Полный текст (760 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
شَهِدْتُ بأَنّ وَعْدَ اللهِ حَق ... وَأَنّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرينَا
وَأنَّ الْعَرْش فَوْقَ المَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَ
وَتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدَادٌ ... مَلائِكَةُ الإلهِ مُسَوَّمِينَا
فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصرى. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه.
قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة.
ويذكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض، كيف يكذب؟.
ودعى أبو هريرة رضى الله عنه إلى طعام فقال: "إنى صائم ثم رأوه يأكل. فقالوا: ألم تقل: إنى صائم. فقال: ألم يقل رسول الله ﵌: "صِيامَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهرِ".
وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شئ معه، قال: أعطيك فى أحد اليومين إن شاء الله تعالى. فيظن أنه أراد يومه والذى يليه، وإنما أراد يومى الدنيا والآخرة.
وذكر الأعمش عن إبراهيم أنه قال له رجل: إن فلاناً أمرنى أن آتى مكان كذا وكذا وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ فقال له: قل والله ما أبصر إلا ما سددنى غيرى، يعنى إلا ما أبصرك ربك.
وقال حماد عن إبراهيم فى رجل أخذه رجل، فقال: إن لى معك حقاً. فقال: لا. فقال: احلف بالمشى إلى بيت الله، فقال احلف بالمشى إلى بيت الله واعن مسجد حَيِّك.
وذكر هشام بن حسان عن ابن سيرين أن رجلاً كان يصيب بالعين، فرأى بغلة شريح فأراد أن يعينها ففطن له شريح. فقال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام. فقال الرجل: أف أف. وسلمت بغلته. وإنما أراد: أن الله هو الذى يقيمها.
وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه سئل عن الرجل يبلغه عن الرجل الشيء يقوله فيه: فيسأله عنه، فقال: قل: والله إن الله ليعلم ما من ذلك من شيئ، يعنى ب"ما": الذى.
стр. 387
وقال عقبة بن المعيرة: كنا نأتى إبراهيم وهو خائف من الحجاج فكنا إذا خرجنا من عنده يقول: إن سئلتم عنى وحلفتم، فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا. ولا لنا به علم ولا فى أى موضع هو. واعنوا أنكم لا تدرون أى موضع أنا فيه قائم أو قاعد، وقد صدقتم.
وجاءه رجل فقال: إنى اعترضت على دابة فنفقت فأخذت غيرها، ويريدون أن يحلفونى أنها الدابة التى اعترضت عليها؟ فقال: اركبها واعترض عليها على بطنك راكناً. ثم احلف أنها الدابة التى اعترضت عليها.
وقال أبو عوانة عن أبى مسكين: كنت عند إبراهيم، وامرأته تعاتبه فى جارية له، وبيده مروحة، فقال: أشهدكم أنها لها، فلما خرجنا قال: علام شهدتم؟ قلنا: شهدنا أنك جعلت الجارية لها. قال: أما رأيتمونى أشير إلى المروحة؟ إنما قلت لكم: اشهدوا أنها لها، وأنا أعنى المروحة.
وقال محمد بن الحسن عن عمر بن ذر عن الشعبى: من حلف على يمين لا يستثنى، فالبر والإثم فيها على علمه. قلت: ما تقول فى الحيل؟ قال: لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز، وإنما الحيل شئ يتخلص به الرجل من الحرام، ويخرج به إلى الحلال. فما كان من هذا ونحوه، فلا بأس به، وإنما نكره من ذلك أن يحتال الرجل فى حق لرجل حتى يبطله، أو يحتال فى باطل حتى يموهه، أو يحتال فى شئ حتى يدخل فيه شبهة، وأما ما كان على السبيل الذى قلنا فلا بأس بذلك.
وكان حماد ﵀ إذا جاءه من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه ثم قال: ضرسى، ضرسى.
ووجه الرشيد إلى شريك رجلاً ليحضره، فسأله شريك أن ينصرف ويدافع بحضوره، ففعل. فحبسه الرشيد، ثم أرسل إليه رسولاً آخر فأحضره، وسأله عن تخلفه لما جاءه رسوله. فحلف له بالأيمان المغلظة أنه ما رأى الرسول فى اليوم الذى أرسله فيه، وعنى بذلك الرسول الثانى، فصدقه، وأمر بإطلاق الرجل.
وأحضر الثورى إلى مجلس المهدى فأراد أن يقوم فمنع، فحلف بالله أنه يعود، فترك نعله وخرج ثم رجع فلبسها ولم يعد، فقال المهدى: ألم يحلف أنه يعود؟ فقالوا:
стр. 388
إنه عاد فأخذ نعله.
قالوا: وليس مذهب من مذاهب الأئمة المتبوعين إلا وقد تضمن كثيرا من مسائل الحيل.
فأبعد الناس عن القول بها مالك، وأحمد، وقد سئل أحمد عن المروزى وهو عنده، ولم يرد أن يخرج إلى السائل، فوضع أحمد إصبعه فى كفه، وقال: ليس المروزى هاهنا. وماذا يصنع المروزى هاهنا؟،.
وقد سئل أحمد عن رجل حلف بالطلاق ليطأن امرأته فى نهار رمضان، فقال يسافر بها ويطؤها فى السفر.
وقال صاحب المستوعب: وجدت بخط شيخنا أبى حكيم: حكى أن رجلاً سأل أحمد عن رجل حلف أن لا يفطر فى رمضان؟ فقال له: اذهب إلى بشر ابن الوليد، فاسأله ثم ائتنى فأخبرنى، فذهب فسأله، فقال له بشر: إذا أفطر أهلك فاقعد معهم ولا تفطر، فإذا كان وقت السحر، فكل، واحتج بقول النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ المبَارَكِ" فاستحسنه أحمد.
قالوا: وقد علم الله سبحانه نبيه يوسف ﵇ الحيلة التى توصل بها إلى أخذ أخيه، بإظهار أنه سارق ووضع الصواع فى رحله، ولم يكن كذلك حقيقة. لكن أظهر ذلك توصلاً إلى أخذ أخيه وجعله عنده. وأجزه الله سبحانه أن ذلك كيد، كاده سبحانه ليوسف، ليأخذ أخاه، ثم أخبر أن ذلك من العلم الذى رفع به درجات من يشاء، وأن الناس متفاوتون فيه. فوق كل ذى علم عليم.
فصل
قال منكرو الحيل:
الحيل ثلاثة أنواع:
نوع هو قربة وطاعة، وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى.
ونوع هو جائز مباح، لا حرج على فاعله، ولا على تاركه تركه، وترجح فعله على تركه أو عكس ذلك تابع لمصلحته.
стр. 389
ونوع هو محرم ومخادعة لله تعالى ورسوله، متضمن لإسقاط ما أوجبه، وإبطال ما شرعه، وتحليل ما حرمه. وإنكار السلف والأئمة، وأهل الحديث إنما هو لهذا النوع.
فإن الحيلة لا تذم مطلقاً، ولا تحمد مطلقاً، ولفظها لا يشعر بمدح ولا ذم، وإن غلب فى العرف إطلاقها على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة.
وأخص من هذا: تخصيصها بما يذم من ذلك، وهذا هو الغالب على عرف الفقهاء المنكرين للحيل، فإن أهل العرف لهم تصرف فى تخصيص الألفاظ العامة ببعض موضوعاتها وتقييد مطلقها ببعض أنواعه.
فإن الحيلة فعلة، من الحول، وهو التصرف من حال إلى حال، وهى من ذوات الواو، وأصلها "حولة" فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فقلبت ياء، كميزان، وميقات، وميعاد.
قال فى المحكَم: الحْولُ، والحَيلْ، والحِوَلُ، والحَوْلة، والحِيلة، والحوِيل، والمحالة، والمحال، والاحتيال، والتَّحوُّل، والتَّحيُّل: كل ذلك: الحذق، وجودة النظر، والقدرة على وجه التصرف. قال: والحول والحيل، والحيلات: جمع حيلة، ورجل حُوَل، وحُوَلةَ، وحول، وحُوَّلة، وحوالى، وحولول، وحُوَّلى: شديد الاحتيال. وما أحوله وأحيله، وهو أحول منك، وأحيل، انتهى.
فالحيلة: فعلة من الحول، وهو التحول من حال إلى حال، وكل من حاول أمراً يريد فعله أو الخلاص منه، فما يحاوله به حيلة يتوصل بها إليه.
فالحيلة: معتبرة بالأمر المحتال بها عليه إطلاقاً ومنعا ومصلحة ومفسدة وطاعة ومعصية. فإن كان المقصود أمرا حسناً كانت الحيلة حسنة. وإن كان قبيحاً كانت الحيلة قبيحة. وإن كان طاعة وقربة كانت الحيلة عليه كذلك. وإن كانت معصية وفسوقاً كانت الحيلة عليه كذلك.
ولما قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا تَرْتَكبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا محَاَرِمَ اللهِ تَعَالَى بِأَدْنَى الْحِيلِ".
صارت فى عرف الفقهاء إذا أطلقت: يقصد بها الحيل التى تستحل بها المحارم كحيل اليهود. وكل حيلة تتضمن إسقاط حق لله تعالى أو لآدمى، فهى مما يستحل بها المحارم.
стр. 390
ونظير ذلك: لفظ الخداع، فإنه ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن كان بحق فهو محمود، وإن كان بباطل فهو مذموم.
ومن النوع المحمود: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "الحرب خدعة" وقوله فى الحديث الذى رواه الترمذى وغيره:
"كُلُّ الْكَذِبِ يُكْتَبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ، إِلا ثَلاثَ خِصَالٍ: رَجُل كَذَبَ عَلَى امْرَأَتِهِ لِيُرْضِيَهَا، وَرَجُلٌ كَذَبَ بَيْنَ اُثْنَيْنِ لِيُصْلِجَ بَيْنَهُمَا، وَرَجُلٌ كَذَبَ فى خِدْعَةِ حَرْبٍ.
ومن النوع المذموم قوله فى حديث عياض بن جمار، الذى رواه مسلم فى صحيحه: "أَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ، ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلاً لا يُصْبِحُ وَلا يُمْسِى إِلا وَهْوَ يَخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمِالِكَ".
وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] .
ومن النوع المحمود: خدع كعب بن الأشراف وأبى رافع، عَدُوَّى رسول الله
стр. 391
صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، حتى قتلا، وقتل خالد بن سفيان الهذلى.
ومن أحسن ذلك: خديعة معبد بن أبى معبد الخزاعى لأبى سفيان وعسكر المشركين حين هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، وردهم من فورهم.
ومن ذلك: خديعة نعيم بن مسعود الأشجعى ليهود بنى قريظة، ولكفار قريش والأحزاب،
стр. 392
حتى ألقى الخلْف بينهم، وكان سبب تفرقهم ورجوعهم. ونظائر ذلك كثيرة.
وكذلك المكر، ينقسم إلى محمود ومذموم. فإن حقيقته إظهار أمر وإخفاء خلافه ليتوصل به إلى مراده.
فمن المحمود: مكره تعالى بأهل المكر، مقابلة لهم بفعلهم، وجزاء لهم بجنس عملهم.
قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ والله خَيْرُ الْمَاكِرينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقال تعالى ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُون﴾ [النمل: ٥٠] .
وكذلك الكيد ينقسم إلى نوعين. قال تعالى: ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ إٍنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] وقال تعالى: ﴿كَذلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ المَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [يوسف: ٧٦] وقال تعالى ﴿إنَّهُمْ يَكِيدُونّ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق: ١٥-١٦] .
فصل
إذا عرف ذلك فلا إشكال أنه يجوز للإنسان أن يظهر قولاً أو فعلاً مقصوده به مقصود صالح وإن كان ظاهره خلاف ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية، مثل دفع الظلم عن نفسه أو غيره، أو إبطال حيلة محرمة.
وإنما المحرم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعها الله تعالى ورسوله له. فيصير مخادعاً لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، كائداً لدينه، ماكراً بشرعه، فإن مقصوده حصول الشئ الذى حرمه الله تعالى ورسوله بتلك الحيلة، وإسقاط الذى أوجبه بتلك الحيلة.
стр. 393
وهذا ضد الذى قبله. فإن ذلك مقصوده التوصل إلى إظهار دين الله تعالى. ودفع معصيته، وإبطال الظلم وإزالة المنكر. فهذا لون، وذاك لون آخر.
ومثال ذلك: التأويل فى اليمين، فإنه نوعان: نوع لا ينفعه، ولا يخلصه من الإثم وذلك إذا كان الحق عليه فجحده، ثم حلف على إنكاره متأولا، فإن تأويله لا يسقط عنه إثم اليمين الغموس، والنية للمستحلف فى ذلك باتفاق المسلمين، بل لو تأول من غير حاجة لم ينفعه ذلك عند الأكثرين.
وأما المظلوم المحتاج فإنه ينفعه تأويله، ويخلصه من الإثم، وتكون اليمين على نيته.
فإذا استحلفه ظالم بأيمان البيعة، أو أيمان المسلمين فتأول الأيمان بجمع يمين وهى اليد أو حلفه بأن كل امرأة له طالق فتأول أنها طالق من وثاق، أو طالق عند الولادة أو طالق من غيرى ونحو ذلك.
أو استحلفه بأن كل مملوك له حر أو عتيق، فتأول أنه عتيق أو كريم، من قولهم: فرس عتيق.
أو استحلفه بأن تكون امرأته عليه كظهر أمه، فتأول ظهر أمه بمركوبها، فإن ضيق عليه وألزمه أن يقول: إنه مظاهر من امرأته، تأول بأنه قد ظاهر بين ثوبين، أو جبتين من عند امرأته.
وإن استحلفه بالحرام، تأول أن الحرام الذى حرمه الله تعالى عليه يلزمه تحريمه، فإن ضيق عليه بأن يلزمه أن يقول: الحرام يلزمنى من زوجتى، أو أن تكون على حراماً، قيد ذلك بنية: إذا أحرمت، أو صامت، أو قامت إلى الصلاة، ونحو ذلك.
وإن استحلفه بأن كل ماله، أو كل ما يملكه صدقة، تأول بأنه صدقة من الله عليه.
وإن قال له: قل: وإن جميع ما أملكه: من دار وعقار وضيعة وقف على المساكين، تأول الفعل المضارع بما يملكه فى المستقبل، بعد كذا وكذا سنة.
فإن ضيق عليه، وقال قل: جميع ما هو جار فى ملكى الآن، نوى إضافة الملك إلى
стр. 394
الآن، لا إلى نفسه، والآن لا يملك شيئاً، فإن قال: مما هو فى ملكى فى هذا الوقت يكون وقفاً، أخرج معنى لفظ الوقف عن المعهود إلى معنى آخر، والعرب تسمى سوار العاج وقفاً.
وإن استحلفه بالمشى إلى بيت الله، نوى مسجداً من مساجد المسلمين.
فإن قال قل: على الحج إلى بيت الله، نوى بالحج القصد إلى المسجد. فإن قال: إلى البيت العتيق، نوى المسجد القديم، فإن قال: البيت الحرام، نوى الحرام هدمه واتخاذه دار أو حماماً ونحو ذلك.
وإن استحلفه بالأمانة، نوى بها الوديعة، أو اللقطة، ونحو ذلك.
وإن استحلفه بصوم سنة، نوى بالصوم الإمساك عن كلام يمكنه الإمساك عنه سنة أو دائما.
هذا كله فى المحلوف به.
وأما المحلوف عليه، فيجرى هذا المجرى.
فإذا استحلفه: ما رأيت فلانا، نوى ما ضربت رئته. أو ما كلمته، نوى ما جرحته. أو ما عاشرته ولا خالطته، نوى بالمعاشرة والمخالطة معاشرة الزوجة والسرية. أو ما بايعته ولا شاريته، نوى بذلك ما بايعته بيعة اليمين، ولا شاريته من المشاراة، وهى اللجاج أو الغضب، تقول: شرى، على مثال علم، إذا لج أو استشاط غضباً.
وإن استحلفه لص أنه لا يدل عليه، ولا يعلم به ولا يخبر به أحداً، نوى أنه لا يفعل ذلك مادام معه. وإن ضيق عليه وقال: ما عاش، أو ما بقى، أو مادام فى هذه البلدة، نوى قطع الظرف عما قبله، وأن لا يكون متعلقاً به، أو نوى بما: الذى، أى لا أدل عليك الذى عاش أو بقى بعد أخذك.
وإن استحلفه أن لا يطأ زوجته نوى وطأها برجله.
وإن استحلفه أن لا يتزوج فلانة، نوى أن لا يتزوجها نكاحاً فاسداً.
وكذلك إذا استحلفه أن لا يبيع كذا، أو لا يشتريه، أو لا يؤجره، ونحو ذلك.
وكذلك إذا استحلفه أن لا يدخل هذه الدار أو البلد أو المحلة، قيد الدخول بنوع معين بالنية.
стр. 395
وكذلك لو استحلفه: أنك لا تعلم أين فلان؟ نوى مكانه الخاص من داره، أو بلده أو سوقه.
ولو استحلفه: أنه ليس عنده فى داره، نوى أنه ليس عنده إذا خرج من الدار. فإن ضيق عليه، وقال: الآن، نوى أنه ليس حاضراً معه الآن، وقد بر وصدق.
وإن استحلفه ليس لى به علم، نوى أنه ليس لى علم بسره وما ينطوى عليه، وما يضمره، أو ليس لى علم به على جهة التفصيل، فإن هذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وحده.
فصل
وللمظلوم المستحلف مخرجان يتخلص بهما: مخرج بالتأويل حال الحلف. فإن فاته فله مخرج يتخلص به بعده إن أمكنه، كما إذا استحلفه قطاع الطريق أو اللصوص أن لا يخبر بهم أحداً. فالحيلة فى ذلك أن يجمع الوالى المتهمين، ثم يسأله عن واحد واحد، فيبرئ البرئ، ويسكت عن المتهم، وهذا المخرج أضيق من الأول.
فإذا استحلفه ظالم أن لا يشكو غريمه، ولا يطالبه بحقه، فحلف ولم يتأول أحال عليه بذلك الحق من يطالبه به، ولم يحنث فى يمينه.
وإذا استحلفه ظالم أن يبيعه شيئاً، فله أن يملكه زوجته أو ولده، فإذا باعه بعد فلك كان قد بر فى يمينه، ويمنع من تسليمه مَن مَلَّكه إياه.
стр. 396
المجلد الثاني
الثالث عشر (تابع)
...
فصل
وللحيل التى يتخلص بها من مكر غيره والغدر به أمثلة:
المثال الأول: إن استأجر منه أرضاً أو بستاناً أو دارا سنين، ثم لا يأمن من مكره إذا صلحت الأرض والبستان، بنوع من أنواع المكر والغدر، ولو لم يكن إلا بأن يدعى أن أجرة المثل فى هذه الحال أكثر مما سمى.
فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يسمى لكل سنة أجراً معلوماً، ويجعل أجرة السنين المتأخرة معظم الأجرة، وأقلها للسنين الأول، فلا يسهل عليه المكر بعد ذلك. وعكسه إذا خاف المؤجر مكر المستأجر وغدره فى المستقبل جعل معظم الأجرة فى السنين الأول، وأقلها فى الأواخر.
المثال الثانى: أن يخاف المؤجر غيبة المستأجر، فلا يتمكن من مطالبة امرأته بالأجرة، ولا من إخراجها.
فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يؤجرها رب الدار من المرأة. فإن دخل عليه تعذر مطالبتها بالأجرة، ضمن الزوج الأجرة أو أخذ بها رهنا. فإن كان قد أجرها من الزوج، وخاف غيبته أشهد على إقرار المرأة أن الدار له، وأنها فى يدها بحكم إجارة الزوج إلى مدة كذا وكذا، وإن كفل المرأة وقت العقد أنها تردّ إليه الدار عند انقضاء المدة نفعه ذلك.
المثال الثالث: أن يخاف المستأجر أن يزاد عليه فى الأجرة، ويفسخ عقده، إما بكون العين المؤجرة وقفا عند من يرى ذلك، أو يتحيل عليه، حتى يبطل عقده.
стр. 397
فالحيلة فى أمنه وتخليصه: أن يسمى للأجرة أكثر مما اتفقا عليه، ثم يصارفه عليه بقدر المسمى ويدفعه إليه، ويشهد عليه أنه قبض المسمى الذى وقع عليه العقد. فإذا مكر به وطلب فسخ عقده طالبه بما قبضه من المسمى. هذا إذا تعذر عليه رفع تلك الإجارة إلى حاكم يحكم بلزومها، وعدم فسخها للزيادة.
المثال الرابع: أن يخاف أن يؤجره مالا يملك، فيأبى المالك ويفسخ العقد، ويرجع عليه بالأجرة. فالحيلة فى تخليصه: أن يضمن المؤجر درك العين المستأجرة، وإن ضمن من يخاف منه الاستحقاق ومطالبته كان أقوى.
المثال الخامس: أن يخاف فَلَس المستأجر ولم يجد من يضمنه الأجرة.
فالحيلة فى فسخه: أن يشهد عليه فى العقد أنه متى تعذر عليه القيام بأجرة شهر أو سنة فله الفسخ. ويصح هذا الشرط ولو لم يشرط ذلك. فإنه يملك الفسخ عند تعذر قبض أجرة ذلك الشهر، أو السنة، ويكون حدوث الفلس عيبا فى الذمة يتمكن به من الفسخ. كما يكون حدوث العيب فى العين المستأجرة مسوّغاً للفسخ. وهذا ظاهر إذا سمى لكل شهر أو سنة قسطاً معلوماً. ولا يعين مقدار المدة، بل يقول آجرتك كل سنة بكذا، أو كل شهر بكذا، تقوم لى بالأجرة فى أول الشهر أو السنة، فإن أفلس قبل مضى شئ من المدة ملك المؤجر الفسخ. وإن أفلس بعد مضى شئ منها، فهل يملك الفسخ؟ على وجهين:
أحدهما: لا يملكه. لأن مضى بعضها كتلف بعض المبيع، وهو يمنع الرجوع.
