← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11688

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ت الفقي

ابن القيم

Полный текст (760 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

السُّفَهَاء مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وإنما كان إهلاكهم بقولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] ثم قال ﴿إِنّ هِى إِلا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وهذا من تمام الاستعطاف، أى ما هى إلا ابتلاؤك واختبارك لعبادك. فأنت ابتليتهم وامتحنتهم، فالأمر كله لك وبيدك، لا يكشفه إلا أنت، كما لم يمتحن به ويختبر به إلا أنت. فنحن عائذون بك منك. ولاجئون منك إليك. فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة وكيده لهم: أنهم قيل لهم، وهم مع نبيهم، والوحى ينزل عليه من الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] . قال قتادة، وابن زيد، والسدى، وابن جرير وغيرهم: هى قرية بيت المقدس: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾ [البقرة: ٥٨] ، أى: هنيئاً واسعاً، ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾ [البقرة: ٥٨] . قال السدى: هو باب من أبواب بيت المقدس. وكذلك قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، قال: والسجود بمعنى الركوع. وأصل السجود: الانحناء لمن تعظمه. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو ساجد، قاله ابن جرير وغيره. قلت: وعلى هذا فانحناء المتلاقيين عند السلام، أحدهما لصاحبه من السجود المحرم، وفيه نهى صريح عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ثم قيل لهم ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] . أى حط عنا خطايانا. هذا قول الحسن، وقتادة، وعطاء. وقال عكرمة وغيره: أى قولوا: "لا إله إلا الله" وكأن أصحاب هذا القول اعتبروا الكلمة التى تحط بها الخطايا، وهى كلمة التوحيد. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس "أمروا بالاستغفار".

стр. 702

وعلى القولين: فيكونون مأمورين بالدخول بالتوحيد والاستغفار، وضمن لهم بذلك مغفرة خطاياهم. فتلاعب الشيطان بهم، فبدلوا قولا غير الذى قيل لهم، وفعلا غير الذى أمروا به. فروى البخارى فى صحيحه ومسلم أيضاً، من حديث همام بن منبه عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "قِيلَ لِبَنِى إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطّةٌ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا: حَبَّةٌ فى شَعْرَةٍ. فبَدَّلُوا القولَ وَالفِعْلَ معاً. فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ". قال أبو العالية: هو الغضب. وقال ابن زيد: هو الطاعون. وعلى هذا فالطاعون بالرصد لمن بدل دين الله قولا وعملا. فصل ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم كانوا فى البريَّة قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيش الثوم والبصل، والعدس، والبقل، والقثاء. فسألوه موسى ﵇. وهذا من سوء اختيارهم لأنفسهم، وقلة بصرهم بالأغذية النافعة الملائمة، واستبدال الأغذية الضارة القليلة التغذية منها، ولهذا قال لهم موسى ﵇: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ؟ اهْبِطُوا مِصْراً -أى مصرا من الأمصار- فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] .

стр. 703

فكانوا فى أفسح الأمكنة وأوسعها، وأطيبها هواء، وأبعدها عن الأذى، ومجاورة الأنتان والأقذار، سقفهم الذى يظلهم من الشمس: الغمام، وطعامهم: السلوى، وشرابهم: المن. قال ابن زيد: كان طعام بنى إسرائيل فى التيه واحدا، وشرابهم واحدا. كان شرابهم عسلا ينزل من السماء، يقال له: المن. وطعامهم طير، يقال له: السلوى يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكن لهم خبز ولا غيره. ومعلوم فضل هذا الغذاء والشراب على غيرهما من الأغذية والأشربة. وكانوا مع ذلك يتفجر لهم من الحجر اثنا عشر عينا من الماء. فطلبوا الاستبدال بما هو دون ذلك بكثير. فذموا على ذلك فكيف بمن استبدل الضلال بالهدى، والغى بالرشاد، والشرك بالتوحيد، والسنة بالبدعة، وخدمة الخالق بخدمة المخلوق، والعيش الطيب فى المساكن الطيبة فى جوار الله تعالى بحظه من العيش النكد الفانى فى هذه الدار؟

стр. 704

فصل ومن تلاعبه بهم: أنهم لما عرضت عليهم التوراة لم يقبلوها، وقد شاهدوا من الآيات ما شاهدوه، حتى أمر الله سبحانه جبريل، فقلع جبلا من أصله على قدرهم. ثم رفعه فوق رؤوسهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها ألقيناه عليكم، فقبلوها كرها. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَل فَوْقَهُمْ كأَنَّهُ ظلّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بهِمْ، خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١] . قال عبد الله بن وهب قال ابن زيد: لما رجع موسى من عند ربه بالألواح، قال لبنى إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، وأمره الذى أمركم به، ونهيه الذى نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله، حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله إلينا، فيقول: هذا كتابى فخذوه. فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى، فيقول: هذا كتابى فخذوه؟ فجاءت غضبة من الله تعالى. فجاءتهم صاعقة فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله تعالى بعد موتهم. فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. فقال: أى شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيينا. فقال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. قال: فبعث الله ملائكته فنتقت الجبل فوقهم، فقيل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم، الطور. قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم. قال: فأخذوه بالميثاق. وقال السدى: لما قال الله تعالى لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] . فأبوا أن يسجدوا، فأمر الله الجبل أن يرتفع فوق رؤوسهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سجدا على شق، ونظروا بالشق الآخر فكشفه عنهم، ثم تولوا من بعد هذه الآيات وأعرضوا،

стр. 705

ولم يعملوا بما فى كتاب الله ونبذوه وراء ظهورهم. فقال تعالى مذكرا لهؤلاء بما جرى من أسلافهم. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتّقُونَ ثَمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِريِنَ﴾ [البقرة: ٦٣ - ٦٤] . فصل ومن تلاعبهم بهم: أن الله سبحانه أنجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه، وفرق بهم البحر، وأراهم الآيات والعجائب، ونصرهم وآواهم وأعزهم، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين. ثم أمرهم أن يدخلوا القرية التى كتب الله لهم وفى ضمن هذا بشارتهم بأنهم منصورون ومفتوح لهم. وأن تلك القرية لهم. فأبوا طاعته وامتثال أمره، وقابلوا هذا الأمر والبشارة، بقولهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا ههُنَا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] . وتأمل: تلطف نبى الله تعالى موسى ﵇ بهم، وحسن خطابه لهم، وتذكيرهم بنعم الله عليهم، وبشارتهم بوعد الله لهم: بأن القرية مكتوبة لهم، ونهيهم عن معصيته بارتدادهم على أدبارهم، وأنهم إن عصوا أمره، ولم يمتثلوا انقلبوا خاسرين. فجمع لهم بين الأمر والنهى، والبشارة والنذارة، والترغيب والترهيب، والتذكير بالنعم السالفة. فقابلوه أقبح المقابلة. فعارضوا أمر الله تعالى بقولهم: ﴿يَا مُوسَى إنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] . فلم يوقروا رسول الله وكليمه، حتى نادوه باسمه، ولم يقولوا: يا نبى الله. وقالوا: "إن فيها قوما جبارين" ونسوا قدرة جبار السماوات والأرض الذى يذل الجبابرة لأهل طاعته. وكان خوفهم من أولئك الجبارين - الذين نواصيهم بيد الله- أعظم من خوفهم من الجبار الأعلى سبحانه وكانوا أشد رهبة فى صدورهم منه. ثم صرحوا بالمعصية والامتناع من الطاعة. فقالوا: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مٍنْهَا﴾ [المائدة: ٢٢] . فأكدوا معصيتهم بأنواع من التأكيد.

