ذلك. فقلت: إني هيأت للبيت شيئا وقد أكلوا وأكلت ومعي رقاقتان فيهما حلوى.
قال: يا أبا نصر! لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة! اذهب كله أن وعيالك.
قال أحمد بن مسكين: وكنت من الجوع بحيث لو أصبت رغيفا لحسبته مائدة أنزلت من السماء، ولكن كلمة الشيخ عن السمكة أشبعتني بمعانيها شبعا ليس من هذه الدنيا، كأنما طعمت منها ثمرة من ثمار الجنة؛ وطفقت أرددها لنفسي وأتأمل ما تفتق الشهوات على الناس، فأيقنت أن البلاء إنما يصيبنا من أننا نفسر الدنيا على طولها وعرضها بكلمات معدودة, فإذا استقر في أنفسنا لفظ من ألفاظ هذه الشهوات، استقرت به في النفس كل معانيه من المعاصي والذنوب، وأخذت شياطين هذه المعاني تحوم على قلوبنا، فنصبح مهيئين لهذه الشياطين، عاملين لها، ثم عاملين معها، فتدخلنا مداخل السوء في هذه الحياة، وتقحمنا في الورطة بعد الورطة, وفي الهلكة بعد الهلكة.
وما هذه الشياطين إلا كالذباب والبعوض والهوام، ولا تحوم إلا على رائحة تجذبها، فإن لم تجد في النفس ما تجتمع عليه، تفرقت ولم تجتمع، وإذا ألمت الواحدة منها بعد الواحدة لم تثبت. فلو أننا طردنا من أنفسنا الكلمات التي أفسدت علينا رؤية الدنيا كما خلقت. لكان للدنيا في أنفسنا شكل آخر أحسن وأجمل من شكلها، ولكانت لنا أعمال أخرى أحسن وأطهر من أعمالنا.
فالشيخ لم يكن في نفسه معنى لكلمة "التلذذ" وبطرده من نفسه هذا اللفظ الواحد، طرد معاني الشر كلها، وصلح له دينه، وخلصت نفسه للخير ومعاني الخير. ولو أن رجلا وضع في نفسه امرأة يعشقها، لصارت الدنيا كلها في نفسه كالمخدع, ما فيه إلا المرأة وحدها بأسبابها إليه وأسبابه إليها.
وقد كنت سمعت في درس شيخنا أحمد بن حنبل هذا الحديث: "لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات". فما فهمت -والله- معناه إلا من كلمة الشيخ في السمكة, وقد علمنيها هذا الصياد العامي؛ فالشياطين تنجذب إلى المعاني، والمعاني يوجدها اللفظ المستقر في القلب استقرار غرض أو شهوة أو طمع؛ فإذا خلا القلب من هذه المعاني؛ فقد أمن منازعتها له وشغلها إياه، فيصبح فوقها لا بينها؛ ومتى صار القلب فوق الشهوات
стр. 457
ولم يجد من ألفاظها ما يعميه ويعترض نظره إلى الحقائق، انكشفت له هذه الحقائق فانكشف له الملكوت؛ فإذا وقع بعد في واحدة من اللذات ولو "كالرقاقتين والحلوى"، استعلت الأشياء عليه فحجبته، وعاد بينها أو تحتها، وعمي عمى اللذة؛ والحجاب على البصر كأنه تعليق العمى على البصر.
وكنت لا أزال أعجب من صبر شيخنا أحمد بن حنبل وقد ضرب بين يدي المعتصم بالسياط حتى غشي عليه١ فلم يتحول عن رأيه؛ فعلمت الآن من كلمة السمكة أنه لم يجعل من نفسه للضرب معنى الضرب، ولا عرف للصبر معنى الصبر الآدمي؛ ولو هو صبر على هذا صبر الإنسان لجزع وتحول، ولو ضرب ضرب الإنسان لتألم وتغير؛ ولكنه وضع في نفسه معنى ثبات السنة وبقاء الدين، وأنه هو الأمة كلها لا أحمد بن حنبل, فلو تحول لتحول الناس، ولو ابتدع لابتدعوا؛ فكان صبره صبر أمة كاملة لا صبر رجل فرد، وكان يضرب بالسياط ونفسه فوق معنى الضرب، فلو قرضوه بالمقاريض ونشروه بالمناشير لما نالوا منه شيئا؛ إذ لم يكن جسمه إلا ثوبا عليه، وكان الرجل هو الفكر ليس غير.