والثانى: يملكه. وهو قول القاضى. وهو الصحيح، لأنَّ المنافع إنما تملك شيئاً فشيئاً بخلاف الأعيان فإنها تملك فى آن واحد. فيتعذر تجدد العقد عند تجدد المنافع.
المثال السادس: إذا خاف المستأجر أن تنهدم الدار فيعمرها، فلا يحتسب له المؤجر بما أنفق فى ذلك.
فالحيلة فى ذلك: أن يقول وقت العقد: وأذن المؤجر للمستأجر أن يعمر ما تحتاج
стр. 398
الدار إلى عمارته من أجرتها، ويقدر لذلك قدراً معلوما. فيقول، مثلا: بمائة فما دونها، أو يقول: من عشرة إلى مائة. فإن لم يفعل ذلك واحتاجت إلى عمارة لا يتم الانتفاع إلا بها، أشهد على ذلك وعلى ما أنفق عليها، وأنه غير متبرع به، وحسب له من الأجرة.
وكذلك إذا استأجر منه دابة، واحتاجت إلى علف وخاف أن لا يحتسب له به المؤجر فعل مثل ذلك. فإن قال: أذنت لك أن تنفق على الدار، أو الدابة ما تحتاج إليه، فادعى قدراً وأنكره المؤجر. فالقول قول المؤجر.
والحيلة فى قبول المستأجر: أن يسلف رب الدار ما يعلم أنها تحتاج إليه من العمارة، ويشهد عليه بقبضه من الأجرة ثم يدفعها إليه، ويوكله أن ينفق منه على الدار أو الدابة ما تحتاج إليه، فالقول حينئذ قوله لأنه أمين. فإن خاف المؤجر أن يستهلك المستأجر المال الذى قبضه ويقول إنه تلف، وهو أمانة، فلا يلزمنى ضمانه، فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يقرضه إياه، ويجعله فى ذمته، ثم يوكله أن ينفق على العين ما تحتاج إليه من ذلك.
المثال السابع: إذا آجره دابة، أو داراً مدة معلومة، وخاف أن يحبسها عنه بعد انقضاء المدة.
فطريق التخلص من ذلك: أن يقول: فإذا انقضت المدة فأجرتها بعدها لكل يوم دينار أو نحوه، فلا يسهل عليه حبسها بعد انقضاء المدة.
المثال الثامن: إذا كان له عليه دين فقال: اشتر له به كذا وكذا ففعل، لم يبرأ من الدين بذلك لأنه لا يكون مبرئاً لنفسه من دين الغير بفعله.
وطريق التخلص: أن يشهد على إقرار رب الدين أن من عليه الدين برئ منه بعد شرائه لمستحقه كذا وكذا، والقياس أنه يبرأ بالشراء وإن لم يفعل ذلك، لأنه بتوكيله له قد أقامه مقام نفسه، فكما قام مقامه فى التصرف قام مقامه فى الإبراء. فهو لم يبرأ بفعل نفسه لنفسه، وإنما برئ بفعله لموكله القائم مقام فعل الموكل.
المثال التاسع: إذا أراد أن يستأجر إلى مكان بأجرة معلومة. فإن لم يبلغه وأقام دونه فالأجرة كذا وكذا، فقالوا: لا يصح العقد. لأنا لا نعلم على أى المسافتين وقع العقد.
стр. 399
قالوا: والحيلة فى تصحيحه: أن يسمى للمكان الأقرب أجرة، ثم يسمى منه إلى المكان الأبعد أجرة أخرى. فيقول مثلا: آجرتك إلى الرملة بمائة، ومن الرملة إلى مصر بمائة. لكن لا يأمن المستأجر مطالبة المؤجر له بالأجرة إلى المكان الأقصى، ويكون قد أقام فى المكان الأقرب. فالحيلة فى تخلصه: أن يشترط عليه الخيار فى العقد الثانى. إن شاء أمضاه، وإنْ شاء فسخه. ويصح اشتراط الخيار فى عقد الإجارة، إذا كانت على مدة لا تلى العقد. والقياس يقتضى صحة الإجارة على أنه إن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مائة. وإن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مائتان. ولا غرر فى ذلك، ولا جهالة. وكذا إذا قال: إن خطت هذا الثوب رومياً. فلك درهم، وإن خطته فارسياً، فلك نصف درهم، إنما يقع على وجه واحد. وكذلك قطع المسافة، فإنه إما أن يقطع القريبة أو البعيدة، فلا يشبه هذا قوله: بعتكه بعشرة نقداً، أو بعشرين نسيئة. فإنه إذا أخذه لا يدرى بأى الثمنين أخذ. فيقع التنازع، ولا سبيل لنا إلى العلم بالمعين منهما. بخلاف عقد الإجارة، فإن استيفاء المعقود عليه لا يقع إلا معينا، فيجب أجرة عمله.
المثال العاشر: إذا زرع أرضه. ثم أراد أن يؤجرها، والزرع قائم لم يجز، لتعذر انتفاع المستأجر بالأرض.
طريق تصحيحها: أن يبيعه الزرع، ثم يؤجره الأرض، فإن أحب بقاء الزرع على ملكه قدر لكماله مدة معينة. ثم أجره الأرض بعد تلك المدة إجارة مضافة. فإن خاف أن يفسخ عليه العقد حاكم يرى بطلان هذه الإجارة، فالحيلة: أن يبيعه الزرع، ثم يؤجره الأرض، فإذا تم العقد اشترى منه الزرع، فعاد الزرع إلى ملكه، وصحت الإجارة.
المثال الحادى عشر: إذا أراد أن يؤجر الأرض على أن خراجها على المستأجر. لم يصح،
стр. 400
لأن الخراج تابع لرقبة الأرض، فهو على مالكها، لا على المنتفع بها: من مستأجر، أو مستعير.
وطريق الجواز: أن يؤجره إياها بأجرة زائدة على أجر مثلها بقدر خراجها، ثم يشهد عليه أنه قد أذن للمستأجر أن يدفع من أجرة الأرض فى الخراج كل سنة كذا وكذا. وكذلك لو استأجر دابة على أن يكون علفها على المستأجر لم يصح. وطريق الحيلة: أن يستأجرها بشيء مسمى، ثم يقدر له ما تحتاج إليه الدابة، ويوكله فى إنفاقه عليها. والقياس يقتضى صحة العقد بدون ذلك، فإنَّا نصحح استئجار الأجير بطعامه وكسوته، كما أجر موسى ﵇ نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه. فكذلك يجوز إجارة الدابة بعلفها، وكما يجوز أن يكون علفها جميع الأجرة، يجوز أن يكون بعض الأجرة، والبعض الآخر شيئاً مسمى.
المثال الثانى عشر: لا تجوز إجارة الأشجار، لأن المقصود منها الفواكه. وذلك بمنزلة بيعها قبل بدوها.
قالوا: والحيلة فى جوازه: أن يؤجره الأرض، ويساقيه على الشجر بجزء معلوم.
قال شيخ الإسلام: وهذا لا يحتاج إليه، بل الصواب جواز إجارة الشجر. كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه بحديقة أسيد بن حضير. فإنه أجرها سنين، وقضى بها دينه. قال: وإجارة الأرض لأجل ثمنها بمنزلة إجارة الأرض لمغلها. فإن المستأجر يقوم على الشجر بالسقى والإصلاح، والذيار فى الكرم، حتى تحصل الثمرة. كما يقوم على الأرض بالحرث والسقى والبذر، حتى يحصل المَغَل. فثمرة الشجر تجرى مجرى مغل الأرض.
стр. 401
فإن قيل: الفرق بين المسألتين: أن المغل من البذر. وهو ملك المستأجر، والمعقود عليه الانتفاع بإيداعه فى الأرض. وسقيه، والقيام عليه. بخلاف استئجار الشجر، فإن الثمرة من الشجرة، وهى ملك المؤجر.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا لا تأثير له فى صحة العقد وبطلانه. وإنما هو فرق عديم التأثير.
الثانى: أن هذا يبطل باستئجار الأرض لكلئها وعشبها الذى ينبته الله ، بدون بذر من المستأجر، فهو نظير ثمرة الشجر.
الثالث: أن الثمرة إنما حصلت بالسقى والخدمة، والقيام على الشجرة، فهى متولدة من عمل المستأجر، ومن الشجرة. فللمستأجر سعى وعمل فى حصولها.
الرابع: أن تولد الزرع ليس من البذر وحده. بل من البذر: والتراب، والماء، والهواء. فحصول الزرع من التراب الذى هو ملك المؤجر كحصول الثمرة من الشجرة. والبذر فى الأرض قائم مقام السقى للشجرة. فهذا أودع فى أرض المؤجر عينا جامدة. وهذا أودع فى شجرة عينا مائعة، ثم حصلت الثمرة من أصل هذا وماء المستأجر وعمله، كما حصل العمل من أرض هذا وبذر المستأجر وعمله. وهذا من أصح قياس على وجه الأرض.
وبه يتبين أن الصحابة أفقه الأمة وأعلمهم بالمعانى المؤثرة فى الأحكام، ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر رضى الله عنه، فهو إجماع منهم. ثم إن هذه الحيلة التى ذكرها هؤلاء تتعذر غالبا إذا كان البستان ليتيم، أو وقفاً، فإن المؤجر ليس له أن يحابى فى المساقاة حينئذ، ولا يخلص من ذلك محاباة المستحق فى إجارة الأرض، فإنه إذا أربحه فى عقد لم يجز له أن يخسره فى عقد آخر، ولا يخلص من ذلك اشتراط عقد فى عقد، بأن يقول: إنما أساقيك على جزء من ألف جزء، بشرط أن أؤجرك الأرض بكذا وكذا، فإن هذا لا يصح. فعلى ما فعله الصحابة - وهو مقتضى القياس الصحيح - لا يحتاج إلى هذه الحيلة، وبالله التوفيق.
المثال الثالث عشر: إذا اشترى دارا أو أرضا، وخاف أن تخرج وقفا أو مستحقة فتؤخذ منه هى وأجرتها،
فالحيلة: أن يضمن البائع أو غيره درك المبيع، وأنه ضامن لما
стр. 402
غرمه المشترى من ذلك، ويصح ضمان الدرك، حتى عند من يبطل ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب، للحاجة إلى ذلك، فإن ضمن من يخاف استحقاقه: كان أقوى، فإن خاف أن يظهر الاستحقاق على وارثه بعد موته، ضمن الدرك ورثة البائع، أو ورثة من يخاف استحقاقه إن أمكنه. فإن كان على ثقة أنه متى استحق عليه المبيع رجع بثمنه ولكن يغرم قيمة المنفعة، وهى أجرة المثل لمدة استيلائه على العين، وهذا قول ضعيف جدا. فإن المشترى إنما دخل على أن يستوفى المنفعة بلا عوض، والعوض الذى بذله فى مقابلة العين لا للانتفاع، فإلزامه بالأجرة إلزام ما لم يلتزمه، وكذلك نقول فى المستعير إذا استحقت العين، لم يلزمه عوض المنفعة، لأنه إنما دخل على أن ينتفع مجاناً بلا عوض، بخلاف المستأجر، فإنه التزم الانتفاع بالعوض، ولكن لا يلزمه إلا المسمى الذى دخل عليه.