стр. 706

أحدها: تمهيد عذر العصيان بقولهم: ﴿إنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] . والثانى: تصريحهم بأنهم غير مطيعين، وصدروا الجملة بحرق تأكيد، وهو "إن" ثم حققوا النفى بأداة "لن" الدالة على نفى المستقبل: أى لا ندخلها الآن، ولا فى المستقبل. ثم علقوا دخولها بشرط خروج الجبارين منها فقال لهم: ﴿رَجُلاَنِ مِنَ الّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣] . بطاعته والانقياد إلى أمره، من الذين يخافون الله. هذا قول الأكثرين، وهو الصحيح. وقيل: من الذين يخافونهم من الجبارين، أسلما واتبعا موسى ﵇: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة: ٢٣] . أى باب القرية، فاهجموا عليهم، فإنهم قد ملئوا منكم رعبا: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] . ثم أرشدهم إلى ما يحقق النصر والغلبة لهم وهو التوكل. فكان جواب القوم أن ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبّداً مَا دَامُوا فِيهَا، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا ههُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] . فسبحان من عظم حلمه حيث يقابل أمره بمثل هذه المقابلة، ويواجه رسوله بمثل هذا الخطاب، وهو يحلم عنهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، بل وسعهم حلمه وكرمه، وكان أقصى ما عاقبهم به: أن رددهم فى برية التيه أربعين عاما يظل عليهم الغمام من الحر، وينزل عليهم المن والسلوى. وفى الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: "لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وشمالك، وبين يديك ومن خلفك. فرأيت رسول الله صلى الله تعالى وسلم أشرق وجهه لذلك وسر به".

стр. 707

فما قابلوا نبى الله بهذه المقابلة. ﴿قَالَ رَبِّ لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قَالَ فَإنّهَا مَحَرَّمَةٌ عَلَيْهمْ أَرْبَعينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِى الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] . فصل ومن تلاعبه بهم فى حياة نبيهم أيضا: ما قصه الله [البقرة: ٦٧ - ٧٤] فى كتابه من قصة القتيل الذى قتلوه وتدافعوا فيه، حتى أمروا بذبح بقرة وضربه ببعضها. وفى القصة أنواع من العبر: منها: أن الإخبار بها من أعلام نبوه رسول الله تعالى عليه وآله وسلم. ومنها: الدلالة على نبوة موسى، وأنه رسول رب العالمين. ومنها: الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم: من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم. ومنها: إثبات الفاعل المختار، وأنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، عدل لا يجوز عليه الظلم والجور، حكيم لا يجوز عليه العبث. ومنها: إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتنوعات، زيادة فى هداية المهتدين، وإعذار وإنذارا للضال.

стр. 708

ومنها: أنه لا ينبغى مقابلة أمر الله تعالى بالتعنت، وكثرة الأسئلة، بل يبادر إلى الامتثال، فإنهم لما أمروا أن يذبحوا بقرة كان الواجب عليهم أن يبادروا إلى الامتثال بذبح أى بقرة اتفقت فإن الأمر بذلك لا إجمال فيه ولا إشكال، بل هو بمنزلة قوله: أعتق رقبة، وأطعم مسكينا، وصم يوما، ونحو ذلك، ولذلك غلط من احتج بالآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فإن الآية غنية عن البيان المنفصل، مبينة بنفسها، ولكن لما تعنتوا وشدودا شدد عليهم. قال أبو جعفر بن جرير عن الربيع عن أبى العالية "لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها. ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم". ومنها: أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذى لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإنكار. وذلك نوع من الكفر. فإن القوم لما قال لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ كُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةَ﴾ [البقرة: ٦٧] . قابلوا هذا الأمر بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ [البقرة: ٦٧] . فلما لم يعلموا وجه الحكمة فى ارتباط هذا الأمر بما سألوه عنه، قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ [البقرة: ٦٧] . وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله. فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك، ولم يكن هو الآمر به. ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول أن يقابل أمره بذلك. فلما قال لهم: ﴿أَعُوذَ بِاللهِ أَنْ أكُونَ مِنَ الْجَاهِلينَ﴾ [البقرة: ٦٧] . وتيقنوا أن الله سبحانه أمره بذلك، أخذوا فى التعنت بسؤالهم عن عينها ولونها. فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة عن عينها. فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال، توقفوا فى الامتثال، ولم يكادوا يفعلون.

стр. 709

ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] . فإن أرادوا بذلك: إنك لم تأت بالحق قبل ذلك فى أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ظاهر. وإن أرادوا: أنك الآن بينت لنا البيان التام فى تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ كُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] . فإنه لا إجمال فى الأمر، ولا فى الفعل، ولا فى المذبوح، فقد جاء رسول الله ﷺ بالحق من أول مرة. قال محمد بن جرير: وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى "الآن جئت بالحق" وزعم أن ذلك نفى منهم أن يكون موسى ﵇ أتاهم بالحق فى أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر منهم، قال: وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قولهم الذى قالوا لموسى جهلا منهم، وهفوة من هفواتهم.

стр. 710

فصل ومنها: الإخبار عن قساوة قلوب الأمة وغلظها، وعدم تمكن الإيمان فيها. قال عبد الصمد بن معقل عن وهب: كان ابن عباس يقول "إن القوم بعد أن أحيى الله تعالى الميت فأخبرهم بقاتله، أنكروا قتله. وقالوا: والله ما قتلناه، بعد أن رأوا الآيات والحق" قال الله تعالى: ﴿ثمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِى كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] . ومنها: مقابلة الظالم الباغى بنقيض قصده شرعا وقدرا. فإن القاتل قصده ميراث المقتول، ودفع القتل عن نفسه، ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث المقتول. ومنها: أن بنى إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من بين سائر الدواب. ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة. والبقر من أبلد الحيوان، حتى ليضرب به المثل. والظاهر: أن هذه القصة كانت بعد قصة العجل. ففى الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذى لا يمتنع من الذبح والحرث والسقى، لا يصلح أن يكون إلها معبودا من دون الله تعالى، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقى والعمل. فصل ومن تلاعبه بهذه الأمة أيضا: ما قصه الله تعالى علينا [البقرة: ٦٥ - ٦٦] من قصة أصحاب السبت، حتى مسخهم قردة لما تحيلوا على استحلال محارم الله تعالى. ومعلوم أنهم كانوا يعصون الله تعالى بأكل الحرام، واستباحة الفروج والحرام،

стр. 711

والدم الحرام. وذلك أعظم إثما من مجرد العمل يوم السبت. ولكن لما استحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل، وتلاعبوا بدينه، وخادعوه مخادعة الصبيان، ومسخوا دينه بالاحتيال، مسخهم الله تعالى قردة. وكان الله تعالى قد أباح لهم الصيد فى كل أيام الأسبوع إلا يوما واحدا، فلم يدعهم حرصهم وجشعهم حتى تعدوا إلى الصيد فيه، وساعد القدر بأن عوقبوا بإمساك الحيتان عنهم فى غير يوم السبت، وإرسالها عليهم يوم السبت، وهكذا يفعل الله سبحانه بمن تعرض لمحارمه. فإنه يرسلها عليه بالقدر تزدلف إليه بأيها يبدأ. فانظر ما فعل الحرص، وما أوجب من الحرمان بالكلية. ومن هاهنا قيل: من طلبه كله فاته كله. فصل ومن تلاعب الشيطان بهم أيضا: أنهم لما حرمت عليهم الشحوم أذابوها، ثم باعوها، وأكلوا أثمانها، وهذا من عدم فقههم وفهمهم عن الله تعالى دينه. فإن ثمنها بدل منها. فتحريمها تحريم لبدلها والمعاوضة عنها. كما أن تحريم الخمر والميتة والدم ولحم الخترير يتناول تحريم أعيانها وأبدالها.

стр. 712

ومن تلاعبه بهم أيضا: اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، وقد لعنهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك، ولعنته تتناول من فعل فعلهم. ومن تلاعبه بهم أيضا: أنهم كانوا يقتلون الأنبياء الذين لا تنال الهداية إلا على أيديهم. ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى، يحرمون عليهم ويحلون لهم. فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم. ولا يلتفتون: هل ذلك التحريم والتحليل من عند الله تعالى أم لا؟. قال عدى بن حاتم: "أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فسألته عن قوله. ﴿اتّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١] . فقلت: يا رسول الله، ما عبدوهم، فقال: حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فأطاعوهم. فكانت تلك عبادتهم إياهم" رواه الترمذى وغيره. وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على يديه، ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندا لله يحرم عليه، ويحلل له. ومن تلاعبه بهم: ما كان منهم فى شأن زكريا ويحيى ﵉، وقتلهم لهما، حتى سلط الله عليهم بختنصر، وسنحاريب وجنودهما، فنالوا منهم ما نالوه.

