← Джавами‘

Джавами‘ · id 11730

مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية - رشيد رضا

ابن تيمية

Полный текст (867 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإجماع سلف الأمة، وكما علم العلو والمباينة بالمعقول الصريح الموافق للمنقول الصحيح، وكما فطر الله على ذلك خلقه في إقرارهم به وقصدهم إياه . والقول الثاني: قول معطلة الجهمية ونفاتهم وهم الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له، فينفون الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من غيرهم. والقول الثالث: قول حلولية الجهمية الذين يقولون أنه بذاته في كل مكان كما تقول ذلك النجارية أتباع حسين النجار وغيرهم من الجهمية وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد من جنس هؤلاء فإن الحلول أغلب على عباد الجهمية وصوفيتهم وعامتهم، والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم كما قيل: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء، وذلك لأن العبادة تتضمن القصد والطلب والإرادة والمحبة وهذا لا يتعلق بمعدوم، فإن القلب يتطلب موجوداً فإذا لم يطلب ما فوق العالم طلب ما هو فيه. وأما الكلام والعلم والنظر فيتعلق بموجود ومعدوم، فإذا كان أهل الكلام والنظر يصفون الرب بصفات السلب والنفي التي لا يوصف بها إلا المعدوم لم يكن مجرد العلم والكلام ينافي عدم المعلوم المذكور بخلاف القصد والإرادة والعبادة فإنه ينافي عدم المعبود، ولهذا تجد الواحد من هؤلاء عند نظره وبحثه يميل إلى النفي وعند عبادته وتصوفه يميل إلى الحلول وإذا قيل هذا ينافي ذلك، قال ذاك مقتضى عقلي ونظري، وهذا مقتضى

стр. 72

ذوقي ومعرفتي، ومعلوم أن الذوق والوجدان لم يكن موافقاً للعقل والنظر وإلا لزم فسادهما أو فساد أحدهما. والقول الرابع: قول من يقول إن الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كل مكان، وهذا قول طوائف من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ وأمثاله، وقد ذكر الأشعري في المقالات هذا عن طوائف ويوجد في كلام السالمية كأبي طالب المكي وأتباعه مثل أبي الحكم بن برجان وأمثاله ما يشير إلى نحو من هذا كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا. وفي الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه وقع فيه كثير من مستأخري الصوفية. ولهذا كان أئمة القوم يحذرون منه كما في قول الجنيد لما سئل عن التوحيد فقال: التوحيد إفراد المحدث عن القدم، فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث، وقد أنكر ذلك ابن عربي صاحب الفصوص وادعى أن الجنيد وأمثاله ماتوا وما عرفوا التوحيد، لما أثبتوا الفرق بين العبد والرب، بناء على دعواه أن التوحيد ليس فيه فرق بين الرب والعبد، وزعم أنه لا يميز بين القديم والمحدث إلا من يكون ليس بقديم ولا محدث، وهذا جهل فإن المعرفة بأن هذا ليس ذاك والتمييز بين هذا وذاك لا يقتضي أن يكون العارف المميز بين الشيئين ليس هو أحد الشيئين بل الإنسان يعلم أنه ليس هو ذاك الإنسان الآخر مع أنه أحدهما فكيف لا يعلم أنه غير ربه وإن كان هو أحدهما؟.

стр. 73

الأصل الثاني الاحتجاج بالقدر على المعاصي على المأمور (١) وفعل المحظور فإن القدر يجب الإيمان به ولا يجوز الاحتجاج به على مخالفة أمر الله ونهيه ووعده وعيده والناس الذين ضلوا في القدر ثلاثة أصناف: قوم آمنوا بالأمر والنهي والوعد والوعيد وكذبوا بالقدر وزعموا أن من الحوادث ما لا يخلقه الله كالمعتزلة ونحوهم. وقوم آمنوا بالقضاء والقدر ووافقوا أهل السنة والجماعة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، لكن عارضوا بهذا الأمر والنهي وسموا هذا حقيقة وجعلوا ذلك معارضاً للشريعة، وفيهم من يقول إن مشاهدة القدر تنفي الملام والعقاب، وإن العارف يستوي عنده هذا وهذا، وهم في ذلك متناقضون مخالفون للشرع والعقل والذوق والوجد فإنهم لا يسوون بين من أحسن إليهم وبين من ظلمهم ولا يسوون بين العالم والجاهل والقادر والعاجز ولا بين الطبيب والخبيث ولا بين العادل والظالم يفرقون بينهما ويفرقون أيضاً بموجب أهوائهم وأغراضهم لا بموجب الأمر والنهي، فلا يقفون لا مع القدر ولا مع الأمر بل كما قال بعض العلماء أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق مذهبك (٢) ، تمذهبت به فلا يوجد أحد بالفلك في ترك الواجب وفعل المحرم إلا وهو متناقض لا يجعله حجة في مخالفة هواه بل يعادي من آذاه وإن كان محقاً ويجب من وافقه على غرضه وإن كان عدواً لله، فيكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته بحسب هواه وغرضه وذوق نفسه ووجده، لا بحسب أمر الله ونهيه ومحبته

стр. 74

وبغضه وولايته وعداوته، إذ لا يمكنه أن يجعل القدر حجة لكل أحد فإن ذلك مستلزم للفساد الذي لا صلاح معه، وللشر الذي لا خير فيه، إذ لو جاز أن يحتج كل أحد بالقدر لما عوقب معتد ولا اقتص من باغ ولا أخذ لمظلوم من ظالم، ولفعل كل أحد ما يشتهيه، من غير معارض يعارض فيه، وهذا فيه من الفساد، ما لا يعلمه إلا رب العباد. فمن المعلوم بالضرورة أن الأفعال تنقسم إلى ما ينفع العباد وما يضرهم والله قد بعث رسوله ﷺ يأمر المؤمنين بالأمر بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، فمن لم يتبع شرع الله ودينه اتبع ضده من البدع والأهواء، وكان احتجاجه بالقدر من الجدل بالباطل ليدحض به الحق لا من باب الاعتماد عليه (١) لزمه أن يجعل كل من جرت عليه المقادير، من أهل المعاذير، وإن قال أنا أعذر بالقدر من شهده وعلم أن الله خالق فعله ومحركه لا من غاب عن المشهود، أو كان من أهل الجحود، قيل فيقال لك وشهود هذا وجحود هذا من القدر فالقدر متناول لشهود وجحود هذا. فإن كان موجباً للفرق مع شمول القدر لهما فقد جعلت بعض الناس محموداً وبعضهم مذموماً مع شمول القدر لهما، وهذا رجوع إلى

стр. 75

الفرق، واعتصام بالأمر والنهي، وحينئذ فقد نقضت أصلك وتناقضت فيه، وهذا لازم لكل من معك فيه، ثم مع فساد هذا الأصل، وتناقضه فهو قول باطل وبدعة مضلة، فمن جعل الإيمان بالقدر وشهوده عذراً في ترك الواجبات وفعل المحظورات (١) بل الإيمان بالقدر حسنة من الحسنات، وهذه لا تنهض بدفع جميع السيئات، فلو أشرك مشرك بالله وكذب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ناظراً إلى أن ذلك مقدر عليه لم يكن ذلك غافراً لتكذيبه، ولا مانعاً من تعذيبه، فإن الله لا يغفر أن يشرك به سواء كان المشرك مقراً بالقدر وناظراً إليه، أو مكذباً أو غافلاً عنه، بل قد قال إبليس " فيما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين " فأصر واحتج بالقدر، فكان ذلك زيادة في كفره، وسبباً لمزيد عذابه، وأما آدم ﵇ فإنه قال " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر وترحمنا لنكونن من الخاسرين " قال تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم " فمن استغفر وتاب كان آدمياً سعيداً. ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسياً شقياً. وقد قال تعالى لإبليس: " لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ". وهذا الموضع ضل فيه كثير من الخائضين في الحقائق فإنه يسلكون أنواعاً من الحقائق التي يجدونها ويذوقونها ويحتجون بالقدر فيما خالفوا

стр. 76

فيه الأمر فيضاهون المشركين الذين كانوا يبتدعون ديناً لم يشرعه الله ويحتجون بالقدر على مخالفة أمر الله. والصنف الثالث: من الضالين في القدر من خاصم الرب في جمعه بين القضاء والقدر والأمر والنهي كما يذكر ذلك على لسان إبليس، وهؤلاء خصماء الله وأعداؤه، وأما أهل الإيمان فيؤمنون بالقضاء والقدر والأمر والنهي، ويفعلون المأمور، ويتركون المحظور، ويصبرون على المقدور، كما قال تعالى: " من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " فالتقوى تتناول فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر يتضمن الصبر على المقدور. وهؤلاء إذا أصابتهم مصيبة في الأرض أو في أنفسهم علموا أن ذلك في كتاب، وإن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، فسلموا الأمر لله وصبروا على ما ابتلاهم به، وأما إذا جاء أمر الله فإنهم يسارعون في الخيرات، ويسابقون إلى الطاعات، ويدعون ربهم رغباً ورهباً، ويجتبون محارمه، ويحفظون حدوده، ويستغفرون الله ويتوبون إليه من تقصيرهم فيما أمر وتعديهم لحدوده، علماً منهم بأن التوبة فرض على العبد دائماً وإقتداءً بنبيهم حيث يقول في الحديث الصحيح: " أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه أكثر من سبعين مرة " وآخر سورة نزلت عليه: " إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ". وإذا عرف هذان الأصلان فعليهما يبني جواب ما في هذا السؤال من الكلمات؛ ويعرف ما دخل في هذه الأمور من الضلالات.

