← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11727

الإبهاج في شرح المنهاج - ط العلمية

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عند الإطلاق بالحقيقة المطلقة من أين قلت من جهة إطلاق المتكلم فصار إطلاقه قيدا في اللفظ. فإن قلت من المعلوم أنه ليس في اللفظ فهل يقولون إن ذلك قرينة حالية أو لفظية وهي متوسطة بين القرائن الملفوظ بها والقرائن الحالية وهي هيئة صادرة من المتكلم عند كلامه وذلك أن الكلام قد يخرج عن كونه كلاما بالزيادة والنقصان وقد لا يخرج عن كونه كلاما ولكن يتغير معناه بالتقييد. فإنك إذا قلت قام الناس كان كلاما يقتضي إخبارك بقيام جميع الناس فإذا قلت إن قام الناس خرج عن كونه كلاما بالكلية فإذا قلت قام الناس إلا زيدا لم يخرج عن كونه كلاما ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدا وقد علمت أن لإفادة قام الناس الإخبار بقيام جميعهم شرطين: أحدهما: ألا يبتدئه بما يخالفه وله شرط ثالث أيضا وهو أن يكون صادرا عن قصد فلا عبرة بكلام الساهي والنائم فهذه ثلاثة شروط. فإن قلت من أين لنا اشتراط ذلك واللفظ وحده كاف في الإفادة لأن الواضع وضعه لذلك؟ قلت وضع الواضع له معناه أنه جعله متهيأ لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص والمقيد في الحقيقة إنما هو المتكلم واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك. فإن قلت لو سمعنا قام الناس ولم تعلم من قائله هل قصده وهل ابتدأه أو ختمه بما يغيره هل لنا أن نخبر عنه بأنه قال قام الناس؟ قلت قد تقدم الجواب عن هذا في أول باب اللغات وكذلك ما قبله وبالله التوفيق. وإنما دعا إلى ذكر هذا البحث جميعه الاعتراض على قول المصنف الجمع المطلق وأنه كان الأسد أن يقول مطلق الجمع فساق النظر إلى ذكر هذه المباحث الجليلة.

стр. 352

قال قيل أنكر ومن عصاهما ملقنا ومن عصى الله ورسوله. قلنا ذلك لأن الأفراد أشد تعظيما قيل لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق طلقت واحدة بخلاف أنت طالق طلقتين. قلنا الإنشاءات مترتبة بترتيب اللفظ وقوله طلقتين تفسير لطالق. احتج القائلون بأن الواو للترتيب بوجهين: الأول: ما روى مسلم في صحيحه أن رجلا خطب عند النبي ﷺ فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله" ١ وهذا يدل على أنها للترتيب إذ لو كانت للجمع لما حسن الذم. أجاب بأن ذلك ليس لأنها للترتيب بل لأن الإفراد بالذكر أشد في التعظيم ومما يدل على هذا أنه لا يترتب بين عصيان الله وعصيان نبيه ﷺ بل معصية الله معصية الرسول ﷺ لتلازمهما. فإن قلت ما الجمع بين إنكاره ﷺ على هذا الخطيب مع قوله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" ٢. وقال في حديث آخر: " فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" فقد جمع بينهما في ضمير واحد وقد قلت أجيب بوجهين: أحدهما: النبي ﷺ أنكر ذلك على الخطيب لكونه عدل عن الأولى

стр. 353

والأفضل لا سيما وهو في مقام الخطابة المقتضى للتعليم وأما النبي ﷺ فلم لا يفعل إلا الأولى فإنه في مقام تشريع وتبيين ففعل الأولى له بتبيينه الأولى ليدل على الجواز. والثاني: أن حسن الكلام إيجازا وإطنابا مما يختلف باختلاف المقام فرب مقام يقتضي الإطناب وبسط العبارة ورب آخر لا يقتضي ذلك والخطيب كان في مقام الترغيب والدعاء إلى طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ فناسب بسط العبارة والمبالغة في الإيضاح. الوجه الثاني: للقائلين بأن الواو للترتيب أن الرجل إن قال لزوجته التي لم يدخل بها أنت طالق طالق طلقت واحدة على المذهب الصحيح ولو كانت الواو لمطلق الجمع لكان مثل قوله: أنت طالق طلقتين حتى يقعا. أجاب بأن قوله: وطالق معطوف على الإنشاء فكان إنشاء آخر أتى به بعد تمام الأول وعمله عمله لأن معاني الإنشاء مقاربة لألفاظها فيكون قول ثانيا وطالق إنشاء لإيقاع طلقة أخرى في غير وقت قابل للطلاق لأنها بالأولى بانت إذ هي غير مدخول بها بخلاف قوله: طلقتين أو ثلاثا فإنه تفسير للكلام الأول وبيان لما قصد به لا إنشاء ثان. خاتمة قد عرفت دعوى إمام الحرمين أن المشتهر في أصحاب الشافعي أن الواو للترتيب وما قاله الماوردي وهذا لعله أخذ من مسألة الترتيب في الوضوء وإن كان ذلك فهو لا يكفي في تسويغ النقل على هذه الصورة فإن للأصحاب مستندا آخر غير كون الواو للترتيب وقد قيل إن الناقلين لكون الواو للترتيب عن الشافعي إنما هم قوم من الحنفية من غير ثبت بل بمجرد ظن من مسألة الترتيب في الوضوء ولذلك قال الأستاذ أبو منصور البغدادي معاذ الله أن يصح هذا النقل عن الشافعي بل الواو عنده لمطلق الجمع. قلت وهو اللائق بقواعد مذهبه وعليه تدل الفروع وقد اتفق الأصحاب قاطبة على أن قول القائل وقفت على أولادي وأولاد أولادي مقتض للتسوية والتشريك بينهم دون الترتيب ولا نعلم أحدا قال بالترتيب وإن أتى في بعض

стр. 354

الفروع خلاف فمنشأة اختيار من صاحب ذلك الوجه أن الواو للترتيب ومن ذلك قول الأصحاب فيما يقال إن دخلت الدار وكلمت زيدا فأنت طالق لا بد من وجودهما في وقوع الطلاق ولا يقع بهما إلا طلقة ولا فرق بين أن يتقدم الكلام أو يتأخر وفي التتمة ما يقتضي إثبات خلاف فيه لأنه قال من جعل الواو للترتيب فلا بد عنده من أن يتقدم الدخول على الكلام. قال االرافعي ومن الأصحاب من جعل الواو للترتيب وذكر الرافعي في آخر باب القسم والنشوز أنه لو قال لوكيله خذ مالي ثم طلقها لم يجز تقديم الطلاق ولو قال خذ مالي وطلق فهل يشترط تقديم أخذ المال أو لا يشترط ويجوز تقديم الطلاق كما لو قال طلقها وخذ مالي فيه وجهان: رجح صاحب التهذيب منهما الأول. قلت وليس الوجهان في المسألة ناظرين إلى ما نحن ناظرين فيه من اقتضاء الواو للترتيب وإنما القائل بوجوب تقديم المال ناظر إلى أن الموكل قدمه في كلامه والوكيل يراعي المصلحة فليقدم أخذ المال والمخالف ناظر إلى عدم اقتضاء الواو للترتيب ويدل على هذا أنه لا خلاف أنه يجوز تقديم المال في عكسه وهو ما إذا قال طلقها وخذ مالي بل لو صرح بثم التي وضعت للتراخي لجاز له تقديم أخذ المال على الطلاق قال الرافعي لأنه زيادة خير. فإن قلت قد نقل الرافعي في التدبير عن صاحب التهذيب فيما إذا قال لعبده إن مت ودخلت الدار فأنت حر لا بد أن يقع دخوله الدار بعد موت السيد ولم يحك ما يخالفه فقد جعلوها هنا للترتيب. قلت هذا مشكل والظاهر أنه مبنى على أن الواو للترتيب وإلا فأي فرق بين هذه المسألة والمسألة التي قدمناها فيما إذا قال إذا دخلت الدار وكلمت زيدا ولم يقل أحد بالترتيب إلا ما أخرجه صاحب التتمة. وعلى الجملة إن وضح معنى في هذه المسألة فقد حصل الغرض من أن الفرع غير مبني على اقتضاء الواو للترتيب وإلا فما قاله الأصحاب في مسألة إن دخلت الدار وكلمت زيدا يناقضها وهو أصح.

