Полный текст (637 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الجوز. وأبو الجوز هذا من دهاقين بغداد من أهل هذه القرية والقنطرة منسوبة إليه.
وكانت «١» قطيعة الربيع مزارع لناس من أهل قرية يقال لها ماوري من رستاق الفروستج من بادرويا واسمها إلى اليوم معروف في الديوان.
وكان موضع بركة زلزل وما والاها إلى ناحية مسجد الأنبار بين مزارع. وكان النهر الذي يسقي هذه المزارع في موضع باب طاق الحراني إلى باب الكرخ.
وذكر بعض المشايخ قال: رأيت عند باب قطيعة الربيع قبل بنائها كرما ومعصرة. وهو المكان الذي بني به خان الطيالسة والحوانيت التي يباع فيها الكاغذ الخراساني.
وقال محمد بن موسى بن الفرات الكاتب «٢» : سمعت جدي يقول: كنت في ديواني يوما، فدخل إليّ رجل من دهاقين بادوريا له قدر، فرأيته مخرّق الطيلسان.
فقلت من خرق طيلسانك؟ فقال: خرق والله في زحمة الناس وتضاغطهم في موضع طالما طردت فيه الظباء والأرانب. قلت: وأين هو؟ قال: الكرخ.
وذكر رجل من ولد الربيع الحاجب عن أبيه أن المنصور أقطع الربيع القطيعة التي يسكنها التجار اليوم وقطيعة الحربي بين السورين في ظهر درب جميل. وأن التجار وغيرهم من مجاوريها اغتصبوا ولد الربيع عليها.
وسويقة غالب وقطيعة الربيع كانتا في القديم قرية تدعى ورثالا. ويقال إن قطيعة الربيع الخارجة إنما كانت إقطاعا من المهدي للربيع. وإنما أقطعه المنصور القطيعة [٣٦ أ] الداخلة. وقيل إن الذي خارج القطيعة من أصحاب اللبود، ودرب الطيالس إلى التوثة إلى درب الدمشقيين وما وراء ذلك إلى حدود دجلة والعتيقة من ورثالا أيضا.
стр. 282
والنهر المعروف بنهر القلّائين غربيه من ورثالا وشرقيه من نهر طابق. ونهر طابق إنما هو نهر بابك، منسوب إلى بابك بن بهرام من بابك، وهو قديم، وبابك هذا هو الذي اتخذ الصقر الذي عليه قصر عيسى بن علي واحتفر هذا النهر. وما كان وراء هذا النهر فهو من رستاق الكرخ. وباب الكرخ منسوب إلى هذا الرستاق لأنه الطريق إليه. ونهر عيسى غريبه من الفروستج، وشرقيه من رستاق الكرخ وفيه دور المعبدين.
وقنطرة بني زريق ودار البطيخ ودار القطن وقطيعة النصارى إلى قنطرة الشوك من نهر طابق، وشرقيه وغربيه من قرية ماورى.
ومسجد الواسطيين مع الموضع المعروف بظله ميشويه.- وميشويه رجل من الدهاقين نصراني- إلى أن يخرج إلى الخندق المعروف بخندق الصينيات من باب المحول إلى الياسرية.
وما كان من غربي الشارع فهو من مزارع كانت منسوية إلى القرية المعروفة ببراثا.
وما كان من شرقيها فمن رستاق الفروستج. وما كان من درب الحجارة وقنطرة العباس شرقيا وغريبا فهو من نهر كرخايا من قرية براثا. وإنما سمي نهر كرخايا لأنه كان يسقي رستاق الفروستج والكرخ. فلما أحدث عيسى بن علي الرحى المعروفة برحى أم جعفر، قطع نهر كرخايا وجعل سقي رستاق الكرخ من نهر رفيل.
وما كان على الصراة من شرقيها فهو من بادرويا وما كان من غربيها فهو من طسوج قطربل.
قال: ومن حدّ قنطرة الجديدة وشارع طاق الحراني إلى شارع باب الكرخ، منسوب إلى القرية المعروفة للعامة مقبرة باب حرب، ثم مقابر المسيّب ثم مقابر باب التبن ثم مقابر الكناسة ثم المقابر التي تلى باب الكوفة [٣٦ ب] .
وأقطع المنصور قواده في أرباض المدينة شوارع تنسب إليهم. فأول ذلك
стр. 283
مما يلي السور من الجانب الغربي ربض حرب بن عبد الملك البلخي، وكان يتولى شرطة جعفر بن أبي جعفر، وجعفر إذ ذاك يتقلّد الموصل. وإليه تنسب الحربية.
وقتل في سنة سبع وأربعين ومائة. قتلته الترك.
ويتصل بربض حرب، ربض ينسب إلى المراوزة ثم ربض الترجمان بن صالح. ثم ربض ينسب إلى عتيك بن هلال الفارسي، وله في الدولة آثار وأخبار، وله في المدينة أيضا درب ينسب إليه.
ثم مربعة أبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي. وكان من النقباء السبعين.
ثم يتصل بمربعة أبي العباس الشارع المتصل بباب الشام.
ثم مربعة شبيب بن وأج [المروروذي] «١» . وعن يسارها اقطاع أبي العباس الطوسي وربضه وغلاته ومستقر اقطاعه. وعن يمينها السوق النافذة إلى درب الرؤاسيين والشارع النافذ إلى بستان القس. وهذا البستان قبل أن تبنى بغداد.
ثم المعطف إلى باب الكوفة. وعن يمين هذا المعطف باب الكوفة والسوق المنسوبة إلى عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد الإمام. والمقابر الشارعة بين الطريقين لأهل المدينة.
وهناك الربض المنسوب إلى زهير بن المسيب الضبي، وهو النافذ إلى طريق الأنبار.
وقال محمد بن عطاء الشاني: اقطاع زهير بن المسيب في شارع باب الكوفة ما بين حدّ دار الكندي إلى حدّ سويقة عبد الوهاب بن إبراهيم إلى داخل المقابر.
واقطاع القحاطبة من شارع باب الكوفة إلى باب الشام.
وجهار سوق الهيثم منسوب إلى الهيثم بن معاوية، بعض قواد الخراسانية وممن أقطعه المنصور في الشارع المعروف بدور الصحابة، أبو بكر الهذلي، وله درب هناك ومسجد منسوب إليه.
стр. 284
وقال أحمد بن الهيثم بن فراس: كانت دار البطيخ قبل أن ينقل إلى الكرخ في درب يعرف بدرب الأساكفة، وإلى جانبه درب يعرف بدرب الخير. فنقلت من هذا المكان إلى موضعها بالكرخ [٣٧ أ] في أيام المهدي. ودخلت هذه الدروب فيما بعد في الدور التي ابتاعها أحمد بن محمد الطائي وجعلها دورا له ولحاشيته واصطبلات.
وكانت القطائع التي من جانب الصراة مما يلي باب المحول، منها قطيعة لعقبة بن جعفر بن محمد بن الأشعث.
ثم سويقة أبي الورد وهو عمر بن المطرف الخراساني المروزي، وكان يلي المظالم للمهدي وينظر في القصص التي تلقى في البيت الذي سماه بيت العدل في مسجد الرصافة.
ويتصل بسويقة أبي الورد مما يلي الدار المنسوبة إلى الجلودي، قطيعة إسحاق الأزرق الشروي مولى محمد بن علي. وهي عن يمين هذه القطيعة.
وعن يسار سويقة أبي الورد، البركة المنسوبة إلى زلزل الضارب. وكان من كرام الناس في أيام المهدي والهادي والرشيد. وكان في موضع البركة قرية يقال لها شال قنيا إلى قصر الوضاح. وكان زلزل غلاما لعيسى بن جعفر بن المنصور، فحفر هذه البركة وجعلها وقفا على المسلمين.
وقصر الوضاح بناه المنصور للمهدي قبل الرصافة. والمسجد الذي يعرف بالشرقية، والشرقية أيضا قرية قديمة كانت تسمى بهذا الاسم وكذلك العتيقة وهي كسروية.
والوضاح الذي ينسب إليه القصر المعروف بقصر الوضاح، رجل من أهل الأنبار تولى النفقة عليه فنسب إليه. وقد قيل إن الوضاح رجل من موالي المنصور.
قال: والمنصور الذي بنى القنطرة المعروفة بالجديدة على الصراة مما يلي دور الصحابة وباب الطاق الحراني. قال: والحراني هو إبراهيم بن ذكوان بن الفضل الحراني مولى المنصور. قال: وكان لذكوان أخ يقال له الفضل أعتقه
стр. 285
مروان بن محمد، وأعتق ذكوان علي بن عبد الله.
قال: وكان باب الشعير في القديم مرفأ للسفن التي توافي من الموصل والبصرة. وكان موضع مسجد ابن رغبان مزبلة.
وذكر بعض مشايخ الدهاقين قال: اجتاز بي رجل وأنا عند [٣٧ ب] المزبلة التي صارت مسجد ابن رغبان، وذلك قبل أن تبنى بغداد فوقف عليها ونظر إليها وقال: ليأتين على الناس زمان من طرح في هذا الموضع شيئا فأحسن أحواله أن يحمل إياه في ثوبه. فضحكت تعجبا من قوله. فما مضت الأيام حتى رأيت الأمر على ما قال.
قال: وكان موضع الخلد ديرا فيه راهب. وإنما اختار المنصور نزوله وبناء قصره فيه لقلة البق. وكان عذبا طيب الهواء.
وكان موضع الحبس وما والاه إقطاعا «١» لعبد الله بن الخزاعي ثم صار بعد ذلك في أيام الرشيد لمحمد بن يحيى بن خالد. ثم صار جميع ذلك لأم جعفر في أيام الرشيد وأيام الأمين.
والمسجد الكبير قبالة الحبس مما يلي السجن الجديد، مسجد عبد الله بن مالك.
ثم ابتنت أم جعفر في أيام الأمين القصر المعروف بالفزار وهو القصر الذي أقطعه المتوكل لمحمد بن عبد الله بن طاهر. فأقطعه محمد جماعة من أصحابه وفي قطيعة أم جعفر الزبيدية المنسوبة إليها كان ينزلها مواليها وحاشيتها.
ثم يلي الحبس درب سليمان بن أبي جعفر وهو منسوب إليه وفيه كانت داره.
ثم أقطع المنصور قوما من أهل خراسان يعرفون بالبغيين، وهم ممن كان في الدولة. وأصلهم من قرية من قرى مروالرود تعرف ببغ، الموضع المعروف
стр. 286
بالبغيين. وهذا الموضع أول الدرب المعروف بسوار مما يلي دجلة إلى آخر ربض البرجلانية.
ثم قطيعة زهير بن محمد وأصحابه إلى جانب القطيعة المعروفة بأبي النجم وهو أحد قواد المنصور، وأصله من خراسان، وكانت أم سلمة بنت أبي النجم هذا عند أبي مسلم صاحب الدولة.
ويتصل بهذه القطيعة الزهيرية مما يلي باب التبن، وهو ربض يعرف بأصحاب زهير بن محمد قائد من أهل أبيورد، ومع حدّ سور بغداد إلى باب قطربل وهو الباب المعروف بالباب الصغير. [٣٨ أ] وزهير صاحب هذه القطيعة أزدي من عرب خراسان.
ويتصل بالزهيرية ربض أبي النجم. ووراء ذلك الخندق الذي عليه القنطرة النافذة إلى قطيعة أم جعفر. ويتصل بالقطيعة دار إسحاق بن إبراهيم، وكانت جزيرة فأقطعها المأمون إسحاق. فأولها يتصل بدار البطيخ وآخرها بمقابر باب التبن.
