← Общие книги

Общие книги · id 11753

حقوق الإنسان والقضايا الكبرى

كامل الشريف

Полный текст (43 стр.). Показаны 36–43 · переход к 41.

стр. 36

هي جمهورية سلوفينيا ثم أوكرانيا في عام ١٩٩١م, ورغم اعتراض الصرب إلا أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية بادرت للاعتراف بالكيانات الجديدة، لكن هذه الدول ترددت لفترة طويلة في الاعتراف بجمهورية البوسنة والهرسك حين أعلنت استقلالها؛ مما شجع الصرب وأعطاهم نوعا من الاطمئنان للبدء بجرائمهم. وإلى جانب تحريك العواطف العدائية التاريخية ضد المسلمين، فقد كانت هناك الاعتبارات الإستراتيجية، فقد كشفت الصحف البريطانية أن بريطانيا لم ترد إضعاف الصرب؛ لأن خطتها كانت إيجاد كيانات قوية حول ألمانيا لمواجهة "طفل أوروبا المرعب" حين يبدأ التحرك! وأمام هذه الخلفية من التعصب العرقي والحق الديني والانتهاز السياسي، اندفع الصرب في حملتهم للتطهير العرقي؛ فقاموا بقتل الرجال والنساء والأطفال بمئات الألوف، ودفنوا ضحاياهم في مقابر جماعية أو قذفوهم في مياة الأنهار. ولما كانوا يعرفون غيرة المسلمين، وحماسهم للعرض والشرف فقد اغتصبوا عشرات الألوف من الفتيات، ومنعوهن من الإجهاض بهدف إذلال المسلمين وكسر أنوفهم تحت وطأة العار. ولم يقف الأمر عند حد "تطهير الأرض من المسلمين, ولكن محو أثرهم الثقافي والديني؛ فقاموا بهدم المساجد والمكتبات والمراكز العلمية, وإحراق الكتب والمؤلفات النفيسة. كانت نتائج هذه الحرب غير العادلة احتلال "٧٠%" من أراضي البوسنة في الأشهر الأولى من المجابهة، وإحراق مئات المدن, وقتل أكثر من مائتي ألف مدني، وطرد مليون إنسان، أي: ربع سكان البوسنة, ولا يمكن وصف المجابهة بأنها حرب كلاسيكية بين جنسين, فقد كانت حربا يعتدي فيها جيش مُدَجَّج بالأسلحة على المدنيين العزل"١. وما دمنا بصدد الحديث عن حقوق الإنسان المهدورة في قلب أوروبا، التي تدعي الغيرة على حقوق الإنسان، وفي أواخر القرن العشرين الذي يوصف بعصر الإنسانية والنور، فقد تضمن تقرير للسيد مازوسكي مندوب لجنة حقوق الإنسان الدولية الذي قدمه للجنته في تشرين الثاني ١٩٩٢م

стр. 37

تنفيذا لقرار مجلس الأمن في آب "أغسطس" ١٩٩٢، وقد جاء في التقرير وقائع مذهلة عن حجم الانتهاكات التي ارتكبها الصرب، وقد تضمن تقريره كذلك ملاحظات للدكتور كلايدسنو الذي صحب بعثة الأمم المتحدة عن مشاهداته في منطقة فوكوفار, حيث رأى في بقعة تبلغ مساحتها نحو ٣٠٠ متر مربع بقايا أجسام لشباب من الذكور، وجماجم مهشمة، وقال: إنها مبعثرة من مقبرة جماعية، وأعاد التذكير بما يؤيده شهود عيان عن اختفاء ١٧٥ مريضا من مستشفى فوكوفار, وتعرض التقرير بشيء من التفصيل للمساجد ودور العبادة والمستشفيات والمكتبات التي دمرت عن عمد وسبق إصرار. وقد أيد البطرك نيكولاي رئيس الكنيسة الأرثوذكسية للصرب هذه الوقائع، وقال: إن نحو "١٥٠.٠٠٠" من المسلمين قد قُتلوا بمجرد إعلان الاستقلال، وإن "٥٠.٠٠٠" من الفتيات المسلمات تعرضن للاغتصاب الجماعي, وإن مائتي مسجد على الأقل قد هدمت، ولا شك أن هذه الأرقام قد تضاعفت مع استمرار حملة التطهير١. إن أحدث قضايا مسلمي البلقان وأقربها للذاكرة الآن هي قضية مسلمي كوسوفا، غير أن هناك قضايا أخرى لا تزال تتشكل في المنطقة مثل: قضية مقدونيا، وقضية السنجق، حيث تجتمع كل عناصر الأزمات التي فجرت الصراع الدموي في البوسنة والهرسك، ولا ينقص الانفجار سوى شعلة أو حادث صغير. إن إصرار الصرب على اجترار العداوة التاريخية ضد الإسلام، واندفاعهم الأرعن للتنكر لأبسط حقوق الإنسان، ومحاولة تأكيد سيادة العنصر الصربي من خلال الإرهاب، والتطهير العرقي، والتهجير الجماعي، هو المسئول عن حالة التوتر التي تشهدها منطقة البلقان، وما لم تظهر الأسرة الدولية تضامنا حقيقيا للدفاع عن حقوق الإنسان من البداية؛ فإن ما حدث في البوسنة والهرسك، وكوسوفا سوف يتكرر حتما. لقد كتب السيد جيمس ستينبرج james b.steingerg مساعد الرئيس الأمريكي لشئون الأمن

