← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11728

الإتقان في علوم القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ أَيِ ارْجِعْنِي وَقِيلَ، "رَبِّ" خِطَابٌ لَهُ تَعَالَى و "ارجعون" لِلْمَلَائِكَةِ وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: هُوَ قَوْلُ مَنْ حَضَرَتْهُ الشَّيَاطِينُ وَزَبَانِيَةُ الْعَذَابِ فَاخْتَلَطَ فَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ مِنَ الشَّطَطِ وَقَدِ اعْتَادَ أَمْرًا يَقُولُهُ فِي الْحَيَاةِ مِنْ رَدِّ الْأَمْرِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ الْخَامِسَ عَشَرَ: خِطَابُ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ نَحْوُ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وَالْخِطَابُ لِمَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ وَقِيلَ لِخَزَنَةِ النَّارِ وَالزَّبَانِيَةِ فَيَكُونُ مِنْ خِطَابِ الْجَمْعِ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ وَقِيلَ لِلْمَلَكَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ فَيَكُونُ عَلَى الْأَصْلِ وَجَعَلَ الْمَهْدَوِيُّ مِنْ هَذَا النَّوْعِ: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ قَالَ: الْخِطَابُ لِمُوسَى وَحَدَهُ لِأَنَّهُ الدَّاعِي وَقِيلَ لَهُمَا لِأَنَّ هَارُونَ أَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ وَالْمُؤَمِّنُ أَحَدُ الدَّاعِيَيْنِ السَّادِسَ عَشَرَ: خِطَابُ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظٍ الواحد كقوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ أي وياهرون وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَفْرَدَهُ بِالنِّدَاءِ لِإِدْلَالِهِ عَلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ. وَالْآخَرُ: لِأَنَّهُ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ وَالْآيَاتِ وَهَارُونُ تَبَعٌ لَهُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَذُكِرَ فِي الْكَشَّافِ آخَرُ وَهُوَ أَنْ هَارُونَ لَمَّا كَانَ أَفْصَحَ مِنْ مُوسَى نَكَبَ فِرْعَوْنُ عَنْ خِطَابِهِ حَذَرًا مِنْ لِسَانِهِ وَمَثْلُهُ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَفْرَدَهُ بِالشَّقَاءِ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ أَوَّلًا وَالْمَقْصُودُ فِي الكلام وقيل لأنه اللَّهَ جَعَلَ الشَّقَاءَ

стр. 877

فِي مَعِيشَةِ الدُّنْيَا فِي جَانِبِ الرَّجَالِ وَقِيلَ إِغْضَاءٌ عَنْ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ كَمَا قِيلَ مِنَ الْكَرَمِ سَتْرُ الْحَرَمِ السَّابِعَ عَشَرَ: خِطَابُ الِاثْنَيْنِ لفظ الجمع كقوله: ﴿أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ الثَّامِنَ عَشَرَ: خِطَابُ الْجَمْعِ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي ﴿أَلْقِيَا﴾ التَّاسِعَ عَشَرَ: خِطَابُ الْجَمْعِ بَعْدَ الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ جَمَعَ فِي الْفِعْلِ الثَّالِثِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ دَاخِلُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ومثله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الْعِشْرُونَ: عَكْسُهُ نَحْوُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْوَاحِدِ نَحْوُ: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: عَكْسُهُ نَحْوُ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ الْعَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَيْرُ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ تَقِيًّا وَحَاشَاهُ مِنْ طَاعَةِ الْكُفَّارِ وَمِنْهُ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ﴾ الآية حَاشَاهُ ﷺ مِنَ الشَّكِّ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْخِطَابِ التَّعْرِيضُ بِالْكُفَّارِ

стр. 878

أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: لَمْ يَشُكَّ ﷺ وَلَمْ يَسْأَلْ، وَمِثْلُهُ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الْآيَةَ، ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ وَأَنْحَاءُ ذَلِكَ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ الْغَيْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَيْنُ نَحْوُ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الْخِطَابُ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُقْصَدُ بِهِ مُخَاطَبٌ مُعَيَّنٌ نَحْوُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ﴾ لَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ خِطَابٌ مُعَيَّنٌ بَلْ كَلُّ أَحَدٍ وَأُخْرِجَ فِي صُورَةِ الْخِطَابِ لِقَصْدِ الْعُمُومِ يُرِيدُ أَنَّ حَالَهُمْ تَنَاهَتْ فِي الظُّهُورِ بِحَيْثُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا رَاءٍ دُونَ رَاءٍ بَلْ كُلُّ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُ الرُّؤْيَةُ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ الْخِطَابِ. السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ الشَّخْصِ ثُمَّ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ نحو: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ لِلْكُفَّارِ: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ بدليل ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ومنه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ إلى قوله ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ فيمن قَرَأَ بِالْفَوْقِيَّةِ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّلْوِينِ وَهُوَ الِالْتِفَاتُ

стр. 879

الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ الْجَمَادَاتِ خِطَابُ مَنْ يَعْقِلُ نَحْوُ: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّهْيِيجِ نَحْوُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الثَّلَاثُونَ: خِطَابُ التَّحَنُّنِ وَالِاسْتِعْطَافِ نَحْوُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: خِطَابُ التَّحَبُّبِ نَحْوُ: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: خِطَابُ التَّعْجِيزِ نَحْوُ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: خِطَابُ التَّشْرِيفِ وَهُوَ كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مُخَاطَبَةً بِ"قُلْ" فَإِنَّهُ تَشْرِيفٌ مِنْهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنْ يُخَاطِبَهَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ لِتَفُوزَ بِشَرَفِ الْمُخَاطَبَةِ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: خِطَابُ الْمَعْدُومِ وَيَصِحُّ ذَلِكَ تَبَعًا لِمَوْجُودٍ نَحْوُ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلِكُلِّ مَنْ بَعْدَهُمْ فَائِدَةٌ قَالَ بَعْضُهُمْ خِطَابُ الْقُرْآنِ ثلاثة أقسام: قسم لا يصح إِلَّا لِلنَّبِيِّ ﷺ .

стр. 880

وَقِسْمٌ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِغَيْرِهِ وَقِسْمٌ لَهُمَا فَائِدَةٌ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ تَأْمَّلْ خِطَابَ الْقُرْآنِ تَجِدْ مَلِكًا لَهُ الْمُلْكُ كُلُّهُ وَلَهُ الْحَمْدُ كُلُّهُ أَزِمَّةُ الْأُمُورِ كُلُّهَا بِيَدِهِ وَمَصْدَرُهَا مِنْهُ ومردها إِلَيْهِ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ أَقْطَارِ مَمْلَكَتِهِ عَالِمًا بِمَا فِي نُفُوسِ عَبِيدِهِ مُطَّلِعًا عَلَى أَسْرَارِهِمْ وَعَلَانِيَتِهِمْ مُنْفَرِدًا بِتَدْبِيرِ الْمَمْلَكَةِ يَسْمَعُ وَيَرَى وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ وَيُثِيبُ وَيُعَاقِبُ وَيُكْرِمُ وَيُهِينُ وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُقَدِّرُ وَيَقْضِي وَيُدَبِّرُ الْأُمُورَ نَازِلَةً مِنْ عِنْدِهِ دَقِيقَهَا وَجَلِيلَهَا وَصَاعِدَةً إِلَيْهِ لَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ فَتَأَمَّلْ كَيْفَ تَجِدُهُ يُثْنِي عَلَى نَفْسِهِ وَيُمَجِّدُ نَفْسَهُ وَيَحْمَدُ نَفْسَهُ وَيَنْصَحُ عِبَادَهُ وَيَدُلُّهُمْ عَلَى مَا فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَفَلَاحُهُمْ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهِ وَيُحَذِّرُهُمْ مِمَّا فِيهِ هَلَاكُهُمْ وَيَتَعَرَّفُ إِلَيْهِمْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَيَتَحَبَّبُ إِلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ وَآلَائِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِمَا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ تَمَامَهَا وَيُحَذِّرُهُمْ مَنْ نِقَمِهِ وَيُذَكِّرُهُمْ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ إِنْ أَطَاعُوهُ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ إِنْ عَصَوْهُ وَيُخْبِرُهُمْ بِصُنْعِهِ فِي أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَكَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَيُثْنِي عَلَى أَوْلِيَائِهِ بِصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ وَأَحْسَنِ أَوْصَافِهِمْ وَيَذُمُّ أَعْدَاءَهُ بسيء أَعْمَالِهِمْ وَقَبِيحِ صِفَاتِهِمْ وَيَضْرِبُ الْأَمْثَالَ وَيُنَوِّعُ الْأَدِلَّةَ وَالْبَرَاهِينَ وَيُجِيبُ عَنْ شُبَهِ أَعْدَائِهِ أَحْسَنَ الْأَجْوِبَةِ وَيُصَدِّقُ الصَّادِقَ وَيَكْذِّبُ الْكَاذِبَ وَيَقُولُ الْحَقَّ وَيَهْدِي السَّبِيلَ وَيَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَذْكُرُ أَوْصَافَهَا وَحُسْنَهَا وَنَعِيمَهَا وَيُحَذِّرُ مِنْ دَارِ الْبَوَارِ وَيَذْكُرُ عَذَابَهَا وَقُبْحَهَا وَآلَامَهَا وَيُذَكِّرُ عِبَادَهُ فَقْرَهُمْ إِلَيْهِ وَشَدَّةَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَأَنَّهُمْ لَا غِنَى لَهُمْ