ويتصل بباب التبن ربض ينسب إلى أبي حنيفة أحد قواد المنصور. ثم تتصل به مربعة الفضل بن سليمان المعروف بالطوسي وهو من أهل أبيورد. وكان مخرجه في الدولة من طوس فعرف بالطوسي وكان على شرط المنصور.
ثم ربض عثمان بن سهيل وكان على حرس المنصور.
ثم تخرج من مربعة أبي العباس إلى مربعة الفرس وربضهم. وهؤلاء قوم من الفرس أقطعهم المنصور هذه الناحية فنسبت إليهم.
ويتصل بربض الفرس، ربض الخوارزمية وهم من جند المنصور. وفي شارعهم درب يعرف بدرب النجارية.
ثم ربض عمرو بن اسفندياذ.
ثم ربض رشيد. ورشيد مولى المنصور، وهو أبو داود بن رشيد المحدث مولى المنصور.
стр. 287
ويتلوه ربض يعرف بسعيد بن حميد وهو نافذ إلى [ان] يخرج إلى طاق مناس.
ويتلوه ربض سعيد بن المسيب المعروف بطاق أبي علي.
وفي طرف ربض زهير قطائع تعرف بالموالي. وهم موالي أم جعفر.
ويتصل بها ربض سليمان بن مجالد مولى المنصور. وقد ولي للمنصور.
والمهدي ولايات.
ويتصل به ربض حمزة بن مالك بن هيثم الخزاعي.
ثم ربض زرّاد بن سنان وكان أحد قواد المنصور.
وسويقة الهيثم بن شعبة بن ظفير مولى المنصور.
وقال بعض العلماء بأمور بغداد: المنائر التي في شارع الأنبار بناها كلها طاهر بن الحسين. وذلك أنه كان حصاره الأمين كلما بلغ إلى موضع من ذلك الشارع بني فيه مسجدا أو منارة.
ثم يليه ربض حميد بن قحطبة الطائي. وكان أحد النقباء.
ثم ربض نصر بن عبد الله وهو الشارع النافذ إلى دجيل [٣٨ ب] من شارع باب الشام إلى درب السقائين.
وعن يمينه قطائع قوم يعرفون بالسرخسية. وفي قطيعتهم طاقات الروندي «١» ، وهو أحد الشيعة من السرخسية واسمه محمد بن الحسن. وكان صهرا لعلي بن عيسى بن ماهان على أخته.
وفي الشارع المنسوب إلى أبي حنيفة، دار عمارة بن حمزة، وكان أحد البلغاء. وهو من ولد أبي لبابة مولى رسول الله ﷺ . ودار عمارة إقطاع من
стр. 288
المنصور. وكانت من قبل أن تبنى بغداد بستانا لبعض [ال] ملوك. ويتصل بها ربض أبي حنيفة.
ثم ربض إبراهيم بن عثمان بن نهيك. وهو ما بين دار عمارة ومقابر قريش.
ثم طاقات العكي في الشارع النافذ إلى مربعة شبيب بن وأج في ربض يعرف بربض الحرس. والعكي اسمه مقاتل بن حكيم وأصله من الشام ومخرجه من خراسان من مرو. وهو من السبعين. وله قطيعة في المدينة بين باب البصرة وباب الكوفة ودرب ينسب إليه إلى اليوم. ويقال إن أول طاقات بنيت في الربض ببغداد، طاقات العكي، ثم طاقات الغطريف. وهو الغطريف بن عطاء، وكان أخا الخيزران خال موسى الهادي والرشيد. ثم طاقات أبي سويد، واسمه الجارود مما يلي مقابر باب الشام وقطيعته وربضه هناك.
ويتصل به ربض العلاء بن موسى الجوزجاني مما يلي الدرب المعروف بأبي حية وهو الشارع النافذ إلى درب السقائين.
ثم ربض أبي نعيم موسى صبيح من أهل مرو، من قواد المنصور. وفيه الموضع [الذي] يقال [له] شيرويه. وشيرويه مجوسي من دهاقين بغداد القدماء.
وربض أبي عون في شارع دار الرقيق، واسمه عبد الملك بن زيد، في الدرب النافذ إلى دار عبد الله بن طاهر. وكان أبو عون من موالي المنصور وكان يتولى له مصر ثم عزل عنها.
وقصر عبدويه مما يلي براثا، منسوب إلى عبدويه الأزدي. وهو من وجوه رجال الدولة. وإنما كان المهدي صيّر إليه النفقة على هذا القصر فنسب إليه.
وقصر هاني منسوب إلى [٣٩ أ] هاني بن بشير، وكان يتولى للمهدي ديوان الخراج.
والرهينية كانت قطائع لقوم أخذوا رهينة من بعض البلدان في أيام المنصور، فلم يزالوا بها إلى أيام الرشيد، ثم خرجوا مع طاهر بن الحسين إلى خراسان في أيام المأمون فلم يبق منهم أحد وخربت منازلهم إلى اليوم.
стр. 289
والرهينية متصلة بربض نوح بن فرقد، أحد قواد المنصور. وهو في طرف بغداد مما يلي مسجد طاهر الذي بناه هناك إياك فتنة الأمين.
وصحراء قيراط منسوبة إلى قيراط مولى طاهر بن الحسين.- وكان عيسى وقيراط من أشراف الموالي- وله هناك مسجد يعرف به.
ودويرة مبارك مما يلي شارع باب الأنبار. ومبارك من موالي المنصور.
وهناك ربض يعرف بالخوارزمية.
وفي طريق باب الأنبار، ربض سعيد بن حميد بن دعلج. وكان سعيد يتولى شرط المنصور سنة ست وخمسين ومائة. وتولى البصرة بعد ذلك.
وفي طرف باب الأنبار، منارة الحكم. وهو الحكم بن ميمون مولى عامر بن دلجة أحد بني السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة وعامر بن دلجة ويحيى أخوهما عرقبا جمل عائشة بالبصرة فهانت الحرب.
والعباسية منسوبة إلى عباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. وكان بعض القواد يذكرها ويقول: عزمي أن استقطعها من أمير المؤمنين. ثم قدم العباس على المنصور فاستقطعها منه فأقطعه إياها وجعل مؤدى خراجها بمصر. فاتخذ بها العباس زنجا كانوا ينسبون إليه فيقال زنج العباس. وهو أول من زرع فيها الباقليّ.
وكان باقلّاؤها نهاية، فقال: الباقلي العباسي. وكانت تدعى جزيرة العباس لأنها بين الصراتين. ومن أجل باقلائها وجودته صار الباقليّ الرطب في كل موضع يقال له العباسي.
وقال رجل من ولد عمارة بن حمزة: كانت دار عمارة ورحبته ضيقة فأراد أن يستقطع العباسية منه. فسبقه العباس بن محمد فاستقطعها فأقطعه إياها.
ويروى أيضا أن موسى [٣٩ ب] بن كعب- وكان من أجل قواد المنصور- كان ضيق الدار والرحبة. فزاره العباس بن محمد. فلما نظر إلى ضيق منزله قال:
ما لمنزلك في نهاية الضيق والناس في سعة؟ قال: ندمت وقد أقطع أمير المؤمنين الناس منازلهم. وعزمي أن أستقطعه هذه الرحبة التي بين يدي المدينة- يعني
стр. 290
العباسية-. فسكت العباس وانصرف من عنده إلى المنصور وقال يا أمير المؤمنين! تقطعني هذه الرحبة التي بين يدي مدينتك. قال: قد فعلت. فانصرف ومعه التوقيع بإقطاعها.
وصار موسى بعد خروجه إلى المنصور، فأعلمه ضيق منزله، وأنه لا قطيعة له وسأله أن يقطعه إياها. فقال له: هل شاورت فيها أحدا قبل أن تسألني؟ قال:
لا. إلّا أن العباس بن محمد كان عندي اتفاقا. فأعلمته أني أريد استقطاعها منك.
فتبسم المنصور وقال قد سبقك واستقطعني إياها فأجبته إلى ذلك فأمسك عنها موسى بن كعب ولم يذكرها.
وذكر بعض المشيخة قال: رأيت السجلّ بإقطاع العباس وفيه: إنك سألت أمير المؤمنين إقطاعك الساحة التي كانت مضربا للبن مدينة السلام، فأقطعكما أمير المؤمنين على ما سألت وضمنت.
وقصر عيسى منسوب إلى عيسى بن علي بن عبد الله وهو أول قصر بناه الهاشميون ببغداذ في أيام المنصور.
وروي أن المنصور زار عيسى بن علي ومعه أربعة آلاف رجل من الجند فتغدى عنده وجميع خاصته، ودفع إلى كل رجل من الجند زنبيل فيه خبز وربع جدي ودجاجة وبيض ولحم بارد وحلوى. فانصرفوا كلهم مسمطين ذلك. فلما أراد المنصور أن ينصرف قال لعيسى: يا أبا العباس لي حاجة. قال: ما هي يا أمير المؤمنين، فأمرك طاعة؟ قال: تهب لي هذا القصر. قال: ما بي ظنّ عنك به، ولكن أكره أن يقول الناس: إن أمير المؤمنين زار عمه فأخرجه من قصره وشرّده وشرّد عياله. وبعد، فإن فيه من حرم أمير المؤمنين ومواليه أربعة آلاف نفس. فإن لم يكن بدّ من أخذه فليأمر لي أمير المؤمنين بفضاء يسعني [٤٠ أ] ويسعهم أضرب فيه مضارب وخيما أنقلهم إليها إلى أن أبني لهم ما يواريهم. فقال له المنصور:
عمّر الله بك منزلك يا عم، وبارك فيه. ثم نهض منصرفا.
стр. 291
وقنطرة بني زريق منسوبة إلى قوم من دهاقين بغداد كان يقال لهم بنو زريق لهم نسب معروف.
وقنطرة المعبدي منسوبة إلى عبد الله بن محمد المعبدي. وكان له هناك إقطاع. وهو الذي بنى هذه القنطرة على النهر مع رحى اتخذها هناك. وكانت في هذا الدكان فصارت بعد ذلك لمحمد بن عبد الملك الزيات وجعلها بستانا فانقبضت مع ما قبض من أملاكه. اشتراها قوم من الكرخيين وغيرهم.
قال: والنوبختية إقطاع من المنصور لنوبخت لما حكم بأن أمر محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن ﵈، لا يتمّ.
وهناك درب يعرف بدرب الناووس كان فيه ناووس قديم فنسب إليه.
وقال أبو زكريا: دخلت على أبي العباس الفضل بن الربيع يوما فوجدت يعقوب بن المهدي عن يمينه، ومنصور بن المهدي عن يساره، ويعقوب بن أبي الربيع عن يمين يعقوب بن المهدي، وقاسم أخوه عن يسار منصور بن المهدي.
فسلمت وأومأ بيده إلى الانصراف. وكان من عادته إذا أراد أن يتغدى معه أحد من جلسائه أو أهل بيته، أمر غلاما له يكنى أبا حلبة بردّه إلى مجلس في داره حتى يحضر غداه ويدعوا به. قال: فخرجت فردني أبو حلبة فدخلت فإذا موسى بن عيسى. فقال لي: أما أنت فقد علمنا أنك رددت إلى الغداء، ولكن الشأن في غيرك. فقلت: أنت الذي لا يقدم عليك أحدا.