стр. 77

بدء الجواب عن كلمات أهل الوحدة فقول القائل: " إن الله لطّف ذاته فسماها حقاً، وكثفها فسماها خلقاً " هو من أقوال الوحدة والحلول والاتحاد، وهو باطل فإن اللطيف إن كان هو الكثيف فالحق هو الخلق ولا تلطيف ولا تكشيف، وإن كان اللطيف غير الكثيف فقد ثبت الفرق بين الحق والخلق، وهذا هو الحق، وحينئذ فالحق لا يكون خلقاً فلا يتصور أن ذات الحق يكون خلقاً بوجه من الوجود كما أن ذات المخلوق لا تكون ذات الخالق بوجه من الوجوه. وكذلك قول الآخر ظهر فيها حقيقة واحتجب عنها مجازاً فإنه إن كان الظاهر غير المظاهر فقد ثبت الفرق بين الرب والعبد، وإن لم يكن أحدهما غير الآخر فلا يتصور ظهور واحتجاب. ثم قوله: " فمن كان من أهل الحق شهدها مظاهر ومجالي، ومن كان من أهل الفرق شهدها ستوراً وحجباً ". كلام ينقض بعضه بعضاً فإنه إن كان الوجود واحداً لم يكن أحد الشاهدين عين الآخر ولم يكن الشاهد عين المشهود ولهذا قال بعض شيوخ هؤلاء: من قال إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له آخر فمن الذي يكذب؟ فأفحمه. وهذا لأنه إذا لم يكن موجود سوى الواجب بنفسه كان هو الذي يكذب ويظلم ويأكل ويشرب. وهكذا يصرح به أئمة هؤلاء كما يقول صاحب الفصوص وغيره أنه موصوف بجميع صفات الذم، وأنه هو الذي يمرض ويضرب وتصيبه الآفات ويوصف بالمصائب والنقائص، كما إنه هو الذي يوصف بنعوت المدح والذم، قال: فالعلي لنفسه هو الذي يكون له جميع الصفات

стр. 78

الثبوتية والسلبية سواء كانت محمودة عقلاً وعرفاً وشرعاً أو مذمومة عقلاً وعرفاً وشرعاً، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، وقال: ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وقد أخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص وبصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق، فكلها حق له كما أن صفات المخلوق حق للخالق. وقول القائل: لقد حق لي عشق الوجود وأهله، يقتضي أن يعشق إبليس وفرعون وهامان وكل كافر، ويعشق الكلاب والخنازير والبول والعذرة وكل خبيث، مع إنه باطل شرعاً وعقلاً فهو كاذب في ذلك متناقض فيه، فإنه لو آذاه مؤذٍ وآلمه ألماً شديداً لا يغضب محرم شرعاً (١) . وما ذكر عن بعضهم من قوله: " عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى " هو من كلام ابن سبعين وهو من أكابر أهل الإلحاد، أهل الشرك والسحر والاتحاد، وكان من أفاضلهم وأذكيائهم وأخبرهم بالفلسفة وتصوف المتفلسفة. وقول ابن عربي: ظاهره خلقه، وباطنه حقه، هو قول أهل الحلول وهو متناقض في ذلك فإنه يقول بالوحدة فلا يكون هناك موجودان أحدهما باطن والآخر ظاهر، والتفريق بين الوجود والعين، تفريق لا حقيقة له بل هو من أقوال أهل الكذب والمين. وقول ابن سبعين: رب هالك، وعبد مالك وأنتم ذلك الله فقط والكثرة وهم، موافق لأصله الفاسد في أن وجود المخلوق وجود الخالق

стр. 79

ولهذا قال: وأنتم ذلك، فإنه جعل العبد هالكاً أي لا وجود له فلم يبق إلا وجود الرب، فقال: وأنتم ذلك، وكذلك قال: الله فقط والكثرة وهم. فإنه على قوله لا موجود إلا الله، ولهذا كان يقول هو وأصحابه في ذكرهم ليس إلا الله بدل قول المسلمين: لا إله إلا الله، وكان يسميهم الشيخ قطب الدين بن القسطلاني الليسية، ويقول احذروا هؤلاء الليسية، ولهذا قال: الكثرة وهم. وهذا تناقض فإن قوله وهم يقتضي متوهماً فإن كان المتوهم هو الوهم فيكون الله هو الوهم وإن كان المتوهم هو غير الوهم فقد تعدد الوجود. وكذلك: إن كان المتوهم هو الله فقد وصف الله بالوهم الباطل، وهذا مع إنه كفر فإنه يناقض قوله الوجود واحد، وإن كان المتوهم غيره فقد أثبت غير الله وهذا يناقض أصله، ثم متى أثبت غيراً لزمت الكثرة فلا تكون الكثرة وهما بل تكون حقاً. والبيتان المذكوران عن ابن عربي مع تناقضهما مبنيان على هذا الأصل فإن قوله: يا صورة إنس سرها معنائي، خطاب على لسان الحق يقول لصورة الإنسان يا صورة إنس سرها معنائي، أي هي الصورة وأنا معناها. وهذا يقتضي أن المعني غير الصورة وهو يقتضي التعدد والتفريق بين المعنى والصورة فإن كان وجود المعنى هو وجود الصورة كما يصرح به فلا تعدد، وإن كان وجود هذا غير وجود هذا تناقض وقوله: ما خلقك للأمر ترى لولائي، كلام مجمل يمكن أن يراد به معنى صحيح أي لولا الخالق لما وجد الكلفون ولا خلق لأمر الله، لكن قد عرف أنه لا يقول بهذا. فإن مراده الوحدة والحلول والاتحاد، ولهذا قال: شئناك فأنشأناك خلقاً بشراً ... كي تشهدنا في أكمل الأشياء

стр. 80

فبين أن العبيد يشهدونه في أكمل الأشياء وهي الصورة الإنسانية وهذا يشير إلى الحلول وهو حلول الحق في الخلق لكنه متناقض في كلامه فإنه لا يرضى بالحلول ولا يثبت موجودين حل أحدهما في الآخر بل عنده وجود الحال هو عين وجود المحل لكنه يقول بالحلول بين الثبوت والوجود، فوجود الحق حل في ثبوت الممكنات وثبوتها حل في وجوده وهذا الكلام لا حقيقة له في نفس الأمر فإنه لا فرق بين هذا وهذا لكنه هو مذهبه المتناقض في نفسه. وأما الرجل الذي طلب من والده الحج فأمره أن يطوف بنفس الأب: فقال طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط. فهذا كفر بإجماع المسلمين، فإن الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين، فحرام بإجماع المسلمين. ومن اعتقد ذلك ديناً فهو كافر سواء طاف ببدنه أو بقبره، وقوله ما فارقه الله طرفة عين قط إن أراد به الحلول المطلق العام فهو مع بطلانه المتناقض فإنه حينئذ لا فرق بين الطوائف والمطوف به، فلم يكن طواف هذا بهذا أولى من العكس، بل هذا يستلزم أنه يطاف بالكلاب والخنازير والكفار والنجاسات والأقذار وكل خبيث وكل ملعون لأن الحلول والاتحاد العام يتناول هذا كله، وقد قال مرة شيخهم الشيرازي لشيخه التلمساني وقد مر بكلب أجرب ميت: هذا أيضاً من ذات الله، فقال: وثم خارج عنه؟ ومر التلمساني ومعه شخص فاجتاز بكلب فركضه الآخر برجله فقال: لا تركضه فإنه منه. وهذا مع أنه من أعظم الكفر والكذب الباطل في العقل والدين فإنه متناقض فإن الراكض والمركوض واحد، وكذلك الناهي والمنهي،

