معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات
تأليف: د. محمد بن خليفة التميمي
ال مقدمة
إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينة على وحيه، أرسله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
أما بعد: فهذه الدراسة الأولى من سلسلة " دراسات في مباحث توحيد الأسماء والصفات " وهي بعنوان: " معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ".
وسيتبعها -بإذن الله- الدراسات التالية:
الدراسة الثانية: "معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى".
الدراسة الثالثة: "معتقد أهل السنة والجماعة في صفات الله العلى".
الدراسة الرابعة: "قواعد أهل السنة والجماعة في نصوص الأسماء والصفات".
الدراسة الخامسة: "مقالة التعطيل وموقف أهل السنة والجماعة منها".
стр. 2
الدراسة السادسة: "مقالة التشبيه وموقف أهل السنة والجماعة منها ".
ومقصودي من إصدار هذه السلسلة خدمة الجوانب التالية:
ا- بيان معتقد أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته بشكل يجمع بين الشمولية والتعمق، وذلك من خلال توضيح المسائل الكلية العامة أولاً، ثم بحث القضايا التفصيلية والمباحث الجزئية للمسائل الكبرى المتعلقة بهذا الباب، فقد خصصت الدراسة الأولى لعرض المسائل العامة التي تبرز وتوضح معتقد أهل السنة والجماعة بشكل عام، ثم خصصت لكل مسألة بعد ذلك دراسة مستقلة تستوفي المواضيع والقضايا التي تتصل بها.
٢- جمع شتات المسائل المتعلقة بهذا الباب، وهي مسائل متناثرة ومتفرقة في ثنايا كتب أهل السنة، وقد بذلت جهدي وطاقتي في جمعها وترتيبها وتبويبها وإخراجها في نسق تنتظم معه تلك المسائل، ليسهل بعد ذلك معرفتها والاطلاع. عليها.
٣- بيان فساد مقالات أهل الزيغ والضلال الذين خرجوا عن الحق في هذا الباب، وذلك ليعلم وجه بطلان معتقداتهم ومدى انحرافهم وضلالهم، حتى يحذر المسلم من الوقوع في ذلك.
هذا وقد ضمنت الدراسة الأولى الفصول التالية:
الفصل الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات وعلاقته بباقي أنواع التوحيد.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الثاني: العلاقة بين أنواع التوحيد.
стр. 3
الفصل الثاني: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة.
المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته.
المبحث الثالث: الأسس التي قام عليها معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته.
وختمت ذلك بخاتمة وذيلتها بفهارس.
وإني لا أدعي أني وصلت بهذه الدراسة إلى درجة الكمال، ولكن حسبي أني اجتهدت، فإن وفقت فذلك بفضل من الله وحده، وإن حصل تقصير أو خطأ فهذا من طبيعة جهد البشر، فأرجو ممن وقف على شيء في هذه الدراسة أن يبادرني النصيحة، وأسأل الله أن يتقبل مني هذا الجهد وأن يجعله عملاً صالحًا ولوجهه خالصًا، وأن لا يجعل لأحد فيه شيئا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
محمد بن خليفة التميمي
стр. 4
ال تمهيد: أهمية توحيد الأسماء والصفات
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الموصوف بصفات الجلال، المنعوت بنعوت الكمال.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه وحجته على عباده، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرًا.
وبعد:
فإن من المفيد والمهم لطالب الحق قبل أن يشرع في دراسة تفاصيل جوانب توحيد الأسماء والصفات أن يكون لديه معرفة بأهمية هذا التوحيد وما له من قيمة ومنزلة ودور في جانب الاعتقاد على وجه الخصوص، وفي سائر جوانب الدين على وجه العموم، فإيجاد هذا التصور المفيد في فكر المسلم عما لهذا التوحيد من مكانة عالية ودرجة رفيعة سيعود-بإذن الله تعالى- عليه بالنفع في إيمانه بالله ، فيولي هذا الجانب القدر الواجب له من الأهمية، كما يزيده ذلك رغبة في التفقه في مسائله ومباحثه وتفريعاته، والتي لا يستغني عنها طالب العلم الراغب في التزود من العلم النافع المفيد.
وإن مما يؤسف له أن البعض ينظر إلى هذا التوحيد نظرة المقل من أهميته وشأنه، فيظن أن مباحث هذا الباب لا تتجاوز ذكر الأقوال المختلفة والمتباينة في القدر الذي يثبت أو لا يثبت من أسماء الله وصفاته، وأن الأمر لا يعدو ذلك
стр. 5
ولا يخرج عنه، ومثل هذه النظرة وهذا القول لا يصدر إلا عن أحد شخصين، إما جاهل لا يدري ما في هذا الباب من مسائل مفيدة، وعلى درجة من الأهمية لا غنى للمسلم عنها وعن معرفتها.