стр. 713

ثم كان منهم فى شأن المسيح ورميه وأمه بالعظائم، وهم يعلمون أنه رسول الله تعالى إليهم فكفروا به بغيا وعنادا، وراموا قتله وصلبه، فصانه الله تعالى من ذلك، ورفعه إليه، وطهره منهم. فأوقعوا القتل والصلب على شبهه، وهم يظنون أنه رسول الله عيسى صلى الله تعالى عليه وسلم. فانتقم الله تعالى منهم، ودمر عليهم أعظم تدمير، وألزمهم كلهم حكم الكفر بتكذيبهم بالمسيح كما ألزم النصارى معهم حكم الكفر بتكذيبهم بمحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ولم يزل أمر اليهود بعد تكذيبهم بالمسيح وكفرهم به فى سفال ونقص إلى أن قطعهم الله تعالى فى الأرض أمما، ومزقهم كل ممزق، وسلبهم عزهم وملكهم، فلم يقم لهم بعد ذلك مُلك إلى أن بعث الله تعالى محمدا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فكفروا به وكذبوه، فأتم عليهم غضبه، ودمرهم غاية التدمير، وألزمهم ذلا وصغارا لا يرفع عنهم إلى أن ينزل أخوه المسيح من السماء، فيستأصل شأفتهم، ويطهر الأرض منهم، ومن عباد الصليب. قال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ الله بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ الله مِنْ فَضْلِه عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] . فالغضب الأول: بسبب كفرهم بالمسيح، والغضب الثانى: بسبب كفرهم بمحمد، صلوات الله وسلامه عليهما. فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة: أن ألقى إليهم أن الرب تعالى محجور عليه فى نسخ الشرائع، فحجروا عليه أن يفعل ما يشاء

стр. 714

ويحكم ما يريد، وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية ترساً لهم فى جحد نبوة رسول الله محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وقرروا ذلك بأن النسخ يستلزم البداء وهو على الله تعالى محال. وقد أكذبهم الله سبحانه فى نص التوراة، كما أكذبهم فى القرآن. قال الله تعالى: ﴿كُلّ الطَّعَامِ كانَ حِلا لِبَنِى إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالُمِونَ قُلْ صَدَقَ الله فَاتَّبِعُوا مِلّةَ إبراهيم حَنِيفاً وما كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣- ٩٥] . فتضمنت هذه الآيات بيان كذبهم صريحا فى إبطال النسخ، فإنه أخبر أن الطعام كله كان حلالا لبنى إسرائيل، قبل نزول التوراة، سوى ما حرم إسرائيل على نفسه منه. ومعلوم أن بنى إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته، وأن الذى كان لهم حلالا إنما هو بإحلال الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء بعده إلى حين نزول التوراة ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم، التى كانت حلالا لبنى إسرائيل، وهذا محض النسخ. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣] متعلق بقوله: كان حلاً لبنى إسرائيل. أى كان حلالا لهم قبل نزول التوراة، وهم يعلمون ذلك. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] . هل تجدون فيها أن إسرائيل حرم على نفسه ما حرمته التوراة عليكم؟ أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم؟ وهى لحوم الإبل وألبانها خاصة. وإذا كان إنما حرم هذا وحده، وكان ما سواه حلالا له ولبنيه، وقد حرمت التوراة كثيرا منه، ظهر كذبكم وافتراؤكم فى إنكار نسخ الشرائع، والحجر على الله تعالى فى نسخها. فتأمل هذا الموضع الشريف الذى حام حوله أكثر المفسرين، وما وردوه. وهذا أولى من احتجاج كثير من أهل الكلام عليهم بأن التوراة حرمت أشياء كثيرة

стр. 715

من المناكح، والذبائح، والأفعال، والأقوال. وذلك نسخ لحكم البراءة الأصلية فإن هذه المناظرة ضعيفة جدا. فإن القوم لم ينكروا رفع البراءة الأصلية بالتحريم والإيجاب، إذ هذا شأن كل الشرائع، وإنما أنكروا تحريم ما أباحه الله تعالى، فيجعله حراما، أو تحليل ما كان حرمه فيجعله مباحا. وأما رفع البراءة والاستصحاب فلم ينكره أحد من أهل الملل. ثم يقال لهذه الأمة الغضبية: هل تقرون أنه كان قبل التوراة شريعة أم لا؟ فهم لا ينكرون أن يكون قبل التوراة شريعة. فيقال لهم: فهل رفعت التوراة شيئا من أحكام تلك الشرائع المتقدمة أم لا؟ فإن قالوا: لم ترفع شيئا من أحكام تلك الشرائع، فقد جاهروا بالكذب والبهت وإن قالوا: قد رفعت بعض الشرائع المتقدمة، فقد أقروا بالنسخ قطعاً.

стр. 716

وأيضا، فيقال للأمة الغضبية: هل أنتم اليوم على ما كان عليه موسى ﵇؟ فإن قالوا: نعم قلنا أليس فى التوراة أن من مس عظم ميت، أو وطئ قبرا، أو حضر ميتا عند موته، فإنه يصير من النجاسة بحال لا مخرج له منها إلا برماد البقرة التى كان الإمام الهارونى يحرقها؟ فلا يمكنهم إنكار ذلك. فيقال لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟. فإن قالوا: لا نقدر عليه، فيقال لهم: لم جعلتم أن من مس العظم والقبر والميت طاهرا يصلح للصلاة، والذى فى كتابكم خلافه؟. فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهى رماد البقرة، وعدمنا الإمام المطهر ليستغفر. فيقال لهم: فهل أغناكم عدمه عن فعله، أو لم يغنكم؟ فإن قالوا: أغنانا عدمه عن فعله. قيل لهم: قد تبدل الحكم الشرعى من الوجوب إلى إسقاطه لمصلحة التعذر. فيقال: وكذلك يتبدل الحكم الشرعى بنسخه لمصلحة النسخ، فإنكم إن بنيتم على اعتبار المصالح والمفاسد فى الأحكام، فلا ريب أن الشيء يكون مصلحة فى وقت دون وقت، وفى شريعة دون أخرى، كما كان تزويج الأخ بالأخت مصلحة فى شريعة آدم ﵇، ثم صار مفسدة فى سائر الشرائع، وكذلك إباحة العمل يوم السبت كان مصلحة فى شريعة إبراهيم ﵇ ومن قبله وفى سائر الشرائع، ثم صار مفسدة فى شريعة موسى ﵇، وأمثال ذلك كثيرة. وإن منعتم مراعاة المصالح فى الأحكام، ومنعتم تعليلها بها، فالأمر حينئذ أظهر، فإنه سبحانه يحلل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، والتحليل والتحريم تبع لمجرد مشيئته، لا يسأل عما يفعل. وإن قلتم: لا نستغنى فى الطهارة عن ذلك الطهور الذى كان عليه أسلافنا، فقد أقررتم بأنكم الأنجاس أبدا، ولا سبيل لكم إلى حصول الطهارة.

стр. 717

فإن قالوا: نعم، الأمر كذلك. قيل لهم: فإذا كنتم أنجاساً على مقتضى أصولكم، فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام، اعتزالا تخرجون فيه إلى حد لو أن أحدكم لمس ثوبه ثوب المرأة نجستموه مع ثوبه. فإن قلتم: ذلك من أحكام التوراة. قيل لكم: ليس فى التوراة أن ذلك يراد به الطهارة، فإذا كانت الطهارة قد تعذرت عندكم، والنجاسة التى أنتم عليها لا ترتفع بالغسل، فهى إذاً أشد من نجاسة الحيض. ثم إنكم ترون أن الحائض طاهر إذا كانت من غير ملتكم، ولا تنجسون من لمسها، ولا الثوب الذى تلمسه، فتخصيص هذا الأمر بطائفتكم ليس فى التوراة. فصل قالت الأمة الغضبية: التوراة قد حظرت أمورا، كانت مباحة من قبل، ولم تأت بإباحة محظور، والنسخ الذى ننكره ونمنع منه: هو ما أوجب إباحة محظور، لأن تحريم الشيء إنما هو لأجل ما فيه من المفسدة، فإذا جاءت شريعة بتحريمه كان ذلك من مؤكداتها ومقرراتها فإذا جاء من أباحه علمنا بإباحة المفسدة: أنه غير نبى، بخلاف تحريم ما كان مباحا، فإنا نكون متعبدين بتحريمه. قالوا: وشريعتكم جاءت بإباحة كثير مما حرمته التوراة، مع أنه إنما حرم لما فيه من المفسدة. فهذه النكتة هى التى تعتمد عليها الأمة الغضبية، ويتلقاها خالف منهم عن سالف والمتكلمون لم يشفوهم فى جوابها. وإنما أطالوا معهم الكلام فى رفع البراءة الأصلية بالشرائع، وفى نسخ الإباحة بالتحريم. ولعمر الله إنه لمما يبطل شبهتهم، لأن رفع البراءة الأصلية، ورفع الإباحة بالتحريم هو تغيير لما كان عليه الحكم الاستصحابى أو الشرعى، بحكم آخر لمصلحة اقتضت تغييره، ولا فرق فى اقتضاء المصلحة بين تغيير الإباحة بالتحريم، أو تغيير التحريم بالإباحة.

