← Общие книги

Общие книги · id 11752

الإسلام وحقوق الإنسان في ضوء المتغيرات العالمية

كمال الدين جعيط

Полный текст (44 стр.). Показаны 36–44 · переход к 41.

стр. 36

خلاصة البحث: ١ - تمهيد: شرع الإسلام من المبادئ، وسنَّ من القيم، ما يكفل الحقوق الكاملة التي توجبها الحياة الإنسانية وتفرضها الكرامة البشرية على هذه الأرض, ولم تحظ هذه الحقوق في أية شريعة من الشرائع السماوية أو النظم الأرضية بمثل ما حظيت به في شريعة الإسلام, فقد ارتقت بها بأن جعلتها من الواجبات الدينية المتحتمة التي يحرم الإخلال بها أو الاعتداء عليها, قال سبحانه في محكم تنزيله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]. إن ما يبدو في العصر الحديث، أنه اهتمام واسع شامل لقضايا حقوق الإنسان، تناولته أنظار الفلاسفة والمفكرين والسياسيين منذ القرن السابع عشر الميلادي، وحبَّرت في شأنه المواثيق والعهود، قد بقي في حقيقة الأمر منحصرًا طيّ القوانين والدساتير, واكتفي بالتعبير عنه في شكل مبادئ عامة وقواعد مجملة. ولم تتدرج العناية به إلى المستوى الدولي، إلّا بعد تأسيس منظمة الأمم المتحدة، وصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. هذا, وإن الصراع القائم اليوم، بين أنصار العولمة وما تحمله في نظرهم من بشائر الانفتاح وتداخل المصالح بين الشعوب, وتحسين أنماط عيشها، وبين أنصار المحافظة والتشبث بالنظام القديم، يجعل إشكالية حقوق الإنسان تأخذ منعطفًا جديدًا وخطيرًا في الوقت نفسه، وتطرح على الشعوب تساؤلاتٍ مصيرية، أهمها: ١ - مدى قدرة الثقافات المحلية على الصمود والثبات أمام التيار القوي للعولمة. ٢ - كيف السبيل إلى المحافظة على الخصوصيات التاريخية والثقافية لشعوب العالم، في عالمٍ يسير نحو الاندماج عَبْرَ التكتلات الاقتصادية والسياسية؟

стр. 37

٢ - حقوق الإنسان في الإسلام: ١ - الحقوق الأساسية: لا شكَّ أن التربية النفسية والعقلية والسلوكية السليمة الصحيحة، شرط ضروري ولازم لتهيئة التربة الصالحة التي نريد أن نبذر فيها بذور الحق والواجب، حتى ينشأ في الأجيال المتعاقبة الوعي الكامل بمستلزمات الحياة البشرية؛ من حرية وكرامة ومساواة وعدالة. ولقد كانت الفترة المكية زمن البعثة، والتي تواصلت زهاء ثلاث عشرة سنة، قبل هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة، موجَّهَةً توجيهًا كليًّا إلى التربية العقدية, والتأصيل الإيماني, والتهذيب النفسي والعقلي والأخلاقي، وفق أسلوب من التدرج يراعي الخاصيات التي تتطلبها كل مرحلة من مراحل الدعوة إلى الدين الجديد, ثم تلت هذه الفترة الهامة، مرحلة التشريع للمجتمع الجديد الناشئ, وفق ضوابط أخلاقية وسلوكية، ميزتها الشمولية لكلِّ جوانب الحياة الفردية والجماعية، وقاعدتها المساوة بين كل الناس, دون التفرقة بينهم لدواعي جنسية أو عرقية أو لغوية، وميزانها العدل في ترتيب الحقوق والواجبات على حسب ما تحتمله الطاقة البشرية من غير إسراف ولا تقصير. ومن الحقوق الإنسانية الأساسية التي أحاطها الإسلام بسياج الحرمة والقداسة: أ- حق الحياة: وهو من أقدس الحقوق البشرية على الإطلاق، وأولاها بالإثبات والحماية، بدليل أن الشرائع السماوية أجمعت على إقرار هذا الحق الأصلي، واعتباره من أوكد الكليات الخمس الواجب حفظها ومراعاتها. والإسلام حرَّم تحريمًا مشددًا قتل النفس البشرية بغير حقٍّ، وسدَّ كل أبواب الذرائع المؤدية إلى إتلافها وإهلاكها،