قال: وجلسنا حتى حضرا الغداء. فأحضرني وأحضر كتابه- وكانوا أربعة:
موسى بن عيسى بن أهرون. وعبد الله بن أبي نعيم الكلبي، وداود بن بسطام، ومحمد بن المختار- فلما أكلنا جاءوا بأطباق الفاكهة فقدموا إلينا طبقا فيه رطب [٤٠ ب] . فأخذ الفضل منه رطبة فناولها يعقوب بن المهدي وقال له: إن هذا من بستان أبي الذي وهبه له المنصور. فقال له يعقوب: رحم الله أباك، فإني ذكرته أمس وقد اجتزت على الصراة برحى البطريق. فإذا أحسن موضع، وإذا الدور من تحتها والسوق من فوقها وماء غزير حادّ الجرية. فمن البطريق الذي نسبت هذه
стр. 292
الرحى إليه، أمن موالينا أم من أهل دولتنا أم من العرب؟
قال، فقال الفضل: أنا أحدثك حديثه. لمّا أفضت الخلافة إلى أبيك ﵀، قدم عليه بطريق أنفذه ملك الروم مهنئا له. فأوصلناه إليه وقربناه منه. فقال المهدي للربيع: قل له يتكلم. فقال الربيع لترجمانه ذلك. فقال هو بريء من دينه وإلّا فهو حنيف مسلم إن كان قدم لدينار ولا درهم ولا لعرض من أعراض الدنيا.
ولا كان قدومه إلّا سوقا إلى وجه الخليفة. وذلك أنّا نجد في كتبنا أن الثالث من أهل بيت النبي ﷺ يملأها عدلا كما ملئت جورا. فجئت اشتياقا إليه. فقال المهدي للربيع قل للترجمان يقول له: قد سرّني ما قلت ووقع مني حيث أحببت ولك الكرامة ما أقمت، والحباء إذا شخصت، وبلادنا هذه بلاد ريف وطيب فأقم بها ما طابت لك. ثم بعد ذلك فالإذن إليك. وأمر الربيع بإنزاله وإكرامه. فأقام أشهرا ثم خرج يوما يتنزه ببراثا وما يليها. فلما انصرف اجتاز على الصراة، فلما نظر إلى مكان الأرحاء، وقف ساعة يتأمله فقال له الموكلون: قد أبطأت، فإن كانت لك حاجة فأعلمنا إياها. فقال: شيء فكرت فيه. وانصرف. فلما كان العشي راح إلى الربيع فقال له أقرضني خمسمائة ألف درهم. قال: وما تصنع بها؟
قال: أبني بها لأمير المؤمنين مستغلا يؤدي في السنة خمسمائة ألف درهم. فقال له الربيع: وحق الماضي صلوات الله عليه، وحياة الباقي أطال الله [٤١ أ] بقاءه لو سألتني أن أهبها لغلامك ما خرجت إلّا معه. ولكن هذا الأمر لا بد من إعلام الخليفة إياه. قال: قد علمت أن ذاك كذلك. قال: ودخل الربيع إلى المهدي فأعلمه فقال ادفع إليه خمسمائة ألف وخمسمائة ألف، بل أدفع إليه جميع ما يريد بغير مؤامرة. قال: فدفع ذلك الربيع إليه. فبنى الأرحاء المعروفة بأرحاء البطريق.
فأمر المهدي أن تدفع عليها إليه. فكانت تحمل إليه إلى سنة ثلاث وستين ومائة، فإنه مات. فأمر المهدي أن تضمّ إلى مستغلّه. قال: وكان اسم البطريق طافات بن الليث بن العيزار بن طريق بن قوق بن مورق. ومورق كان الملك في أيام معاوية.
وقال الخليل بن مالك: كان المنصور قد أمر بعد ثلاثة جسور: جسر يعبر الناس عليه، وجسر يرجعون فيه، وجسر في الوسط للنساء، وعقد بعد ذلك بباب
стр. 293
البستان جسرين: جسرا له ولولده، وجسرا لخدمه وحشمه.
وعقد الرشيد بعد ذلك عند باب الشماسية جسرين. وكان لأم جعفر جسر عند مشرعة فرج الرخجي بالقرب من سويقة قطوطا. فلم تزل هذه الجسور قائمة إلى أن قتل محمد بن زبيدة، ثم عطلت إلّا الثلاثة المنصورية القديمة التي عند مجلس الشرطة فإنها باقية إلى وقتنا هذا.
قال: وطاق أسماء بالجانب الشرقي منسوب إلى أسماء بنت المنصور. وهذا الطاق كان طاقا عظيما، وكان في دارها التي صارت لعلي بن الجهشيار بمشرعة الصخر أقطعه إياها الموفق ثم أقطعها أزكوتكين بن أساتكين. وعند طاق أسماء كان مجلس الشعراء. وهناك كانوا يجتمعون في أيام الرشيد.
والموضع المعروف بين القصرين هو قصر أسماء بنت المنصور.
وقصر عبيد الله بن المهدي والخضرية مما يلي باب الطاق منسوبة إلى خضر مولى صالح صاحب المصلى، وفيها تباع الجرار وتعمل المزملات.
وسوق يحيى منسوبة [٤١ ب] إلى يحيى بن خالد البرمكي. وكانت إقطاعا له من الرشيد، ثم صارت بعد البرامكة لأم جعفر ثم أقطعها المأمون طاهر بن الحسين بعد الفتنة. فهي في أيدي ورثته إلّا ما بيع منها.
وسويقة أبي عبيد الله منسوبة إلى عبيد الله وزير المهدي واسمه معاوية بن عمرو.
وشارع الميدان خارج الرصافة وهو شارع مارّ من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء. وفيه قصر أم حبيب بنت الرشيد. وكان هذا القصر ودوره إقطاعا من المهدي لعباد بن أبي الخصيب ثم صار جميع ذلك للفضل بن الربيع، ثم صار لأم حبيب بنت الرشيد في أيام المأمون، ثم صار بعد ذلك لبنات الخلفاء إلى أن صرن يجعلن في قصر المهدي بالرصافة.
وسوق العطش بناها شعبة الجرمي للمهدي وحوّل إليها التجار ليخرّب الكرخ. وقال المهدي عند تمام بنائها: سمّها سوق الريّ. فغلب عليها سوق
стр. 294
العطش. وأولها يتصل بسويقة الحرسي «١» وداره والإقطاعات التي أقطعه إياها المهدي هناك.
وسويقة العباسة منسوبة إلى العباسة بنت الرشيد. ويقال إن الرشيد فيها أعرس بزبيدة ابنة جعفر سنة خمس وستين ومائة. قبل أن تنتقل العباسة إليها ثم دخلت بعد ذلك في أبنية بناها المعتصم.
ودار فرج فوق سوق يحيى. وكان فرج مملوكا لحمدونة بنت عضيض أم ولد الرشيد، ثم صار ولاؤه للرشيد. وداره إقطاع من الرشيد. ولم يكن على شاطئ دجلة بناء أحكم من بنائها. ثم هدمت فيما هدم من منازل عمر بن فرج لما قبضت.
وكانت دار أحمد بن أبي خالد الأحول لأبي عبيد الله معاوية بن عمرو.
وهناك السويقة المنسوبة إليه. وكان أبو خالد الأحول أحد كتاب أبي عبيد الله فاشتراها أحمد بن أبي خالد من ورثة أبي عبيد الله.
ودرب المفضل هو المفضل بن زمام من موالي المهدي.
وسويقة نصر منسوبة إلى نصر بن مالك الخزاعي، إقطاع من المهدي.
ودار الربيع مما يلي المخرم، كانت لمكين الخادم فاشتراها الربيع منه.
واتصل خبرها بالمنصور فقال للربيع: أنت تريد تعملها بستانا وتذهب مني بخراجه. فقال: لا والله يا أمير المؤمنين. ولكن كلما ولد لي ابن فتحت له فيها بابا. وهي شارعة في شارع الميدان في أيدي ورثة الربيع إلى اليوم.
وسويقة خالد بباب الشماسية منسوبة إلى خالد بن برمك إقطاع من المهدي ثم بنى فيها الفضل قصره المعروف بقصر الطين. وبنى أيضا فيها جعفر بن يحيى قصرا آخر.
стр. 295
ورحبة يعقوب منسوبة إلى يعقوب بن داود مولى بني سليم، أقطعه إياها المهدي حين استوزره. وذكر بعض المشايخ أنه رأى فيها أزاجا عتيقا تشبه الساباط كانت قبل بناء بغداد لقوم من دهاقينها.
والمخرم منسوب إلى مخرم بن يزيد بن مخرم بن شريح بن مخرم بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة. كان ينزله أيام نزول العرب السواد في الإسلام فنسب إليه. وقال أبو المنذر: سمعت قوما من بني الحارث بن كعب يقولون: المخرم إقطاع من عمر بن الخطاب في الإسلام للمخرم بن شريح.
وخان بني زياد منسوب إلى رجل من سواد الكوفة من النبط كان يكنى أبا زياد عمر عمرا طويلا، لأنه كان ممن وسمه الحجاج. وذلك أن الحجاج وسم النبط على أيديهم ليعرفوا من سائر الناس. وكان أبو زياد من سواد الكوفة وعاش إلى أيام المنصور. وقال رجل من طيء أنا رأيته بالكوفة في بني عكل في حانوت له يربط البقل «١» ، عليه إزار ورد والوشم على ذراعه. قال: وكان انتقاله من الكوفة مع المنصور لما انتقل إلى بغداد. فنزل في المخرم في شارع النفاطين. فقام الخان وترك بيع البقل وكان تكنى قبل مصيره إلى بغداد أبا زينب ثم تكنى بأبي زياد. ونشأ له ابن فتأدب وفصح فصار إلى همذان فأصاب مالا وتزوج هناك امرأة من العرب، وذلك أنه ادعى أنه عربي. ثم طعن في نسبه عند الرجل الذي [٤٢ ب] تزوج إليه.
فقدم الرجل بغداد فسأل عنه فأخبر بقصته ودل على أبيه فصار إليه ووقف عليه.
فقال: ما ربيع منك؟ قال بنتي. فشهر عليه السيف وحال الناس بينه وبينه وقيل له:
لم نفسك لأنك زوّجت من لا تعرف.
وكانت الثلاثاء «٢» قبل بناء بغداد تقوم في يوم معروف من الشهر وهو يوم الثلاثاء. وكان أكثر من يحضرها أهل كلواذى وأهل بغداد فنسبت إلى اليوم الذي كانت تقوم فيه.
стр. 296
وسويقة حجاج منسوبة إلى الحجاج الوصيف مولى المهدي.
ودار عمارة في طرف شارع المخرم منسوبة إلى عمارة بن أبي الخصيب مولى روح بن حاتم، وقيل إنه كان مولى للمنصور. وكان أبو الخصيب أحد من تولى حجبة المنصور.
وقنطرة على نهر المهدي منسوبة إلى بعض بنات المهدي.
وخان وردان «١» . ذكر أحمد بن إسحاق برصوما قال: حدثني علي بن الحكم العقيلي قال: كان ابن سنان من قواد المنصور وكان عظيم اللحية جدا. قال فكتب عبد الله بن عياش المنتوف إلى المنصور يسأله حوائج وكان أحد ما طلب من الحاجات أن يهب له لحية وردان ليتدفأ بها في الشتاء. فوقّع له بقضاء جميع ما سأل، ووقع تحت سؤاله لحية وردان: لا، ولا كرامة. لا أهب لك لحية رجل من قوادي وجلة أصحابي.
والصالحية إقطاع من المنصور لابنه صالح المعروف بالمسكين.
وقباب الحسين التي خارج بغداد على طريق خراسان منسوبة إلى الحسين بن قرة الفزاري. وكان قرة ممن خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجاج.