стр. 881

عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَيُذَكِّرُهُمْ غِنَاهُ عَنْهُمْ وَعَنْ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ وَأَنَّهُ الْغَنِيُّ بِنَفْسِهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ وأنه لن يَنَالُ أَحَدٌ ذَرَّةً مِنَ الْخَيْرِ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلَا ذَرَّةً مِنَ الشَّرِّ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا بِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَتَشْهَدُ مِنْ خِطَابِهِ عِتَابَهُ لِأَحْبَابِهِ أَلْطَفَ عِتَابٍ وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُقِيلٌ عثراتهم وغافر زلاتهم وَمُقِيمٌ أَعْذَارَهُمْ وَمُصْلِحٌ فَسَادَهُمْ وَالدَّافِعُ عنهم والحامي عَنْهُمْ وَالنَّاصِرُ لَهُمْ وَالْكَفِيلُ بِمَصَالِحِهِمْ وَالْمُنَجِّي لَهُمْ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ وَالْمُوَفِّي لَهُمْ بِوَعْدِهِ وَأَنَّهُ وَلِيُّهُمُ الَّذِي لَا وَلِيَّ لَهُمْ سِوَاهُ فَهُوَ مولاهم الحق ونصيرهم عَلَى عَدْوِّهِمْ فَنِعَمَ الْمَوْلَى وَنَعِمَ النَّصِيرُ. وَإِذَا شَهِدَتِ الْقُلُوبُ مِنَ الْقُرْآنِ مَلِكًا عَظِيمًا جَوَادًا رَحِيمًا جَمِيلًا هَذَا شَأْنُهُ فَكَيْفَ لَا تُحِبُّهُ وَتُنَافِسُ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ وَتُنْفِقُ أَنْفَاسَهَا فِي التَّوَدُّدِ إِلَيْهِ وَيَكُونُ أَحَبَّ إِلَيْهَا مَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَرِضَاهُ آثَرَ عِنْدَهَا مِنْ رِضَا كُلِّ مَنْ سِوَاهُ وَكَيْفَ لَا تَلْهَجُ بِذِكْرِهِ وَتُصَيِّرُ حُبَّهُ وَالشَّوْقَ إِلَيْهِ وَالْأُنْسَ بِهِ هُوَ غِذَاؤُهَا وَقُوَّتُهَا وَدَوَاؤُهَا بِحَيْثُ إِنْ فَقَدَتْ "ذَلِكَ فَسَدَتْ" وَهَلَكَتْ لم تَنْتَفِعْ بِحَيَاتِهَا فَائِدَةٌ قَالَ بَعْضُ الْأَقْدَمِينَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثِينَ نَحْوًا كُلُّ نَحْوٍ مِنْهُ غَيْرُ صَاحِبِهِ فَمَنْ عَرَفَ وُجُوهَهَا ثُمَّ تَكَلَّمَ فِي الدِّينِ أَصَابَ وَوُفِّقَ ومن لم يعرفها وَتَكَلَّمَ فِي الدِّينِ كَانَ الْخَطَأُ إِلَيْهِ أَقْرَبَ وَهِيَ: الْمَكِّيُّ وَالْمَدَنِيُّ وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَالْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَالْمَقْطُوعُ وَالْمَوْصُولُ وَالسَّبَبُ وَالْإِضْمَارُ وَالْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْحُدُودُ

стр. 882

وَالْأَحْكَامُ وَالْخَبَرُ وَالِاسْتِفْهَامُ وَالْأُبَّهَةُ وَالْحُرُوفُ الْمُصَرَّفَةُ وَالْإِعْذَارُ وَالْإِنْذَارُ وَالْحُجَّةُ وَالِاحْتِجَاجُ وَالْمَوَاعِظُ وَالْأَمْثَالُ وَالْقَسَمُ قَالَ: فَالْمَكِّيُّ مثل: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ وَالْمَدَنِيُّ: مِثْلُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَاضِحٌ وَالْمُحْكَمُ: مِثْلُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ وَنَحْوُهُ مِمَّا أَحْكَمَهُ اللَّهُ وَبَيَّنَهُ وَالْمُتَشَابِهُ مِثْلُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية وَلَمْ يَقُلْ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ كَمَا قَالَ فِي الْمُحْكَمِ وَقَدْ نَادَاهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْإِيمَانِ وَنَهَاهُمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يَجْعَلْ فِيهَا وَعِيدًا فَاشْتَبَهَ عَلَى أَهْلِهَا مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ. وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ: مِثْلُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ التَّقْدِيرُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْوَصِيَّةُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ وَالْمَقْطُوعُ وَالْمَوْصُولُ: مِثْلُ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فلا مَقْطُوعٌ مِنْ أُقْسِمُ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنَى "أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" وَلَمْ يُقْسِمْ

стр. 883

وَالسَّبَبُ وَالْإِضْمَارُ: مِثْلُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَالْخَاصُّ وَالْعَامُّ: مِثْلُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فَهَذَا فِي الْمَسْمُوعِ خَاصٌّ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فَصَارَ فِي الْمَعْنَى عَامًّا وَالْأَمْرُ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ أَمْثِلَتُهَا وَاضِحَةٌ وَالْأُبَّهَةُ: مِثْلُ: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ عَبَّرَ بِالصِّيغَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْجَمَاعَةِ لِلْوَاحِدِ تَعَالَى تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا وَأُبَّهَةً وَالْحُرُوفُ الْمُصَرَفَةُ: كَالْفِتْنَةِ تُطْلَقُ عَلَى الشِّرْكِ نَحْوُ: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وَعَلَى الْمَعْذِرَةِ: نَحْوُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أَيْ مَعْذِرَتُهُمْ وَعَلَى الِاخْتِبَارِ: نَحْوُ: ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ وَالِاعْتِذَارُ: نَحْوُ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ اعْتَذَرَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا بِمَعْصِيَتِهِمْ وَالْبَوَاقِي أَمْثِلَتُهَا وَاضِحَةٌ.

стр. 884

النَّوْعُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ لَا خِلَافَ فِي وُقُوعِ الْحَقَائِقِ فِي الْقُرْآنِ وَهِيَ كُلُّ لَفْظٍ بَقِيَ عَلَى مَوْضُوعِهِ وَلَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ وَهَذَا أَكْثَرُ الْكَلَامِ. وَأَمَّا الْمَجَازُ فَالْجُمْهُورُ أَيْضًا عَلَى وُقُوعِهِ فِيهِ وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الظَّاهِرِيَّةُ وَابْنُ الْقَاصِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الْمَجَازَ أَخُو الْكَذِبِ وَالْقُرْآنُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ وَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَعْدِلُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا ضَاقَتْ بِهِ الْحَقِيقَةُ فَيَسْتَعِيرُ وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذِهِ شُبْهَةٌ بَاطِلَةٌ وَلَوْ سَقَطَ الْمَجَازُ مِنَ الْقُرْآنِ سَقَطَ مِنْهُ شَطْرُ الْحُسَنِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْبُلَغَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ مِنَ الْحَقِيقَةِ وَلَوْ وَجَبَ خُلُوُّ الْقُرْآنِ مِنَ الْمَجَازِ وَجَبَ خُلُوُّهُ مِنَ الْحَذْفِ وَالتَّوْكِيدِ وَتَثَنِيَةِ الْقَصَصِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ الْإِمَامُ عِزُّ الدِّينِ بن عَبْدِ السَّلَامِ وَلَخَّصْتُهُ مَعَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابٍ سَمَّيْتُهُ مَجَازُ الْفُرْسَانِ إِلَى مَجَازِ الْقُرْآنِ وَهُوَ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ: الْمَجَازُ فِي التَّرْكِيبِ وَيُسَمَّى مَجَازُ الْإِسْنَادِ وَالْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ وَعَلَاقَتُهُ الْمُلَابَسَةُ وَذَلِكَ أَنْ يُسْنَدَ الْفِعْلُ أَوْ شَبَهُهُ إِلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ أَصَالَةً لِمُلَابَسَتِهِ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ نُسِبَتِ الزِّيَادَةُ - وَهِيَ فِعْلُ اللَّهِ - إِلَى الْآيَاتِ لِكَوْنِهَا سَبَبًا لَهَا ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ﴿يَا هَامَانُ

стр. 885

ابْنِ لِي﴾ نُسِبَ الذَّبْحُ وَهُوَ فِعْلُ الْأَعْوَانِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَالْبِنَاءُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَمَلَةِ إِلَى هَامَانَ لِكَوْنِهِمَا آمِرِينَ بِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ نُسِبَ الْإِحْلَالُ إِلَيْهِمْ لِتَسَبُّبِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ بِأَمْرِهِمْ إِيَّاهُمْ بِهِ وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿وْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَى الظَّرْفِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ. ﴿عِيشَةٍ راضية﴾ أَيْ مَرْضِيَّةٍ ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ﴾ أَيْ عُزِمَ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ وَهَذَا الْقِسْمُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: مَا طَرَفَاهُ حَقِيقِيَّانِ كَالْآيَةِ الْمُصَدَّرِ بِهَا وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ثَانِيهَا: مَجَازِيَّانِ نَحْوُ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أَيْ مَا رَبِحُوا فِيهَا وَإِطْلَاقُ الرِّبْحِ وَالتِّجَارَةِ هُنَا مَجَازٌ ثَالِثُهَا وَرَابِعُهَا: مَا أَحَدُ طَرَفَيْهِ حَقِيقِيٌّ دُونَ الْآخَرِ أَمَّا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي: فَكَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أَيْ بُرْهَانًا ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُو﴾ فَإِنَّ الدُّعَاءَ مِنَ النَّارِ مَجَازٌ

