القناة مموّه ... بين الرحيل نصبه يستسلم وهي طويلة، خاطب بها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين. وقال في وصف القصيدة: [الطويل] أيا ملكا يسمو بسعد مساعد ... وقدر على علو الكواكب صاعد نظمت قصيدا في علاك مضمّنا ... ثلاث قواف في ثلاث قصائد إذا فصلت أغنى عن البعض بعضها ... وإن وصلت كانت ككعب وساعد فأجازه بظهير كريم بتحرير ماله وتنويهه. محمد بن عبد الرحمن المتأهل من أهل وادي آش، يعرف بعمامتي. حاله: من التاج: ناظم أبيات، وموضح غرر وشيات، وصاحب توقيعات رفيعات، وإشارات ذوات شارات. وكان شاعرا مكثارا، وجوادا لا يخاف عثارا. أدخل على أمير بلده المخلوع عن ملكه، بعد انتثار سلكه، وخروج الحضرة عن ملكه، واستقراره بوادي آش، مروع البال، معلّلا بالآمال، وقد بلغه دخول طبرنش في طاعته، فأنشده من ساعته: [مجزوء الكامل] خذها إليك طبرنشا ... شفّع بها وادي الأشا والأمّ تتبع بنتها ... والله يفعل ما يشا ومن نوادره العذبة يطلب خطة الحسبة: [الطويل] أنلني يا خير البريّة خطّة ... ترفّعني قدرا وتكسبني عزّا

стр. 705

فأعتزّ في أهلي كما اعتزّ بيدق ... على سفرة الشطرنج لما انثنى فرزا فوقع الأمر بظهر رقعته ما ثبت في حرف النون عند ذكره، والاحتجاج بفضله. وفاته: كان حيّا بعد سنة سبع عشرة وسبعمائة. وفد على الحضرة مرات كثيرة. محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي «١» من أهل وادي آش، يكنى أبا بكر. حاله: كان عالما، صدرا، حكيما، فيلسوفا، عارفا بالمقالات والآراء، كلفا بالحكمة المشرقية، محققا، متصوفا، طبيبا ماهرا، فقيها، بارع الأدب، ناظما، ناثرا، مشاركا في جملة من الفنون. مشيخته: روى عن أبي محمد الرّشاطي، وعبد الحق بن عطية وغيرهما. حظوته ودخوله غرناطة: اختصّ بالريس أبي جعفر، وأبي الحسن بن ملحان. قال ابن الأبار في تحفته «٢» : وكتب لوالي غرناطة وقتا. تواليفه: رسالة حيّ بن يقظان، والأرجوزة الطبيّة المجهولة، وغير ذلك. شعره: قال: وهو القائل من قصيدة في فتح قفصة سنة ست وسبعين «٣» ، وأنفذت إلى البلاد «٤» : [الطويل] ولمّا انقضى الفتح الذي كان يرتجى ... وأصبح حزب الله أغلب غالب وأنجزنا وعد من الله صادق ... كفيل بإبطال الظنون الكواذب وساعدنا التّوفيق حتى بيّنت ... مقاصدنا مشروحة بالعواقب وأذعن من عليا هلال بن عامر ... أبيّ ولبّى الأمر كلّ مجانب

стр. 706

وهبّوا إذا «١» هبّ النسيم كما «٢» سرى ... ولم يتركوا بالشّرق علقة آئب يغصّ بهم عرض الفلا وهو واسع «٣» ... وقد زاحموا الآفاق من كل جانب كأنّ بسيط الأرض حلقة خاتم ... بهم وخضمّ البحر بعض المذانب ومدّ على حكم «٤» الصغار لسلمنا ... يديه عظيم الروم في حال راغب يصرّح بالرؤيا «٥» وبين ضلوعه ... نفس مذعور ونفرة راهب وعى من لسان الحال أفصح خطبة ... وما «٦» وضحت» عنه فصاح القواضب وأبصر متن الأرض كفّة حامل ... عليه وإصراه في كفّ حالب أشرنا بأعناق الجياد إليكم ... وعجبا عليكم من صدور الرّكائب إلى بقعة قد بيّن «٨» الله فضلها ... بمن حلّ فيها من وليّ «٩» وصاحب على الصّفوة الأدنين منّا تحية ... توافيهم بين الصّبا والجنائب وله أيضا «١٠» : [الطويل] ألمّت وقد نام الرقيب «١١» وهوّما ... وأسرت إلى وادي «١٢» العقيق من الحمى وراحت «١٣» إلى نجد فرحت منجّدا ... ومرّت بنعمان فأضحى منعّما وجرّت على ترب المحصّب «١٤» ذيلها ... فما زال ذاك التّرب نهبا مقسّما تناقله «١٥» أيدي التّجار «١٦» لطيمة ... ويحمله الداريّ «١٧» أيّان يمّما ولمّا رأت أن لا ظلام يجنّها ... وأنّ سراها فيه لن يتكتما سرت «١٨» عذبات الرّيط عن حرّ وجهها ... فأبدت شعاعا يرفع اليوم مظلما «١٩»

стр. 707

فكانّ تجلّيها حجاب جمالها ... كشمس الضّحى يعشى بها الطّرف كلّما ولمّا رأت زهر الكواكب أنها ... هي النيّر الأسمى وإن كان باسما بكت أسفا أن لم تفز بجوارها ... وأسعدها صوب الغمام فأسجما فجلّت يمجّ القطر ريّان بردها ... فتنفضه كالدّر فذّا وتوأما يضمّ علينا الماء فضل زكاتها ... كما «١» بلّ سقط الطّلّ نورا مكمّما ويفتق نضح الغيث طيب عرفها ... نسيم الصّبا بين العرار منسّما جلت عن ثناياها وأومض برقها «٢» ... فلم أدر من شقّ الدّجنّة منهما وساعدني جفن الغمام على البكا ... فلم أدر وجدا «٣» أيّنا كان أسجما ونظم سمطي ثغرها ووشاحها ... فأبصرت درّ الثغر أحلى وأنظما تقول وقد ألممت أطراف كمّها ... يدي وقد أنعلت أخمصها الفما نشدتك لا يذهب بك الشوق مذهبا ... يسهّل صعبا أو يرخّص مأثما فأقصرت «٤» لا مستغنيا عن نوالها ... ولكن رأيت الصّبر أوفى وأكرما وقال «٥» : [الوافر] أتذكر إذ مسحت بفيك عيني «٦» ... وقد حلّ البكا فيها عقوده ذكرت بأن ريقك ماء ورد ... فقابلت الحرارة بالبروده وقال: [الوافر] سألت من المليحة برء دائي ... برشف برودها العذب المزاج فما زالت تقبّل في جفوني ... وتبهرني بأصناف الحجاج وقالت إنّ طرفك كان «٧» أصلا ... لدائك فليقدّم في العلاج وفاته: توفي بمراكش سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وحضر السلطان «٨» جنازته.

стр. 708

محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن عيّاش التّجيبي البرشاني «١» من أهل حصن برشانة المحسوب في هذه العمالة، يكنى أبا عبد الله، كاتب الخلافة. حاله: قال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك «٢» : كان كاتبا بارعا، فصيحا، مشرفا على علوم اللسان، حافظا للّغات والآداب، جزلا، سريّ الهمّة، كبير المقدار، حسن الخلق، كريم الطباع «٣» ، نفّاعا بجاهه وماله، كثير الاعتناء «٤» بطلبة العلم والسعي الجميل لهم، وإفاضة المعروف على قصّاده، مستعينا على ذلك بما نال من الثروة والحظوة والجاه عند الأمراء من بني عبد المؤمن، إذ كان صاحب القلم الأعلى «٥» على عهد المنصور وابنه، رفيع المنزلة والمكانة لديهم، قاصدا «٦» الإعراب في كلامه، لا يخاطب أحدا «٧» في كلامه من الناس، على تفاريق أحوالهم، إلّا بكلام معرب، وربما استعمله «٨» في مخاطبة خدمته «٩» وأمته، من حوشيّ الألفاظ، ما لا يكاد يستعمله «١٠» ، ولا يفهمه إلّا حفّاظ اللغة من أهل العلم، عادة ألفها واستمرّت حاله عليها. مشيخته: روى «١١» عن أبي عبد الله بن حميد، وابن أبي القاسم السّهيلي، وابن حبيش، وروى عنه بنوه أبو جعفر، وأبو القاسم «١٢» عبد الرحمن، وأبو جعفر بن عثمان، وأبو القاسم البلوي.

стр. 709

تواليفه: له «١» اختصار حسن في إصلاح المنطق، ورسائل مشهورة، تناقلها الناس، وشعر يحسن في بعضه. جاهه: حدّث الشيخ أبو القاسم البلوي، قال «٢» : كنت أخفّ إليه «٣» ، وأشفع عنده في كبار المسائل، فيسرع في قضائها. ولقد عرضت لبعض أصحابي من أهل بلاد الأندلس حاجة مهمّة كبيرة، وجب عليّ السعي فيها، والتماس قضائها وفاء لربّها، ولم يكن لها إلّا ما قدرته من حسن نظره فيها، ورجوته من جميل أثره في تيسير أمرها، وكان قد أصابه حينئذ التياث لزم من أجله داره، ودخلت «٤» عليه عائدا، فأطال السؤال عن حالي، وتبسّط معي في الكلام، مبالغة في تأنيسي، فأجّلت ذكر الحاجة «٥» ، ورغبت منه في الشّفاعة عند السلطان في شأنها، وكان مضطجعا، فاستوى جالسا، وقال لي: جهل الناس قدري، وكرّرها ثلاثا، في «٦» مثل هذا أشفع إلى أمير المؤمنين؟ هات الدّواة والقرطاس، فناولته إياهما، فكتب برغبتي، ورفعه إلى السلطان، فصرف في الحين معلّما، فاستدعاني، ودفعه إليّ، وقال: يا أبا القاسم، لا أرضى منك أن تحجم عني في التماس قضاء حاجة تعرّضت لك خاصة، وإن كانت لأحد من معارفك عامة، كبرت أو صغرت، فألتزم قضاءها، وعليّ الوفاء، فإن لكل مكسب «٧» زكاة، وزكاة الجاه بذله. وحدّثني شيخي أبو الحسن بن الجيّاب، عمن حدّثه من أشياخه، قال: عرض أبو عبد الله بن عيّاش والكاتب ابن القالمي على المنصور كتابين، وهو في بعض الغزوات، في كلب البرد، وبين يديه كانون جمر. وكان ابن عياش بارع الخطّ، وابن القالمي ركيكه، ويفضله في البلاغة، أو بالعكس الشكّ مني. وقال المنصور: أي كتب لو كان بهذا الخط؟ وأي خطّ لو كان بهذا الكتب؟ فرضي ابن القالمي، وسخط ابن عياش. فانتزع الكتاب من يد المنصور، وطرحه في النار وانصرف. قال: فتغيّر وجه المنصور، وابتدر أحد الأشياخ، فقال: يا أمير المؤمنين، طعنتم له في الوسيلة التي عرّفته ببابكم، فعظمت غيرته لمعرفته بقدر السبب الموصل إليكم. فسرّي عن المنصور، وقال لأحد خدّامه: اذهب إلى السّبي، فاختر أجمل نساء الأبكار؛ وأت بابن عياش؛ فقل له: هذه تطفىء من خلقك. قال ابن عياش يخاطب ولده، وقد حدّث الحديث: هي أمّك، يا محمد، أو فلان.