عيسى آباذ، منسوبة إلى عيسى بن المهدي. وكان عيسى في حجر مبارك التركي، وكانت أمه الخيزران. وهو أخو الهادي والرشيد لأبيهما وأمهما، وكانت إقطاعا له.
حوض هيلانة. زعم قوم أن هيلانة قيّمة كانت للمنصور حفرت هذا الحوض وجعلته للسبيل فنسب إليها.
وباب المحول في الجانب الغربي إقطاع لهيلانة أقطعها إياه المنصور. وقد قيل إن [٤٣ أ] هيلانة كانت جارية للرشيد وإليها ينسب هذا الحوض. وفيها يقول الرشيد:
стр. 297
أفّ للدنيا وللزينة فيها والأثاث ... إذ حثا الترب على هيلانة في الحفر حاث
وحوض داود منسوب إلى داود مولى للمهدي وله إقطاع مما يلي سوق العطش. وقد قيل إن داود مولى نصير، ونصير مولى للمهدي. وذكر بعض المشايخ أنه يذكر ما بين سوق يحيى عن يمنة السوق إلى باب الشماسية منابت طرفاء قبل أن يقطع الناس فيها. وأول من أقطع فيها علي بن المهدي وهو ابن رائطة بنت أبي العباس السفاح. ثم أقطع بعده المنصور بن المهدي.
وذكر أحمد بن الحارث الخراز أن بغداد صورت لملك الروم بأرباضها وأسواقها وشوارعها وبساتينها وأنهارها من جميع جانبيها الشرقي والغربي. قال:
فكان كثيرا مما يحضر الصورة ويتأملها ويستحسن شارع باب الميدان ويتعجب من حسنه وحسن القصور التي فيه، ويزداد استحسانه لشارع الزرادين وسويقة نصر بن مالك إلى الثلاثة الأبواب والقصور التي في هذا الشارع. وكذلك أيضا كان يستحسن الأسواق من الخضرية إلى قنطرة بردان. وكان يقول: قد كان يجب على ملك العرب أن يجعل داره في هذا الشارع- ويجعل إصبعه على شارع الزاردين.
وكان إذا شرب دعا بالصورة فيشرب على هذه الشوارع التي ذكرناها لحسن أبنيتها وقصورها.
وفصيل أبي العلاء، منسوب إلى سليم أبي العلاء مولى المهدي.
وقال يحيى بن دارية السوّاق: كان ببغداد في شارع الثلاثة الأبواب ثلاثمائة ملقى للسويق. وكان في قنطرة بردان وقنطرة ميمونة ورحى عبد الملك وسوق يحيى والمخرم وفي أطراف بغداد سوى الكرخ أكثر من ثلاثمائة مقلى آخر. وكان سبب كثرة السويق ببغداد أن بغداذ كانت في أيام الرشيد وما قبله إلى أيام المأمون [٤٣ ب] عسكرا لكثرة الناس بها ومصيرهم إليها من كل بلد، وكانت الأرباض محشوة بالناس. وكان اللحم يعزّ، لأن الأغنام كانت تدخل في أيام الربيع يجلبها الأعراب من هذا الوقت من البرية. ويجلبها التجار في زمان الخريف من ناحية
стр. 298
الجبل. ويتعذر دخولها في الشتاء إلّا الشيء اليسير، يجلب من ناحية الكوفة.
فكان ربما بيع اللحم ببغداذ على ستة أواق. فكثر استعمال الناس للسويق لهذه الحال لأنهم كانوا يأكلونه مع التمر ومع السكر ومع الدبس وغير ذلك. فلذا صار كثيرا.
وقال أحمد بن أبي طاهر «١» : أخذ الطول من الجانب الشرقي من بغداد للناصر لدين الله عند دخوله مدينة السلام، فوجد مائتا حبل وخمسون حبلا.
وعرضه مائة حبل وخمسة أحبل. يكون ستة وعشرين ألف جريب ومائتين وخمسين جريبا. ووجد طول الجانب الغربي مائتين وخمسين «٢» حبلا. وعرضه سبعين حبلا. يكون ذلك سبعة عشر ألف جريب وخمسمائة جريب. فجميع ذلك ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة وخمسون.
وقيل لرجل: كيف وجدت بغداد؟ قال: الأرض كلها بادية وبغداد حاضرتها. وأنشد بعضهم في بغداد.
بغداد يا دار الملوك ومجتنى ... صنوف المنى يا مستقر المنابر
ويا جنّة الدنيا ويا مطلب الغنى ... ومنبسط الآمال عند المتاجر
ووصف بعض الأدباء بغداد فقال: هي سهلية جبلية برية بحرية، صيدها غزير وخيرها كثير، طيب هواؤها، يسر فناؤها، دائم رخاؤها. فضلها على سائر البلدان كفضل ماء الأنهار على ماء البحار. فهي كما قال عمارة:
ماذا ببغداد من خير أفانين ... ومن منازل للدنيا وللدّين
تمسي الرياح بها حسرى إذا درجت ... وحرّشت بين أغصان الرياحين
وهي محل الخلفاء ومسكن الوزراء ومأوى بني هاشم والأبناء ومقرهم ومفزعهم في الشدائد [٤٤ أ] والرخاء، الواسعة الدور، الكثيرة القصور، الغزيرة
стр. 299
الأنهار، المريئة العيون، صحيحة البناء، رحبة الفناء، نزهة الهواء، رفيقة بالغرباء، مؤاتية لكل من أتاها، مغيثة لمن استغاث بها، قديمة الصحبة، طيبة التربة، مسكن من تفتّى ومعقل من تنسّك. بناها المنصور وسكنها المهدي والهادي والأمين والمأمون. جنة من جنان الدنيا. دجلة في وسطها، والصراة عن يمينها ونهر الملك أمامها ونهر عيسى مخترق لها ونهر كرخايا يتخلل طرقاتها ونهر الخندق دائر بها. لها الرومية وكلواذى والقفص وعميّ وقطربل والمزرفة وبزوغى والأجمة والغرك والشماسية.
إذا غضب على جبار عات حمل إليها. وإذا رضي عنه شهر بها. مواكبها قائمة ومنائرها عالية. ونغم مغنياتها ناعمة. الظرف فيها يقتبس والشكل منها يستوصف. مكان الرئاسة ومقبس السياسة. فهي جنة مونقة وحديقة مشرقة.
وعروس في مجاسدها وكللها وحجابها. شهية المنظر جميلة المخبر. صبيحة مليحة ظاهرة الوسامة، دمثة التراب، مريعة الجناب، غدقة المشارع، وطيّة المضاجع. تروق عيون الناظرين، وتسرّ قلوب المتأملين. ويعيش في أفنيتها الفقراء والمساكين. مطابقها وثيقة، وسجونها حريزة. مع كثرة أسواقها واتساع أرباضها، وفساحة رحابها وامتداد طرقها وسككها.
معشوقة محببة إلى الخلفاء وولاة العهود والوزراء. دار ملكهم ومعدن صيدهم، ومنتهى غاية لذاتهم، موفّرة لغلّاتهم مباركة عليهم. شامخة البناء، عريضة الفناء، فياحة السطوح، نزهة البساتين، كثيرة الأشجار والرياحين. مفزع كل ملهوف، ومعدن كل تاجر معروف. وحسبك ببلدة قد جمع الله فيها ما فرّقه في غيرها من البلدان من أنواع التجارات وأصناف الصناعات. فهي سلة الدنيا وخزانة الأرض، معدن العلم وينبوع الحكمة. ليس لها مشتاة كمشتاة الجبال، ولا مصيف كمصيف عمان، ولا صواعق كصواعق [٤٤ ب] تهامة. ولا دماميل كدماميل الجزيرة. ولا جرب كجرب الزنج، ولا طواعين كطواعين الشام. ولا يلحق أهلها ما يلحق أهل البحرين من وجع الطحال. ولا فيها حمّى كحمى خيبر. ولا
стр. 300
رداع «١» الجحفة. وليس بها ثعابين كثعابين مصر. ولا أفاعي سجستان. ولا عقارب نصيبين. ولا جرّارات الأهواز، ولا قتّالات شهرزور.
وأهلها ظرفاء فضلاء فيهم الجمال ولباسهم الكمال، فهم كما قال الشاعر:
ما مثل بغداد في الدنيا ولا الدين ... على تقلّبها في كلّ ما حين
ما بين قطربل فالكرخ نرجسة ... تندى ومنبت خيريّ ونسرين
تحيا النفوس بريّاها إذا نفحت ... وحرّشت بين أوراق الرياحين
سقيا لتلك القصور الشاهقات وما ... تخفي من البقر الإنسية العين
تستنّ دجلة فيما بينها فترى ... دهم السفين تغالى كالبراذين
مناظر ذات أبواب مفتّحة ... أنيقة بزخاريف وتزيين
فيها القصور التي تهوي بأجنحة ... بالزائرين إلى القوم المزورين
من كلّ حرّاقة يعلو فقارتها ... قصر من الساج عال ذي أساطين.
وقدم عبد الله بن صالح بن علي بغداد فرأى كثرة الناس بها فقال: ما مررت بطريق من طرق هذه المدينة إلّا ظننت أن الناس قد نودي فيهم «٢» .
وقال المنصور لبعضهم: أخبرني عن بغداد. قال: جنة بين حماة وكنّة تحسدانها، ودجلة والزاب يتباريان عليها.
وكتب الحسن بن أبي الرعد إلى أبي عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب وهو مقيم بضياعه في سنجار، يشوقه إلى بغداد:
يا من أقام على قرى سنجار ... واختارها دارا بأكرم دار
خلّفت بغداد التي لنسيمها ... أرج من النوّار والأشجار
هي جنّة الدنيا فكيف تركتها ... وقررت أرضا غير ذات قرار
стр. 301
أو ليس فيها ألف ألف خريدة ... في وجهها متنزّه الأبصار
وانظر لقلبك لا بعينك هل ترى ... كرجالها في سائر الأمصار
[٤٥ أ]
من ذا تصادفه هناك وعنده ... طرف من الأشعار والأخبار
معقودة بخلائق أدبية ... في رقة الماء الزلال الجاري
وحدثني بعض الأدباء قال: حججت فرأيت على بعض الأميال [بطريق مكة] «١» مكتوبا:
أيا بغداد يا أسفى عليك ... متى يقضى الرجوع لنا إليك
قنعنا سالمين بكلّ خير ... وينعم عيشنا في جانبيك
وقال: ورأيت في غرفة بقرميسين هذين البيتين وقد كتبا في الحائط:
ليت شعري عن الذين تركنا ... خلفنا في العراق هل يذكرونا
أم لعلّ المدى تطاول حتى ... قدم العهد دوننا فنسونا
ولما حج الرشيد وبلغ زرود التفت ناحية العراق وقال:
أقول وقد جزنا زرود عشية ... وكادت مطايانا تجوز بنا نجدا
على أهل بغداد السلام فإنني ... أزيد بسيري عن ديارهم بعدا
وقال بعضهم: لو أن الدنيا خربت وفرق أهل [بغداد] «٢» فيها لعمروها.
ولما قلّد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بلد اليمن وعمل على الخروج قال:
أير حل آلف ويظلّ إلف ... وتحيا لوعة ويموت قصف
على بغداد دار اللهو منّي ... سلام ما سجا للعين طرف
وما فارقتها لقلى ولكن ... تناولني من الحدثان صرف
стр. 302
ألا روح ألا فرج قريب ... ألا جار من الحدثان كهف
لعلّ زماننا سيعود يوما ... فيرجع آلف ويسرّ إلف
فبلغ هذا الشعر الوزير فأعفاه من التقليد.
