← Адаб

Адаб · id 11755

وحي القلم

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (1 011 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المجلد الثاني الإشراق الإلهي وفلسفة الإسلام ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإشراق الإلهي وفلسفة الإسلام: كما تطلع الشمس بأنوارها فتفجر ينبوع الضوء المسمى النهار، يولد النبي فيوجد في الإنسانية ينبوع النور المسمى بالدين. وليس النهار إلا يقظة الحياة تحقق أعمالها، وليس الدين إلا يقظة النفس تحقق فضائلها. والشمس خلقها الله حاملة طابعه الإلهي، في عملها للمادة تحول به وتغير، والنبي يرسله الله حاملا مثل ذلك الطابع في عمله تترقى فيه وتسمو. ورعشات الضوء من الشمس هي قصة الهداية للكون في كلام من النور، وأشعة الوحي في النبي هي قصة الهداية لإنسان الكون نور من الكلام. والعامل الإلهي العظيم يعمل في نظام النفس والأرض بأداتين متشابهتين: أجرام النور من الشموس والكواكب، وأجرام العقل من الرسل والأنبياء. فليس النبي إنسانا من العظماء يقرأ تاريخه بالفكر معه المنطق، ومع المنطق الشك، ثم يدرس بكل ذلك على أصول الطبيعة البشرية العامة، ولكنه إنسان نجمي يقرأ بمثل "التلسكوب" في الدقة، معه العلم، ومع العلم الإيمان، ثم يدرس بكل ذلك على أصول طبيعته النورانية وحدها. والحياة تنشئ علم التاريخ, ولكن هذه الطريقة في درس الأنبياء -صلوات الله عليهم- تجعل التاريخ هو ينشئ علم الحياة، فإنما النبي إشراق إلهي على الإنسانية، يقومها في فلكها الأخلاقي، ويجذبها إلى الكمال في نظام هو بعينه صورة لقانون الجاذبية في الكواكب. ويجيء النبي فتجيء الحقيقة الإلهية معه في مثل بلاغه الفن البياني، لتكون أقوى أثرًا، وأيسر فهما، وأبدع تمثيلًا، وليس عليها خلاف من الحس. وهذا هو الأسلوب الذي يجعل إنسانًا واحدًا فن الناس جمعيًا، كما تكون البلاغة فن لغة بأكملها، وهو الشخص المفسر إذا تعسفت الناس الحياة لا يدرون أين يؤمون منها،

стр. 317

ولا كيف يتهدون فيها، فتضطرب الملايين من البشرية اضطرابها فيما تنقبض عنه وتتهالك فيه من أطماع الدنيا، ثم يخلق رجل واحد ليكون هو التفسير لما مضى وما يأتي، فتظهر به حقائق الآداب العالية في قالب من الإنسان العامل المرئي, أبلغ مما تظهر في قصة متكلمة مروية. وما الشهادة للنبوة إلا أن تكون في نفس النبي أبلغ نفوس قومه، حتى لهو في طباعه وشمائله طبيعة قائمة وحدها، كأنها الوضع النفساني الدقيق الذي ينصب لتصحيح الوضع المغلوط للبشرية في عالم المادة وتنازع البقاء. وكأن الحقيقة السامية في هذا النبي تنادي الناس: أن قابلوا على هذا الأصل وصححوا ما اعترى أنفسكم من غلط الحياة وتحريف الإنسانية. ومن ثم فنبي البشرية كلها من بعث بالدين أعمالا مفصلة على النفس أدق تفصيل وأوفاه بمصلحتها، فهو يعطي الحياة في كل عصر عقلها العملي الثابت المتجدد المتغير تنظم به أحوال الطبيعة على قصد وهدى، وهذه هي حقيقة الإسلام في أخص معانيه، لا يغني عنه في ذلك دين آخر، ولا يؤدي تأديته في هذه الحاجة أدب ولا علم ولا فلسفة، كأنما هو نبع في الأرض لمعاني النور، بإزاء الشمس نبع النور في السماء. وكل ذلك تراه في نفس محمد ﷺ ، فهي في مجموعها أبلغ الأنفس قاطبة، لا يمكن أن تعرف الأرض أكمل منها، ولو اجتمعت فضائل الحكماء والفلاسفة والمتألهين وجعلت في نصاب واحد -ما بلغت أن يجيء منها مثل نفسه ﷺ . ولكأنما خرجت هذه النفس من صيغة كصيغة الدرة في محارتها، أو تركيب كتركيب الماس في منجمه، أو صفة كصفة الذهب في عرقه، وهي النفس الاجتماعية الكبرى، من أين تدبرتها رأيتها على الإنسانية كالشمس في الأفق الأعلى تنبسط وتضحى. وتلك هي الشهادة له ﷺ بأنه خاتم الأنبياء، وأن دينه هو دين الإنسانية الأخير، فهذا الدين في مجموعه إن هو إلا صورة تلك النفس العظيمة في مجموعها: صلابته بمقدار الحق الإنساني الثابت، لا بمقدار الإنسان المتغير الذي يكون عند سبب جبلًا صلدًا يشمخ، وعند سبب آخر ماء عذبا يجري. وهو دين يعلوا بالقوة ويدعو إليها، ويريد إخضاع الدنيا وحكم العالم، ويستفرغ همه في ذلك، لا لإعزاز الأقوى وإذلال الأضعف، ولكن للارتفاع

стр. 318

بالأضعف إلى الأقوى، وفرق ما بين شريعته وشرائع القوة، أن هذه إنما هي قوة سيادة الطبيعة وتحكمها، أما هو فقوة سيادة الفضيلة وتغلبها، وتلك تعمل للتفريق، وهو يعمل للمساواة، وسيادة الطبيعة، وعملها للتفريق هما أساس العبودية, وغلبة الفضيلة وعملها للمساواة هما أعظم وسائل الحرية. ومن هنا كان طبيعيا في الإسلام ما جاء به من أنه لا فضيلة إلا وهو يطبع عليها صورة الجنة بنعيمها الخالد، ولا رذيلة إلا وهو يضع عليها صورة النار الأبدية وقودها الناس والحجارة، فلا تنظر العين المسلمة إلى أسباب الحياة نظرة الفكر المنازع: يحرص على ما يكون له ويشره إلى ما ليس له، ويمكر الحيلة، ويبدع وسائل الخداع، ويزيد بكل ذلك في تعقيد الدنيا, بل نظرة القلب المسالم: يخلع الدنيا ويسخو بكل مضنون فيها، فيعف عن كثير، ويعرف الإنسانية ويطمع في غاياتها العليا، فيعفو عن كثير، ويدرك أن الحلال وإن حل فوراءه حسابه، وأن الحرام وإن غر ليس إلا تعلل ساعة ذاهبة ثم من ورائه عقاب الأبد. ويخرج من ذلك أن يكون أكبر أغراض الإسلام هو أن يجعل من خشية الله -تعالى- قانون وجود الإنسان على الأرض، فمن أي عطفيه التفت هذا الإنسان وجد على يمنته ويسرته ملكين من ملائكة الله يكتبان أعماله بخيرها وشرها، فهو كالمتهم المستراب به في سياسة النفس: لا يمشي خطوة إلا بين جاسوسين يحصيان عليه حتى أسباب النية، ويجمعان منه حتى نزوات الكبد، ويترجمان عنه حتى معاني النظر. وإذا قامت هذه المحكمة الملائكية وتقررت في اعتبار النفس، قام منها على النفس شرع نافذ هو قانون الإرادة المميزة، تريد الحسنات وتعمل لها، وتخشى السيئات وتنفر منها، فإذا معاني الجسد يحكم بعضها بعضا، لا لتحقيق الحكومة والسلطة، ولكن لتحقيق الخير والمصلحة، وإذا نواميس الطبيعة المجنونة في هذا الحيوان، قد نهضت إلى جانبها نواميس الإرادة الحكيمة في الإنسان، وإذا كل صغيرة وكبيرة في النفس هي من صاحبها مادة تهمة عند قاضيها في محكمتها، وإذا كل ما في الإنسان وما حول الإنسان لا يراد منه إلا سلام النفس في عاقبتها، وإذا معنى السلام هو المعنى الغالب المتصرف بالإنسانية في دنياها. وكل أعمال الإسلام وأخلاقه وآدابه، فتلك هي غايتها، وهذه هي فلسفتها، لا يقررها للإنسانية حسب، بل يغرسها في الوراثة غرسا بالاعتياد والمران الدائم، لتكون علما وعملًا، فتمكن لسلام النفس بين الأسلحة المسددة إليها من ضرورات الحياة، في أيدي الأعداء المتألبة عليها من شهوات الغريزة.

стр. 319

فليس يعم السلام إلا إذا عم هذا الدين بأخلاقه فشمل الأرض أو أكثرها؛ فإن قانون العالم حينئذ يصبح منتزعا من طبيعة التراحم، فإما انتسخ به قانون التنازع الطبيعي، وإما كسر من شرته؛ ويولد المولود يومئذ وتولد معه الأخلاق الإنسانية. تقرير معنى الدواء لكل أعمال النفس حتى مثقال الذرة من الخير والشر، وضبط ذلك برياضة عملية دائمة مفروضة على الناس جميعًا -هذا هو أساس العقيدة الإسلامية؛ ولا صلاح للإنسانية بغيره يردها إلى سبيل قصدها، فإن من ذلك تكون الصفة العقلية التي تغلب على المجتمع، وتجانس بين أفراده, فتوجه الإنسانية كلها نحو الممكن من كمالها، ولا تزال توجهها نحو ما هو أعلى، وتحكم فاسدها بصالحها، وتأخذ عاصيها بمطيعها، وتجعل الشرف الإنساني غرضها الأول، لأن الله الحق غرضها الأخير؛ فيصبح المرء -وهذا دينه- كلما تقدم به العمر كمل فيه اثنان: الإنسان، والشريعة. ولا يعود طالب السعادة النفسية في الدنيا كالمجنون يجري وراء ظله ليمسكه؛ فلا يدرك في الآخرة شيئا غير معرفته أنه كان في عمل باطل وسعي ضائع. والإسلام يحرص أشد الحرص وأبلغه على تقرير ذلك المعنى الإلهي العظيم، لا بالمنطق، ولكن بالعمل؛ ثم في النفس وعواطفها، لا في العقل وآرائه؛ ثم على وجه التعميم، دون الاستثناء والخصوص؛ وذلك هو سر مشقته على النفس بما يفرضه عليها؛ فإن فلسفته أن هذه النفس هي أساس العالم، وأن النظام الخلقي هو أساس النفس، وأن العمل الدائم هو أساس النظام، وأن روح العمل الدائم تكون فيما يشق بعض المشقة ولا يبلغ العسر والحرج، كما تكون فيما يسهل بعض السهولة ولا يبلغ الكسل والإهمال. وللنفس وجهان: ما تعلن، وما تسر؛ ولا صدق لإعلانها حتى يصدق ضميرها، ولا صلاح لجهرها حتى يصلح السر فيها، ولا يكون الإنسان الاجتماعي فاضلا بمشهده حتى يكون كذلك بغيبه. وللعالم كذلك وجهان: حاضره الذي يمر فيه، وآتيه الذي يمتد له؛ ولا يفلح حاضر منقطع لا يورث ما بعده كما ورث ما قبله، وما حاضر الإنسانية إلا جزء من عمل الناس في استمرار فضائلهم باقية نامية. وللنظام أيضًا وجهان: نظام الرغبة على الطاعة والاطمئنان لها، ونظام الرغبة

стр. 320

على الخشية والنفرة منها. ولا يستقيم شأن ليس أساسه الطاعة في النفس، ولا يستمر نظام عليه خلاف من فكر العامل به. وللعمل الدائم طريقتان: إحداهما طريقة الجاد يعمل للعاقبة يستيقنها، فلا يجد مما يشق عليه إلا لذة المغالبة للنصر: كل مرارة من قبله هي حلاوة فيه من بعد, ولا يعرف للمحنة يبتلى بها إلا معناها الحقيقي وهو إيقاظ نفسه، فيصبح الصبر عنده كصبر المحب على أشياء ممن تحبه؛ صبر فيه من السحر ما يكسو الحرمان في بعض الأحيان خيال الاستمتاع، ويذيق النفس في العجز عن بعض أغراضها, لذة كلذة إدراكه. تلك هي فلسفة الإسلام؛ لا قوام للأمر فيها ولا مساك له إلا بتقرير معنى الدوام لكل أعمال النفس، ووضع طابع الجنة على أعمال الجنة، وطابع النار على أعمال النار -وحياطة كل فرد من الناس حياطة رياضية عملية بين الساعة والساعة، بل بين الدقيقة والدقيقة، بما يكلف من أعمال جسمه وحواسه، ثم أعمال قلبه ونيته-وتعظيم الشخصية الروحية دون الشخصية المادية، فلا يحاول كل إنسان أن يجعل بطنه في حجم مملكة أو مدينة أو قرية، بما ينتقص من حقوق غيره؛ بل تتسع ذاتية كل فرد بما يجب له على المجتمع من الواجبات الإنسانية؛ وبهذا لا بغيره تعين مقاييس الأخلاق في الأرض بالمصلحة لا باللذة؛ فلا يقع الخطأ ولا التزوير، وتنحل المشكلة الاجتماعية ما دامت الحياة لا تجد من أهلها كل ساعة عقدًا فيها. والاستيلاء بذلك المعنى على العقل والعاطفة هو وحده الطريقة لإنشاء طبيعة الخير في الناس على نسقها الطبيعي، كما أنه هو وحده الطريقة لتطهير التاريخ الإنساني من أوبائه الاقتصادية، التي جعلته كأنما هو تاريخ الأسنان والأضراس، وتركت الناس يهدم بعضهم بعضا، كما يهدم الجار حائط جاره ليوسع بيته. وأساس العمل في الإسلام إخضاع الحياة للعقيدة، فتجعلها العقيدة أقوى من الحاجة، فيكون الفقير معدما ويتعفف، ويكون الغني موسرا ويتصدق، ويكون الشره طامعا ويمسك، ويكون القوي قادرًا ويحجم، وكما قال العربي في تحقيق ناموس الأنفة والحمية وغلبته على الناموس الاقتصادي: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها".