стр. 886

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ وَاسْمُ الْأُمِّ الْهَاوِيَةُ مَجَازٌ أَيْ كَمَا أَنَّ الْأُمَّ كَافِلَةٌ لِوَلَدِهَا وَمَلْجَأٌ لَهُ كَذَلِكَ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ كَافِلَةٌ وَمَأْوًى وَمَرْجِعٌ الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمَجَازُ في المفرد ويسمى اللُّغَوِيُّ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَأَنْوَاعُهُ كَثِيرَةٌ: أَحَدُهَا: الْحَذْفُ وَسَيَأْتِي مبسوطا في نوع المجاز فَهُوَ بِهِ أَجْدَرُ خُصُوصًا إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَنْوَاعٍ الْمَجَازِ الثَّانِي: الزِّيَادَةُ وَسَبْقُ تَحْرِيرِ الْقَوْلِ فِيهَا فِي نَوْعِ الْإِعْرَابِ. الثَّالِثُ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ نَحْوُ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ أَيْ أَنَامِلُهُمْ وَنُكْتَةُ التَّعْبِيرِ عَنْهَا بِالْأَصَابِعِ الْإِشَارَةُ إِلَى إِدْخَالِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ مُبَالَغَةً مِنَ الْفِرَارِ فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَصَابِعَ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ أَيْ وُجُوهُهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ جُمْلَتَهُمْ، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أطلق الشهر وهو إسم لثلاثين ليلة وأراد جزء مِنْهُ كَذَا أَجَابَ بِهِ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عَنِ اسْتِشْكَالِ أَنَّ الْجَزَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَشْهَدَ الشَّهْرَ وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّهِ حَقِيقَةً فَكَأَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّوْمِ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ فَسَّرَهُ عَلَيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى مَنْ شَهِدَ أَوَّلَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ جَمِيعَهُ وَإِنْ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ أَيْضًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْحَذْفِ

стр. 887

الرَّابِعُ: عَكْسُهُ نَحْوُ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أَيْ ذَاتُهُ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أَيْ ذَوَاتُكُمْ إِذِ الِاسْتِقْبَالُ يَجِبُ بِالصَّدْرِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ عَبَّرَ بِالْوُجُوهِ عَنْ جَمِيعِ الْأَجْسَادِ لِأَنَّ التَّنَعُّمَ والنصب حاصل لكلها ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أَيْ قَدَّمْتَ وَكَسَبْتُمْ وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الْأَيْدِي لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَعْمَالِ تُزَاوَلُ بِهَا ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ أَطْلَقَ كُلًّا مِنَ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ بَعْضُهَا ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أَيِ الْحَرَمِ كُلِّهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُذْبَحُ فِيهَا. تَنْبِيهٌ أُلْحِقَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: وَصْفُ الْبَعْضِ بِصِفَةِ الْكُلِّ كَقَوْلِهِ: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ فَالْخَطَأُ صِفَةُ الْكُلِّ وُصِفَ بِهِ الناصية عكسه كقوله: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ وَالْوَجَلُ صِفَةُ الْقَلْبِ ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ وَالرُّعْبُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ وَالثَّانِي: إِطْلَاقُ لَفْظِ بَعْضٍ مُرَادًا بِهِ الْكُلُّ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أَيْ كُلَّهُ ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وَتُعُقِّبُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ

стр. 888

بَيَانُ كُلِّ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ بِدَلِيلِ السَّاعَةِ وَالرُّوحِ وَنَحْوِهِمَا وَبِأَنَّ مُوسَى كَانَ وَعَدَهُمْ بِعَذَابٍ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ فَقَالَ: "يُصِبْكُمْ هَذَا الْعَذَابُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ بَعْضُ الْوَعِيدِ مِنْ غَيْرِ نَفْيِ عَذَابِ الْآخِرَةِ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوَعِيدَ مِمَّا لَا يُسْتَنْكَرُ تَرْكُ جَمِيعِهِ فَكَيْفَ بَعْضُهُ وَيُؤَيِّدُ ما قاله ثعلب قوله ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ الْخَامِسُ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ نَحْوُ: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ رُسُلُهُ السَّادِسُ: عَكْسُهُ نَحْوُ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ أَيِ الِمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ السَّابِعُ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللازم نحو الثَّامِنُ: عَكْسُهُ نَحْوُ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ أَيْ هَلْ يَفْعَلُ أَطْلَقَ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى الْفِعْلِ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ التَّاسِعُ: إِطْلَاقُ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ نَحْوُ: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً﴾ ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً﴾ أَيْ مَطَرًا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الرِّزْقُ وَاللِّبَاسُ، ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ أَيْ مُؤْنَةً مِنْ مَهْرٍ وَنَفَقَةٍ وَمَا لَا بُدَّ لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْهُ.

стр. 889

الْعَاشِرُ: عَكْسُهُ نَحْوُ: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أَيِ الْقَبُولَ وَالْعَمَلَ بِهِ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ السَّمْعِ. تَنْبِيهٌ مِنْ ذَلِكَ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى سَبَبِ السَّبَبِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ فَإِنَّ الْمُخْرِجَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَبَبُ ذَلِكَ أَكْلُ الشَّجَرَةِ وَسَبَبُ الْأَكْلِ وَسُوسَةُ الشَّيْطَانِ. الْحَادِي عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ نَحْوُ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أَيِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَامَى إِذْ لَا يُتْمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أَيْ الَّذِينَ كَانُوا أَزْوَاجَهُنَّ ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ سَمَّاهُ مُجْرِمًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْإِجْرَامِ. الثَّانِي عَشَرَ: تَسْمِيَتُهُ بِاسْمِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ نَحْوُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ أَيْ عِنَبًا يَؤُولُ إِلَى الْخَمْرِيَّةِ، ﴿وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ أَيْ صَائِرًا إِلَى الْكُفْرِ وَالْفُجُورِ، ﴿تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ سَمَّاهُ زَوْجًا لِأَنَّ الْعَقْدَ يَؤُولُ إِلَى زَوْجِيَّةٍ لِأَنَّهَا لَا تُنْكَحُ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهِ زَوْجًا ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ وَصَفَهُ فِي حَالِ الْبِشَارَةِ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ نَحْوُ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ

стр. 890

فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أَيْ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الرَّحْمَةِ، ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أَيْ فِي اللَّيْلِ، ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ﴾ أي في عينك عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ. الرَّابِعَ عَشَرَ: عَكْسُهُ نَحْوُ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أَيْ أَهْلَ نَادِيهِ أَيْ مَجْلِسَهُ وَمِنْهُ التَّعْبِيرُ بِالْيَدِ عَنِ الْقُدْرَةِ نحو: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وَبِالْقَلْبِ عَنِ الْعَقْلِ نَحْوُ: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ أَيْ عُقُولٌ وَبِالْأَفْوَاهِ عَنِ الْأَلْسُنِ نَحْوُ: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وَبِالْقَرْيَةِ عَنْ سَاكِنِيهَا نَحْوُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ قد اجْتَمَعَ هَذَا النَّوْعُ وَمَا قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فَإِنَّ أَخْذَ الزِّينَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ فَالْمُرَادُ مَحَلُّهَا فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْحَالِّ وَأَخُذُهَا لِلْمَسْجِدِ نفسه لا يجب فالمراد الصَّلَاةُ فَأَطْلَقَ اسْمَ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ. الْخَامِسَ عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ آلَتِهِ نَحْوُ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ أَيْ ثَنَاءً حَسَنًا لِأَنَّ اللِّسَانَ آلَتُهُ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أَيْ بِلُغَةِ قَوْمِهِ.

стр. 891

السَّادِسَ عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمٍ ضِدِّهِ نَحْوُ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وَالْبِشَارَةُ حَقِيقَةٌ فِي الْخَبَرِ السَّارِّ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الدَّاعِي إِلَى الشَّيْءِ بِاسْمِ الصَّارِفُ عَنْهُ ذَكَرَهُ السَّكَّاكِيُّ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ يَعْنِي مَا دَعَاكَ إِلَى أَلَّا تَسْجُدَ وَسَلِمَ بِذَلِكَ مِنْ دَعْوَى زِيَادَةِ "لَا" السَّابِعَ عَشَرَ: إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَشْبِيهًا نَحْوُ: ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ وَصَفَهُ بِالْإِرَادَةِ وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْحَيِّ تَشْبِيهًا لِمَيْلِهِ لِلْوُقُوعِ بِإَرَادَتُهُ. الثَّامِنَ عَشَرَ: إِطْلَاقُ الْفِعْلِ وَالْمُرَادُ مُشَارَفَتُهُ وَمُقَارَبَتُهُ وَإِرَادَتُهُ نَحْوُ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ أَيْ قَارَبْنَ بُلُوغَ الْأَجَلِ أَيِ انِقِضَاءَ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ لَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَهُوَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ حَقِيقَةً ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ، أَيْ فَإِذَا قَرُبَ مَجِيئُهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ الْمَشْهُورُ فِيهَا أَنَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْأَجَلِ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمٌ وَلَا تَأْخِيرٌ، ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الْآيَةَ أَيْ لَوْ قَارَبُوا أَنْ يَتْرُكُوا خَافُوا لَأَنَّ الْخِطَابَ لِلْأَوْصِيَاءِ وَإِنَّمَا يتوجه إليهم قَبْلَ التَّرْكِ لِأَنَّهُمْ بَعْدَهُ أَمْوَاتٌ، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ أَيْ أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ أَيْ أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ، لِتَكُونَ الِاسْتِعَاذَةُ قَبْلَهَا، ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ أَيْ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ

стр. 892

وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أَيْ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا لِئَلَّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ. التَّاسِعَ عَشَرَ: الْقَلْبُ إِمَّا قَلْبُ إِسْنَادٍ نَحْوُ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أَيْ لَتَنُوءُ الْعُصْبَةُ بِهَا ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أَيْ لِكُلِّ كِتَابٍ أَجَلٌ، ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ أَيْ حَرَّمْنَاهُ عَلَى الْمَرَاضِعِ ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ أَيْ تُعْرَضُ النَّارُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمَعْرُوضَ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي لَهُ الِاخْتِيَارُ ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أَيْ وَإِنَّ حُبَّهُ لِلْخَيْرِ ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أَيْ يُرِدْ بِكَ الْخَيِّرَ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ لِأَنَّ الْمُتَلَقِّيَ حَقِيقَةً هُوَ آدَمُ كَمَا قُرِئَ بِذَلِكَ أَيْضًا أَوْ قَلْبُ عَطْفٍ نَحْوُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ﴾ ، أَيْ فَانْظُرْ ثُمَّ تَوَلَّ ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ أَيْ تَدَلَّى فَدَنَا لِأَنَّهُ بِالتَّدَلِّي مَالَ إِلَى الدُّنُوِّ أَوْ قَلْبُ تَشْبِيهٍ وَسَيَأْتِي فِي نَوْعِهِ. الْعِشْرُونَ: إِقَامَةُ صِيغَةٍ مَقَامَ أُخْرَى وَتَحْتَهُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا إِطْلَاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى الْفَاعِلِ نَحْوُ: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ وَلِهَذَا أَفْرَدَهُ وَعَلَى الْمَفْعُولِ نَحْوُ: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ أَيْ مِنْ مَعْلُومِهِ، ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ أَيْ مَصْنُوعَهُ، ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ

стр. 893

كَذِبٍ﴾ أَيْ مَكْذُوبٍ فِيهِ لِأَنَّ الْكَذِبَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ لَا الْأَجْسَامِ وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْبُشْرَى عَلَى الْمُبَشَّرِ بِهِ وَالْهَوَى عَلَى الْمَهْوِيِّ وَالْقَوْلِ عَلَى الْمَقُولِ. وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ عَلَى الْمَصْدَرِ نَحْوُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي تكذيب ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أَيِ الِفِتْنَةُ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ غَيْرُ زَائِدَةٍ وَمِنْهَا إِطْلَاقُ فَاعِلٍ عَلَى مَفْعُولٍ نَحْوُ: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أَيْ مَدْفُوقٍ ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ أَيْ لَا مَعْصُومَ ﴿جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أَيْ مَأْمُونًا فِيهِ وَعَكْسُهُ نَحْوُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ أي آتيا ﴿حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ أي ساترا وقيل: على بابه أي مستورا على الْعُيُونِ لَا يُحِسُّ بِهِ أَحَدٌ وَمِنْهَا إِطْلَاقُ "فَعِيلٍ" بِمَعْنَى "مَفْعُولٍ" نَحْوُ: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ وَمِنْهَا إِطْلَاقُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ عَلَى آخَرَ مِنْهَا مِثَالُ إِطْلَاقِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُثَنَّى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ أَيْ يُرْضُوهُمَا فَأُفْرِدَ لِتَلَازُمِ الرِّضَاءَيْنِ وَعَلَى الْجَمْعِ نَحْوُ: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أَيِ الِأَنَاسِيَّ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ بدليل ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ وَمِثَالُ إِطْلَاقِ الْمُثَنَّى عَلَى الْمُفْرَدِ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ أَيْ أَلْقِ

стр. 894

وَمِنْهُ كُلُّ فِعْلٍ نُسِبَ إِلَى شَيْئَيْنِ وَهُوَ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ نَحْوُ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمِلْحُ دُونَ الْعَذْبِ وَنَظِيرُهُ ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وَإِنَّمَا تَخْرُجُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمِلْحِ، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ أَيْ فِي إِحْدَاهُنَّ ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ وَالنَّاسِي يُوشَعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِمُوسَى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ وَإِنَّمَا أُضِيفَ النِّسْيَانُ إِلَيْهِمَا مَعًا لِسُكُوتِ مُوسَى عَنْهُ ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَالتَّعْجِيلُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قَالَ الْفَارِسِيُّ أَيْ مِنْ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ وَلَيْسَ مِنْهُ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وَأَنَّ الْمَعْنَى جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ وَفِي كِتَابِ"ذَا الْقَدِّ" لِابْنِ جِنِّي أَنَّ مِنْهُ ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ وَإِنَّمَا الْمُتَّخَذُ إِلَهًا عِيسَى دُونَ مَرْيَمَ وَمِثَالُ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْجَمْعِ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أَيْ كَرَّاتٍ لِأَنَّ الْبَصَرَ لَا يُحْسَرُ إِلَّا بِهَا وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ وَمِثَالُ إِطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى الْمُفْرَدِ: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ،أَيْ أَرْجِعْنِي وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ فَارِسٍ: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ بِدَلِيلِ ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَاطَبَ رَئِيسَهُمْ لا سيما

стр. 895

وعادة الملوك جارية ألا يُرْسِلُوا وَاحِدًا وَجَعَلَ مِنْهُ ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أَيْ جِبْرِيلَ ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ وَالْقَاتِلُ وَاحِدٌ وَمِثَالُ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْمُثَنَّى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ﴿قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ ، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أَيْ أَخَوَانِ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أَيْ قَلْبَاكُمَا ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْمَاضِي عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ نَحْوُ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أَيِ السَّاعَةُ بِدَلِيلِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ الآية ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ﴾ وَعَكْسُهُ لِإِفَادَةِ الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ وَاسْتَمَرَّ نَحْوُ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ﴾ ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي تلت ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ﴾ أَيْ عَلِمْنَا ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أَيْ عَلِمَ، ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ أي قتلتم، ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً

стр. 896

تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ أَيْ قَالُوا وَمِنْ لَوَاحِقَ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ لَا فِي الِاسْتِقْبَالِ نَحْوُ: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْخَبَرِ عَلَى الطَّلَبِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ دُعَاءً مُبَالِغَةً فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ وَقَعَ وَأَخْبَرَ عَنْهُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وُرُودُ الْخَبَرِ وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ أَوِ النَّهْيُ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ كَأَنَّهُ سُورِعَ فِيهِ إِلَى الِامْتِثَالِ وَأُخْبِرَ عَنْهُ نَحْوُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ "فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحج" على قراءة، الرافع ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ أَيْ لَا تُنْفِقُوا إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي لا يمسسه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ، أَيْ لَا تَعْبُدُوا بِدَلِيلِ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ، أَيِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَعَكْسُهُ، نَحْوُ: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً﴾ أَيْ يَمُدُّ، ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي ونحن حاملون بدليل ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وَالْكَذِبُ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْخَبَرِ، ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾

стр. 897

قَالَ الْكَوَاشِيُّ: فِي الْآيَةِ الْأَوْلَى الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَبْلَغُ مِنَ الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِهِ اللُّزُومَ نَحْوُ: "إِنْ زُرْتَنَا فَلْنُكْرِمْكَ" يُرِيدُونَ تَأْكِيدَ إِيجَابِ الْإِكْرَامِ عَلَيْهِمْ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ فَشُبِّهَ الخبر به في إيجابه. منها: وَضَعُ النِّدَاءِ مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ نَحْوُ: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ قال الفراء: معناه فيالها حَسْرَةً وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: هَذِهِ مِنْ أَصْعَبِ مَسْأَلَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْحَسْرَةَ لَا تُنَادَى وَإِنَّمَا يُنَادَى الْأَشْخَاصُ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ التَّنْبِيهُ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى عَلَى التَّعَجُّبِ. وَمِنْهَا وَضْعُ جَمْعِ الْقِلَّةَ مَوْضِعَ الْكَثْرَةِ، نَحْوُ: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ وَغُرَفُ الْجَنَّةِ لَا تُحْصَى، ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وَرُتَبُ النَّاسِ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنَ الْعَشَرَةِ لَا مَحَالَةَ، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ﴾ ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ وَنُكْتَةُ التَّقْلِيلِ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّسْهِيلُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ وَعَكْسُهُ نَحْوُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وَمِنْهَا تَذْكِيرُ الْمُؤَنَّثِ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِمُذَكَّرٍ، نَحْوُ: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أَيْ وُعِظَ ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ عَلَى تَأْوِيلِ الْبَلْدَةِ بِالْمَكَانِ ﴿فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أَيِ الشَّمْسُ أَوِ الطَّالِعُ ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: ذُكِرَتْ عَلَى مَعْنَى الْإِحْسَانِ

стр. 898

وَقَالَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ : إِنَّ الْإِشَارَةَ لِلرَّحْمَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ "وَلِتِلْكَ" لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي تَأْوِيلِ "أَنْ يَرْحَمَ" وَمِنْهَا تَأْنِيثُ الْمُذَكَّرِ نَحْوُ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا﴾ أَنَّثَ الْفِرْدَوْسَ وَهُوَ مُذَكَّرٌ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى الْجَنَّةِ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أنت "عَشْرًا" حَيْثُ حَذَفَ الْهَاءَ مَعَ إِضَافَتِهَا إِلَى "الْأَمْثَالِ" وَوَاحِدُهَا مُذَكِّرٌ فَقِيلَ لِإِضَافَةِ الْأَمْثَالِ إِلَى مُؤَنَّثٍ وَهُوَ ضَمِيرُ الْحَسَنَاتِ فَاكْتَسَبَ مِنْهُ التَّأْنِيثَ وَقِيلَ هُوَ مِنْ بَابِ مُرَاعَاةِ الْمَعْنَى لِأَنَّ "الْأَمْثَالَ" فِي الْمَعْنَى مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّ مِثْلَ الْحَسَنَةِ حَسَنَةٌ وَالتَّقْدِيرُ فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ أَمْثَالُهُا وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْقَوَاعِدِ الْمُهِمَّةِ قَاعِدَةً فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ وَمِنْهَا التَّغْلِيبُ وَهُوَ إِعْطَاءُ الشَّيْءِ حُكْمَ غَيْرِهِ: وَقِيلَ تَرْجِيحُ أَحَدِ المعلومين عَلَى الْآخَرِ وَإِطْلَاقُ لَفْظِهِ عَلَيْهِمَا إِجْرَاءً لِلْمُخْتَلِفِينَ مَجْرَى الْمُتَّفِقِينَ، نَحْوُ: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وَالْأَصْلُ "مِنَ الْقَانِتَاتِ" وَ "الْغَابِرَاتِ" فَعُدَّتِ الْأُنْثَى مِنَ الْمُذَكِّرِ بِحُكْمِ التَّغْلِيبِ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أَتَى بِتَاءِ الْخِطَابِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ "أَنْتُمْ" عَلَى جَانِبِ "قَوْمٌ" وَالْقِيَاسُ أَنْ يُؤْتَى بِيَاءِ الْغَيْبَةِ لِأَنَّهُ صفة "لقوم" وَحَسَّنَ الْعُدُولَ عَنْهُ وُقُوعُ الْمَوْصُوفِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ غَلَبَ فِي الضَّمِيرِ الْمُخَاطَبِ