وقال بعض الأدباء:
ببغداد يصفو العيش للمتعبّد ... وللقارف اللاهي وللمتورّد
وهي أبيات ما فيها طائل.
وقال الجاحظ: قد رأيت المدن [العظام] «١» المذكورة بالإتقان والإحكام، ببلاد الروم والشامات وغيرها [٤٥ ب] . فلم أر مدينة قط أرفع سمكا، ولا أجود استدارة، ولا أحكم سورا وفصيلا من مدينة المنصور. كأنما صبت صبا في قالب، وأفرغت إفراغا في دريزك «٢» وأنشد.
يا حبّذا بغداد من بلد ... يا ليتني أوطنت بغدادا
لم تر عيني مثلها بلدة ... طيبة صدرا وإيرادا
إن ردّني الله إلى أهلها ... لم أتزوّد للنوى زادا
وقال الكلبي: سمي المخرم مخرما، لأن مخرم بن حزن الحارثي نزله.
وكانت قنطرة البردان لرجل يقال له السري بن الحطم صاحب الحطمية التي بقرب بغداد.
والحربية منسوبة إلى حرب بن عبد الله البلخي وكان على شرطة جعفر بن المنصور وهو يتقلد الموصل.
والزهيرية بقرب باب التبن، نسبت إلى زهير بن محمد بن أهل أبيورد.
стр. 303
وعيسى آباد نسبت إلى عيسى بن المهدي وهو ابن الخيزران وكان في حجر مبارك التركي.
وقصر عبدويه منسوب إلى رجل من الأزد يقال له عبدويه، وكان من وجوه رجال الدولة.
وأقطع المنصور عمارة بن حمزة الناحية المعروفة.
وأقطع ميمون أبا بشر بن ميمون قطيعة عند بستان القس. وطاقات بشر نسبت إلى بشر بن ميمون وهو مولى لعبد الله بن علي.
وأقطع أم عبيدة حاضنة المهدي، وهي مولاة لمحمد بن علي قطيعة منسوبة إليها. وإليها تنسب الطاقات المعروفة بطاقات أم عبيدة بقرب الجسر.
وأقطع منيرة وهي مولاة لمحمد بن علي الموضع المنسوب إليها من الجانب الشرقي.
وأقطع ريسانة قطيعة تقرب من مسجد ابن رغبان بالقرب من باب الشعير.
ودرب مهرويه في الجانب الشرقي، نسب إلى مهرويه الرازي الذي كان مملوكا فأعتقه المهدي.
ونزل المنصور مدينة السلام منذ يوم بناها إلى آخر خلافته ثم حج منها وتوفي بمكة.
ونزلها بعده [٤٦ أ] المهدي، ثم شخص منها إلى ماسبندان فتوفي هناك.
وكان أكثر نزوله إذا كان بمدينة السلام، عيسى آباد حتى بنى فيها أبنية كثيرة. وبها توفي الهادي.
نزلها الرشيد وكان قليل المقام بها، وشخص عنها إلى الرقة فأقام بها مدة ثم سار إلى خراسان فتوفي بطوس.
ونزلها محمد الأمين فقتل بها.
стр. 304
ثم قدمها المأمون من خراسان وأقام بها ثم شخص عنها غازيا فمات بالبدندون ودفن بطرسوس.
ثم نزلها المعتصم مدة من خلافته، ثم شخص عنها إلى القاطول فنزل قصرا كان الرشيد بناه. وحفر بها قاطوله الذي سماه أبا الجند لكثرة ما كان يسقي من الأرضين. وكان قد جعله لأرزاق جنده. ثم بنى بالقاطول بناء ودفع ذلك إلى أشناس التركي مولاه. ثم انتقل إلى سرمرى ونقل إليها الناس وبنى مسجدا جامعا في طرف الأسواق وسماها سرمرى. وأنزل أشناس فيمن ضم إليه من الأتراك والقواد كرخ سرمرى وهو كرخ نيروز. ونزل بعضهم بالدور المعروفة بدور العرباني. وتوفي بسرمرى في سنة سبع وعشرين ومائتين.
وأقام الواثق بسرمرى وبها توفي.
واستخلف المتوكل فأقام بالهاروني وبنى به أبنية كثيرة وأقطع الناس في ظهر سرمرى في الحير الذي كان المعتصم احتجزه فاتسع الناس بذلك. وبنى مسجدا جامعا فأعظم النفقة عليه وأمر برفع منارته لتعلو أصوات المؤذنين فيها. وحتى ينظر إليها من فراسخ. فجمع الناس فيه وتركوا المسجد الأول. وأمر بحمل المحدثين من النواحي فحملوا وحدثوا الناس، فحسنت له بذلك الأحدوثة. ثم بنى مدينة سماها المتوكلية وعمرها وأقطع الناس بها قطائع وسماها الجعفري في أول سنة ست وأربعين ومائتين. فانتقل إليها الناس عنها إلى سرمرى.
وقال بعض الظرفاء: مجالسة التّمارين تورث المخاتلة. ومجالسة البزازين [٤٦ ب] تورث البخل. ومجالسة العطارين تورث التجميش. ومجالسة الحناطين تورث النفاق. ومجالسة أصحاب السقط تورث الورع. ومجالسة النخاسين تورث الإفلاس. ومجالسة أهل فارس تورث الزندقة. ومجالسة أهل الأهواز تورث الغدر. ومجالسة أهل البصرة تورث صغر الهمة. ومجالسة أهل واسط تورث البذالة. ومجالسة أهل الكوفة تورث المروءة والتجمل. ومجالسة أهل بغداد تورث الفتك والظرف واللباقة والنظافة.
стр. 305
وقال عثمان بن أبي شيبة: سمعت أبا الحر السكوني يقول: سمعت ابن عياش يقول وقد ذكرت عنده بغداد فقال: هي دنيا وآخرة.
وقال يزدجرد بن مهبنداد الكسروي: قد تكلم الناس في بلاد همذان وإصبهان والري وسائر الكور الشريفة من بلاد الجبل وخراسان وفخموا شأن مصر خاصة وقالوا بها مقدمين لها على بغداد العراق وسائر الآفاق في كثير من الأقاويل.
ونحن مبطلون ذلك على معتقدي مصر خاصة، ومتوصلون إلى التفرقة بين بلدين لا يقومان في عيار، ولا يتوافيان على مقدار. فإذا فعلنا ذلك كان حكم ما لم نذكره من سائر البلدان كالري وإصبهان وسائر كور أرمينية وآذربيجان، حكم مصر المشهورة بخواصها المذكورة بأنواعها، ويستبدل الاختصار بالتطويل، وأمهات الكلام دون القال والقيل، ونعلم أن الله خلق خلقا مقسوما ما بين قنوات مختلفات حارات وباردات، رطبات ويابسات. ثم جعل تعديل الحياة هو أن لا تشاح على الصيف دون الشتاء، وعلى برد الماء دون لطف الهواء. فلو كان الزمان بردا جميعا أو حرا أبدا أو خريفا دائما أو ربيعا سرمدا، لملت الطبيعة زمانها، وثقل عليها منه فنسمها (؟) ومكانها. ولولا شدة الجوع وكرب العطش لزالت لذة الماء والتلذذ بالغذاء. وكذلك القول في الرقاد والسهر، والحركة والسكون، والحمّام والجماع، والحر والبرد، والرطوبة واليبس، ولو كلف أحدنا أكل الخبيص دائما واللبن دائما والعسل دائما، لكلفنا [٤٧ أ] أمرا مربوطا بمكروه الطبيعة، مقرونا بأنكره وأرداه وأضناه. ولو كان الغذاء واحدا والزمان واحدا والدواء واحدا، لكان الغذاء هو الدواء والربيع هو الشتاء. فقد دللنا بذلك على أن أشرف البلدان مكانا، وأفضل البقاع زمانا، ما كان منتقلا بين أقسام الحر والبرد والرطوبة واليبس. ولا خير في زمان يكون ليلا سرمدا، ونهارا أبدا.
وسندل على أن المتطاولين بالحد الواجب المتناسب من الزمان بمصر، هم الملتجئون من منائر أرضهم هذه إلى السماء. والمحوجون إلى النوم تحت السقف الواحد أبدا. والماء والهواء هما مع ذلك ركنا حياتنا وخلة لتمام خلقنا. فأيما بقعة الباث فيها الاعتدال، والاعتدال هو الانتقال، والانتقال هو الزوال من حال إلى
стр. 306
حال، حتى تكون دهرا قطرا، وليلها ونهارها واحدا بدائم. نجد مع ذلك الذي ينبغي منه دوام بقائه واتصاله وصفائه، هو ماء نيلهم الأعظم وعزهم الأكبر. فهو الذي لا دوام لمائه ولا اتصال لطيبه وصفائه. فإن مثل الناس بين الهواء بمصر وبين أزمان بغداد المعدلات، وبين نيلها وما فيه من الحوادث الهائلات والعجائب الطارقات، وكثيرا مما لا يطيب استماعه- فضلا عن مشاهدته- ولولا ما قد جرت لأهله العادات، وبين ماء دجلتنا والفرات وغياث السحائب الربيعيات، وأيام الشتاء المدجنات، وما في السماء من البركات، ميّلوا باطلا وأضاعوا محصولا.
وقد زعم كثير من أهل النظر أنه لولا طلسم بمصر لأغرقها النيل والبحر.
وأن بلدا لا تقوم أركانه، وثبات أهله وجيرانه إلّا بحيلة من المربوبين، لا يؤمن فسادها، وبعاصمة من المخلوقين تشوبها الظنون، وتزول بدونها عقد اليقين، لعلى خطر عظيم وغرر جليل.
هذا وليس بين أن ترى ساكنيه عطشى يتشطحون وبين أن يكونوا في السفائن [٤٧ ب] والزواريق يتزاورون، وفي مراكب الطوفان يذهبون ويجيئون فرقا في مواقيت معلومة من الزمان وأحوال معتادة من الأيام.
ومما يزيد بعده بمقادير عقول المصريين، ويجوز لك الدليل على موازين المعدلين بين مصر ومدينة السلام، أن يعلم أن قوما قد زعموا أن الأحكام لم تكن لتملّك على قوم ملكا، وذلك الملك أنقصهم عقلا ولا أوضعهم رأيا ولا أسيرهم نهما ولا أصغرهم علما، مع تقدم الشهادات لعقول الملوك خاصة. وبالخواص التي تكون مقرونة بهم ومنسوبة إلى قرائحهم، عدل الملك في زمانه أو جاره.
وإذا كان هذا هكذا، ثم وجدنا فرعون قد ملك مصر دون غيرها وغلب عليها دونما سواها (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
) ، فما ظنك بعقول قوم هذا عقل من ملّكوه عليهم.
ومغرس هذه آثار ثماره، ونتائج أشجاره. ونحن قد فوضنا مصر إلى خمارويه وزدناه من الأقطار إلى حدود الأنبار.