стр. 718

والشبهة التى عرضت لهم فى أحد الموضعين هى بعينها فى الموضع الآخر، فإن إباحة الشى فى الشريعة تابع لعدم مفسدته، إذا لو كانت فيه مفسدة راجحة لم تأت الشريعة بإباحته. فإذا حرمته الشريعة الأخرى وجب قطعا أن يكون تحريمه فيها هو المصلحة، كما كان إباحته فى الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة فى الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة فى الشريعة الأولى إباحة المفاسد- وحاشا لله- تضمن تحريم المباح فى الشريعة الأولى تحريم المصالح. وكلاهما باطل قطعا. فإذا جاز أن تأتى شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ومن تقدمه يستبيحه، فجائز أن تأتى شريعة أخرى بتحليل بعض ما كان فى التوراة محظورا. وهذه الشبهة الباطلة الداحضة هى التى ردت بها الأمة الغضبية نبوة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، هى بعينها التى رد بها أسلافهم نبوة المسيح، وتوارثوها كافرا عن كافر. وقالوا لمحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، كما قال أسلافهم للمسيح: لا نقر بنبوة من غير شريعة التوراة. فيقال لهم: فكيف أقررتم لموسى بالنبوة، وقد جاء بتغيير بعض شرائع من تقدمه فإن قدح ذلك فى المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام قدح فى موسى فلا تقدحون، فى نبوتهما بقادح

стр. 719

إلا ومثله فى نبوة موسى سواء، كما أنكم لا تثبتون نبوءة موسى ببرهان إلا وأضعافه شاهد على نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فمن أبين المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول، أو يكون المسيح رسولا ومحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليس برسول. ويقال للأمة الغضبية أيضا: لا يخلو المحرم، إما أن يكون تحريمه لعينه وذاته، بحيث تمنع إباحته فى زمان من الأزمنة، وإما أن يكون تحريمه لما تضمنه من المفسدة فى زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وحال دون حال. فإن كان الأول، لزم أن يكون ما حرمته التوراة محرما على جميع الأنبياء فى كل زمان ومكان، من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء ﵈. وإن كان الثانى، ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصالح، وإنما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والحال، فيكون الشيء الواحد حراما فى ملة دون ملة، وفى وقت دون وقت، وفى مكان دون مكان، وفى حال دون حال. وهذا معلوم بالاضطرار من الشرائع، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك. ألا ترى أن تحريم السبت لو كان لعينه لكان حراما على إبراهيم ونوح وسائر النبيين؟. وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها لو كان حراما لعينه وذاته لوجب تحريمه على كل نبى وفى كل شريعة. وإذا كان الرب تعالى لا حجر عليه، بل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويبتلى عباده لما يشاء، ويحكم ولا يحكم عليه. فما الذى يحيل عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنه أو يحرم محرما على أمة ويبيحه لأمة أخرى؟. بل أى شيء يمنعه سبحانه أن يفعل ذلك فى الشريعة الواحدة فى وقتين مختلفين، بحسب المصلحة، وقد بين ذلك بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِير * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْك السَّموَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٦- ١٠٧] . فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وملكه وتصرفه فى مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء، ويثبت

стр. 720

ما يشاء كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء، ويثبت فهكذا أحكامه الدينية الأمرية، ينسخ منها ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء. فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم: أن يعارَض الرسول الذى جاء بالبينات والهدى وتدفع نبوته، وتجحد رسالته: بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على من قبله، أو تحريم بعض ما كان مباحا لهم. وبالله التوفيق، يضل من يشاء ويهدى من يشاء. ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية تحجر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه، وقد تركوا شريعة موسى ﵇ فى أكثر ما هم عليه، وتمسكوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم. فمن ذلك: أنهم يقولون فى صلاتهم ما ترجمته هكذا "اللهم اضرب ببوق عظيم لفيفنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع شتات قوم إسرائيل". ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا "أردد حكامنا كالأولين، ومسراتنا كالابتداء وابْنِ أورشليم قرية قدسك فى أيامنا، وأعزنا بابتنائها، سبحانك يا بانى يورشليم". فهذا قولهم فى صلاتهم، مع علمهم بأن موسى وهارون ﵉ لم يقولا شيئا من ذلك. ولكنها فصول لفقوها بعد زوال دولتهم. وكذلك صيامهم، كصوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصا، وصوم كدليا التى جعلوها فرضا لم يصمها موسى، ولا يوشع بن نون. وكذلك صوم صَلْبِ هامان، ليس شيء من ذلك فى التوراة، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم. هذا. مع أنه فى التوراة ما ترجمته "لا تزيدوا على الأمر الذى أنا موصيكم به شيئا، ولا تنقصوا منه شيئا". وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدا، هم مجمعون على تعطليها وإلغائها فإما أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة أو بنقل صحيح عن موسى ﵇، أو باجتهاد

стр. 721

علمائهم. وعلى التقادير الثلاث. فقد بطلت شبهتهم فى إنكار النسخ. ثم من العجب أن أكبر تلك الأوامر التى هم مجمعون على عدم القول والعمل بها إنما يستندون فيها إلى أقوال علمائهم وأمرائهم. وقد اتفقوا على تعطيل الرجم للزانى، وهو نص التوراة. وتعطيل أحكام كثيرة منصوصة فى التوراة. ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالا، وإذا حرموه صار حراما وإن كان نص التوراة بخلافه. وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة. فحجروا على الرب تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم. كما تكبر إبليس أن يسجد لآدم، ورأى أن ذلك يغض منه. ثم رضى أن يكون قوادا لكل عاص وفاسق. وكما أبى عباد الأصنام أن يكون النبى المرسل إليهم بشرا، ثم رضوا أن يكون إلههم ومعبودهم حجراً. وكما نزهت النصارى بتاركتهم عن الولد والصاحبة، ولم يتحاشوا من نسبة ذلك إلى الله سبحانه تعالى. وكما نزهت الفرعونية من الجهمية الرب سبحانه أن يكون مستويا على عرشه، لئلا يلزم الحصر، ثم جعلوه سبحانه فى الآبار والحانات، وأجواف الحيوانات.

стр. 722

فصل ومن تلاعب الشيطان بهم: ما شددوه على أنفسهم فى باب الذبائح وغيرها، مما ليس له أصل عن موسى ﵇، ولا هو فى التوراة، وإنما هو من أوضاع الحاخاميم وآرائهم، وهم فقهاءهم. ولقد كان لهذه الأمة فى قديم الزمان بالشام والعراق والمدائن مدراس وفقهاء كثيرون، وذلك فى زمن دولة البابليين والفرس، ودولة اليونان والروم، حتى فقهاؤهم فى بعض تلك الدول على تأليف المشنا والتلمود. فأما المشنا فهو الكتاب الأصغر، ومبلغ حجمه نحو ثمانمائة ورقة. وأما التلمود فهو الكتاب الأكبر. ومبلغه نحو نصف حمل بغل لكبره. ولم يكن الفقهاء الذين ألفوه فى عصر واحد. وإنما ألفوه جيلا بعد جيل. فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلما مر عليه الزمان زادوا فيه، وأن فى الزيادات المتأخرة ما يناقض أوائل هذا التأليف، علموا أنهم إن لم يقطعوا ذلك ويمنعوا من الزيادة فيه أدى إلى الخلل الذى لا يمكن سده، قطعوا الزيادة فيه، ومنعوا منها. وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه، وإضافة شيء آخر إليه، وحرموا من يضيف إليه شيئا آخر فوقف على ذلك المقدار. وكانت أئمتهم قد حرموا عليهم فى هذين الكتابين مؤاكلة الأجانب، وهم من كان على غير ملتهم. فحرموا عليهم الأكل من ذبيحة من لم يكن على دينهم، لأن علماءهم علموا أن دينهم لا يبقى فى هذه الخلوة مع كونهم تحت الذل والعبودية، إلا أن يصدوهم عن مخالطة من هو على غير ملتهم. فحرموا عليهم الأكل من ذبائحهم، ومناكحتهم. ولم يمكن تقرير ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم، ويكذبون بها على الله تعالى. لأن التوراة إنما حرمت