وإما عن شخص منحرف في عقيدته يظن أن حال هذا الباب لا يخرج عن الحال الذي عليه عند أهل الباطل الذين لم يستضيئوا في هذا الباب ولا في غيره بنور الكتاب والسنة، وبالتالي لم يتجاوز حديثهم في هذا الباب حدود الطعن في أسماء الله وصفاته والتشكيك فيها أو في أكثرها، فصدوا بذلك عن معرفتها فضلاً عن بيان مالها من دور ومكانة في عقيدة المسلم وإيمانه بربه ﵎.
فإرشاداً لطالب الحق، وتعليمًا للجاهل الغافل، ودعوة للمخالف المنحرف، ومذاكرة للعالم أسطر هذه الكلمات التي تشير إلى بعض ما في هذا التوحيد من فوائد ومزايا، عسى الله أن ينفع بها من يطلع عليها ويستذكرها.
فأقول وبالته التوفيق ومنه أستمد العون والتسديد ملخصا ما أود بيانه في النقاط التالية:
أولاً: هذا التوحيد شطر باب الإيمان، بالله تعالى:
لا يخفى على المسلم أهمية الإيمان بالله، فهو أول أركان الإيمان، بل هو أعظمها، فما بقية الأركان إلا تبع له وفرع عنه، وهو أهم ما خلق لها الخلق وأرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وأسست عليه الملة، فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأن الإنسان لما كان مخلوقًا مربوبًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وباريه فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه
стр. 6
وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عوض، وليس لكل شيء عن الله عوض، فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته، فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يعلم من تتبع دعوات الرسل في القرآن.
وملاك السعادة والنجاة والفوز يكون بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما يقوم الإيمان بالله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله رسوله ﷺ ، وإليه دعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ممن أولهم إلى آخرهم.
وأحدهما: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.
والتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه، والرضا به ربا وإلها ووليا، وأن لا يجعل له عدلاً في شيء من الأشياء.
وقد جمع هذين النوعين في سورتي الإخلاص وهما سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ١ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي.
وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٢ المتضمنة للتوحيد العلمي الخبري.
فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات
стр. 7
الكمال وبيان ما يجب تنزيهه عنه من النقائص والأمثال.
وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كل ما سواه.
ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر والمغرب والوتر اللتين هما فاتحة العمل وخاتمته، ليكون مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته توحيدًا١.
فالتوحيد المطلوب من العبد شطره هو توحيد الأسماء والصفات.
ثانيا: توحيد الأسماء والصفات أشرف العلوم وأهمها على الإطلاق:
إن شرف العلم تابع لشرف معلومه، لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه ولشدة الحاجة إلى معرفته وعظم النفع بها.
ولا ريب أن أجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله.
فلا ريب أن العلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات٢.
فإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أن الغاية أشرف من الوسيلة، فكيف تفضل الوسائل على غاياتها؟
قيل: كل من العلم والعمل ينقسم إلى قسمين، منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإن العلم بالله وأسمائه
стр. 8
وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ١ فقد أخبر سبحانه أنه خلق السموات والأرض ونزل الأمر بينهن ليعلم عباده أنه بكل شي عليم، وعلى كل شي قدير فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢ فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته وإن كان لا يكتفى به وحده، بل لابد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما.
الأمر الأول: أن يعرف الرب تعالى بأسمائه، وصفاته وأفعاله وأحكامه.
والأمر الثاني: أن يعبد بموجبها ومقتضاها.
فكما أن عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضا، فإن العلم من أفضل العبادات٣.
ثالثا: توحيد الأسماء والصفات هو أصل، العلوم الدينية:
كما أن العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها وأعظمها فهو أصلها كلها، فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ٤ فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو: أن من نسي ربه أنساه ذاته
стр. 9
ونفسه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، لأنه خرج عن فطرته التي خلق عليها فنسي ربه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها، قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ ١ فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه، وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مشتت القلب مضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلاً.
فالعلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته٢.
رابعًا: معرفة أسماء الله وصفاته أصل عظيم في منهج السلف:
معرفة أسماء الله وصفاته هي الأساس الذي ينبني عليه عمل العبد، ومن خلالها تتحدد العلاقة التي تربط العبد بربه، وعلى ضوئها يعبد المسلم ربه ويتقرب إليه.
ولذلك كان أصل علم السلف وعملهم هو:
ا- العلم بالله.
٢- والعمل لله.
فجمعوا بذلك بين التصديق العلمي والعمل الحبي.
ثم إن تصديقهم عن علم، وعملهم وحبهم عن علم، فسلموا بذلك من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.
стр. 10
فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية، فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر.
والصوفيون: غالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية، فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.