стр. 355

المسألة الثانية: الفاء ... قال الثانية الفاء للتعقيب إجماعا ولهذا ربط به الجزاء إذا لم يكن فعلا. وقوله لا تفتروا على الله كذبا فيستحكم مجاز.. الفاء للتعقيب أي يدل على وقوع الثاني عقيب الأول من غير مهلة ولكن في كل بحبسه كقولك دخلت بغداد فالبصرة وقولك قمت فمشيت فالأول أفاد التعقيب على ما يمكن والثاني أفاده على الأثر إذ هو ممكن واستدل في الكتاب على أنها للتعقيب بإجماع أهل اللغة على ذلك وقد قلد في نقل هذا الإجماع الإمام وليس بجيد فقد ذهب الجرمي إلى أنها للترتيب إلا في الأماكن والمطر فلا ترتيب تقول. عفا مكان كذا فكان كذا وإن كانت عفاهما في وقت واحد ونزل المطر مكان كذا فمكان هكذا وإن كان نزولهما في وقت واحد وزعم الفراء أن ما بعد الفاء يكون سابقا إذا كان في الكلام ما يدل عليه وجعل من ذك قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ١ ومعلوم أن مجيء البأس سابق للهلاك وزعم الفراء أيضا أن الفعلين إذا كان وقوعهما في وقت واحد ويؤولان إلى معنى واحد فإنك مخير في عطف أيهما شئت على الآخر بالفاء تقول أحسنت إلي فأعطيتني وأعطيتني فأحسنت إلي. قوله ولهذا أعلم أن الإمام نقل أن منهم من احتج على أن الفاء للتعقيب بأنها لو لم تكن للتعقيب لما دخلت على الجزاء إذا لم تكن بلفظ الماضي والمضارع لكنها تدخل فهي للتعقيب بيان الملازمة أن جزاء الشرط قد يكون بلفظ الماضي كقولك من دخل داري أكرمته أو بلفظ المضارع من دخل يكرم وقد يكون لا بهاتين اللفظتين وحينئذ لا بد من ذكر الفاء كقولك من دخل داري فله درهم. وأما قول الشاعر

стр. 356

من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله سيان١ فقد أنكره المبرد وزعم أن الرواية الصحيحة من يفعل الخير فالرحمن يشكره وإذا أوجب دخول الفاء على الجزاء وثبت أن الجزاء لا بد وأن يحصل عقيب الشرط علمنا أن الفاء للتعقيب قوله وقوله: ﴿لا تَفْتَرُوا﴾ جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال قد جاءت الفاء بمعنى التعقيب في قوله: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ ٢ والإسحات لا يقع عقيب الافتراء بل يتراخى إلى الآخره وجوابه أن الفاء قد ثبت بما قررناه من الدليلين أنها حقيقة في التعقيب فوجب حمل ما ذكرتموه على المجاز وذلك لأن الإسحات لما كان متحقق الوقوع جزاء للافتراء نزل منزلة الواقع عقيبه. فرع قضية اقتضاء الفاء التعقيب أنه إذا قال مثلا إن دخلت الدار فكلمت زيدا فأنت طالق فلا بد من وقوع الطلاق من وقوع كلامها لزيد عقيب دخولها. وحكى الأصحاب وجهين فيما إذا قال لعبده إذا مت فشئت فأنت حر أصحها عند الأكثرين اشتراط اتصال المشيئة بالموت لكون الفاء تقتضي التعقيب وهما جاريان في سائر التعليقات.

стр. 357

المسألة الثالثة: في ... قال الثالثة في الظرفية ولو تقديرا مثل: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ولم يثبت مجيئها للسببية. لفظة في للظرفية تحقيقا نحو الماء في الكوز أو تقديرا مثل قوله تعالى حكاية: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ لتمكن المطلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان ومن النحاة من يقول في هنا بمعنى على واختاره الشيخ جمال

стр. 358

الدين بن مالك١ لكن الذي عليه الجمهور وهو مذهب سيبويه الأول. وقول المصنف في للظرفية ولو تقديرا يحتمل أمورا: أحدها: أنها تكون حقيقة في للظرفية محققة مجازا في المقدرة وهذا مذهب سيبويه والمحققين. والثاني: أن تكون مشتركة بينهما. والثالث: وهو الأقرب إلى الصواب أن تكون حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز وحينئذ تكون من قبيل المشكك أن معنى الظرفية في المحققة أوضح. قوله ولم يثبت مجيئها للسببية. اعلم أن الإمام نقل عن بعض الفقهاء أنها للسببية لقوله ﵇ في النفس المؤمنة مائة من الإبل وضعفه بأن أحدا من أهل اللغة ما ذكر ذلك مع أن المرجح في هذه المباحث إليهم وهذا الذي ذكره الإمام ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه شهادة نفي وقد رد هو على ابن جني في مسألة الباء بذلك فكيف يرد به هنا. والثاني: أن ذلك شائع ذائع في لسان العرب في القرآن والسنة وشعر العرب أما القرآن ففي قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ ٢ و ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ ٣.

стр. 359

وأما السنة فالحديث الذي أورده وما روي أيضا من قوله ﷺ : "دخلت امرأة النار في هرة" ١. وأما العرب فقال الشاعر: بكرت باللوم تلحانا ... في بعير ضل أو حانا ومثله: لوى رأسه عني ومال بوده ... أغاينج خود كان فينابزورها أغاينج بالغين المعجمة والنون المكسورة والخود بفتح الخاء المعجمة المرأة الجميلة. وهذا هو الذي اختاره ابن مالك والإنصاف في لفظه في أنها حقيقة في الظرفية مجاز في السببية وقد ذكر بعضهم للفظة في موارد أخرى. قال الشيخ أبو حيان وتأول أصحابنا كل ذلك وردوه إلى معنى الوعاء. قال الرابعة من لابتداء الغاية والتبيين والتبعيض وهي حقيقة في التبيين دفعا للاشتراك.