وكذلك الأمة المشتراة إذا وطئها، ثم استحقت، لم يلزمه المهر، لأنه دخل على أن يطأها مجاناً، بخلاف الزوج، فإنه دخل على أن الوطء فى مقابلة المهر، ولكن لا يلزمه إذا استحقت إلا المسمى، وعلى هذا فليس للمستحق أن يطالب المغرور، لأنه معذور، غير ملتزم للضمان، وهو محسن غير ظالم، فما عليه من سبيل، وهذا هو الصواب. فإن طالبه على القول الآخر رجع على من غره بما لم يلتزم ضمانه خاصة، ولا يرجع عليه بما التزم غرامته. فإذا غرم المودع أو المُتَّهِب قيمة العين والمنفعة، رجع على الغار بهما، وإذا غرم المستأجر ذلك رجع بقيمة العين، دون قيمة المنفعة، إلا أنه يرجع بالزائد على المسمى، حيث لم يلتزم ضمانه، وإذا ضمن وهو مشتر، أو مستعير قيمة العين والمنفعة، رجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين، لكنه يرجع بما زاد على الثمن المسمى.
والمقصود: أن هذا المشترى متى خاف أن يطالب بقيمة المنفعة إذا استحق عليه المبيع. فالحيلة فى تخلصه من ذلك: أن يستأجر منه الدار، أو الأرض سنين معلومة بأجرة مسماة، ثم يشتريها منه بعد ذلك ويشهد عليه أنه أقبضه الأجرة، فمتى استحقت العين وطولب بعوض المنفعة، طالب هو المؤجر بما قبضه من الأجرة لما ظهرت الإجارة باطلة.
المثال الرابع عشر: إذا وكله أن يزوجه امرأة معينة أو يشترى له جارية معينة، ثم خاف الموكل أن تعجب وكيله فيتزوجها، أو يشتريها لنفسه. فطريق التخلص من ذلك فى
стр. 403
الجارية: أن يقول له: ومتى اشتريتها لنفسك فهى حرة. ويصح هذا التعليق والعتق، وأما الزوجة: فمن صحيح هذا التعليق فيها، كمالك، وأبى حنيفة، نفعه. وأما على قول الشافعى وأحمد، فإنه لا ينفعه.
فطريق التخلص: أن يشهد عليه أنها لا تحل له، وأن بينهما سبباً يقتضى تحريمها عليه، وأنه متى نكحها كان نكاحه باطلاً. فإن أراد الوكيل أن يتزوجها أو يشتريها لنفسه ولا يأثم فيما بينه وبين الله تعالى،
فالحيلة: أن يعزل نفسه عن الوكالة، ثم يعقد عليها لنفسه، ولو عقد عليها لنفسه كان ذلك عزلاً لنفسه عن الوكالة. فإن خاف أن لا يتم له ذلك بأن يرفعه إلى حاكم حنفى يرى أنه لا يملك الوكيل عزل نفسه فى غيبة الموكل، فأراد التخلص من ذلك. فالطريق فى ذلك: أن يشتريها لنفسه بغير جنس ما أذن له فيه، فإنه إذا اشترها لنفسه بجنس ما أذن له فيه تضمن ذلك عزل نفسه فى غيبة موكله، وهو ممتنع. فإذا اشتراها بغير الجنس حصل الشراء له ولم يكن ذلك عزلاً.
المثال الخامس عشر: إذا وكله فى بيع جارية، ووكله آخر فى شرائها. فإن قلنا: الوكيل يتولى طرفى العقد. جاز أن يكون بائعاً مشتريا لهما. وإن منعنا ذلك، فالطريق: أن يبيعها لمن يستوثق منه أن يشتريها منه، ثم يشتريها لموكله. فإن خاف أن لا يفى له المشترى الذى توثق منه، فالحيلة أن يبيعه إياها بشرط الخيار. فإن وفى له بالبيع، وإلا كان متمكنا من الفسخ.
المثال السادس عشر: لا يملك خلع ابنته بصداقها. فإن ظهرت المصلحة فى ذلك لها.
فالطريق: أن يتملكه عليها، ثم يخلعها من زوجها به، فيكون قد اختلعها بماله. والصحيح: أنه لا يحتاج إلى ذلك، بل إذا ظهرت المصلحة فى افتدائها من الزوج بصداقها جاز بذلك. وكان بمنزلة افتدائها من الأسر بمالها، وربما كان هذا خيرا لها.
المثال السابع عشر: إذا وكله أن يشترى له متاعاً فاشتراه، ثم أراد أن يبعث به إليه. فخاف أن يهلك، فيضمنه الوكيل.
فطريق التخلص من ذلك: أن يستأذن الوكيل أن يعمل فى ذلك برأيه، ويفوض إليه ذلك. فإذا أذن له فبعث به فتلف لم يضمنه.
стр. 404
المثال الثامن عشر: إذا أراد أن يُسْلِم وعنده خمر، أو خنازير، وأراد أن لا يتلف عليه،
فالحيلة: أن يبيعها لكافر قبل الإسلام. ثم يسلم، ويكون له المطالبة بالثمن، سواء أسلم المشترى أو بقى على كفره. نص على هذا أحمد فى مجوسى باع مجوسياً خمراً، ثم أسلما، يأخذ الثمن الذى قد وجب له يوم باعه.
المثال التاسع عشر: إذا كان له عصير فخاف أن يتخمر، فلا يجوز له بعد ذلك أن يتخذه خلاً.
فالحيلة: أن يلقى فيه أولا ما يمنع تخمره، فإن لم يفعل حتى تخمر وجب عليه إراقته. ولم يجز له حبسه حتى يتخلل، فإن فعل لم يطهر، لأن حبسه معصية، وعوده خلاً نعمة، فلا تستباح بالمعصية.
المثال العشرون: إذا كان له على رجل دين مؤجل، وأراد رب الدين السفر وخاف أن يَتْوى ماله، أو احتاج إليه، ولا يمكنه المطالبة قبل الحلول. فأراد أن يضع عن الغريم البعض ويعجل له باقيه. فقد اختلف السلف والخلف فى هذه المسألة. فأجازها ابن عباس، وحرّمها ابن عمرْ. وعن أحمد فيها روايتان. أشهرهما عنه: المنع، وهى اختيار جمهور أصحابه، والثانية: الجواز، حكاها ابن موسى. وهى اختيار شيخنا.
وحكى ابن عبد البر فى الاستذكار ذلك عن الشافعى قولا. وأصحابه لا يكادون يعرفون هذا القول، ولا يحكونه، وأظن أن هذا - إن صح عن الشافعى- فإنما هو فيما إذا جرى ذلك بغير شرط، بل لو عجل له بعض دينه، وذلك جائز، فأبرأه من الباقى، حتى لو كان قد شرط ذلك قبل الوضع والتعجيل، ثم فعلاه بناء على الشرط المتقدم، صح عنده. لأن الشرط المؤثر فى مذهبه: هو الشرط المقارن، لا السابق، وقد صرح بذلك بعض أصحابه. والباقون قالوا: لو فعل ذلك من غير شرط جاز، ومرادهم الشرط المقارن. وأما مالك فإنه لا يجوزه مع الشرط، ولا بدونه، سدا للذريعة.
وأما أحمد فيجوزه فى دين الكتابة، وفى غيره عنه روايتان.
واحتج المانعون بالآثار والمعنى.
стр. 405
أما الآثار: ففى سنن البيهقى عن المقداد بن الأسود قال: "أسلفت رجلاً مائة دينار، ثم خرج سهمى فى بعث بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فقلت له: عجل تسعين ديناراً، وأحط عشرة دنانير. فقال: نعم. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: فقال: أكلت ربا، مقداد، وأطعمته" وفى سنده ضعف.
وصح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه: "قد سئل عن الرجل يكون له الدين على رجل إلى أجل، فيضع عنه صاحبه، ويعجل له الآخر. فكره ذلك ابن عمر، ونهى عنه".
وصح عن أبى المنهال أنه سأل ابن عمر رضى الله عنهما رضى الله عنهما. فقال: لرجل على دين، فقال لى: عجل لى لأضع عنك، قال: فنهانى عنه، وقال: نهى أمير المؤمنين - يعنى عمر- أن يبيع العين بالدين.
وقال أبو صالح مولى السفاح، واسمه عبيد: بعت برا من أهل السوق إلى أجل، ثم أردت الخروج إلى الكوفة، فعرضوا، على أن أضع عنهم، وينقدونى، فسألت عن ذلك زيد بن ثابت. فقال: لا آمرك أن تأكل هذا، ولا تؤكله. رواه مالك فى الموطأ.
وأما المعنى: فإنه إذا تعجل البعض وأسقط الباقى، فقد باع الأجل بالقدر الذى أسقطه وذلك عين الربا، كما لو باع الأجل بالقدر الذى يزيده، إذا حل عليه الدين، فقال: زدنى فى الدين وأزيدك فى المدة، فأى فرق بين أن تقول: حط من الأجل، وأحط من الدين، أو تقول: زد فى الأجل، وأزيد فى الدين؟
قال زيد بن أسلم: كان ربا الجاهلية: أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الحق قال له غريمه: أتقضى أم تربى؟ فإن قضاه أخذه، وإلا زاده فى حقه وأخر عنه فى الأجل. رواه مالك.
وهذا الربا مجمع على تحريمه، وبطلانه، وتحريمه معلوم من دين الإسلام، كما يعلم تحريم الزنى، واللواطة، والسرقة.
قالوا: فنقص الأجل فى مقابلة نقص العوض، كزيادته فى مقابلة زيادته، فكما أن هذا رباً، فكذلك الآخر.
стр. 406
قال المبيحون: صح عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان لا يرى بأسا أن يقول: "أعجل لك وتضع عنى" وهو الذى روى:
"أَنّ رَسُولَ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسَلم: لَمَّا أَمَرَ بِإِخْرَاجِ بَنِى النَّضِيرِ مِنَ المَدِينَةِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّكَ أَمَرْتَ بِإخْرَاجِهِمْ، وَلَهُمْ عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ، فَقَالَ النَّبُّى صلّى اللهُ تَعَالَى علْيهِ وآلهِ وَسلَمَ: ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا".
قال أبو عبد الله الحاكم: هو صحيح الإسناد.
قلت: هو على شرط السنن، وقد ضعفه البيهقى، وإسناده ثقات: وإنما ضعف بمسلم بن خالد الزنجى، وهو ثقة فقيه، روى عنه الشافعى واحتج به.
وقال البيهقى: باب من عجل له أدنى من حقه قبل محله، فوضع عنه، طيبة به أنفسهما. وكأن مراده أن هذا وقع بغير شرط، بل هذا عجل، وهذا وضع، ولا محذور فى ذلك.
قالوا: وهذا ضد الربا، فإن ذلك يتضمن الزيادة فى الأجل والدين، وذلك إضرار محض بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين، وانتفاع صاحبه بما يتعجله فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع عليه، فإن ضرره لا حق بالمدين، ونفعه مختص برب الدين، فهذا ضد الربا صورة ومعنى.