فإن كلاً من المنحرفين له مفسدتان:
إحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا.
والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.
وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.
والمفسدة الثانية: فوَّت المتكلم العمل.
وفوَّت المتصوف القول والكلام.
أما السلف وأتباعهم فقد حققوا كلا الأمرين.
من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة.
والعمل الإرادي وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
ولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر وهؤلاء هم المسلمون حقًّا١.
فالسلف وأتباعهم جعلوا من توحيد الأسماء والصفات إحدى الرَّكيزتين التي قام عليها منهجهم المعتمد على نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما لهذا التوحيد من أهمية ومنزلة، وهذا ما تشهد له كثرة النصوص الشرعية الواردة في
стр. 11
هذا الشأن.
خامسًا: العلم بأسماء الله وصفاته يفتح للعبد باب معرفة الله:
إن محبة الشيء فرع عن الشعور به، وأعرف الخلق بالله أشدهم حبا له، وكل من عرف الله أحبه، ولا سبيل للحصول على هذه المعرفة إلا من باب العلم بأسماء الله وصفاته، فلا تستقر للعبد قدم في معرفة الله إلا بالتعرف على أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة، فالعلم بأسماء الله وصفاته يفتح للعبد هذا الباب العظيم، فالله لم يجعل السبيل إلى معرفته من طريق الاطلاع على ذاته، فهذا الباب موصود إلى قيام الساعة، كما أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ حيث قال: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربة حتى يموت" ١.
وكذلك فإن من المحال أن تستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على وجه التفصيل، فهي عاجزة عن ذلك لكونه من المغيبات التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق الوحي، والله يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٢ فهذه الآية تبين محدودية علم الإنسان.
وقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:
стр. 12
ا- تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: "شريعته المتضمنة لأمره ونهيه".
٢- تعريفهم مآلهم في الآخرة.
وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه.
سادسًا: أساس العلم الصحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته:
على أساس العلم الصحيح بالله وبأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتنبني مطالب الرسالة جميعها، فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان وهو أصل الدين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربه، فهذه المعرفة لازمة لانعقاد أصل الإيمان، وهي مهمة جدا للمؤمن لشدة حاجته إليها لسلامة قلبه وصلاح معتقده واستقامة عمله، فهذه المعرفة لأسماء الله وصفاته وأفعاله توجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك والإقرار والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يليق به ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام.
وذلك يتم بتدبر كلام الله تعالى وما تعرف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله وما نزه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه.
والجدير ذكره أن معرفة الله نوعان:
النوع الأول: المعرفة الإجمالية.
وهي التي تلزم العبد المؤمن لينعقد بها أصل الإيمان، وهي تتحقق بالقدر الذي يميز العبد به بين ربه وبين سائر الآلهة الباطلة، ويتحقق بها الإيمان
стр. 13
المجمل، وتجعله في سلامة من الكفر والشرك المخرجين من الإيمان، وتخرجه من حد الجهل بربه وما يجب له.
وهذه المعرفة يتحصل عليها من قراءة سورة الإخلاص، وآية الكرسي وغيرها من الآيات ومعرفة معانيها.
ولكن هذه المعرفة لا توجب قوة الإيمان والرسوخ فيه.
النوع الثاني: المعرفة التفصيلية.
وهذه تكون بمعرفة الأدلة التفصيلية الواردة في هذا الباب وتعلمها واعتقاد اتصاف الله بها ومعرفة معانيها والعمل بمقتضياتها وأحكامها.
وهذه المعرفة هي التي يحصل بها زيادة الإيمان ورسوخه، فكلما ازداد العبد علمًا بالله زاد إيمانه وخشيته ومحبته لربه وتعلقه به، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١كما تجلب للعبد النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.
"والعلم بالله يراد به في الأصل نوعان:
أحدهما: العلم به نفسه، أي بما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام وما دلت عليه أسماؤه الحسنى.
وهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لابد أن يعلم أن الله يثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته.
والنوع الثاني: يراد بالعلم بالله العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي، والحلال والحرام.
ولهذا قال بعض السلف: العلماء ثلاثة:
стр. 14
ا- عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله.
٢- عالم بأمر الله ليس عالمًا بالله.
٣- عالم بالله وبأمر الله.
فالعالم بالله: الذي يخشى الله، والعالم بأمر الله: الذي يعرف الحلال والحرام"١.
سابعًا: العلم بأسماء الله وصفاته هو حياة القلوب:
فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها ويكون أحب إليها مما سواه، والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربه لا يكون إلا شقيا معذبا كما هو حال الكافرين.