стр. 710

بعض أخباره مع المنصور ومحاورته الدّالة على جلالة قدره: قال ابن خميس: حدّثني خالي أبو عبد الله بن عسكر أن الكاتب أبا عبد الله بن عيّاش، كتب يوما كتابا ليهودي، فكتب فيه، ويحمل على البرّ والكرامة. فقال له المنصور: من أين لك أن تقول في كافر، ويحمل على البرّ والكرامة؟ فقال: ففكّرت ساعة، وقد علمت أن الاعتراض يلزمني، فقلت: قال رسول الله ﷺ : إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه، وهذا عام في الكافر، وغيره. فقال: نعم هذه الكرامة، فالمبرة أين أخذتها؟ قال: فسكتّ ولم أجد جوابا. قال: فقرأ المنصور: «أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم» «١» لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ «٢» . قال: فشهدت بذلك، وشكرته. شعره: من شعره «٣» : [الطويل] بلنسية، بيني عن العليا «٤» سلوة ... فإنك روض لا أحنّ لزهرك وكيف يحبّ المرء دارا تقسّمت ... على صارمي «٥» جوع «٦» وفتنة مشرك؟ وذكره الأديب أبو بحر صفوان بن إدريس في «زاد المسافر» عند اسم ابن عيّاش، قال: اجتمعنا في ليلة بمرّاكش، فقال أبو عبد الله بن عيّاش: [البسيط] وليلة من ليالي الصّفح قد جمعت ... إخوان صدق ووصل للدهر مختلس «٧» كانوا على سنّة الأيام قد بعدوا ... فألّفت بينهم لو ساعد الغلس وقال من قصيدة: [الكامل] أشفارها أم صارم الحجّاج؟ ... وجفونها أم فتنة الحلّاج؟ فإذا نظرت لأرضها وسمائها ... لم تلف غير أسنّة وزجاج

стр. 711

وقال في المصحف الإمام، المنسوب إلى عثمان بن عفان، لما أمر المنصور بتحليته بنفيس الدّرّ من قصيدة «١» : ونفّلته «٢» من كلّ ملك ذخيرة ... كأنهم كانوا برسم مكاسبه فإن ورث الأملاك شرقا ومغربا ... فكم قد أخلّوا جاهلين بواجبه وألبسته الياقوت والدرّ «٣» حلية ... وغيرك قد روّاه من دم صاحبه كتابته: قال ابن سعيد في المرقصات والمطربات «٤» : أبو عبد الله بن عيّاش، كاتب الناصر وغيره، من بني عبد المؤمن، وواسطة عقد ترسيله، قوله في رسالة كتبها في نزول الناصر على المهدية بحرا وبرا، واسترجاعها من أيدي الملثّمين: ولما حللنا عرى السّفر، بأن حللنا حمى المهديّة، تفاءلنا بأن تكون لمن حلّ بساحتها هديّة، فأحدقنا بها إحداق الهدب بالعين، وأطرنا لمختلس وصالها غربان البين، فبانت بليلة باسنيّة، وصابح يوما صافحته فيه يد المنية. ولما اجتلينا منها عروسا قد مدّ بين يديها بساط الماء، وتوجهت بالهلال وقرّطته بالثّريا ووشّجت بنجوم السّماء، والسّحب تسحب عليها أردانها فترتديها تارة متلثّمة، وطورا سافرة، وكأنما شرفاتها المشرفة أنامل مخضبة بالدّياجي، مختتمة بالكواكب الزّاهرة، تضحي عن شنب لا تزال تقبّله أفواه المجانيق، وتمسي باسمة عن لعس لا تبرح ترشفه شفاه سهام الحريق، خطبناها فأرادت التّنبيه على قدرها، والتوفير في إعلاء مهرها، ومن خطب الحسناء لم يغله المهر فتمنّعت تمنّع المقصورات في الخيام، وأطالت إعمال العامل في خدمتها وتجريد الحسام، إلى أن تحقّقت عظم موقعها في النفوس، ورأت كثرة ما ألقي لها من نثار الرءوس، جنحت إلى الإحصان بعد النّشوز، ورأت اللّجاج في الامتناع من قبول الإحسان لا يجوز، فأمكنت زمامها من يد خاطبها، بعد مطاولة خطبها وخطابها، وأمتعته على رغم رقيها بعناقها ورشف رضابها، فبانت معرّسا حيث لا حجال إلّا من البنود، ولا خلوق إلّا من دماء أبطال الجنود، فأصبح وقد تلألأت بهذه البشائر وجوه الأفكار؛ وطارت بمسارها سوائح البراري وسوانح البحار. فالحمد

стр. 712

لله الذي أقرّ الحقّ في نصابه، واسترجعه من أيدي غصّابه، حمدا يجمع شمل النّعم، ويلقحها كما تلقح الرياح الدّيم، فشنّفوا الأسماع بهذه البشائر، واملئوا الصّدور بما يرويه لكم من أحاديثها كل وارد وصادر، فهو الفتح الذي تفتّحت له أبواب السماء، وعمّ الخير واليمن به بسيطي الشّرق والماء؛ فشكر الله عليه، فرض، في كل قطر من أقطار الأرض. دخل غرناطة، مرتادا، ومتعلما، ومجتازا. مولده: ببرشانة بلده، عام خمسين وخمسمائة. وفاته: توفي بمراكش في شهر رجب «١» الفرد من عام ثمانية عشرة وستمائة، ﵀. محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد الهمداني من أهل وادي آش، يكنى أبا القاسم ويعرف بابن البرّاق «٢» . حاله: قال ابن عبد الملك «٣» : كان محدّثا حافظا، راوية مكثرا، ثقة ضابطا «٤» ، شهر بحفظ كتب كثيرة من الحديث وغيره، ذا نظر صالح في الطّبّ «٥» ، أديبا بارعا، كاتبا بليغا، مكثرا لجيّده «٦» ، سريع البديهة في النظم والنثر، والأدب أغلب عليه. قال أبو القاسم ابن المواعيني: ما رأيت في عباد الله أسرع ارتجالا منه. مشيخته: روى «٧» عن أبي بحر يوسف بن أحمد بن أبي عيشون، وأبي بكر بن زرقون، وابن قيد «٨» ، وابن إبراهيم بن المل، وابن النّعمة وصحبه «٩» ، ولقيه بمرّاكش، ووليد بن موفق، وأبي عبد الله بن يوسف بن سعادة، ولازمه أزيد من ست سنين وأكثر عنه، وابن العمرسي، وأبي العباس بن إدريس، والخرّوبي، وتلا عليه بالسّبع،

стр. 713

وأكثر عنه، وعرض عليه من حفظه كثيرا، وابن مضاء، وأبي علي بن عرب «١» ، وأبي القاسم بن حبيش، وابن عبد الجبار، وأبي محمد بن سهل الضرير، وعاشر وقاسم بن دحمان، وأبي يوسف بن طلحة. وأجاز له أبو بكر بن العربي، وابن خير، وابن مندلة «٢» ، وابن تمارة «٣» ، وأبو الحسن شريح، وابن هذيل، ويونس بن مغيث، وأبو الجليل «٤» مفرج بن سلمة، وأبو عبد الله حفيد مكي، وأبو عبد الرحمن بن مساعد، وأبو عامر محمد بن أحمد السالمي، وأبو القاسم ابن بشكوال، وأبو محمد بن عبيد الله، وأبو مروان البيّاضي، وابن قزمان، وأبو الوليد بن حجاج. من روى عنه: روى «٥» عنه ابنه أبو القاسم، وأبو الحسن بن محمد بن بقي الغسّاني، وأبو عبد الله محمد «٦» بن يحيى السّكري، وأبو العباس النّباتي، وأبو عمرو بن عيّاد، وهو أسنّ منه، وأبو الكرم جودي. تواليفه: صنّف «٧» في الأدب «٨» مصنّفات منها «بهجة الأفكار، وفرجة «٩» التّذكار، في مختار الأشعار» ، و «مباشرة ليلة السّفح» «١٠» ، ومقالة في الإخوان، خرّجها من شواهد الحكم، ومصنّف في أخبار معاوية، و «الدّر المنظم في الاختيار «١١» المعظّم» ، و «مجموع في الألغاز» «١٢» ، و «روضة الحدائق، في تأليف الكلام الرائق» ، مجموع نظمه ونثره، وملقى «١٣» السبل في فضل رمضان، وقصيدته في ذكر النبيّ ﷺ ، وخطرات الواجد في رثاء الواحد، ورجوع «١٤» الإنذار بهجوم العذار، إلى غير ذلك. محنته: غرّبه الأمير ابن سعد «١٥» من وطنه، وألزمه سكنى مرسية، ثم بلنسية. ولما مات ابن سعد آخر يوم من رجب سبع وستين وخمسمائة، عاد إلى وطنه واستقرّ به يفيده الدّية، إلى آخر عمره.