قالوا: ولأن مقابلة الأجل بالزيادة فى الربا ذريعة إلى أعظم الضرر، وهو أن يصير الدرهم الواحد ألوفا مؤلفة، فتشتغل الذمة بغير فائدة، وفى الوضع والتعجيل تتخلص ذمة هذا من الدين، وينتفع ذاك بالتعجيل له.
قالوا: والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون، وسمى الغريم المدين: أسيراً ففى براءة ذمته تخليص له من الأسر، وهذا ضد شغلها بالزيادة مع الصبر، وهذا لازم لمن قال: يجوز ذلك فى دين الكتابة. وهو قول أحمد، وأبى حنيفة، فإن المكاتب مع سيده كالأجنبى فى باب المعاملات، ولهذا لا يجوز أن يبيعه درهما بدرهمين، ولا يبايعه بالربا، فإذا جاز له أن يتعجل بعض كتابته، ويضع عنه باقيها، لما له فى ذلك من مصلحة تعجيل العتق، وبراءة ذمته من الدين، لم يمنع ذلك فى غيره من الديون. ولو ذهب ذاهب إلى التفصيل فى المسألة وقال: لا يجوز فى دين القرض إذا قلنا بلزوم تأجيله ويجوز فى ثمن المبيع والأجرة، وعوض الخلع، والصداق، لكان له وجه، فإنه فى القرض يجب رد المثل، فإذا عجل له وأسقط
стр. 407
باقيه، خرج عن موجب العقد، وكان قد أقرضه مائة، فوفاه تسعين، بلا منفعة حصلت للمقرض، بل اختص المقترض بالمنفعة، فهو كالمربى سواء فى اختصاصه بالمنفعة، دون الآخر، وأما فى البيع والإجارة فإنهما يملكان فسخ العقد، وجعل العوض حالاً أنقص مما كان، وهذا هو حقيقة الوضع والتعجيل، لكن تحيلا عليه، والعبرة فى العقود بمقاصدها لا بصورها. فإن كان الوضع والتعجيل مفسدة فالاحتيال عليه لا يزيل مفسدته، وإن لم يكن مفسدة لم يحتج إلى الاحتيال عليه.
فتلخص فى المسألة أربعة مذاهب:
المنع مطلقاً، بشرط، وبدونه، فى دين الكتابة وغيره، كقول مالك.
وجوازه فى دين الكتابة، دون غيره، كالمشهور من مذهب أحمد وأبى حنيفة.
وجوازه فى الموضعين. كقول ابن عباس، وأحمد فى الرواية الأخرى.
وجوازه بلا شرط، وامتناعه مع الشرط المقارن، كقول أصحاب الشافعى، والله أعلم.
المثال الحادى والعشرون: إذا كان له عليه ألف درهم، فصالحه منها على مائة درهم يؤديها إليه فى شهر كذا من سنة كذا، فإن لم يفعل فعليه مائتان، فقال القاضى أبو يعلى: هو جائز، وقد أبطله قوم آخرون.
والحيلة فى جوازه على مذهب الجميع: أن يعجل رب المال حط ثمانمائة بَتا، ثم يصالح عن المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة، يؤديها إليه فى شهر كذا، على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما.
المثال الثانى والعشرون: إذا كاتب عبده على ألف يؤديها إليه فى سنتين، فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى، فهى كتابة فاسدة، ذكره القاضى، لأنه علق إيجاب المال بخطر ولا يجوز ذلك.
والحيلة فى جوازه: أن يكاتبه على ألفى درهم، ثم يصالحه منها على ألف درهم يؤديها إليه فى سنتين. فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، فيكون قد علق الفسخ بخطر، فيجوز. وتكون كالمسألة التى قبلها.
المثال الثالث والعشرون: إذا كان له عليه دين حال فصالحه على تأجيله، أو تأجيل بعضه،
стр. 408
لم يلزمه التأجيل. فإن الحال لا يتأجل. والصحيح: أنه يتأجل، كما يتأجل بدل القرض. وإن كان النزاع فى الصورتين. فمذهب أهل المدينة فى ذلك هو الراجح.
وطريق الحيلة فى صحة التأجيل ولزومه: أن يشهد على إقرار صاحب الدين أنه لا يستحق المطالبة به قبل الأجل الذى اتفقا عليه، وأنه متى طالب به قبله فقد طالب بما لا يستحق. فإذا فعل هذا من رجوعه فى التأجيل.
المثال الرابع والعشرون: إذا اشترى من رجل دارا بألف، فجاء الشفيع يطلب الشفعة، فصالحه المشترى على نصف الدار بنصف الثمن جاز ذلك، لأن الشفيع صالح على بعض حقه، كما أنه صالح من ألف على خمسمائة. فإن صالحه على بيت من الدار بعينه بحصته من الثمن يقُوَّم البيت ثم تخرج حصته من الثمن، جاز أيضاً، لأن حصته معلومة فى أثناء الحال. فلا يضر كونها مجهولة حالة الصلح. كما إذا اشترى شقصاً وسيفاً: فللشفيع أن يأخذ الشقص بحصته من الثمن، وإن كانت مجهولة حال العقد، لأن مآلها إلى العلم. وقال القاضى وغيره من أصحابنا: لا يجوز، لأنه صالحه على شئ مجهول.
ثم قال: والحيلة فى تصحيح ذلك: أن يشترى الشفيع هذا البيت من المشترى بثمن مسمى، ثم يسلم الشفيع للمشترى ما بقى من الدار، وشراء الشفيع لهذا البيت تسليم للشفعة، ومساومته بالبيت تسليم للشفعة.
فإن أراد الشفيع شراء البيت المعين وبقاءه على شفعته فى الباقى.
فالحيلة أن لا يبدأ بالمساومة، بل يصبر حتى يبتدئ المشترى، فيقول: هذا البيت أخذته بكذا وكذا، فيقول الشفيع: قد استوجبته بما أخذته به، ولا يكون مسلماً للشفعة فى باقى الدار وليس فى هذه الحيلة إبطال حق غيره، وإنما فيها التوصل إلى حقه.
المثال الخامس والعشرون: يجوز تعليق الوكالة على الشرط. كما يجوز تعليق الولاية والإمارة على الشرط. وقد صح عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تعليق الإمارة
стр. 409
بالشرط وهى وكالة وتفويض، وتولية، ولا محذور فى تعليق الوكالة بالشرط البتة.
والحيلة فى تصحيحها: أن ينجز الوكالة ويعلق الإذن فى التصرف بالشرط وهذا فى الحقيقة تعليق لها نفسها بالشرط، فإن مقصود الوكالة صحة التصرف ونفوذه، والتوكل وسيلة وطريق إلى ذلك، فإذا لم يمتنع تعليق المقصود بالشرط، فالوسيلة أولى بالجواز.
المثال السادس والعشرون: يجوز تعليق الإبراء بالشرط. ويصح، وفعله الإمام أحمد وقال أصحابنا: لا يصح. قالوا: فإذا قال: إن مت فأنت فى حل مما لى عليك. فإن علق ذلك بموت نفسه صح، لأنه وصية. وإن علقه بموت من عليه الدين لم يصح. لأنه تعليق البراءة بالشرط ولا يصح كما لا يصح تعليق الهبة. فيقال: أولا، الحكم فى الأصل غير ثابت بالنص، ولا بالإجماع، فما الدليل على بطلان تعليق الهبة بالشرط؟ وقد صح عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه علق الهبة بالشرط فى حديث جابر لما قال:
"لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ لأعْطَيْتُكَ هكَذَا، وَهكَذَا، ثمَّ هكَذَا" - ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ. وأنجز ذلك له الصديق رضى الله عنه لما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
فإن قيل: كان ذلك وعداً؟.
قلنا: نعم، والهبة المعلقة بالشرط وعد. وكذلك فعل النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما بعث إلى النجاشى بهدية من مسك، وقال لأم سلمة: "إِنِّى قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِى حُلَّةً
стр. 410
وَأَوَاقِى مِنْ مِسْكٍ، وَلا أَرَى النَّجَاشِى لا قَدْ مَاتَ، وَلا أرَى هَدِيَّتِى إِلا مَرْدُودَةً فإن رُدَّتْ عَلَى فَهِى لَكِ" وذكر الحديث، رواه أحمد. فالصحيح: صحة تعليق الهبة بالشرط، عملا بهذين الحديثين.
وأيضاً. فالوصية تمليك، وهى فى الحقيقة تعليق للتمليك بالموت، فإنه إذا قال: إن مت من مرضى هذا فقد أوصيت لفلان بكذا، فهذا تمليك معلق بالموت. وكذلك الصحيح: صحة تعليق الوقف بالشرط. نص عليه فى رواية الميمونى فى تعليقه بالموت. وسائر التعليق فى معناه، ولا فرق البتة. ولهذا طرده أبو الخطاب. وقال: لا يصح تعليقه بالموت. والصواب طرد النص، وأنه يصح تعليقه بالموت وغيره. وهو أحد الوجهين فى مذهب أحمد. وهو مذهب مالك. ولا يعرف عن أحمد نص على عدم صحته. وإنما عدم الصحة قول القاضى وأصحابه.
وفى المسألة وجه ثالث: أنه يصح تعليقه بشرط الموت دون غيره من الشروط، وهذا اختيار الشيخ موفق الدين. وفرق بأن تعليقه بالموت وصية، والوصية أوسع من التصرف فى الحياة، بدليل الوصية بالمجهول والمعدوم، والحمل والصحيح: الصحة مطلقاً. ولو كان تعليقه بالموت وصية لامتنع على الوارث، ولا خلاف أنه يصح تعليقه بالشرط بالنسبة إلى البطون، بطنا بعد بطن، وأن كونه وقفا على البطن الثانى مشروط بانقضاء البطن الأول. وقد قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
وقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهمْ".
والقياس الصحيح: يقتضى صحة تعليقه، فإنه أشبه بالعتق منه بالتمليك، ولهذا لا يشترط فيه القبول إذا كان على جهة، اتفاقاً، وكذلك إذا كان على آدمى معين، فى أقوى الوجهين،
стр. 411
وما ذاك إلا لشبهه بالعتق.
والمقصود: أن تعليق الإبراء بالشرط أولى من ذلك كله، فمنعه مخالف لموجب الدليل والمذهب.
ويقال ثانياً: لا يلزم من بطلان تعليق الهبة بطلان تعليق الإبراء، بل القياس الصحيح يقتضى صحة تعليقه، لأنه إسقاط محض، ولهذا لا يفتقر إلى قبول المبرئ، ولا رضاه، فهو بالعتق والطلاق أشبه منه بالتمليك.
وعلى هذا، فيستغنى بالصحة فى ذلك كله عن الحيلة. فإن احتاج إلى التعليق، وخاف أن ينقض عليه،
فالحيلة: أن يقول: لا شئ لى عليه بعد هذا الشهر أو العام، أو لا شئ لى عليه عند قدوم زيد، أو كل دعوى أدعيها عليه بعد شهر كذا، أو عام كذا، أو عند قدوم زيد بسبب كذا، أو من دين كذا، فهى دعوى باطلة، أو يقول: كل دعوى أدعيها فى تركته بعد موته: من دين كذا أو ثمن كذا، فهى دعوى باطلة. وعلى ما قررناه لا يحتاج إلى شئ من ذلك.
