← Акыда

Акыда · id 11743

معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (101 стр.). Показаны 71–101 · переход к 76.

стр. 71

فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع. فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني١. وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلاً على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فصلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ. فالمطلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه. ولا تروج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف! أتي من جهة جهله لا من قلة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.

стр. 72

وأما الأساس الثاني وهو: تنزيه الله جل وعلا أن يماثل شيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين. فتوضيحه يكون وفق ما يلي: أولاً: الأدلة الشرعية الواردة في تنزيه، الله عن مشابهة المخلوقين: ا- قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ ٢- وقال تعالى.: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ ٢. ٣- وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ٣. ٤- وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ٤. ٥- وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٥. ٦- وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٦. ٧- وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٧. وجه دلالة الآيات: ا- قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ : دليل على أن الله منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله٨.

стр. 73

والآية في تفسيرها وجهان: الأول: أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل "المثل "في الكلام توكيدًا للكلام. والثاني: أن يكون معناها: ليس مثله شيء، فتكون "الكاف" هي المدخلة في الكلام توكيدًا١ وهذا وجه قوي حسن وهو الأظهر٢. وقد اتفق أهل السنة على أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله٣. ٢- وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ : قال ابن جرير الطبري في تفسيرها: "فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل ولا شبه"٤. وقال ابن كثير: "أي لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالاً"٥. ٣- وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ . ٤- وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . (فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.

стр. 74

ولما كانت صفات الرب أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) ١. ٥- وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ : روي عن ابن عباس في تفسيرها قوله: هل تعلم للرب مثلاً أو شبيهاً٢. وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم٣. ٦- وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ : فالأحد يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير. ٧- وكذا قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فالوحدانية تقتضي الكمال، والشركة تقتضي النقص٤. ثانيًا: دلالة العقل على بطلان. شبيه صفات الخالق بصفات المخلوقين: ا- القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شي لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات،

стр. 75

فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات١. فقد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به كما هو ظاهر من صفات المخلوقين المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلاً غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكهما في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينهما وبين الخالق أجلى وأقوى٢. وبهذا نعلم أن الله لا مثل له، ولا تضرب له الأمثال، التي فيها مماثلة لخلقه، بل له المثل الأعلى. ٢- أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا٣. ٣- (إذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق، مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسم) ٤. (فإن الله أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلاً وخمرًا وماءً ولحمًا وفاكهةً وحريرًا وذهبًا وفضةً وحورًا وقصورًا. وقد قال ابن عباس ﵄: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء".

стр. 76

فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بين واضح١. ثالثًا: الاتفاق في الاسم لا يلزم منه تماثل المسمى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الله سمى نفسه وصفاته بأسماء وسمى بها بعض المخلوقات. فسمى نفسه حيًّا عليمًا سميعًا بصيرًا عزيزًا جبارًا متكبرًا ملكًا رؤوفًا رحيمًا. وسمَّى بعض عباده عليمًا، وبعضهم حليمًا، وبعضهم رؤوفًا رحيمًا، وبعضهم سميعًا بصيرًا، وبعضهم ملكًا، وبعضهم عزيزًا، وبعضهم جبارًا متكبرًا. ومعلوم أنه ليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، ولا السميع كالسميع، وهكذا في سائر أسماء الله. قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ٢. وقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ٣.

стр. 77

وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ ١، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ٢. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣. وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤. وقال. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ٦. وكذلك سائر ما ذكر، لكن الإنسان يعتبر بما عرفه على ما لم يعرفه، ولولا ذلك لانسدت عليه طرق المعارف للأمور الغائبة، فإن الإنسان يعلم أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير، فإنه لولا تصوره لهذه المعاني من نفسه ونظره إليها لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة، فقد قال ابن عباس ﵄: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء"، فإن هذه الحقائق التي أخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع ما يمتنع عليها، ويكون مادتها مادتها ويستحيل استحالتها، فإنا نعلم