стр. 714

شعره: وشعره كثير. فمن ذلك القصيدة الشهيرة في مدح رسول الله ﷺ ، وذكر صحابته «١» : [الكامل] بالهضب هضب زرود أو تلعاتها ... شاقتك «٢» هاتفة على نغماتها مصدورة تفتنّ في ترجيعها «٣» ... فيبين نفث السّحر في نفثاتها إن راقها «٤» رأد الضحى أو راعها ... جنح الدّجى سيّان في ذكراتها هذا يمتّعها وذاك يشوقها ... والموت «٥» في يقظاتها وسناتها ولو «٦» التّعلل بالكرى ينتابها ... نضحت فزور «٧» الطّيف برح شكاتها لكنّ بين جفونها ومنامها «٨» ... حربا «٩» تثير النهب في كرّاتها ولئن نطقت لها به فتقوّل ... من للرّياح «١٠» بملتقى هبّاتها؟ مطلولة الفرعين تلحفها الرّبى ... كنفا «١١» وتلثمها لمى زهراتها ويسيغها «١٢» ماء النّخيلة جرعة ... لغياضها «١٣» من مجتنى نخلاتها منها: يا من تبلّج نوره عن صادع ... بالواضحات الغرّ من آياتها يا شارعا في أمّة جعلت به ... وسطا نالت «١٤» مستدام حياتها

стр. 715

في دار خلد لا يشيب وليدها ... حيث الشّباب يرفّ في جنّاتها وتسنّم «١» الرّضوان في أكنافها ... وتنسّم «٢» الرّيحان من جنباتها يا مصطفاها يا «٣» مرفّع قدرها ... يا كهفها يا منتهى غاياتها «٤» يا منتقاها من أرومة هاشم ... يا هاشم الصّلبان في نزاوتها يا خاضدا للشّرك شوكة حزبه ... يا يافعا «٥» للعرب في جمراتها قلت: نقل الشيخ «٦» أزيد من ذلك أو ضعفه أو نحوه. إلى أن قال: وهي طويلة، قلت: وثقيلة الرّوح. ولقد صدق في قوله. ومن شعره: [السريع] يا بدر تمّ طالعا في الحشا ... برّح بي منك أوان المغيب حظّك من قلبي تعذيبه ... وحظّه منك الأسى والوجيب فمن يكن يزهى بلبس المنى ... فإن زهوي بلحاس النّحيب في ساعة قصر أنيابها ... غيبته لي وحضور الرقيب لعلّ من باعد ما بيننا ... يفرّج الكربة عمّا قريب وقال: [الكامل] رشّوا «٧» القباب بأدمع مفضوضة ... ذوى للفراق وأكبد تتصرّم فللنّفس في تلك الرّبوع حبيبة ... والقلب في إثر الوداع مقسّم هل لي بهاتيك الظّبا إلماعة؟ ... أم هل لذاك السّرب شمل ينظم؟ حقّا فقدت الذّات عند فراقهم ... فالشّخص يوجد والحقيقة تعدم وفاته: توفي ببلده لثلاث بقين من رمضان ست وتسعين وخمسمائة «٨» . قال أبو القاسم المواعيني: عثر في مشيه فسقط، فكان سبب منيّته، ودخل غرناطة في غير ما وجهة منها، راويا عن أبي القاسم بن الفرس، ومع ذلك فهو من أحوازها وبنيّاتها.

стр. 716

محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد ابن خاتمة الأنصاري «١» من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد الله. حاله: من كتاب الإكليل ما نصّه «٢» : ممن ثكلته اليراعة، وفقدته البراعة، تأدّب بأخيه «٣» ، وتهذّب، وأراه في النظم المذهب، وكساه من التفهّم والتعليم البرد «٤» المذهّب، فاقتفى واقتدى، وراح في الحلبة واغتدى، حتى نبل وشدا، ولو أمهله الدهر لبلغ المدى. وأما خطّه فقيد الأبصار، وطرفة من طرف الأمصار، واعتبط «٥» يانع الشّبيبة، مخضرّ الكتيبة. شعره: [البسيط] كفّوا الملام فلا أصغي إلى العذل ... عقلي وسمعي عن العذّال في شغل يقول في هذه القصيدة: هزل المحبّة جدّ والهوان هوى ... والصّبّ يتلف بين الجدّ والهزل من مسعدي وفؤادي لا يساعدني ... أو من شفيعي وذلّي ليس يشفع لي أعلّل النّفس بالآمال أطمعها ... حتى وقعت من التّعليل في علل لئن كنت تجهل ما في الحبّ من محن ... أنا الخبير فغيري اليوم لا تسل أنا الذي قد حلبت الحبّ أشطره ... فلم يفدني لا حولي ولا حيل لا أشرب الرّاح كي أحلو براحتها ... لكن لأدفع ما بالنّفس من كسل ولا أجول بطرفي في الرياض سوى ... ذكري لأيامنا في ظلّها الأول أنا العهد مضى ما كان أعذبه ... لم يبق لي غير آيات من الخبل كم فديتك يا قلبي وأنت على ... تلك الغواية لم تبرح ولم تزل فاختر لنفسك إما أن تصاحبني ... حلوا وإلّا فدعني منك وارتحل فقد تبعتك حتى سرت من شغفي ... ولوعتي في الهوى أعجوبة المثل

стр. 717

ومن شعره «١» : [الرمل] ومض البرق فثار القلق ... ومضى النّوم وحلّ الأرق وينعاني من غرامي قد شكا ... ودموعي من ولوعي تنطق «٢» ودليلي في غليلي زفرتي ... وعذابي بانتحابي أصدق وحسودي من وقودي رقّ لي «٣» ... ضمّنا فيها الحمى والأبرق «٤» وعشيّات تقضّت باللّوى ... في محيّا «٥» الدهر منها رونق إذ شبابي والتّصابي جمعا ... ورياض الأنس غضّ مونق «٦» شتّ «٧» يوم البين شملي ليت ما ... خلق البين لقلب يعشق آه من يوم قضى لي فرقة ... شاب منّي يوم حلّت مفرق ومن ذلك: [الطويل] أيا جيرة الحيّ الممنّع جاره ... سقى ريقكم دمعي إذا بخل الوبل متى غبتم عنّي فأنتم بخاطري ... وإن تقصدوا ذلّي فقد لذّني الذّلّ عذابكم قرب وبخلكم ندى ... وإذلالكم عزّ وهجرانكم وصل وأنتم نعيمي لا نعمت بغيركم ... وروضي لا ماء «٨» أريد ولا ظلّ ومن ظريف نزعاته قوله «٩» : [البسيط] الرّفع نعتكم لا خانكم «١٠» أمل ... والخفض شيمة شأني «١١» والهوى دول هل منكم لي عطف بعد بعدكم؟ ... إذ ليس لي منكم يا سادتي بدل

стр. 718

وفاته: اعتبط في الطاعون في أوائل ربيع الأول عام خمسين وسبعمائة. ورد إلى الحضرة غير ما مرة. محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان الزّهري «١» من أهل قرطبة، يكنى أبا بكر. حاله: نسيج وحده أدبا وظرفا ولوذعيّة وشهرة. قال ابن عبد الملك: كان أديبا بارعا، محسنا، شاعرا حلو الكلام، مليح التّندير، مبرّزا في نظم الطريقة الهزلية، بلسان عوام الأندلس، الملقب بالزّجل. قلت «٢» : وهذه الطريقة بديعة يتحكّم فيها ألقاب البديع، وتنفسخ لكثير مما يضيق سلوكه على الشاعر. وبلغ فيها أبو بكر مبلغا حجره الله عن سواه؛ فهو آيتها المعجزة، وحجّتها البالغة، وفارسها العلم، والمبتدى فيها والمتمّم، ﵀. وقال الفتح فيه «٣» : «مبرّز في البيان، ومحرز السّبق «٤» عند تسابق الأعيان، اشتمل عليه المتوكل «٥» على الله اشتمالا رقّاه «٦» إلى مجالس، وكساه ملابس، واقتطع «٧» أسمى الرّتب وتبوّأها، ونال أسنى الخطط «٨» وما تمالأها» . شعره: قال الفتح «٩» : وقد أثبت له ما يعلم «١٠» به رفيع قدره، ويعرف كيف أساء الزمن «١١» بغدره، قوله «١٢» : [الكامل] ركبوا السيول من الخيول وركّبوا ... فوق العوالي السّمر زرق نطاف «١٣»

стр. 719

وتجلّلوا الغدران من ماذيّهم ... مرتجّة إلّا على الأكتاف وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال «١» يستدعيه إلى مجلس أنس: [البسيط] إني أهزّك هزّ الصّارم الخذم ... وبيننا كلّ ما تدريه من ذمم ذا شاك «٢» من قطع أنس أنت واصله ... بما لديك من الآداب والحكم وشتّ شمل كرام أنت ناظمه ... وردّ دعوة أهل المجد والكرم ولو دعيت إلى أمثالها لسعت ... إليك سعي مشوق هائم قدم وإن نشطت لتصريفي صرفت له ... وجهي وكنت من الأعوان والخدم وما أريد سوى عفو تجود به ... وفي حديثك ما يشفى من الألم أنت المقدّم في فخر وفي أدب ... فاطلع علينا طلوع السيّد العمم فأجابه ﵀: [البسيط] أتى من المجد أمر لا مردّ له ... نمشي على الرأس فيه لا على القدم لبّيك لبّيك أضعافا مضاعفة ... إني أجبت ولكنّ داعي الكرم لي همّة ولأهل العزّ مطمحها ... لا زلت في كلّ مجد مطمح الهمم وإنّ حقّك معروف وملتزم ... وكيف يوجد عندي غير ملتزم؟ زفن «٣» ورقص وما أحببت من ملح ... عندي وأكثر ما تدريه من شيم حتى يكون كلام الحاضرين بها ... عند الصّباح وما بالعهد من قدم يا ليلة السّفح هلّا عدت ثانية ... سقى زمانك هطّال من الدّيم وقال في غرض النّسيب «٤» : [السريع] يا ربّ يوم زارني «٥» فيه من ... أطلع من غرّته «٦» كوكبا ذو شفة لمياء معسولة ... ينشع من خدّيه ماء الصّبا