стр. 360

المسألة الرابعة: من ... لفظة من ترد لابتداء الغاية وللتبيين وللتعيض فأما ورودهما لابتداء الغاية فهو إما في المكان وهو مجمع عليه ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ١ وأما في الزمان مثل: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ ٢ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٣ وفي الحديث: "فمنظرنا من الجمعة إلى الجمعة وفيه من نصف النهار إلى صلاة العصر". وقال الثانية تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجارب وقال الراجز: تنتهض الرعدة في ظهري من لدن الظهر إلى العصر وهذا قد أثبته الكوفيون وصححه ابن مالك وشيخنا أبو حيان منعه

стр. 361

البصريون قال شيخنا وتأولهم مجيئها لذلك مع كثرته في لسان العرب نثرها ونظمها كثرة تسوغ القياس ليس لشيء. واعلم أن من قد تدخل لابتداء الغاية في غير المكان والزما ن نحو قرأن من أول سورة البقرة إلى آخرها وفي الحديث " من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم" وأما ورودها للتبيين فكقوله : ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ١ وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ ٢. وبهذا قال ابن بابشاذ وابن النحاس وعبد الدايم القيرواني وابن ملك. قال شيخنا أبو حيان وقد أنكر ذلك أكثر أصحابنا وزعموا أنها لم ترد لهذا المعنى وقالوا هي في قوله: ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ لابتداء الغاية وانتهائها لأن الأوثان نحاس مصوغ أو ذهب أو غير ذلك فليس الرجس ذاتها ولا النجس الذي صنعت منه وإنما وقع الاجتناب على عبادتها ووصف الرجس المعبود منها ومن في الآية كهي في قولك أخذته من التابوت ألا ترى أن اجتناب عبادة الوثن ابتداؤه وانتهاؤه وأما وعد الله الذين آمنوا فنقدر أن الخطاب عام للمؤمنين وأما ورودها للتبعيض فنحو أخذت من الدراهم ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ٣ وهو كثير وقد زعم الأخفش الصغير٤ والمبرد٥ وابن السراج٦ والسهيلي وطائفة أن

стр. 362

من لا تكون إلا لابتداء الغاية وصححه ابن عصفور ويعرف كونها لابتداء الغاية بصحة وضع الذي مكانها وكونها للتبعيض بصحة وضع البعض. ثم قال المصنف تبعا للإمام إنها حقيقة في التبيين لأنه مشترك بين المعاني المتقدمة كلها إذ يتبين في الأول ابتداء الخروج. وفي الثاني: في مثل: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ تبين المجتنب. وفي الثالث: مثل أخذت من الدراهم تبيين المأخوذ منه فيكون متواطئا حقيقة في القدر المشترك وإلا فإن كان حقيقة في كل واحد يلزم الاشتراك أو في البعض دون البعض يلزم المجاز فليكن حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك ودفعا للمجاز ولم يذكر المصنف المجاز ولا بد منه وقد ذكروا ل من موارد أخرى لا نطيل بتعدادها.

стр. 363

المسألة الخامسة: الباء ... قال الخامسة الباء تعدي اللازم وتجزي المتعدي لما نعلم من الفرق بين مسحت المنديل بالمنديل ونقل إنكاره عن ابن جني ورد بأنه شهادة نفي. للباء حالتان إحداهما أن تدخل على فعل لا يتعدى بنفسه كقولك كتبت بالقلم ومرت بزيد فلا تقتضي إلا مجرد الإلصاق وهذه الحالة هي التي عبر عنها في الكتاب بقوله الباء تعدي اللازم والتعبير بالإلصاق أحسن ولم يذكر لها سيبويه١ معنى غيره وأما التعبير بتعدية اللازم فليس بجيد فإنها قد لاتكون كذلك كما في المثالين المذكورين وقد تكون كذلك كما قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ٢.

стр. 364

وكذلك: ﴿بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فيصير الفاعل مفعولا به فتكون الباء بمعنى الهمزة في قولك أذهب. الثانية: أن تدخل على فعل يتعدى بنفسه وهو مراد المصنف بقوله تجزي المتعدي أن تقضي التبعيض كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وخالفت الحنفية في ذلك لنا أنا نعلم بالضرورة الفرق بين أن يقال مسحت يدي بالمنديل ومسحت المنديل بيدي فإن الأول يفيد التبعيض والثاني يفيد الشمول وهذا الاستدلال ضعيف. أما أولا فلأنه مناقض لما ذكره في المجمل والمبين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما ثانيا فلأن مسح يتعدى إلى المفعول بنفسه وإلى ما يمسح به بالباء فتقدير مسحت المنديل مسحت المنديل بيدي فالمنديل ممسوح فيه واليد آلة وتقدير مسحت بالمنديل مسحت وجهي المنديل فالوجه ممسوح والمنديل آلة فلا تكون الباء فيه للتبعيض وإنما هي للتعدية وفهم التبعيض منه إن سلم إنما هو لكون المنديل فيه آلة والعمل في جاري العوائد إنما يكون ببعض الآلة كما تقول أخذت بثوب زيد وإنما أخذت ببعض ثوبه ومنه: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ . وقد ذكرنا أن سيبويه لم يذكر لها معنى غير الإلصاق. قال البصريون لا يكون إلا بمعنى الإلصاق والاختلاط حقيقة أو مجازا إذا لم تكن زائدة وقد يتجرد الإلصاق وقد ينجر معها معان أخر فالإلصاق حقيقة وصلت هذا بهذا أو مجازا مررت بزيد والتصق المرور بمكان بقرب زيد وذكروا أن المعاني التي تنجر مع الإلصاق ستة أنواع النقل ويعبر عنه بالتعدية كما سبق في قول: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ويكون الفعل قبلها لازما ومتعديا نحو صككت الحجر بالحجر أصله صك الحجر الحجر والإلصاق في هذا واضح والسببية نحو مات زيد بالجوع والاستعانة نحو كتبت بالقلم. وأدرج ابن مالك هذا في السببية والمصاحبة ويصلح معها مع نحو جاءكم الرسول بالحق والحال نحو وهبتك الفرس بسرجه أي مسرجا

стр. 365

والظرفية وهي التي يصلح مكانها في نحو زيد بالبصرة والقسمية نحو بالله لأقومن ألصقت فعل القسم المحذوف بالقسم به. هذا كلام شيخنا في الارتشاف وهذه الأقسام سبعة وقد ذكر أنها ستة فما أدرى ما أراد وذكر ابن مالك أنها تأتي للتعليل قال وهو يحسن غالبا في موضع اللام كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ ١. قال شيخنا أبو حيان ولم يذكر أصحابنا هذا وكأن السبب والتعليل عندهم واحد وذكر ابن مالك أيضا أنه تكون للبدل قال وهي التي يصلح مكانها بدل نحو قوله: فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا٢ أي بدلهم وللمقابلة وهي الداخلة على الأثمان والأعواض نحو اشتريت الفرس بألف وقد يسمى باء العوض وذهب الكوفيون إلى أن الباء قد تأتي بمعنى عن وذلك بعد السؤال نحو: وإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأحوال النساء طبيب٣ أي عن النساء. وقال الأخفش ومثله فاسأل به خبيرا واستدل ابن مالك لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ ٤ أي عن الغمام وكان الأستاذ أبو علي يقول اسأل بسببه خبيرا وسبب النساء أي لتعلموا حالهن. وذهب الكوفيون أيضا إلى أن الباء تكون بمعنى على وهو الذي عزاه إمام الحرمين إلى الشافعي واستدل عليه بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ

стр. 366

إِلَيْكَ﴾ أي على دينار وزعم بعض النحاة أن الباء تدخل على الاسم حيث يراد الشبيه نحو لقيت بزيد الأسد ورأيت به القمر أي لقيت بلقائي إياه الأسد أي شبهه والصحيح أنها للسبب أي بسبب لقائه وبسبب رؤيته وزعم أيضا أنها تدخل على ما ظاهره أن المراد به غير ذات الفاعل أو ما أضيف إلى ذات الفاعل نحو قول طفيل الغنوي: إذا ما غزا لم يسقط الروع رمحه ... ولم يشهد الهيجاء بالموت معصم الألوث الضعيف ويقال الرجل الذي يمسك بعرف فرسه خوف السقوط معصم بضم الميم بعدها عين مهملة ساكنة ثم صار مهملة مكسورة وقيل المعصم الذي يتحصن بالجبال فيمتنع فيها فظاهره أن فاعل يشهد غير الوث معصم والفاعل في الحقيقة هو ألوث معصم وتكون الباء زائدة كما في قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ١ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ و ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ و ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ فهذا من أجمع ما ذكره النحاة من موارد الباء. وأما ورودها للتبعيض فقد ذكره ابن مالك ومن شواهده شرب التريف ببرد ماء الحشرج أي من برد وقال ذلك في التذكرة الفارسي وهو مذهب الكوفيين تبعهم فيه الأصمعي والقتبي في قوله: شربن بماء البحر وتأوله ابن مالك على التضمين أي روين بماء البحر. وقال إمام الحرمين ذهب بعض فقهائنا إلى أن الباء إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضا وزعموا أنه في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ يتضمن ذلك وهذا خلاف من الكلام لا حاصل له وقد اشتد نكير ابن جني في سر الصناعة على من قال ذلك فلا فرق بين أن نقول مسحت رأسي ومسحت برأسي والتبعيض يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب انتهى