فالله تبارك خلق هذا الإنسان وركبه من الجسد والروح وشاء أن يكون خلق الجسد من التراب، قال تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب﴾ ٢ وجعل قوام الجسد وحياته من التراب، فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها، وجعل في هذا الجسد الروح، قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ٣ وشاء أن يكون قوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته، فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه ودوام ذكره والسعي في مرضاته، لذلك فإن من في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التبصر فيه، وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هو
стр. 15
الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل وقامت السموات والأرض، ووجدت الجنة والنار، ولأجله شرعت الشرائع، وأسست الملة، ونصبت القبلة، وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه.
وهو بحق أفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه١.
ثامنًا: ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته:
مما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تثمره معرفة أسماء الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة في الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تجلبه له من النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة، والشهوات المحرمة.
فهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فلكل اسم من أسماء الله تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.
ولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، فالأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لآثارها من العبودية وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح، فمثلاً: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له
стр. 16
عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.
وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح.
ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه، تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.
وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية.
فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها١.
وبهذا يتبين أن معرفة العبد لأسماء الله وصفاته على الوجه الذي أخبر الله به في كتابه وسنة رسوله ﷺ توجب على العبد القيام بعبودية الله على الوجه الأكمل، فكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص والتعبد أقوى، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، إذ كل اسم من أسمائه له تعبد مختص به، علما ومعرفة وحالاً.
стр. 17
علمًا ومعرفة: أي إن من علم أن الله مسمى بهذا الاسم، وعرف ما يتضمنه من الصفة ثم اعتقد ذلك فهذه عبادة.
و"حالاً" أي إن لكل اسم من أسماء الله مدلولاً خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني وانعكست هذه المعرفة على، تفكيره وسلوكه.
وهذه الطريقة مشتقة من قلب القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١.
والدعاء بها يتناول: دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد. وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها٢.
تاسعًا: ضرورة تجنب الباطل وعدم مخالفة طر يق الحق في هذا الباب:
يعتبر باب الأسماء والصفات من أكثر الأبواب خطورة ومزلة من جهة كونه محل خلافات شديدة ومعقدة دارت رحاها بين علماء السلف من جهة والفلاسفة وأهل الكلام والمشبهة من جهة أخرى.
فمن واجب طالب العلم أن يتعمق في فهم الحق المبني على الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿َإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣، فالرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته يكون بالرد إلى سنته ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ ٤، فالله أعلم بنفسه، وهو الذي أخبر
стр. 18
بأسمائه وصفاته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، وكذلك فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربه وأصدقهم خبرًا، وقد قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١.
فمن الواجب على المسلم أن يدرس هذا الباب ويتعمق في فهمه وفق ما ورد في الكتاب والسنة، وأن يحذر من التيارات الفلسفية التي أضرت أصحابها وأدخلتهم في دوامة الانحراف والضياع، فحالت بين قلوبهم وبين معرفة ربهم، فأصبحت قلوبهم مظلمة جاهلة بحقائق الإيمان، فترتب على ذلك إعراضهم عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، فانصرفت قوى حبهم وشوقهم وأنسهم إلى سواه.
ومعلوم أنه لا يستقر للعبد قدم في المعرفة، بل ولا في الإيمان، حتى يؤمن بأسماء وصفات الرب ﷻ ، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه، فالإيمان بالأسماء والصفات وتعرفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان، فمن جحدها فقد هدم أساس الإسلام والإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فضلاً عن أن يكون من أهل العرفان.
فينبغي للمؤمن أن يبذل مقدوره ومستطاعه، في معرفة الأسماء والصفات، وأن تكون معرفته سالمة من داء التعطيل وداء التمثيل اللذين ابتلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ ، فالمعرفة الصحيحة هي المتلقاة من الكتاب والسنة، وما روي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة أحواله.
стр. 19
الفصل الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات وعلاقته بباقي أنواع التوحيد
المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات
...
المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات
حدود الأشياء وتفسيرها الذي يوضحها، تتقدم أحكامها، فإن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها، فمن حكم على أمر من الأمور- قبل أن يحيط علمه بتفسيره، وبتصوره تصورًا يميزه عن غيره- أخطأ خطأً فاحشًا١.
توحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها.
شرح مفردات التعريف:
أولاً: "إفراد الله":
هذا معنى كلمة "التوحيد"، فأصل هذه الكلمة من "وحد" فيقال: وحد يوحد توحيدًا: أي جعله واحدًا.
ومادة "وحد" في اللغة مدارها على انفراد الشيء.
فإذا قلت: توحيد الله بأسمائه: فالمعنى إفراد الله بأسمائه.
ثانيًا: بأسمائه الحسنى
بأسمائه: الاسم في اللغة: هو اللفظ الموضوع لمعنًى تعيينًا أو تمييزًا.
أو الاسم: ما دل على الذات وما قام بها من الصفات.