стр. 321

تريد الإنسانية امتدادًا غير امتدادها التجاري في الأرض، وتحتاج إلى معنى يقود إنسانها غير الحيوان الذي فيه؛ وإذا قاد الغراب قومًا فإنما هو -كما قال شاعرنا- يمر بهم على جيف الكلاب ... والإنسانية اليوم في مثل ليل حوشي مظلم اختلط بعضه في بعض، وليست معاني الإسلام إلا الإشراق الإلهي على هذه الكثافة المادية المتراكمة، وإذا رفع المصباح لم تجد الظلام إلا وراء الحدود التي تنتهي إليها أشعته. وقد علمنا من طبيعة النفس أن إنسانية الفرد لا تعظم وتسمو وتتخيل وتفرح فرحها الصادق وتحزن حزنها السامي, إلا أن تعيش في محبوب؛ فإنسانية العالم لا تكون مثل ذلك إلا إذا عاشت في نبيها الطبيعي، نبي أخلاقها الصحيحة وآدابها العالية ونظامها الدقيق؛ وأين تجد هذا المحبوب الأعظم إلا في محمد ودين محمد؟ وعجيب أن يجهل المسلمون حكمة ذكر النبي العظيم خمس مرات في الأذان كل يوم، ينادى باسمه الشريف ملء الجو؛ ثم حكمة ذكره في كل صلاة من الفريضة والسنة والنافلة, يهمس باسمه الكريم ملء النفس! وهل الحكمة من ذلك إلا الفرض عليهم ألا ينقطعوا عن نبيهم ولا يوما واحدًا من التاريخ, ولا جزءًا واحدا من اليوم؛ فيمتد الزمن مهما امتد والإسلام كأنه على أوله، وكأنه في يومه لا في دهر بعيد؛ والمسلم كأنه مع نبيه بين يديه تبعثه روح الرسالة، ويسطع في نفسه إشراق النبوة، فيكون دائما في أمره كالمسلم الأول الذي غير وجه الأرض؛ ويظهر هذا المسلم الأول بأخلاقه وفضائله وحميته في كل بقعة من الدنيا مكان إنسان هذه البقعة، لا كما نرى اليوم؛ فإن كل أرض إسلامية يكاد لا يظهر فيها إلا إنسانها التاريخي بجهله وخرافاته وما ورث من القدم؛ فهنا المسلم الفرعوني، وفي ناحية المسلم الوثني، وفي بلد المسلم المجوسي، وفي جهة المسلم المعطل ... وما يريد الإسلام إلا نفس المسلم الإنساني. أيها المسلم! لا تنقطع عن نبيك العظيم، وعش فيه أبدًا، واجعله مثلك الأعلى؛ وحين تذكره في كل وقت فكن كأنك بيد يديه؛ كن دائما كالمسلم الأول؛ كن دئما ابن المعجزة.

стр. 322

حقيقة المسلم *: لا يعرف التاريخ غير محمد ﷺ رجلًا أفرغ الله وجوده في الوجود الإنساني كله؛ كما تنصب المادة في المادة، لتمتزج بها فتحولها، فتحدث منها الجديد، فإذا الإنسانية تتحول به وتنمو، وإذا هو ﷺ وجود سار فيها فما تبرح هذه الإنسانية تنمو به وتتحول. كان المعنى الآدمي في هذه الإنسانية كأنما وهن من طول الدهر عليه، يتحيفه ويمحوه ويتعاوره بالشر والمنكر؛ فابتعث الله تاريخ العقل بآدم جديد بدأت به الدنيا في تطورها الأعلى من حيث يرتفع الإنسان على ذاته، كما بدأت من حيث يوجد الإنسان في ذاته؛ فكانت الإنسانية دهرها بين اثنين: أحدهما فتح لها طريق المجيء من الجنة، والثاني فتح لها طريق العودة إليها, كان في آدم سر وجود الإنسانية، وكان في محمد سر كمالها. ولهذا سمي الدين "بالإسلام"؛ لأنه إسلام النفس إلى واجبها، أي إلى الحقيقة من الحياة الاجتماعية؛ كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها؛ فلا حظ له هو من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه، ولكن للإنسانية بها الحظ. وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ, مبدأ إنكار الذات و"إسلامها" طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها؛ وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني، أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي؛ وهو أبدًا يروضها على هذه الحركة ما دام حيا؛ فينتزعها كل يوم من أوهام دنياها، ليضعها ما بين يدي حقيقتها الإلهية, يروضها على ذلك كل يوم وليلة خمس مرات مسماة في اللغة خمس صلوات، لا

стр. 323

يكون الإسلام إسلامًا بغيرها؛ فلا غرو كانت الصلاة بهذا المعنى كما وصفها النبي ﷺ وهي عماد الدين. بين ساعات وساعات في كل مطلع شمس من حياة المسلم صلاة، أي إسلام النفس إلى الإرادة الاجتماعية الشاملة١ القائمة على الطاعة للفرض الإلهي، وإنكار لمعانيها الذاتية الفانية التي هي مادة الشر في الأرض، وإقرارها لحظات في حيز الخير المحض البعيد عن الدنيا وشهواتها وآثامها ومنكراتها، ومعنى ذلك كله تحقيق المسلم لوجود روحه؛ إذا كانت أعمال الدنيا في جملتها طرقا تتشتت فيها الأرواح وتتبعثر، حتى تضل روح الأخ عن روح أخيه فتنكرها ولا تعرفها! وهذا الوجود الروحي هو مبعث الحالة العقلية التي جاء الإسلام ليهدي الإنسانية إليها, حالة السلام الروحاني الذي يجعل حرب الدنيا المهلكة حربا في خارج النفس لا في داخلها، ويجعل ثروة الإنسان مقدرة بما يعامل الله والإنسانية عليه؛ فلا يكون ذهبه وفضته ما كتبت عليه الدول: "ضرب في مملكة كذا"، ولكن ما يراه هو قد كتب عليه "صنع في مملكة نفسي"؛ ومن ثم لا يكون وجوده الاجتماعي للأخذ حسب، بل للعطاء أيضا، فإن قانون المال هو الجمع، أما قانون العمل فهو البذل. بالانصراف إلى الصلاة وجمع النية عليها، يستشعر المسلم أنه قد حطم الحدود الأرضية المحيطة بنفسه من الزمان والمكان، وخرج منها إلى روحانية لا يحد فيها إلا بالله وحده. وبالقيام في الصلاة، يحقق المسلم لذاته معنى إفراغ الفكر السامي على الجسم كله، ليمتزج بجلال الكون ووقاره، كأنه كائن منتصب مع الكائنات يسبح بحمده. وبالتولي شطر القبلة في سمتها الذي لا يتغير على اختلاف أوضاع الأرض، يعرف المسلم حقيقة الرمز للمركز الثابت في روحانية الحياة؛ فيحمل قلبه معنى الاطمئنان والاستقرار على جاذبية الدنيا وقلقها. وبالركوع والسجود بين يدي الله، يشعر المسلم نفسه معنى السمو والرفعة على كل ما عدا الخالق من وجود الكون.

стр. 324

وبالجلسة في الصلاة وقراءة التحيات الطيبات، يكون المسلم جالسًا فوق الدنيا يحمد الله ويسلم على نبيه وملائكته ويشهد ويدعو. وبالتسليم الذي يخرج به من الصلاة، يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالا جديدًا من جهتي السلام والرحمة. هي لحظات من الحياة كل يوم في غير أشياء هذه الدنيا؛ لجمع الشهوات وتقييدها بين وقت وآخر بسلاسلها وأغلالها من حركات الصلاة، ولتمزيق الفناء خمس مرات كل يوم عن النفس؛ فيرى المسلم من ورائه حقيقة الخلود، فتشعر الروح أنها تنمو وتتسع. هي خمس صلوات، وهي كذلك خمس مرات يفرغ فيها القلب مما امتلأ به من الدنيا، فما أدق وأبدع وأصدق قوله ﷺ : "جعلت قرة عيني في الصلاة" ١. لم يكن الإسلام في حقيقته إلا إبداعا للصيغة العلمية التي تنتظم الإنسانية فيها؛ ولهذا كانت آدابه كلها خراسا على القلب المؤمن، كأنها ملائكة من المعاني؛ وكان الإسلام بها عملًا إصلاحيًا وقع به التطور في عالم الغريزة، فنقله إلى عالم الخلق، ثم ارتقى بالخلق إلى الحق، ثم سما بالحق إلى الخير العام؛ فهو سمو فوق الحياة بثلاثة طبقات، وتدرج إلى الكمال في ثلاث منازل، وابتعاد عن الأوهام بمسافة ثلاث حقائق. وبتلك الأعمال والآداب كانت الدنيا المسلمة التي أسسها النبي ﷺ دنيا أسلمت طبيعتها، فأصبحت على ما أراد المسلمون لا ما أرادت هي؛ وكأنها قائمة بنواميس من أهليها، لا على أهليها؛ وكان الظاهر أن الإسلام يغزو الأمم بالعرب ويفتتحها، ولكن الحقيقة أن إقليما من الدنيا كان يحارب سائر أقاليم الأرض بالطبيعة الأخلاقية الجديدة لهذا الدين. وكأن الله -تعالى- ألقى في رمال الجزيرة روح البحر، وبعثها بعثة الإلهي لأمره، فكان النبي ﷺ هو نقطة المد التي يفور البحر منها، وكان المسلمون أمواجه التي غسلت بها الدنيا.