стр. 367

قوله ونقل أي احتج من زعم أنها ليست للتبعيض بأن أبا الفتح بن جني من أئمة اللغة وقد اشتد نكيره على من قال إنها للتبعيض وقال إنه شيء لا يعرف في اللغة وأجاب المصنف تبعا للإمام بأن ما ذكره ابن جني شهادة على النفي فلا تقبل وهو حيد عن سبيله الإنصاف إذ الواصل في فن إلى نهايته والبالغ فيه إلى أقصى غاياته يقبل قوله: فيه نفيا وإثباتا وقد وافق ابن جني على ذلك صاحب البسيط فقال لم يذكر أحد من النحويين أن الباء للتبعيض. وقال بعضهم لو كانت للتبعيض لقلت زيد بالقوم تريد من القوم وقبضت بالدراهم أي منها ثم إن المصنف تبعا للإمام أيضا شهد على النفي في مسألة في حيث قال ولم يثبت مجيئها للسببية فليست شهادتهما في لغة العرب على النفي أولى بالقبول من شهادة أبي الفتح بن جني وصاحب البسيط معاذ الله أن يكون ذلك نعم كان الطريق في الرد على ابن جني أن يعرض عليه مواضع من كلامهم ورد ذلك فيها كما في قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي منها. وقال عمر بن أبي ربيعة: فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب التريف ببرد ماء الحشرج١ وقال غيره: شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم٢ الدحرضان بضم الدال بعدها حاء مهملة ساكنة ثم راء مهملة مضمومة ثم ضاد معجمة مفتوحة وهما ماءان يقال لأحدهما وسيع وللآخر الدحرض وهما مما غلب فيه أحد القرينين على الآخر كالقمرين والعمرين وقال الآخر:

стр. 368

شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لحج خضر لهن تثيج وقد ذكرنا أن الكوفيين والأصمعي والقتبي وابن مالك ذكروا ذلك.

стр. 369

المسألة السادسة: إنما ... قال السادسة إنما للحصر لأن إن للإثبات وما للفي فيجب الجمع على ما أمكن. وقد قال الأعشى وإنما العزة للكاثر وقال الفرزدق. وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي. وعورض بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قلنا المراد الكاملون. تقييد الحكم بإنما مثل إنما قام زيد هل يفيد حصر الأول في الثاني بمعنى أنه تفيد إثبات الحكم في المحكوم عليه ونفيه عن غيره فيه مذهبان: أحدهما: تفيد الحصر وبه قال القاضي وأبو إسحاق الشيرازي والغزالي وعليه الإمام وأتباعه منهم صاحب الكتاب. والثاني: لا بل تفيد الإثبات واختاره الآمدي واحتج الأولون بوجهين: أحدهما: أن كلمة أن تقتضي الإثبات وما تقتضي النفي فعند تركيبهما يجب بقاء كل منهما على أصله لأن الأصل عدم التغيير وحينئذ يجب الجمع بينهما بقدر الإمكان فلا بد من إثبات شيء ونفي آخر لامتناع اجتماع النفي والإثبات على شيء واحد وحينئذ إما أن نقول كلمة إن تقتضي ثبوت غير المذكور وكلمة ما تقتضي نفي غير المذكور وهو باطل إجماعا أو نقول كلمة إن تقتضي ثبوت المذكور وكلمة ما تقتضي نفي غير المذكور وهذا هو الحصر وهو المراد وقد ضعف هذا الوجه بأن المعروف عند النحويين أن ما ليست نافية بل زائدة كافة موطئة لدخول الفعل وذكر في إفادتها الحصر وجه آخر

стр. 370

أسند إلى علي بن عيسى الربعي١ وهو أن كلمة أن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم لما اتصلت بها ما المؤكدة لا النافية لما ذكرنا تضاعف تأكيدها فناسب أن تضمن معنى القصد لأن قصر الشيء على الشيء ليس إلا تأكيدا للحكم على تأكيد ألا ترى إلى قولك جاء زيد لا عمرو وكيف يكون جاء زيد إثباتا للمجيء صريحا وقولك لا عمرو إثباتا ثانيا لمجيئه ضمنا وهذا الوجه أشد من الأول إلا أن للمعترض عليه أن يقول وجه مناسبة إضمار معنى القصر لائحة ولكن ذلك إنما يقال بعد ثبوت كونها للحصر والكلام فيه ومجرد هذه المناسبة لا يدل عليه. الوجه الثاني: من الوجهين المذكورين في الكتاب أن العرب استعملتها في الحصر كقول الأعشى عبد الله بن الأعور المازني الصحابي ﵁: ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر٢ ولست بفتح التاء ضبطه الجوهري وقال الفرزدق وهو همام بن غالب التابعي ﵀:

стр. 371

أنا الذائد الحامي الذمار ... وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي١ قوله وعورض إشارة إلى حجة الخصم وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٢ قالوا فلو أفادت الحصر لكان من لا يحصل له الوجل عند ذكر الله تعالى لا يكون مؤمنا وأجاب بأن المراد بالمؤمنين الكاملون في الإيمان جمعا بين الأدلة وعلى هذا يكون قد أفادت الحصر كما هو المدعي. واعلم أن الذي نقله شيخنا أبو حيان عن البصريين المذهب الثاني وكان مصمما عليه ويتغالى في الرد على من يقول بإفادتها الحصر الذي اختاره والدي أبقاه الله. الأول: وله كلام مبسوط في المسألة اشتد فيه نكيره على الشيخ أبي حيان وقال إنه استمر على لجاج وأن اللبيب لا يقدر أن يدفع عن نفسه فهم أن إنما للحصر ومن أحسن ما وقع له في الاستدلال على أنها للحصر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ٣ فقال هذه الآية تفيد أن إنما للحصر فإنها لو لم تكن للحصر لكانت بمنزلة قولك وإن تولوا فعليك البلاغ وهو عليه البلاغ تولوا أو لم يتولوا أو إنما الذي رتب على توليهم نفي غير البلاغ ليكون تسلية له ويعلم أن توليهم لا يضر. قال وهكذا أمثال هذه الآية مما يقطع الناظر بفهم الحصر منها كقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿إنما أنت منذر﴾ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً﴾ ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ﴿إِنَّمَا

стр. 372

السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ﴿إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ . قال فيكاد فهم الحصر من جميع هذه الآيات يسبق إلى القلب قبل السمع لا يرتاب فيه ولا يتمارى. فائدة إذا قلنا إنما للحصر فهل ذلك للمنطوق أو بالمفهوم فيه مذهبان: والأول: هو قضية كلام من استدل على ذلك بالوجه المركب من العقل والنقل الذي تقدم ذكره ومنهم صاحب الكتاب والله أعلم.