стр. 38

القومي في عدد ديسمبر ١٩٩٩، حول التعليقات الدائرة حول تدخل حلف الأطلسي في كوسوفا, فقال: لم يكن من الممكن الانتظار أكثر لمعرفة نوايا الرئيس اليوغسلافي ميلوسيفتش أو وسائله؛ لأن حملاته الوحشية ضد كرواتيا والبوسنة قد انطلقت قبل أن تقع قنبلة واحدة على قواته. إن نفس "لوردات" الحرب الذين قاموا بالعمل الدنيء في تلك الحملات هم الذين قادوا الهجوم على كوسوفا، ومنهم سيئ الذكر "أركان" وقواته التي يطلق عليها "النمور" وكذلك الأسود البيضاء التي تتبع نائب رئيس الوزراء الصربي فوجيسلاف سيسيلج. وبديهي أن هؤلاء لم يرسلوا إلى كوسوفا ليفاوضوا قادتها وهم يحتسون القهوة! وهل يمكن أن ننسى الأعمال البشعة التي قاموا بها قبل تدخل الناتو, بما في ذلك مجزرة يناير التي وقعت في مدينة "راساك"؟ وهل يمكن أن ننسى أن الرئيس اليوغسلافي قد حشد ٤٠.٠٠٠ جندي و٣٠٠ دبابة حول كوسوفا حين كان يحاول التظاهر بأنه مستعد للتفاوض، كما أنه دفع عشرات الألوف من السكان للهجرة خلال خمسة أيام، لقد كان هدف ميلوسيفتش واضحا من البداية وهو التطهير العرقي١. أما السيد جافيار سولانا javiar solana السكرتير العام السابق لحلف شمال الأطلسي, فقد كتب عن الموضوع في نفس العدد من مجلة الشئون الخارجية، مبينا عدد جرائم الصرب, وقال: إنه منذ ألغى الرئيس اليوغوسلافي الاستقلال الذاتي لكوسوفا في أواخر عام ١٩٨٠، فقد وضح أن الأغلبية المسلمة لن تقبل ذلك، وفي تلك الفترة زادت المصادمات المسلحة بين الجيش اليوغوسلافي ومواطني كوسوفا، وعندها استخدم الصرب أساليب التطهير العرقي التي استخدموها قبل ذلك في البوسنة. ويلفت النظر في كل هذه القضايا الحرص على تجاهل حقوق الإنسان, ولا سيما حقوق الأغلبية الإسلامية في أن تعيش وفقا لدينها وتقاليدها كسائر شعوب الأرض، وأن يوضع المسلمون في ظروف قاسية بين مخالب الهجرة القسرية، والتطهير العرقي، حتى يضطروا في النهاية لقبول أي حل هزيل يفرض عليهم، لكنه يحقق الهدف الأساسي وهو عدم قيام كيانات إسلامية في أوروبا. وعند التأمل الدقيق في مجريات الحوادث، نجد أن المؤامرة التي عبر عنها radovan karadzic "كرادزك" فقد نفذت, ولكن بأسلوب ذكي في ظاهره رحمة وإنسانية.