ومن أسماء الله تعالى: الله- الرحمن- الرحيم- الغفور- العزيز- القدير- السميع- البصير- الباري
стр. 20
الحسنى": هذا وصف لأسماء الله، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم.
ا- المواضع التي ورد فيها:
ورد هذا الوصف لأسماء الله في أربعة مواضع من كتاب الله ، وهذه المواضع هي:
أ- قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف ١٨٠.
ب- قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الإسراء ١١٠.
ج- قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ طه ٨.
د- قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الحشر ٢٤.
٢- تصريفها: حُسنَى على وزن "فُعلَى" تأنيث أفعل التفضيل، فحسنى تأنيث أحسن، ككبرى تأنيث أكبر، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطيء من يقول إنها تأنيث حسن، لأن تأنيث "حسن" "حسنة"، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: إن أسماء الله حسنة، والصَّواب هو أن نقول: إن أسماء الله حسنى كما وصفها الله بذلك.
٣- معناها: معنى حسنى: المفضلة على الحسنة، أي البالغة في الحسن غايته.
المعنى العام للآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ : لله أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها.
٥- الحكم المستفاد: يجب الإيمان بهذا الوصف الذي أخبر الله به عن أسمائه وذلك بالاعتقاد الجازم أن أسماء الله هي أحسن الأسماء وأتمها وأكملها معنى، وفي هذا الوصف أحكام أخرى مستفاد سيأتي الكلام عنها
стр. 21
بإذن الله في المسائل التفصيلية المتعقلة بأسماء الله الحسنى.
ثالثاً: "وصفاته العلى":
وصفاته ": الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية أو معنوية أو فعلية.
ومن صفات الله :
الذاتية: اليدان- الوجه- العينان- الأصابع.
المعنوية: العلم- القدرة- الحياة- الإرادة.
الفعلية: النزول- الاستواء- الخلق- الرزق.
العلى": هذا الوصف جاء ذكره في نص القرآن العظيم.
ا- المواضع: قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ النحل ٦٠.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الروم ٢٧.
وفي القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على كمال صفات الله، سيأتي الكلام عنها بإذن الله في المسائل التفصيلية المتعلقة بصفات الله.
٢- تصريفها: "الأعلى" صيغة أفعل التَّفضيل، أي أعلى من غيره١.
٣- معنى الآية: قال القرطبي: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ : أي الوصف الأعلى٢.
وقال ابن كثير: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ : أي الكمال المطلق من كل وجه٣.
وقال ابن سعدي: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل صفة كمال، وكل كمال
стр. 22
في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه١.
٤- الحكم المستفاد: يجب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه وذلك بالاعتقاد الجازم بأن كل ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من الصفات هي صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو سبحانه المستحق للكمال المطلق من جميع الوجوه.
قال الإمام ابن القيم: "المثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها ... "٢.
رابعًا: " الواردة في القرآن والسنة ":
أي يجب الوقوف في أسماء الله وصفاته على ما جاءت به نصوص القرآن والسنة لا نزيد على ذلك ولا ننقص منه.
فلا نسمي أو نصف الله بما لم يسم أو يصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
وذلك لأنه لا طريق إلى معرفة أسماء الله وصفاته إلا من طريق واحد هو طريق الخبر- أي الكتاب والسنة-.
فلو قال شخص: لله سمع بلا أذنين.
وقال آخر: لله سمع بأذنين.
لحكمنا بخطأ الاثنين، لأنه لم يأت ذكر الأذنين في النصوص لا نفيًا ولا إثباتًا، والحق هو أن يقال: لله سمع يليق بجلاله كما جاءت بذلك النصوص،
стр. 23
وقد نهانا الله أن نتكلم بغير علم، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ١ وبالتالي لا يجوز الإثبات أو النفي إلا بالنص.
قال الإمام أحمد (ت ٢٤١) ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة "٢.
وقال ابن عبد البر (ت ٤٦٣) ﵀: "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه "٣.
خامسًا: "والإيمان بمعانيها وأحكامها":
أي الإيمان بما تضمنته من المعاني وبما ترتب عليها من مقتضيات وأحكام. وهذا ما جاء الأمر به والحث عليه في القرآن والسنة.
فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٤، والشاهد
من الآية قوله: "فادعوه بها".
ووجه الاستشهاد: أن الله يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، فالدعاء بها يتناول:
دعاء المسألة٥: كقولك: ربي ارزقني.
стр. 24
ودعاء الثناء١: كقولك: سبحان الله.
ودعاء التعبد٢: كالركوع والسجود٣.
ومن السنة: قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة" متفق عليه٤.
الشاهد من الحديث: قوله ﷺ : "من أحصاها".