стр. 720

قلت له هب «١» لي بها قبلة ... فقال لي مبتسما: مرحبا فذقت شيئا لم أذق مثله ... لله ما أحلى وما أعذبا أسعدني الله بإسعاده ... يا شقوتي «٢» يا شقوتي لو أبى وقال: [المنسرح] جئت لتوديعه وقد ذرفت ... عيناي من حسرة وعيناه في موكب البين باكيين «٣» ولا ... أصعب من موقف وقفناه معانقا جيده على حذر ... فمن رآني مقبّلا فاه نغّص توديعه لعاشقه ... ما كان من قبل قد تمنّاه وقال يعتذر ارتجالا وأحسن ما أراد «٤» : [البسيط] يا أهل ذا المجلس السّامي سراوته «٥» ... ما ملت لكنني مالت بي الرّاح وإن «٦» أكن مطفئا «٧» مصباح بيتكم ... فكلّ من فيكم «٨» في البيت مصباح وقال يهنّئ بعرس: [الكامل] صرفت إليك وجوهها الأفراح ... وتكنّفتك سعادة ونجاح فاقض المآرب في زمان صالح ... لا سدّ عنك من الزّمان صلاح إن كان كالشمس المنيرة حسنها ... فالبدر أنت وما عليك جناح لا فرق بينكما لرأي فاستوى ... زيّ النساء قلادة ووشاح هل يوقد المصباح عندكما مهجا ... وكلاكما ببهائه مصباح؟ أحرزت يا عبد العزيز محاسنا ... كثرت فلم تستوفها الأمداح يا من له كفّ تجود وأضلع ... مطوي على حفظ الوداد سجاح «٩»

стр. 721

ما ألقت الحاجات دوني قفلها ... إلّا ويمن يمينك المفتاح في كل ما تنحو إليه ملاحة ... وكذاك أفعال المليح ملاح ومن حكمه قوله «١» : [الوافر] كثير المال تبذله فيبقى ... ولا «٢» يبقى مع البخل القليل ومن غرست يداه ثمار جود ... ففي ظلّ الثناء له مقيل وقال ﵀ «٣» : [الوافر] وعهدي بالشّباب وحسن قدّي ... حكى ألف ابن مقلة في الكتاب «٤» فصرت اليوم منحنيا كأني ... أفتّش في التّراب على الشباب «٥» وقال ﵀ «٦» : [الرمل] يمسك الفارس رمحا بيد «٧» ... وأنا أمسك فيها قصبه وكلانا «٨» بطل في حربه ... إن الاقلام رماح الكتبه قال ابن عبد الملك: أنشدت على شيخنا أبي الحسن الرّعيني، قال: أخبرنا الراوية أبو القاسم بن الطّيلسان، قال: سألته، يعني أبا القاسم أحمد بن أبي بكر هذا، أن ينشد شيئا من شعر أبيه المغرب، فأخرج لي قطعة بخط أبيه وأنشده. وقال: أنشدني أبي ﵀ لنفسه: [المنسرح] أحسن ما نيط في الدّعاء «٩» لمن ... رتّب في خطّة من الخطط خلّصك الله من عوائقها ... ودمت في عصمة من الغلط مقرّبا منك ما تسرّ به ... وكل مكروهة على شحط الكلّ بالعدل منك مغتبط ... وليس في الناس غير مغتبط وليس يخليك من أنا لكها ... من عمل بالنّجاة مرتبط

стр. 722

فانفذ بعون لله «١» مجتهدا ... بقلب صافي الضمير «٢» مرتبط يا صاحب الأمر والذي يده ... نائلها للعفاة غير بطي «٣» رفعتم يا بني رفاعة ما ... كان من المعلوات في هبط ومنبر الحق من سواه بكم ... فها هو الآن غير مختلط وانضبط الأمر واستقام لكم ... ولم يكن «٤» قبل ذا بمنضبط أتيت في كل ما أتيت به ... فالغيث بعد الرجاء «٥» والقنط جللت عمّن سواك منزلة ... فلست ممّن سواك في نمط أنت من المجد والعلا طرف ... وكلّهم في العلا من الوسط كتابته: وقفت من ذلك على أفانين. منها في استهلال شهر رمضان قوله: سلام على أنس المجتهدين، وراحة المتهجّدين، وقرّة أعين المهتدين، والذي زيّن الله به الدّنيا وأعزّ به الدين. شرّف الله به الإسلام، وجعل أيامه رقوما في عواتق الأيام، وشهوره غررا في جباه الأعلام، وحلّ به عن رقاب الأمة قلائد الآثام، ونزّه فيه الأسماع عن المكاره وصان الأفواه من رفث الكلام. أشهد أن الله أثنى عليك، وأدخل من شاء الجنّة على يديك، وخصّك من الفضائل بما يمشي فيه التّفسير حتى يكلّ، ويسأم ذلك اللسان ويملّ، وأبادت ذنوب الأمة بمثل ما أبادت الشمس الظّلّ، ذلك الذي يتهلل للسماء هلاله، ويهتزّ العرش لجلاله، وترتج الملائكة في حين إقباله، وتدخل الحور العين في زينتها تكريما، وتلتزم إجلاله وتعظيما، ويهتدي فيه الناس إلى دينهم صراطا مستقيما، وتغلّ الشياطين على ما خيّلت، وتذوق وبال ما كادت به وتخيّلت، ويشمّر التّقيّ لعبادة ربّه ذيلا، وتهبط الملائكة إلى سماء الدنيا ليلا، وينتظم المتّقون في ديوانه انتظام السّلك، ويكون خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، وتفتح الجنّة أبوابا، ويغفر لمن صامه إيمانا واحتسابا، جزاء من ربك عطاء حسابا، وبما فضّلك الله على سائر الشهور، وقضى لك بالشّرف والفضل المشهور. فرضك في كتابه، ومدحك في خطابه، حيث قال: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، يعني تكبير الناس

стр. 723

عليك، وتقليب أحداقهم بالنظر إليك، حين لثمت بالسحاب، ونظرت من تحت ذلك النّقاب، وقد يمتاز الشّيب وإن استتر بالخضاب، حتى إذا وقف الأئمّة منك على الصّحيح، وصرّحوا برؤيتك كلّ التصريح، نظرت كل جماعة في اجتماعها، وتأهّبت القرّاء لإشفاعها، واندفعت الأصوات باختلاف أنواعها، وتضرعت الألباب، وطلبت المواقف أواخر الأعشار والأحزاب، وابتدئت ألم ذلك الكتاب، عند ما أوقدت قناديل كأنما قد بدت من الصباح، ورقصت رقص النواهد عند هبوب الرياح، والله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، فأمّلك المسلمون في سرّ وجهر، وحطّت أثقال السيئات عن كل ظهر، والتمست الليلة التي هي خير من ألف شهر، فنشط الصالحون بك صوما، وهجر المتهجّدون في ليلك نوما، وأكملناك إن أذن الله ثلاثين يوما. فيا أيها الذي رحل، رحل بعد مقامه، وقام للسّفر من مقامه، ورأى من قضى حقّه ومن قصّر في صيامه، فمشى الناس إلى تشييعه، وبكوا لفراقه وتوديعه، وندم المضيّع على ما كان من تضييعه، ولم يثق بدوام العيش إلى وقت رجوعه، فعضّ على كفّه ندما، وبكت عينه ماء وكبده دما. رويدا حتى أمرح في ميدان فراقك، وأتضرّع إلى حنانك وإشفاقك، وأتشفى من تقبيلك وعناقك، وأسأل منك حاجة إن أراد الله قضاءها، وشاء نفوذها وإمضاءها، إذا أنت وقفت لربّ العالمين، فقبلك من قوم وردّك في وجوه آخرين. إن تثني جميلا، فعسى يصفح لعهده وإن أساء، فعلم الله أني نويت التوبة أولا وآخرا، وأملت الأداء باطنا وظاهرا، وكنت على ذلك لو هدى الله قادرا، وإنما علم، من تقصير الإنسان ما علم، وللمرء ما قضي عليه به وحكم، وإن النفس لأمّارة بالسّوء إلّا من رحم، فإن غفر فبطوله وإحسانه، وإن عاقب فيما قدّمت يد العبد من عصيانه، فيا وحشة لهذه الفرقة، ويا أسفا على بعد الشّقة، ويا شدّ ما خلّفته لنا بفراقك من الجهد والمشقة، ولطالما هجر الإنسان بك ذنبه، وراقب إعظاما لكربه، وشرحت إلى أعمال البرّ قلبه. ومع هذا أتراك ترجع وترى، أم تضمّ علينا دونك أطباق الثّرى؟ فيا ويلتا إن حلّ الأجل، ولم أقض دينك، ورجعت وقد حال الموت بيني وبينك، فأغرب، لا جعله الله آخر التوديع، وأيّ قلب يستطيع. وقال في استهلال شوال: ولكل مقام مقال. الله أكبر هذا هلال شوّال قد طلع، وكرّ في منازله وقطع، وغاب أحد عشر شهرا ثم رجع. ما لي أراه رقيق الاستهلال، خفيّ الهلال، وروحا تردّد في مثل انملال؟ ما باله أمسى الله رسمه، وصحّح جسمه، ورفع في شهور العام اسمه؟ على وجهه صفرة بيّنة، ونار إشراقه ليّنة، وأرى السحاب تعتمده وتقف،