المثال السابع والعشرون: إذا أعسر الزوج بنفقة المرأة، ملكت الفسخ، فإن تحملها عنه غيره لم يسقط ملكها للفسخ، لأن عليها فى ذلك منة، كما أراد قضاء دين عن الغير، فامتنع ربه من قبوله، لم يجبر على ذلك.
وطريق الحيلة فى إبطال حقها من الفسخ: أن يحيلها بما وجب لها عليه من النفقة على ذلك الغير، فتصح الحوالة، وتلزم على أصلنا، إذا كان المحال عليه غنيا. وطريق صحة الحوالة: أن يقر ذلك الغير للزوج بقدر معين لنفقتها سنة أو شهراً، أو نحو ذلك، ثم يحيلها الزوج عليه، فإن لم يمكنه الإجبار على القبول، لعدم من يرى ذلك، وكل الزوج الملتزم لنفقتها فى الإنفاق عليها، والزوج مخير بين أن ينفق عليها بنفسه، أو بوكيله. وهكذا العمل فى مسألة أداء الدين عن الغريم سواء.
стр. 412
المثال الثامن والعشرون: إذا خاف المضارب أن يضمنه المالك بسبب من الأسباب التى لا يملكها بعقد المضاربة، فخلط المال بغيره، أو استبراء به بأكثر من رأس المال، والاستدانة على مال المضاربة، أو دفعه إلى غيره مضاربة أو إبضاعاً، أو إيداعاً، أو السفر به. فطريق التخلص من ضمانه فى هذا كله: أن يشهد على رب المال أنه قال له: اعمل برأيك، أو ما تراه مصلحة.
المثال التاسع والعشرون: إذا كان لكل من الرجلين عروض، وأرادا أن يشتركا فيها شركة عنان، ففى ذلك روايتان:
إحداهما: تصح الشركة. وتقوم العروض عند العقد، ويكون قيمتها هو رأس المال. فيقسم الربح على حسبه، أو على ما شرطاه. وإذا أرادا الفسخ رجع كل منهما إلى قيمة عروضه، واقتسما الربح على ما شرطاه، وهذا القول هو الصحيح.
والرواية الثانية: لا تصح إلا على النقدين، لأنهما إذا تفاسخا الشركة، وأراد كل منهما الرجوع إلى رأس ماله، ويقتسما الربح، لم يعلم ما مقدار رأس مال كل منهما إلا بالتقويم، وقد تزيد قيمة العروض وتنقص قبل العمل، فلا يستقر رأس المال.
وأيضاً فمقتضى عقد الشركة: أن لا ينفرد أحد الشريكين بربح مال الآخر، وهذه الشركة تفضى إلى ذلك، لأنه قد تزيد قيمة عرض أحدهما، ولا تزيد قيمة عرض الآخر، فيشاركه من لم تزد قيمة عروضه. وهذا إنما يصح فى المقومات كالرقيق، والحيوان، ونحوهما. فأما المثليات، فإن ذلك منتف فيها، ولهذا كان الصحيح عند من منع الشركة بالعروض: جوازها بالمثليات. فالصحيح: الجواز فى الموضعين. لأن مبنى عقد الشركة على العدل من الجانبين، وكل من الشريكين متردد بين الربح والخسران، فهما فى هذا الجواز مستويان. فتجويز ربح أحدهما دون الآخر فى مقابلة عكسه، فقد استويا فى رجاء الغنم وخوف الغرم، وهذا هو العدل، كالمضاربة، فإنه يجوز أن يربحاً، وأن يخسراً، وكذلك المساقاة والمزارعة.
وطريق الحيلة فى تصحيح هذه المشاركة، عند من لا يجوزها بالعروض: أن يبيع كل منهما بعض عروضه ببعض عروض صاحبه، فإذا كان عَرضَ أحدهما يساوى خمسة آلاف،
стр. 413
وعرض الآخر يساوى ألفا، فيشترى صاحب العرض الذى قيمته خمسة آلاف من صاحبه خمسة أسداس عرضه الذى يساوى ألفا بسدس عرضه الذى يساوى خمسة آلاف، فإذا فعلا ذلك صارا شريكين، فتصير للذى يساوى متاعه ألفا سدس جميع المتاع. وللآخر خمسة أسداسه. أو يبيع كل منهما صاحبه بعض عرضه بثمن مسمى، ثم يتقابضان فيصير مشتركاً بينهما، ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه فى التصرف، فما حصل من الربح يكون بينهما على ما شرطاه عند أحمد، وعلى قدر رءوس أموالهما عند الشافعى، والخسران على قدر المال اتفاقاً.
المثال الثلاثون: إذا تزوجها على أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها، فالنكاح صحيح. والشرط لازم. هذا إجماع الصحابة رضى الله عنهم، فإنه صح عن عمر، وسعد، ومعاوية، ولا مخالف لهم من الصحابة. وإليه ذهب عامة التابعين وقال به أحمد.
وخالف فى ذلك الثلاثة، فأبطلوا الشرط ولم يوجبوا الوفاء به.
فإذا احتاجت المرأة إلى ذلك، ولم يكن عندها حاكم يرى صحة ذلك ولزومه، فالحيلة لها فى حصول مقصودها: أن تمتنع من الإذن، إلا أن تشترط بعد العقد أنه إن سافر بها، أو نقلها من دارها، أو تزوج عليها فهى طالق، أو لها الخيار فى المقام معه، أو الفسخ. فإن لم تثق به أن يفعل ذلك، فإنها تطلب مهراً كثيراً جداً، إن لم يفعل، وتطلب ما دونه إن فعل، فإن شرط لها ذلك رضيت بالمهر الأدنى، وإن لم يشرط ذلك طالبته بالأعلى، وجعلته حالاً، ولها أن تمنع نفسها حتى تقبضه، أو يشرط لها ما سألته.
فإن قيل: فعلى أى المهرين يقع العقد؟
قيل: يقع على المهر الزائد، لتتمكن من إلزامه بالشرط.
فإن خاف أن يشرط لها ما طلبت، ويستقر عليه المهر الزائد، فالحيلة: أن يشهد عليها أنها لا تستحق عليه بعد الاشتراط شيئاً من المبلغ الزائد على الصداق الأدنى، وأنها متى ادعت به فدعواها باطلة، فيستوثق منها بذلك، ويكتب هو الشرط، ولها أن تطالب بالصداق الزائد، إذا لم يف لها بالشرط، لأنها لم ترض بأن يكون الأدنى مهراً إلا فى مقابلة منفعة
стр. 414
أخرى تسلم لها، وهى المقام فى دارها، أو بلدها، أو يكون الزوج لها وحدها، وهذا جار مجرى بعض صداقها. فإذا فاتها فلها المطالبة بالمهر الأعلى.
المثال الحادى والثلاثون: إذا زوج ابنته بعبده صح النكاح، فإن حضره الموت فخاف هو، أو المرأة، أن ترث جزءا منه، فينفسخ النكاح.
فالحيلة فى بقائه: أن يبيع العبد من أجنبى، فإن شاء قبض ثمنه، وإن شاء جعله دينا فى ذمته، يكون حكمه حكم سائر ديونه، فإذا ورثت نصيبها من ثمنه، لم ينفسخ نكاحها. وإن باع العبد من أجنبى قبل العقد، ثم زوجه الابنة، أمن هذا المحذور أيضاً.
وكذلك إذا أراد أن يزوج أمته بابنه، وخاف أن يموت فيرث الابن زوجته، فينفسخ النكاح، باعها من أجنبى، ثم زوجها الابن، أو يبيعها من الأجنبى بعد العقد.
المثال الثانى والثلاثون: إذا أحاله بدينه، وخاف المحتال أن يبور ماله عند المحال عليه، وأراد التوثق لماله.
فالحيلة فى ذلك، أن يقول: لا تحلنى بالمال، لكن وكلنى فى المطالبة به، واجعل ما أقبضه فى ذمتى قرصاً، فييرآن جميعاً بالمقاصة. فإن خاف المحيل أن يهلك المال فى يد الوكيل قبل اقتراضه، فيرجع عليه بالدين.
فالحيلة له: أن يقول للمحال عليه: اضمن عنى هذا الدين لهذا الطالب، فيضمنه فإذا قبضه قبضه لنفسه. فإن امتنع المحال عليه من الضمان احتال الطالب عليه على أنه إن لم يوفه حقه إلى وقت كذا وكذا، فالمحيل ضامن لهذا المال، ويصح تعليق الضمان بالشرط. فإن وفاه المحيل عليه وإلا رجع إلى المحال، وأخذه بالمال.
المثال الثالث والثلاثون: إذا كان له دين على رجل فرهنه به عبداً، فخاف أن يموت العبد، فيحاكمه إلى من يرى سقوط الدين بتلف الرهن.
فالحيلة فى تخليصه من هذا المحذور: أن يشترى العبد منه بدينه، ولا يقبض العبد فإن وفاه دينه أقاله فى البيع. وإن لم يوفه الدين طالبه بالتسليم، وإن تلف العبد كان من ضمان البائع، ورجع المشترى إلى دينه الذى هو ثمنه.
المثال الرابع والثلاثون: إذا كان له عليه دين، فرهنه به رهنا، ثم خاف أن يستحق الرهن فتبطل الوثيقة.
стр. 415
فالحيلة فيه: أن يضمن دينه لمن يخاف منه استحقاق الرهن. فإذا استحقه عليه طالبه بالمال، أو يضمنه درك الرهن، أو يشهد عليه أنه لا حق له فيه. ومتى ادعى فيه حقاً فدعواه باطلة.
المثال الخامس والثلاثون: إذا كان له عليه مائة دينار خمسون منها بوثيقة، وخمسون بغير وثيقة، وجحده الغريم القدر الذى بغير وثيقة.
فالحيلة له فى تخليص ماله: أن يوكل رجلاً غريباً بقبض المال الذى بالوثيقة. ويشهد على وكالته علانية، ثم يشهد شهودا آخرين: أنه قد عزله عن الوكالة، ثم يطالب الوكيل المطلوب بذلك المال، ويثبت شهود وكالته. فإذا قبض الخمسين ديناراً دفعها إلى مستحقها وغاب، ثم يطالبه المستحق بهذه الخمسين. فإن قال: دفعتها إلى وكيلك. أقام البينة أنه كان قد عزله عن الوكالة، فيلزمه الحاكم بالمال، ويقول له: اتْبَعِ القابض، فخذ مالك منه. فإن كان الغريم حذرا لم يدفع إلى الوكيل شيئاً خشية مثل هذا. ويقول: لا أدفع إليك إلا بحضرة الموكل وإقراره أنك وكيله، فتبطل هذه الحيلة.
المثال السادس والثلاثون: إذا حضره الموت، ولبعض ورثته عليه دين، وأراد تخليص ذمته. فإن أقر له به، لم يصح إقراره، وإن وصى له به، كانت وصية لوارث.