стр. 78

أن ماء الجنة لا يفسد ولا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله، فإن ماءها ليس نابعًا من تراب ولا نازلاً من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقًا من أنعام كما في الدنيا وأمثال ذلك. فإذا كان المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم وبينهما قدر مشترك وتشابه فعلم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة. فالخالق ﷻ أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا، فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير لم يلزم أن يكون مماثلاً لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق، وكل واحد من صغار الحيوان له حياة وقوة وعمل وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئًا من المخلوقين"١. رابعًا: توضيح المسألة من جهة اللغة ثم الشرع: يشكل على البعض كون الله سمى نفسه بصفات وسمى عباده بنظير ذلك، فيتردد عند ذلك هل يثبت تلك الصفات لله حقيقة أم لا؟. فمن أجل توضيح هذه المسألة أقول: اعلم وفقك الله أن الألفاظ منها: ا- ما هو مترادف: هو ما اختلف لفظه واتحد معناه. مثال ذلك: الليث- الأسد- أسامة- الغضنفر. هذه ألفاظ مختلفة والمسمى بها واحد، فتسمى الألفاظ المترادفة. ٢- ما هو مشترك: وهو ما اتحد لفظه واختلف معناه. مثال ذلك: لفظ: " العين ":

стр. 79

فهي تطلق على العين الباصرة- والعين الجارية- والجاسوس- والحسد. فاللفظ واحد والمعاني مختلفة، وهذه تسمى الألفاظ المشتركة. ٣- ما هو متباين: وهو ما اختلف لفظه ومعناه: مثال ذلك: السماء والأرض- والجنة والنار. فلكل لفظ من هذه الألفاظ معنى يختلف عن الآخر، فهذه تسمى الألفاظ المتباينة. ٤- ما هو متواطيء: وهو ما اتفق لفظه ومعناه، وهو نوعان: الأول: التواطؤ المطلق: وذلك إذا كان المعنى متساويًا في الجميع. مثاله: لفظ "الرجل" يقال: زيد رجل وعمر رجل، فالمعنى متساو في الجميع. الثاني: التواطؤ المشكِّك: وذلك إذا كان المعنى متفاوتا متفاضلاً، وسمي بالمشكك لتشكك السامع هل هذا اللفظ من قبيل المتواطيء أم من المشترك؟. مثاله: لفظ " النور" فيقال: نور الشمس ونور السراج، فالمعنى في الاثنين واحد، ولكن هناك تفاوت وتفاضل، فشتان بين نور الشمس ونور السراج١. فالأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشكك، فالحق فيها هو أن يقال إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.

стр. 80

ولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله. وللعبد منها ما يليق به. وذلك لأن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات: الاعتبار الأول: اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد. الاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًّا به. الاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد كل مقيدًا به. فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به. وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات. والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات. والعليم والقدير وسائر الأسماء. فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل يثبت له على وجه لايماثله فيه خلقه ولا يشابههم. فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله، ومن أثبته على وجه لا يماثل فيه خلقه به، كما يليق بجلاله وعظمته فقد بريء من فرث التشبيه ودم التعطيل، وهذا طريق أهل السنة. وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم علوَّه من

стр. 81

احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولاً به، مفتقرًا إليه، محاطا به، كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎. وما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق. فإذا أحطت بهذه القاعدة خبرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: ا-آفة التعطيل ٢٠- وآفة التشبيه. فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب) ١. ومن كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع قوله: "سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره". وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت من الإضافة والتخصيص.

стр. 82

ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده -عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص- اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. فقد سمى الله نفسه حيًّا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ١. وسمى بعض عباده حيًّا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ ٢. وليس هذا الحي مثل هذا الحي. لأن قوله: "الحي" اسم لله مختص به. وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به. وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين. وعند الاختصاص: يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق. ولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته. يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق. وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه . وكذلك سمى الله نفسه: ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ وسمى بعض عباده حليمًا ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ، يعني إسماعيل، وسمى آخر عليمًا، فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحاق، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.

стр. 83

وسمى نفسه سميعًا بصيرًا ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإَنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير ... ". (وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ١، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٢، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٣، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ ٤، وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٥، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٦، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٧، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَة﴾ ٨، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ ٩، وليس العليم كالعلم ولا القوة كالقوة. ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش. ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى

стр. 84

ظُهُورِه﴾ ١، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ٣، وليس الاستواء كالاستواء. ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ٤. ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ٥، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم، ونظائر هذا كثيرة. فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ماثلته لخلقه. فمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى- كان معطلاً جاحداً ممثلاً له بالمعدومات والجمادات. ومن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي- كان مشبهاً ممثلاً لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل) خامساً: فصل ما بين معتقد أهل السنة في هذا الأساس ومعتقد أهل التعطيل وأهل التمثيل: قال شارح الطحاوية: " اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في