стр. 81

فليس شيء من ذلك بأولى بالأمر والنهي من شيء، ولا يعقل مع الوحدة تعدد وإذا قيل مظاهر ومجالي - قيل إن كان لها وجود غير وجود الظاهر المتجلي فقد ثبت التعدد وبطلت الوحدة وإن كان وجود هذا هو وجود هذا لم يبق بين الظاهر والمظهر والمتجلي فيه (١) فرق، وإن أراد بقوله ما فارقه الله طرفة عين، الحلول الخاص، كما تقول النصارى في المسيح لزم أن يكون هذا الحلول ثابتاً له من حين خلق كما تقوله النصارى في المسيح فلا يكون ذلك حاصلاً له بمعرفته وعبادته وتحقيقه وعرفانه وحينئذ فلا يكون فرق بينه وبين غيره من الآدميين فلماذا يكون الحلول ثابتاً له دون غيره؟ وهذا شر من قول النصارى فإن النصارى ادعوا ذلك في المسيح لكونه خلق من غير أب والشيوخ لم يفضلوا في نفس التخليق وإنما فضلوا بالعبادة والمعرفة والتحقيق والتوحيد وهذا أمر حصل لهم بعد أن لم يكن فإذا كان هذا هو سبب الحلول وجب أن يكون الحلول فيهم حادثاً لا مقارناً لخلقهم وحينئذ فقولهم أن الرب ما فارق أبدانهم أو قلوبهم طرفة عين قط كلام باطل كيف ما قدر. وأما ما ذكر عن رابعة من قولها عن البيت أنه الصنم المعبود في الأرض - فهو كذب على رابعة ولو قال هذا من قاله لكان كافراً يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهو كذب فإن البيت لا يعبده المسلمون ولكن يعبدون رب البيت بالطواف به والصلاة إليه، وكذلك ما نقل من قولها: والله ما ولجه الله ولا خلا منه. كلام باطل عليها، وعلى مذهب الحلولية لا فرق بين ذاك البيت وغيره في هذا المعنى فلأي مزية يطاف به ويصلى

стр. 82

إليه ويحج دون غيره من البيوت؟ وقول القائل: ما ولج الله فيه - كلام صحيح، وأما قوله ما خلا منه فإن أراد ذاته حالة فيه أو ما يشبه هذا المعنى فهو باطل وهو مناقض لقوله ما ولج فيه، وإن أراد به أن الاتحاد ملازم له لم يتجدد له ولوج ولم يزل غير حال فيه فهذا مع أنه كفر وباطل يوجب أن لا يكون للبيت مزية على غيره من البيوت إذاً الموجودات كلها عندهم كذلك. وأما البيتان المنسوبان إلى الحلاج: سبحان من أظهر ناسوته ... سر سنا لاهوته الثاقب حتى بدا في خلقه ظاهراً ... في صورة الآكل والشارب فهذه قد تعين بها الحلول الخاص كما تقوله النصارى في المسيح وكان أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي قبل أن يطلع على حقيقة أمر الحلاج يذب عنه فلما أنشد هذين البيتين قال: لعن الله من قال هذا، وقوله: عقد الخلائق في الإله عقائداً ... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه فهذا البيت يعرف لابن عربي فإن كان قد سبقه إليه الحلاج وقد تمثل هو به فإضافته إلى الحلاج صحيحة وهو كلام متناقض فإن الجمع بين النقيضين في الاعتقاد في غاية الفساد، والقضيتان المتناقضتان بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى لا يمكن الجمع بينهما وهؤلاء يزعمون أنه يثبت عندهم في الكشف ما يناقض صريح العقل وإنهم يقولون بالجمع بين النقيضين وبين الضدين وأن من سلك طريقهم يقول بمخالفة المعقول والمنقول، ولا ريب أن هذا من أفسد ما ذهب إليه أهل السفسطة ومعلوم أن الأنبياء ﵈ أعظم من الأولياء، والأنبياء جاؤوا بما تعجز

стр. 83

العقول عن معرفتهم ولم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه فهم يخبرون بمحارات العقول، لا بمحالات العقول، وهؤلاء الملاحدة يدعون أن محالات العقول صحيحة، وإن الجمع بين النقيضين صحيح، وأن ما خالف صريح المعقول وصحيح المنقول صحيح، ولا ريب أنهم أصحاب خيال وأوهام يتخيلون في نفوسهم أموراً يتخيلونها ويتوهمونها فيظنونها ثابتة في الخارج وإنما هي من خيالاتهم والخيال الباطل يتصور فيه ما لا حقيقة له ولهذا يقولون أرض الحقيقة هي أرض الخيال كما يقول ذلك ابن عربي وغيره ولهذا يحكون حكاية ذكرها سعيد الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض وكان من شيوخهم وأما قوله: بيني وبينك إنيّ تزاحمني ... فارفع بحقك إنيي من البين فإن هذا الكلام يفسر بمعان ثلاثة يقوله الزنديق، ويقوله الصديق فالأول مراده به رفع ثبوت إنيته حتى يقال إن وجوده هو وجود الحق وإنيته هي إنية الحق فلا يقال إنه غير الله ولا سوى. ولهذا قال سلف هؤلاء الملاحدة إن الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى فرفعت له صورة، فقيل وهذا القول مع ما فيه من الكفر، والإلحاد فهو متناقض ينقض بعضه بعضاً فإن قوله: بيني وبينك إني تزاحمني، خطاب لغير مواثبات إنية بينه وبين ربه وهذه إثبات أمور ثلاثة وكذلك يقول: فارفع بحقك إنيي من البين، طلب من غيره أن يرفع إنيته وهذا إثبات لأمور ثلاثة وهذا المعنى الباطل هو الفناء الفاسد وهو الفناء عن وجود السوى فإن هذا فيه طلب رفع الإنية وهو طلب الفناء، والفناء ثلاثة أقسام فناء عن وجود السوى وفناء عن شهود السوى وفناء عن عبادة السوى فالأول وهو فناء أهل

стр. 84

الوحدة الملاحدة كما فسروا به كلام الحلاج وهو أن يجعل الوجود وجوداً واحداً وأما الثاني وهو الفناء عن شهود السوى فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين كما يحكي عن أبي يزيد وأمثاله وهو مقام الاصطلام وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره، فيظن من لم يكن ويبقى من لم يزل، وهذا كما يحكى أن رجلاً يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في الماء فألقى المحب نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ فقال: غبت بك عني، فظننت أنك إني. فهذا حال من عجز عن شيء من المخلوقات إذا شهد قلبه وجود الخالق وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين ومن الناس من يجعل هذا من السلوك ومنهم من يجعله غاية السلوك حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية فلا يفرقون بين المأمور والمحظور، والمحبوب والمكروه، وهذا غلط عظيم غلطوا فيه بشهود القدر وإحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر والنهي وعبادة الله وحده وطاعة رسوله فمن طلب رفع إنيته بهذا الاعتبار لم يكن محموداً على هذا ولكن قد يكون معذوراً. وأما النوع الثالث وهو الفناء عن عبادة السوى فهذا حال النبيين وأتباعهم وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له وهو الحنيفية ملة إبراهيم ويدخل في هذا أن يفنى عن إتباع هواه بطاعة الله فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، فهذا هو الفناء الديني الشرعي الذي بعث الله رسله وانزل به كتبه. ومن قال: فارفع بحقك إنيي من البين، بمعنى أن يرفع هوى