هؤلاء قوم لا يرون فضائلهم فضائل, ولكنهم يرونها أمانات قد ائتمنوا عليها من الله لتبقى بهم معانيها في هذه الدنيا؛ فهم يزرعون في الأمم زرعا بيد الله، ولا يملك الزرع غير طبيعته، وما كان المعتصم وهو يريد شيخنا على غير رأيه وعقيدته إلا كالأحمق يقول لشجرة التفاح: أثمري غير التفاح.
قال أحمد بن مسكين: وأخذت الرقاقتين وأنا أقول في نفسي: لعن الله هذه الدنيا! إن من هوانها على الله أن الإنسان فيها يلبس وجهه ما يلبس نعله. فلو أن إنسان كانت له نظرة ملائكية ثم اعترض الخلق ينظر في وجوههم. لرأى عليها وحولا وأقذارًا كالتي في نعالهم أو أقذر أو أقبح، ولعله كان لا يرى أجمل الوجوه التي تستهيم الناس وتتصباها من الرجال والنساء، إلا كالأحذية العتيقة.
ولكني أحسست أن في هاتين الرقاقتين سر الشيخ، ورأيتهما في يدي كالوثيقتين بخير كثير؛ فقلت: على بركة الله. ومضيت إلى دراي، فلما كنت في
стр. 458
الطريق لقيتني امرأة معها صبي، فنظرت إلى المنديل وقالت: يا سيدي، هذا طفل يتيم جائع ولا صبر له على الجوع، فأطعمه شيئا -يرحمك الله- ونظر إلي الطفل نظرة لا أنساها؛ حسبت فيها خشوع ألف عابد يعبدون الله تعالى منقطعين عن الدنيا؛ بل ما أظن ألف عابد يستطيعون أن يروا الناس نظرة واحدة كالتي تكون في عين صبي يتيم جائع يسأل الرحمة. إن شدة الهم لتجعل وجوه الأطفال كوجوه القديسين، في عين من يراها من الآباء والأمهات، لعجز هؤلاء الصغار عن الشر الآدمي وانقطاعهم إلا من الله والقلب الإنساني، فيظهر وجه أحدهم وكأنه يصرخ بمعانيه يقول: يا رباه يا رباه!
قال أحمد بن مسكين: وخيل إلي حينئذ أن الجنة نزلت إلى الأرض تعرض نفسها على من يشبع هذا الطفل وأمه, والناس عمي لا يبصرونها، وكأنهم يمرون بها في هذا الموطن مرور الحمير بقصر الملك؛ لو سئلت فضلت عليه الإصطبل الذي هي فيه.
وذكرت امرأتي وابنها وهما جائعان مذ أمس، غير أني لم أجد لهما في قلبي معنى الزوجة والولد, بل معنى هذه المرأة المحتاجة وطفلها، فأسقطتهما عن قلبي ودفعت ما في يدي للمرأة وقلت لها: خذي وأطعمي ابنك، ووالله ما أملك بيضاء ولا صفراء، وإن في داري لمن هو أحوج إلى هذا الطعام؛ ولولا هذه الخلة بي لتقدمت فيما يصلحك، فدمعت عيناها، وأشرق وجه الصبي، ولكن طم على قلبي ما أنا فيه فلم أجد للدمعة معنى الدمعة، ولا للبسمة معنى البسمة.