стр. 39

٤- قضية جامو وكشمير: كثيرا ما تسمي الصحف الغربية الهند بأنها أكبر ديمقراطيات العالم، وتشير إلى أنها الدولة التي قامت على مبادئ المهاتما غاندي في السلام وعدم العنف. لكن هذه المبادئ الخلابة تختفي تماما حين يكون التعامل مع المسلمين، وكأنها تكرار لنظرية الاستعماري العتيق اللورد كرومر آخر مندوب سام بريطاني في مصر، حين كان يقول: "إن الديمقراطية هي لنا، وإن المصريين لا يستحقونها"، وهذا التناقض بين الشعارات الجذابة، والممارسات الواقعية، يظهر في معاملة الهندوك للشعب المسلم في الهند عموما, حيث أصبح القتل العشوائي، وهدم المساجد والمؤسسات العلمية عادة شائعة، ويتبع الهنود إستراتيجية خاصة تقوم على كسب الوقت وتخدير المسلمين، كما حدث بالنسبة لهدم المسجد "باباري" في مدينة فيوديا حين زعم المتطرفون أنه يقوم على مكان ولادة الإله الهندوكي راما، وبعد هدمه تظاهرت الحكومة الهندية بالاستنكار، ورفعت الأمر للقضاء، لكن النتيجة العملية أن القضية ماتت مع الزمن ونجحت إستراتيجية التخدير. على أن التناقضات الهندية تظهر أكثر في موقعها من حقوق أهل مقاطعة جامو وكشمير؛ فقرار الأمم المتحدة ١٩٤٧ قضى بتقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين هما الهند وباكستان، وقضى صراحة على حق كل إقليم ذي أغلبية إسلامية بالانضمام لباكستان, وهو قرار ينطبق بصورة واضحة على جامو وكشمير، حيث تبلغ نسبة المسلمين "٨٠%" من مجموع السكان البالغ عددهم عشرة ملايين، إلا أن الهند تجاهلت هذا القرار الواضح، وصمت

стр. 40

أذنيها عن سماع الدعوات لتنفيذه، وكان من المبررات التي استندت إليها، أن حاكم المقاطعة مهراجا هندي، علما بأن وجود هذا المهراجا -في حد ذاته- وصمة عار فظيعة في تاريخ الإنسانية، ذلك أن الاستعمار البريطاني باع هذه المقاطعة في عام ١٨٤٦ إلى جده المهراجا غلاب بسبعة ملايين روبية في ذلك الزمن حين كانت الشعوب تباع وتشترى على موائد الطعام! ومن الحجج الهندية أيضا أن عائلة نهرو المشهورة تنحدر من إقليم كشمير مما يجعل لها مكانة خاصة في تاريخ الهند، وهذه المبررات التافهة تذكر بدعوة الحق التاريخي الزائف التي شهرها الصرب في البوسنة وكوسوفا, واستند إليها اليهود الصهاينة في فلسطين مما سبق ذكره في هذا البحث. واستمر هذا الموقف الهندي قرابة خمسين سنة تخللتها حروب وثورات من جانب الشعب الكشميري الذي ظل يطلب حقه، كما صدرت قرارات من الأمم المتحدة تؤكد حقه في تقرير المصير في استفتاء حر نزيه، ومع أن هذه القرارات قد تضمنت تراجعا عن قرار الأمم المتحدة الأول الواضح الذي يؤكد حق المقاطعة في الانضمام الفوري لباكستان، إلا أن الشعب الكشميري وباكستان وافقوا على هذه القرارات حرصا على السلام، وتفادي سفك الدماء، لكن الهند رفضت الانصياع لهذه القرارات، ولم تقف عند هذا الحد بل أخذت تقوم بإجراءات عسكرية مختلفة، وفي كل مرة تنشب ثورة شعبية تذكر بالحق المهضوم ترد الهند بإطلاق جنودها لارتكاب أبشع أنواع الجرائم، بما فيها هدم المساجد على رءوس المصلين، وقتل النساء والأطفال، كما أثبتت التقارير المحايدة. وقد ذكر مراسل جريدة "الجارديان" البريطانية أن قرية بكاملها هي قرية "كونان" قرب خط التماس بين الهند وباكستان تعرض رجالها للقتل العشوائي, أما النساء فقد أباحتهن القيادة الهندية للضباط والجنود. إن قضية كشمير مثال واضح لتجاهل حقوق الإنسان، والاستهتار بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحددة، وخصوصا من دولة تتلفح بقناع

стр. 41

الديمقراطية، والغيرة على الحريات الأساسية، ومع ذلك فإن موقفها يقابل بالبرود والاستخفاف من جانب الأسرة الدولية. لقد أطلقت السيدة بناظير بوتو رئيسة وزراء باكستان السابقة صيحة نذير في مقال نشرته في جريدة نيويورك في يونيو ١٩٩٩م قالت فيه: "إن كارثة كوسوفا يجب أن تذكرنا بوجوب إطفاء النيران قبل استفحالها، وقالت: إن حقيقة امتلاك الهند وباكستان الآن القنبلة النووية لن يجعل الحرب بينهما محدودة، وسوف تصل آثارها إلى مناطق كثيرة من العالم".