стр. 724

وتغشاه سويعة وتنصرف، ما أراه إلّا بطول ذلك المقام، وتوالي الأهوال العظام، أصابه مرض في فصل من فصول العام، فعادته كما يعاد المريض، وبكته الأيام الغرّ والليالي البيض، وقلن: كلأك الله وكفاك، وحاطك وشفاك، وقل: كيف نجدك لا فضّ فاك، هذا على الظّن لا على التحقيق، ومجاز لا يحكم التّصديق. وليبعد مثل هذا المقدار، أن يقدح فيه طول الغيب وتواتر الأسفار. أليس هو قد ألف مجالي الرّياح، وصحب برد الصّباح، وشاهد الأهوية مع الغدو والرّواح، وطواها بتجربته طيّ الوشاح؟ ما ذاك إلّا أنّه رأى الشمس في بعض الأيام ماشية، والحسن يأخذ منها وسطا وحاشية، ودلائل شبابها ظاهرة فاشية، فوقع منها في نفسه ما وقع، وثبت على قلبه من النّظر ما زرع، ووقع في شركها وحقّ له أن يقع. فرثت هي لحاله وأشفقت، ونهجت بوصالها وتأنّقت، وقطعت من معدن نيلها وأنفقت، ورأت أنها له شاكلة يبلغ أملها، وتبلغ مأمله، ولذلك ما مدّت لذيذ السّماح، فتعرّضت بالعشيّ وارتصدها في الصباح، مع ما أيقنّا به من الانقطاع، ويمسّنا من الاجتماع، كما نفد القدر، وصدر الخبر، وقال: تعلن لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، فوجد لذلك وجدا شديدا، وأذاقه مع الساعات شوقا جديدا، وأصبح بها دنفا، وأمسى عميدا، حتى سلب ذلك بهاه، وأذهب سناه، وردّه النحول كما شاه، ولقي منها مثل ما لقي غيلان من ميّته، وجميل من بثينته، وحنّ إليها حنين عروة إلى عفراء، وموعدهما يوم وهب ناقته الصّفراء. على رسلك أني وهمت، وحسبت ذلك حقّا وتوهّمت، والآن وقد فطنت، وأصبت الفصّ فيما ظننت، إنه لقي رمضان في إقباله، وضمّه نقصان هلاله، وصامه فجأة ولم يك في باله، فأثّر ذلك في وجهه الطّلق، وأضعفه كما فعل بسائر الخلق، وها هو قد أقبل من سفره البعيد، فقل هو هلال الفطر أو قل هو هلال العيد، فلقه صباح مشى الناس فيه مشي الحباب، ولبسوا أفضل الثياب، وبرزوا إلى مصلّاهم من كل باب، فارتفعت همّة الإسلام، وشرفت أمة محمد ﵇، وخطب بالناس ودعا للإمام، عندما طلعت الشمس بوجه كدور المرآة، ولون كصفا المهراة، وخرج لا ينسيها ريم الفلاة. وقضوا السّنّة، وبذلوا الجهد في ذلك والمنّة، وسألوا من الله أن يدخلهم الجنّة، ثم خطبوا حمدا لله وشكرا، وذكروه كذكرهم آباءهم أو أشدّ ذكرا، ثم انصرفوا راشدين، وافترقوا حامدين، وشبك الشيخ بيديه، ونظر الشّاب في كفّيه، ورجعوا على غير الطريق الذي أتوا عليه، فلقد استشفى من الرّؤية ذو عينين، وتذكّر العاشق موقف البين، وشقّ المتنزّه بين الصّفين، فنقل عينيه من الوشي إلى الدّيباج، ووجوه كضوء السّراج، وعيون أقتل من سيف الحجّاج، ونظرات لا يدفع داؤها بالعلاج، وقد زيّنت العيون بالتكحيل، والشعور بالتّرجيل، وكرّر السّواك على مواضع التّقبيل، وطوّقت الأعناق بالعقود، وضرب الفكر في صفحات الخدود، ومدّ بالغالية

стр. 725

على مواضع السجود، وأقبلت صنعاء بأوشيتها، وعنت بأرديتها، ودخلت العروس في حليتها، ورقمت الكفوف بالحنّاء، وأثني على الحسن وهو أحقّ بالثناء، وطلّقت التّوبة ثلاثا بعد البناء، وغصّ الذّراع بالسّوار، وتختّم في اليمين واليسار، وأمسكت الثياب بأيدي الأبكار، ومشت الإماء أمام الأحرار، وتقدمت الدّايات بالأطفال الصّغار، وامتلأت الدّنيا سرورا «١» ، وانقلب الكلّ إلى أهله مسرورا. وبينما كانت الحال كما نصصت، والحكاية كما قصصت، إذ تلألأت الدنيا برقا، وامتدّ مع الأفقين غربا وشرقا، وردّ لمعانه عيون الناظرين زرقا، ولولا أنه جرّب حتى يدرى، لقيل قد طلعت مع الشمس شمس أخرى، حتى أقبل من شرفت العرب بنسبه، وفخر الإسلام بسببه، من انتسب إلى زهرة وقصيّ، وازدانت به آل غالب وآل لؤي، من إذا ذكر المجد فهو ممسك بعده، أو الفضل فهو لابس برده، أو الفخر فهو واسطة عقده، أو الحسن فهو نسيج وحده، الذي رفع لواء العليا، وعارضت مكارمه صوب الحيا، وحكت محاسنه زهرة الحياة الدنيا. فأما وجهه فكما شرقت الشمس وأشرقت، وغربت كواكب سمائها وشرقت، وتفتّحت أطواق الليل عن غرر مجده وتشقّقت. ولولا حيا يغلب عليه، وخفر يصحبه إذا نظرت إليه، لاستحال النهار، وغارت لنوره كواكب الأسحار، ولكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، لا يحفل بالصبح إذا انفلق، ولا بالفجر إذا عمّ آفاق الدّجا وطبّق، ولو بدا للمسافر في ليله لطرق، وقد عجم الأبنوس على العاج، وأدار جفنا كما عطف على أطفالها النّعاج، يضرب بها ضرب السيف، ويلمّ بالفؤاد إلمام الطّيف، ويتلقّاها السّحر تلقّي الكريم للضيف. لو جرّدها على الرّيم لوقف، أو على فرعون ما صرف من سحره ما صرف، أو على بسطام ابن قيس لألقى سلاحه وانصرف. وأما أدواته فكما انشقّت الأرض عن نباتها، وأخذت زخرفها في إنباتها، ونفح عرف النّسيم في جنباتها، يتفنّن أفانين الزهر، ويتقلب تقلّب الدهر، وتطلع له نوادر كالنجوم الزهر، لو أبصره مطرّف ما شهر بخطّه، ولا جرّ من العجب ذيل مرطه، ولا كان المخبر معه من شرطه. وأما أنه لو قرىء على سحبان كتابه، وانحدر على نهره عبابه، وملأت مسامعه أطنابه وأسبابه، ما قام في بيانه ولا قعد، ولنزل عن مقامه الذي إليه صعد، ولا خلّف من بلاغته ما وعد. لعمرك ما كان بشر بن المعتمر يتفنّن للبلاغة فنونا، ولا يتقبّلها بطونا ومتونا، ولا أبو العتاهية ليشرطها كلاما موزونا، ولا نمّق الحسن بن سهل الألفاظ، ولا رفع قسّ بن ساعدة صوته بعكاظ، ولا أغاظ زيد بن علي هشاما بما أغاظ، وأما مكارمه

стр. 726

فكما انسكب الغيث عن ظلاله، وخرج الودق من غلاله، فتدارك النّعمة عن فوتها، وأحيا الأرض بعد موتها، ذلك الشريف الأجلّ، الوزير الأفضل، أبو طالب ابن القرشي الزّهري، أدام الله اعتزازه، كما رقم في حلل الفخر طرازه، فاجتمعت به السيادة بعد افتراقها، وأشرق وجه الأرض لإشراقها، والتفّت الثياب بالثياب، وضمّ الرّكاب بالرّكاب، ولا عهد كأيام الشباب، فوصل القريب البعيد، وهنّوه كما جرت العادة بالعيد، فوقف مع ركابه وسلّمت، وجرت كلاما وبه تكلّمت، فقلت: تقبّل الله سعيك، وزكّى عملك، وبلّغك فيما تودّه أملك، ولا تأمّلت وجها من السّرور إلّا تأمّلك، ونفعك بما أوليت، وأجزل حظّك على ما صمت وصلّيت، ووافقتك لعلّ وساعدتك ليت، وهنّاك عيد الفطر وهنّأته، وبدأك بالمسرات وبدأته، وتبرّأ لك الدهر مما تحسد وبرّأته. وهكذا بحول الله أعياد واعتياد، وعمر في دوام وعزّ في ازدياد، والسّنّة تفصح بفضلك إفصاح الخطباء من إياد، وأقرأ عليك سلام الله ما أشرق الضّحى، ودام الفطر والأضحى. دخوله غرناطة: دخل غرناطة، وتردّد إليها غير ما مرة، وأقام بها، وامتدح ابن أضحى «١» وابن هاني، وابن سعيد وغيرهم من أهلها. قال ابن سعيد في «طالعه» : وقد وصف وصول ابن قزمان إلى غرناطة، واجتماعه بجنّته بقرية الزاوية من خارجها، بنزهون القليعية الأديبة، وما جرى بينهما، وأنها قالت له بعقب ارتجال بديع، وكان لبس غفارة صفراء: أحسنت يا بقرة بني إسرائيل، إلّا أنّك لا تسرّ النّاظرين، فقال لها: إن لم أسرّ الناظرين، فأنا أسرّ السامعين، وإنما يطلب سرور الناظرين منك، يا فاعلة يا صانعة. وتمكّن السّكر من ابن قزمان، وآل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة، فما خرج منها إلّا وثيابه تقطر، وقد شرب كثيرا من الماء، فقال: اسمع يا وزير ثم أنشد «٢» : [السريع] إيه أبا بكر ولا حول لي ... بدفع أعيان وأنذال وذات فرج «٣» واسع دافق ... بالماء يحكي حال أذيالي «٤» غرّقتني في الماء يا سيدي ... كفّره بالتغريق في المال