стр. 325

لهذا سمع المسلمون الأولون كلام الله -تعالى- في كتابه، وكلام رسوله ﷺ ، لا كما يسمعون القول، ولكن كما يتلقون الحكم النافذ المقضي؛ ولم يجدوا فيه البلاغة وحدها، بل روعة أمر السماء في بلاغة؛ واتصلوا بنبيهم، ثم بعضهم ببعض، لا كما يتصل إنسان بإنسان، بل كما تتصل الأمواج بقوة المد، ثم كما يمد بعضها بعضا في قوة واحدة. وحققوا في كماله ﷺ وجودهم النفسي؛ فكانوا من زخارف الحياة وباطلها في موضع الحقيقة الذي يرى فيه الشيء لا شيء. ورأوا في أرادته ﷺ النقطة الثابتة فيما يتضارب من خيالات النفس؛ فكانوا أكبر علماء الأخلاق على الأرض، لا من كتب ولا علم ولا فلسفة، بل من قلب نبيهم وحده. وعرفوا به ﷺ تمام الرجولة؛ ومتى تمت هذه الرجولة تمامها في إنسان رجعت له الطفولة في روحه، وامتلك تلك الطبيعة التي لا يملكها إلا أعظم الفلاسفة والحكماء فأصبح كأنما يمشي في الحياة إلى الجنة بخطوات مسددة لا تزيغ ولا تنحرف، فلا شر ولا رذيلة؛ ودنياه هي الدنيا كلها بشمسها وقمرها، يملكها وإن لم يملك منها شيئا، ما دامت في قلبه طبيعة السرور، فلا فقر ولا غنى مما يشعر الناس بمعانيه، بل كل ما أمكن فهو غنى كامل، إذ لم تعد القوة في المادة تزيد بزيادتها وتنقص بنقصها، بل القوة في الروح التي تتصرف بطبيعة الوجود، وتدفع قوى الجسم بمثل دوافع الطفولة النامية المتغلبة، حتى لتجعل من النور والهواء ما يؤتدم به مع الخبز القفار، كما يؤتدم باللحم وأطايب الأطعمة١. وبذلك لا تتسلط ضرورة على الجسم -كالجوع والفقر والألم ونحوها- إلا كان تسلطها كأنه أمر من قوة في الوجود إلى قوة في هذا الجسم, أن تظهر لتعمل عملها المعجز في إبطال هذه الضرورة. وهذا الجنس من الناس كالأزهار على

стр. 326

أغصانها الخضر؛ لو قالت شيئا لقالت: إن ثروتي في الحياة هي الحياة نفسها، فليس لي فقر ولا غنى، بل طبيعة أو لا طبيعة. ولقد كان المسلم يضرب بالسيف في سبيل الله, فتقع ضربات السيوف على جسمه فتمزقه؛ فما يحسها إلا كأنها قبل أصدقاء من الملائكة يلقونه ويعانقونه! وكان يبتلى في نفسه وماله، فلا يشعر في ذلك أنه المرزأ المبتلى يعرف فيه الحزن والانكسار، بل تظهر فيه الإنسانية المنتصرة كما يظهر التاريخ الظافر في بطله العظيم أصيب في كل موضع من جسمه بجراح، فهي جراح وتشويه وألم، وهي شهادة النصر! ولم تكن أثقال المسلم من دنياه أثقالًا على نفسه, بل كانت له أسباب قوة وسمو؛ كالنسر المخلوق لطبقات الجو العليا، ويحمل دائما من أجل هذه الطبقات ثقل جناحيه العظيمين. وكانت الحقيقة -التي جعلها النبي ﷺ مثلهم الأعلى، وأقرها في أنفسهم بجميع أخلاقه وأعماله- أن الفضائل كلها واجبة على كل مسلم لنفسه، إذ إنها واجبة بكل مسلم على غيره، فلا تكون في الأمة إلا إرادة واحدة متعاونة، تجعل المسلم وما هو روح أمته تعمل به أعمالها هي لا أعماله وحدها. المسلم إنسان ممتد بمنافعه في معناه الاجتماعي حول أمته كلها، لا إنسان ضيق مجتمع حول نفسه بهذه المنافع؛ وهو من غيره في صدق المعاملة الاجتماعية كالتاجر من التاجر؛ تقول الأمانة لكليهما: لا قيمة لميزانك إلا أن يصدقه ميزان أخيك. ولن يكون الإسلام صحيحا تماما حتى يجعل حامله مثلا من نبيه في أخلاق الله؛ فما هو بشخص يضبط طبيعته؛ يقهرها مرة وتقهره مرارًا؛ ولكن طبيعة تضبط شخصها فهي قانون وجوده. لا يضطرب من شيء، وكيف يضطرب ومعه الاستقرار؟ لا يخاف من شيء، وكيف يخاف ومعه الطمأنينة؟ لا يخشى مخلوقا، وكيف يخشى ومعه الله؟ أيها الأسد! هل أنت بجملتك إلا في طبيعة مخالبك وأنيابك؟

стр. 327

وحي الهجرة *: إن التاريخ ليتكلم بلغة أوسع من ألفاظه إذا قرأه من يقرؤه على أنه بعض نواميس الوجود، صورت فيها النفس الإنسانية كيف اعتورت أغرضها، وكيف مدت في نسقها، وكيف تغلغلت في مسالكها، وما تأتي لها فجرت به مجراها، وما دفعها فانحدرت منه إلى مقارها، فهو ليس بكلام تستقبله تقرأ فيه، ولكنه أحوال من الوجود تعترضها فتغير عليك حسك بإلهامها وأحلامها، وتتناولها من ناحية فتتناولك من الأخرى؛ فإذا الكلمة من ورائها معنى، من ورائه طبيعة، من ورائها سبب وحكمة؛ وإذا كل حادثة فيها إنسانيتها وإلهيتها معا، وإذا الوجود في ذهنك كالساعة ترسم لك حد الثانية بخطرتين، وحد الدقيقة من عدد محدود من الثواني، وحد الساعة إلى حد اليوم؛ وإذا البيان في نفسك من كل هذه الحواشي، وإذا التاريخ فيا تقرؤه مفنن في ظاهره وباطنه يفيء عليك من ألفاظه ومعانيه بظلال هي صلتك أنت أيها الحي الموجود بأسرار ما كان موجودًا من قبل. كذلك قرأت بالأمس تاريخ الهجرة النبوية في كتاب أبي جعفر الطبري لأكتب عنه هذه الكلمة، فلم أكن -علم الله- في كتاب ولا في حكاية، بل في عالم انبثق في نفسي مخلوقا تأما بأهله، وحوادث أهله، وأسرار أهله جميعًا، كما يرى المحب حبيبه, لا يكون الجميل في محل إلا امتلأ مكانه بعاشقه، فهو مكان من النفس، لا من الدنيا وحدها، وفيه الحياة كما هي في الوجود بمظهر المادة، وكما هي في الحب بمظهر الروح. وتلك حالة من القراءة بالروح والكتابة بالروح، متى أنت سموت إليها رأيت فيها غير المعنى يخرج معنى، ومن لا شيء تخلق الأشياء، لأنك منها اتصلت بأسرار نفسك، ومن نفسك اتصلت بأسرار فوقها؛ فيصبح التاريخ معك فن الوجود الإنساني على الوجه الذي أفضت به الحكمة إلى الحياة لتستمر بالنفس الإنسانية،

стр. 328

لا فن علم الناس على الوجه الذي أفضت به الحوادث مما بين الحياة والموت. نشأ النبي ﷺ في مكة، واستنبئ على رأس الأربعين من سنه، وغبر ثلاث عشرة سنة يدعو الله من قبل أن يهاجر إلى المدينة، فلم يكن في الإسلام أول بدأته إلى رجل وامرأة وغلام: أما الرجل فهو هو ﷺ ، وأما المرأة فزوجه خديجة، وأما الغلام فعلي ابن عمه أبي طالب. ثم كان أول النمو في الإسلام بحر وعبد: أما الحر فأبو بكر، وأما العبد فبلال، ثم اتسق النمو قليلا قليلا ببطء الهموم في سيرها، وصبر الحر في تجلده؛ وكأن التاريخ واقف لا يتزحزح، ضيق لا يتسع، جامد لا ينمو؛ وكأن النبي ﷺ أخو الشمس, يطلع كلاهما وحده كل يوم. حتى إذا كانت الهجرة من بعد، فانتقل الرسول إلى المدينة, بدأت الدنيا تتقلقل، كأنما مر بقدمه على مركزها فحركها؛ وكانت خطواته في هجرته تخط في الأرض، ومعانيها تخط في التاريخ؛ وكانت المسافة بين مكة والمدينة، ومعناها بين المشرق والمغرب. لقد كان في مكة يعرض الإسلام على العرب كما يعرض الذهب على المتوحشين, يرونه بريقا وشعاعًا ثم لا قيمة له، وما بهم حاجة إليه، وهو حاجة بني آدم إلا المتوحشين, وكانوا في المحادة والمخالفة الحمقاء، والبلوغ بدعوته مبلغ الأوهام والأساطير, كما يكون المريض بذات صدره مع الذي يدعوه في ليلة قارة إلى مداواة جسمه بأشعة الكواكب؛ وكانت مكة هذه صخرًا جغرافيا يتحطم ولا يلين، وكأن الشيطان نفسه وضع هذا الصخر في مجرى الزمن ليصد به التاريخ الإسلامي عن الدنيا وأهلها. وأوذي رسول الله ﷺ ، وكذب وأهين، ورجف به الوادي يخطو فيه على زلازل تتقلب، ونابذه قومه وتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه، وانصفق عنه عامة الناس وتركوه إلا من حفظ الله منهم؛ فأصيب كبيرا باليتم من قومه، كما أصيب صغيرًا باليتم من أبويه. وكان لا يسمع بقادمه من العرب له اسم وشرف، إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض نفسه عليه؛ ومع ذلك بقيت الدعوة تلوح وتختفي كما يشق البرق منسحابة على السماء, ليس إلا أن يرى ثم لا شيء بعد أن يرى!

стр. 329

فهذا تاريخ ما قبل الهجرة في جملة معناه، غير أني لم أقرأه تاريخا، بل قرأت فيه فصلا رائعا من حكمة إلهية، وضعه الله كالمقدمة لتاريخ الإسلام في الأرض؛ مقدمة من الحوادث والأيام تحيا وتمر في نسق الرواية الإلهية المنطوية على رموزها وأسرارها، وتظهر فيها رحمة الله تعمل بقسوة، وحكمة الله تتجلى في غموض؛ فلو أنت حققت النظر لرأيت تاريخ الإسلام يتأله في هذه الحقبة، بحيث لا تقرؤه النفس المؤمنة إلا خاشعة كأنها تصلي، ولا تتدبره إلا خاضعة كأنها تتعبد. بدأ الإسلام في رجل وامرأة وغلام، ثم زاد حرا وعبدا؛ أليست هذه الخمس هي كل أطوار البشرية في وجودها، مخلوقة في الإنسانية والطبيعة، ومصنوعة في السياسة والاجتماع؛ فها هنا مطلع القصيدة، وأول الرمز في شعر التاريخ. ولبث النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة لا يبغيه قومه إلا شرا، على أنه دائب يطلب ثم لا يجد، يعرض ثم لا يقبل منه، ويخفق ثم لا يعتريه اليأس، ويجهد ثم لا يتخونه الملل، ويستمر ماضيا لا يتحرف، ومعتزما لا يتحول؛ أليست هذه هي أسمى معاني التربية الإنسانية أظهرها الله كلها في نبيه، فعمل بها وثبت عليها، وكانت ثلاث عشرة سنة في هذا المعنى كعمر طفل ولد ونشأ وأحكم تهذيبه بالحوادث، حتى تسلمته الرجولة الكاملة بمعانيها من الطفولة الكاملة بوسائلها؟ أفليس هذا فصلا فلسفيا دقيقا يعلم المسلمين كيف يجب أن ينشأ المسلم, غناه في قلبه، وقوته في إيمانه، وموضعه في الحياة موضع النافع قبل المنتفع، والمصلح قبل المقلد؛ وفي نفسه من قوة الحياة ما يموت به في هذه النفس أكثر ما في الأرض والناس من شهوات ومطامع؟ ثم أليست تلك العوامل الأخلاقية هي هي التي ألقيت في منبع التاريخ الإسلامي ليعب منها تياره؛ فتدفعه في مجراه بين الأمم، وتجعل من أخص الخصائص الإسلامية في هذه الدنيا, الثبات على الخطوة المتقدمة وإن لم تتقدم، وعلى الحق وإن لم يتحقق؛ والتبرؤ من الأثرة وإن شحت عليها النفس، واحتقار الضعف وإن حكم وتسلط، ومقاومة الباطل وإن ساد وغلب، وحمل الناس على محض الخير وإن ردوا بالشر، والعمل للعمل وإن لم يأت بشيء، والواجب للواجب وإن لم يكن فيه كبير فائدة، وبقاء الرجل رجلا وإن حطمه كل ما حوله؟ ثم هي هي البرهانات القائمة للدهر قيام المنارة في الساحل على نبوة محمد ﷺ تثبت ببرهان الفلسفة وعلوم النفس أنه روح وغاياتها المحتومة بالقدر،