стр. 38

بإهمالها أو إيلامها أو تعذيبها أو تعريضها إلى الخطر بأيّ شكل من الأشكال؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]. ويستتبع الإقرار بمبدأ حق الحياة، تثبيت مجموعة من الحقوق المتفرعة اللازمة، بقصد إحاطة هذا الحق الأصليّ بمجموعة من الضمانات الحمائية، اقتضتها ظروف تطور الحياة في مختلف جوانبها، وتعدد المخاطر المحيطة بها, ومن بينها: - حق الضمان الاجتماعي في توفير الأسباب الدنيا لحياة بشرية كريمة، وتأمين وسائل العيش، ومنها: حق الشغل. - حق الرعاية الصحية، بتوفير وسائل الوقاية والعلاج من الأمراض المهددة للصحة البشرية. - حق التغطية الاجتماعية، وكفالة مختلف الأصناف والشرائح المحتاجة إلى الدعم الاجتماعي، سواء بتوفير الأطر والهياكل لرعاية الأيتام والشيوخ العجَّز وفاقدي السند؛ ذوي الإعاقات الذهنية والبدنية، أو بتقديم المساعدات والمنح المادية والعينية لتخفيف وطأة الحياة عنهم. - حق توفير المرافق الدينية والثقافية والترفيهية وسائر الأنشطة التي تستجيب لحاجيات الإنسان الروحية والنفسية والجسدية؛ كالمساجد والجوامع والمدارس والمكتبات والفضاءات الرياضية والترفيهية. ب- حق الحرية: إن الحرية هي التعبير الطبيعي عن نزوع الذات البشرية إلى الانعتاق من كل المقيدات والمكبلات التي تحول دون تحقيق ذاته وتنمية طاقاته العقلية والنفسية والوجدانية, وهي تكتسب من القدسية والحرمة ما يجعلها قرينة التكليف والمسئولية في الدساتير والشرائع السماوية؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].

стр. 39

والحرية تتفرع إلى ضروبٍ وأنواع متعددة، تشمل كل جوانب الحياة البشرية الروحية والعقلية والمادية، ولا تستثني أيَّ حقٍّ من الحقوق المترتبة عليها، إلّا ما تستوجيه شروط ولوازم الحياة الجماعية في حال التعارض بين الحق الفرديّ وحق المجموعة عليه. - حرية التديُّن: وهو حق الإنسان في أن يختار دينه وعقيدته من غير إكراهٍ ولا إجبار، لاعتبارٍ أساسي؛ هو حاجة الإنسان الماسة إلى تلبية حاجياته النفسية الوجدانية؛ لأن أصل كل حرية ينطلق من داخل النفس البشرية، فإذا ما تَمَّ لها ذلك, توجهت إلى العالم الخارجي في قوةٍ وتوازنٍ لتحقق ذاتها وفعلها الحضاري. - حرية التعبير: وهي الحق في أن يعلن الإنسان عن جملة أفكاره وقناعاته التي يعتقد فيها الصواب والصلاح له ولغيره, وهو حقٌّ ينتج عن عضوية الإنسان داخل المجتمع الإنسانيّ باعتباره جزءًا منه، ومسئولًا مكلفًا مدعوًّا إلى الإسهام فيه برأيه وفعله، إثراءً للتجربة الإنسانية, وتحصينًا لها من العثرات والنواقص. جـ- حق المساواة: دعا إلى المساواة بين بني البشر, وإلغاء صنوف التمييز من منطلق وحدة الأصل البشري الذي يعود إلى آدم ﵇، فقال ﵊: "كلكم من آدم وآدم من تراب" ١، وقال أيضًا: "والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ٢. وقد جاءت التشريعات الإسلامية معتبرة لهذا الحق الأصليّ في المساواة بين جميع الناس أمام القانون، لا مجال للحظوة الخاصة, ولا لدواعي القربى، ولا للعصبية العرقية أو الدينية.

стр. 40

٢ - الحقوق الاجتماعية: أ- حقوق المرأة: - حق المساواة: وهو حق أصلي مقدَّسٌ، تنتفي معه كل الفوارق المصطنعة وأشكال الَمَيْزِ الوهميّ بين الجنسين، ومنطلق الإسلام في ذلك وحدة الأصل المعبِّرة عن وحدة الجوهر الإنساني، ولا يكون من معنًى حينئذ، لتنوع الجنس بين الذكر والأنثى إلّا لضرورة الطبيعية البشرية المقتضية لتواصل النوع؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٣، ٤]، وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. إن تعليم البنت وإنارة عقلها وقلبها، أمرٌ لازمٌ حتى تنشأ على الوعي السليم الصحيح بوجودها ودورها, وما هي مؤهلة له طبيعيًّا واجتماعيًّا للقيام به داخل الأسرة والمجتمع, وبقدر ما يتنامى هذا الوعي وتتطور المهارات المكتسبة، تكبر المسئولية ويعظم الدور المنوط بعهدة المرأة؛ كشريكٍ فاعلٍ وعضوٍ في عملية التنمية الشاملة على كلِّ المستويات الاقتصادية والاجتماعية والحضارية, ولقد برزت المرأة في مراحل التعليم المختلفة بقدرات جد محترمة، وأثبتت جدارتها بأرقى الشهادات العلمية في مختلف الاختصاصات التي كانت إلى وقتٍ غير متأخر معدودة ضمن مشمولات الرجل وقصرًا عليه. - حق العمل: إن المرأة غير مستثناةٍ من هذه القاعدة الحقوقية الهامة لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وقال أيضًا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. ولقد أثبتت المرأة، عندما فُسِّحَ لها باب العمل, واقتحمت مجاله بكل جرأة واقتدار، أنها لا تقل قيمةً ولا جدارةً ولا إمكانياتٍ، بل استطاعت بما أودعه