стр. 727

فأمر بتجريده، وخلع عليه ما يليق به، ولم يمرّ لهم بعد عهدهم بمثله. ولم ينتقل ابن قزمان من غرناطة، إلّا بعد ما أجزل له من الإحسان، ومدحه بما هو في ديوان أزجاله. محنته: جرت عليه بابن حمدين «١» محنة كبيرة عظم لها نكاله، بسبب شكاسة أخلاق كان موصوفا بها، وحدّة شقي بسببها. وقد ألمّ الفتح في قلائده بذلك، واختلّت حاله بآخرة، واحتاج بعد انفصال أمر مخدومه الذي نوّه به. وفاته: توفي بقرطبة لليلة بقيت من رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة، والأمير ابن سعد يحاصر قرطبة ﵀. محمد بن غالب الرّصافي «٢» يكنى أبا عبد الله، بلنسي الأصل، سكن غرناطة مدة، ثم مالقة. حاله: قال الأستاذ «٣» : كان فحلا من فحول الشعراء، ورئيسا في الأدباء، عفيفا، ساكنا، وقورا، ذا سمت وعقل. وقال القاضي «٤» : كان شاعرا مجيدا، رقيق الغزل، سلس الطبع، بارع التّشبيهات، بديع الاستعارات، نبيل المقاصد والأغراض، كاتبا بليغا، ديّنا، وقورا، عفيفا، متفقها، عالي الهمة، حسن الخلق والخلق والسّمت، تام العقل، مقبلا على ما يعنيه من التّعيش بصناعة الرّفي التي كان يعالجها بيده، لم يبتذل نفسه في خدمة، ولا تعرض لانتجاع بقافية، خلا وقت سكناه بغرناطة، فإنه امتدح واليها حينئذ، ثم نزع عن ذلك، راضيا بالخمول حالا، والقناعة مالا، على شدّه الرغبة فيه، واغتنام ما يصدر عنه. أخبار عقله وسكونه: قال الفقيه أبو الحسن شاكر بن الفخّار المالقي، وكان خبيرا بأحواله: ما رأيت عمري رجلا أحسن سمتا، وأطول صمتا، من أبي عبد الله الرصافي. وقال غيره من أصحابه: كان رفّاء، فما سمع له أحد من جيرانه كلمة في أحد. وقال أبو عمرو بن سالم: كان صاحبا لأبي، ولقيته غير ما مرة، وكان له

стр. 728

موضع يخرج إليه في فصل العصير، فكنت أجتاز عليه مع أبي فألثم يده، فربما قبّل رأسي، ودعا لي، وكان أبي يسأله الدعاء فيخجل، ويقول: أنا والله أصغر من ذلك. قال: وكان بإزائه أبو جعفر البلنسي، وكان متوقّد الخاطر، فربما تكلم مع أحد التجار، فكان منه هفوة، فيقول له جلساؤه: شتّان والله بينك وبين أبي عبيد الله في العقل والصمت، فربما طالبه بأشياء ليجاوبه عليها، فما يزيد على التبسم. فلما كان أحد الأيام، جاء البلنسي ليفتح دكانه، فتعمّد إلقاء الغلق من يده، فوقع على رأس أبي عبد الله، وهو مقبل على شغله، فسال دمه، فما زاد على أن قام ومسح الدم، ثم ربط رأسه، وعاد إلى شغله. فلمّا رأى ذلك منه أبو جعفر ترامى عليه، وجعل يقبّل يديه، ويقول: والله ما سمعت برجل أصبر منك، ولا أعقل. شعره: وشعره لا نهاية فوقه رونقا ومائية، وحلاوة وطلاوة، ورقّة ديباجة، وتمكّن ألفاظ، وتأصّل معنى. وكان، ﵀، قد خرج صغيرا من وطنه، فكان أبدا يكثر الحنين إليه، ويقصر أكثر منظومه عليه. ومحاسنه كثيرة فيه، فمن ذلك قوله «١» : [الطويل] خليليّ، ما للبيد قد عبقت نشرا؟ ... وما لرؤوس الرّكب قد رنّحت «٢» سكرا؟ هل المسك مفتوقا «٣» بمدرجة الصّبا ... أم القوم أجروا من بلنسية ذكرا؟ خليليّ، عوجا بي قليلا «٤» فإنه ... حديث كبرد الماء في الكبد الحرّى قفا غير مأمورين ولتتصدّيا «٥» ... على ثقة للمزن «٦» فاستسقيا القطرا بجسر معان والرّصافة أنه ... على القطر أن يسقي الرّصافة والجسرا «٧» بلادي التي ريشت قويدمتي «٨» بها ... فريخا وأورثتني قرارتها وكرا مبادئ «٩» أنيق «١٠» العيش في ريّق الصّبا ... أبى الله أن أنسى اغتراري بها غرّا «١١»

стр. 729

لبسنا بها ثوب الشباب لباسها ... ولكن عرينا من حلاه، ولم تعرا «١» أمنزلنا عصر الشبيبة ما الذي ... طوى دوننا تلك الشبيبة والعصرا؟ محلّ أغرّ العهد لم نبد ذكره ... على كبد إلا امترى أدمعا حمرا أكلّ مكان كان «٢» في الأرض مسقطا ... لرأس الفتى يهواه ما عاش مضطرّا «٣» ولا مثل مدحوّ من المسك تربة ... تملّي الصّبا فيه حقيبتها «٤» عطرا نبات كأنّ الخدّ يحمل نوره ... تخال لجينا في أعاليه أو تبرا وماء «٥» كترصيع المجرّة جلّلت ... نواحيه «٦» الأزهار واشتبكت «٧» زهرا أنيق كريّان «٨» الحياة التي خلت «٩» ... طليق كريعان «١٠» الشّباب الذي مرّا وقالوا: هل الفردوس ما قد وصفته؟ ... فقلت: وما الفردوس في الجنّة الأخرى «١١» بلنسية تلك الزّمرّدة «١٢» التي ... تسيل عليها كلّ لؤلؤة نهرا كأنّ عروسا أبدع الله حسنها ... فصيّر من شرخ الشّباب لها عمرا توبّد «١٣» فيها شعشعانيّة الضّحى «١٤» ... مضاحكة الشمس البحيرة والبحرا «١٥» تزاحم «١٦» أنفاس الرياح بزهرها ... نجوما فلا شيطان يقربها «١٧» ذعرا وإن كان قد مدّت يد البين بيننا ... من الأرض ما يهوى المجدّ به شهرا «١٨»

стр. 730

هي الدّرّة البيضاء من حيث جئتها «١» ... أضاءت ومن للدّرّ أن يشبه البدرا؟ «٢» خليليّ، أن أصدر لها فإنها «٣» ... هي الوطن المحبوب أوكله «٤» الصّدرا «٥» ولم أطو عنها الخطو هجرا لها إذا ... فلا لثمت نعلي مساكنها الخضرا ولكنّ إجلالا لتربتها التي ... تضمّ فتاها النّدب أو كهلها الحرّى أكارم، عاث الدهر ما شاء فيهم ... فبادت لياليهم فهل أشتكي الدهرا؟ هجوع ببطن وارض قد ضرب الرّدى ... عليهم قبيبات فويق الثّرى غبرا تقضّوا فمن نجم سالك ساقط «٦» ... أبى الله أن يرعى السّماك أو النّشرا ومن سابق هذا إذا شاء «٧» غاية ... وغير محمود جياد العلا خضرا «٨» أناس إذا لاقيت من شئت منهم ... تلقّوك لا غثّ الحديث ولا غمرا وقد درجت أعمارهم فتطلّعوا ... هلال ثلاث لو شفا رقّ أو بدرا ثلاثة أمجاد من النّفر الألى ... زكوا خبرا بين الورى وزكوا خبرا أثكّلتهم «٩» ثكلا دهى العين والحشا ... فعجّر ذا أمّا وسجّر ذا جمرا؟ كفى حزنا أني تباعدت عنهم ... فلم ألق من سرّي منها ولا سرّا وإلّا «١٠» متى أسلو «١١» بهم كلّ راكب ... ليظهر لي خيرا تأبّط لي شرّا أباحثه عن صالحات عهدتها ... هناك فيسبيني «١٢» بما يقصم الظّهرا محيّا خليل غاض ماء حياته ... وساكن قصر ضرّ «١٣» مسكنه القبرا وأزهر كالإصباح قد كنت أجتلي ... سناء كما يستقبل الأرق الفجرا فتى لم يكن خلو الصّفات من النّدى ... ولم يتناس الجود أصرم أم أثرا يصرّف ما بين اليراعة والقنا ... أنامله لا بل هواطله الغرّا طويل نجاد السيف لان كأنما ... تخطّى به في البرد خطّيّة سمرا سقته على ما فيك من أريحية ... خلائق هنّ الخمر أو تشبه الخمرا

стр. 731

ونشر محيّا للمكارم لو سرت ... حميّاه في وجه الأصيل لما اصفرّا هل السّعد إلّا حيث حطّ صعيده ... لمن بلّ في شفري ضريح له شفرا؟ طوين الليالي طيّهنّ وإنما ... أطوين «١» عنّي التّجلّد والصّبرا فلا حرمت سقياه أدمع مزنة ... ترى مبسم النّوار عنبر معترّا وما دعوتي للمزن عذرا لدعوتي ... إذا ما جعلت البعد عن قربه عذرا وقال يرثي أبا محمد بن أبي العباس بمالقة «٢» : [الكامل] أبني البلاغة، فيم حفل النادي؟ ... هبها عكاظ، فأين قسّ إياد؟ أما البيان، فقد أجرّ لسانه ... فيكم بفتكته الحمام العادي عرشت سماء «٣» علاكم «٤» ما أنتم ... من بعد ذلكم الشّهاب الهادي حطّوا على عمد الطريق فقد خبا «٥» ... لألاء «٦» ذاك الكوكب الوقّاد ما فلّ لهذمه «٧» الصّقيل وإنما ... نثرت كعوب قناكم المنآد إيه عميد الحيّ غير مدافع ... إيه فدى لك غابر الأمجاد ما عذر سلك كنت عقد نظامه ... إن لم يصر بردا إلى الآباد؟ حسب «٨» الزمان عليك ثكلا أن يرى ... من طول ليل في قميص حداد يومي بأنجمه لما قلّدته ... من درّ ألفاظ وبيض أياد كثف الحجاب فما ترى متفضلا ... في ساعة تصغي به وتنادي «٩» ألمم بربعك غير مأمور فقد ... غصّ الفناء «١٠» بأرجل القصّاد خبرا يبلّغه إليك ودونه ... أمن العداة وراحة الحسّاد قد طأطأ الجبل المنيف قذاله ... للجار بعدك واقشعرّ الوادي «١١» أعد التفاتك نحونا وأظنّه ... مثل الحديث لديك غير معاد