стр. 373

الفصل التاسع: كيفية الاستدلال بالألفاظ المسألة الأولى: لا يخطبنا الله تعالى بالمهمل ... الباب التاسعفي كيفية الاستدلال بالألفاظ قال الفصل التاسع في كيفية الاستدلال بالألفاظ وفيه مسائل الأولى لايخاطبنا الله بالمهمل لأنه هذيان احتجت الحشوية بأوائل السور قلنا أسماء وبأن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ واجب وإلا يتخصص المعطوف بالحال قلنا يجوز حيث لا لبس مثل ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وبقوله تعالى كأنه رؤوس قلنا مثل في الاستقباح. هذا الفصل معقود لبيان كيفية الاستدلال بخطاب الله تعالى وخطاب رسوله ﷺ على الأحكام وفيه مسائل الأولى والثانية منها يجريان محرى المبادئ للمقصود أما الأولى فنقول لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل أي بما ليس له معنى لأنه نقص والنقص محال على الله تعالى هذا كلام المصنف. وأما الإمام ففي عبارته قلق وذلك أنه قال لا يجوز أن يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئا والخلاف فيه مع الحشوية لنا وجهان: أحدهما: أن التكلم بما لا يفيد شيئا هذيان وهو نقص والنقص محال على الله تعالى. والثاني: أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانا وذلك لا يحصل فيما لا يفهم معناه انتهى. ووجه القلق أن أول كلامه يدل على أن الخلاف في جواز التكلم بشيء لا يعني به شيئا وإن كان ذلك الذي تكلم به له معنى يفهم منه وثانيه وثالثه وهما دليلاه يدلان على أن الخلاف في جواز التكلم بما لا يفيد شيئا

стр. 374

وعبارة المصنف توافق ما أدته عبارة الإمام ثانيا وثالثا لا ما اقتضته أولا وبها صرح الآمدي إذ قال لا يتصور اشتمال القرآن الكريم على ما لا معنى له أصلا وقد عرفت أن الخلاف في المسألة نع الحشوية وهم طائفة ضلوا عن سواء السبيل وعميت أبصارهم يجرون آيات الصفات على ظاهرها ويعتقدون أنه المراد سموا بذلك لأنهم كانوا في حلقة الحسن البصري رحمه الله تعالى فوجدهم يتكلمون كلاما ساقطا فقال ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة وقيل سموا بذلك لأن منهم المجسمة أو هم هم والجسم محشو فعلى هذا القياس فيه الحشوية بسكون الشين إذ النسبة إلى الحشو وقيل المراد بالحشوية الطائفة الذين لا يرون البحث في آيات الصفات التي يتعدد إجراؤها على ظاهرها بل يؤمنون بما أراده الله مع جزمهم المعتقد بأن الظاهر غير مراد ولكنهم يفوضون التأويل إلى الله وعلى هذا فإطلاق الحشوية عليهم غير مستحسن لعدم مناسبته لمعتقدهم١ ولأن ذلك مذهب طوائف السلف من أهل السنة ﵃. إذا عرفت ذلك فقد استدل المصنف على امتناع ذلك بأنه هذيان. قال الجاريردي شارح الكتاب وهو مصادرة على المطلوب لأن الهذيان هو اللفظ المركب المهمل وهو الذي ادعى امتناعه وهذا اعتراض منقدح ولكن المصنف أخذ هذا الدليل من الإمام والأمام إنما استدل به على ما صدر به المسألة من قوله: لا يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئا وقد بينا أن هذه الدعوى في الحقيق غير دعوى المصنف فليس استدلال الإمام بكونه هذيانا مصادرة على المطلوب نعم هو ضعيف من جهة أنه قد يقال لا نسلم أن الكلام المفيد بالوضع الذي فاه به الناطق إذا لم يعن به شيئا هذيان وإنما يكون هذيانا إذا لم يكن له مدلول في نفسه وقد يقال إن قصد المتكلم بالكلام معناه شرط في كونه كلاما مفيدا وقد سبق البحث في هذا. واحتجت الحشوية على ما ذهبوا إليه بثلاثة وجه:

стр. 375

الأول: زعموا أنه ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى "آلم المص كهيعص طه حم" وأمثالها فإنا لا نفهم لها معنى والجواب أن أقوال أئمة التفسير في ذلك كثيرة مشهورة قال الإمام والحق أنها السماء للسور وتبعه المصنف وهو ما عليه جماعة من المفسرين. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ١ وجه الاحتجاج أن الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ واجب وحينئذ فالراسخون مبتدأ ويقولون خبر عنه والدليل على أن يجب الوقف على ذلك أنه لو لم يجب لكان الراسخون معطوفا عليه وحينئذ يتعين أن يكون قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ جملة حالية والمعنى قائلين وإذا كانت حالية وفإما أن يكون حالا من المعطوف والمعطوف عليه أو من المعطوف فقط والأول باطل لامتناع أن يقول الله تعالى آمنا به والثاني خلاف الأصل لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات وإذا انتفى هذا تعين ما ادعيناه من وجوب الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وإذا وجب الوقف على ذلك لزم أنه تكلم بما لا يعلم تأويله إلا هو وهو المدعى. واعلم أن هذا الدليل لا يوافق دعوىالمصنف لأنه يقتضي أن الخلاف في الخطاب بلفظ له معنى لا نفهمه ودعواه فيما ليس له معنى مطلقا ثم إن هذا أعني كون القرآن يشتمل على ما لا يقدر على فهمه مما لا ينازع فيه فالناس في كتاب الله تعالى على مراتب ودرجات بحسب تفاوتهم في الأفهام والتضلع من العلوم فرب مكان يشترك في فهمه الخاص والعام وآخر لا يفهمه إلا الراسخون ويتفاوت العلماء إلى ما لا نهاية له على حسب استعدادهم وأقدارهم إلى أن يصل الأمر إلى ما لا يفهمه أحد غير النبي ﷺ الذي وقع معه الخطاب فهو يفهم ما خوطب به لا يخفى منه خافية. وقد أجاب المصنف عن هذا الوجه بأنه إنما يمتنع تخصيص المعطوف بالحال إذا لم تقم قرينة تدل عليه

стр. 376

وأما عند قيام القرينة الدافعة للبس فلا يمتنع حينئذ وذلك قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ ١ فإن نافلة حال من يعقوب فقط لأن النافلة ولد الولد وما نحن فيه كذلك إذ العقل قاض بأنه لا يقول آمنا به. الثالث: قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ٢ فإن العرب لا تعلم ما هي رؤوس الشياطين وأجاب بأنا لا نسلم أنه مهمل وإنما هو مثل كانت العرب العرباء تتمثل به في الاستقباح وهو مقيد بهذا الاعتبار.

стр. 377

المسألة الثانية: لا يعني خلاف الظاهر من غير بيان ... قال الثانية لا يعني خلاف الظاهر من غير بيان لأن اللفظ بالنسبة إليه مهمل قالت المرجئة يفيد إحجاما. قلنا فيرتفع الوثوق عن قوله تعالى. قد يريد الله بكلامه خلاف ظاهره إذا كانت هناك قرينة يحصل بها البيان ولا يمكن أن يعني لكلامه خلاف ظاهره من غير بيان والخلاف في المسألة مع المرجئة قوم جوزوا ذلك وقالوا: المراد بظواهر الآيات والأخبار الدالة على عقاب الفاسقين ووعيد العصاة والمذنبين الترهيب فقط كيلا يختل نظام العالم بناء على معتقدهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر وإنما سموا مرجئة لأنهم يرجئون العمل أي يؤخرونه ويسقطونه عن الاعتبار والإرجاء التأخير قال الله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ ١. وقد احتج المصنف بأن اللفظ بالنسبة إلى المعنى الذي لا يفهم مهمل لعدم إفادته له من غير بيان وقد تبين أن الخطاب بالمهمل ممتنع. وقالت المرجئة لا نسلم أنه بالنسبة إليه مهمل إذ المهمل ما لا يفيد وهذا ليس كذلك لأنه يفيد الإحجام عن المعاصي والإقدام على الطاعة.