стр. 723

عليهم مناكحة غيرهم من الأمم، لئلا يوافقوا الأزواج فى عبادة الأصنام والشرك. وحرم عليهم فى التوراة أكل ذبائح الأمم التى يذبحونها قرباناً إلى الأصنام. لأنه قد سمى عليها اسم غير الله تعالى. فأما الذبائح التى لم تذبح قربانا للأصنام فلم تنطق التوراة بتحريمها. وإنما نطقت بإباحة الأكل من أيدى غيرهم من الأمم وموسى ﵇ إنما نهاهم عن مناكحة عباد الأصنام، وأكل ما يذبحونها على اسمها. فما بال هؤلاء لا يأكلون من ذبائح المسلمين وهم لا يذبحون للأصنام، ولا يذكرون اسمها عليها؟ فلما نظر أئمتهم إلى أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا عباد الأصنام، وأن التوراة قد صرحت بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خوف استدراج المخالطة إلى المناكحة وأن مناكحتهم إنما منع منها خوف استتباعها إلى الانتقال إلى أديانهم وعبادة أوثانهم، ووجدوا جميع هذا واضحا فى التوراة. اختلقوا كتابا فى علم الذباحة، ووضعوا فيه من التشديد والآصار والأغلال ما شغلوهم به عما هم فيه من الذل والمشقة. وذلك أنهم أمروهم أن ينفخوا الرئة حتى يملؤها هواء ويتأملوها، هل يخرج الهواء من ثقب منها أم لا؟ فإن خرج منها الهواء حرموها. وإن كان بعض أطراف الرئة لاصقا ببعض لم يأكلوه. وأمروا الذى يتفقد الذبيحة أن يدخل يده فى بطن الذبيحة، ويتأمل بأصابعه، فإن وجد القلب ملتصقا إلى الظهر، أو أحد الجانبين، ولو كان الالتصاق بعرق دقيق كالشعرة، حرموه، ولم يأكلوه. وسموه طريفا. يعنون بذلك أنه تنجس وأكله حرام.

стр. 724

وهذه التسمية هى أصل بلائهم. وذلك أن التوراة حرمت عليهم أكل الطريفا. والطريفا: هى الفريسة التى يفترسها الأسد أو الذئب، أو غيرهما من السباع. وهو الذى عبر عنه القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] . والدليل على ذلك: أنه قال فى التوراة "ولحما فى الصحراء فريسة لا تأكلوه، وللكلب ألقوه". وأصل لفظ "طريفا" طوارف. وقد جاءت هذه اللفظة فى التوراة فى قصة يوسف ﵇، لما جاء إخوته على قميصه بدم كذب، وزعموا أن الذئب افترسه. وقال فى التوراة "ولحما فى الصحراء فريسة لا تأكلوا" والفريسة إنما توجد غالبا فى الصحراء. وكان سبب نزول هذا عليهم: أنهم كانوا ذوى أخبية يسكنون البر والتيه، لأنهم مكثوا يترددون فى التيه أربعين سنة، كانوا لا يجدون طعاما إلا المن والسلوى. وهو طائر صغير يشبه السمان. وفيه من الخاصية أن أكل لحمه يلين القلب ويذهب بالخروب والقساوة، فإن هذا الطائر يموت إذا سمع صوت الرعد، كما أن الخطاف يقتله البرد فألهمه الله أن يسكن جزائر البحر التى لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر، وينتشر فى الأرض. فجلب الله تعالى إليهم هذا الطائر لينتفعوا به، ويكون اغتذاؤهم به كالدواء لغلظ قلوبهم وقسوتها.

стр. 725

والمقصود: أن مشايخهم تعدوا فى تفسير الطريفا عن موضوعها وما أريد بها. وكذلك فقهاؤهم اختلقوا من أنفسهم هذيانات وخرافات تتعلق بالرئة والقلب، وقالوا: ما كان من الذبائح سليما من تلك الشروط فهو "دحيا". ومعنى هذه الفظة أنه طاهر. وما كان خارجا عن هذه الشروط فهو "طريفا" وتفسيرها أنه حرام. قالوا: ومعنى نص التوراة "ولحما فريسة فى الصحراء لا تأكلوه، وللكلب ألقوه" أى إنكم إذا ذبحتم ذبيحة ولم توجد فيها هذه الشروط فلا تأكلوها، بل تبيعونها على من ليس من أهل ملتكم. وفسروا قوله "للكلب ألقوه" أى لمن ليس من أهل ملتكم فأطعموه وبيعوه. وهم أحق بهذا اللقب وأشبه الناس بالكلاب. ثم إن هذه الأمة الغضبية فرقتان: إحداهما: عرفوا أن أولئك السلف الذين ألفوا المشنا والتلمود، هم فقهاء اليهود، وهم قوم كذابون على الله وعلى موسى النبى. وهم أصحاب حماقات وتنطع، ودعاوى كاذبة، يزعمون أنهم كانوا إذا اختلفوا فى شيء من تلك المسائل يوحى الله تعالى إليهم بصوت يسمعه جمهورهم، يقول: الحق فى هذه المسألة مع الفقيه فلان، ويسمون هذا الصوت "بث قول". فلما نظرت اليهود القراءون، وهم أصحاب "عانان وبنيامين" إلى هذه المحالات الشنيعة، وهذا الافتراء الفاحش، والكذب البارد. انفصلوا بأنفسهم عن الفقهاء وعن كل من يقول بمقالاتهم، وكذبوهم فى كل ما افتروا به على الله وزعموا أنه لا يجوز قبول شيء من أقوالهم، حيث ادعوا النبوة، وأن الله تعالى كان يوحى إليهم، كما يوحى إلى الأنبياء.

стр. 726

وأما تلك الترهات التى ألفها الحاخاميم، وهم فقهاؤهم، ونسبوها إلى التوراة وإلى موسى فإن القرائين اطرحوها كلها، وألقوها ولم يحرموا شيئا من الذبائح التى يتولون ذباحتها البتة، ولم يحرموا سوى لحم الجدى بلبن أمه فقط، مراعاة لنص التوراة: "لا تنضج الجدى بلبن أمه" وليسوا بأصحاب قياس، بل أصحاب ظاهر فقط. وأما الفرقة الثانية: فهم الربانون، وهم أصحاب القياس، وهم أكثر عددا من القرائين، وفيهم الحاخاميم المفترون على الله تعالى الكذب، الذين زعموا أن الله تعالى كان يخاطب جميعهم فى كل مسألة بالصوت، الذى يسمونه "بث قول". وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم، لأن حاخاميمهم أوهموهم أن المأكولات إنما تحل للناس إن استعملوا فيها هذا العلم، الذى نسبوه إلى موسى ﵇ وإلى الله تعالى، وأن سائر الأمم لا يعرفون هذا، وأنهم إنما شرفهم الله تعالى بهذا وأمثال ذلك من الترهات، فصار أحدهم ينظر من ليس على مذهبه وملته كما ينظر إلى الحيوان البهيم، وينظر مآكل الأمم وذبائحهم، كما ينظر إلى العذرة. وهذا من كيد الشيطان لهم، ولعبه بهم، فإن الحاخاميم قصدا بذلك المبالغة فى مخالفتهم الأمم، والإزراء عليهم، ونسبتهم إلى قلة العلم، وأنهم اختصوا دون الأمم بهذه الآصار والأغلال، والتشديدات. وكلما كان الحاخاميم فيهم أكثر تكلفا وأشد إصرا، وأكثر تحريما، قالوا: هذا هو العالم الربانى. ومما دعاهم إلى التضييق والتشديد: أنهم مبددون فى شرق الأرض وغربها، فما من جماعة منهم فى بلدة إلا إذا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من بلاد بعيدة، يظهر لهم الخشونة فى دينهم والمبالغة فى الاحتياط، فإن كان من المتفقهة فهو يسرع فى إنكار أشياء عليهم، ويوهمهم التنزه عما هم عليهم، وينسبهم إلى قلة الدين، وينسب ما ينكره عليهم إلى مشايخه، وإلى أهل بلده،