стр. 85

نفسه فلا يتبع هواه ولا يتوكل على نفسه وحوله وقوته بل يكون عمله لله لا لهواه وعمله بالله وبقوته لا بحوله وقوته كما قال تعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين " فهذا حق محمود، وهذا كما يحكي عن أبي يزيد أنه قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: خدايي (١) كيف الطريق إليك؟ قال: اترك نفسك وتعال - أي اترك إتباع هواك والاعتماد على نفسك فيكون عملك لله واستعانتك بالله كما قال: " فاعبدوه وتوكل عليه ". والقول المحكي عن ابن عربي: وبي حلفت وإن المقسم الله، هو أيضاً من إلحادهم إفكهم: جعل نفسه حالفة بنفسه، وجعل الحالف هو الله فهو الحالف والمحلوف به كما يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولاً بنفسه فهو المرسل والمرسل إليه والرسول وكما قال ابن الفارض في قصيدته نظم السلوك: لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصل واحد ساجد إلي ... حقيقته بالجمع في كل سجدة وما كان بي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل ركعة إلى أن قال: وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي حنت وقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ولبت وأما المنقول عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه فهو كذب عليه وهو كلام ملحد كاذب وضعه على المسيح وهذا لم ينقله عنه مسلم ولا

стр. 86

نصراني، فإنه لا يوافق قول النصارى قوله إن الله اشتاق أن يرى ذاته المقدسة فخلق من نوره آدم وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وإني أنا ذلك النور وآدم المرآة، فهذا الكلام مع ما فيه من الكفر والإلحاد متناقض وذلك أن الله سبحانه يرى نفسه كما يسمع كلام نفسه، وهذا رسول الله ﷺ وهو عبد مخلوق لله قال لأصحابه: " إني أراكم من ورائي كما أراكم من بين يدي " فإذا كان المخلوق قد يرى ما خلقه وهو أبلغ من رؤية نفسه فالخالق تعالى كيف لا يرى نفسه؟ وأيضاً فإن شوقه إلى رؤية نفسه حتى خلق آدم يقتضي أنه لم يكن في الأزل يرى نفسه حتى خلق آدم، ثم ذلك الشوق كان قديماً كان ينبغي أن يفعل ذلك في الأزل وإن كان محدثاً فلا بد من سبب يقتضي حدوثه، مع أنه قد يقال الشوق أيضاً صفة نقص ولهذا لم يثبت ذلك في حق الله تعالى وقد روي: " طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق ". وهو حديث ضعيف. وقوله: خلق من نوره آدم وجعله كالمرآة وأنا ذلك النور وآدم هو المرآة - يقتضي أن يكون آدم مخلوقاً من المسيح والمسيح خلق من مريم ومريم من ذرية آدم فكيف يكون آدم مخلوقاً من ذريته؟ وإن قيل المسيح هو نور الله فهذا القول وإن كان من جنس قول النصارى فهو شر من قول النصارى فإن النصارى يقولون: إن المسيح هو الناسوت واللاهوت الذي هو الكلمة هي جوهر الابن، وهم يقولون: الاتحاد اتحاد اللاهوت والناسوت متجدد حين خلق بدن المسيح، لا يقولون أن آدم خلق من المسيح إذ المسيح عندهم اسم اللاهوت والناسوت

стр. 87

جميعاً وذلك يمتنع أن يخلق منه آدم، وأيضاً فهم لا يقولون إن آدم خلق من لاهوت المسيح. وأيضاً فقول القائل إن آدم خلق من نور الله الذي هو المسيح إن أراد به نوره الذي هو صفة لله فذاك ليس هو المسيح الذي هو قائم بنفسه إذ يمتنع أن يكون القائم بنفسه صفة لغيره، وإن أراد بنوره ما هو نور منفصل عنه فمعلوم أن المسيح لم يكن شيئاً موجوداً منفصلاً قبل خلق آدم فامتنع على كل تقدير أن يكون آدم مخلوقاً من نور الله الذي هو المسيح، وأيضاً فإذا كان آدم كالمرآة وهو ينظر إلى ذاته المقدسة فيها لزم أن يكون الظاهر في آدم هو مثال ذاته لا أن آدم هو ذاته لا أن آدم هو ذاته ولا مثال ذاته ولا كذاته وحينئذ فإن كان المراد بذلك أن آدم يعرف الله تعالى فيرى مثال ذاته العلمي في آدم فالرب تعالى يعرف نفسه فكان المثال العلمي إذا أمكن رؤيته كانت رؤيته للعلم المطابق له القائم بذاته أولى من رؤيته للعلم القائم بآدم، وإن كان المراد أن آدم نفسه سأل الله فلا يكون آدم هو المرآة بل يكون هو كالمثال الذي في المرآة. وأيضاً فتخصيص المسيح بكونه ذلك النور هو قول النصارى الذين يخصونه بأنه الله، وهؤلاء الاتحادية ضموا إلى قول النصارى قولهم بعموم الاتحاد حيث جعلوا في غير المسيح من جنس ما تقوله النصارى في المسيح. وأما قول ابن الفارض: وشاهد إذا استجليت ذاتك من ترى ... بغير مراء في المرآة الصقيلة أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر ... إليك بها عند انعكاس الأشعة فهذا تمثيل فاسد وذلك أن الناظر في المرآة مثال نفسه فيرى نفسه

стр. 88

وكذا المرآة لا يرى نفسه بلا واسطة فقولهم بوجود باطل وبتقدير صحته ليس هذا مطابقاً له وأيضاً فهؤلاء يقولون بعموم الوحدة والاتحاد والحلول في كل شيء فتخصيصهم بعد هذا آدم أو المسيح يناقض قولهم بالعموم وإنما يخص المسيح ونحوه من يقول بالاتحاد الخاص كالنصارى والغالية من الشيعة وجهال النساك ونحوهم، وأيضاً فلو قدر أن الإنسان يرى نفسه في المرآة فالمرآة خارجة عن نفسه فرأى نفسه أو مثال نفسه في غيره والكون عندهم ليس فيه غير ولا سوى فليس هناك مظهر مغاير للظاهر ولا مرآة مغايرة للرائي. وهم يقولون: إن الكون مظاهر الحق فإن قالوا المظاهر غير الظاهر لزم التعدد وبطلت الوحدة، وإن قالوا المظاهر هي الظاهر لم يكن قد ظهر شيء في شيء ولا ظهر شيء لشيء وكان قوله: وشاهد إذا استجليت نفسك أن ترى. . . كلاماً متناقضاً لأن هنا مخاطِباً ومخاطَباً ومرآة تستجلى فيها الذات فهذه ثلاثة أعيان فإن كان الوجود واحداً بالعين بطل هذا الكلام وكل كلمة يقولونها تنقض أصلهم. فصل: وأما ما ذكره من قول ابن إسرائيل: الأمر أمران أمر بواسطة وأمر بغير واسطة إلى آخره - فمضمونه أن الأمر الذي بواسطة هو الأمر الشرعي الديني والذي بلا واسطة هو الأمر القدري الكوني وجعله أحد الأمرين بواسطة والآخر بغير واسطة كلام باطل فإن الأمر الديني يكون بواسطة وبغير واسطة فإن الله كلم موسى وأمره بلا واسطة وكذلك

стр. 89

كلم محمداً ﷺ وأمره ليلة المعراج وكذلك كلم آدم وأمره بلا واسطة وهي أوامر دينية شرعية وأما الأمر الكوني فقول القائل: أنه لا بواسطة خطأ بل الله تعالى خلق الأشياء بعضها ببعض وأمر التكوين ليس هو خطاباً يسمعه المكون المخلوق فإن هذا ممتنع ولهذا قيل إن كان هذا خطاباً له بعد وجوده لم يكن قد كون به بل كان قد كون قبل الخطاب وإن كان خطاباً له قبل وجوده فخطاب المعدوم ممتنع، وقد قيل في جواب هذا أنه خطاب لمعلوم لحضوره في العلم وإن كان معدوماً في العين وأما ما ذكره الفقير فهو سؤال وارد بلا ريب، وأما ما ذكره عن شيخه من أن آدم كان توحيده ظاهراً وباطناً فكان قوله " لا تقرب " ظاهراً وكان أمره " بكل " باطناً فيقال: إن أريد بكونه قال كل باطناً أنه أمره بذلك في الباطن أمر تشريع أو دين فهذا كذب وكفر، وإن كان أراد أبه خلق ذلك وقدره وكونه فهذا قدر مشترك بين آدم وبين سائر المخلوقات فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فكل ما كان من المكونات فهو داخل في هذا الأمر، وأكل آدم من الشجرة وغير ذلك من الحوادث داخلة تحت هذا كدخول آدم فنفس أكل آدم هو الداخل تحت هذا الأمر كما دخل آدم، وقول القائل: إنه قال لآدم في الباطن كل مثل قوله أنه قال للكافر: اكفر وللفاسق افسق، والله لا يأمر بالفحشاء، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر ولا يوجد منه خطاب باطن ولا ظاهر للكفار والفساق والعصاة بفعل الكفر والفسوق والعصيان، وإن كان ذلك واقعاً بمشيئته وقدرته وخلقه وأمره الكوني - فالأمر الكوني ليس هو أمراً للعبد أن يفعل ذلك الأمر بل هو أمر تكوين