وإذا ذهبنا نقابل المصرين بما ببغداد من الفضائل: وزيرا بوزير وأميرا بأمير
стр. 307
وحكيما بحكيم وخطيبا بخطيب وبليغا ببليغ وأديبا بأديب وطبيبا بطبيب وحاسبا بحاسب وكاتبا بكاتب ومحاربا بمحارب ومضاربا بمضارب ومقاتلا بمقاتل ومفاضلا بمفاضل وقاضيا بقاض وفقيها بفقيه حتى يؤول الأمر بنا إلى ذكر أرباب الصناعات الشريفة والمهن اللطيفة، كنا قد تعرضنا إلى ما لا سبيل إلى استيفائه ولا دليل على إحصائه. وإلّا فمن أين للمصريين كذي الرأي والغنى والبأس والبلاء والحكم والدعاء والحيلة والدهاء والجود والسخاء والعهد والوفاء والشدة والرخاء، عدو عدائه، وأين إليها ليل من آبائه، عبيد الله بن عبد الله بن الطاهر، وكابن الطيب الحكمي وثابت بن قرة الحراني والعباسي المنطقي والمنيقط الناشي والأقليدس الذكي [٤٨ أ] والبرذعي العدلي وأبي صالح السني، إلّا أن يظنوا أن لهم أيضا كالمبرّد المشهور أو ثعلب المذكور. ومن لم يزل ولا يزال بها من الفاضلين على الدهور وعلى السنين والشهور.
وليس لهم أن يفاخرونا بهرمس في زمانه أو بمثله في زماننا. ولا بأغاتيمون في أواننا هذا، وهم يعلمون أو لا يعلمون أن بابل العراق كانت مركز العلم والعلماء ومكان الحكمة والحكماء. ولكن الملك المظفر لما غلب على ملوك العمران، نقل الحكمة والحكماء إلى بلاد المينا أو نحوها مما قد سلف.
فأما مفاخرة القوم بالديار والمقاصير وسائر الأغذية والتدابير، أو مما ببغداد من سائر الفواكه والثمار وغرائب النخل والأشجار، فظنّ ما شئت أن تعدّه تجده موجودا غير مفقود وقريبا غير بعيد. زعم لي مهرويه باغبان «١» السلطان أنه يعرف بمدينة السلام نيفا وسبعين نوعا من التفاح، ثم عدّها، فتبسم أخوه شهريار ثم قال: كذا وكذا زيادة على ما قال أخوه بنحو أربعمائة نوع وتسعة أنواع.
وما ظنك ببلد مع جميع ما فيه من غرائب الأشجار وأجناس النخيل والبقول والمزارع والثمار ينبت الأترج والنارنج كما ينبت الزعفران والأقحوان، كما ينبت الفستق واللوز والزعرور والموز والشاهبلوط والجوز والغبيراء والجلّوز والسدر
стр. 308
والحبة الخضراء واللفاح والبندق والبلوط والمقل والسبستان والهليون والريباس والفوّة والمحروث والاشترغاز والراس والانجذان والعنصل والاشقيل والداذي والبلمخية (؟) والزوبن (؟) وما لا يحصى ولا يلحق من جميع الأشياء.
ولقد حدثني يونس الصيدلاني قال: ما أحصي ما يحمل من العقاقير النابتة على سواقي الأنهار ببادرويا كالشبرم والسورنجان والبنج والخربق والتربذ والمازريون والثيل والإذخر [٤٨ ب] والأفسنتين والجعدة والفنجمشك والغافت والمرقد والحنظل، وأضعاف ما ذكرت من العقاقير التي تدخل في الأدوية.
فإن شئت أن نذاكره بالسكر والجيسوان والازاد والخركان والعروسي والحمران والهيثا والهليان والبردي والمشان والطبرزد والباذنجان والقرثيا والمادبان والقرشي والبدالي والمعقلي والصيحاني والبهشكر، وصلنا من ذلك إلى خير كثير وأمر مشهور.
فأما أنواع الاخبزة والاخبصة وأصناف الأشربة والانبذة وسائر الانبجات والافشرجات وأنواع الأرباب والمربيات فغير معلوم لأهل المغرب ولا معدوم في أفنية بابل وما عملت.
ولا أعلم في الماضين من ملوك الزمان جميعا ملوكا دانوا بالضن بأزمانهم وانتحلوا القرى إلى الله بالاغراق في التماس اللذات الزمنيات في مطاعمهم ومشاربهم وملابسهم ومناكحهم من أولاد فارس وملوك الأكاسرة، فإنهم كانوا دون ملوك الروم والهند وسائر الأطراف، وأعلم بموافق الريف وأحذق بتدبير العيش اللطيف، وهم كانوا الأئمة في غرائب الغاذيات والعلماء بأصناف التدابير والملذذات، وكانت الأفاضل من ملوك بني ساسان خاصة تفاخر غيرها من الملوك باستيطان مدائن العراق، وبتطاول تلطف الهواء بها وصحة الماء فيها. هذا من حكم الخمرة البالية التي كانت تفاخر بها في أعيادها وتعازّ بخواصها في أيامها، وتزعم أنه لولا اعتدال الأرض والماء واتزان مناسبة الماء والهواء، ما وصلوا من طعوم شرابهم هذا، وأنواع ألوانه ونسيمه وروائحه إلى غايات لا سبيل إلى مثلها إلّا نظير لها في شكلها. وإذا كان ذلك لهم في الشراب أن يكون ذلك هو حق
стр. 309
الحكم لها في سائر المنابت والأشجار، وأنواع الأغذية والثمار. ولئن صح ذلك بذلك [٤٩ أ] وهو كذلك، فسيصح أن الغاذيات التي جرت باعتدالها طبائعها، واتصلت لإمداد خلقتنا وغرائزنا خليقة ان تفرد بالخاصيات المعدلات والخصائص المكملات، فليس إسراف الهواء في اللطافة ودوامه إلّا كإسرافه في الكثافة واتصالها فيه. والاعتدال إذا هو الكمال الفاضل والزمان العادل.
وقد ذكرت الجماعة المميزة من المادرائيين انهم كانوا لا يشمون بنواحي الري وإصبهان وقزوين وزنجان إلى سائر أمهات الجبال من بلاد همذان شيئا من روائح الصنيع المشوي والقديد، سواء كان ذلك من الثور أو البعير أو الفروج أو العصفور، إلّا اختلاسا ونزهما (؟) وذلك هو إمّا لكثافة الهواء في نفسه أو لغلظ الغذاء في جنسه.
وإنك والحق لتشهد أن تنسّمك عندنا روائح خبز المخابز البعيدة فضلا [عن] الجديدة. فما ظنك بالحيوان المشوي في التنور والصنيع المدبر بالقدور؟
وبمثل ذلك حدثني الفطن الذكي واللبيب الحسبي، إبراهيم بن أحمد المادرائي عن الهواء بمصر، الذي يمحق رائحة المسك الأذفر والكافور والعنبر كما قال غيره.
وقد علمنا أن لأهل قم الشراب الميري، ولأهل إصبهان الشاهجاني، ولأهل الري السدني، ولأهل همذان المرجاني، ولأهل قزوين الدستباني، ولأهل مصر الرساطون العسلي، ولأهل الشام الحلفي. ولكن أين فضائل هذه الأنواع جميعا لو جمعت في نوع منها من الشراب السوري والعصير البابلي والطبيخ القطربلي والمعتق الصريفيني؟
ثم رجع الكلام إلى نوعه في مصر والمصريين فنقول: فأين طرقات مصر من طرقات بغداد؟ وديارها من ديارها ورحابها من رحابها ودروبها من دروبها. وهي محال الأقذار ومزابل الطفار؟
وحدث إبراهيم بن ياسين وكان مصريا يجهّز المسك إلى مصر، إنه لا يكاد
стр. 310
يشم في محال مصر شيئا من المسك الأذفر ولا الكافور والعنبر.
وحدثني في أثر ذلك صديقي السرخسي فقال: إن طبّاخا [٤٩ ب] لنا أتى بقمامة فرماها إزاء باب دار منزلنا ببغداد فجلست لتأديبه قبالتها ودعوت بالمقارع، إذ أقبل رجل يسعى لشأن كأنما لم يخلق لغيره، فبحث القمامة بيده وأثار منها صوفا وزجاجا مكسّرا فالتقفه ومضى مبادرا. ثم أتى آخر في أثره ينحو نحوه فبحث باقيها وأثار منها قشور جوز وقشور «١» فأخذ منها وولى منطلقا. ثم تلاهما ثالث يقفو أثرهما فأثار القمامة وأخرج ما كان فيها من النوى فأخذها ومضى. ثم أقبل قمّام الحمّام فغربلها وتزود ما فيها ثم مضى. ثم أقبل آخر معه فنخل التراب فاستخرج منه شيئا فأخذه ومضى. ثم جاء أجير الحراث فكسح باقيها وكان ترابا ورمادا فأخذه ومضى. قال: فأمسكت عن ضرب الغلام وقلت: ذلك تقدير العزيز العليم.
وما حاجتنا وما حاجتك إلى الانتصار بغير العيان والتظاهر على خصمائنا بغير ما هو لنا «٢» في الزمان؟ هؤلاء المادرائيون أهلنا وأصحابنا وإخوتنا وأترابنا رؤساء مصر وسوّاسها وكتاب أعمالها وأربابها ذوو القدرة التامة والأمر النافذ والسلطان الظاهر والعز المتظاهر، يتطلّع أعظمهم قدرا وأكبرهم أمرا وأعزهم شأنا وأوسعهم سلطانا إلى قوافل الحاج ووفود المجهّزين من بغداد، حتى يستصحب لهم الخفاف الطائفية والنعال السندية والمقاريض الهيثمية والأمشاط الطاهرية والسكاكين الكتابية وكثيرا مما يصنع من الأبنوس والعاج والعام الموجود من العطر والزجاج. فما ظنك بما لا يتهيّأ حمله ولا يسهل تجهيزه ونقله؟
ولست تجد كبيرا من كبراء الأطراف ولا عظيما من عظماء ملوك النواحي كملك الديلم والطيلسان وملك السوس ومن وراء آذربيجان وسائر المتغلبين من أولياء الدولة في مشارق الأرض ومغاربها إلّا متبجحين بمن يصير إليهم ويلقاهم
стр. 311
من مدينة السلام. كائنا من كان أو يحمل إلى مواطنهم [٥٠ أ] ويغشاهم وينافسون على اصطناعه ويشاحّون على ادخاره ويغارون على اقتنائه كما يستقصون على فقدانه ويتحاسدون على وجدانه. وأحسبهم يعنون بعد المجاهدة في ذلك والمبالغة في اطلاب ذلك إلى غير المنفيين من الطباخين والمستجهلين من المتطببين والمستبردين من المغنين والمسترقين من الحناطين. فقد قنع الرئيس الأعظم والملك الأكبر من الجماعة أن يقال هذه مغنية بغدادية وعاملة عراقية وزامرة زريابية وطبّالة عتقية وعوّادة بناتية أو خريجة «١» شارية، وزنبق ورحيب ومنعم وعرفان وزاعم وبدعة، وكفاهم من ذلك أن تقول الجارية رأيت بدعة وكلّمت تحفة وسمعت جدوة، وشاهدت طيابا وأعرف زريابا. كما كفاهم أن يقولوا: ماشطة طاهرية وخازنة حريمية، وكانت ستّي فلانة الفلانية. فتلك عندهم من النعم المعدودات والذخائر المقتصدات.