стр. 727

ويكون فى أكثر تلك الأشياء كاذبا، وقصده بذلك إما الرياسة عليهم، وإما تحصيل بعض مآربه منهم، ولا سيما إن أراد المقام عندهم. فتراه أول ما ينزل بهم لا يأكل من أطعمتهم ولا من ذبائحهم، ويتأمل سكين ذابحهم، وينكر عليهم بعض أمره، ويقول: أنا لا آكل إلا من ذبيحة يدى، فتراهم معه فى عذاب، لا يزال ينكر عليهم المباح، ويوهمهم تحريمه بأشياء يخترعها، حتى لا يشكون فى ذلك. فإن قدم عليهم قادم آخر، فخاف المقيم أن ينقض عليه القادم، تلقاه وأكرمه، وسعى فى موافقته وتصديقه، فيستحسن ما فعله الأول، ويقول لهم: لقد عظم الله تعالى ثواب فلان، إذ قوى ناموس الدين فى قلوب هذه الجماعة، وشد سياج الشرع عندهم، وإذا لقيه يظهر من مدحه وشكره والدعاء له ما يؤكد أمره. وإن كان القادم الثانى منكرا لما جاء به الأول من التشديد والتضييق لم يقع عندهم بموقع، وينسبونه إما إلى الجهل، وإما إلى رقة الدين، لأنهم يعتقدون أن تضييق المعيشة، وتحريم الحلال، هو المبالغة فى الدين. وهم أبدا يعتقدون الصواب والحق مع من يشدد ويضيق عليهم. هذا إن كان القادم من فقهائهم. فأما إن كانوا من عبادهم وأحبارهم فهناك ترى العجب العجاب من الناموس الذى يعتمد، والسنن التى يحدثها ويلحقها بالفرائض. فتراهم مسلمين له منقادين، وهو يحتلب درهم، ويجتلب درهمهم، حتى إذا بلغه أن يهوديا جلس على قارعة الطريق يوم السبت، أو اشترى لبنا من مسلم، تلبسه وسبه فى مجمع اليهود، وأباح عرضه ونسبه إلى قلة الدين.

стр. 728

فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية: أنهم إذا رأوا الأمر أو النهى مما أمروا به أو نهوا عنه شاقا عليهم، طلبوا التخلص منه بوجوه الحيل. فإن أعيتهم الحيل قالوا: هذا كان علينا لما كان لنا الملك والرياسة. فمن ذلك: أنهم إذا أقام أخوان فى موضع واحد، ومات أحدهما ولم يعقب ولدا، فلا تخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبى، بل ولد حميها ينكحها. وأول ولد ممن ينكحها ينسب إلى أخيه الدارج. فإن أبى أن ينكحها خرجت مشتكية منه إلى مشيخة قومه، تقول: قد أبى ابن حمى أن يستبقى اسما لأخيه فى إسرائيل. ولم يرد نكاحى، فيحضره الحاكم هناك، ويكلفه أن يقف ويقول: ما أردت نكاحها. فتتناول المرأة نعله فيخرجه من رجله، وتمسكها بيدها وتبصق فى وجهه، وتنادى عليه: كذا فليصنع بالرجل الذى لا يبنى بيت أخيه، ويدعى فيما بعد بالمخلوع النعل وينبز بنوه ببنى مخلوع النعل. هذا كله مفترض عليهم فيما يزعمون فى التوراة. وفيه حكمة ملجئة للرجل إلى نكاح زوجة أخيه الدارج. فإنه إذا علم أن ذلك يناله إن لم ينكحها آثر نكاحها عليه. فإن كان مبغضا لها زاهداً فى نكاحها، أو كانت هى زاهدة فى نكاحه مبغضه له، استخرج له الفقهاء حيلة يتخلص بها منها وتتخلص منه، فيلزمونها الحضور عند الحاكم بمحضر من مشايخهم، ويلقنونها أن تقول: أبى ابن حمى أن يقيم لأخيه اسما فى إسرائيل، لم يرد نكاحى: فيلزمونها بالكذب عليه، لأنه أراد نكاحها وكرهته، وإذا لقنوها هذه الألفاظ قالتها، فيأمرونه بالكذب، وأن يقوم ويقول: ما أردت نكاحها. ولعل ذلك سؤله وأمنيته، فيأمرونه بأن يكذب، ولم يكفهم أن كذبوا عليه، وألزموه أن يكذب، حتى سلطوها على الإخراق به والبصاق فى وجهه. ويسمون هذه مسألة "البياما والجالوس". وقد تقدم من التنبيه على حيلهم فى استباحتهم محارم الله تعالى بعض ما فيه كفاية. فالقوم بيت الحيل والمكر، والخبث. وقد كانوا يتنوعون فى عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنواع الحيل والكيد والمكر عليه وعلى أصحابه، ويرد الله ذلك كله عليهم. فتحيلوا عليه وأرادوا قتله مرارا والله تعالى ينجيه من كيدهم.

стр. 729

فتحيلوا عليه وصعدوا فوق سطح وأخذوا رحا أرادوا طرحها عليه، وهو جالس فى ظل حائط، فأتاه الوحى، فقام منصرفاً، وأخذ فى حربهم وإجلائهم. ومكروا به وظاهروا عليه أعداءه من المشركين، فظفره الله تعالى بهم. ومكروا به وأخذوا فى جمع العدو له فظفره الله تعالى برئيسهم، فقتله. ومكروا به وأرادوا قتله بالسم، فأعلمه الله تعالى به، ونجاه منه.

стр. 730

ومكروا فسحروه، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء، ولم يفعله. فشفاه الله تعالى وخلصه. ومكروا به فى قولهم: ﴿آمِنُوا بِالَّذِى أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . يريدون بذلك تشكيك المسلمين فى نبوته، فإنهم إذا أسلموا أول النهار اطمأن المسلمون إليهم، وقالوا: قد اتبعوا الحق، وظهرت لهم أدلته، فيكفرون آخر النهار، ويجحدون نبوته، ويقولون: لم نقصد إلا الحق واتباعه، فلما تبين لنا أنه ليس به رجعنا عن الإيمان به. وهذا من أعظم خبثهم ومكرهم. ولم يزالوا مُوضعِين مجتهدين فى المكر والخبث إلى أن أخزاهم الله بيد رسوله وأتباعه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ورضى عنهم - أعظم الخزى، ومزقهم كل ممزق وشتت شملهم كل مشتت. وكانوا يعاهدونه ﵊، ويصالحونه. فإذا خرج لحرب عدوه نقضوا عهده. ولما سلب الله تعالى هذه الأمة ملكها وعزها، وأذلها، وقطعهم فى الأرض، انتقلوا من التدبير بالقدرة والسلطان، إلى التدبير بالمكر والدهاء، والخيانة والخداع. وكذلك كل عاجز جبان سلطانه فى مكره وخداعه، وبهته وكذبه، ولذلك كان النساء بيت المكر والخداع والكذب والخيانة، كما قال الله تعالى عن شاهد يوسف ﵇ أن قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكن إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] . ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة: أنهم يمثلون أنفسهم بعناقيد الكرم، وسائر الأمم بالشوك المحيط بأعالى حيطان الكرم.

стр. 731

وهذا من غاية جهلهم وسفههم. فإن المعتنين بمصالح الكرم إنما يجعلون على أعالى حيطانه الشوك، حفظا له، وحياطة وصيانة. ولسنا نرى لليهود من سائر الأمم إلا الضرر والذل والصغار. كما يفعل الناس بالشوك. ومن تلاعبه بهم أنهم ينتظرون قائما من ولد داود النبى، إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذى وعدوا به. وهم فى الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال. فهم أكثر أتباعه. وإلا فمسيح الهدى عيسى ابن مريم ﵇ يقتلهم، ولا يبقى منهم أحدا. والأمم الثلاث تنتظر منتظرا يخرج فى آخر الزمان، فإنهم وعدوا به فى كل ملة. والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى ابن مريم من السماء، لكسر الصليب، وقتل الخنزير، وقتل أعدائه من اليهود، وعباده من النصارى، وينتظرون خروج المهدى من أهل بيت النبوة، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً. فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية: أنهم فى العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة يقولون فى صلاتهم "لم تقول الأمم: أين إلههم؟ انتبه. كم تنام يارب؟ استيقظ من رقدتك". وهؤلاء إنما أقدموا على هذه الكفريات من شدة ضجرهم من الذل والعبودية، وانتظار فرج لا يزداد منهم إلا بعدا. فأوقعهم ذلك فى الكفر والتزندق الذى لا يستحسنه إلا أمثالهم. وتجرءوا على الله بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخونه بذلك لينتخى لهم ويحمى لنفسه فكأنهم يخبرونه بأنه قد اختار الخمول لنفسه ولأحبابه، ولأبناء أنبيائه. فينخونه للنباهة، واشتهار الصيت.