стр. 90

لذلك الفعل في العبد أو أمر تكوين لكون العبد على ذلك الحال فهو سبحانه هو الذي خلق الإنسان هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً، وهو الذي جعل المسلمين مسلمين كما قال الخليل: " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " فهو سبحانه جعل العباد على الأحوال التي خلقهم عليها وأمره لهم بذلك أمر تكوين بمعنى أنه قال لهم: كونوا كذلك فيكونون كذلك، كما لو قال للجماد كن فيكون فأمر التكوين لا فرق فيه بين الجماد والحيوان وهو لا يفتقر إلى علم المأمور ولا إرادته ولا قدرته لكن العبد قد يعلم ما جرى به القدر في أحواله كما يعلم ما جرى به القدر في أحوال غيره، وليس في ذلك علم منه بأن الله أمره في الباطن بخلاف ما أمره به في الظاهر بل أمره بالطاعة باطناً وظاهراً، ونهاه عن المعصية باطناً وظاهراً، وقدر ما يكون فيه من طاعة ومعصية باطناً وظاهراً، وخلق العبد وجميع أعماله باطناً وظاهراً، وكون ذلك بقوله: " كن باطناً وظاهراً " وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر بل القدر يؤمن به، ولا يحتج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين متناقض، فإن القدر إن كان حجة وعذراً لزم أن لا يلام أحد ولا يعاقب ولا يقتص منه وحينئذ فهذا المحتج بالقدر يلزمه إذا ظلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته أن لا ينتصر من الظالم ولا يغضب ولا يذمه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن أحداً أن يفعله فهو ممتنع طبعاً محرم شرعاً. ولو كان القدر حجة وعذراً لم يكن إبليس ملوماً معاقباً ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار ولا كان جهاد الكفار جائزاً ولا إقامة الحدود جائزاً لا قطع السارق ولا جلد الزاني ولا رجمه ولا قتل

стр. 91

القاتل ولا عقوبة معتد بوجه من الوجوه ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلاً في فطر الخلق وعقولهم لم تذهب إليه أمة من الأمم، ولا هو مذهب أحد من العقلاء الذين يطردون قولهم فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد لا في دنياه ولا آخرته ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزماً مع الآخر نوعاً من الشرع فالشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده لكن الشرائع تتنوع فتارة تكون منزلة من عند الله كما جاءت به الرسل وتارة لا تكون كذلك، ثم المنزلة تارة تبدل وتغير كما غير أهل الكتاب شرائعهم. وتارة لا تغير ولا تبدل، وتارة يدخل النسخ في بعضها وتارة لا يدخل. أما القدر فإنه لا يحتج به أحد إلا عند إتباع هواه فإذا فعل فعلاً بمجرد هواه وذوقه، ووجده من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند إلى القدر كما قال المشركون " لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء " قال الله تعالى: " كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون، قل ولله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " فبين أنهم ليس عندهم علم بما كانوا عليه من الدين وإنما يتبعون الظن، والقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل أحد الاحتجاج بالقدر فإنه لو خرب أحد الكعبة أو شتم إبراهيم الخليل أو طعن في دينهم لعادوه وآذوه كيف وقد عادوا النبي ﷺ على ما جاء به من الدين وما فعله هو أيضاً من المقدور؟ فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة لكان للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه فإن كان كل ما يحدث في الوجود فهو

стр. 92

مقدر، فالمحق والمبطل يشتركان في الاحتجاج بالقدر إن كان الاحتجاج به صحيحاً ولكن كانوا يعتمدون على ما يعتقدونه من جنس دينهم وهم في ذلك يتبعون الظن ليس لهم به علم بل هم يخرصون. وموسى لما قال لآدم: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم ﵇ فيما قال لموسى: لم تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً؟ فحج آدم موسى - لم يكن آدم ﵇ محتجاً على فعل ما نهي عنه بالقدر ولا كان موسى ممن يحتج عليه بذلك فيقبله بل آحاد المؤمنين لا يفعل مثل هذا فكيف آدم وموسى؟ وآدم قد تاب مما فعل واجتباه ربه وهدى وموسى أعلم بالله من أن يلوم من هو دون نبي على فعل تاب منه فكيف بنبي من الأنبياء؟ وآدم يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يحتج إلى التوبة ولم يجر ما جرى من خروجه من الجنة وغير ذلك، ولو كان القدر حجة لكان لإبليس وغيره وكذلك موسى يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يعاقب فرعون بالغرق ولا بنو إسرائيل بالصعقة وغيرها كيف وقد قال موسى: " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي " وقال: " فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين " وهذا باب واسع وإنما كان لوم موسى لآدم من أجل المصيبة التي لحقتهم بآدم من أكل الشجرة ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ واللوم لأجل المصيبة التي لحقت الإنسان نوع واللوم لأجل الذنب الذي هو حق الله نوع آخر، فإن الأب لو فعل فعلاً افتقر به حتى تضرر بنوه فأخذوا يلومونه لأجل ما لحقهم من الفقر لم يكن هذا كلومه لأجل كونه أذنب والعبد مأمور أن يصبر على المقدور، ويطبع المأمور، وإذا أذنب استغفر كما قال تعالى: " فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك " وقال تعالى: " ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه " قال طائفة من السلف

стр. 93

هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم فمن احتج بالقدر على ترك المأمور، وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور، فقد عكس الإيمان والدين، وصار من حزب الملحدين المنافقين، وهذا حال المحتجين بالقدر فإن أحدهم إذا أصابته مصيبة عظم جزعه وقل صبره فلا ينظر إلى القدر ولا يسلم له، وإذا أذنب ذنباً أخذ يحتج بالقدر فلا يفعل المأمور، ولا يترك المحظور، ولا يصبر على المقدور، ويدعي مع هذا أنه من كبار أولياء الله المتقين، وأئمة المحققين الموجودين، وإنما هو من أعداء الله الملحدين، وحزب الشيطان اللعين، وهذا الطريق إنما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين والإيمان، تجد أحدهم أخير الناس إذا قدر، وأعظمهم ظلماً وعدواناً، وأذل الناس إذا قهر، وأعظم جزعاً ووهناً، كما جربه الناس من الأحزاب البعيدين عن الإيمان بالكتاب والمقابلة من أصناف الناس، والمؤمن إن قدر عدل وأحسن، وإن قهر وغلب صبر واحتسب، كما قال كعب بن زهير في قصيدته التي أنشدها للنبي ﷺ التي أولها: بانت سعاد الخ..، في صفة المؤمنين: ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... يوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا وسئل بعض العرب عن شيء من أمور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: رأيته يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، وقد قال تعالى: " قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " وقال تعالى: " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً " وقال تعالى: " إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " وقال تعالى: " وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور " فذكر الصبر

стр. 94

والتقوى في هذه المواضع الأربعة فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور؛ والتقوى يدخل فيها فعل المأمور، فمن رزق هذا وهذا فقد جمع له الخير، بخلاف من عكس فلا يتقي الله بل يترك طاعته منبعاً لهواه ويحتج بالقدر، ولا يصبر إذا ابتلى ولا ينظر حينئذ إلى القدر، فإن هذا حال الأشقياء كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، يقول أنت إذا أطعت جعلت نفسك خالقاً لطاعتك فتنسى نعمة الله عليك كي (١) أنه جعلك مطيعاً له وإذا عصيت لم تعترف بأنك فعلت الذنب بل تجعل نفسك بمنزلة المجبور عليه بخلاف مراده أو المحرك الذي لا إرادة له ولا قدرة ولا علم وكلاهما خطأ وقد ذكر أبو طالب المكي عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: إذا عمل العبد حسنة فقال: أي وربي أنا فعلت هذه الحسنة، قال له ربه: أنا يسرتك لها وأنا أعنتك عليها، فإن قال أي ربي أنت أعنتني عليها ويسرتني لها، قال له ربه: أنت عملها وأجرها لك، وإذا فعل سيئة فقال: أي ربي أنت قدرت علي هذه السيئة قال له ربه: أنت اكتسبتها وعليك وزرها فإن قال: أي إني أذنبت هذا الذنب وأنا أتوب منه، قال له ربه: أنا قدرته عليك وأنا أغفره لك، وهذا باب مبسوط في غير هذا الموضع. وقد كثر في كثير من المنتسبين إلى المشيخة والتصوف شهود القدر فقط من غير شهود الأمر والنهي والاستناد إليه في ترك المأمور وفعل المحظور، وهذا أعظم الضلال، ومن طرد هذا القول والتزم لوازمه كان أكفر من اليهود والنصارى والمشركين لكن أكثر من يدخل في ذلك يتناقض ولا يطرد قوله