стр. 899

وَإِنْ كَانَ "مَنْ تَبِعَكَ" يَقْتَضِي الْغَيْبَةَ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَائِبُ تَبَعًا لِلْمُخَاطِبِ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالْعُقُوبَةِ جُعِلَ تَبَعًا لَهُ فِي اللَّفْظِ أَيْضًا وَهَوَ مِنْ مَحَاسِنِ ارْتِبَاطِ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ غَلَّبَ غَيْرَ الْعَاقِلِ حَيْثُ أَتَى بِ "مَا" لِكَثْرَتِهِ وَفِي آيَةٍ أُخْرَى بِ "مِنْ" فَغَلَّبَ الْعَاقِلَ لشرفه ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أَدْخَلَ شُعَيْبٌ فِي "لَتَعُودُنَّ "بِحُكْمِ التَّغْلِيبِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلَّتِهِمْ أَصْلًا حَتَّى يَعُودَ فِيهَا وَكَذَا قَوْلُهُ ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ عُدَّ مِنْهُمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ تَغْلِيبًا لِكَوْنِهِ كَانَ بَيْنَهُمْ ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أَيِ الِمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قَالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: وَغَلَّبَ الْمَشْرِقَ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ الجهتين ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أَيِ الِمِلْحِ وَالْعَذْبِ وَالْبَحْرُ خَاصٌّ بِالْمِلْحِ فَغُلِّبَ لِكَوْنِهِ أَعْظَمَ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ أَيْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ وَالدَّرَجَاتُ لِلْعُلُوِّ وَالدَّرَكَاتُ لِلسُّفْلِ فَاسْتَعْمَلَ الدَّرَجَاتِ فِي الْقِسْمَيْنِ تَغْلِيبًا لِلْأَشْرَفِ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَإِنَّمَا كَانَ التَّغْلِيبُ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ" الْقَانِتِينَ" مَوْضُوعٌ لِلذُّكُورِ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذَا الْوَصْفِ فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إِطْلَاقٌ عَلَى غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَكَذَا بَاقِي الْأَمْثِلَةِ وَمِنْهَا اسْتِعْمَالُ حُرُوفِ الْجَرِّ فِي غَيْرِ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الْأَرْبَعِينَ.

стр. 900

وَمِنْهَا اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ "افْعَلْ" لِغَيْرِ الْوُجُوبِ وَصِيغَةِ "لَا تَفْعَلْ" لِغَيْرِ التَّحْرِيمِ وَأَدَوَاتُ الِاسْتِفْهَامِ لِغَيْرِ طَلَبِ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ وَأَدَاةُ التَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي وَالنِّدَاءِ لِغَيْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي كُلُّ ذَلِكَ فِي الْإِنْشَاءِ. وَمِنْهَا التَّضْمِينُ وَهُوَ إِعْطَاءُ الشَّيْءِ مَعْنَى الشَّيْءِ وَيَكُونُ فِي الْحُرُوفِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ أَمَّا الْحُرُوفُ فَتَقَدَّمَ فِي حُرُوفِ الْجَرِّ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَأَنْ يُضَمَّنَ فِعْلٌ مَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ مَعًا وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْتِيَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا بِحَرْفٍ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ التَّعَدِّي بِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِهِ أَوْ تَأْوِيلِ الْحَرْفِ لِيَصِحَّ التَّعَدِّي بِهِ وَالْأَوَّلُ تَضْمِينُ الْفِعْلِ وَالثَّانِي تَضْمِينُ الْحَرْفِ وَاخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَوْلَى فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَقَوْمٌ مِنَ النُّحَاةِ التَّوَسُّعُ فِي الْحَرْفِ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ التَّوَسُّعُ فِي الْفِعْلِ لِأَنَّهُ فِي الْأَفْعَالِ أَكْثَرُ مِثَالُهُ ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ فَيَشْرَبُ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِمِنْ فَتَعْدِيَتُهُ بِالْبَاءِ إِمَّا عَلَى تَضْمِينِهِ مَعْنَى "يروي" و "يَلْتَذُّ" أَوْ تَضْمِينِ الْبَاءِ مَعْنَى "من" نحو ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَالرَّفَثُ لَا يَتَعَدَّى بِإِلَى إِلَّا عَلَى تَضَمُّنِ معنى الإفضاء ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ والأصل "في أن" فضمن مَعْنَى "أَدْعُوكَ"، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ عُدِّيَتْ بِعَنْ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَأَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ فَأَنْ يُضَمَّنَ اسْمٌ مَعْنَى اسْمٍ لِإِفَادَةِ مَعْنَى الِاسْمَيْنِ مَعًا نَحْوُ ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ضُمِّنَ "حَقِيقٌ" مَعْنَى "حَرِيصٌ"

стр. 901

لِيُفِيدَ أَنَّهُ مَحْقُوقٌ بِقَوْلِ الْحَقِّ وَحَرِيصٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ التَّضْمِينُ مَجَازًا لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُوضَعْ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جائز. فَصْلٌ فِي أَنْوَاعٍ مُخْتَلَفٍ فِي عَدِّهَا مِنَ الْمَجَازِ وَهِيَ سِتَّةٌ أَحَدُهَا: الْحَذْفُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنَ الْمَجَازِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ الْمَجَازَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ وَالْحَذْفُ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَذْفُ الْمُضَافِ هُوَ عَيْنُ الْمَجَازِ وَمُعْظَمُهُ وَلَيْسَ كُلُّ حَذْفٍ مَجَازًا وَقَالَ الْقَرَافِيُّ الْحَذْفُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادِ نَحْوُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أَيْ أَهْلَهَا إِذْ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُ السُّؤَالِ إِلَيْهَا وَقِسْمٌ يَصِحُّ بِدُونِهِ لَكِنْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ شَرْعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أَيْ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ وَقِسْمٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ عَادَةً لَا شَرْعًا نَحْوُ: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ أَيْ فَضَرَبَهُ وَقِسْمٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ غَيْرُ شَرْعِيٍّ وَلَا هُوَ عَادَةً نَحْوُ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا قَبَضَ مِنْ أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَجَازٌ إِلَّا الْأَوَّلَ.

стр. 902

وَقَالَ الزَّنْجَانِيُّ فِي الْمِعْيَارِ: إِنَّمَا يَكُونُ مَجَازًا إِذَا تَغَيَّرَ حُكْمٌ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ كَحَذْفِ خبرالمبتدأ الْمَعْطُوفِ عَلَى جُمْلَةٍ فَلَيْسَ مَجَازًا إِذْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ مَا بَقِيَ مِنَ الْكَلَامِ وَقَالَ الْقَزْوِينِيُّ فِي الْإِيضَاحِ: مَتَى تَغَيَّرَ إِعْرَابُ الْكَلِمَةِ بِحَذْفٍ أَوْ زِيَادَةٍ فَهِيَ مَجَازٌ نَحْوُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَإِنْ كَانَ الْحَذْفُ أَوِ الزِّيَادَةُ لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْإِعْرَابِ نَحْوُ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ فَلَا تُوصَفُ الْكَلِمَةُ بِالْمَجَازِ الثَّانِي: التَّأْكِيدُ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا مَا أَفَادَهُ الْأَوَّلُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ قَالَ الطرطرشي فِي الْعُمْدَةِ: وَمَنْ سَمَّاهُ مَجَازًا قُلْنَا لَهُ إِذَا كَانَ التَّأْكِيدُ بِلَفْظِ الْأَوَّلِ نَحْوُ: "عَجِّلْ عَجِّلْ"وَنَحْوِهِ: فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مَجَازًا جَازَ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّهُمَا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ وَإِذَا بَطَلَ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَجَازِ بِطَلَ حَمْلُ الثَّانِي عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ الثَّالِثُ التَّشْبِيهُ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مَجَازٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ. قَالَ الزَّنْجَانِيُّ فِي الْمِعْيَارِ: لِأَنَّهُ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي وَلَهُ أَلْفَاظٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَضْعًا فَلَيْسَ في نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ إِنْ كَانَ بِحَرْفٍ فَهُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ بِحَذْفِهِ فَمَجَازٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَذْفَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ

стр. 903

الرَّابِعُ الْكِنَايَةُ وَفِيهَا أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا حَقِيقَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ وَأُرِيدَ بِهَا الدِّلَالَةُ عَلَى غَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنَّهَا مَجَازٌ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا حَقِيقَةٌ وَلَا مَجَازٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ لِمَنْعِهِ فِي الْمَجَازِ أَنْ يُرَادَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ مَعَ المجازي وتجويزه ذلك فيه. الرَّابِعُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ أَنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ فَإِنِ اسْتَعْمَلْتَ اللَّفْظَ فِي مَعْنَاهُ مُرَادًا مِنْهُ لَازِمَ الْمَعْنَى أَيْضًا فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الْمَعْنَى بَلْ عَبَّرَ بِالْمَلْزُومِ عَنِ اللَّازِمِ فَهُوَ مَجَازٌ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مِنْهَا أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ لِيُفِيدَ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ وَالْمَجَازُ مِنْهَا أَنْ يُرِيدَ بِهِ غَيْرَ مَوْضُوعِهِ اسْتِعْمَالًا وَإِفَادَةً. الْخَامِسُ: التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ عَدَّهُ قَوْمٌ مِنَ الْمَجَازِ لِأَنَّ تَقْدِيمَ مَا رُتْبَتُهُ التَّأْخِيرُ كَالْمَفْعُولِ وَتَأْخِيرَ مَا رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ كَالْفَاعِلِ نَقْلٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ مَرْتَبَتِهِ وَحَقِّهِ. قَالَ: فِي الْبُرْهَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ فَإِنَّ الْمَجَازَ نَقْلُ مَا وُضِعَ إِلَى مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ السَّادِسُ: الِالْتِفَاتُ قَالَ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ قَالَ وَهُوَ حَقِيقَةٌ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَجْرِيدٌ.

стр. 904

فَصْلٌ فِيمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ بِاعْتِبَارَيْنِ هُوَ الْمَوْضُوعَاتُ الشَّرْعِيَّةُ كالصلاة والزكاة وَالْحَجِّ فَإِنَّهَا حَقَائِقُ بِالنَّظَرِ إِلَى الشَّرْعِ مَجَازَاتٌ بِالنَّظَرِ إِلَى اللُّغَةِ. فَصْلٌ فِي الْوَاسِطَةِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ قِيلَ بِهَا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ: أَحَدُهَا: اللَّفْظُ قَبْلُ الِاسْتِعْمَالِ وَهَذَا الْقِسْمُ مَفْقُودٌ فِي الْقُرْآنِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَوَائِلُ السُّورِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْحُرُوفِ الَّتِي يَتَرَكَّبُ مِنْهَا الكلام ثانيها: الْأَعْلَامُ ثَالِثُهَا: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْمُشَاكَلَةِ نَحْوُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ قَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ فَلَيْسَ حَقِيقَةً وَلَا عَلَاقَةً مُعْتَبَرَةً فَلَيْسَ مَجَازًا كَذَا فِي شَرْحِ بَدِيعِيَّةِ ابْنِ جَابِرٍ لِرَفِيقِهِ قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهَا مَجَازٌ وَالْعَلَاقَةُ الْمُصَاحَبَةُ.

стр. 905

خَاتِمَةٌ لَهُمْ مَجَازُ الْمَجَازِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْمَجَازَ الْمَأْخُوذَ عَنِ الْحَقِيقَةِ بِمَثَابَةِ الْحَقِيقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجَازٍ آخَرَ فَيَتَجَوَّزُ بِالْمَجَازِ الْأَوَّلِ عَنِ الثَّانِي لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ فَإِنَّهُ مَجَازٌ عَنْ مَجَازٍ فَإِنَّ الْوَطْءَ تُجَوِّزُ عَنْهُ بِالسِّرِّ لِكَوْنِهِ لَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا فِي السِّرِّ وَتُجَوِّزُ بِهِ عَنِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ فَالْمُصَحِّحُ لِلْمَجَازِ الْأَوَّلِ الْمُلَازِمَةُ وَالثَّانِي السَّبَبِيَّةُ وَالْمَعْنَى "لَا تُوَاعِدُوهُنَّ عَقْدَ نِكَاحٍ" وَكَذَا قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ مَجَازٌ عَنْ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِمَدْلُولِ هَذَا اللَّفْظِ وَالْعَلَاقَةُ السَّبَبِيَّةُ لِأَنَّ تَوْحِيدَ اللِّسَانِ مُسَبَّبٌ عَنْ تَوْحِيدِ الْجَنَانِ وَالتَّعْبِيرُ بِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" عَنِ الْوَحْدَانِيَّةِ مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْقَوْلِ عَنِ الْمَقُولِ فِيهِ وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ السَّيِّدِ قوله: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً﴾ فَإِنَّ الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ اللِّبَاسِ بَلِ الْمَاءُ الْمُنْبِتُ لِلزَّرْعِ الْمُتَّخَذِ مِنْهُ الْغَزَلُ الْمَنْسُوجُ مِنْهُ اللِّبَاسُ.

стр. 906

النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: فِي تَشْبِيهِهِ وَاسْتِعَارَاتِهِ التَّشْبِيهُ نَوْعٌ مِنْ أَشْرَفِ أَنْوَاعِ الْبَلَاغَةِ وَأَعْلَاهَا قَالَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ لَوْ قَالَ قَائِلٌ هُوَ أَكْثَرُ كَلَامِ الْعَرَبِ لَمْ يَبْعُدْ وَقَدْ أَفْرَدَ تَشْبِيهَاتِ الْقُرْآنِ بِالتَّصْنِيفِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْبُنْدَارِ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ "الْجُمَانَ" وَعَرَّفَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ السَّكَّاكِيُّ: بِأَنَّهُ الدلالة على مشاركة أمر لِأَمْرٍ فِي مَعْنًى وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ هُوَ إِخْرَاجُ الْأَغْمَضِ إِلَى الْأَظْهَرِ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ إِلْحَاقُ شَيْءٍ بِذِي وَصْفٍ فِي وَصْفِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ تُثْبِتَ لِلْمُشَبَّهِ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ تَأْنِيسُ النَّفْسِ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ خَفِيٍّ إِلَى جَلِيٍّ وَإِدْنَائِهِ الْبَعِيدَ مِنَ الْقَرِيبِ لِيُفِيدَ بَيَانًا وَقِيلَ الْكَشْفُ عَنِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مَعَ الِاخْتِصَارِ وَأَدَوَاتُهُ حُرُوفٌ وَأَسْمَاءُ وَأَفْعَالٌ فَالْحُرُوفُ الْكَافُ نحو: ﴿كَرَمَادٍ﴾ وكأن نحو: ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ وَالْأَسْمَاءُ مِثْلٌ وَشِبْهٌ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يُشْتَقُّ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُشَابَهَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا تُسْتَعْمَلُ "مَثَلُ" إِلَّا فِي حَالٍ أَوْ صِفَةٍ لَهَا شَأْنٌ وَفِيهَا غَرَابَةٌ نَحْوُ: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

стр. 907

كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ وَالْأَفْعَالُ نَحْوُ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ قال في التخليص اتِّبَاعًا لِلسَّكَاكِيِّ: وَرُبَّمَا يُذْكَرُ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنِ التَّشْبِيهِ فَيُؤْتَى فِي التَّشْبِيهِ الْقَرِيبِ بِنَحْوِ: "عَلِمْتُ زَيْدًا أَسَدًا" الدَّالِّ عَلَى التَّحْقِيقِ وَفِي الْبَعِيدِ بِنَحْوِ: "حَسِبْتُ زَيْدًا أَسَدًا" الدَّالِّ عَلَى الظَّنِّ وَعَدَمِ التَّحْقِيقِ وخالفه جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الطِّيبِيُّ فَقَالُوا: فِي كَوْنِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ تُنْبِئُ عَنِ التَّشْبِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْفِعْلَ يُنْبِئُ عَنْ حَالِ التَّشْبِيهِ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَأَنَّ الْأَدَاةَ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ لِعَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَعْنَى بِدُونِهِ. ذِكْرُ أَقْسَامِهِ يَنْقَسِمُ التَّشْبِيهُ بِاعْتِبَارَاتٍ: الْأَوَّلُ: بِاعْتِبَارِ طَرَفَيْهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ لِأَنَّهُمَا إِمَّا حِسِّيَّانِ أَوْ عَقْلِيَّانِ أَوِ الْمُشَبَّهُ بِهِ حِسِّيٌّ وَالْمُشَبَّهُ عَقْلِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ مِثَالُ الْأَوَّلِ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وَمِثَالُ الثَّانِي: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ كَذَا مَثَّلَ بِهِ فِي الْبُرْهَانِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ التَّشْبِيهَ وَاقِعٌ فِي الْقَسْوَةِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ هُوَ وَاقِعٌ بَيْنِ الْقُلُوبِ وَالْحِجَارَةِ فَهُوَ مِنَ الْأَوَّلِ.