стр. 41

البارئ سبحانه فيها من سجايا الصبر وطول الأناة والموهبة العقلية، مستعينةً في ذلك بإحساسها الإنساني الفطري العميق، أن تنجح وتبرز، وتنافس وتتألق في مجالات عدة، جنبًا إلى جنبٍ مع شقيقها الرجل. - حق المشاركة السياسية: اعتبر الإسلام المسئولية في كل أبعادها سواء منها الاجتماعية أو السياسية، مشتركة بين الجنسين الرجل والمرأة، كلٌّ فيما هو موكول له ومؤهل إليه، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، ولقوله ﷺ : "الرجل راعٍ في أهله بيته, وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها, وهي مسئولية عن رعيتها ... ألا كلكم راعٍ, وكلكم مسئول عن رعيته" ١. ب- حقوق الطفل: - الحق في الرعاية الحسنة والتنشئة الصالحة: إن الطفل، منذ لحظة تكوّنه جنينًا في بطن أمه، فولادته، إلى أن يشبَّ ويشتدَّ عوده, ويغدو قادرًا على القيام بنفسه، هو أمانةٌ بين يدي أبويه, أو من هو في كفالته, وفي كلِّ هذه المراحل وضع الإسلام من التشريعات والقواعد ما يحقق الرعاية الكاملة التامة بما يضمن التنشئة الروحية والجسدية المتوازنة التي تُعِدُّهُ ليكون رجلًا صالحًا لأمته ووطنه. - الحق في التعليم: إن التعليم يُعَدُّ من الحقوق الأساسية التي لا غنى عنها في كل عصر ومصر، والغرض منه تربية الإنسان منذ بواكير عمره، في ملكاته النفسية والذهنية، وتنمية مداركه العقلية، وتهذيب مواهبه الفطرية وميولاته الطبيعية، معاضدةً لدور الأسرة والمجتمع في إعداد أجيال المستقبل، وتأهيلهم نفسيًّا وعقليًّا للاضطلاع بالمسئوليات التي ستوكل إليهم.

стр. 42

ولقد اختارت عديد من الدول في العالم اليوم، أن يكون التعليم إجباريًّا، غايتها في ذلك القضاء على الأمية، التي كانت لعهد غير بعيد، مستحلفة في عديد الأوساط والشرائح الاجتماعية، مما يعوق قدرة الشعوب على بلوغ أهدافها في التنمية والتقدم.

стр. 43

٣ - الحق في محيط نظيفٍ وبيئة طبيعية سليمة: إن واجب الاستخلاف والإعمار في الأرض، كما أراده الله لآدم وذريته من بعده، يقتضي فيما يقتضي، المحافظة على وسائل الحياة فيها، وعدم السعي فيها بالإفساد؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَْ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]. إن صيحات الفزع المتوالية، التي نسمع صداها المتكرر هذه الأيام، والصادرة عن الهيئات والجميعات المهتمة بالبيئة، وتلك المعبَّر عنها بالجمعيات "الخضر", تحوّلت إلى همٍّ سياسيٍّ, وانشغال أممي، عبّرت عنه المؤتمرات والندوات الدولية، وأشهرها الندوة الأممية حول البيئة والتنمية التي انعقدت بريو دي جنيرو١. وهذه الندوات تصب كلها في مجموعة من الاهتمامات، التي تراها كفيلة بتعديل السلوك البيئي لدى الإنسان، بما يعيد التوازنات الأيكولوجية، وذلك بعمل طويل المدى, يستهدف التحسيس والتوعية بكل الوسائل الممكنة، من أجل محيطٍ نظيفٍ وبيئةٍ طبيعية سليمة لنا ولأجيالنا القادمة.

стр. 44

٤ - خاتمة: أعبِّرُ عن أملي في أن تنتهي أشغال دورتنا هذه، إلى قرارات تستجيب لحاجات شعوبنا العربية والإسلامية، في أن يكون لها ميثاقها وإعلانها، المعتبر لخصوصياتها العقدية والثقافية والحضارية، دون أن يكون ذلك انزواء عما يشهده العالم اليوم من تطورات، ودون أن يؤدي إلى انطواء على الذات، أو اصطدام بين الحضارات الإنسانية. إن رسالة الإسلام، بتوجهها إلى الناس كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، أفرادًا وشعوبًا وأممًا، قد استجابت ولا زالت إلى نداء الفطرة الإنسانية، وإلى صوت السلام المختلج في أعماق الإنسان أينما كان, وما مجموع الحقوق التي شرعها ديننا إلّا ضرورات لا غنى للبشرية عنها؛ لأنها تمثِّلُ التكريم الإلهي للإنسان، الذي أسجد له الله ملائكته الكرام: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة: ٣٤]. صدق الله العظيم.