стр. 85

ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ولكن لفظ "التشبيه" قد صار في كلام الناس لفظًا مجملاً يراد به: ا- المعنى الصحيح: من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، وهذا ما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة المشبهة. فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوقين فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم. ٢- المعنى المردود: أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات ولازم هذا القول إنه لا يقال له: حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك١. وأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًّا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًّا. وهذه الأسماء إذا سُمي الله بها كان مسمَّاها معينا مختصا به. فإذا سُمي بها العبد كان مسماها مختصًّا به. فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟ وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق

стр. 86

فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفى المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه١. الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بصفاته: وتوضيح هذا الأساس يتم بما يلي: أولاً: إن الله لم يطلع الخلق على ذاته ولم يكلفهم معرفة ذاته. لم يشأ الله أن يجعل للعباد من سبيل إلى معرفة كيفية وكنه صفاته، فقد سد سبحانه الطرق الموصلة إلى ذلك، فهو من جهة لم يطلع الخلق على ذاته، فهذا باب موصود إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث: "تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". ومن جهة ثانية لم يخبرنا الله بكيفية وكنه صفاته في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، فما وردت به النصوص إنما هو إثبات وجود لتلك الصفات لا إثبات كيفية. ومن جهة ثالثة فإن الله لم يكلف العباد معرفة كيفية صفاته، ولم يتعبدهم بذلك ولا أراده منهم، بل قصرهم على الإيمان بما أخبرهم به، فالواجب عليهم أن يؤمنوا الإيمان الصحيح بما كلفوا به، وأن لا يتجاوزوا حدود ذلك. وقد ورد النص في وجوب قطع الطمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله، فإدراك ذلك مستحيل، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ

стр. 87

بِهِ عِلْماً﴾ ١ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا ما نص عليه في هذه الآية من سورة طه، فقوله: ﴿يُحِيطُونَ بِهِ﴾ فعل مضارع منفي، والفعل الصناعي الذي يسمى (بالفعل المضارع، وفعل الأمر، والفعل الماضي) ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيحيطون في مفهومها (الإحاطة) فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فيكون معه كالنكرة المبنية على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض، فينفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة منفية (للخلق) عن رب العالمين"٢. ثانيًا: قصور العقل عن معرفة كيفية صفات الله. إن على العقل أن ييأس من تعرف كنه الصفات وكيفياتها لعجزه عن معرفة ذلك، لأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله، فوجب بطلان تكييفها. وعلم الإنسان محدود كما أخبر الله بذلك، حيث قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ٤.

стр. 88

وإذا كانت نفس الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه بل هي هويته، لا يعرف الإنسان كيفيتها ولا يحيط علمًا بحقيقتها، فالخالق ﷻ أولى أن لا يعلم العبد كيفيته ولا يحيط علمًا بحقيقته١. وقد أدب الله عباده المؤمنين ووجههم بأن لا يخوضوا في أمور لا علم لهم بها، فقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ، لأنه تعالى أخبرنا عنها، ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا، في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولاً بما لا يمكننا الإحاطة به، ومخالفة لما نهانا الله وحذرنا منه، وحرمه علينا. فيجب الكف عن التكييف تقديرًا بالجنان أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان، لأن أية كيفية تقدرها الأذهان فالله أعظم وأجل من ذلك، ثم هي في الوقت ذاته ستكون كذبًا، لأنه لا علم لقائلها بذلك٤. ولهذا نقل أصحاب المقالات عن بعض المشبهة -الذين خاضوا في كيفية صفات الله- أنه قال في

стр. 89

ربه في عام واحد خمسة أقاويل١، وصدق الله إذ قال في كتابه العزيز: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ٢. فعلى المسلم أن يحذر من التكييف أو محاولته، فإن من فعل ذلك فقد وقع في مفاوز لا يستطيع الخلاص منها، فالخوض في ذلك هو مما يلقيه الشيطان في القلوب، وهو نزغة من نزغاته، فلذلك يجب على المؤمن أن يلجأ إلى ربه ويستعيذ به من نزغات الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣. ثالثاً: معنى قول السلف: "بلا كيف". إن معنى قول السلف "بلا كيف" أي بلا كيف يعقله البشر، فليس المراد من قولهم "بلا كيف" هو نفي الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد هو نفي العلم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه٤، فهذا مما استأثر الله بعلمه فلا سبيل إلى الوصول إليه، فكما أن ذات الله لا يمكن للبشر معرفة كيفيتها، فكذلك صفاته سبحانه لا نعلم كيفيتها. ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ فقيل له: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ كيف استوى؟ قال ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم قال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه من مجلسه.