فالحيلة فى خلاصه: أن يواطئه على أن يأتى بمن يثق به، فيقر له بذلك الدين، فإذا قبضه أوصله إلى مستحقه، فإن خاف الأجنبى أن يلزمه الحاكم أن يحلف أن هذا الدين واجب لك على الميت، ولم تبرئه منه، ولا من شئ منه لم يجز له أن يحلف على ذلك. وانتقلنا إلى حيلة أخرى، وهى أن يقول له المريض: بع دارك، أو عبدك من وارثى، بالمال الذى له على فيفعل. فإذا لزمته اليمين بعد هذا حلف على أمر صحيح، فإن لم يكن له ما يبيعه إياه وهب له الوارث عبدا أو أمة، فقبضه، ثم باعه من الوارث بالدين على الميت.
المثال السابع والثلاثون: إذا نكح أمة، حيث يجوز له نكاح الإماء، وخاف أن يسترق سيدها ولده.
стр. 416
فالحيلة فى ذلك: أن يسأل سيد الأمة أن يقول: كل ولد تلده منك فهو حر. فإذا قال فما ولدته منه فهم أحرار.
المثال الثامن والثلاثون: إذا قال لامرأته: إن سألتنى الخلع، فأنت طالق ثلاثاً إن لم أخلعك. وقالت المرأة: كل مملوك لها حر، إن لم أسألك الخلع اليوم.
فسئل أبو حنيفة عنها فقال للمرأة: سليه الخلع، فقالت: أسألك أن تخلعنى. فقال للزوج: قل خلعتك على ألف درهم، فقال ذلك. فقال أبو حنيفة للمرأة قولى: لا أقبل. فقالت: لا أقبل، فقال أبو حنيفة: قومى مع زوجك، فقد بر كل منكما فى يمينه.
المثال التاسع والثلاثون: سئل أبو حنيفة عن أخوين تزوجاً أختين، فزفت امرأة كل واحد منهما إلى الآخر، فوطئها، ولم يعلموا بذلك حتى أصبحوا، فقيل له: ما الحيلة فى ذلك؟ فقال: أكل منهما راض بالتى دخل بها؟ قالوا: نعم، فقال: ليطلق كل واحد منهما امرأته طلقة، ففعلا، فقال: ليتزوج كل منهما المرأة التى وطئها، فطابت أنفسهما.
المثال الأربعون: إذا كان لرجل على رجل مال وللذى عليه المال عقار، فأراد أن يجعل عقاره فى يد غريمه يستغله، ويقبض غلته من دينه جاز ذلك، لأنه توكيل له فيه، فإن خاف الغريم أن يعزله صاحب العقار عن الوكالة.
فالحيلة: أن يسترهنه منه ويستديم قبضه، ثم يأذن له فى قبض أجرته من دينه، ولو لم يأذن له فله أن يقبضها قصاصاً.
وله حيلة أخرى: أن يستأجره منه بمقدار دينه، فما وجب له عليه من الأجرة سقط من دينه بقدره قصاصاً.
المثال الحادى والأربعون: إذا كان له جارية فأراد وطأها، وخاف أن تحبل منه فتصير أم ولد، لا يمكنه بيعها.
فالحيلة: أن يبيعها لأبيه، أو أخيه، أو أخته، فإذا ملكها سأله أن يزوجه إياها فيطأها بالنكاح، ويكون ولده منها أحرارا يعتقون على البائع بالرحم، وهذا إذا كان ممن
стр. 417
يجوز له نكاح الإماء، بأن لا يكون تحته حرة عند أبى حنيفة. أو يكون خائفاً للعنت عادماً لطَوْل حرة، عند الجمهور.
المثال الثانى والأربعون: إذا بانت منه امرأته ببينونة صغرى، وأراد أن يجدد نكاحها فخاف إن أعلمها لم تتزوج به، فله فى ذلك حيل:
إحداها: أن يقول: قد حلفت بيمين، ثم استفتيت، فقيل لى: جدد نكاحك، فإن كانت قد بانت منك عاد النكاح، وإلا لم يضرك. فإن كان لها ولى جدد نكاحها، وإلا فالحاكم أو نائبه.
ومنها: أن يظهر أنه يريد سفراً، وأنه يريد أن يجعل لها شيئاً من ماله، وأن الاحتياط أن يجعله صداقاً بعقد يظهره.
ومنها: أن يظهر مرضاً، وأنه يريد أن يقر لها بمال، أو يوصى لها به، وأن ذلك لا يتم. والأحوط أن أظهر عقد نكاح وأجعل ذلك صداقاً فيه.
فإن قيل: إذا بانت منه ملكت نفسها، ولم يصح نكاحها إلا برضاها، ولعلها لو علمت الحال لم ترض بالنكاح الثانى.
قيل: رضاها بتجديد العقد للغرض الذى يريده يتضمن رضاها بالنكاح، وهى لو هزلت بالإذن صح إذنها وصح النكاح، مع أنها لم تقصده كما لو هزل الزوج بالقبول صح نكاحه، وهاهنا قد قصدت بقاء النكاح، ورضيت به، فهو أولى بالصحة.
فإن قيل: فالرجل قاصد إلى النكاح، والمرأة غير قاصدة له؟
قيل: بل قصدت إلى تجديد نكاح يتم به غرضها، فلم تخرج بذلك عن القصد والرضا.
ولو قال رجل لرجل، هزلاً ومزاحاً: زوجنى ابنتك على مائة درهم، أو قال: زوجنى موليتك، وهى تسمع، فقال له، مزاحاً وهزلاً: قد زوجتكها. انعقد النكاح وحل له وطؤها لحديث أبى هريرة الذى رواه أهل السنن عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: "ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ
стр. 418
جِد، وَهَزْلهُنَّ جد: النَّكَاحُ، وَالطّلاقُ، وَالرَّجْعَةَ".
المثال الثالث والأربعون: إذا كان الرجل حسن التصرف فى ماله، غير مبذر له،
стр. 419
فرفع إلى الحاكم وشهد عليه أنه مبذر، فخاف أن يحجر عليه. فقال: إن حجرت على فعبيدى أحرار، ومالى صدقة على المساكين لم يملك القاضى أن يحجر عليه بعد ذلك، لأنه إنما يحجر عليه صيانة لماله، وفى الحجر عليه إتلاف ماله، فهو يعود على مقصود الحجر بالإبطال.
المثال الرابع والأربعون: يصح الصلح عندنا، وعند أبى حنيفة، ومالك، على الإنكار، فإذا ادعى عليه شيئاً فأنكره ثم صالحه على بعضه جاز. والشافعى لا يصحح هذا الصلح، لأنه لم يثبت عنده شئ، فبأى طريق يأخذ ما صالحه عليه؟ بخلاف الصلح على الإقرار، فإنه إذا أقر له بالدين والعين، فصالحه على بعضه، كان قد وهبه، أو أبرأه من البعض الآخر.
والجمهور يقولون: قد دل الكتاب والسنة والقياس على صحة هذا الصلح، فإن الله ندب إلى الإصلاح بين الناس. وأخبر أن الصلح خير وقال: ﴿إِنَّمَا الُمْؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكمْ﴾ [الحجرات: ١٠] .
وقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الصُّلْحُ بَيْنَ الُمْسْلِمينَ جَائزٌ، إِلا صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلالاً".
وأما القياس: فإن المدعى عليه يفتدى مطالبته باليمين وإقامة البينة، وتوابع ذلك: بشيء من ماله يبذله، ليتخلص من الدعوى ولوازمها. وذلك غرض صحيح، مقصود عند العقلاء. وغاية ما يُقَدَّر أن يكون المدعى كاذباً، فهو يتخلص من تحليفه له، وتعريضه للنكول، فيقضى عليه به، أو ترد اليمين، بل عند الخِرَقى: لا يصح الصلح إلا على الإنكار، ولا يصح مع الإقرار، قال: لأنه يكون هضما للحق.
فإذا صالحه مع الإنكار، فخاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل الصلح، فالحيلة فى تخلصه من ذلك: أن يصالح أجنبى عن المنكر على مال، ويقر الأجنبى لهذا المدعى بما ادعاه على
стр. 420
غريمه، ثم يصالحه من دعواه على مال، ولا يفتقر إلى إذن المدعى عليه، ولا وكالته، إن كان المدعى دينا، لأنه يقول: إن كان كاذباً فقد استنقذته من هذه الدعوى، وذلك بمنزلة فكاك الأسير، وإن كان صادقاً فقد قضيت عنه بعض دينه، وأبرأه المدعى من باقيه، وذلك لا يفتقر إلى إذنه. وإن كان المدعى عينا، لم يصح حتى يقول: قد وكلنى المنكر. لأنه يقول: قد اشتريت له هذه العين المدعاة بالمال الذى أصالحك عليه، فإن لم يعترف أنه وكله، وإلا لم يصح.
فإن لم يعترف بوكالته، فطريق الصحة: أن يصالح الأجنبى لنفسه، فيكون بمنزلة شراء العين المغصوبة. فإن اعترف بها المدعى باطنا، صار هو الخصم فيها. وإن لم يعترف بها له لم يسعه أن يخاصم فيها المدعى عليه، ويكون اعترافه له بها ظاهراً حيلة على تصحيح الصلح.
وعلى هذا، فإن كان المدعى دار خلفها الميت لابنه وامرأته، فادعاها رجل فصالحاه من دعواه على مال، فإن كان صلحاً على الإنكار فالدار بينهما على ثمانية أسهم، على المرأة الثمن، وعلى الابن سبعة أثمان. وإن كان على الإقرار، فالمال بينهما نصفان والدار لهما نصفان. فإذا أراد لزوم الصلح على الإنكار، صالح عنهما أجنبى على الإقرار فلزم الصلح، وكان المال بينهما على سبعة أثمان، وكذلك الدار، فإنهما لم يقرا له بالدار وإقرار الأجنبى لا يلزمهما حكمه.
المثال الخامس والأربعون: إذا ادعى عليه أرضا فى يده، أو داراً أو بستانا. فصالحه على عشرة أذرع، أو أقل، أو أكثر، جاز، وكذلك لو صالحه على عشرة أذرع من أرض أو أخرى، جاز، لأنه يقول: قد أخذت بعض حقى وأسقطت البعض.
فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم حنفى، لا يرى جواز ذلك بناء على أنه لا يجوز بيع ذراع، ولا عشرة، من أرض أو دار. فطريق الجواز: أن يذرع الدار التى صالحه على هذا القدر منها، ثم ينسبه إلى المجموع، فما أخرجته النسبة أوقع الصلح عليه، ويصح ذلك ويلزم.
المثال السادس والأربعون: إذا أوصى لرجل بخدمة عبده مدة معينة، أو ما عاش، جاز
стр. 421
ذلك. فإذا أراد الوارث أن يشترى من الموصى له خدمة العبد لم يصح، لأن الحق الموصى له به إنما هو فى المنافع، وبيع المنافع لا يجوز.
والحيلة فى الجواز: أن يصالحه الوارث من وصيته على مال معين، فيجوز ذلك. وكذلك لو أوصى له بحمل شاته أو أمته، أو بما يحمل شجره عاماً. فإذا أراد الوارث شراءه منه لم يصح، وله أن يصالحه عليه، فإن الصلح - وإن كان فيه شائبة من البيع - فهو أوسع منه.