ثم رجع الكلام إلى ذكر شبيه ما كنا فيه من ذكر المصريين، فلعل القوم أن يفاخرونا بالمعادن ويعازّونا بالزبرجد والدبيقي، فإن فعلوا، فأخلق بنا أن نقول إن ذلك شيء إن استجاز القوم المعازّة به في المعادن وفي الزبرجد والدبيقي، فكانوا قد دلّوا من أنفسهم على ضعف كبير وعجز مشهور. وإلّا فإن كان المعدن هو العلة لشرفهم فليس بمأمون زوال الشرف بزوال المعدن. وإن كان شرف المعدن إنما هو شرف لنفسه، كانت كل ذات معدنية ذات شرف بنفسها. وإن كان شرف الذهب شرفا لنفسه، فلا يكون الرصاص وحجر النار شريفا لنفسه. وإن كان شرف القوم إنما هو شيء هو لعلّتهم وعلّة المعدن معا، وقد وجدنا نصيب أبعدنا من المعدن كنصيب أقربنا منه وأوفر، ولست مع ذلك تجد الحدّ في ثمن المثقال من الذهب بمصر إلّا كالحدّ في قيمته بأقصى حجر بالتبر والطيلسان.
فأما معازتهم بالقصب والدبيقي [٥٠ ب] والملحم والخليجي، فقد قلنا ونقول: إن ذلك هو شيء لنا دونهم. فإنه لو وجب التطاول بذلك علينا لاستجاز
стр. 312
الحرّاثون مفاخرة أرباب الضياع، ونساجو الديباج التطاول على لابسيه. ولكان مركّب التاج بالدر والياقوت يشارك الملك الأعظم في عزه وسلطانه وفي أقصى من مكانته من شانه. حتى كون صائغ الإكليل أحق به ممن أمره ونهاه واستأجره وأعطاه. والدليل على صدقنا، أن أهل مصر لو كانوا إنما يتخذون الدبيقي ويتكلفون صنعة الملحم والتنيسي لهم ولمن هو منهم وإليهم، لهلك النسّاجون ولمات البزازون وسائر من بها من أرباب القراطيس وصناع الشمع والخيش والكرابيس.
ذلك هو القول في المجهزات جميعا من خراسان وسائر بلاد الله في جميع العمران.
ثم لا نجد بغداد عند ذلك إلّا كالجوهر القائم بنفسه، والبلدان دونها كالأعراض التي لا قوام لها إلّا بما هو أثبت بها وأغنى عنها. فالدنيا العراق والناس أهلها. والطاعنون على بغداد هم الطاعنون على اختيار الخلفاء. والطاعنون على الخلفاء، الطاعنون على الأنبياء، والطاعنون على الأنبياء هم الطاعنون على رب الأنبياء.
وحدثني القاضي إسماعيل بن إسحاق، وكفى به محدثا. ومحمد بن يزيد وكفى به مخبرا، قال: لقد كنا نلتمس بالبصرة من جيد التمور وأنواع الأرطاب فنجد ببغداد ما لم ير مثله بأنهار البصرة جميعا.
وحدثني من لا ارتياب للعقلاء في عقله ولا اشتباه عند الحكماء في فضله بعلومه وآدابه وأنسابه وإحسانه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر متمثلا في أثر كلام مرّ في غرائب بغداد فقال: تزعم العامة أن رجلا من مجهّزي القطن كان بالشام ثم وقع إلى كورة مرو من بلاد خراسان وهو لا يظن أن القطن يكون بغير الشام فاحتمل من كثرته بمرو بما فاض عن عقله واتهم معه فهمه. ثم سأل عن البلدان التي يحتمل تجهيز ذلك إليها فقيل له بغداد. فقال: وكم في الأرض من [٥١ أ] بغداد. فصدق عن القصة فقال: أظن أن أهل بغداد يأكلون القطن أو تبنى لهم به المساكن والجدران. فأقبل يريد العراق لذلك.
стр. 313
[و] أشرف من بلاد الري ونواحيها على ما لم تر عينه مثله من الأقطان أيضا وتجهيزها، فسأل فكانت القصة سواء. ثم أقبل إلى ملتقى القوافل بقرميسين فأقبلت عليه الأرض بيضاء بالأقطان فازداد حرصا على مشاهدة بلد يأكل أهله القطن ويشربونه ويبنون به دورهم.
فلما بلغ بغداد، لم يرها بنيت بالقطن ولا مصنوعة منه فقال له: ها أنت ببغداد. قال: فإذا كانت هذه بغدادكم، فأين الدنيا والآخرة؟
وقال المعروف بابن يزيد الرقي ومحمد بن نصر الدلّالان:- وهما شيخان مستوران قد أسنّا- إنّا لنركض على حميرنا في حواشي بغداد وأوساطها منذ سبعين سنة لدلالة ما يباع من المنازل والعقارات وسائر العقد والمستغلات في الليل والنهار والغدو والآصال. وإنّا لنمرّ في أيامنا بل في الزمان جميعا ببقاع ولا عهد لنا بها ودور لا معرفة لنا بشيء منها ومسالك لا تحيط بها أوهامنا ولا سلكناها قط. وكثير من الناس يقولون إن جانبي بغداد كالفرسخين، وقد غلطوا في ذلك غلطا بيّنا.
وأنشد لكاتب من أهل البندينجيين يذكر فضل بغداد ويذم مصر:
هل غاية من بعد مصر أجيئها ... للرزق من قذف المحلّ سحيق
لم يأل كم حطّت بمصر ركابه ... للرزق من ركن لديه وثيق
نادته من أقصى البلاد بذكرها ... وتعنّفته بعد بالتعويق
كم قد جشمت على المكاره دونها ... مِن كلّ مشتبه الفجاج عميق
وقطعت من عافي الصّوى متخوّفا ... ما بين هيت إلى محارم فيق
فعريش مصر هناك فالفرما إلى ... تنّيسها فدبيرة فدبيق
بحرا وبرّا قد سلكتهما إلى ... فسطاطها ومحلّ كلّ فريق
ورأيت أدنى خيرها من راغب ... أنأى لطالبه من العيّوق
قلّت منافعها فضجّ ولاتها ... وشكا التجار بها كساد السوق
стр. 314
ما إن يرى فيها العريق إذا رأى ... شيئا سوى الخيلاء والتبريق
قد فضّلوا جهلا مقطّمهم على ... بيت بمكة للإله عتيق
بمصارع لم يبق في أحداثها ... منهم صدى برّ ولا صدّيق
إن قال فاعلهم فغير موفّق ... أو قال قائلهم فغير صدوق
شيع الضلال وحزب كلّ منافق ... ومصارع للغي والتنفيق
أخلاق فرعون اللعينة فيهم ... والقول بالتشبيه والمخلوق
لولا اعتزال فيهم وترفّض ... من عصبة لدعوت بالتغريق
يا طول شوقي واتّصال صبابتي ... ودوام لوعة زفرتي وشهيقي
ذكر العراق فلم تزل أجفانه ... تهمي عليه بمائها المدفوق
ونعيم دهر أغفلت أيامنا ... بالكرخ في قصف وفي تفسيق
وينهر عيسى أو بشاطئ دجلة ... أو بالصراة إلى رحى بطريق
سقيا لتلك مغانيا ومعارفا ... عمرت بغير البخل والتضييق
ما كان أهنأه وأبعد داره ... عن أرض مصر ونيلها الممحوق
لا يبعدنّ صريم عزمك بالمنى ... ما أنت بالتنفيد بالمحقوق
فربا الرجوع إلى العراق وحلّها ... بمصر فريق بعد جمع فريق «١»
وقال أحمد بن الطيب «٢» تلميذ الكندي: مدينة السلام شريفة المكان، كثيرة الأهل، واسعة [٥٢ أ] الشكل، بعيدة القطر، جليلة الولاية نبيهة السلطان، ينبوع الآداب ومنبت الحكم. يأتيها برد الآفاق وخطباء البلاد. ما فعل فيها من خير فمشهور وما علن فيها من شر فمستور. منها الفقهاء والقضاة والأمراء والولاة.
عتاد الخلافة ودار أهل الدعوة. وإن لها لجنسا من السعادة ولأهلها نوعا من الرئاسة، وذلك أنه قلّما اجتمع اثنان متشاكلان وكان أحدهما بغداديا، إلّا كان
стр. 315
المتقدم في لطيف الفطنة وحسن الحيلة، ليّن المعاملة جميل المعاشرة حلو اللفظ مليح الحركات ظريف الشمائل.
فأما ما ينبغي أن تفهمه من عيبها وتقف عليه من مذموم أمرها فهو أن بعض ما عددت محاسنها يعود فيصير عيبا لها وقبيحا من أمرها. وذلك أن سعتها أفرطت حتى صارت مساحتها أربعة فراسخ. والذي هذه مساحته إذا كان قريبا معتدلا يحيط به حائط طوله ثمانية فراسخ. يكون ذلك أربعة وعشرين ميلا. وإذا كان هذا هكذا واحتيج إلى حراسة هذه المدينة واحتاج سلطانها التحصن فيها، فأقل ما يحتاج إليه من الحفظة وأصحاب المجانيق والعرادات في كل ميل ألف رجل يكون جملتهم على حسب ذلك أربعة وعشرين ألف رجل. فإذا لم يحفظ هذه المدينة أهلها متبرعين ذلك أو مضطرين، فأقل ما تحتاج إليه لأرزاق وحفظتها على اختلاف أحوالهم وقائد وعريف وتابع وما يحتاج إليه لمؤن المدادين في المجانيق والعرادات ومؤن الموكلين بهم والقوام ومرمّة أسلحتهم وما يتصل بذلك من أثمان الآلات ومرمتها ما يكون لو ضرب بعضه في بعض على أحسن التقديرات عشرة دراهم كل يوم. ولكل رجل زهاء مائتي ألف درهم وأربعين ألف درهم في كل يوم. فإذا أقاموا على ذلك شهرا، احتاج هؤلاء الحفظة دون المقاتلة إلى سبعة ألف ألف درهم ومائتي ألف درهم. فإن كان المتحصّن [٥٢ ب] مختلا فقد أتي من مأمنه ودخل عليه في حصنه. ولذلك ما أنفق محمد بن عبد الله بن طاهر في سنة المستعين والفتنة، زهاء مائة ألف ألف درهم على حفظ السور والمقاتلة. ولقد دخله خلل وهجم على المدينة من ناحية بغوبربا حتى ناحية السور ونقص من الإحاطة شيء له قدر. فهذا أحد العيوب أيضا. فإن الخليفة الذي رسم هذه المدينة التي يحامى عليها من الأطراف الشاسعة والثغور النائية. وإن القطب الذي عليه المدار والقبة التي ينفذ منها التدبير لمتوسطها بين أقصى المشرق وأبعد نهاية المغرب. وكذلك هي في توسط ما بين الشمال والجنوب. وذلك أن كثرة أهلها تدعو إلى شدة الحاجة، وإلى كثرة الميرة لها. ولذلك ما يحتاج أهلها إلى ميرة من أقصى ديار مصر. وبينها وبين ذلك مائة وعشرون فرسخا. ويحتاجون من البعد
стр. 316
موضع في ديار ربيعة وأشسع مكان من أعلى الموصل. وبينهم وبين أدنى تلك المواضع نحو المائة فرسخ. فلو اعترض معترض فقطع ميرة ديار ربيعة والموصل عنهم ثم كان المتحصن أفضل الأئمة عدلا فضلا عن أمير أو رئيس لاضطروا إلى إخراجه ونفيه عن جوارهم ولا سيما وهم لا يخافون لكثرة عددهم وجليل قدرهم وكثرة السلاح فيهم، وهم مستلئمون فيها. [ولهذا] السبب أيضا لا يمكن أن يتحصن بها ملك. ألا ترى إلى الملوك الذين دوّخوا البلاد وملكوا العباد، وبنوا المدن وحفروا الأنهار وعمروا الأرض وساسوا الملك وقارعوا الملوك، لما اتخذ مدينة جعل السور يحيط بالساكنين وبموضع مزدرعهم كما هو موجود بأرض بابل وبناحية سمرقند وبخارا.