стр. 908

وَمِثَالُ الثَّالِثِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ وَمِثَالُ الرَّابِعُ: لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ بَلْ مَنَعَهُ الْإِمَامُ أَصْلًا لِأَنَّ الْعَقْلَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْحِسِّ فَالْمَحْسُوسُ أَصْلٌ لِلْمَعْقُولِ وَتَشْبِيهُهُ بِهِ يَسْتَلْزِمُ جَعْلَ الْأَصْلِ فَرْعًا وَالْفَرْعَ أَصْلًا وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ الثَّانِي: يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ وَجْهِهِ إِلَى مُفْرَدٍ وَمُرَكَّبٍ وَالْمُرَكَّبُ أَنْ يُنْتَزَعَ وَجْهُ الشَّبَهِ مِنْ أُمُورٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ فَالتَّشْبِيهُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَحْوَالِ الْحِمَارِ وَهُوَ حِرْمَانُ الِانْتِفَاعِ بِأَبْلَغِ نَافِعٍ مَعَ تَحَمُّلِ التَّعَبِ فِي اسْتِصْحَابِهِ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ فَإِنَّ فِيهِ عَشْرَ جُمَلٍ وَقْعَ التَّرْكِيبُ مِنْ مَجْمُوعِهَا بِحَيْثُ لَوْ سَقَطَ مِنْهَا شَيْءٌ اخْتَلَّ التَّشْبِيهُ إِذِ الْمَقْصُودُ تَشْبِيهُ حَالِ الدُّنْيَا فِي سُرْعَةِ تَقَضِّيهَا وَانْقِرَاضِ نَعِيمِهَا وَاغْتِرَارِ النَّاسِ بِهَا بِحَالِ مَاءٍ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَأَنْبَتَ أَنْوَاعَ الْعُشْبِ وَزَيَّنَ بِزُخْرُفِهَا وَجْهَ الْأَرْضِ كَالْعَرُوسِ إِذَا أَخَذَتِ الثِّيَابَ الْفَاخِرَةَ حَتَّى إِذَا طَمِعَ أَهْلُهَا فِيهَا وَظَنُّوا أَنَّهَا مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْجَوَائِحِ أَتَاهَا بِأْسُ اللَّهِ فَجْأَةً فَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِالْأَمْسِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَجْهُ تَشْبِيهِ الدُّنْيَا بِالْمَاءِ أَمْرَانِ:

стр. 909

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَاءَ إِذَا أَخَذْتَ مِنْهُ فَوْقَ حَاجَتِكَ تَضَرَّرْتَ وَإِنْ أَخَذْتَ قَدَرَ الْحَاجَةِ انْتَفَعْتَ بِهِ فَكَذَلِكَ الدُّنْيَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَاءَ إِذَا طَبَّقْتَ عَلَيْهِ كَفَّكَ لِتَحْفَظَهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ الدُّنْيَا. وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الْآيَةَ فَشَبَّهَ نُورَهُ الَّذِي يُلْقِيهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ بِمِصْبَاحٍ اجْتَمَعَتْ فِيهِ أَسْبَابُ الْإِضَاءَةِ إِمَّا بِوَضْعِهِ فِي مِشْكَاةٍ وَهِيَ الطَّاقَةُ الَّتِي لَا تَنْفُذُ وَكَوْنُهَا لَا تَنْفُذُ لِتَكُونَ أَجْمَعَ لِلْبَصَرِ وَقَدْ جُعِلَ فِيهَا مِصْبَاحٌ فِي دَاخِلِ زُجَاجَةٍ تُشْبِهُ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي صَفَائِهَا وَدُهْنُ الْمِصْبَاحِ مِنْ أَصْفَى الْأَدْهَانِ وَأَقْوَاهَا وَقُودًا لِأَنَّهُ مَنْ زَيْتِ شجرة في وسط السراج لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ فَلَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ فِي أَحَدِ طَرَفَيِ النَّهَارِ بَلْ تُصِيبُهَا الشَّمْسُ أَعْدَلَ إصابة وهذا مثل ضربه الله لِلْمُؤْمِنِ ثُمَّ ضَرَبَ لِلْكَافِرِ مَثَلَيْنِ أَحَدُهُمَا كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ وَالْآخَرُ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ إِلَى آخِرِهِ وَهُوَ أَيْضًا تَشْبِيهُ تَرْكِيبٍ. الثَّالِثُ: يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إِلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: تَشْبِيهُ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْحَاسَّةُ بِمَا لَا تَقَعُ اعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَةِ النَّقِيضِ وَالضِّدِّ فَإِنَّ إِدْرَاكَهُمَا أَبْلَغُ مِنْ إِدْرَاكِ الْحَاسَّةِ كقوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ شَبَّهَ بِمَا لَا يُشَكُّ أَنَّهُ قَبِيحٌ لِمَا حَصَلَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ مِنْ بَشَاعَةِ صُورَةِ الشَّيَاطِينِ وَإِنْ لَمْ تَرَهَا عَيَانًا. الثَّانِي: عَكْسُهُ وَهُوَ تَشْبِيهُ مَا لَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْحَاسَّةُ بِمَا تَقَعُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية أَخْرَجَ مَا لَا يُحَسُّ وَهُوَ

стр. 910

الْإِيمَانُ إِلَى مَا يُحَسُّ وَهُوَ السَّرَابُ وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ بُطْلَانُ التَّوَهُّمِ مَعَ شَدَّةِ الْحَاجَةِ وَعِظَمِ الْفَاقَةِ. الثَّالِثُ: إِخْرَاجُ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ إِلَى مَا جَرَتْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الِارْتِفَاعُ فِي الصُّورَةِ. الرَّابِعُ: إِخْرَاجُ مَا لَا يُعْلَمُ بِالْبَدِيهَةِ إِلَى مَا يُعْلَمُ بِهَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ وَالْجَامِعُ الْعِظَمُ وَفَائِدَتُهُ التَّشْوِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ بِحُسْنِ الصِّفَةِ وَإِفْرَاطِ السَّعَةِ. الْخَامِسُ: إِخْرَاجُ مَا لَا قُوَّةَ لَهُ فِي الصِّفَةِ إِلَى مَا لَهُ قُوَّةٌ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ وَالْجَامِعُ فِيهِمَا الْعِظَمُ وَالْفَائِدَةُ إِبَانَةُ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْخِيرِ الْأَجْسَامِ الْعِظَامِ فِي أَلْطَفِ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَاءِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ انْتِفَاعِ الْخَلْقِ بِحَمْلِ الْأَثْقَالِ وَقَطْعِهَا الْأَقْطَارَ الْبَعِيدَةَ فِي الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ وَمَا يُلَازِمُ ذَلِكَ مِنْ تَسْخِيرِ الرياح للإنسان فتضمن الكلام نبأ عَظِيمًا مِنَ الْفَخْرِ وَتَعْدَادِ النِّعَمِ وعلى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ تَجْرِي تَشْبِيهَاتُ الْقُرْآنِ السَّادِسُ: يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إِلَى: مُؤَكَّدٍ: وَهُوَ مَا حُذِفَتْ فِيهِ الْأَدَاةُ نَحْوُ: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أَيْ مِثْلَ مَرِّ السَّحَابِ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ وَمُرْسَلٍ: وَهُوَ مَا لَمْ تُحْذَفْ كَالْآيَاتِ السَّابِقَةِ والمحذوف الْأَدَاةِ أَبْلَغُ لِأَنَّهُ نَزَلَ فِيهِ الثَّانِي مَنْزِلَةَ الْأَوَّلِ تَجَوُّزًا.

стр. 911

قَاعِدَةٌ الْأَصْلُ دُخُولُ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَى الْمُشَبَّهِ إِمَّا لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فيقلب التشبيه ويجعل الْمُشَبَّهَ هُوَ الْأَصْلَ نَحْوُ: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ كَأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَقُولُوا إِنَّمَا الرِّبَا مِثْلُ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الرِّبَا لَا فِي الْبَيْعِ فَعَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ وَجَعَلُوا الرِّبَا أَصْلًا مُلْحَقًا بِهِ الْبَيْعُ فِي الجواز لأنه الْخَلِيقُ بِالْحَلِّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ فَإِنَّ الظَّاهِرَ الْعَكْسُ لِأَنَّ الْخِطَابَ لِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الَّذِينَ سَمَّوْهَا آلِهَةً تَشْبِيهًا بِاللَّهِ فَجَعَلُوا غَيْرَ الْخَالِقِ مِثْلَ الْخَالِقِ فَخُولِفَ فِي خِطَابِهِمْ لِأَنَّهُمْ بَالَغُوا فِي عِبَادَتِهِمْ وَغَلَوْا حَتَّى صَارَتْ عِنْدَهُمْ أَصْلًا فِي الْعِبَادَةِ فَجَاءَ الرَّدُّ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ وَإِمَّا لِوُضُوحِ الْحَالِ نَحْوُ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ فَإِنَّ الْأَصْلَ "وَلَيْسَ الْأُنْثَى كَالذَّكَرِ" وَإِنَّمَا عُدِلَ عَنِ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْمَعْنَى "وَلَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبْتُ كَالْأُنْثَى الَّتِي وُهِبْتُ" وَقِيلَ: لِمُرَاعَاةِ الْفَوَاصِلِ لِأَنَّ قَبْلَهُ: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَى غَيْرِهِمَا اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ الْمُخَاطَبِ نَحْوُ: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الْآيَةَ الْمُرَادُ "كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ خَالِصِينَ فِي الِانْقِيَادِ كَشَأْنِ مُخَاطِبِي عِيسَى إِذْ قَالُوا."