стр. 90

وقد روى عن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن قوله: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" أي لا تعقله العقول ولا تحيط به. وهذا يقال في سائر الصفات، وقد مشى أهل العلم على هذا الميزان واعتبروا ذلك قاعدة من قواعد الصفات. فقول الإمام مالك (الاستواء معلوم) : أي معلوم المعنى في لغة العرب، فاستوى هنا عديت بعلى فهي هنا بمعنى علا وارتفع، وهكذا الأمر في سائر نصوص الصفات، فإن معانيها معروفة في لغة العرب، وليست مجهولة. (والكيف مجهول) : أي مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستوٍ على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ، لأنه مما استأثر الله بعلمه. (والإيمان به واجب) : أي الإيمان باستواء الله على عرشه حقيقة واجب لوروده في النصوص الشرعية. (والسؤال عنه بدعة) : أي السؤال عن كيفية الاستواء، لأن السائل قال: كيف استوى؟ رابعًا: عدم معرفة الكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات ومعرفة معانيها. إن عدم العلم بكيفية صفات الله لا يقدح في الإيمان بتلك الصفات ومعرفة معانيها، لأن الكيفية وراء ذلك، فالسلف يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ويفهمون معاني تلك الصفات، ويفسرونها، فإذا أثبتوا لله السمع والبصر أثبتوهما حقيقية وفهموا معناهما، وهكذا سائر الصفات يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله

стр. 91

سبحانه لم يكلف العباد ذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلاً. وكثير من المخلوقات لم يجعل الله للعباد سبيلاً إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فهذه أرواح الخلائق التي هي أدنى إليهم من كل دان قد حجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته كما قال ابن عباس: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء". فكذا الأسماء والصفات لا يمنع انتفاء نظيرها في الدنيا من فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها١. فإيماننا صحيح بحق ما كلفنا به، وإن لم نعرف حقيقة ماهيته وكيفيته، والله أعلم. وهذه الأسس الثلاثة يجب الأخذ بها جميعًا، ولا يجوز الإخلال بشيء منها، فهذا ما كان عليه معتقد السلف من هذه الأمة ومن سار على نهجهم. وهم بهذا توسطوا في هذا الباب بين طائفتين ضلتا في هذا الباب هما: ا- المعطلة ٢٠- المشبهة. فمعتقد السلف هو الإثبات بلا تشبيه، والتنزيه بلا تعطيل، فهم لا ينفون عن الله ما سمى أو وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسمائه وآياته كما فعل المعطلة. كما أنهم لا يشبهون صفات الله بصفات خلقه كما فعل المشبهة.

стр. 92

الخاتمة دين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين. فدين الإسلام وسط بين الأطراف المتجاذبة، فالمسلمون وسط بين أهل الملل. فهم وسط في التوحيد بين اليهود والنصارى: فاليهود تصف الرب تعالى بصفات النقص التي يختص بها المخلوق ويشبهون الخالق بالمخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، ولعنوا بما قالوا. وهو سبحانه الجواد الذي لا يبخل، والغني الذي لا يحتاج إلى غيره، والقادر الذي لا يمسه لغوب. والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة. وقالوا: المسيح ابن الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عمَّا يشركون. فالمسلمون وحدوا الله ووصفوه بصفات الكمال، ونزهوه عن جميع

стр. 93

صفات النقص، ونزهوه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات، فهو موصوف بصفات الكمال لا بصفات النقص، وليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وكذلك هم وسط في النبوَّات. فاليهود تقتل بعض الأنبياء، وتستكبر عن اتِّباعهم، وتكذبهم وتتهمهم بالكبائر. والنصارى يجعلون من ليس بنبي ولا رسول نبيًّا ورسولاً، كما يقولون في الحواريين: إنهم رسل، بل يطيعون أحبارهم ورهبانهم كما تطاع الأنبياء. فالنصارى تصدق بالباطل واليهود تكذب بالحق. فاليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون. وأما الشرائع: فاليهود منعوا الخالق أن يبعث رسولاً بغير شريعة الرسول الأول، وقالوا: لا يجوز أن ينسخ ما شرعه. والنصارى: جوزوا لأحبارهم أن يغيروا من الشرائع ما أرسل الله به رسوله. فاليهود عجَّزوا الخالق، ومنعوه ما تقتضيه قدرته في النبوَّات والشرائع. والنصارى جوَّزوا للمخلوق أن يغير ما شرعه الخالق، فضاهوا المخلوق بالخالق. وكذلك في العبادات: فاليهود معرضون عن العبادات حتى في يوم السبت الذي أمرهم الله أن يتفرغوا فيه لعبادته، إنما يشتغلون فيه بالشهوات.