ووجه الاستشهاد: أن معنى أحصاها: أي حفظها ألفاظًا، وفهم معانيها ومدلولاتها، وعمل بمقتضياتها وأحكامها.
فالعلم بأسماء الله وصفاته واعتقاد تسمي الله واتصافه بها هو من العبادة وإدراك القلب لمعانيها، وما تضمنته من الأحكام والمقتضيات، واستشعاره وتجاوبه لذلك بالقدر الذي يؤدي إلى سلامة تفكيره واستقامة سلوكه، هو عبادة أيضًا.
فأهل السنة يؤمنون بما دلت عليه أسماء الله وصفاته من المعاني، وبما يترتب عليها من مقتضيات وأحكام، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه.
فأهل السنة يؤمنون بأن كل اسم من أسماء الله يدل على معنى الذي نسميه "الصفة" فلذلك كان لزامًا على من يؤمن بأسماء الله تعالى أن يراعي الأمور التالية:
стр. 25
أولاً: الإيمان بثبوت ذلك الاسم لله .
ثانيًا: الإيمان بما دل عليه الاسم من المعنى أي "الصفة".
ثالثاً: الإيمان بما يتعلق به من الآثار والحكم والمقتضى.
مثال ذلك: "السميع".
اسم من أسماء الله الحسنى، فلابد من الإيمان به من:
ا- إثبات اسم "السميع" باعتباره اسمًا من أسماء الله الحسنى.
٢- إثبات "السمع" صفة له.
٣- إثبات الحكم "أي الفعل" وهو أن الله يسمع السر والنجوى.
وإثبات المقتضى والأثر: وهو وجوب خشية الله ومراقبته وخوفه والحياء
منه .
قال ابن القيم ﵀: "كل اسم من أسمائه له تعبد مختص به علمًا ومعرفةً وحالاً:
علمًا ومعرفة: أي إن من علم أن الله مسمى بهذا الاسم وعرف ما يتضمنه من الصفة ثم اعتقد ذلك فهذه عبادة.
وحالاً: أي إن لكل اسم من أسماء الله مدلولاً خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه"١.
وكذلك الشأن في صفات الله ، فلابد من الإيمان بمعانيها وأحكامها، فهذه عقيدة أهل السنة، بخلاف عقيدة المعطلة الذين نفوا ما دلت عليه تلك الصفات من المعاني، وتلاعبوا بتلك المعاني فحرفوها وبدلوها.
стр. 26
فأهل السنة يرون أنه لزامًا على من أراد إثبات الصفات والإيمان بأنها صفات كمال تثبت لله حقيقة- أن يراعي الأمور التالية:
أ- إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار.
٢- أن لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة، فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسمًا آخر، كما تسمي المعطلة سمعه وبصره وكلامه "أعراضا".
ويسمون وجهه ويديه وقدمه " جوارح وأبعاضا ".
ويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه "تحيزًا".
٣- عدم تشبيهها بما للمخلوق، فإن الله سبحانه (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
٤- اليأس من إدراك كنهها وكيفياتها، فالعقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول أهل السنة: "بلا كيف ": أي بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك١.
٥- تحقيق المقتضى والأثر لتلك الصفات، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها- أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها- فعلم العبد بتفرد الرب بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، يثمر له عبودية " التوكل".
وعلم العبد بجلاله الله وعظمته وعزه، يثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة.
стр. 27
المبحث الثاني: العلاقة بين أنواع التوحيد
بعد شرح تعريف توحيد الأسماء والصفات، لعل من المناسب هنا ذكر العلاقة بين هذا النوع من أنواع التوحيد وبقية أنواع التوحيد.
ونمهد لذلك بذكر تقسيمات أهل العلم للتوحيد فنقول:
أقسام التوحيد:
تنوعت عبارات علماء أهل السنة في التعبير عن أنواع التوحيد، ولكنها مع ذلك التنوع متفقة في المضمون، ولعل السبب في ذلك هو أن تلك التقسيمات مأخوذ من استقراء النصوص ولم يُنص عليها باللفظ مباشرة، ولذلك فمن العلماء١ من قدم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، هي:
ا- توحيد الربوبية: وهو إفراد الله بأفعاله كالخلق والرزق.
٢- توحيد الأسماء والصفات: وقد تقدم ذكر تعريفه.
٣- توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؟ كالصلاة والصوم والدعاء.
ومن المتأخرين من زاد قسمًا رابعًا على الأقسام الثلاثة السابقة وسماه:
٤- توحيد الاتباع أو توحيد الحاكمية (أي التحاكم إلى الكتاب والسنة) ، ولكن يلاحظ على من ذكر هذا القسم أن هذا القسم في الحقيقة داخل ضمن
стр. 28
توحيد الألوهية، لأن العبادة لا تقبل شرعًا إلا بشرطين هما:
ا- الإخلاص.