стр. 732

وامسح لنا عن مقلتيك من الكرى ... نوما تكابد من بكا وسهاد هذا الصباح ولا تهبّ إلى متى ... طال الرّقاد ولات حين رقاد وكأنما قال الرّدى نم وادعا ... سبقت إلى البشرى بحسن معاد أموسّدا تلك الرخام بمرقد ... أخشن به من مرقد ووساد خصبت بقدرك حفرة فكأنها ... من جوفها في مثل حرف الصّاد وثّر لجنبك من أثاث مخيّم ... ترب النّدى «١» وصفائح أنضاد يا ظاعنا ركب السّرى في ليلة ... طار الدليل بها وحاد الحادي أعزز علينا إن حططت بمنزل ... تبلى «٢» عن الزّوار والعوّاد جار الأفراد هنالك جيرة «٣» ... سقيا لتلك الجيرة الأفراد! الساكنين إلى المعاد، قبابهم ... منشورة الأطناب والأغماد من كل ملقية الجراب بمضرب ... ناب البلى فيه عن الأوتاد بمعرّس السّفر الألى ركبوا السّرى ... مجهولة الغايات والآماد سيّان فيهم ليلة ونهارها ... ما أشبه التّأويب بالإسناد لحق البطون من اللّعب على الطّوى «٤» ... وعلى الرّواحل عنفوان الزاد لله هم فلشدّ ما نفضوا من ام ... تعة الحياة «٥» حقائب الأجساد يا ليت شعري والمنى لك جنّة ... والحال مؤذنة بطول بعاد هل للعلا بك بعدها من نهضة ... أم لانقضاء نواك من ميعاد؟ بأبي وقد ساروا بنعشك صارم ... كثرت حمائله على الأكتاد «٦» ذلّت عواتق حامليك فإنّهم ... شاموك في غمد بغير نجاد نعم الذّماء «٧» البرّ ما قد غوّروا ... جثمانه بالأبرق المنقاد علياء «٨» خصّ بها الضريح وإنما ... نعم الغوير بأبؤس الأنجاد

стр. 733

أبني العباس، أيّ حلاحل ... سلبتكم الدّنيا وأيّ مصاد هل كان إلّا العين وافق سهمها ... قدرا فأقصد أيّما إقصاد؟ أخلل بمجد لا يسدّ مكانه ... بالإخوة النّجباء والأولاد ولكم يرى بك من هضاب لم يكن ... لولاك غير دكادك ووهاد ما زلت تنعشها بسيبك قابضا ... منها على الأضباع والأعضاد حتى أراك أبا محمد الرّدى ... كيف انهداد بواذخ الأطواد يا حرّها من جمرة مشبوبة ... يلقى لها الأيدي على الأكتاد كيف العزاء وإنها لرزيّة ... خرج الأسى فيها عن المعتاد صدع النّعاة بها فقلت لمدمعي ... كيف انسكابك يا أبا الجوّاد؟ لك من دمي ما شئت غير منهنه ... صب كيف شئت معصفر الأبراد بقصير مجتهد وحسبك غاية ... لو قد بلغت بها كبير مراد أمّا الدموع فهنّ «١» أضعف ناصر ... لكنّهنّ كثيرة التّعداد «٢» ثم السّلام ولا أغبّ قراره ... وأرتك صوب روائح وغواد تسقيك ما سفحت عليك يراعة ... في خدّ قرطاس دموع مداد ومن غراميّاته وإخوانيّاته قوله من قصيدة «٣» : [البسيط] عاد الحديث إلى ما جرّ أطيبه ... والشيء يبعث ذكر الشيء عن سبب إيه عن الكدية البيضاء إنّ لها ... هوى بقلب «٤» أخيك الواله الوصب راوح بها «٥» السّهل من أكنافها وأرح ... ركابنا ليلنا «٦» هذا من التّعب وانضح نواحيها «٧» من مقلتيك وسل ... عن «٨» الكثيب الكريم العهد في الكتب «٩» وقل لسرحته يا سرحة كرمت ... على أبي عامر: عزّي عن السّحب يا عذبة الماء والظلّ أنعمي طفلا ... حيّيت ممسية ميّادة القضب «١٠» ماذا على ظلّك الألمى وقد قلصت ... أفياؤه لو ضفا شيئا لمغترب

стр. 734

أهكذا تنقضي نفسي لديك ظما ... الله في رمق من جارك الجنب «١» لولاك يا سرح لم يبق «٢» الفلا عطلا ... من السّرى، والدّجى خفاقة الطّنب ولم نبت نتقاضى من مدامعنا ... دينا لتربك من رقراقها السّرب إنّا «٣» إذا ما تصدّى من هوى طلل ... عجنا عليه فحيّيناه عن كثب مستعطفين سخيّات الشؤون له ... حتى تحاك «٤» عليه نمرق «٥» العشب سلي خميلتك الرّيّا بأيّة «٦» ما ... كانت ترفّ بها ريحانة الأدب عن فتية نزلوا عليا «٧» سرارتها ... عفت محاسنهم إلّا من الكتب محافظين على العليا وربّتما ... هزّوا السجايا قليلا بابنة العنب حتى إذا ما قضوا من كأسها وطرا ... وضاحكوها إلى حدّ «٨» من الطّرب راحوا رواحا وقد زيدت عمائمهم ... حلما ودارت على أبهى من الشّهب «٩» لا يظهر السّكر «١٠» حالا من «١١» ذوائبهم ... إلّا التفاف «١٢» الصّبا في ألسن العذب المنزلين القوافي من معاقلها ... والخاضدين لديها شوكة العرب ومن مقطوعاته قوله «١٣» : [الطويل] دعاك خليل والأصيل كأنه ... عليل يقضّي مدة الزمن الباقي «١٤» إلى شطّ منساب كأنّك ماؤه ... صفاء ضمير أو عذوبة أخلاق «١٥» ومهوى جناح للصّبا يمسح الرّبى ... خفيّ الخوافي والقوادم خفّاق وفتيان صدق كالنجوم تألّفوا ... على النّأي من شتّى بروج وآفاق

стр. 735

على حين راح البرق في الجو مغمدا ... ظباه ودمع المزن في جفنه راق وجالت بعيني في الرياض التفاتة ... حبست بها كأسي قليلا عن السّاقي «١» على سطر خيريّ ذكرتك فانثنى ... يميل بأعناق ويرنو بأحداق وقف وقفة المحبوب منه فإنها ... شمائل مشغوف بمرآك مشتاق وصل زهرات منه صفر كأنها ... وقد خضلت قطرا محاجر عشّاق وقال، وكلفها في حائك، وهو بديع «٢» : [البسيط] قالوا وقد أكثروا في حبّه عذلي «٣» ... لو لم تهم بمذال «٤» القدر مبتذل فقلت لو أنّ أمري في الصّبابة لي ... لاخترت ذاك ولكن ليس ذلك لي في كلّ قلب عزيزات مذلّلة ... للحسن والحسن ملك حيث جلّ ولي علّقته حببيّ «٥» الثّغر عاطره ... درّيّ لون المحيّا أحور المقل «٦» إذا تأمّلته أعطاك ملتفتا ... ما شئت من لحظات الشّادن الوجل «٧» هيهات أبغي به من غيره بدلا ... أخرى الليالي وهل في الغير من بدل؟ غزيّل لم تزل في الغزل جائلة ... بنانه جولان الفكر في الغزل جذلان تلعب بالمحواك «٨» أنمله ... على السّدى لعب الأيام بالأمل «٩» ما إن يني تعب الأطراف مشتغلا ... أفديه من تعب الأطراف مشتغل ضربا «١٠» بكفّيه أو فحصا بأخمصه ... تخبّط الظّبي في أشراك محتبل وقال «١١» : [الكامل] ومهفهف كالغصن إلّا أنّه ... سلب التّثنّي النوم عن أثنائه

стр. 736

أضحى ينام وقد تخدّد «١» خدّه ... عرقا فقلت الورد رشّ بمائه وقال «٢» : [الوافر] أدرها فالغمامة قد أجالت ... سيوف البرق في لمم البطاح وراق الروض طاووسا بهيّا ... تهبّ عليه أنفاس الرياح تقول وقد ثنى قزح عليه ... ثياب الغيم معلمة النواح خذوا للصّحو أهبتكم فإني ... أعرت المزن قادمتي جناح وقال «٣» : [الطويل] أدرها على أمر فما ثم من باس ... وإن جدّدت آذانها ورق الآس وما هي إلّا ضاحكات غمائم ... لواعب من ومض البروق بمقياس ووفد رياح زعزع النّهر مدّه ... كما وطئت درعا سنابك أفراس وقال في وصف مغنّ محسن «٤» : [الكامل] ومطارح ممّا تجسّ «٥» بنانه ... صوتا «٦» أفاض عليه ماء وقاره يثني الحمام فلا يروح لوكره ... طربا ورزق بنيه في منقاره وقال يصف جدول ماء عليه سرحة، ولها حكاية معروفة «٧» : [الكامل] ومهدّل الشّطّين تحسب أنه ... متسيّل من درّة لصفائه فاءت عليه مع العشيّة «٨» سرحة ... صدئت لفيئتها صفيحة مائه فتراه أزرق في غلالة سمرة ... كالدّراع استلقى بظلّ لوائه نثره: قال من مقامة يصف القلم «٩» : [المتقارب] قصير الأنابيب «١٠» لكنه ... يطول مضاء «١١» طوال الرّماح