стр. 378

وأجاب بأنا لو فتحنا هذا الباب لارتفع الوثوق من جميع أخبار الله تعالى وأخبار رسوله ﷺ لأنه لا خبر إلا ويحتمل أن يكون منه أمرا وراء الأفهام ومعلوم أن ذلك ظاهر الفساد.

стр. 379

المسألة الثالثة: دلالة المنطوق والمفهوم ... قال الثالثة الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه فيحمل على الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي ثم المجازي. هذه المسألة في بيان كيفية دلالة الخطاب على الحكم الشرعي وأقسام دلالته عليه فالخطاب الدال على الحكم إما أن يدل عليه بمنطوقه أي بصيغته أو بمفهومه. الحالة الأولى أن يدل عليه بمنطوقه فإما أن يكون له مسمى شرعي أو لا. الأول: يحمل على المسمى الشرعي ما لم يصرف عنه صارف لأن عرف الشارع يعرف المعاني الشرعية لا اللغوية ولأنه مبعوث لبيان الشرعيات وقيل إذا دار بين الشرعي واللغوي فهو مجمل لصلاحيته لكل منهما. وقال الغزالي إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي كقوله ﷺ "إني إذن أصوم" فإنه إذا حمل على الشرعي يدل على صحة الصوم بنيته من النهار وإن ورد في النهي كان مجملا وذلك مثل لنهيه ﷺ عن صوم يوم النحس فإنه لا يمكن حمله على الشرعي وإلا كان دالا على صحته لأنه يستحيل النهي عما لا يتصور وقوعه. وقال الآمدي في الإثبات يحمل الشرعي وفي النهي على اللغوي والصحيح الذي عليه الجمهور ما ذهب إليه المصنف وقول الغزالي والآمدي إن النهي مستلزم للصحة غير صحيح. والثاني: وهو الذي ليس له مسمى شرعي إما أن يكون له مسمى عرفي أو لا. والأول: يحمل على العرفي إن علم اطراد ذلك العرف في زمن ورود

стр. 380

الخطاب لأن الظاهر من حال الخطاب أن يكون مما يتبادر إلى أذهان المخاطبين. والثاني: يحمل على اللغوي الحقيقي لتعينه حينئذ وكذا إذا كان له مسمى عرفي ولم يمكن حمله عليه لمانع وإن لم يمكن حمله على اللغوي لقرينة صارفة عنه فيتعين حينئذ حمله على المعني المجازي ويكون الترتيب المذكور في الحقائق جاريا في مجازاتها. واعلم أن من القواعد المشتهرة على ألسنة الفقهاء أن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف قال والدي في شرح المهذب وليس مخالفا لما يقوله الأصوليون من أن لفظ الشارع يحمل على المعنى الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي. قال والجمع بين الكلامين أن مراد الأصوليين إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدمنا العرف ومراد الفقهاء إذا لم يعرف حده في اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف ولهذا قالوا كل ما ليس له حد في اللغة ولم يقولوا ليس له معنى فالمراد أن معناه في اللغة لم ينصوا على حده بما يبينه فيستدل بالعرف عليه. فائدة تنزيل اللفظ على المعنى الشرعي قبل العرفي في مسائل: منها لو حلف لا يبيع الخمر أو المستولدة فإن أراد أنه لا يتلفظ بلفظ العقد مضافا إليها فإذا باعه حنث وإن أطلق لم يحنث لأن البيع الشرعي لا يتصور فيها وفيه وجه أنه يحنث قال به المزني قال الرافعي هنا وسيأتي خلاف في أنه هل يتعين حمل لفظ العبادات كالصوم والصلاة على الصحيح منها وهذا الخلاف الذي وعد بذكره لم أره حكاه بعد ولا خلاف أنه لو حلف لا يحج يحنث بالفاسد لأنه منعقد يجب المضي فيه كالصحيح. ومنها لو حلف لا يركب دابة عبد زيد لا يحنث بالدابة المجعولة باسمه إلا أن يريد فإن ملكه السيد دابة فالصحيح أنه يتخرج على أنه هل يملك وقال ابن كج لا يحنث وإن قلنا يملك لأن ملكه ناقص السيد متمكن من إزالته.

стр. 381

وأما الرجوع إلى العرف ففي مسائل تخرج عن حد الحصر وقد أتينا في كتابنا الأشباه والنظائر منها بالعد الكثير. قال أو بمفهومه وهو إما أن يلزم عن مفرد لوقف عليه عقلا أو شرعا مثل ارم واعتق عبدك عني ويسمى اقتضاء أو مركب موافق وهو فحوى الخطاب كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب وجواز المباشرة إلى الصبح على جواز الصوم جنبا أو مخالف كلزوم نفي الحكم عما عدا المذكور ويسمى ذلك دليل الخطاب. الحالة الثانية أن يدل الخطاب على الحكم بمفهومه فإن أن يكون ما دل عليه بالمفهوم لازما عن مفرده أو عن مركب واللازم عن المفرد قد يكون المقتضي لكونه لازما هو العقل وقد يكون الشرع واللازم عن المركب قد يكون موافقا للمنطوق فيما اقتضاه من الحكم وقد يكون مخالفا فهذه أقسام. الأول: اللازم عن المفرد الذي اقتضى العقل كونه لازما عن المفرد بأن يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة مثل قولك ارم فإنه يدل بمفهومه على لزوم تحصيل القوس والمرمى لتوقف الرمي الذي هو مفرد عليهما عقلا إذ يحيل العقل الرمي بدونهما: الثاني: اللازم عن المفرد باقتضاء الشرع كونه لازما كقولك لمالك العبد اعتق عبدك عني فإنه يدل على استدعاء تمليك العبد إياه لأن العتق شرعا لا يكون إلا في مملوك. وهذان القسمان اللازمان عن المفرد يسميان في اصطلاح الأصوليين بدلالة الاقتضاء وإليه أشار بقوله ويسمى اقتضاء. ومن الأصوليين من جعل دلالة اللفظ على مقدر يتوقف عليه صدق الكلام داخلا في قسم الاقتضاء أيضا كدلالة قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ

стр. 382

والنسان ١ " على رفع الإثم وعبارة لا تنافي ذلك ولا تقتضيه لأنها لا تقتضي انحصار الافتضاء في المذكور فيه. نعم تقتضي أن يكون ذلك من قبيل ما دل عليه اللفظ بمنطوقه لأنه لم يعده في أقسام المفهوم بل في المنطوق الغزالي على الاقتضاء بجملة أقسامه من المفهوم. الثالث: اللازم عن اللفظ المركب وهو موافق لمدلول ذلك المركب في الحكم ويسمى فحوى الخطاب لأن فحوى الكلام ما يفهم منه قطعا وهذا كذلك ويسمى أيضا لحن الخطاب لأن لحن الكلام عبارة عن معناه ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ٢ أي معناه وربما سماه الشافعي ﵁ بالجلي واختلفوا في أن دلالة النص عليه هل هي لفظية أم قياسية والذي عليه الجمهور أنها قياسية قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وهو الصحيح لأن الشافعي سماه القياس الجلي. وهذا الثالث: أعني مفهوم الموافقة تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق كدلالة تحريم التأفيف من قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على تحريم الضرب وسائر أنواع الأذى الذي هو أبلغ من التأفيف وتارة يكون مساويا له كدلالة جواز المباشرة من قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٣ على جواز أن يصبح الرجل صائما جنبا لأن لو لم يجز ذلك لما جاز للصائم مد المباشرة إلى طلوع الفجر بل كان يجب قطعها مقدار ما يسع فيه الغسل قبل طلوع الفجر وإنما ذكر المصنفين مثالين ليعلم أن مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم كالمثال الأول وقد يكون مساويا كالثاني وهذا هو المختار.