стр. 95

وقول هذا القائل هو من هذا الباب فقوله: آدم كان أمره بكل باطناً فأكل، وإبليس كان توحيده ظاهراً فأمر بالسجود لآدم فرآه غيراً فلم يسجد فغير الله عليه وقال: " اخرج منها " الآية. فإن هذا مع ما فيه من الإلحاد كذب على آدم وإبليس فآدم اعترف بأنه هو الفاعل للخطيئة وإنه هو الظالم لنفسه وتاب من ذلك ولم يقل أن الله ظلمني ولا أن الله أمرني في الباطن بالأكل، قال تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه أنه هو التواب الرحيم " وقال تعالى: " قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " وإبليس أصر واحتج بالقدر فقال: " ربي بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين " وأما قوله: رآه غيراً فلم يسجد - فهذا شر من الاحتجاج بالقدر فإن هذا قول أهل الوحدة الملحدين وهو كذب على إبليس فإن إبليس لم يمتنع من السجود لكونه غيراً بل قال: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " ولم تؤمر الملائكة بالسجود ولكون آدم ليس غيراً بل المغايرة بين الملائكة وآدم ثابتة معروفة والله تعالى: " علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " وكانت لملائكة وآدم معترفين بأن الله مباين لهم وهم مغايرون له ولهذا قالوا: دعوه دعا العبد ربه فآدم يقول: " ربنا ظلمنا أنفسنا " والملائكة تقول: " لا علم لنا إلا ما علمتنا " وتقول: " ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم " الآية، وقد قال تعالى: " أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون " وقال تعالى: " أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهو يطعِم ولا يطعَم " وقال: " أفغير الله أبتغي

стр. 96

حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً " فلو لم يكن هناك غيره لم يكن المشركون أمروه بعبادة غير الله ولا اتخاذ غير الله ولياً ولا حكماً فلم يكونوا يستحقون الإنكار، فلما أنكر عليهم ذلك دل على ثبوت غير يمكن عبادته واتخاذه ولياً وحكماً، وإنه من فعل ذلك فهو مشرك بالله كما قال تعالى: " ولا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين " وقال: " لا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً مخذولاً " وأمثال ذلك. وأما قول القائل أن قوله: " ليس لك من الأمر شيء " عين الإثبات للنبي ﷺ كقوله: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى إن الذين يبايعون الله يد الله فوق أيديهم " فهذا بناه على قول أهل الوحدة والاتحاد، وجعل معنى قوله: " ليس لك من الأمر شيء " أي فعلك هو فعل الله لعدم المغايرة وهذا ضلال عظيم من وجوه: أحدها: إن قوله: " ليس لك من الأمر شيء " نزل في سياق قوله: " ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " وقد ثبت في الصحيح إن النبي ﷺ كان يدعو على قوم من الكفار أو يلعنهم في القنوت فلما أنزل الله هذه الآية ترك فعلم أن معناها أفراد الرب تعالى بالأمر وأنه ليس لغيره أمر بل إن شاء الله تعالى قطع طرفاً من الكفار وإن شاء كبتهم فانقلبوا بالخسارة وإن شاء تاب عليهم وإن شاء عذبهم، وهذا كما قال في الآية الأخرى: " قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء " ونحو ذلك قوله تعالى: " يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا قل إن الأمر كله لله ".

стр. 97

الوجه الثاني: إن قوله: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " لم يرد به إن فعل العبد هو فعل الله تعالى كما تظنه طائفة من الغالطين فإن ذلك لو كان صحيحاً لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلم ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم. ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك وطرد ذلك يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر. ويقال للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب. ومن قال مثل هذا فهو ملحد خارج عن العقل والدين، ولكن معنى الآية أن النبي ﷺ يوم بدر رماهم ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم فإنه إذا رماهم بالتراب وقال شاهت الوجوه ولم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم بقدرته، يقول وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل، فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه وهو الإيصال والتبليغ وأثبت له الحذف والإلقاء وكذلك إذا رمى سهماً فأوصلها بقدرته. الوجه الثالث: إنه لو فرض أن المراد بهذه الآية أن الله خالق أفعال العباد فهذا المعنى حق وقد قال الخليل: " ربنا واجعلنا مسلمين لك " فالله هو الذي جعل المسلم مسلماً. وقال تعالى: " إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً " فالله هو الذي خلقه هلوعاً لكن ليس في هذا أن الله هو العبد، ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، ولا أن الله حال في العبد فالقول بأن الله خالق أفعال العباد حق والقول بأن الخالق حال في

стр. 98

المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد. الوجه الرابع: إن قوله تعالى: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " لم يرد به إنك أنت الله وإنما إنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه فمن بايعك فقد بايع الله كما أن من أطاعك فقد أطاع الله ولم يرد بذلك أن الرسول هو الله، ولكن الرسول أمر بما أمر الله به فمن أطاعه فقد أطاع الله كما قال النبي ﷺ : " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني " ومعلوم أن أميره ليس هو إياه ومن ظن في قوله: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " أن المراد به أن فعلك هو فعل الله أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو ومع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره، وذلك أنه لو كان المراد أن خالق لفعلك لكان هنا قدر مشترك بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله ومن بايع مسيلمة فقد بايع الله ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضاً فيكون الله قد بايع الله إذ الله خالق لهذا ولهذا، وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا فيكون الله قد بايع الله، وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو ويقول أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم ضلالهم غير مرة وأما الحلول الخاص فليس هو قول هؤلاء بل هو قول النصارى

стр. 99

ومن وافقهم من الغالية (١) وهو باطل أيضاً فإن الله قال له: " ليس لك من الأمر شيء " وقال: " وإنه لما قام عبد الله يدعوه " وقال: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً " وقال: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " وقال: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً، ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً ". فقوله: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " يبين قوله: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " ولهذا قال: " يد الله فوق أيديهم " ومعلوم أن يد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كانت مع أيديهم كانوا يصافحونه ويصفقون على يده في البيعة، فعلم أن يد الله التي فوق أيديهم ليست هي يد النبي ﷺ ولكن الرسول عبد الله ورسوله فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله، فالذين بايعوه بايعوا الله الذي أرسله وأمره ببيعتهم، ألا ترى أن كل من وكل شخصاً بعقد مع الوكيل كان ذلك عقداً مع الموكل ومن وكل نائباً له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه كانوا معاهدين لمستنيبه ومن وكل رجلاً في نكاح أو تزوج كان الموكل هو الزوج الذي وقع له العقد؟ وقد قال تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " الآية ولهذا قال في تمام الآية: " ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً ". فتبين أن قول ذلك الفقير هو القول الصحيح وإن الله إذا كان قد قال لنبيه: " ليس لك من الأمر شيء " فأيش نكون نحن؟ وقد ثبت عنه

стр. 100

صلى الله تعالى عليه وسلم في الصحيح أنه قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ". وأما قول القائل: ما غبت عن القلب ولا عن عيني ... ما بينكم وبيننا من بين فهذا القول مبني على قول هؤلاء وهو باطل متناقض فإن مقتضاه أنه يرى الله بعينه وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت " وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحداً من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والصحابة وأئمة المسلمين. ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا: رأى ربه بعينه بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية وإما تقييدها بالفؤاد وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه وقوله: " أتاني البارحة ربي في أحسن صورة " الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان بالمدينة في المنام هكذا جاء مفسراً وكذلك أم الطفيل وحديث ابن عباس وغيرهما مما فيه رؤية ربه إنما كان بالمدينة كما جاء مفسراً في الأحاديث والمعراج كان بمكة كما قال: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وقد ثبت بنص قرآني أن موسى قيل له: " لن تراني " وأن رؤية الله أعظم من إنزال كتاب من السماء فمن قال أن أحداً من الناس يراه