٢- الاتباع.
كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ١.
ومن العلماء من قسم التوحيد إلى قسمين، وهذا هو الأغلب في كلام أهل العلم المتقدمين لأنهم يجمعون بين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنظر إلى أنهما يشكلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ، فجمعوا بينهما لذلك، بينما توحيد الألوهية يشكل جانب العمل لله.
وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجع إلى اعتبار متعلق التوحيد، وتقسيمه إلى قسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على الموحد.
فمن العلماء من يقول: التوحيد قسمان٢:
القسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات:
ويريد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وسمي بتوحيد المعرفة، لأن معرفة الله إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
والإثبات: أي إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال.
القسم الثاني: توحيد القصد والطلب:
ويراد به الألوهية، وسمي بتوحيد القصد والطلب لأن العبد يتوجه بقلبه
стр. 29
ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده رغبة ورهبة، ويقصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته.
ومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين هما١:
القسم الأول: التوحيد العلمي الخبري:
والمقصود به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
وسمي بالتوحيد العلمي: لأنه يعتني بجانب معرفة الله، فالعلمي أي "العلم بالله".
والخبري: لأنه يتوقف على الخبر أي: "الكتاب والسنة".
القسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي:
والمقصود به توحيد الألوهية، وسمي بالتوحيد الإرادي لأن العبد له في العبادات إرادة، فهو إما أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها، وسمي بالطلبي، لأن العبد يطلب بتلك العبادات وجه الله ويقصده بذلك.
ومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين فيقول٢:
القسم الأول: التوحيد القولي:
والمراد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسمي بالقولي لأنه في مقابل توحيد الألوهية الذي يشكل الجانب العلمي من التوحيد، وأما هذا الجانب فهو مختص بالجانب القولي العلمي.
القسم الثاني: التوحيد العملي:
والمراد به توحيد الألوهية، وسمي بالعملي، لأنه يشمل كلاًّ من عمل
стр. 30
القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح التي تشكل بمجموعها جانب العمل من التوحيد، فالتوحيد له جانبان: جانب تصديقي علمي، وجانب انقيادي عملي.
ومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين فيقول:
القسم الأول: توحيد السيادة:
ويعنى بذلك توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسمي بذلك لأن تفرد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته يوجب له القيادة المطلقة والتصرف التام في هذا الكون خلقا ورزقا وإحياء وإماتة وتصرفا وتدبيرًا، . فمن واجب الموحد أن يفرد الله بذلك.
والقسم الثاني: توحيد العبادة:
المراد به توحيد الألوهية، وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل.
وهذا ما وقفت عليه من تقسيمات العلماء للتوحيد وهي واحدة من حيث مضمونها كما سبق إيضاح ذلك من خلال ربطها بالتقسيم الأول، ولذا فإن الاختلاف بينها منحصر في الألفاظ فقط. والله أعلم.
وأما عن "العلاقة بين هذه الأقسام للتوحيد" فأقول:
هذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد" فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله
стр. 31
في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله. (فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفة الله، فهما متلازمان) ١.
وقد أوضح بعضا أهل العلم هذه العلاقة بقوله: (هي علاقة تلازم وتضمن وشمول) .
فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.
وتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.
بيان ذلك: أن من أقر بتوحيد الربوبية وعلم أن الله سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته لزمه٢ من ذلك الإقرار أن يفرد الله بالعبادة وحده ، لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربا خالقًا مالكًا مدبرًا، وما دام كله لله وحده وجب أن يكون هو المعبود وحده.
ولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات الربوبية مقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية، ومن أمثلة ذلك:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
стр. 32
وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية، لأن من عبد الله ولم يشرك به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.
وهذا أمر يشاهده الموحد من نفسه، فكونه قد أفرد الله بالعبادة ولم يصرف شيئًا منها لغير الله، ما هو إلا لإقراره بتوحيد الربوبية وأنه لا رب ولا مالك ولا متصرف إلا الله وحده.
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنوعين معًا، وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له ، والتي من جملتها: الرب- الخالق- الرازق- الملك، وهذا هو توحيد الربوبية.
ومن جملتها: الله- الغفور- الرحيم- التواب، وهذا هو توحيد الألوهية١.
فائدة: القرآن كله دعوة للتوحيد.
قال ابن القيم ﵀: "كل سورة في القرآن هي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولاً كليا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.
فإن القرآن: ا- إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري
стр. 33
٢- وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
٣- وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.
٤- وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.
٥- وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم توحيده.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم"١.
стр. 34
الفصل الثاني: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته
المبحث الأول: التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة .
...
المبحث الأول التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة
أولاً: التعريف بالسلف:
أ- معنى السلف لغة:
(السلف: جمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادم وخدم، والسالف المتقدم، والسلف ... الجماعة المتقدمون) ١.