стр. 330

لا جسم ووسائله المتغلبة بالطبيعة؛ ولو كان رجلا ابتعثته نفسه، لتمحل الحيل لسياسته، ولأحدث طمعا من كل مطمع، ولركد مع الحوادث وهب، ولما استمر طوال هذه المدة لا يتجه وهو فرد إلا اتجاه الإنسانية كلها كأنما هو هي. ولو هو كان رجل الملك أو رجل السياسة، لاستقام والتوى، ولأدرك ما يبتغي في سنوات قليلة، ولأوجد الحوادث يتعلق عليها، ولما أفلت ما كان موجودًا منه يتعلق به، ولما انتزع نفسه من محله في قومه وكان واسطة فيهم، ولا ترك عوامل الزمن تبعده وهي كانت تدنيه. قالوا: إن عمه أبا طالب بعث إليه حين كلمته قريش فقال له: يابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي: كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء١، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال: "يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". ثم استعبر ﷺ فبكى. يا دموع النبوة! لقد أثبت أن النفس العظيمة لن تتعزى عن شيء منها بشيء من غيرها كائنا ما كان، لا من ذهب الأرض وفضتها، ولا من ذهب السماء وفضتها إذا وضعت الشمس في يد والقمر في الأخرى. وكل حوادث المدة قبل الهجرة على طولها لست إلا دليل ذلك الزمن على أنه زمن نبي، لا زمن ملك أو سياسي أو زعيم؛ ودليل الحقيقة على أن هذا اليقين الثابت ليس يقين الإنسان الاجتماعي من جهة قوته، بل يقين الإنسان الإلهي من جهة قلبه؛ ودليل الحكمة على أن هذا الدين ليس من العقائد الموضوعة التي تنشرها عدوى النفس للنفس؛ فها هو ذا لا يبلغ أهله في ثلاث عشرة سنة أكثر مما تبلغ أسرة تتوالد في هذه الحقبة؛ ودليل الإنسانية على أنه وحي الله بإيجاد الإخاء العالمي والوحدة الإنسانية. أفلم يكن خروجه عن موطنه هو تحققه في العالم؟ ثلاث عشرة سنة, كانت ثلاثة عشر دليلًا تثبت أن النبي ﷺ ليس رجل ملك، ولا سياسة، ولا زعامة؛ ولو كان واحدا من هؤلاء لأدرك في قليل؛ وليس مبتدع شريعة من نفسه، وإلا لما غبر في قومه وكأنه لم يجدهم وهم حوله؛ وليس

стр. 331

صاحب فكرة تعمل أساليب النفس في انتشارها؛ ولو كان لحملهم على محضها وممزوجها؛ وليس رجلا متعلقا بالمصادفات الاجتماعية، ولو هو كان لجعل إيمان يوم كفر يوم؛ وليس مصلح عشيرة يهذب منها على قدر ما تقبل منه سياسة ومخادعة، ولا رجل وطنه تكون غايته أن يشمخ في أرضه شموخ جبل فيها، دون أن يحاول ما بلغ إليه من إطلاله على الدنيا إطلال السماء على الأرض، ولا رجل حاضره إذا كان واثقا دائما أن معه الغد وآتيه، وإن أدبر عنه اليوم وذاهبه؛ ولا رجل طبيعته البشرية يلتمس لها ما يلتمس الجائع لبطنه، ولا رجل شخصيته يستهوي بها ويسحر، ولا رجل بطشه يغلب به ويتسلط، ولا رجل الأرض في الأرض، ولكن رجل السماء في الأرض. هذه هي حكمة الله في تدبيره لنبيه قبل الهجرة, قبض عنه أطراف الزمن، وحصره من ثلاث عشرة سنة في مثل سنة واحدة، ولا تصدر به الأمور مصادرها كي تثبت أنها لا تصدر به، ولا تستحق به الحقيقة لتدل على أنها ليست من قوته وعمله. وكان ﷺ على ذلك -وهو في حدود نفسه وضيق مكانه- يتسع في الزمن من حيث لا يرى ذلك أحد ولا يعلمه، وكأنما كانت شمس اليوم الذي سينتصر فيهن -قبل أن تشرق على الدنيا بثلاث عشرة سنة -مشرقة في قلبه ﷺ . والفصل من السنة لا يقدمه الناس ولا يؤخرونه، لأنه من سير الكون كله؛ والسحابة لا يشعلون برقها بالمصابيح، ومع النبي من مثل ذلك برهان الله على رسالته، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] فحل الفصل، وانطلقت الصاعقة، وكانت الهجرة. تلك هي المقدمة الإلهية للتاريخ، وكان طبيعيا أن يطرد التاريخ بعدها، حتى قال الرشيد للسحابة وقد مرت به: أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك!

стр. 332

فلسفة القصة ... فلسفة قصة *: ماتت خديجة زوج النبي ﷺ ومات عمه أبو طالب في عام واحد، في السنة العاشرة من النبوة، فعظمت المصيبة فيهما عليه، إذ كان عمه هذا يمنعه من أذى قريش, ويقوم دونه فلا يخلصون إليه بمكروه؛ وكان أبو طالب من قريش كالعقيدة السياسية, هي بطبيعتها قوة نافذة على قوة القبيلة؛ فمن ثم كان هو وحده المشكلة النفسية المعقدة التي تعمل قريش جاهدة في حلها، وقامت المعركة الإسلامية الأولى بين إرادتهم وإرادته، وهم أمة تحكمهم الكلمة الاجتماعية التي تسير عنهم في القبائل؛ وتاريخهم ما يقال في الألسنة من معاني المدح والذم، فيخشون المقالة أكثر مما يخشون الغارة، وقد لا يبالون بالقتلى والجرحى منهم، ولكنهم يبالون بالكلمات المجروحة. فكان من لطيف صنع الله للإسلام، وعجيب تدبيره في حماية نبيه ﷺ , وضع هذه القوة النفسية في أول تاريخ النبوة, تشتغل بها سخافات قريش، وتكون عملا لفراغهم الروحي، وتثير فيهم الإشكال السياسي الذي يعطل قانونهم الوحشي إلى أن يتم عمل الأسباب الخفية التي تكسر هذا القانون، فإن المصنع الإلهي لا يخرج أعماله التامة العظيمة إلا من أجزاء دقيقة. أما خديجة زوج النبي ﷺ فكانت في هذه المحنة قلبا مع قلبه العظيم، وكانت لنفسه كقوله "نعم" للكلمة الصادقة التي يقول لها كل الناس "لا"؛ وما زالت المرأة الكاملة المحبوبة هي التي تعطي الرجل ما نقص من معاني الحياة, وتلد له المسرات من عواطفها كما تلد من أحشائها فالوجود يعمل بها عملين عظيمين: أحدهما زيادة الحياة في الأجسام، والآخر إتمام نقصها في المعاني. ويموت أبي طالب وخديجة، أفرد النبي ﷺ بجسمه وقلبه، ليتجرد من الحالة التي يغلب فيها الحس، إلى الحالة التي تغلب فيها الإرادة، ثم ليخرج من أيام

стр. 333

الاستقرار في أرضه، إلى الأيام المتحركة به في هجرته، ثم لينتهي بذلك إلى غاية قوميته الصغيرة المحدودة، فيتصل من ذلك بأول عالميته الكبرى. وأراد الله -تعالى- أن يبدأ هذا الجليل العظيم من أسمى خلال الجلال والعظمة، ليكون أول أمره شهادة بكماله، فكانت الحسنة فيه بشهادة السيئة من قومه، فحلمه بشهادة رعونتهم، وأناته بدليل طيشهم، وحكمته ببرهان سفاهتهم؛ وبذلك ظهر الروحاني روحانيا في المادة. قالوا: فنالت منه قريش، ووصلوا من أذاه إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياة عمه، حتى نثر بعضهم التراب على رأسه، كأنما يعلمونه أنه أهون عليهم من أن يكون حرا، فضلا عن أن يكون عزيزًا، فضلا عن أن يكون نبيا؛ قالوا: فدخل رسول الله ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي! كانت تبكي إذ لا تعلم أن هذا التراب على رأس النبي العظيم هو شذوذ الحياة الأرضية الدنيئة, في مقابلة إنسانها الشاذ المنفرد، هذه القبضة من التراب الأرضي قبضة سفيه، تحاول رد الممالك الإسلامية العظيمة أن تنشأ نشأتها وتعمل عملها في التاريخ، فهي في مقدارها وسخافتها ومحاولتها، كعقل قريش حينئذ في مقداره وسخافته ومحاولته. أما النبي ﷺ فقال لبنته: "يا بنية لا تبكي، فإن الله مانع أباك". حسبت ذلك هوانا وضيعة، فأعلمها أن قبضة من التراب لا تطمر النجم، وأن هذه الحثوة الترابية لا تسمى معركة أثارتها الخيل فجاءت بنتيجة، وأن ساعة من الحزن في يوم، لا يحكم بها على الزمن كله، وأن هذه النزوة التي تحركت الآن هي حمق الغباوة: قوتها نهايتها. "يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك". أي ليس للنبي كبرياء ينالها الناس أو يغضون عنها فيأتي الدمع مترجما عن المعنى الإنساني الناقص مثبتا أنه ناقص، إنما هي النبوةك قانونها غير ما اعتادت النفس من أفراح وأحزان، وهي النبوة: تجعل المختار لها غير محدود بجسده الضعيف، بل حدوده الحقائق التي فيها قوتها، فهو في منعة الواقع الذي لا بد أن يقع، فلو أمكن أن يحذف يوم من الزمن أو يؤخر عن وقته، أمكن أن يؤخر النبي أو يحذف. "يا بنية لا تبكي إن الله مانع أباك" لا -والله- ما يقول هذه الكلمة إلا نبي

стр. 334

وسع التاريخ في نفسه الكبيرة قبل أن يوجد هذا التاريخ في الدنيا، فكلمته هي الإيمان والثقة إذ يتكلم عن موجود. تراب ينثره سفيه على رأس النبي! ويحك يا حقارة المادة؛ إن ارتفاعك لعنة، إن ارتفاعك لعنة. قالوا: وخرج رسول الله ﷺ وحده إلى الطائف، يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه، فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادتهم وأشرافهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته والقيام معه في الإسلام على من خالفه من قومه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط١ لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد ﷺ إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من السفهاء. فلما اطمأن ﷺ في مجلسه قال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس؛ يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك". ألا ما أكمل هذه الإنسانية التي تثبت أن قوة الخلق هي درجة أرفع من الخلق نفسه, فهذا فن الصبر لا الصبر فقط، وفن الحلم ولا الحلم وحده. قوة الخلق هي التي تجعل الرجل العظيم ثابتا في مركز تاريخه لا متقلقلا في تواريخ الناس، محدودا بعظائم شخصيته الخالدة لا بمصالح شخصه الفاني، ناظرا في الحياة إلى الوضع الثابت للحقيقة لا إلى الوضع المتغير للمنفعة. وما كان أولئك الأشراف وسفهاؤهم وعبيدهم إلا معاني الظلم، والشر،

стр. 335

والضعف، تقول للنبي العظيم الذي جاء يمحوها ويديل منها: إننا أشياء ثابتة في البشرية. لم يكن منهم الأشراف والسفهاء والعبيد، بل كان منهم العسف، والرق، والطيش، تسخر ثلاثتها من نبي العدل، والحرية، والعقل، فما تسخر إلا من نفسها. صغائر الحياة قد أحاطت بمجد الحياة، لتثبت الصغائر أنها الصغائر، وليثبت المجد أنه المجد. كان الفريقان هما الفكرتين المتعاديتين أبدا على الأرض: إحداهما عش لتأكل وتستمتع وإن أهلكت، والأخرى عش لتعمل وتنفع الناس وإن هلكت. كانت الأقدار تبادي هذا الروح الواسع بذلك الروح الضيق، لينطلق الواسع من مكانه ويستقبل الدنيا التي عليه أن ينشئها. فأولئك الأشراف والسفهاء والعبيد إن هم إلا الضيق، والركود، وذل العيش، حول السعة الروحية، والسمو، وطهارة الحياة. وقف المعنى السماوي بين معاني الأرض، ولكن نور الشمس ينبسط على التراب فلا يعفره التراب، وما هو بنور يضيء أكثر مما هو قوة تعمل بالعناصر التي من طبيعتها أن تحول، في العناصر التي من شأنها أن تتحول. وكان بين النبي ﷺ وبين أولئك المستهزئين قوة أخرى, هي القدرة التي تعمل بهذا النبي للعالم كله، وبهذه القدرة لم ينظر النبي إلى قريش وصولتهم عليه إلا كما ينظر إلى شيء انقضى، فكان الوجود الذي يحيط به غير موجود، وكانت حقيقة الزمن الآتي تجعل الزمن الحاضر بلا حقيقة. وإلى هذه القدرة توجه النبي ﷺ بذلك الدعاء البليغ الخالد، يشكو أنه إنسان فيه الضعف وقلة الحيلة، فينطق الإنساني فيه بالشطر الأول من الدعاء يذكر انفراده وآثار انفراده، ويتوجع لما بينه وبين إنسانية قومه، ثم ينطق الروحاني فيه بعد ذلك إلى آخر الدعاء متوجها إلى مصدره الإلهي قائلا أول ما يقول: "إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي". ولعمري لو نطقت الشمس تدعو الله لما خرجت عن هذا المعنى ولا زادت على قوله: "أعوذ بنور وجهك" تلتمس من مصدر النور الأزلي حياطة وجودها الكامل. ولق هزئوا من قبل بالمسيح "﵇" فقال للساخرين منه: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته. وبهذا رد عليهم رد من انسلخ منهم، وقال لهم قول