وأنت [٥٣ أ] إذا ما سألت عن مدن الشرق والغرب والشمال والجنوب، وجدت الأمر على ما وصفت لك، إلّا المدن المحدثة التي بنتها العرب في الإسلام وهي الكوفة والبصرة وبغداد. ولم تؤت الملوك القدماء من قلة معرفة ولا من جهل بصواب التدبير والسياسة.
فأما واسط وسرمرى فعسكران، وذلك أن واسط بناها الحجاج منزلا لنفسه ومعسكرا لجند أهل الشام، ربأ بهم من مجاورة أهل العراق ومعاملتهم. وأهل العراق حينئذ أهل الكوفة والبصرة. ولقد أحسن في اختيار الموضع لأنه جبلي سهلي بري بحري عذب الماء طيب الهواء، يوجد فيه الثلج والرطب، والقبج والسمك. وإنما كانت واسط مدينة كسكر وجؤجؤ تحضنه المياه. وواسط على حال أجمل من سرمرى وذلك أن ابن هبيرة تحصن بحصن واسط وقد انتشرت المسودة فيما بين أقصى خراسان إلى مصر، والمنصور مقيم عليه في سادات أهل خراسان وذوي البأس والنجدة من أهلها، فما وصل إليه إلّا بعد إعطائه إياه الأمان وبذل جميع ما اشترط لنفسه.
فأما سرمرى فإن المعتصم تنحى إليها عن مدينة السلام لسببين أحدهما تبعيدا لمواليه الأتراك عن أمناء الدعوة من أهل مدينة السلام. والثاني أن ما دون عكبرا
стр. 317
وآخر ديار ربيعة إنما هو منازل الشراة. فأراد أن ينزل في وسط ديارهم فيشدّ بهم ويدفع عاديتهم.
وسر مرى ضاحية لا سور يحصنها ولا خندق يمنعها ولا ميرة تقرب منها.
وإنما يشرب جماعة من فيها من النهر الأعظم. وربما رأيتها إذا اشتد الحر والتهب الهجير واجتذم القيظ والراوية في بعض المواضع في بعض الأوقات بدرهمين وأكثر. هذا في السلم والأمن. فمن حق ما كان مثل هذه من المدن والكور أن يكون سكانها شجعانا انجادا أبطالا يحمون أنفسهم ويدفعون عن [٥٣ ب] حوزتهم معاقلهم السيوف وتجارتهم الحروب. وإلّا فإن أناخ عليها منيخ واعتمد على من فيها بكلكله ما كان إلّا بمنزلة من يحرض بريبة وينازع بخروج نفسه، وليس هكذا أهل بغداد. لأن لهم آبارا يستعذبون ماءها ويستغنون عن نهرهم الأعظم بها.
ولكن من جميل أمر بغداد أن السلطان آمن من أن يغلب عليها رئيس لبعض الآراء، كغلبة الطالبين كثيرا بالشيعة على أهل الكوفة، وذلك أن ببغداد من مخالفي الشيعة من يقرن بالشيعة، وبها من مخالفي المعتزلة من يقرن بالمعتزلة. وبها من مخالفي الخوارج من يقرن بالخوارج. فكل فريق يقاوم ضده ويدفعه عن أن يرئسه.
فقد تركوا الرئاسة للسلطان وربحوا تسليط الفناء والتفاني بالحرب. ولكنه ربما عرضت الآفات وهجمتهم، وذلك أنه إذا اتصلت المكاره عليهم ودام فيهم جور الولاة وعوملوا من التعنت وطلب الرشى ما لا يحتمله إلّا الذليل وذو العدة القليل تهايجوا وفزعوا إلى التطوع فحدث منهم مثل الذي حدث عند خروجهم مع سهل بن سلامة «١» في أرباض الحربية. فإنه اجتمع لما تطوّع ودعا إلى إنكار المنكر، زهاء خمسمائة ألف إنسان، وكما هاجوا عند تأذيهم بمحمد بن أوس وصعاليكه القادمين مع سليمان بن عبد الله «٢» . فإن الصعاليك لما أسرفوا في الفسق
стр. 318
والفجور، تهايجوا من جانبي مدينة السلام قاصدين منزل محمد بن أوس. فلقد كنت منصرفا في ذلك الوقت من جانب الغربي أريد الجانب الشرقي فوقفت موقفا أتبين فيه من يعدو من الجانب الغربي يريد منزل ابن أوس، واحترست من الإسراف، وظننت أن من عبر إلى أن انصرف بالغنيمة والنهب أكثر من مائتي ألف إنسان. فهذا مما ينبغي أن تعتقده في هذه المدينة.
فأما القطع [٥٤ أ] الذي مدينة السلام منه، فأفضل مواضع الأرض جميعا في الطيب والغذاء. وذلك أن أطيب حيّز الدنيا بعد الأمن والعافية والعز والسلامة والرئاسة والشرف، صلاح الماء والهواء. فأفضل أنهار هذا العالم وأعذبه ماء وأصحه هواء وأكثره خيرا، دجلة والفرات. وذلك أن الفرات يسيل إلى بغداد بجميع الشام وسواحل بحر الروم ومصر وما وراء مصر إلى المغرب، وما بين المغرب ونهاية العمران في الشمال وما يأتي به أيضا من قطع بحر الشام عرضا، حتى قرب من جزيرة نيطس وقسطنطينية. لأن الروم والأندلس والخزر والصقالبة والبربر على هذا البحر فهو يقطع عرضا فيحمل الخزر من شماله إلى جنوبه، ويحمل الأندلس من جنوبه إلى شماله. ولذلك نعجب أن يؤتي بسبي الأندلس في دجلة، والخزر في الفرات.
وهذا البحر من أنطاكية إلى جزائر السعادة ومنه خليج يخرج مما يلي الأندلس حتى يبلغ السوس الأقصى، ويصير من ناحية أنطاكية إلى ناحية قسطنطينية ثم يدور حتى الخزر. وعلى ساحل هذا البحر طرسوس والمصيصة وأطرابلس وصيدا ويافا وعسقلان والإسكندرية. وعليه من ناحية قصر دمياط والفرما. وفيه قبرس وصقلية. فكلما على هذا البحر أو وصل إليه أو قرب منه فصار في جنوبه، وأريد به العراق مما يلي ديار مضر، فطريقه في الفرات، وكلما كان في شماله وعدل به إلى ناحية ديار ربيعة وبلاد الموصل وأريد به العراق فطريقه في دجلة، ولدجلة أنهار تأتي فكلما قصد به بلاد الموصل من أرمينية وآذربيجان.
стр. 319
والفرات ودجلة جميعا يتصلان ببحر الحبشة الذي له ذنب مما يلي العراق من ناحية الأبلة. والأبلة أشد مواضع البحر دخولا في الشمال، والأبلة كأنها راوية لهذا الذنب ويمرّ الماء على شكل مثلث يتسع كلما بعد من الزاوية التي تلي الأبلّة حتى يهجم على معظم البحر. ولهذا الذنب ساحلان وهما الضفتان يخرجان من الزاوية [٥٤ ب] ويتسع بعدهما كلما طال امتدادهما، فأحد هذين الساحلين يقال له الأهوازي الفارسي، وهو الذي عليه دورق وماهرويان وجناباد وسينيز وسيراف وتيز ومكران والديبل، والساحل الآخر يعرف بالعربي وهو الذي عليه اليمامة وعمان ومهرة والشحر. وهذا البحر متصل بالصين.
فدجلة والفرات يتصلان بالبطائح ويتصلان منهما بالأبلة ومن الأبلة يركب العراقيون في هذا البحر، فمن هذين النهرين خيرات أكثر الشرق والغرب والشمال والجنوب.
وقال ابن عباس: أوحى الله إلى دانيال الأكبر أن افجر لعبادي نهرين واجعل مغيضهما البحر، فقد أمرت الأرض أن تطيعك. فأخذ خشبة وجعل يجرها في الأرض والماء يتبعه، فكلما مرّ بأرض يتيم أو أرملة أو شيخ كبير ناشدوه الله فيحيد عنهم، فعواقيل دجلة والفرات من ذلك.
ومبتدأ دجلة من أرمينية الرابعة ثم تمر إلى جانب قردى وهي قرية الثمانين التي بناها نوح ﵇، ثم تمر بين [باسورين] «١» ثم تأخذ على بلد والموصل والحديثة والسن وتكريت وسرمرى، تصب في البطيحة حيث يغيض الفرات فيجتمعان ويمران بالبصرة ثم الأبلة ثم يصيران إلى البحر.
ومخرج دجلة من جبال آمد، ومخرج الفرات من بلد الروم، حتى يصب في دجلة. وبين بغداد وواسط يتشعب شعبا كثيرة إلّا أن عموده يمضي حتى يغيب بالكوفة ويصب مما يلي جنبلاء في البطيحة. وليس عمود الذي يصب بالبطيحة يأتي بخير من بحر الحبشة الذي مرقاه الأبلة، ولكن بسعته التي تتعرج من عموده () «٢» ويأخذ في
стр. 320
نهر الرفيل، ويأتي إلى المحول ونهر عيسى ويصب في دجلة بكرخ بغداد، فما ركب هذين البحرين أو جاورهما فهم أهل الماء العذب والهواء العدي.
وأخبرني بشيء عجيب تذكره العلماء على وجه الدهر، وذلك أنهم يقولون إن أقام الغريب ببلد الموصل تبين في [٥٥ أ] بدنه فضل قوة، وإذا أقام الغريب بالأهواز سنة تبين في بدنه وعقله نقصا. وإن الغريب إذا أقام بالتبت سنة دام سروره واتصل فرحه. وما نعرف لجميع ما قلنا سببا إلّا لصحة هواء الموصل وعذوبة مائها، ولرداءة نسيم الأهواز وتكدر جوّه. فأمّا علة التبت فغير معلومة.
وقال لي علي بن الجهم إنه قد سافر أسفارا أبعد فيها، مشرقية ومغربية، وانه ألزم نفسه العناية يتعرف طيب الهواء وعذوبة الماء. فلم ير موضعا أجمع للتمام في ذلك من أرباض مدينة السلام في الجانب الغربي.
وقد ظننت أن علي بن الجهم أفرط في هذا القول بالعصبية لحب الأوطان.
إذ كانت هذه الناحية منزله. ولقد كنت أفكر كثيرا في نزول الملوك المدائن من أرض الفرات ودجلة، فوقفت على أنهم توسطوا مصب الفرات ودجلة.
هذا على أن الإسكندر لما سار في الأرض ودانت له الأمم وبنى المدن العظام في المشرق والمغرب، رجع إلى المدائن وبنى فيها مدينة وسوّرها، وهي إلى هذا الوقت موجودة الأثر، وأقام بها راغبا عن بقاع الأرض جميعا وعن بلاده وطنا حتى مات.
وقد كان [بنى] بخراسان العليا سمرقند ومدينة الصغد وبخراسان السفلى مرو وهراة. ثم بالمغرب الإسكندرية، وبنى بالهند سرنديب. وبناحية إصبهان جيّ، وبنى مدنا أخر كثيرة حول الأرض فلم يختر منزلا إلّا المدائن، وإنما سميت المدائن المدينة العتيقة لأن زاب الملك الذي بعد موسى ﵇ أنشأها بعد ثلاثين سنة من ملكه. وحفر الزوابي وكورها وجعل المدينة العظمى المدينة العتيقة.
يقول العجم: إن الضحاك الملك الذي كان له بزعمهم ثلاثة أفواه وست
следующие страницы →