стр. 732

فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات فى الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك أن هذه المناجاة تقع عند الله تعالى بموقع عظيم. وأنها تؤثر فيه، وتحركه، وتهزه وتنخيه. ومن ذلك: أنهم ينسبون إلى الله الندم على الفعل. فمن ذلك: قولهم فى التوراة التى بأيديهم "وندم الله على خلق البشر الذين فى الأرض، وشق عليه، وعاد فى رأيه". وذلك عندهم فى قصة قوم نوح. وزعموا أن الله وتقدس لما رأى فساد قوم نوح، وأن شركهم وكفرهم قد عظم ندم على خلق البشر. وكثير منهم يقول: إنه بكى على الطوفان، حتى رمد، وعادته الملائكة. وأنه عض على أنامله حتى جرى الدم منها. وقالوا أيضا: إن الله تعالى ندم على تمليكه شاؤول على بنى إسرائيل. وأنه قال ذلك لشمويل. وعندهم أيضا: أن نوحا ﵇ لما خرج من السفينة بدأ ببناء مذبح لله تعالى، وقرب عليه قرابين، وأن الله تعالى استنشق رائحة القتار فقال الله تعالى فى ذاته "لن أعاود لعنة الأرض بسبب الناس، لأن خاطر البشر مطبوع على الرداءة، ولن أهلك جميع الحيوان كما صنعت". وقد واجهوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه رضى الله تعالى عنهم بأمثال هذه الكفريات. فقال قائل منهم للنبى ﷺ : "إن الله خلق السماوات والأرض فى ستة أيام، ثم استراح. فشق ذلك على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّموَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] .

стр. 733

وتأمل قوله تعالى عقيب ذلك: ﴿فَاصْبرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩] . فإن أعداء الرسول ﵊ نسبوه إلى ما لا يليق به، وقالوا فيه ما هو منزه عنه. فأمره الله أن يصبر على قولهم، ويكون له أسوة بربه ، حيث قال أعداؤه فيه ما لا يليق. وكذلك قال فنحاص لأبى بكر رضى الله عنه: إن الله فقير ونحن أغنياء. لهذا استقرضنا من أموالنا. فأنزل الله : ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنَ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَق وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] . وقالوا أيضاً: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أيديهم، وَلُعِنُوا بَمِا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويقولون فى العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة: "يا إلهنا وإله آبائنا، أملك على جميع أهل الأرض، ليقول كل ذى نسمة: الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته فى الكل متسلطة". ويقولون فى هذه الصلاة أيضا: "وسيكون لله تعالى الملك. وفى ذلك اليوم يكون الله تعالى واحدا، واسمه واحدا". ويعنون بذلك: أنه لا يظهر الملك لله تعالى إلا إذا صارت الدولة لليهود الذين هم صفوته

стр. 734

وأمته. فأما ما دامت الدولة لغير اليهود فإنه سبحانه، وتعالى خامل الذكر عند الأمم، مطعون فى ملكه، مشكوك فى قدرته. فصل ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يقولون بالقدح فى الأنبياء، وأذيتهم. وقد آذوا موسى ﵇ فى حياته، ونسبوه إلى ما برأه الله تعالى منه. ونهى الله سبحانه هذه الأمة عن الاقتداء بهم فى ذلك حيث يقول: ﴿يَأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأه اللهُ مَّمِا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب: ٦٩] . وثبت فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالت بنو إسرائيل: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب موسى يغتسل. فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه. قال: فجمع موسى بأثره، يقول: ثوبى حجر، ثوبى حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. وقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر، حتى نظر إليه بنو إسرائيل، وأخذ ثوبه، وطفق بالحجر ضربا" قال أبو هريرة "والله إن بالحجر لندبا، ستة أو سبعة. من أثر ضرب موسى الحجر" وأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مَّمِا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] الآية. وقال ابن جرير، حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد "قالت بنو إسرائيل: إن موسى آدر. وقالت طائفة: هو أبرص، من شدة تستره". وقال ابن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم "كان موسى رجلا حييا ستيرا، لا يكاد يرى من جلده شيء، استحياء منه. فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل وقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة. وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا" وذكر الحديث.

стр. 735

وقال سفيان بن حسين عن الحكم عن ابن جبير عن الحكم بن جبير عن ابن عباس عن على بن أبى طالب فى قوله تعالى: ﴿لا تَكُونُوا كالّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] . قال "صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون. فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشد حبا لنا منك وألين لنا منك، وآذوه بذلك. فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى مروا به على بنى إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته، حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات، فبرأه الله تعالى من ذلك، فانطلقوا به فدفنوه فلم يطلع على قبره أحد من خلق الله تعالى إلا الَّرخم، فجعله الله تعالى أصم أبكم". وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُنَنِى؟ وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] . فإنها جملة فى موضع الحال: أى أتؤذوننى وأنتم تعلمون أنى رسول الله إليكم. وتأمل قوله: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّى رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] . وذلك أبلغ فى العناد. وكذلك المسيح قال: ﴿يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ إنِّى رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لَمِا بَيْنَ يَدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِى مِنْ بعْدى اسْمُهُ أحْمَد فَلَمَّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] . فهذا قليل من كثير من أذاهم لأنبيائهم. وأما أذاهم لهم بالقتل والبغى فأشهر من أن يذكر. ولقد بالغوا فى أذى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بجهدهم بالقول والفعل، حتى ردهم الله تعالى خاسئين. ومن قدحهم فى الأنبياء: ما نسبوه إلى نص التوراة. أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها، ونجى لوطا بابنتيه فقط، ظن ابنتاه أن الأرض قد

стр. 736

خلت ممن يستبقين منه نسلا. فقالت الصغرى للكبرى: إن أبانا شيخ ولم يبق فى الأرض إنسان يأتينا كسبيل البشر، فهلمى نسقى أبانا خمرا ونضاجعه لنستبقى من أبينا نسلا ففعلتا ذلك بزعمهم. فنسبوا لوطا النبى ﵇ إلى أنه سكر، حتى لم يعرف ابنتيه، ثم وطئهما وأحبلهما وهو لا يعرفهما. فولدت إحداهما ولدا أسمته "مواب" يعنى أنه من الأب. والثانية سمت ولدها "بنى عمو" يعنى أنه من قبيلتها. وقد أجاب بعضهم عن هذا: بأنه كان قبل نزول التوراة، فلم يكن نكاح الأقارب حراما والتوراة تكذبهم. فإن فيها "أن إبراهيم الخليل خاف فى ذلك العصر أن يقتله المصريون، حسدا له على زوجته سارة، فأخفى نكاحها، وقال: هى أختى، علما منه بأنه إذا قال ذلك لم يبق للظنون إليهما سبيل". وهذا أظهر دليل على أن تحريم نكاح الأخت كان ثابتا فى ذلك الزمان. فما ظنك بنكاح البنت الذى لم يشرع ولا فى زمن آدم ﵇؟. وعندهم أيضا فى التوراة التى بأيديهم قصة أعجب من هذه. وهى أن يهوذا بن يعقوب النبى زوج ولده الأكبر من امرأة يقال لها "تامار" فكان يأتها مستدبرا، فغضب الله تعالى من فعله. فأماته، فزوجها يهوذا من ولده الآخر. فكان إذا دخل بها أنزل على الأرض، علما منه بأنه إن أولدها كان أول الأولاد مدعوا باسم أخيه، ومنسوبا إلى أخيه. فكره الله تعالى ذلك من فعله، فأماته أيضا. فأمرها يهوذا باللحاق ببيت أبيها إلى أن يكبر ولده شبلا، ويتم عقله، حذرًا من أن يصيبه ما أصاب أخويه. فأقامت فى بيت أبيها. ثم ماتت من بعد زوجة يهوذا، وصعد إلى منزل [يقال له مناث] ليحرس غنمه، فلما أخبرت المرأة "تامار" بإصعاد حموها إلى المنزل، لبست زى الزوانى، وجلست فى مستشرف على طريقه لعلمها بشبقه فلما مر بها خالها زانية، فراودها، فطالبته بالأجرة، فوعدها بجدى، ورهن عندها عصاه وخاتمه، ودخل بها، فعلقت منه. فلما أخبر يهوذا أن كنته علقت من الزنا أذن