стр. 737

إذا عبّ للنفس في دامس ... ودبّ من الطّرس فوق الصّفاح تجلّت به مشكلات الأمور ... ولان له الصّعب بعد الجماح فلولا هو «١» لغدت أغصان الاكتساب ذاوية، وبيوت الأموال خاوية، وأسرعت إليها البوسى، وأصبحت كفؤاد أمّ موسى، فهو لا محالة تجرها الأربح، وميزانها الأرجح. به تدرّ ألبانها، وتثمر أفنانها، وتستمرّ أفضالها وإحسانها، وهو رأس مالها، وقطب عمّالها وأعمالها. وصاحب القلم قد حوى المملكة بأسرها، وتحكّم في طيّها ونشرها، وهو قطب مدارها، وجهينة أخبارها، وسرّ اختيارها واختبارها، ومظهر مجدها وفخارها، يعقد الرّايات لكل وال، ويمنحهم من المبرّة كلّ صافية المقيل ضافية السّربال، يطفي جمرة الحرب العوان، ويكايد العدوّ بلا صارم ولا سنان، يقدّ المفاصل، ويتخلل الأباطح والمعاقل، ويقمع الحواسد والعوذال. وفاته: توفي بمالقة يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقيت من رمضان سنة اثنتين «٢» وسبعين وخمسمائة. وقبره مشهور بها. محمد بن قاسم بن أبي بكر القرشي المالقي من أهل مالقة، وسكن غرناطة وتردد إليها. حاله: كان لبيبا لوذعيّا، جامعا لخصال؛ من خطّ بارع، وكتابة، ونظم، وشطرنج، إلى نادر حار، وخاطر ذكي، وجرأة. توجّه إلى العدوة، وارتسم بها طبيبا؛ وتولّى النظر على المارستان بفاس في ربيع الثاني من عام أربعة وخمسين وسبعمائة. شعره: أنشدني بمدينة فاس عام ستة وخمسين، في وجهتي رسولا إلى المغرب، قوله في رجل يقطع في الكاغد: [المجتث] أبا عليّ حسينا ... أين الوفا منك أينا؟ قد بيّن الدمع وجدي ... وأنت تزداد بينا بلّت لحاظك قلبي ... تالله ما قلت مينا قطّ المقصّ لهذا ... سبب الصّبّ مينا بقيت تفتر حسنا ... ودمت تزداد زينا

стр. 738

وقال أيضا: [البسيط] فضل التجارات باد في الصناعات ... لولا الذي هو فيها هاجر عات حاز الجمال فأعياني وأعجزني ... وإن دعيت بوصّاف ونعّات وكان شديد المغالطة، ذاهبا أقصى مذاهب القحة، يحرّك من لا يتحرك، ويغضب من لا يغضب. عتب يوما جدّته على طعام طبخته له، ولم يستطبه، وكان بين يديه القط يصدعه بصياج طلبه، فقال له: ضجرا، خمسمائة سوط، فقالت له جدّته: لم تعط هذه السياط للقط، إنما عنيتني بها، وأعطيتها باسم القط، فقال لها: حاش لله يا مولاتي، وبهذا البخل تدريني أو الزحام عليها، بل ذلك للقط حلالا طيبا، ولك أنت ألف من طيبة قلب، فأرسلها مثلا، وما زلنا نتفكّه بذلك، وكان في هذا الباب لا يشقّ غباره. مولده: بمالقة عام ثلاثة وسبعمائة. وفاته: بعث إليّ الفقيه أبو عبد الله الشّديد، يعرفني أنه توفي في أواسط عام سبعة وخمسين وسبعمائة. محمد بن سليمان بن القصيرة «١» أبو بكر، كاتب الدولة اللّمتونية، وعلم وقته. حاله: قال ابن الصيرفي: الوزير الكاتب، الناظم، الناثر، القائم بعمود الكتابة، والحامل لواء «٢» البلاغة، والسابق الذي لا يشقّ غباره، ولا تخمد أبدا أنواره. اجتمع له براعة النثر، وجزالة النظم، رقيق النّسيج، حصيف المتن، رقعته ما شئت في العين واليد. قال ابن عبد الملك «٣» : وكان كاتبا مجيدا، بارع الخطّ، كتب عن يوسف بن تاشفين «٤» . مشيخته: روى عن أبي الحجاج الأعلم، وأبي الحسن بن «٥» شريح، وروى عنه أبو الوليد هشام بن يوسف بن الملجوم، لقيه بمرّاكش «٦» .

стр. 739

شعره: وهو عندي في نمط دون ما وصف به. فمن ذلك قوله من قصيدة أنحى فيها على ابن ذي النّون، ومدح ابن عباد، عند خلع ابن جهور، أبي الوليد، وتصيير قرطبة إليه: [الطويل] فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل سرى ... إليها سكون منذ زلزلها الذّعر؟ وهل قدّرت مذ أوحشته طلائع ال ... ظهور عليه أنّى «١» تؤنسه الخمر؟ ألم يجن يحيى من تعاطيك ظلّه ... سجا لك هيهات السّهى منك يا بدر لجاراك واستوفيت أبعد غاية ... وآخره عن شأوك الكفّ والعثر فأحرزت فضل السّبق عفوا وكفّه ... على رغمه مما توهّمه صفر ويا شدّ ما أغرته قرطبة وقد ... أبشرتها خيلنا فكان لك الدّرّ ومنها: أتتك وقد أزرى ببهجة حسنها ... ولا أنها «٢» من جور مالكها طمر فألبستها من سابغ العدل حلّة ... زهاها بها تيه وغازلها كبر وجاءتك متفالا فضمّخ حيّها ... وإزدانها «٣» من ذكرك المعتلي عطر وأجريت ماء الجود في عرصاتها ... فروّض حتى كاد أن يورق الصّخر وطاب هواء «٤» أفقها فكأنها ... تهبّ نسيما فيه أخلاقك الزّهر وما أدركتهم في هواك هوادة ... وما ائتمروا إلّا لما أمر البرّ وما قلّدوك الأمر «٥» إلّا لواجب ... وما «٦» جئته فيه المجرّب والغمر وبوّأهم في ذروة المجد معقلا ... حرام على الأيام إلمامه حجر وأوردهم من فضل سيبك موردا ... على كثرة الوارد مشرعه غمر فلولاك لم تفصل عرى الإصر عنهم ... ولا انفكّ من ربق الأذى لهم أسر أعدت نهار ليلهم ولطالما ... أراهم نجوم الليل في أفقه الظهر ولا زلت تؤويهم إلى ظلّ دوحة ... من العزّ في أرحابها النّعم الخضر

стр. 740

كتابته: وهي من قلّة التصنّع والإخشوشان، بحيث لا يخفى غرضها، ولكل زمان رجاله. وهي مع ذلك تزينها السذاجة، وتشفع لها الغضاضة. كتب عن الأمير يوسف بن تاشفين ولاية عهده لولده: «هذا كتاب تولية عظيم جسيم، وتوصية حميم كريم، مهدت على الرّضا قواعده، وأكّدت بيد التقوى مواعده ومعاقده، وسدّدت إلى الحسنى مقاصده، وأبعدت عن الهوادة والهوى مصادره وموارده. أنفذه أمير المسلمين، وناصر الدين، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، أدام الله أمره، وأعزّ نصره، وأطال فيما يرضيه منه، ويرضى به عنه عمره، غير محاب، ولا تارك في النصيحة لله ولرسوله والمسلمين موضع ارتياب لمرتاب، للأمير الأجل أبي الحسن عليّ ابنه، المتقبّل هممه وشيمه، المتأثّل حلمه وتحلّمه، الناشىء في حجر تقويمه وتأديبه، المتصرّف بين يدي تخريجه وتدريبه، أدام الله عزّه وتوفيقه، ونهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه، وقد تهمّم بمن تحت عصاه من المسلمين، وهدى في انتقاء من يخلفه هدى المتّقين، ولم ير أن يتركهم بعد سدى غير مدينين، واعتام في النّصاب الرفيع واختار واستنصح أولي الرأي والدين، واستشار فلم يوقع بعد طول تأمل، وتراخي مدة، وتمثل اختياره، واختبار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحنكة واستشارة الأعلية، ولا صار بدونهم الارتياد والاجتهاد إلّا إليه، ولا التقى روّاد الرأي والتشاور إلّا لديه. فولّاه عن استحكام بصيرة، وبعد طول مشورة، عهده، وأفضى إليه الأمر والنهي، والقبض والبسط عنده بعده، وجعله خليفته السّاد في رعاياه مسّده، وأوطأ عقبه جماهير الرجال، وناط به مهمات الأمور والأعمال، وعهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسّنّة في أحد عصا أو أطاع، ولا ينام عن حماه الحيف والخوف بالاضطجاع، ولا يتليّن دون معلن شكوى، ولا يتصام عن مستصرخ لذي بلوى، وأن ينظم أقصى البلاد وأدناها في سلك تدبيره، ولا يكون بين القريب والبعيد بون في إحصائه وتقديره. ثم دعا، أدام الله تأييده، لمبايعته، أدام الله عزّه ونصره، من حضر ودنا من المسلمين، فلبّوا مسرعين، وأتوا مهطعين، وأعطوا صفقة إيمانهم متبرّعين متطوعين، وبايعوه على السمع والطاعة، والتزام سنن الجماعة، وبذل النصيحة جهد الاستطاعة، ومناصفة من ناصفه، ومحاربة من حاربه، ومكايدة من كايده، ومعاندة من عانده، لا يدّخرون في ذلك على حال المنشط مقدرة، ولا يحتجون في حالتي الرضا والسخط إلى معذرة. ثم أمر بمخاطبة سائر أهل البلاد لمبايعته، كل طائفة منهم في بلدها، وتعطيه كما أعطاه من حضر صفقة يدها، حتى ينتظم في التزام طاعته القريب والبعيد، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغائب
следующие страницы →