стр. 336

من ليس له حكم فيهم، وأخذهم بالشريعة الأدبية لا العملية؛ إذ كان "﵇" كالحكمة الطائفة ليست لكل قلب ولا لكل عقل، ولكنها لمن أعد لها؛ وشريعته أكثرها في التعبير وأقلها في العمل، ولم تجئ بالقوة العاملة فلم يكن بد من أن تضع الموعظة في مكان السيف، وأن تكون قائمة على النهي أكثر مما هي قائمة على الأمر، وأن تكون كشمس الشتاء الجميلة: لا تغلي بها الأرض، وإنما عملها أن تمهد هذه الأرض لفصل آخر. أما نبينا ﷺ فلم يجب المستهزئين, إذ كانت القوة الكامنة في بلاد العرب كلها كامنة فيه، وكان صدره العظيم يحمل للدنيا كلمة جديدة لا تقبل الدنيا أن تعامله عليها إلا بطريقتها الحربية؛ فلم يرد رد الشاعر الذي يريد من الكلمة معناها البليغ، ولكنه سكت سكوت المشترع الذي لا يريد من الكلمة إلا عملها حين يتكلم؛ وكان في سكوته كلام كثير في فلسفة الإرادة والحرية والتطور, وأن لا بد أن يتحول القوم، وأن لا بد أن يتفطر هذا الشجر الأجرد عن ورق جديد أخضر ينمو بالحياة. لم يتسخط ولم يقل شيئا, وكان كالصانع الذي لا يرد على خطأ الآلة بسخط ولا يأس، بل بإرسال يده في إصلاحها. قالوا: ورأى ابنا ربيعة، عتبة وشيبة ما لقي النبي ﷺ من السفهاء، فتحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ فلما وضع يده قال: "بسم الله" ثم أكل؛ فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: -والله- إن هذا لكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. فقال له رسول الله ﷺ : "ومن أي البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ ". قال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال له رسول الله ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ ". قال: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال ﷺ "ذاك أخي, كان نبيا وأنا نبي". فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه ورجليه. يا عجبا لرموز القدر في هذه القصة!

стр. 337

لقد أسرع الخير والكرامة والإجلال فأقبلت تعتذر عن الشر والسفاهة والطيش، وجاءت القبلات بعد كلمات العداوة. وكان ابنا ربيعة من ألد أعداء الإسلام، وممن مشوا إلى أبي طالب عم النبي ﷺ من أشراف قريش يسألونه أن يكفه عنهم أو يخلي بينهم وبينه، أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الفريقين, فانقلبت الغريزة الوحشية إلى معناها الإنساني الذي جاء به الدين، لأن المستقبل الديني للفكر لا للغريزة. وجاءت النصرانية تعانق الإسلام وتعزه، إذ الدين الصحيح من الدين الصحيح، كالأخ من أخيه، غير أن نسب الإخوة الدم ونسب الأديان العقل. ثم أتم القدر رمزه في هذه القصة، بقطف العنب سائغا عذبا مملوءًا حلاوة؛ فباسم الله كان قطف العنب رمزًا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ حبا كل حبة فيه مملكة.

стр. 338

فوق الآدمية * الإسراء والمعراج: من أعجب ما اتفق لي أني فرغت من تسويد هذا المقال ثم أردت نقله، فتعسر علي وصرفت عنه بألم شديد اعتراني، ونالني منه ثقلة في الدماغ؛ ثم كشفه الله بعد يوم فراجعت الكتابة، فإذا قلمي ينبعث بهذه الكلمات: كيف يستوطئ المسلمون العجز، وفي أول دينهم تسخير الطبيعة؟ كيف يستمهدون الراحة، وفي صدر تاريخهم عمل المعجزة الكبرى؟ كيف يركنون إلى الجهل، وأول أمرهم آخر غايات العلم؟ كيف لا يحملون النور للعالم ونبيهم هو الكائن النوارني الأعظم؟ قصة الإسراء والمعراج هي من خصائص نبينا محمد ﷺ هذا النجم الإنساني العظيم؛ وهو النور المتجسد لهداية العالم في حيرة ظلماته النفسية؛ فإن سماء الإنسان تظلم وتضيء من داخله بأغراضه ومعانيه. والله -تعالى- قد خلق للعالم الأرضي شمسا واحدة تنيره وتحييه وتتقلب عليه بليله ونهاره، بيد أنه ترك لكل إنسان أن يصنع لنفسه شمس قلبه وغمامها وسحائبها وما تسفر به وما تظلم فيه. ولهذا سمي القرآن نورا لعمل آدابه في النفس، ووصف المؤمنون بأنهم ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] ، وكان أثر الإيمان والتقوى في تعبير القرآن الكريم أن يجعل الله للمؤمنين نورًا يشمون به. وقد حار المفسرون في حكمة ذكر "الليل" في آية "الإسراء" من قوله -تعالى-: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] . فإن السرى في لغة العرب لا يكون إلا ليلًا.

стр. 339

والحكمة هي الإشارة إلى أن القصة قصة "النجم" الإنساني العظيم الذي تحول من إنسانيته إلى نوره السماوي في هذه المعجزة، ويتمم هذه العجيبة أن آيات "المعراج" لم تجئ إلا في سورة: "والنجم". وعلى تأويل أن ذكر "الليل" إشارة إلى قصة النجم، تكون الآية برهان نفسها، وتكون في نسقها قد جاءت معجزة من المعجزات البيانية؛ فإذا قيل: إن نجما دار في السماء، أو قطع ما تقطعه النجوم من المسافات التي تعجز الحساب، فهل في ذلك من عجيب؟ وهل فيه شك أو نظر أو تردد؟ وهل هو إلا من بعض ما يسبح الله بذكره؟ وهل يكون إلا آية اتصلت بالآيات التي نراها اتصال الوجود بعضه ببعض؟ وأنا ما يكاد ينقضي عجبي من قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] . مع أن الألفاظ كما ترى مكشوفة واضحة، ويخيل إليك أن ليس وراءها شيء، ووراءها السر الأكبر؛ فإنها بهذه العبارة نص على إشراف النبي ﷺ فوق الزمان والمكان يرى بغير حجاب الحواس مما مرجعه إلى قدرة الله لا قدرة نفسه؛ بخلاف ما لو كانت العبارة: "ليرى من آياتنا" فإن هذا يجعله لنفسه في حدود قوتها وحواسها وزمانها ومكانها، فيضطرب الكلام، ويتطرق إليه الاعتراض ولا تكون ثم معجزة. وتحويل فعل "الرؤية" من صيغة إلى صيغة كما رأيت، هو بعينه إشارة إلى تحويل الرائي من شكل إلى شكل كما ستعرفه، وهذه معجزة أخرى يسجد لها العقل؛ فتبارك الله منزل هذا الكلام! وإذا كان ﷺ نجمًا إنسانيًا في نوره، فلن يأتي هذا إلا من غلبة روحانيته على مادته؛ وإذا غلبت روحانيته كانت قواه النفسية مهيأة في الدنيا لمثل حالتها في الأخرى؛ فهو في هذه المعجزة أشبه بالهواء المتحرك. فقل الآن: أيعترض على الهواء إذا ارتفع بأنه لم يترفع في طيارة؟ ومن ثم كان الإنسان إذا سما درجة واحدة في ثبات قواه الروحية، سما بها درجات فوق الدنيا وما فيها، وسخرت له المعاني التي تسخر غيره من الناس، ونشأت له نواميس أخلاقية غير النواميس التي تتسلط بها الأهواء. ومتى وجد الشيء من الأشياء كانت طبائع وجوده هي نواميسه؛ فالنار مثلا إذا هي تضرمت أوجدت الإحراق فيما يحترق، فإن وضع فيها ما لا يحترق أبطل نواميسها وغلب عليها.

стр. 340

وكل معجزة تحدث فهذا هو سبيلها في إيجاد النواميس الخاصة بها وإبطال النواميس المألوفة، وبهذا يقال: إنها خرقت العادة. ومن النور نور لا يشف له غير الهواء، ومنه أشعة "رونتجن" التي تشف لها الجدران والحجب؛ فهذه معجزة في ذاك. والنبي لا يكون نبيا حتى يكون في إنسانه إنسان آخر بنواميس تجعله أقرب إلى الملائكة في روحانيتها، وما ينزل إنسانه الظاهر من الإنسان الباطن فيه إلا منزلة من يتلقي ممن يعطي؛ فذاك الباطن هو للحقائق التي لا تحملها الدنيا، وهذا الظاهر لما يمكن أن يبلغ إليه الكمال في المثل الإنسان الأعلى، ولولا ذلك الباطن ما استطاع نبي من الأنبياء أن يحمل هموم أمة كاملة لا تضنيه ولا تغيره ولا تعجزه. فحقيقة النبوة أنها قوة من الوجود في إنسان مختار جاءت تصلح الوجود الإنساني به لتقر في هذه الحيوانية المهذبة مثلها الأعلى، بدلالتها على طريقها النفسي مع طريقها الطبيعي، فيكون مع الانحطاط الرقي، ومع النقص الكمال، ومع حكم الغريزة التحكم في الغريزة، ومع الظلمة المادية الإشراق الروحاني. وما المعجزات إلا شأن تلك القوة الباطنة لا شأن إنسانها الظاهر، ومن الذي ينكر أن قوى الوجود هي في نفسها إعجاز للعقل البشري؟ وهل ينكر اليوم أحد شأن هذه القوة في "الراديو" حين مسته فجعلت الكلمة التي ترسل بين الشرق والغرب، كالكلمة بين اثنين يتحدثان في مجلس واحد؟ ونحن نرى معجزات التنويم المغناطيسي وما يبصره النائم وما يسمعه، وما ينكشف له مما وراء الزمان والمكان؛ وليس التنويم شيئا إلا تسليط الذات الباطنة بقواها الروحية العجيبة، على الذات الظاهرة المقيدة بحواسها المحدودة، فتطغى عليها، فتصبح الحواس مطلقة شائعة في الوجود بمقدار ما فيها من قواه لا بمقدار ما فيها من قوة شخصها. وعلى نحو من ذلك يتصل الرجل الروحاني بذاته الباطنة، فيوقع شخصه الظاهر في الاستهواء، فينكشف له الوجود، ويبصر ما يقع على البعد، ويرى ما هو آت قبل أن يأتي؛ وما الكون في هذه الحالة إلا كالمعشوق يقول لعاشقه الذي وقع في قلبه الحب: قد آتيتك نورًا تنظر به جمالي. وفي علماء عصرنا من يفكر في الصعود إلى القمر، وفيهم من يعمل

стр. 341

للمخاطبة مع الأفلاك، وفيهم من تقع له العجائب في استحضار الأرواح وتسخيرها؛ وكل ذلك أول البرهان الكوني الذي سيلزم العلم فيضطره في يوم ما إلى الإقرار بصحة الإسراء والمعراج. ونحن قبل أن نبدي رأينا في القصة نلم بها إلمامة موجزة؛ فقد اختلفت فيها الأحاديث ووقع فيها تخليط كثير، فجاءت فنونا وأنواعا من طرق شتى، حتى جمعها بعضهم في جزأين١، وما تحتمل كل ذلك ولا بعضه، ولكن روح الرواية في ذلك الزمن كانت كروح الصحافة في هذا العصر: متى فارت فورها استحدثت من كل عبارة عبارة أخرى، وعلى هذه الطريقة تخرج من العبارتين عبارة ثالثة، فيكون الأصل معنى واحد وإذا هو يمد من يمينه ويساره. ولا يرون بذلك بأسا؛ فإنهم يشدون به الرأي، ويضاعفون منه اليقين، ويزيدون ضوءًا في نور المعنى، وما داموا قد أثبتوا الأصل واستيقنوه، فلا حرج أن يؤيد القول بعضه بعضا, باجتهاد في عبارة, واستنباط من أخرى, وزيادة في الثالثة مما هو بسبيل منها، على نحو ما نرى من فن الرواية القصصية؛ إذ تتعدد الأساليب والعبارات مختلفة متنوعة، وليس تحتها إلا حقيقة واحدة لا تختلف، والقصص الديني في هذه اللغة العربية فن كامل قائم بنفسه, ولا يبدع العقل والخيال والعاطفة أقوى منه ولا أعجب ولا أغرب. هذا في متن القصة، أما في واقعتها فقد اختلفوا اختلافًا آخر: هل كان الإسراء والمعراج يقظة أو منامًا؟ وبالروح وحدها، أو بالروح والجسم معا؟ وإنما ذكرنا هذا الخلاف لأنه الدليل القاطع على أن النبي ﷺ لم يخبر بشيء من ذلك, فلم يعين لهم وجها من هذه الأوجه، والحكمة في ذلك أن عقولهم لم تكن تحتمل الإدراك العلمي الذي أساسه ما عرف اليوم من أمر الكهرباء والأثير. والخلاصة التي تتأدى من القصة: أنه ﷺ كان مضطجعًا، فأتاه جبريل، فأخرجه من المسجد، فأركبه البراق، فأتى بيت المقدس، ثم دخل المسجد فصلى فيه، ثم عرج به إلى السموات، فاستفتحها جبريل واحدة واحدة، فرأى فيها من آيات ربه، واجتمع بالأنبياء -صلوات الله عليهم- وصعد في سماء بعد سماء إلى سدرة المنتهى، فغشيها من أمر الله ما غشيها، فرأى ﷺ مظهر الجمال الأزلي، ثم زج به في النور فأوحى الله إليه ما أوحى.