стр. 101

فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران ودعواه أعظم من دعوى من ادعى أن الله أنزل عليه كتاباً من السماء. المسلمون في رؤية الله على ثلاثة أقوال فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عياناً وأن أحداً لا يراه في الدنيا بعينه لكن يرى في المنام ويحصل للقلوب في المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها، ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ومعرفته في صورة مثالية كما قد بسط في غير هذا الموضع. والقول الثاني: قول نفاة الجهمية أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. والثالث: قول من يزعم أنه يرى في الدنيا والآخرة. وحلولية الجهمية يجمعون بين النفي والإثبات فيقولون أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة وأنه يرى في الدنيا والآخرة وهذا قول ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله لأن الوجود المطلق الساري في الكائنات لا يرى وهو وجود الحق عندهم. ثم من أثبت الذات قال: يرى متجلياً فيها ومن فرق بين المطلق والمعين قال: لا يرى إلا مقيداً بصورة وهؤلاء قولهم دائر بين أمرين: إنكار رؤية الله وإثبات المخلوقات ويجعلون المخلوق هو الخالق أو يجعلون الخالق حالاً في المخلوق وإلا فتفريقهم بين الأعيان الثابتة في الخارج وبين وجودها هو قول من يقول بأن المعدوم شيء في الخارج وهو قول باطل وقد ضموا إليه أنهم جعلوا نفس وجود المخلوق هو وجود الخالق وأما التفريق بين المطلق والمعين مع أن المطلق لا يكون هو في

стр. 102

الخارج مطلقاً يقتضي أن يكون الرب معدوماً وهذا هو جحود الرب وتعطيله، وإن جعلوه ثابتاً في الخارج جعلوه جزءاً من الموجودات فيكون الخالق جزءاً من المخلوق أو عرضاً قائماً بالمخلوق، وكل هذا مما يعلم فساده بالضرورة، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. وأما تناقضه فقوله: ما غبت عن القلب ولا عن عيني ... ما بينكم وبيننا من بين يقتضي المغايرة وأن المخاطَب غير المخاطِب وأن المخاطب له عين قلب لا يغيب عنها المخاطب بل يشهده القلب والعين والشاهد غير المشهود. وقوله: ما بينكم وبيننا من بين، فيه إثبات ضمير المتكلم وضمير المخاطب وهذا إثبات لاثنين، وإن قالوا مظاهر ومجالي قيل فإن كانت المظاهر والمجالي غير الظاهر المتجلي فقد ثبتت التثنية وبطل التعدد، وإن كان هو إياها فقد بطلت الوحدة فالجمع بينهما تناقض، وقول القائل: فارق ظلم الطبع وكن متحداً ... بالله وإلا كل دعواك محال إن أراد الاتحاد المطلق فالمفارق هو المفارق وهو الطبع وظلم الطبع وهو المخاطب بقوله: " وكن متحداً بالله وهو المخاطب بقوله: " كل دعواك محال " وهو القائل هذا القول، وفي ذلك من التناقض ما لا يخفى. وإن أراد الاتحاد المقيد فهو ممتنع لأن الخالق والمخلوق إذا اتحدا فإن كانا بعد الاتحاد اثنين كما كانا قبل الاتحاد فذلك تعدد وليس باتحاد، وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد ونحو ذلك مما يشبه النصارى بقولهم في الاتحاد لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لا بد أن يستحيل

стр. 103

وهذا ممتنع على الله ينزه الله عن ذلك، لأن الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجود أو الرب تعالى واجب الوجود بذاته وصفاته اللازمة له يمتنع العدم على شيء من ذلك، ولأن صفات الرب اللازمة له صفات كمال فعدم شيء منها نقص تعالى الله عنه، ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضي أن العبد متصف بالصفات القديمة اللازمة لذات الرب وذلك ممتنع على العبد المحدث المخلوق فإن العبد يلزمه الحدوث والافتقار والذل وصفات الرب تعالى اللازمة القدم والغنى والعزة وهو سبحانه قديم غني عزيز بنفسه يستحيل عليه نقيض ذلك فاتحاد أحدهما بالآخر يقتضي أن يكون الرب متصفاً بنقيض صفاته من الحدوث والفقر والذل، والعبد متصفاً بنقيض صفاته من القدم والغنى الذاتي والعز الذاتي وكل ذلك ممتنع وبسط هذا يطول، ولهذا سئل الجنيد عن التوحيد فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. فبين أنه لا بد من تمييز المحدث عن القديم، ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن عن مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل الرب رب والعبد عبد " إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً، لقد أحصاهم وعدهم عداً، وكلهم آتية يوم القيامة فرداً " وإن كان المتكلم بهذا البيت أراد الاتحاد الوصفي وهو أن يحب العبد ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه الله، ويرضى بما يرضي الله، ويغضب لما يغضب الله، ويأمر بما يأمر الله، وينهى عما ينهى الله، ويوالي من يواليه الله، ويعادي من يعاديه الله، ويحب لله، ويبغض لله، ويعطي لله، ويمنع لله، بحيث يكون موافقاً لربه تعالى فهذا المعنى حق وهو حقيقة الإيمان وكماله وفي الحديث

стр. 104

الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " يقول الله تعالى من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفسي عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ". وهذا الحديث يحتج به أهل الوحدة وهو حجة عليهم من وجوه كثيرة منها أنه قال: " من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " فأثبت نفسه ووليه ومعادي وليه وهؤلاء ثلاثة، ثم قال: " وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب لي بالنوافل حتى أحبه " فأثبت عبداً يتقرب إليه بالفرائض ثم بالنوافل وأنه لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه فإذا أحبه كان العبد يسمع به ويبصر به ويبطش به ويمشي به، وهؤلاء هو عندهم قبل أن يتقرب بالنوافل وبعده هو عين العبد وعين غيره من المخلوقات فهو بطنه وفخذه لا يخصون ذلك بالأعضاء الأربعة المذكورة في الحديث فالحديث مخصوص بحال مقيد وهم يقولون بالإطلاق والتعميم فأين هذا من هذا؟ وكذلك قد يحتجون بما في الحديث الصحيح إن الله يتجلى لهم يوم القيامة ثم يأتيهم في صورة غير الصورة

стр. 105

التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه ثم يأتيهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. فيجعلون هذا حجة لقولهم أنه يرى في الدنيا في كل صورة بل هو كل صورة وهذا الحديث حجة عليهم - في هذا - أيضاً فإنه لا فرق عندهم بين الدنيا والآخرة وهو عندهم في الآخرة فالمنكرون (١) الذين قالوا نعوذ بالله منك حتى يأتينا ربنا هؤلاء الملاحدة يقولون أن العارف يعرفه في كل صورة فإن الذين أنكروه يوم القيامة في بعض الصور كان لقصور معرفتهم، وهذا جهل منهم فإن الذين أنكروه يوم القيامة ثم عرفوه لما تجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة هم الأنبياء والمؤمنون وكان إنكارهم مما حمدهم عليه فإنه امتحنهم بذلك حتى لا يتبعوا غير الرب الذي عبدوه فلهذا قال في الحديث وهو يسألهم ويثبتهم: " وقد نادى المنادي ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون " ثم يقال لهؤلاء الملاحدة إذا كان عندهم هو الظاهر في كل صورة فهو المنكِر وهو المنكَر كما قال بعض هؤلاء لآخر من قال لك: إن في الكون سوى الله فقد كذب، وقال له الآخر: فمن هو الذي كذب؟ وذكر ابن عربي أنه دخل على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال ما أبصر