стр. 912

قَاعِدَةٌ الْقَاعِدَةُ فِي الْمَدْحِ تَشْبِيهُ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى وَفِي الذَّمِّ تَشْبِيهُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى لِأَنَّ الذَّمَّ مَقَامُ الْأَدْنَى وَالْأَعْلَى طَارِئٌ عَلَيْهِ فَيُقَالُ فِي المدح حصى كَالْيَاقُوتِ وَفِي الذَّمِّ يَاقُوتٌ كَالزُّجَاجِ وَكَذَا فِي السلب ومنه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أَيْ فِي النُّزُولِ لَا فِي الْعُلُوِّ ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أَيْ فِي سُوءِ الْحَالِ أَيْ لَا نَجْعَلُهُمْ كَذَلِكَ نَعَمْ أُورِدَ عَلَى ذَلِكَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ فَإِنَّهُ شَبَّهَ فِيهِ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى لَا فِي مَقَامِ السَّلْبِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ إِلَى أَذْهَانِ الْمُخَاطَبِينَ إِذْ لَا أَعْلَى مِنْ نُورِهِ فَيُشَبَّهُ بِهِ. فَائِدَةٌ قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ: لَمْ يَقَعْ فِي القرآن نشبيه شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ فِيهِ تَشْبِيهُ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ. فَصْلٌ زُوِّجَ الْمَجَازُ بِالتَّشْبِيهِ فَتَوَلَّدَ بَيْنَهُمَا الِاسْتِعَارَةُ فَهِيَ مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةُ أَوْ يُقَالُ فِي تَعْرِيفِهَا: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا شُبِّهَ بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ

стр. 913

وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ لَا لِلْمُشَبَّهِ ولا لأعم مِنْهُمَا فَأَسَدٌ فِي قَوْلِكَ رَأَيْتُ أَسَدًا يَرْمِي مَوْضُوعٌ لِلسَّبُعِ لَا لِلشُّجَاعِ وَلَا لِمَعْنًى أَعَمَّ مِنْهُمَا كَالْحَيَوَانِ الْجَرِيءِ مَثَلًا لِيَكُونَ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا حَقِيقَةً كَإِطْلَاقِ الْحَيَوَانِ عَلَيْهِمَا وَقِيلَ: مَجَازٌ عَقْلِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهَا فِي أَمْرٍ عَقْلِيٍّ لَا لُغَوِيٍّ لِأَنَّهَا لَا تُطْلَقُ عَلَى الْمُشَبَّهِ إِلَّا بَعْدَ ادِّعَاءِ دُخُولِهِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَكَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ فَيَكُونُ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ نَقْلِ الِاسْمِ وَحْدَهُ وَلَيْسَ نَقْلُ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ اسْتِعَارَةً لِأَنَّهُ لَا بَلَاغَةَ فِيهِ بِدَلِيلِ الْأَعْلَامِ الْمَنْقُولَةِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَقْلِيًّا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَقِيقَةُ الِاسْتِعَارَةِ أَنْ تُسْتَعَارَ الْكَلِمَةُ مِنْ شَيْءٍ مَعْرُوفٍ بِهَا إِلَى شَيْءٍ لَمْ يُعْرَفْ بِهَا وَحِكْمَةُ ذَلِكَ إِظْهَارُ الْخَفِيِّ وَإِيضَاحُ الظَّاهِرِ الَّذِي لَيْسَ بِجَلِيٍّ أَوْ حُصُولُ الْمُبَالَغَةِ أَوِ الْمَجْمُوعِ مِثَالُ إِظْهَارِ الْخَفِيِّ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ: "وَأَنَّهُ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ" فَاسْتُعِيرَ لَفْظُ الْأُمِّ لِلْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ تَنْشَأُ مِنَ الْأُمِّ كما تنشأ الْفُرُوعِ مِنَ الْأُصُولِ وَحِكْمَةُ ذَلِكَ تَمْثِيلُ مَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ حَتَّى يصيرمرئيا فَيَنْتَقِلُ السَّامِعُ مِنْ حَدِّ السَّمَاعِ إِلَى حَدِّ الْعَيَانِ وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْبَيِانِ وَمِثَالُ إِيضَاحِ مَا لَيْسَ بِجَلِيٍّ لِيَصِيرَ جَلِيًّا: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَمْرُ الْوَلَدِ بِالذُّلِّ لِوَالِدَيْهِ رَحْمَةً فَاسْتُعِيرَ لِلذُّلِّ أَوَّلًا "جَانِبٌ" ثُمَّ لِلْجَانِبِ جَنَاحٌ وَتَقْدِيرُ الِاسْتِعَارَةِ الْقَرِيبَةِ: "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَانِبَ الذُّلِّ" أَيِ اخِفِضْ جَانِبَكَ ذُلًّا وَحِكْمَةُ الِاسْتِعَارَةِ فِي هَذَا جَعْلُ مَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ مَرْئِيًّا لِأَجْلِ حُسْنِ الْبَيَانِ وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ خَفْضَ جَانِبِ الْوَلَدِ لِلْوَالِدَيْنِ بِحَيْثُ لَا يُبْقِي الْوَلَدُ مِنَ الذُّلِّ لَهُمَا وَالِاسْتِكَانَةِ مُمْكِنًا احْتِيجَ فِي الِاسْتِعَارَةِ إِلَى

стр. 914

مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْأُولَى فَاسْتُعِيرَ لَفْظُ الْجَنَاحِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي لَا تَحْصُلُ مِنْ خَفْضِ الْجَانِبِ لِأَنَّ مَنْ يَمِيلُ جانبه إلى جهة السفلة أَدْنَى مَيْلٍ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَفَضَ جَانِبَهُ وَالْمُرَادُ خَفْضٌ يُلْصِقُ الْجَانِبَ بِالْأَرْضِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِذِكْرِ الْجَنَاحِ كَالطَّائِرِ وَمِثَالُ الْمُبَالَغَةِ: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً﴾ وَحَقِيقَتُهُ: " وَفَجَّرْنَا عُيُونَ الْأَرْضِ " وَلَوْ عَبَّرَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ مَا فِي الْأَوَّلِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا صَارَتْ عُيُونًا. فَرْعٌ أَرْكَانُ الِاسْتِعَارَةِ ثَلَاثَةٌ: مُسْتَعَارٌ وَهُوَ لَفْظُ الْمُشَبَّهِ بِهِ ومستعار منه وهو معنى اللفظ الْمُشَبَّهِ وَمُسْتَعَارٌ لَهُ وَهُوَ الْمَعْنَى الْجَامِعُ وَأَقْسَامُهَا كَثِيرَةٌ بِاعْتِبَارَاتٍ فَتَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: اسْتِعَارَةُ مَحْسُوسٍ لِمَحْسُوسٍ بِوَجْهٍ مَحْسُوسٍ نَحْوُ: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ فالمستعارة مِنْهُ هُوَ النَّارُ وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ الشَّيْبُ وَالْوَجْهُ هُوَ الِانْبِسَاطُ وَمُشَابَهَةُ ضَوْءِ النَّارِ لِبَيَاضِ الشَّيْبِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَحْسُوسٌ وَهُوَ أَبْلَغُ مِمَّا لَوْ قِيلَ: "اشْتَعَلَ شَيْبُ الرَّأْسِ" لِإِفَادَةِ عُمُومِ الشَّيْبِ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ وَمِثْلُهُ: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أَصْلُ الْمَوْجِ حَرَكَةُ الْمَاءِ فَاسْتُعْمِلَ فِي حَرَكَتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ وَالْجَامِعُ سُرْعَةُ الِاضْطِرَابِ وَتَتَابُعُهُ فِي الكثرة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ اسْتُعِيرَ خُرُوجُ النَّفَسِ

стр. 915

شَيْئًا فَشَيْئًا لِخُرُوجِ النُّورِ مِنَ الْمَشْرِقِ عِنْدَ انْشِقَاقِ الْفَجْرِ قَلِيلًا قَلِيلًا بِجَامِعِ التَّتَابُعِ عَلَى طَرِيقِ التَّدْرِيجِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَحْسُوسٌ. الثَّانِي: اسْتِعَارَةُ مَحْسُوسٍ لِمَحْسُوسٍ بِوَجْهٍ عَقْلِيٍّ قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ وَهِيَ أَلْطَفُ مِنَ الْأُولَى نَحْوُ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ فَالْمُسْتَعَارُ مِنْهُ السَّلْخُ الَّذِي هُوَ كَشْطُ الْجِلْدِ عَنِ الشَّاةِ وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ كَشْفُ الضَّوْءِ عَنْ مَكَانِ اللَّيْلِ وَهُمَا حِسِّيَّانِ وَالْجَامِعُ مَا يُعْقَلُ مِنْ تَرَتُّبِ أَمْرٍ عَلَى آخَرَ وَحُصُولِهِ عَقِبَ حُصُولِهِ كَتَرَتُّبِ ظُهُورِ اللَّحْمِ عَلَى الْكَشْطِ وَظُهُورِ الظُّلْمَةِ عَلَى كَشْفِ الضَّوْءِ عَنْ مَكَانِ اللَّيْلِ وَالتَّرَتُّبُ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ ومثله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾ أَصْلُ الْحَصِيدِ النَّبَاتُ وَالْجَامِعُ الْهَلَاكُ وَهُوَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ. الثَّالِثُ: اسْتِعَارَةُ مَعْقُولٍ لِمَعْقُولٍ بِوَجْهٍ عَقْلِيٍّ قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ وَهِيَ أَلْطَفُ الِاسْتِعَارَاتِ نَحْوُ ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ الْمُسْتَعَارُ مِنْهُ الرُّقَادُ أَيِ النَّوْمُ وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ الْمَوْتُ وَالْجَامِعُ عَدَمُ ظُهُورِ الْفِعْلِ وَالْكُلُّ عَقْلِيٌّ وَمِثْلُهُ: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ الْمُسْتَعَارُ السُّكُوتُ وَالْمُسْتَعَارُ مِنْهُ السَّاكِتُ وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ الْغَضَبُ. الرَّابِعُ: اسْتِعَارَةُ محسوس لمعقول بِوَجْهٍ عَقْلِيٍّ أَيْضًا نَحْوُ: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ اسْتُعِيرَ الْمَسُّ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ وَهُوَ مَحْسُوسٌ لِمُقَاسَاةِ الشَّدَّةِ وَالْجَامِعُ اللُّحُوقُ وَهُمَا عَقْلِيَّانِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ فَالْقَذْفُ وَالدَّمْغُ مُسْتَعَارَانِ وَهُمَا مَحْسُوسَانِ وَالْحَقُّ وَالْبَاطِلُ مُسْتَعَارٌ لَهُمَا وَهُمَا مَعْقُولَانِ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ
следующие страницы →