المثال السابع والأربعون: لو شجه رجل، فعفا المشجوج عن الشجة، وما يحدث منها ثم مات منها، لم يلزم الشاج شيئاً، ولو قال: عفوت عن هذه الجراحة، أو الشجة، ولم يقل: وما يحدث منها، فكذلك فى إحدى الروايتين، وفى الأخرى: تضمن بقسطها من الدية. ولو قال: عفوت عن هذه الجناية، فلا شئ له فى السراية، رواية واحدة. وعند أبى حنيفة له المطالبة بالدية فى ذلك كله، إلا إذا قال: عفوت عنها، وعما يحدث منها.
فالحيلة فى تخلص المعفو عنه: أن يشهد على المجنى عليه: أنه عفا عن هذه الجناية أو الشجة وما يحدث منها، فيتخلص عند الجميع.
المثال الثامن والأربعون: إذا مات وترك زوجة وورثة، فأرادت الزوجة أن يصالحها الورثة عن حقها نظرنا فى التركة، وفى الذى وقع عليه الصلح، فإن كان فى التركة أثمان: ذهب وفضة، فصالحتهم على شئ من الأثمان لم يصح، لإفضائه إلى الربا. لأن صلحها بيع نصيبها منهم. وإن صالحتهم على عرض أو عقار، أو كان فى التركة دراهم، فصالحتهم بدنانير، أو بالعكس جاز. ولا تضر جهالة حقها، لأن عقد الصلح أوسع من البيع كما تقدم.
فإن كان فى التركة ديون لم يصح، لأن بيع الدين من غير الذى هو فى ذمته لا يصح. ويحتمل أن يقول بصحته، كما يصح عن المجهول، وإن لم يصح بنفسه.
فالحيلة فى صلحها عن الدين أيضاً: أن يعجل لها حصتها من الدين، يقرضها الورثة
стр. 422
ذلك، وتوكلهم فى اقتضائه، ثم تصالحهم من الأعيان، على ما اتفقوا عليه، لأنهم إذا أقرضوها حصتها من الدين ثم وكلتهم بقبض حصتها من الدين، فإذا قبضوا حصتها من الدين فقد حصل فى أيديهم بمالها من جنس مالهم عليها فيتقاصان. ويكون عقد الصلح قد وقع على العروض والمتاع خاصة.
فإن لم تطب أنفسهم أن يقرضوها قدر حصتها من الدين، وأحبت تعجيل الصلح صالحتهم عن حقها من المتاع والعروض، دون الديون. وكلما قبض من الدين شئ أخذت حقهاً منه، فإن تعسر ذلك، وشق عليها، وأحبت الخلاص. حاسبوها فى الصلح من الأعيان بأكثر من حقها منها، وأقرت أن الدين حق للورثة دونها، من ثمن متاع باعه الميت لهم.
فإن أرادوا قسمة الدين فى الذمم. فالمشهور: أنه لا يصح لأن الذمم لا تتكافأ، وفيه رواية أخرى تجوز قسمته، وهى الصحيحة. فإن قد تكون مصلحة الورثة والغرماء فى ذلك، وتفاوت الذمم لا يمنع القسمة، فإن التفاوت فى المحل، والمقسوم واحد متماثل، وإن اختلفت محاله. وإذا كان الغرماء كلهم موسرين أو معسرين، أو بعضهم موسراً، وبعضهم معسراً، فأخذ كل من الورثة موسراً ومعسراً، كان هذا عدلاً غير ممتنع وقد تراضوا به فلا وجه لبطلانه، وبالله التوفيق.
المثال التاسع والأربعون: إذا كان لرجل على رجل دين، فقال: تصدق به عنى ففعل لم يبرأ، وكانت الصدقة عن المخرج ودينه باقياً، قاله أصحابنا لأنه لم يتعين، ولأنه لا يكون مبرئا لنفسه بفعله.
قالواً: وطريق الصحة أن يقول: تصدق عنى بكذا، بقدر دينه، ويكون ذلك إقراضاً منه. فإذا فعل ثبت له فى ذمته ذلك القدر، وعليه له مثله، فيتقاصان
стр. 423
وكذلك لو قال له: ضارب بالمال الذى عليك والربح بيننا، لم يصح.
والحيلة فى صحته: أن يقول: أذنت لك فى دفعه إلى ابنك، أو زوجتك وديعة ثم وكلتك فى أخذه والمضاربة به.
والظاهر: أنه لا يحتاج إلى شئ من ذلك. ويكفى قبضه من نفسه لرب الناس. وإذا تصدق عنه بالذى قال، كان عن الآمر. هذا هو الصحيح، وهو تخريج لبعض أصحابنا ولا حاجة به إلى هذه الحيلة، فإذا عينه بالنية تعين، وكان قابضاً من نفسه لموكله، وأى محذور فى ذلك؟.
المثال الخمسون: يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته عندنا، وكذلك الدابة بعلفها وكذلك المرضعة، وهو مذهب مالك، وقال الشافعى: لا يجوز فيهما، وجوزه أبو حنيفة فى الظئر خاصة. فإذا عقد الإجارة كذلك، ثم خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانها، فيلزمه بأجرة مثله، فالحيلة فى تصحيح ذلك: أن يستأجر بنقد معلوم، يكون بقدر الطعام والكسوة، ثم يشهد عليه أنه وكله فى إنفاق ذلك على نفسه وكسوته، وكذلك فى الدابة.
المثال الحادى والخمسون: يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره المؤجر، كما يجوز لغيره. وأبو حنيفة يبطل هذه الإجارة.
فالحيلة فى لزومها: أن يؤجر ذلك لأجنبى غير المؤجر، ثم يؤجره إياها الأجنبى.
المثال الثانى والخمسون: إذا كفل اثنان واحدا، فسلمه أحدهما برئ الآخر، كما لو ضمنا دينا، فقضاه أحدهما، فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم لا يرى ذلك، ويلزم الآخر بتسليمه.
فالحيلة فى خلاصه: أن يكفلا هذا المكفول به، على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعاً بريئان، أو يشهدا عليهما أن كل واحد منهما وكيل صاحبه فى دفع المكفول به إلى الطالب، والتبرى إليه منه، فيبرآن على قول الجميع.
стр. 424
المثال الثالث والخمسون: يصح ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب عندنا، كما يصح ضمان الدرك، فإذا قال: ما أعطيت لفلان فأنا ضامن له، صح ولزمه. وقال الشافعى: لا يصح.
فالحلية فى صحته، لئلا يبطل ذلك حاكم يرى بطلانه: أن يقول: ما أعطيت لفلان من درهم إلى ألف، فأنا ضامن له. فإن ضمنه اثنان وأطلقا جاز، واستويا فى الغرم. فإن ضمناه على أن على أحدهما الثلث، وعلى الآخر الثلثين، جاز ذلك لأن المال إنما يجب على كل منها بالتزامه، فإذا التزماه على هذا الوجه صح. فان أراد أحد الضامنين أن يضمن الآخر ما لزمه من هذا الضمان، فيصير ضامناً، جاز ذلك أيضاً، لأن المال قد ثبت فى ذمة كل واحد منهما، فإذا ضمنه أحدهما جاز كما يجوز فى الأصل.
المثال الرابع والخمسون: إذا اشترك رجلان شركة عنان، فسافر أحدهما بالمال بإذن شريكه، فخاف أن يموت المقيم، فيشترى بالمال بعد موته متاعاً، فيضمن، لأنه قد انتقل إلى الورثة، وبطلت الشركة.
فالحيلة فى تخلصه من ذلك: أن يشهد على شريكه المقيم أن حصته فى المال الذى بينه وبينه لولده الصغار، وقد أوصى إلى شريكه بالتصرف فيه، وأمره أن يشترى بها ما أحب فى حياته وبعد وفاته، فإن كان ولده كباراً أشهد على نفسه أن هذا المال لهم ثم يأمر ولده الكبار هذا الشريك أن يعمل لهم فى مالهم هذا بما يرى، ويشترى لهم ما أحب.
المثال الخامس والخمسون: إذا كان لرجلين على امرأة ألف درهم مثلا، فتزوجها أحدهما على نصيبه فى المال عليها صح النكاح، وبرئت ذمة المرأة من ذلك المقدار، ولم يلزم الزوج أن يضمن لصاحبه شيئاً منه، لأنه لم يقبض شيئاً من نصيبه، ولم يحصل فى ضمانه، فجرى مجرى إبرائها له منه. وبعض الفقهاء يضمنه نصيب شريكه من المهر، ويجعله كالمقبوض، لأنه عاوض عليه بالبضع، فهو كما لو اشترى منها به سلعة، فإنها تكون بينهما، وهاهنا تعذرت مشاركته فى البضع، فيشاركه فى بدله وهو المهر، فكأنها وفته نصيبه من الدين.
стр. 425
وطريق الحيلة فى تخليصه من ذلك: أن يهب لها نصيبه مما عليها، ثم يتزوجها بعد ذلك على خمسمائة فى ذمته، ثم تهب له المرأة مالها عليه من الصداق، فإن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لشريكه شيئاً، لأنه متبرع. فإن خاف أن يهبها أو يبرئها فتغدر به، ولا تتزوج به، فالحيلة له: أن يشهد على إقرارها أنه يستحق عليها ذلك المبلغ، مادامت أجنبية منه، وأنه لا يستحق على زوجته فلانة شيئاً من ذلك المال.
وأكثر ما فيه: أنه يسميها زوجة قبل العقد برئت من الدين. فإن خاف أن لا تبرئه من الصداق، وتطالبه به، ويسقط حقه من المال الذى عليها، فالحيلة له: أن يشهد عليها فى العقد: أنه برئ إليها من الصداق، وأنها لا تستحق المطالبة به.
المثال السادس والخمسون: إذا أراد أن يشترى جارية، وعرض له آخر يريد شراءها. فاستحلف أحدهما صاحبه: أنه إن اشتراها فهى بينه وبينه نصفين، فأراد أن يشتريها وتكون له. تأول فى يمينه: أنه إن اشتراها بنفسه فهى بينه وبينه. فإذا وكل من يشتريها له كانت له وحده.
فإن استحلفه أنه إن ملكها فهو شريكه فيها، بطلت هذه الحيلة، فله أن يأمر من يثق به أن يشتريها لنفسه، ويؤدى هو عنه الثمن. ثم يزوجه إياها. فإذا أراد بيعها استبرأها، ثم أمر ذلك الرجل أن يبيعها ويرجع ثمنها إليه.
المثال السابع والخمسون: إذا كان بينهما عرض من العروض، فاشتراه منهما أجنبى بمائه درهم وقبضه. ثم إن المشترى أراد أن يصالح أحدهما من جميع الثمن على بعضه، على أن يضمن له الدرك من شريكه، حتى يخلصه منه، أو يرد عليه جميع الثمن الذى وقع العقد عليه فقال القاضى: لا يجوز ذلك، لأن الضمان على شريكه إنما يجب بقبضه المال، وذلك لم يوجد، فلا يكون مضمونا عليه.
فالحلية للمشترى: أن يكون بريئا. وإن أدركه درك من شريكه رجع به على الذى صالحه أن يحط الشريك المصالح عن المشترى نصيبه كله من الثمن ثم يدفع المشترى إليه نصيب صاحبه، فصالحه على أنه ضامن لما أدركه من شريكه، حتى يخلصه منه، أو يرد عليه
следующие страницы →