стр. 342

أما وشي القصة وطرازها فباب عجيب من الرموز الفلسفية الإنسانية التي يرمز بها إلى تجسيد الأعمال في هذه الحياة: تكون تعبا وتقع فائدة، أو تلتمس منفعة وشهوة وتقع مضرة وحماقة، ثم تفنى من هذه وتلك الصورة الزمنية التي توهمها أصحابها، وتخلد الصور الأبدية التي جاءت بها حقائقها. ومن هذه الرموز البديعة قوله: "فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: أخذت الفطرة". وأنه مر على قوم يزرعون ويحصدون في كل يوم، كلما حصدوا عاد كما كان؛ فسأل: "ما هذا؟ " , قال جبريل: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة سبعمائة ضعف. ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء؛ فقال: "ما هذا؟ " , قال جبريل: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة. ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم آخر نيئ في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث ويدعون النضيج؛ فقال: "ما هؤلاء؟ " ,قال جبريل: هذا الرجل تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي رجلا خبيثا. ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: "ما هذا يا جبريل؟ " , قال: هذا الرجل تكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها. ثم رأى نساء معلقات بثديهن؛ فسأل، فقال جبريل: هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم. ونحن على الرأي الذي عليه جمهور العلماء: من أن الإسراء والمعراج كانا بالجسم والروح معا على التأويل الذي سنبينه؛ ويثبت ذلك قوله -تعالى- في سورة "والنجم": ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] . فلا يكون البصر يزيغ ويطغى إلا في الجسم، ولا ينتفي عنه ذلك إلا وهو في الجسم. ولم يتنبه أحد من المفسرين إلى المعنى المعجز العجيب في قوله: ﴿وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] ؛ فذلك نص على أنه كان يرى بجسم قد تحول عن الطبيعة الآدمية المحدودة فليس فيه منها شيء؛ إذ لا يكون طغيان البصر إلى من تسلط الخيال عليه بأهواء الجسم التي لا يستقيم بها حكم على حقيقته, فما زاغ البصر بكونه مقيد الحاسة، ولا طغى بكونه مطلق الخيال، بل كان كما يريه الله من آياته، أي كان حقيقة كونية في غير حالتها الأرضية الناقصة.

стр. 343

والذين قالوا: إن الإسراء والمعراج كانا رؤيا رآها النبي ﷺ احتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] . وقد خلط المفسرون في هذا أيضا، وإنما كان التعبير بلفظ "الرؤيا" -وهي التي تكون منامًا- لنفي تأثير الحواس على الرائي، وإثبات أن الطبيعة الآدمية بجملتها كانت فيه كالنائمة عن حياتها الأرضية بحقائقها وأخيلتها معا، فليس نائما كالنائم، ولا مستيقظا كالمستيقظ. وفي أساس القصة جبريل والبراق، وهما القوة الملائكية والقوة الطبيعية، أو الروح الملائكي، والروح الطبيعي، ولم يوصف البراق بأنه دابة إلا رمزًا، إذ لا يأتي للعرب أن يفهموا ما يراد منه؛ وعندنا أنه سمي البراق من البرق، وما البرق إلا الكهربائية، وهذا هو المراد منه؛ فتلك قوة كهربائية متى نبضت جمعت أول العالم بآخره؛ وهذه هي الحكمة في أن آية الإسراء لم تذكر أنه كان محمولا على شيء، إذ لم يكن محمولا إلا على روح الأثير. وما دامت القوة الملائكية والقوة الطبيعية قد سخرتا له ﷺ فلا معنى لأن يكون ذلك للروح دون الجسم، بل اجتماعهما معا في القصة دليل على أن سر المعجزة إنما كان في تيسير ملاءمة جسمه الشريف لهاتين الحالتين؛ فيتحول في صورة كونية ملائكية بين سر الملك وسر الطبيعة، وحينئذ لا تجري عليه أحكام الحواس ولا أحكام المادة. ومن الممكن أن تتحول الأجسام إلى حالتها الأثيرية في بعض الأحوال الخارقة، وبهذا يعلل طي الأرض لبعض الروحانيين, وتعلل خوارق كثيرة مما يحدث في استحضار الأرواح لهذا العهد، ومما يأتيه فقراء الهند، ومما كان يصنعه "هوديني" الأمريكي: إذ كانوا يغللونه بالسلاسل والقيود ثم يرونه طليقا؛ ويحسبونه في السجون المحصنة يقوم عليها الحراس وتمسكه فيها الأبواب والجدران ثم يجدونه في بعض الفنادق. وليس للعقل أن ينكر شيئا من هذه ونحوه، فإن تركيب الطبيعة رد عليه، ونقصه هو رد على نفسه، والمستحيل على الأعمى هو أيسر الممكنات على المبصر. فأنت ترى أن ذكر البراق والملك في أساس قصة الإسراء والمعراج هو صلة القصة بالمعجزة، وهو عينه صلتها بالبرهان؛ ولو لم يكونا فيها لما كان لها تفسير.

стр. 344

والقصة بعد ذلك تثبت أن هذا الوجود يرق وينكشف ويستضيء كلما سما الإنسان بروحه، ويغلظ ويتكاثف ويتحجب كلما نزل بها، وهي من ناحية النبي ﷺ قصة تصفه بمظهره الكوني في عظمته الخالدة كما رأى ذاته الكاملة في ملكوت الله، ومن ناحية كل مسلم من أتباعه هي كالدرس في أن يكون لقلب المؤمن معراج سماوي فوق هذه الدنيا، ليشهد ببصيرته أنوار الحق، وجمال الخير، وتجسد الأعمال الإنسانية في صورها الخالدة؛ فيكون بتدبره القصة كأنما يصعد إلى السماء وينزل؛ فيستريح إلى الحقائق الأساسية لهذه الحياة، فيدفع عن نفسه بذلك تعقد الأخيلة الذي هو أساس البلاء على الروح. ومتى استنار القلب كان حيا في صاحبه، وكان حيا في الوجود كله. ومتى سلمت الحياة من تعقيد الخيال الفاسد لم يكن بين الإنسان وبين الله إلا حياة هي الحق والخير، ولم يكن بينه بين الناس إلا حياة هي الرحمة والحب.

стр. 345

الإنسانية العليا *: من أوصاف النبي ﷺ إنه كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت لا يذم منها شيئا, ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها؛ وكان خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، ولا يطوي عن أحد من الناس بشره، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء؛ يحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف؛ وكان أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، له نور يعلوه كأن الشمس تجري في وجهه، لا يؤيس راجيه, ولا يخيب عافيه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول؛ أجود الناس بالخير١. صلى الله وسلم على صاحب هذه الصفات التي لا يجد الكمال الإنساني مذهبا عنها ولا عن شيء منها، ولا يجد النقص البشري مساغا إليها ولا إلى شيء منها؛ ففيها المعنى التام للإنسانية، كما أن فيها المعنى التام للحق، ومن اجتماع هذين يكون فيها المعنى التام للإيمان. هي صفات إنسانها العظيم، وقد اجتمعت له لتأخذ عنه الحياة إنسانيتها العالية؛ فهي بذلك من برهانات نبوته ورسالته. ولو جمعت كل أوصافه ﷺ ونظمتها بعضها إلى بعض، واعتبرتها بأسرارها العلمية لرأيت منها كونا معنويا دقيقا قائما بهذا الإنسان الأعظم، كما يقوم هذا

стр. 346

الكون الكبير بسننه وأصول الحكمة فيه، ولأيقنت أن هذا النبي الكريم إن هو إلا معجم نفسي حي ألفته الحكمة الإلهية بعلم من علمها، وقوة من قوتها، لتتخرج به الأمة التي تبدع العالم إبداعا جديدًا، وتنشئه النشأة المحفوظة له في أطوار كماله. ولن ترى في الإنسانية أسمى من اجتماع هذه الصفات بعضها إلى بعض وإني لأكاد كلما تأملتها أحسب هذا السمو قضاء وقدرًا بإنسان على الإنسانية كلها. وهي دليل على أنه الإنسان الذي خلق للدنيا لا لنفسه؛ فهو لا ينمو بما يكون على الناس من الحق، ولكن بما يكون للناس عليه من الواجبات، كأنما هو حقيقة كونية تعيش عيشها، فما تكون في الوجود إلا لتقرر وجودها هي، ولا تنتهي حين تنتهي بذاتها إلا لتبدأ معانيها في غيرها، فهو ﷺ إنسان غرس في التاريخ غرسا ليكون حدا لزمن وأولا لزمن بعده، وما كانت حياته تلك إلا طريقة غرسه، وهو أبدًا قائم في مكانه الاجتماعي، إذ كان الزمن كلما تقدم زاد في إثباته، وقد أصبح في الدنيا كأنه جهة من الجهات لا إنسان من الناس، فلن يتغير أو يمحى إلا إذا تغير أو محي المشرق والمغرب. ونحن حين نقرأ تلك الصفات وما فاضت به كتب الشمائل من أمثالها، لا نقرؤها أوصافا ولا حلية، بل نراها صفحة إلهية مصنفة أبدع تصنيف وأدقه، ومن وراء تأليفها تفسير طويل لا يهتدي الفكر البشري لأحسن منه ولا أصح ولا أكمل؛ فقد اجتمعت تلك الصفات في إنسانها اجتماع الأجزاء في المسألة الرياضية, لا ينبغي أن تزيد أو تنقص، إذ كان في مجموعها ما وجد له مجموعها. ويكاد الارتباط بين أجزاء المسألة يكون هو بعينه صورة للارتباط بين أجزاء تلك الصفات الشريفة؛ فإن كل جزء منها موضوع وضعا لا يتم الكل إلا به، حتى لا موضع فيها لقلة أو كثرة؛ وهذا معنى قوله ﷺ : "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، وأنت إذا دققت في هذا الحديث أدركت من معناته أن هناك طبيعة أخلاقية مفردة تجرى على قانونها الذي وضعه الله لها وأحكمها به. وأعجب ما يدهشنا من مجموع صفاته ﷺ أن فيها دليلًا بينا على أنه مخلوق خلقة متميزة بنفسها، كخلقة القلب الإنساني: نظامه حياته وحياته نظامه، وكأنما اعترته حالة نفسية كالتي تعتري القلب في استشعار الخطر فتخرجه من طبيعته إلى أقوى منها، فلا يزال يمد أعضاء الجسم بمدد لا ينفد من القوة والصبر، يجعل الحياة فيها على أضعافها كأنها حياة كانت مخبوءة وظهرت بغتة؛ وفي هذه الحالة تتجه غرائز النفس كلها إلى جهة واحدة كأنها مقدرة بميزان، مضبوطة بقياس؛