стр. 42

خاتمة: ليس غريبا أن يؤيد العرب المسلمون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حين يجدون فيه مجموعة من المبادئ الإنسانية السامية، التي تتفق مع دينهم وتقاليدهم، والتي عاشوها بالفطرة قبل أن يعرف الإنسان المعاهدات والمواثيق الدولية، نقول ذلك دون أن نغفل عن حقيقة واضحة يكابد منها عالمنا المعاصر, وهي أن نزعة الإنسان القديمة للسيطرة والظلم والتحكم كثيرا ما تطل برأسها من فوق القيم الخلقية والمبادئ الإنسانية. وفي حالات كثيرة تستخدمها المؤسسات لتنفيذ المآرب والمصالح الوطنية، ونستطيع أن نشير إلى حالات كثيرة وقع فيها الاعتداءات العسكرية على شعوب صغيرة وفرض عليها الحصار تحت أعلام الأمم المتحدة، وكذلك شاهدنا خرق استقلال دول أخرى وطمس حقوقها بدعوى الغيرة على حقوق الإنسان، مما ألقى ظلالة من الشك واليأس ودفع الكثيرين للاعتقاد بأن هذه المواثيق والمؤسسات لم تقم أصلا إلا للحفاظ على الأمر الواقع الدولي، وتحكم الدول الكبيرة في الكيانات الصغيرة، ومنع الاستقطاب الذي يفرز قوى مستقلة. ومع الاعتراف بهذه الحقائق المؤلمة التي تعود لضعف الإنسان وانسياقه وراء شهواته، إلا أننا نرى في ميثاق الأمم المتحدة، وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أهدافا مثالية تلبي حاجات الإنسان للأمن والسلام، ومن الضروري المحافظة عليها وتطويرها نحو الأحسن، وإحاطتها بضمانات جماعية؛ حتى تؤدي أهدافها النبيلة بصورة أحسن تنفيذا لتوصية القرآن الكريم التي تحث على التعاون على الخير ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . ولا شك أن واجبا كبيرا يقع على المسلمين حكاما وشعوبا لتبيان ما يمكن أن يقدمه الإسلام من المبادئ والقيم لإغناء هذه المسيرة الخيرة، ومن نافلة القول أن نؤكد أن تقيد المسلمين بحقوق الإنسان في بلادهم هو أهم دعوة لفهم الإسلام, والتصدي للحملات الظالمة التي يتعرض إليها.

стр. 43

إن أفكارا كثيرة تطرح اليوم لتطوير عمل منظمة الأمم المتحدة لتكون أكثر فعالية في تطويق الأزمات، ومنع الحروب، وإنهاء احتكار الدول الكبرى للمنظمة الدولية، وهي أفكار تستحق العناية؛ ذلك لأن اضطراب التوازن الدولي، وإشاعة اليأس من جدوى المنظمات العالمية والمواثيق سوف يقود -حتما- لمصادمات كثيرة أو صغيرة ليست في صالح أحد، ومن العبث الاعتقاد بأن دولة واحدة أو كتلة واحدة تستطيع أن تفرض إرادتها على العالم كله بالقوة المسلحة لمدى غير محدود، والبديل عن هذه المخاوف والاحتمالات هو أن يحتل العقل الراشد مكانه في توجيه سياسة الدول, وأن تزول إلى غير رجعة أحلام السيطرة والتوسع، وأن نعمل جميعا لبناء عالم مستقر تزدهر فيه كل الحضارات والثقافات وتتلاقى على حماية الإنسان والارتقاء بمستواه المادي والروحي، كما يدعو القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . فالإسلام يقر بقبول التنوع والاختلاف ويعدهما أصلا من أصول الحياة، ويجعل الهدف منهما هو التعارف والتعاون بين بني البشر جميعا، ويزيل التفاضل والتمايز بين الناس بسبب اللون أو الجنس، كما قال الرسول الكريم ﵊: "الناس كلهم لآدم وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم" ١.