стр. 94

والنصارى يعبدونه ببدع ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان. فاليهود مستكبرون عن عبادته، والنصارى مشركون به. والمسلمون عبدوا الله وحده بما شرع، ونم يعبدوه بالبدع. وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به جميع النبيين، وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره، وهو الحنيفية دين إبراهيم، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر. وكذلك في أمر الحلال والحرام: في الطعام واللباس وما يدخل في ذلك من النجاسات. فاليهود حرمت عليهم طيبات ما أحل لهم، فهم يحرِّمون من الطيبات ما هو منفعة للعباد، ويجتنبون الأمور الطاهرات مع النجاسات، فالمرأة الحائض لا يأكلون معها ولا يجالسونها فهم في آصار وأغلال عذبوا بها. والنصارى لا تحرِّم ما حرَّمه الله ورسوله، ويستحلُّون الخبائث المحرمة كالميتة والدم ولحم الخنزير، حتى إنهم يتعبدون بالنجاسات كالبول والغائط ولا يغتسلون من جنابة، ولا يتطهرون للصلاة، وكلَّما كان الرَّاهب عندهم أبعد عن الطهارة، وأكثر ملابسة للنجاسة، كان معظمًا عندهم١. كذلك أهل السنة في الإسلام متوسطون في جميع الأمور، فإن أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل. وقد توسط أهل السنة في كثير من مسائل الاعتقاد، منها ما يلي:

стр. 95

فأبطلوا ما أثبته الله ورسوله. والمشبهة الذين خرجوا بها إلى ضرب من التشبيه والتكييف. ٢- في أفعال الله "القدر": فإن مذهب السلف هو أنهم أثبتوا لله فعلاً ومشيئة وأثبتوا للعبد فعلاً ومشيئة داخلة تحت مشيئة الله وقدرته، فتوسطوا بذلك بين الجبرية الذين أنكروا قدرة العبد ومشيئته والقدرية الذين أنكروا قدرة الله في أفعال العباد. ٣- في الإيمان: فإن مذهب السلف هو أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص، فتوسطوا بذلك بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه. ٤- في وعيد الله "أي مرتكب الكبيرة": فإن مذهب السلف هو أن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، وهو مستحق للوعيد ولكنه تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه على قدر ذنبه ثم يخرجه من النار، وإن شاء غفر له وأدخله الجنة. فهم بذلك توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة) ، فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين منزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار. ٥- في أصحاب رسول الله ﷺ : فإن مذهب السلف هو الاعتراف بفضل الصحابة جميعًا ﵃ وأرضاهم، وأنهم أكمل هذه الأمة إيمانًا وإسلامًا وعلمًا وحكمة، وأنهم عدول بتعديل الله لهم، ولكنهم لم يغلوا فيهم ولم يعتقدوا عصمتهم، بل قاموا بحقوقهم وأحبوهم لعظيم سابقتهم وحسن

стр. 96

بلائهم في نصرة الإسلام وجهادهم مع رسول الله ﷺ ، فهم بذلك توسطوا بين الرافضة والخوارج. فالرافضة -قبحهم الله- يسبون الصحابة ويلعنوهم وربَّما كفروهم أو كفروا بعضهم، والغالية منهم مع سبهم لكثير من الصحابة والخلفاء يغلون في علي ﵁ وأولاده ويعتقدون فيهم الإلهية. والخوارج قابلوا هؤلاء الروافض فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة وقاتلوهم واستحلُّوا دماءهم وأموالهم. والمقصود أن أهل الستة هم أعرف الناس بالحق، ولذلك فإن كل طائفة سوى أهل السنة والحديث المتبعين آثار رسول الله ﷺ ، لا ينفردون عن طائفة أهل السنة إلا بقول فاسد، ولا ينفردون بقول صحيح، وكل من كان عن السنة أبعد، كان انفراده بالأقوال والأفعال الباطلة أكثر. فالسعيد من لزم السنة، والله الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.