стр. 347

فترجع على تناقضها واختلافها متعاونة يؤازر بعضها بعضا، وكان قانونها الطبيعي أن تتجاذب وتتساقط وتفسر الواحدة منها عمل الأخرى, فيجيء بها الشيء وضده معا: كالصدق والكذب، والطمع والقناعة، والشهوات الثائرة والخمود الساكن، إلى آخر ما تعد من هذه الغرائز؛ ولكنها في استعشار الخطر تكون كالأشباه لا كالأضداد، فيشد بعضها بعضا، ويتم النقيض منها نقيضه، وتجري كلها في قانون واحد: هو الدفاع بأجزائها عن مجموعها؛ فترى النازع منها وإنه لمستقر في أشد من القيد، وكأن فيه غير طبيعته. وهل ينبئك مجموع صفاته ﷺ إلا أنه يعيش معيشة القلب إذا اختلف ما حوله وفجأته بغتات الوجود فتجاوز أن يكون منبعا للحياة إلى أن يكون حافظا للحياة في منبعها؟ وتلك الحالة -كما مر بك- تجعل وجود الإنسان هو وجود إرادته وعقله، لا وجود شهواته وغرائزه؛ وكذلك عاش نبينا ﷺ فهو مدة حياته في وجود إرادته لا غيرها، حتى ليس عليه سبيل لغميزة أو لائمة، كأنه خلق تشده نية مستيقظة قد نبهها ما ينبه النفس من الغرر والخطر, ولعل هذا الشعور في نفسه ﷺ هو التفسير لقوله: "نية المؤمن خير من عمله". إلى أحاديث كثيرة مما يجري في معنى هذه الكلمة الجامعة؛ يريد بها: أن نية المؤمن لا تنطوي إلا على الخير الكامل، فهو -ما دامت نيته على صلاحها وسره على إخلاصه- لا يعد اليسير من الشر يسيرا، ولا يرى الكثير من الخير كثيرًا؛ فالأصل القائم في تلك النية المؤمنة ألا يبدأ الشر كي لا يوجد، وألا ينتهي الخير كي لا يفنى؛ فالمؤمن من ذلك على الخير والكمال أبدًا، في حين أن عمله بطبيعته الإنسانية يتناول الخير والشر جميعا، ثم لا يكون إلا عملا إنسانيا على نقص واضطراب والتواء. وقد لا يستطيع المؤمن أن يأتي الخير في بعض أحواله، ولكنه يستطيع دائما أن ينويه ويرغب فيه ويعزم عليه, ليحقق ضميره في كل ما يهم به؛ ويحصر أفكاره في قانون نيته المؤمنة. وهذا هو الأساس في علم الأخلاق، لا أساس من دونه. والنية من بعد هي حارس العمل؛ فكل إنسان يستطيع أن يذعن وأن يأبى، ومن ثم تكون هذه النية ردا ومدافعة من ناحية, واستجابة ومطاوعة من الناحية الأخرى؛ فهي على الحقيقة متى صلحت كانت استقلالا تاما للإرادة، وكانت مع ذلك ضبطا لهذه الإرادة على حال واحدة هي التي ينتظم بها قانون المبدأ السامي.

стр. 348

ثم إنه لا ضابط لصحة العمل واستقامته إلا النية الصحيحة المستقيمة؛ فالتزوير والتلبيس كلاهما سهل ميسور في الأعمال، ولكنهما مستحيلان في النية إذا خلصت. وهي كذلك ضابط للفضائل توجه القلوب على اختلافها وتفاوتها اتجاها واحدًا لا يختلف؛ فيكون طريق ما بين الإنسان والإنسان, من ناحية الطريق ما بين الإنسان وبين الله. وأشواق الروح بطبيعتها لا تنتهي، فيعارضها الجسم بجعل حاجاته غير منتهية؛ يحاول أن يطمس بهذه على تلك، وأن يغلب الحيوانية على الروحانية، فإذا كانت النية مستيقظة كفته وأماتت أكثر نزعاته، ووضعت لكل حاجة حدا ونهاية؛ وبذلك تجرع النية إلى أن تكون قوة في النفس يخرج بها الإنسان عن كثير مما يحده من جسمه، ليخرج بذلك عن كثير مما يحده من معاني الأرض. وهي بعد هذا كله تحمل الإنسان أن ينظر إلى واجبه كأنه رقيب حي في قلبه, لا يرائيه ولا يجامله, ولا يخدع من تأويل, ولا يغر بفلسفة ولا تزيين، ولا يسكته ما تسول النفس, ولا يزال دائما يقول للإنسان في قلبه: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك. وجملة القول في معاني النية أنها قوة تجعل باطن الجسم متساوقا مع ظاهره، فتتعاون الغرائز المختلفة في النفس تعاونا سهلا طبيعيا مطردا، كما تتعاون أعضاء الجسم على اختلافها في اطراد وسهولة وطبيعة. وكل صفات النبي ﷺ -مما ذكرناه وما لم نذكره- متى اعتبرت بذلك الأصل الذي بيناه انتظمها جميعا، فجاء بعضها تمامًا على بعض في نسق رياضي عجيب، وظهرت حكمة كل منهما واضحة مكشوفة، ورأيتها في مجموعها تصف لك عمرا هندسيا دقيقا قد بلغ الغاية من الكمال والروعة والدقة، لا يعد جزء منه جزءًا، بل كله أجزاؤه، وأجزاؤه كله؛ كالوضع الهندسي: إما أن يكون بكله، وإما ألا تكون فيه الهندسة كلها. وليس مجموع تلك الصفات في معناه إلا صنعة الإنسان صنعة جديدة تخرجه موجودًا من ذات نفسه، وتكسرت القالب الأرضي الذي صب فيه وتفرغه في مثل قالب الكون، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي

стр. 349

جسمه، فلا تخضعه المادة، ولا يؤتى من سوء نظره لنفسه, ولا تغره الدنيا، ولا يمسكه الزمان؛ إذ كانت هذه هي صفات المستعبد بأهوائه لا الحر فيها، والخاضع بنفسه لا المستقبل بها، والمقبور في إنسانيته لا الحي فوق إنسانيته، ومثل هذا المستعبد الخاضع المقبور لا وجود له إلا في حكم حواسه، فعمله ما يعيش به لا ما يعيش من أجله، ويتصل بكل شيء اتصالا مبتورًا ينتهي في هوى من أهواء الحيوان الذي فيه. ومن المقابلة العجيبة أن يكون في الإنسان الاجتماعي حيوان، تقابله الحكمة في الحيوان الأليف بإنسان, وحكمها واحد ومنطقهما لا يختلف. فلو أنك سألت حيوان الأعصاب عن صاحبه الإنسان لقال لك: هو غلتي ومزرعتي. ولو سألت كلبا عن حبه صاحبه ومبلغ هذا الحب في نفسه لما زاد في جوابه على أنه يحبه حب اللقمة والعظمة. ومتى كان الإنسان في حكم حواسه لم تعد الأشياء عنده كما هي في نفسها بمعانيها الطبيعية المحدودة، وانقلبت كما هي في وهمه بمعان متفاوتة مضطربة، فلا يشعر المرء بائتلاف الوجود وتعاونه، ولكن باختلافه وتناقضه، فمن ثم لا تكون أسباب اللذة إلا من أسباب الإثم، ويدخل في كل حب بغض، وفي كل رغبة طمع، وفي كل خير شر، وفي كل صريح خبيء، وهلم جرا، إذ لا بد من هذا كله متى غلب الفاني على الباقي، ولا بد من كل هذا في تمثيل رواية الحواس الخادعة التي أساسها التغير والتقلب، حتى لكأن النفس غنما تعيش بها في ظاهر من الحياة لا في الحياة نفسها. وهذا الخداع جاعل كل شيء من أشياء النفس لا يبدأ إلا لينتهي، ثم لا ينتهي إلا ليبدأ؛ فما تزال هذه النفس طامعة فيما لا تناله، ولا يزال من ذلك مصدر لآلامها الحسية؛ ثم إذا هي نالت منالتها سئمت، فلا يزال من ذلك مصدر آخر لآلامها المعنوية، ولن يجيء الصحيح من غير الصحيح، فالكون كله ليس إلا كذبا في النفس الكاذبة بحواسها. ولذا كان أخص أوصافه ﷺ راجعا إلى خروجه من سلطان نفسه، فلا يغضب لها، ولا يطلقها من الدنيا فيما تذمه أو تمدحه، ولا يحب فيها، ولا يبغض من أجلها، ولا يهاونها، ولا يستلين لها في مأكل وملبس، ولا يأخذها إلا من ناحية الإيمان بالله والإيمان بالإنسانية؛ فأفراحها أحزانها، وآمالها أشواقها، وأملاكها

стр. 350

أعمالها، وحسابها في طبيعتها، وحوادثها من العقل لا من الحواس، وعظمتها إثبات ذاتها في غيرها، لا إثبات غيرها في ذاتها، وغايتها في الباقي لا الزائل، وفي الخالد لا الفاني، وما دام الحاضر متحركا فهو طارئ عابر أوشك أمور الدنيا زوالًا، والعمل له على مقداره في قلة لبثه وهوان أمره، والاهتمام أبدًا بما وراءه لا به. فأول النفس النية العاملة لآخرتها، وآخر النفس ما تؤدي إليه أعمال هذه النية؛ فليس في إنسان الدنيا إلا إنسان العالم الآخر، وبهذا يقدر صمته وكلامه، وحركته وسكونه، وما يأتي وما يدع، وما يحب وما يكره، إذ كل شيء منه على ذلك الاعتبار إنما هو صورة الحقيقة العاملة فيه. وجماع الأمر ألا يكون مستقبل الإنسان علامة استهزاء بجانب ماضيه، ولا علامة استفهام، ولا علامة إنكار. وتدل صفات النبي ﷺ باجتماعها وتساوقها على حقيقة عظمى لم يتنبه إليها أحد؛ وهي أن جميع خصائصه النفسية مرهفة متيقظة، وهذا مما يندر وقوعه وإمكانه؛ فإن الرجل من الناس ليكون حيا بالحياة، ولكن جوانب كثيرة من نفسه قد طاح بها الموت، أو هي مريضة وذلك أول الموت؛ أو غافلة وذلك شبه الموت؛ أما الحي العظيم فهو الذي يحيا بأكثر خصائص نفسه، وأما الحي الأعظم فهو الذي يحيا بجميع خصائصها، تملؤه الحياة فيملأ الحياة، ويتمدد السر فيه ليريه حقائق الأشياء ويهديه ويدله، فيكون بنفسه رؤية للناس وهداية ودلالة؛ ومثل هذا يعظم ثم يعظم حتى ليرى الفرق بينه وبين غيره كالفرق بين نور لبس اللحم والدم، وبين تراب لبس الدم واللحم. وذلك لا يكاد يتفق إلا في مراتب أعلاها الامتياز في النبوة، ثم تدنو إلى النبوة؛ ثم تنزل إلى الامتياز في الحكمة؛ ثم تهبط إلى عبقرية الشعر. فأكبر الشعراء قاطبة كالنبي في معناه إلا أنه نبي صغير, وإلا أنه في حدود قلبه. وهذه القوى الثلاث هي التي أبدعتها الحكمة الإلهية لتحويل الحياة والسمو بها؛ فالشاعر يستوحي الجمال إذا تأله الجمال في قلبه، والحكيم يستوحي الحقيقة إذا تألهت في نفسه، والنبي يستوحي الألوهية نفسها. "كان ﷺ متواصل الأحزان" ولكنها أحزان النبوة تكسو الحياة فرح النفس الكبيرة؛ وهو فرح كله حزن وتأمل، وفكرة وخشوع, وطهر وفضيلة؛ وما فرح

стр. 351

أعظم الشعراء بطرب الوجود وجمال الموجودات إلا شيء قليل من حزن النبي. "وكان دائم الفكرة ليست له راحة" إذ هو مكلف أن يصنع الإنسان الجديد وينفخ الآدمية فيه. وفكرة النبي هي معيشته بنفسه مع الحقائق العليا، إذ لا يرى أكثرها تعيش في الناس، وهي الفردية واستقلالها وسموها؛ لأنها إطاقة النفس الكبيرة لوحدتها، بخلاف الأنفس الضعيفة التي لا تطيقها، فدأبها أبدًا أن تبحث عما تستعبد له، أو تنسى ذاتها فيه، أو تستريح إليه من ذاتها. ومتى كانت النفس فارغة كان تفكيرها مضاعفة لفراغها، فهي تفر منه إلى ما يلهيها عنه؛ ولكن العظيم يعيش في امتلاء نفسه؛ وعالمه الداخلي تسميه اللغة أحيانا: الفكرة؛ وتسميه أحيانا: الصمت. "وكان ﷺ طويل السكت لا يتكلم في غير حاجة" ومن الصمت أنواع: فنوع يكون طريقة من طرق الفهم بين المرء وبين أسرار ما يحيط به؛ ونوع يغشى الإنسان العظيم ليكون علامة على رهبة السر الذي في نفسه العظيمة؛ ونوع ثالث يكون في صاحبه طريقة من طرق الحكم على صمت الناس وكلامهم؛ ونوع رابع هو كالفصل بين أعمال الجسد وبين الروح في ساعة أعمالها؛ ونوع خامس يكون صمتا على دوي تحته يشبه نومًا ساكنًا على أحلام جميلة تتحرك. على هذا النمط يجب أن تفسر كل أوصافه ﷺ ، فهي بمجموعها طابع إلهي على حياته الشريفة، يثبت للدنيا بكل برهانات العلم والفلسفة أنه الإنسان الأفضل، وأنه الأقدر، وأنه الأقوى.