стр. 106

غيره أبول عليه، فقال له شيخه: فالذي يخرج من بطنك من أين هو؟ قال: فرجت عني. ل صورة فإن الذين أنكروه يوم القيامة في بعض الصور كان لقصور معرفتهم، وهذا جهل منهم فإن الذين أنكروه يوم القيامة ثم عرفوه لما تجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة هم الأنبياء والمؤمنون وكان إنكارهم مما حمدهم عليه فإنه امتحنهم بذلك حتى لا يتبعوا غير الرب الذي عبدوه فلهذا قال في الحديث وهو يسألهم ويثبتهم: " وقد نادى المنادي ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون " ثم يقال لهؤلاء الملاحدة إذا كان عندهم هو الظاهر في كل صورة فهو المنكِر وهو المنكَر كما قال بعض هؤلاء لآخر من قال لك: إن في الكون سوى الله فقد كذب، وقال له الآخر: فمن هو الذي كذب؟ وذكر ابن عربي أنه دخل على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال ما أبصر غيره أبول عليه، فقال له شيخه: فالذي يخرج من بطنك من أين هو؟ قال: فرجت عني. ومر شيخان منهم التلمساني هذا والشيرازي على كلب أجرب ميت فقال الشيرازي للتلمساني: هذا أيضاً من ذاته؟ فقال التلمساني: هل ثم شيء خارج عنها؟ وكان التلمساني قد أضل شيخاً زاهداً عابداً ببيت المقدس يقال له أبو يعقوب المغربي المبتلى حتى كان يقول: الوجود واحد، وهو الله، ولا أرى الواحد، ولا أرى الله. ويقول نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية فيه، ويجعل هذا الكلام له تسبيحاً يتلوه كما يتلو التسبيح. وأما قول الشاعر: إذا بلغ الصب الكمال من الهوى ... وغاب عن المذكور في سطوة الذكر فشاهد حقاً حين يشهده الهوى ... بأن صلاة العارفين من الكفر فهذا الكلام مع أنه كفر هو كلام جاهل لا يتصور ما يقول فإن الفناء والغيب هو أن يغيب بالمذكور عن الذكر وبالمعروف عن المعرفة وبالمعبود عن العبادة حتى يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، وهذا مقام الفناء الذي يعرض لكثير من السالكين لعجزهم عن كمال الشهود المطابق للحقيقة، بخلاف الفناء الشرعي فمضمونه الفناء بعبادته عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، فإن هذا تحقيق التوحيد والإيمان. وأما النوع الثالث: من الفناء وهو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن وجود الخالق هو وجود المخلوق - فهذا هو قول هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة، والمقصود هنا أن قوله يغيب عن المذكور كلام

стр. 107

جاهل قال: هذا لا يحمد أصلاً بل المحمود أن يغيب بالمذكور عن الذكر لا يغيب عن المذكور في سطوات الذكر اللهم إلا أن يريد أنه غاب عن المذكور فشهد المخلوق وشهد أنه الخالق ولم يشهد الوجود إلا واحداً ونحو ذلك من المشاهد الفاسدة فهذا شهود أهل الإلحاد لا شهود الموحدين ولعمري إن من شهد هذا الشهود الإلحادي فإنه يرى صلاة العارفين من الكفر وأما قول القائل: الكون يناديك ما تسمعني ... من ألف أشتاتي ومن فرقني أنظر لتراني منظراً معتبراً ... ما فيّ سوى وجود من أوجدني فهو من قول هؤلاء الملاحدة وأقوالهم كفر متناقض باطل في العقل والدين فإنه إذا لم يكن فيه إلا وجود من أوجده كان ذلك الوجود هو الكون المنادي وهو المخاطب المنادى وهو الأشتات المؤلفة المفرقة وهو المخاطب الذي قيل له: انظر، وحينئذ يكون الوجود الواجب القديم الأزلي قد أوجد نفسه وفرقها وألفها، فهذا جمع بين النقيضين فالواجب هو الذي لا تقبل ذاته العدم فممتنع أن يكون الشيء الواحد قابلاً للعدم غير قابل للعدم، والقديم هو الذي لا أول لوجوده والمحدث هو الذي له أول، فيمتنع كون الشيء الواحد قديماً محدثاً ولولا أن قد علم مرادهم بهذا القول لأمكن أن يراد بذلك: ما في سوى الوجود الذي خلقه من أوجدني، وتكون إضافة الوجود إلى الله إضافة الملك لكن قد علم أنه لم يرد هذا ولأن هذه العبارة لا تستعمل في هذا المعنى وإنما يراد بوجود الله وجود ذاته لا وجود مخلوقاته وهكذا قول القائل: وله ذات وجود ال ... كون الحق شهود

стр. 108

أنه ليس لموجو ... د سوى الحق وجود مراده أن وجود الكون هو نفس وجود الحق وهذا هو قول أهل الوحدة وإلا فلو أراد أن وجود كل موجود من المخلوقات هو من الحق تعالى فليس لشيء موجود من نفسه وإنما وجوده من ربه والأشياء باعتبار أنفسها لا تستحق سوى العدم وإنما حصل لها الوجود من خالقها وبارئها فهي دائمة الافتقار إليه لا تستغني عنه لحظة لا في الدنيا ولا في الآخرة - لكان قد أراد معنى صحيحاً وهو الذي عليه أهل العقل والدين من الأولين والآخرين، وهؤلاء القائلون بالوحدة قولهم متناقض ولهذا يقولون الشيء ونقيضه وإلا فقوله: منه وإلى علاه يبدي ويعيد، يناقض الوحدة فمن هو البادئ والعائد منه وإليه إذا لم يكن إلا واحد، وقوله: وما أنا في طراز الكون شيء ... لأني مثل ظل مستحيل يناقض الوحدة لأن الظل مغاير لصاحب الظل فإذا شبه المخلوق بالظل لزم إثبات اثنين كما إذا شبهه بالشعاع فإن شعاع الشمس ليس هو نفسه قرص الشمس وكذلك إذا شبهه بضوء السراج وغيره والنصارى تشبه الحلول والاتحاد بهذا. وقلت لمن حضرني منهم بشيء من هذا: فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار والخالق بالنار والشمس فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره فإن كل ما سوى الله على هذا هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟ وجعلت أردد عليه هذا الكلام، وكان في المسجد جماعة، حتى فهمه جيداً وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة

стр. 109

له وإن ما أثبتوه للمسيح إما ممتنع في حق كل أحد وإما مشترك بين المسيح وغيره، وعلى التقديرين فتخصيص المسيح بذلك باطل وذكرت له أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها فإن المسيح ﷺ وإن كان جاء بإحياء الموتى فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة " ثم أحياهم الله بعد موتهم، وقد جاء بإحياء الموتى غير واحد من الأنبياء، والنصارى يصدقون بذلك، وأما جعل العصا حية فهذا أعظم من إحياء الميت فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيواناً تبتلع العصي والحبال فهذا أبلغ في القُدر وأقدر (١) فإن الله يحيي الموتى ولا يجعل الخشب حياة. وأما إنزال المائدة من السماء فقد كان ينزل على عسكر موسى كل يوم من المن والسلوى وينبع لهم من الحجر من الماء ما هو أعظم من ذلك فإن الحلو أو اللحم دائماً هو أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة من الزيتون والسمك وغيرهما، وذكرت له نحواً من ذلك مما تبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية ليس له وجه، وإن سائر ما يذكر فيه أما أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره من المخلوقات وإما أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل مع أن بعض الرسل كإبراهيم وموسى قد يكون أكمل في ذلك منه، وأما خلقه من امرأة

стр. 110

بلا رجل فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك فإنه خلق من بطن امرأة وهذا معتاد بخلاف الخلق من ضلع رجل فإن هذا ليس بمعتاد فما من أمر يذكر في المسيح ﷺ إلا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من بني آدم. فعلم قطعاً أن تخصيص المسيح باطل وأن ما يدعى له أن كان ممكناً فلا اختصاص له به وإن كان ممتنعاً فلا وجود له فيه ولا في غيره ولهذا قال هؤلاء الاتحادية أن النصارى إنما كفروا بالتخصيص وهذا أيضاً باطل فإن الاتحاد عموم وخصوص والمقصود هنا أن تشبيه الاتحادية أحدهم بالظل المستحيل يناقض قولهم بالوحدة، وكذلك قول الآخر: أحن إليه وهو قلبي وهل يرى ... سواي أخو وجد يحن لقلبه ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري ... وما بعده إلا لإفراط قربه هو مع ما قصده به من الكفر والاتحاد كلام متناقض فإن حنين الشيء إلى ذاته متناقض ولهذا قال وهل يرى أخو وجد يحن لقلبه؟ وقوله: وما بعده إلا لإفراط قربه، متناقض فإنه لا قرب ولا بعد عند أهل الوحدة فإنها تقتضي أن يقرب أحدهما من الآخر والواحد لا يقرب من ذاته ويبعد من ذاته. وأما قول القائل: التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه - فهذا أيضاً من قول أهل الوحدة وهو مع كفره قول متناقض فإنه يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن لسان الشرك لا يكون له لسان التوحيد وأن أقوال المشركين الذين قالوا: " لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً " والذين قالوا: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " والذين قالوا
следующие страницы →