قال ابن فارس: (السين، واللام، والفاء) أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون) ٢.
ب- المقصود بالسلف الصالح:
(تعددت أقوال العلماء في تحديد ذلك من حيث المدى الزمني:
ا- فمن العلماء من قصر ذلك على، الصحابة -رضوان الله عليهم- فقط.
٢- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون.
٣- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون وتابعو التابعين٣.
والقول الصحيح المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة هو أن المقصود بالسلف الصالح هم القرون الثلاثة المفضلة الذين شهد لهم النبي ﷺ
стр. 35
بالخيرية، حيث قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، متفق عليه١، فالسلف الصالح هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين.
وكل من سلك سبيلهم وسار على نهجهم فهو سلفي نسبة إليهم.
والسلفية: هي المنهج الذي سار عليه النبي ﷺ والقرون المفضلة من بعده والذي أخبر النبي ﷺ بأنه باق إلى أن يأتي أمر الله، لحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ٢.
فيصح الانتساب إلى هذا المنهج متى التزم الإنسان بشروطه وقواعده، فكل من حافظ على سلامة العقيدة طبقًا لفهم القرون الثلاثة المفضلة فهو ذو نهج سلفي.
ج- قواعد المنهج السلفي:
يمكن حصر ركائز وقواعد المنهج السلفي على سبيل الاختصار في النقاط التالية:
أولاً: ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها.
ثانيًا: التقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وذلك يتم بـ:
أ- الاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه.
ب- الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه٣.
стр. 36
ثالثاً: العمل بذلك والاستقامة عليه اعتقادًا وتفكيرًا وسلوكا وقولاً والبعد عن كل ما يخالفه ويناقضه.
رابعًا: الدعوة إلى ذلك باللسان والبنان.
فمن التزم هذه القواعد في الاعتقاد والعمل فهو على النهج السلفي بإذن الله.
د- الأدلة على وجوب اتباع السلف الصالح ولزوم منهجهم:
أولاً: من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
فرضي عن السابقين الأولين رضاءً مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٢.
فتوعد الله من اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد في الآية السابقة متبعهم بالرضوان.
ثانيًا: الأدلة من السنة:
ا- قوله ﷺ : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ٣.
فهذه "الخيرية" التي شهد النبي ﷺ بها لهذه القرون الثلاثة تدل على تفضيلهم وسبقهم وجلالة قدرهم وسعة علمهم بشرع الله، وشدة تمسكهم
стр. 37
بسنة رسوله ﷺ ، وهذا ما تؤكده الأحاديث التالية.
٢- قوله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ١ حديث صحيح مشهور.
٣- قوله ﷺ : " ... فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢.
فحث ﷺ بأن يتبعوا سنته وسنة من بعده من الخلفاء الراشدين، عند وقوع التفرق والاختلاف.
ثالثًا: من أقوال السلف الصالح وأتباعهم:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا" ٣.
وعنه ﵁ قال: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوبًا،
стр. 38
وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"١.
وعنه ﵁ قال: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر"٢.
وعنه ﵁ قال: " اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم"٣.
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا"٤.
وقال مجاهد: "العلماء أصحاب محمد ﷺ "٥.
وقال الأوزاعي: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ ، فما كان غير ذلك فليس بعلم"، وكذا قال الإمام أحمد رحمه الله٦.
وقال أيضًا: "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم"٧.
وكان الحسن البصري في مجلس فذكر أصحاب محمد ﷺ فقال: "إنهم
стр. 39
كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فإنهم ورب الكعبة على الهدى المستقيم١.
وقيل لأبي حنيفة ﵀: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟
قال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة٢.
وقال الأوزاعي: "عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريقٍ مستقيم٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحدة لا شريك له وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقًا عامًّا إلا لرسول الله ﷺ ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًّا إلا للصحابة ﵃ أجمعين. فإن الهدي يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل ما قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليست مسلما إلى عالم واحد
стр. 40
وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ ، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.
ولابد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله- إن كان حقا- مأخوذًا عما جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قيل في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه، فإنه قول باطل"١.
ثانيا: التعريف بأهل السنة:
يستعمل العلماء تارة مسمى "أهل السنة والجماعة" بدلاً من عبارة "السلف".
وهذه العبارة وردت في استعمال العلماء لمعنيين هما:
أ- المعنى الأخص:
وهو بعينه مدلول لفظة السلف، فأهل السنة والجماعة هم الصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سلك سبيلهم وسار على نهجهم من أئمة الهدى ومن اقتدى بهم من سائر الأمة أجمعين.
فيخرج من هذا المعنى كل طوائف المبتدعة وأهل الأهواء.
فالسنة هنا في مقابل البدعة.