стр. 737

بإحراقها، فبعث إليه بخاتمه وعصاه. فقالت: من رب هذين أنا حامل. فقال صدقت، ومنى ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها. ولم يستحل معاودتها. ولا تسليمها إلى ولده، وعلقت من هذا الزنا بفارص. قالوا: ومن ولدها داود النبى. ففى ذلك من نسبتهم الزنا والكفر إلى بيت النبوة ما يقارب ما نسبوه إلى لوط ﵇ وهذا كله عندهم وفى نص كتابهم. وهم يجعلون هذا نسبا لداود وسليمان ﵉ ولمسيحهم المنتظر. ومن العجب: أنهم يجعلون المسلمين أولاد زنا، ويسمونهم "ممزيريم" واحدها "ممزير" وهو اسم لولد الزنا. لأن فى شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن نكحت زوجا غيره فأولادهما أولاد زنا. وزعموا أن ما جاءت به شريعة الإسلام من ذلك هو من موضوعات عبد الله بن سلام قصد به أن يجعل أولاد المسلمين "ممزيريم" بزعمهم. قالوا: وكان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قد رأى أحلاما تدل على أنه صاحب دولة، فسافر إلى الشام فى تجارة لخديجة. واجتمع بأحبار اليهود، وقص عليهم أحلامه، فعلموا أنه صاحب دولة، فأصحبوه عبد الله بن سلام. فقرأ عليه علوم التوراة وفقهها مدة، ونسبوا الفصاحة والإعجاز اللذين فى القرآن إلى عبد الله بن سلام، وأن من جملة ما قرره عبد الله بن سلام: أن الزوجة لا تحل للمطلق ثلاثا إلا بعد أن ينكحها رجل آخر ليجعل أولاد المسلمين "ممزيريم" أولاد زنا. ولا ريب أن مثل هذا البهت يروج على كثير من حميرهم. وقد خلق الله تعالى لكل باطل وبهت حملة، كما للحق حملة وليس وراء هذا البهت بهت. وليس بمستنكر من أمة قدحت فى معبودها وإلهها، ونسبته إلى مالا يليق بعظمته وجلاله، ونسبت أنبياءه إلى ما لا يليق بهم، ورمتهم بالعظائم، أن ينسبوا محمدا صلى الله تعالى وآله

стр. 738

وسلم وبجل وكرم وعظم - إلى ذلك. وعدواته لهم، وملاحمه فيهم، وإجلاؤه لهم من ديارهم وأموالهم، وسبى ذراريهم ونسائهم معلوم، غير مجهول. وقد نسبت هذه الأمة الغضبية عيسى ابن مريم إلى أنه ساحر، ولد بغية. ونسبت أمه إلى الفجور. ونسبت لوطا إلى أنه وطئ ابنتيه وأولدهما وهو سكران من الخمر. ونسبوا سليمان ﵇ إلى أنه كان ملكا ساحرا. وكان أبوه عندهم ملكا مسيحا. ونسبوا يوسف ﵇ إلى أنه حل تكة سراويله وتكة سراويل سيدته، وأنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته، وأن الحائط انشق له فرأى أباه يعقوب ﵇ عاضا على أنامله، فلم يقم حتى نزل جبريل ﵇ فقال "يا يوسف تكون من الزناة، وأنت معدود عند الله تعالى من الأنبياء؟ " فقام حينئذ. ومعلوم أن ترك الفاحشة عن هذا لا مدح فيه، فإن أفسق الناس لو رأى هذا لولى هاربا وترك الفاحشة. ومنهم من يزعم أن المسيح كان من العلماء، وأنه كان يداوى المرضى بالأدوية، ويوهمهم أن الانتفاع إنما حصل لهم بدعائه، وأنه داوى جماعة من المرضى فى يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود ذلك، فقال لهم: "أخبرونى عن الشاة من الغنم إن وقعت فى بئر، أما تنزلون إليها وتحلون السبت لتخليصها؟ قالوا: بلى. قال: فلم أحللتم السبت لتخليص الغنم ولا تحلونه لتخليص الإنسان الذى هو أكبر حرمة من الغنم؟ " فأفحموا.

стр. 739

ويحكون أيضا عنه. أنه مشى مع قوم من تلاميذه فى جبل، ولم يحضرهم الطعام، فأذن لهم فى تناول الحشيش يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود قطع الحشيش فى يوم السبت، فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدا مع قوم على غير ملته، وأمروه بقطع النبات وإلقائه لدوابهم لا يقصدون بذلك إبطال السبت، ألستم تجيزون له قطع النبات؟ قالوا: بلى. قال: فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع النبات ليأكلوه، وليتغذوا به، لا لقطع السبت. ومن العجب: أن عندهم فى التوراة التى بأيديهم: "لا يزول الملك من آل يهودا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتى المسيح" وهم لا يقدرون أن يجحدوا ذلك. فيقال لهم: إنكم كنتم أصحاب دولة حتى ظهر المسيح، ثم انقضى ملككم، ولم يبق لكم اليوم ملك. وهذا برهان على أن المسيح قد أرسل. ومن حين بعث المسيح وكفروا به وطلبوا قتله، استولت ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم وتفرق شملهم. فيقال لهم: ما تقولون فى عيسى ابن مريم؟. فيقولون: إنه ولد يوسف النجار لِغَيَّة لا لِرَشْدَة وقد كان عرف اسم الله الأعظم سحر به كثيرا من الأشياء. وعند هذه الأمة الغضبية أيضا: أن الله تعالى كان قد أطلع موسى ﵇ على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا، وبه شق البحر، وعمل المعجزات. فيقال لهم فإذا كان موسى قد عمل المعجزات باسم الله، فلم صدقتم نبوته، وأقررتم بها وجحدتم نبوة عيسى، وقد عمل المعجزات بالاسم الأعظم؟

стр. 740

فأجاب بعضهم عن الإلزام: بأن الله علم موسى ذلك الاسم، فعلمه بالوحى، وعيسى إنما تعلم من حيطان بيت المقدس. وهذا هو اللائق ببهتهم وكذبهم على الله تعالى وأنبيائه. وهو يسد عليهم العلم بنبوة موسى. لأن كلا الرسولين اشتركا فى المعجزات والآيات الظاهرة، التى لا يقدر أحد أن يأتى بمثلها. فإن كان أحدهما قد تعلمها بحيله أو بعلم. فالآخر يمكن ذلك فى حقه. وقد أخبرا جميعا أن الله هو الذى أجرى ذلك على أيديهما، وأنه ليس من صنعهما. فتكذيب أحدهما وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين. وأيضا، فإنه لا دليل لهم على أن موسى تلقى تلك المعجزات عن الله تعالى إلا وهو يدل على أن عيسى ﵇ تلقاها أيضا عن الله تعالى. فإن أمكن القدح فى معجزات عيسى أمكن القدح فى معجزات موسى ﵇. وإن كان ذلك باطلا فهذا أيضا باطل. وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين - مع بعد العهد، وتشتت شمل أمتيهما فى الأرض، وانقطاع معجزاتهما - فما الظن بنبوة من معجزاته وآياته تزيد على الألف؟ والعهد بها قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرنا بعد قرن. وأعظهما معجزة كتاب باق غض طرى لم يتغير ولم يتبدل منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وهو القرآن العظيم، وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذى أخبر به كأنه كان يشاهده عيانا؟. فصل ولا يمكن البتة أن يؤمن يهودى بنبوة موسى ﵇ إن لم يؤمن بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ولا يمكن نصرانيا أن يقر بنبوة المسيح إلا بعد إقراره بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
следующие страницы →