стр. 383

ومنهم من اشترط الأولوية في مفهوم الموافقة وهو قضية ما نقله إمام الحرمين عن كلام الشافعي ﵁ في الرسالة حيث قال في البرهان نحن نسرد معاني ككلامه في الرسالة ثم قال أما مفهوم الموافقة فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق الحكم في المنطوق من جهة الأولى انتهى وهو مقتضى كلام الشيخ أبي إسحاق في شرح اللمع وغيره وعليه جرى ابن الحاجب لكنه قال بعد ذلك في مفهوم المخالفة شرطه ألا يظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت عنه فيكون موافقة فاضطرب كلامه. الرابع: اللازم عن المركب وهو مخالف لمدلول المركب في الحكم وهذا هو مفهوم المخالفة ويسمى دليل الخطاب وهو أصناف ذكر المصنف منها أربعة وذهب أبو حنيفة إلى نفس القول بمفهوم المخالفة مطلقا ووافقه جمع من الأصوليين. قال إمام الحرمين وأما منكروا الصيغ لما يتطرق إليها من تقابل الظنون فلا شك أنهم ينكرون المفهوم فإن تقابل الظنون فيه أوضح فهو بالتوفيق أولى وشيخنا أبو الحسن مقدم الموافقة وقد فعل النقلة عنه رد الصيغة والمفهوم وفي كلامه ما يدل على المفهوم والقول به فإن تعلق في مسألة الرؤية بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١ وقال لما ذكر الحجاب في إذلال الأشقياء أشعر ذلك بنقيضه في السعداء وقد تحققت على طول بحثي عن كلام أبي الحسن أنه ليس من منكري الصيغ على ما اعتقده معظم النقلة ولكنه قال في مفاوضاته مع أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ وآل سر مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما ينبغي القطع فيه ولا نرى له المنع من العمل بقضايا الظوهر في مظان الظنون وقد باح القاضي ﵁ بجحد الصيغ وصرح بنفي المفهوم.

стр. 384

المسألة الرابعة: تعليق الحكم بالأسم ... قال الرابعة تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عن غيره وإلا لما جاز القياس خلافا لأبي بكر الدقاق. هذه المسألة في مفهوم الاسم ومفهوم الصفة اللذين هما من جملة أصناف

стр. 385

دليل الخطاب أما مفهوم الاسم فنقول تقييد الحكم أو الخبر بالاسم علما كان أو اسم جنس مثل قولك قام زيد أو قام الناس لا يدل على نفي الحكم عما عداه خلافا لأبي بكر الدقاق والحنابلة وقد سفه علماء الأصول الدقاق ومن قال بمقالته وقالوا هذا خروج عن حكم اللسان والسلال عن مفاوضات الكلام فإن من قال رأيت زيدا لم يقتض ذلك أنه لم ير غيره قطعا. قال إمام الحرمين وعندي أن المبالغة في الرد عليه صرف لأنه لا يظن بذي العقل الذي لا ينحرف كلامه عن سنن الصواب أن يخصص بالذكر ملقيا من غير غرض وحاصل ما اختاره إمام الحرمين أن التخصيص يتضمن غرضا مبهما ولا يتعين انتفاء غير المذكور ثم قال وأنا أقول وراء ذلك لا يجوز أن يكون من غرض المتكلم في التخصيص نفي ما عدي المسمى بلقبه فإن الإنسان لا يقول رأيت زيدا وهو يريد الإشعار بأنه لم ير غيره فإن هو أراد ذلك قال إنما رأيت زيدا أو ما رأيت زيدا هذا كلامه وحكى ابن برهان في كتابه في أثناء المسألة مذهبا ثالثا عن بعض علمائنا وهو التفرقة بين أسماء الأنواع وأسماء الأشخاص فقال إن تخصيص اسم النوع بالذكر دل على نفي الحكم عن غيره ومثل له ابن برهان بما إذا قال في السود من الغنم زكاة وإن تخصيص اسم الشخص مثل قام زيد فلا يدل ثم قال ابن برهان وهذا ليس بصحيح لأن أسماء الأنواع نازلة في الدلالة منزلة أسماء الأشخاص إلا أن مدلول أسماء الأنواع أكثر وهما في الدلالة متساويان إذا عرفت هذا فقد استدل في الكتاب على مذهب الجمهور بأن تعليق الحكم على الاسم لو دل لكان الدليل على ثبوت الحكم في الأصل المقيس عليه كالنص الدال على أن البر ربوي مثالا وإلا على نفي الحكم عن الفرع المقيس كالأرز في مثالنا والفرض أن القياس قاض بإلحاقه فمتى عمل بالمفهوم بطل القياس وقد ضعف هذا الدليل بأن التعارض بين مفهوم اللقب والقياس غير متصور لأن من شرط القياس مساواة الفرع للأصل وشرط مفهوم المخالفة ألا يكون المسكوت عنه أولى ولا مساويا فلا مفهوم إذا مع المساواة ولا قياس مع عدم

стр. 386

المساواة وأبدى والدي ﵀ في تضعيفه وجها أحسن من هذا لا مزيد على بلاغته فقال للدقاق أن يقول المفهوم يدل على الإباحة فيما عدا البر والقياس إنما يدل على التحريم فيما شارك البر في المعنى كالأرز والحمص دون ما لم يشاركه من الرصاص والنحاس وغيرهما فغاية ما يفعل القياس حينئذ أن يخصص المفهوم ولا بدع في تخصيص المفهوم بالقياس بل ولا في تخصيص المنطوق. فائدة في كتاب الأستاذ أبي إ سحاق في أصول الفقه أن شيخه ابن الدقاق هذا ادعى في بعض مجالس النظر ببغداد صحة ما قاله من مفهوم اللقب فألزم وجوب الصلاة فإن الباري تعالى أوجب الصلاة فهل له دليل يدل على نفي وجوب الزكاة والصوم وغيرهما قال فبان له غلطة وتوقف فيه. قال وبإحدى صفتي الذات مثل في سائمة الغنم زكاة يدل ما لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى خلافا لأبي حنيفة وابن سريج والقاضي وإمام الحرمين والغزالي. هذا مفهوم الصفة وهو مقدم المفاهيم ورأسها وقد قال إمام الحرمين ولو عبر معبر عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك منقدحا فإن المعدود والمحدود موصوفان بعددهما وحدهما وكذا سائر المفاهيم وقول المصنف وبإحدى هو معطوف على قوله تعليق الحكم بالاسم أي وتعليق الحكم بإحدى صفتي الذات أو أحد أوصافها يدل على نفي الحكم عن الصفة الأخرى مثال مفهوم الصفة قوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" ١ وهو حديث معناه ثابت في الصحيح فإن الغنم ذات والسوم والعلف وصفان يعتورانها وقد علق الحكم بأحدهما وهو السوم وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢ وقد

стр. 387

اختلفوا في هذا المفهوم فذهب الجمهور وكبيرهم الشافعي وأبو الحسن وأبو عبيدة معمر بن المثنى وجمع كثير من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يدل على النفي واختباره المصنف ثم اختلاف هؤلاء في أنه هل يدل على نفي الحكم عما عداه مطلقا سواء كان من جنس المثبت فيه أم لم يكن أو يختص بما إذا كان من جنسه مثاله إذا قلنا في الغنم السائمة زكاة هل يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقا سواء كانت معلوفة الغنم أم الإبل والبقر أو يختص بالنفي عن معلوفة الغنم وهذا الخلاف حكاه الشبخ أبو حامد في كتابه في أصول الفقه عن أصحابنا وقال الصحيح تخصيصه بالنفي عن معلوفة الغنم فحسب وذهب أبو حنيفة والقاضي وأبو بكر وأبو العباس بن سريج إمام أصحابنا والقفال الشاشي والغزالي وجماعة إلى أنه لا يدل واختاره الآمدي وفرق أبو عبد الله البصري فقال بالمفهوم في الخطاب الوارد لبيان المجمل كقوله ﵇ زكوا عن سائمة الغنم فإنه ورد بيانا لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والوارد للتعليم كقوله ﵇: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة" ١ الحديث والوارد فيما انتفى عنه الصفة إذا كان داخلا تحت المتصف بها نحو الحكم بالشاهدين والشاهد الواحد فإن الشاهد الواحد داخل تحت الشاهدين وفرق إمام الحرمين بين الوصف المناسب وغير المناسب فقال بمفهوم الأول دونه. الثاني: وقد اطلعه في الكتاب تبعا للإمام النقل عنه في إنكار مفهوم الصفة وليس بجيد. وقال الإمام أنه لا يدل على النفي بحسب وضع اللغة لكنه يدل عليه بحسب العرف العام هذا تحرير الخلاف في المسألة وأما محل النزاع فهو كما أشار إليه المصنف بقوله ما لم يظهر أي إنما يدل على القائلين به إذا لم يظهر لتعليق الحكم بالصفة المذكورة فائدة أخرى مغايرة لنفي الحكم عما عداها ككونه جوابا عن سؤال سائل عن حكم إحدى الصفتين أو خارج مخرج الغالب أو

стр. 388

غير ذلك مثل قوله: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا مفهوم له لأن النهي عن موالاة الكافرين عام فيمن وإلى المؤمنين ومن لم يوالهم وإنما معنى قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم ففي هذه الأشياء لا يدل على نفي الحكم عما عدا الصفة المذكورة كما نقله المتأخرون من الأصوليين وقد نازع إمام الحرمين فيما إذا خرج مخرج الغالب بعد أن عن الشافعي ما قلناه من أنه لا مفهوم حينئذ وأطال الكلام فيه والشيخ عز الدين ابن عبد السلام قال القاعدة تقتضي العكس وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم بخلاف ما إذا لم يكن غالبا وذلك لأن الوصف الغالب على ثبوته لها عن ذكر اسمه فإذا أتى بها مع أن العادة كافية فيها دل على أنه إنما أتى لتدل على سلب الحكم عما عداه لانحصار غرضه فيه وأما إذا لم يكن عادة فقد يقال إن غرض المتكلم بتلك الصفة أن يفهم السامع أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة. وقد أجاب القرافي عن هذا بأن الوصف إذا كان غالبا لازما لتلك الحقيقة في الذهن بسبب الشهرة والغلبة فذكره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها لعله لحضوره في ذهنه لا لتخصيص الحكم به وأما إذا لم يكن غالبا فالظاهر أنه لا يذكر مع الحقيقة إلا لتقييد الحكم به لعدم مقارنته للحقيقة في الذهن حينئذ فاستحضاره معه واستجلابه لذكره عند الحقيقة عند الحكم إنما يكون لفائدة والغرض عدم ظهور فائدة أخرى فيتعين التخصيص وهذا الجواب الصحيح. فإن قلت هذا لا يتضح بالنسبة إلى كلام الله تعالى لعلمه بالغالب وغير الغالب على حد سواء. قلت هذا السؤال أورده الشيخ صدر الدين بن المرجل في كتابه الأشباه والنظائر وقد ذكر اختلاف الأصوليين في أن العام هل يشمل الصورة النادرة فقال هذا الخلاف لا يبين لي حرمانه في كلام الله تعالى لأنه لا يخفى عليه خافية فهو يعلم ذلك النادر وقال وإنما يتبين لي دخوله في كلام الآدميين وقد

стр. 389

أجبت عنه في كتابي الأشباه والنظائر بما لو عرض على ذوي التحقيق لتلقوه بالقبول. فقلت الخلاف جار في كلام الله تعالى لا للمعنى الذي ذكره ابن المرحل بل لأن كلام الله تعالى منزل على لسان العرب وقانونهم وأسلوبهم فإذا جاء فيه لفظ عام تحته صورة نادرة وعادة العرب إذا أطلقت ذلك اللفظ لا تمر تلك الصورة ببالها يقول هذه الصورة ليست داخلة في مراد الله تعالى من هذا اللفظ وإن كان عالما بها لأن هذا اللفظ يطلق عند العرب ولا يراد هذه الصورة كما يجيء في القرآن ألفاظ كثيرة يستحيل وقوع معانيها من الله تعالى كالترجي والتمني وألفاظ التشكيك ولك ذلك منتف في جانبه تعالى وإنما تجيء ليكون القرآن على أسلوب كلام العرب. قال لنا أنه المتبادر من قوله ﵇: "مطل الغنى ظلم" ومن قولهم الميت اليهودي لا يبصر وإن ظاهر التخصيص يستدعي فائدة وتخصيص الحكم فائدة وغيرها منتف بالأصل فيتعين وإن الترتيب يشعر بالعلية كما ستعرفه والأصل ينفي علة أخرى فينتفي بانتفائها قيل لو دل لدل إما مطابقة أو التزاما قلنا دل التزاما لما ثبت أن الترتيب يدل على العلية وانتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي قيل ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ليس كذلك قلنا غير المدعى. استدل على أن مفهوم الصفة حجة بثلاثة أوجه: الأول: أن يتبادر إلى الفهم حيث كان كما أن من سمع ما رواه البخاري ومسلم من قوله ﷺ : "مطل الغنى ظلم" ١ فهم أن مطل من ليس بغنى ليس ظلما وقد فهم ذلك من الحديث أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة

стр. 390

وكذلك الشافعي وهو إمام اللغة وابن بجدتها والتسمك بقول الشافعي وأبي عبيدة أولى من التمسك بقول أعرابي جلف وكذلك أهل العرف يتبادر إلى فهمهم من قول القائل الميت اليهودي لا يبصر أن الميت الذي ليس هو بيهودي يبصر بدليل أنهم يسخرون من هذا الكلام ويضحكون منه وإنما ذكر المصنف هذين المثالين ليبين أن المتبادر إلى الفهم في الأول عند أهل اللغة وفي الثاني عند أهل العرف فيجتمع التبادر من الجهتين وهذا من محاسنه. وقد اعترض إمام الحرمين على التمسك بفهم الشافعي وأبي عبيدة فقال هذا المسلك فيه نظر فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط وهم في مسالكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل والأعرابي الجلف طبعه فيقع التمسك بمنظومه ومنثوره. الوجه الثاني: أن ظاهر تخصيص الحكم بالصفة يستدعي فائدة صونا للكلام عن اللغو وتلك الفائدة ليست لا نفي الحكم عما عداه لأن غيرها منتف بالأصل فتتعين هي ولأن الكلام فيما إذا لم يظهر للتخصيص فالذكر فائدة أخرى. فإن قلت هذا يلزمكم في مفهوم اللقب. قلت اللقب له فائدة تصحيح الكلام إذ الكلام بدونه غير مفيد بخلاف الصفة. الثالث: أن الحكم المرتب على الخطاب المقيد بالصفة معلول تلك الصفة كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس من أن تريتب الحكم على الوصف يشعر بالعلية والأصل عدم علة أخرى لأنا لز جوزنا التعليل بعليتين فلا شك أن الأصل عدمه وإذا لم يكن له علة غير الوصف لزم انتفاء الحكم فيما انتفى عنه الوصف لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول. قال قيل إن احتج الخصم بوجهين: أحدهما: أنه لو دل تخصيص الحكم بإحدى الصفتين على نفيه عما عداها
следующие страницы →