стр. 352

سمو الفقر * في المصلح الاجتماعي الأعظم "١ " كان النبي ﷺ على ما يصف التاريخ من الفقر والقلة، ولكنه كان بطبيعته فوق الاستغناء، فهو فقير لا يجوز أن يوصف بالفقر، ولا تناله المعاني النفسية التي تعلو بعرض من الدنيا وتنزل بعرض، فما كانت به خلة تحدث هدما في الحياة فيرممها المال، ولا كان يتحرك في سعي ينفق فيه من نفسه الكبيرة ليجمع من الدنيا، ولا كان يتقلب بين البعيد والقريب من طمع أدرك أو طمع أخفق، ولا نظر لنفسه في الحسبة والتدبير ليتدبر معيشته فيختلبها ذهبًا أو فضة، ولا استقر في قلبه العظيم ما يجعل للدينار معنى الدينار ولا للدرهم معنى الدرهم؛ فإن المعنى الحي لهذا المال هو إظهار النفس رابية متجسمة في صورة تكبر في قدر من السعة والغنى؛ والمعنى الحي للفقر من المال هو إبراز النفس ضئيلة منزوية في صورة تصغر على قدر من الضيق والعسرة. إن فقره ﷺ كان من أنه يتسع في الكون لا في المال, فهو فقر يعد من معجزاته الكبرى التي لم يتنبه إليها أحد إلى الآن, وهو خاص به ومن أين تدبرته رأيته في حقيقة معجزة تواضعت وغيرت اسمها، معجزة فيها الحقائق النفسية والاجتماعية الكبرى, وقد سبقت زمنها بأربعة عشر قرنا، وهي اليوم تثبت بالبرهان معنى قوله ﷺ في صفة نفسه: "إنما أنا رحمة مهداة". نحن في عصر تكاد الفضيلة الإنسانية فيه تلحق بالألفاظ التاريخية التي تدل على ما كان قديمًا, بل عادت كلمة من كلمات الشعر تراد لتحريك النسيم اللغوي الراكد في الخيال، كما تقول: السحاب الأزرق، والفجر الأبيض، والشفق

стр. 353

الأحمر، والتطاريف الوردية على ذيل الشمس. وأصبح الناس ينظر أكثرهم إلى أكثرهم بأعين فيها معنى وحشي لو لمس لضرب أو طعن أو ذبح. وعملت المدنية أعمالها فلم تزد على أن أخرجت الشكل الشعري لإنسانها الفني متهافتا ترفا، ونعمة، وافتتانا بين ذلك من أيسر الحلال إلى الفظيع المتفاحش في الإباحة؛ فكأنما وضعت المدنية عقلا في وحش، فجاء وقد زاغت فيه الطبيعة من ناحيتين؛ ثم قابلته بالشكل الوحشي لإنسانها الفقير، فكأنما نزعت عقلا من إنسان، فجاء وقد ضلت فيه الطبيعة من ناحيتين؛ وكان مع الأول سرف الهوى بالطبيعة، وكان مع الثاني بالطبيعة سرف الحماقة. وقد أصبح من تهكم الحياة بأهلها أن يكون الفقير فقيرًا وهو يعلم أن صناعته في المدنية عمل الغني للأغنياء ... وأن يكون الغني غنيا وهو يعلم أن عمله في المدنية هو صنعة الفقر لضميره! وخرجت من هذا وذاك مسائل جديدة في فلسفة المعايشة الإنسانية التي يسمونها "الاجتماع"؛ إلى أسئلة كثيرة لو ذهبنا نعدها ونصفها لطال بنا القول، وكلها عاملة على نزع الشعور العقلي من الحياة لتظهر أسخف مما هي، وأقبح ممن كانت؛ حتى أصبحت الشمس تطلع تمحو ليلا عن المادة وتلقى ليلا على النفس، في حين أن الدين والإنسانية لا يعملان غير بث هذا النور العقلي في الأشياء والمعاني لتظهر الحياة مضيئة ملتمعة، فتصبح أوضح مما هي في نفسه، وأجمل مما هي في الطبيعة. في مثل هذه النزعات المتقاتلة التي صعدت بالفلسفة ونزلت، وجعلت من العلم في صدر الإنسانية ملء سماء من الغيوم بسوادها ورعدها وصواعقها، وتركت العالم يضج ضجيجه المزعج في قلب كل حي حتى لتذاع الهموم إلى قلوب الناس إذاعة الأصوات إلى أسماعهم في "الراديو" ... في مثل هذا البلاء الماحق تتلفت الإنسانية إلى التاريخ تسأله درسا من الكمال الإنساني القديم تطب منه لهذه الحماقات الجديدة، ولو علمت لعلمت أن درس هذا العصر في علاج مشاكله الإنسانية هو "محمد" ﷺ ، الذي لن يبلغ أحد في وصفه الاجتماعي ما بلغ هو في قوله: "إنما أنا رحمة مهداة". هذا المصلح الاجتماعي الأعظم يلقى فقره اليوم درسا على الدنيا العلمية الفلسفية، لا من كتاب ولا فكر, ولكن بأخلاقه وعمله وسيرته؛ إذ ليس المصلح من فكر وكتب، ووعظ وخطب، ولكنه الحي العظيم الذي تلتمسه الفكرة العظيمة

стр. 354

لتحيا فيه، وتجعل له عمرا ذهنيا يكون مصرفا على حكمها، فيكون تاريخه ووصفه هو وصف هذه الفكرة وتاريخها. وما كان محمد ﷺ إلا عمرا ذهنيا محضا، تمر فيه المعاني الإلهية لتظهر للناس إلهية مفسرة، وكل حياته ﷺ دروس مفننة مختلفة المعاني، ولكنها في جملتها تخاطب الإنسان على الدهر بهذه الجملة: أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك؛ أي إذا كانت الحياة في الحقيقة فلا تكن أنت في الكذب، وإذا كانت الحياة في الرجولة البصيرة فلا تكن أنت في الطفولة النزقة، فإن الرجل يعرف ويدرك، فهو بذلك وراء الحقيقي؛ ولكن الطفل يجهل ولا يعرف الدنيا إلا بعينه، فهو وراء الوهم، ومن ثم طيشه ونزقه، وإيثاره كل عاجل وإن قل، وعمله أن تكون حياته النفسية الضئيلة في مثل توثب أعضاء جسمه, حتى كأنه يلعب بظاهره وباطنه معا. أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك؛ أي الحياة في ذاتك الداخلية وقانون كمالها، فإذا استطعت أن تخرج للأرض معنى سماويا من ذاتك فهذا هو الجديد دائما في الإنسانية، وأنت بذلك عائش في القريب القريب من الروح، وأنت به شيء إلهي؛ وإذا لم تستطع وعشت في دمك وأعصابك فهذا هو القديم دائما في الحيوانية، وأنت بذلك عائش في البعيد البعيد من النفس, وأنت به شيء أرضى كالحجر والتراب. هنا: أي في الإرادة التي فيك وحدك. ولا هناك: أي في الخيال الذي هو في كل شيء، وهنا، في أخلاقك وفضائلك التي لا تدفعك إلى طريق من طرق الحياة إلا إذا كان هو بعينه طريقا من طرق الهداية والحكمة؛ وليس هناك، في أموالك ومعايشك التي تجعلك كاللص مندفعا إلى كل طريق متى كان هو بعينه طريقا إلى نهبة أو سرقة. هنا، في الروح، إذ تشعر الروح أنها موجودة، ثم تعمل لتثبت أنها شاعرة بوجودها، ماضية إلى مصيرها، منتهية بجسدها إلى الموت الإنساني على سنة النفس الخالدة، وليس هناك في الحس، إذ يتعلق الحس بما يتقلب على الجسم، فهو مهتاج لشعوره بوشك فنائه فلا يحدث إلا الألم إن نال أو لم ينل، وهو منته بجسمه إلى الموت الحيواني بين آكل ومأكول على سنة الطبيعة الفانية. أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك. إن الحكيم الذي ينظر إلى ما وراء الأشياء فيتعرف أسرارها، لا تكون له حياة الذي يتعلق بظاهرها ولا أخلاقه ولا نظرته؛ هذا الأخير هو في نفسه شيء من

стр. 355

الأشياء له مظهر المادة وخداعها عن الحقيقة؛ وذلك الأول هو نفسه سر من الأسرار له روعة السر وكشفه عن الحقيقة، ولهذا كان في حياة الأنبياء والحكماء ما لا يطبقه الناس ولا يضبطونه إذا تكلفوه، بل ينخرق عليهم فيكون منه العجز والغلط، ويحدث من الغلط الزلل. ونظرة نبينا ﷺ إلى هذا الوجود نظرة شاملة مدركة لحقيقة اللانهاية، فيرى بداية كل شيء مادي هي نهايته في التو واللحظة، فلا وجود له إلا عارضا مارا، فهو في اعتباره موجود غير موجود، مبتدئ منته معا؛ وبذلك تبطل عنده الأشياء المادية وتأثيرها، فلا تتصل بنفسه العالية إلا من أضعف جهاتها، ويجد لها الناس في حياتهم الشجرة والفرع والثمرة، وما لها عنده هو جذر ولا فرع؛ وبهذا لم يفتنه شيء ولم يتعلق به شيء. وكانت الدنيا تطول الناس وتتقاصر عنه، وكانت منقطعة النماء وهو ذاهب في نموه الروحي، وكأنما هو صورة أخرى من آدم "﵇"؛ فكلاهما لمس بنفسه الحياة جديدة خالية مما جمع فيها الزمن وأهله من طمع وشره، وجاء آدم ليعطي الأرض ناسها من صلبه، وجاء محمد ليعطي الناس قوانينهم في فضائله؛ فآدم بشخصه هو دنيا بعثت لتتسع، ومحمد بشخصه هو دنيا بعثت لتنتظم. وماذا يفهم من الفلسفة الأخلاقية النبوية العظيمة؟ يفهم منها أن الشهوات خلقت مع الإنسان تتحكم فيه، لينقلب بها إنسانًا يتحكم فيها؛ وأن الإنسان الصحيح الذي لم تزوره الدنيا يجب أن يكون ذا روح يمتد فيفيض عن غايات جسمه إلى ما هو أعلى فأعلى حتى يصبح في حكم النور وانطلاقه وحريته، ولا ينكمش فيحصره جسمه في غاياته وضروراته فيرتد إلى ما هو أسفل أسفل حتى يعود في حكم التراب وأسره وعبوديته. فالفقر وما إليه، والزهد وما هو بسبيل منه، والانصراف عن الشهوات والرذائل كل ذلك إن هو إلا تراجع النفس العالية إلى ذاتها النورانية حالا بعد حال، وشيئا بعد شيء، لتضيء على المادة فتكشف حقائقها الصريحة فلا تباليها ولا تقيم لها وزنًا. فبينما الناس يرون الأموال والشهوات مادة حياة وعمل وشعور، تراها هي مادة بحث ومعرفة واعتبار ليس غير؛ وبهذا تكون النفس العظيمة في الدنيا كأستاذ المعمل, تدخل المادة إلى معمله وهي مادة وفكرة، وتخرج منه وهي حقيقة ومعرفة، وعلى أي أحوالها فهي إنما تحس في ذلك المعمل بأصابع علمية دقيقة ليس فيها الجمع ولا الحرص، ولكن فيها الذهن والفكر؛ وليس لها طبيعة الرغبة والغفلة، ولكن طبيعة الانتباه
следующие страницы →