стр. 97

مصادر ومراجع ... ثبت المراجع ا- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن قيم الجوزية، الناشر مكتبة ابن تيمية بالقاهرة. ٢- الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت. ٣- بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت. ٤- البدع والنهي عنها، محمد بن وضاح القرطبي، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت. ٥- بيان فضل علم السلف على الخلف، لابن رجب الحنبلي، بتحقيق محمد ابن ناصر العجمي، الناشر الدار السلفية. ٦- تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن، إسماعيل بن إبراهيم الخطيب (ضمن الرسائل المنيرية) الناشر المكتبة المنيرية. ٧- التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية، فالح بن مهدي آل مهدي، ط: الجامعة الإسلامية. ٨- تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) ، محمد بن جرير الطبري، الناشر مكتبة الحلبي. ط الثالثة. ٩- تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) ، الناشر دار المعرفة. ١٠- تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ، الناشر دار إحياء التراث.

стр. 98

١١- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، ط الجامعة الإسلامية. ١٢- التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، الناشر مكتبة دار الأقصى. ١٣- جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، الناشر دار الكتب العلمية. ١٤- الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن قيم الجوزية، الناشر: دار الكتب العلمية. ١٥- الحجة في بيان المحجة، محمد بن إسماعيل الأصبهاني، بتحقيق د. محمد ابن ربيع مدخلي، الناشر دار الراية. ١٦- درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتحقيق محمد رشاد سالم، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ١٧- الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتحقيق محمد السعوي، ط: شركة العبيكان. ١٨- رسالة في العقل والروح لشيخ الإسلام ابن تيمية (ضمن الرسائل المنيرية) ط: المطبعة المنيرية. ١٩- سنن أبي داود، الناشر دار الحديث. ٢٠- سنن الترمذي، الناشر دار إحياء التراث. ٢١- سنن الدارمي، الناشر دار الكتب العلمية. ٢٢- سنن ابن ماجه، بتحقيق محمد مصطفى الأعظمي، ط: شركة الطباعة العربية بالرياض. ٢٣- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي، بتحقيق د. أحمد ابن سعد الغامدي، الناشر دار طيبة.

стр. 99

٢٤- شرح العقيدة الطحاوية، الناشر المكتب الإسلامي. ٢٥- شرح العقيدة الواسطية، لمحمد خليل هراس، ط: مؤسسة مكة للطباعة. ٢٦- شرح العقيدة الواسطية، د. صالح الفوزان، الناشر مكتبة المعارف بالرياض. ٢٧- الشريعة، محمد بن الحسين الآجري، الناشر حديث أكاديمي، بباكستان. ٢٨- صحيح البخاري مع فتح الباري لابن حجر، الناشر دار الفكر. ٢٩- صحيح مسلم، ط: دار المعرفة. ٣٠- الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية، بتحقيق د. علي محمد الدخيل الله، الناشر دار العاصمة. ٣١- الصواعق المنزلة، لابن قيم الجوزية، بتحقيق د. علي ناصر فقيهي، د. أحمد بن عطية الغامدي، ط: الجامعة الإسلامية. ٣٢- صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للسيوطي، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت. ٣٣- الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: المطبعة السلفية، ط: دار فجر للتراث. ٣٤- القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين، الناشر مكتبة الكوثر. ٣٥- الكواشف الجلية عن معاني الواسطية، الشيخ عبد العزيز محمد السلمان، ط: مطابع المجد.

стр. 100

٣٦- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد. ٣٧- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، الناشر دار الفكر. ٣٨- مدارج السالكين لابن قيم الجوزية، الناشر دار الفكر. ٣٩- المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، بتحقيق د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، الناشر دار الخلفاء. ٤٠- المستصفى لأبي حامد الغزالي، الناشر دار المعرفة. ٤١- مسند الإمام أحمد بن حنبل، الناشر دار صادر. ٤٢- معارج القبول، حافظ بن حمد حكمي، الناشر المطبعة السلفية. ٤٣- معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، بتحقيق عبد السلام هارون، الناشر مكتبة مصطفى الحلبي. ٤٤- مفتاح دار السعادة لابن قيم الجوزية، الناشر دار الكتب العلمية. ٤٥- مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، الناشر دار إحياء التراث العربي. ٤٦- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود. ٤٧- منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ط: الجامعة الإسلامية. ٤٨- وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق، جمال أحمد بادي، الناشر دار الوطن للنشر.

стр. 101

٤٩-وسطية أهل السنة بين الفرق، د. محمد باكريم، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (مطبوعة على الآلة الكاتبة) .