وقلت في نفسي: أما أنا فأطوي إن لم أصب طعاما، فقد كان أبو بكر الصديق يطوي ستة أيام، وكان ابن عمر يطوي، وكان فلان وفلان ممن حفظنا أسماءهم وروينا أخبارهم؛ ولكن من للمرأة وابنها بمثل عقدي ونيتي؟ وكيف لي بهما؟
ومشيت وأنا منكسر منقبض، وكأني نسيت كلمة الشيخ: "لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة". فذكرتها وصرفت خاطري إليها وشغلت نفسي بتدبرها وقلت: لو أني أشبعت ثلاثة بجوع اثنين لحرمت خمس فضائل١ وهذه الدنيا محتاجة إلى الفضيلة، وهذه الفضيلة محتاجة إلى مثل هذا العمل، وهذا العمل محتاج إلى أن يكون هكذا، فما يستقيم الأمر إلا كما صنعت.
стр. 459
وكانت الشمس قد انبسطت في السماء وذلك وقت الضحى الأعلى، فملت ناحية وجلست إلى حائط أفكر في بيع الدار ومن يبتاعها، فأنا كذلك إذ مر أبو نصر الصياد وكأنه مستطار فرحًا، فقال: يا أبا محمد، ما يجلسك ههنا وفي دارك الخير والغنى، قلت: سبحان الله! من أين خرجت السمكة يا أبا نصر؟
قال: إني لفي الطريق إلى منزلك، ومعي ضرورة القوت أخذتها لعيالك، ودراهم استدنتها لك، إذا رجل يستدل الناس على أبيك أو أحد من أهله, ومعه أثقال وأحمال، فقلت له: أنا أدلك. ومشيت معه أسأله عن خبره وشأنه عند أبيك. فقال: إنه تاجر من البصرة، وقد كان أبوك أودعه مالا من ثلاثين سنة، فأفلس وانكسر المال ثم ترك البصرة إلى خراسان، فصلح أمره على التجارة هناك، وأيسر بعد المحنة، واستظهر بعد الخذلان، وأقبل جده بالثراء والغنى؛ فعاد إلى البصرة, وأراد أن يتحلل، فجاءك بالمال وعليه ما كان يربحه في هذه الثلاثين سنة، وإلى ذلك طرائف وهدايا.
قال أحمد بن مسكين: وأنقلب إلى داري فإذا مال جم وحال جميلة! فقلت: صدق الشيخ: "لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة"! فلو أن هذا الرجل لم يلق في وجهه أبا نصر، في هذه الطريق، في هذا اليوم، في هذه الساعة، لما اهتدى إلي؛ فقد كان أبي مغمورًا لا يعرفه أحد وهو حي؛ فكيف به ميتا من وراء عشرين سنة؟
وآليت ليعلمن الله شكري هذه النعمة؛ فلم تكن لي همة إلا البحث عن المرأة المحتاجة وابنها، فكفيتهما وأجريت عليهما رزقا، ثم اتجرت في المال، وجعلت أربه بالمعروف والصنيعة والإحسان وهو مقبل يزداد ولا ينقص، حتى تمولت وتأثلت.
وكأني قد أعجبتني نفسي، وسرني أني قد ملأت سجلات الملائكة بحسناتي، ورجوت أن أكون قد كتبت عند الله في الصالحين، فنمت ليلة فرأيتني في يوم القيامة والخلق يموج بعضهم في بعض، والهول هول الكون الأعظم على الإنسان الضعيف، يسأل عن كل ما مسه من هذا الكون. وسمعت الصائح يقول: يا معشر بني آدم! سجدت البهائم شكرًا لله أنه لم يجعلها من آدم. ورأيت الناس وقد وسعت أبدانهم فهم يحملون أوزارهم على ظهورهم مخلوقة مجسمة، حتى لكأن الفاسق على ظهره مدينة كلها مخزيات!
стр. 460
وقيل: وضعت الموازين. وجيء بي لوزن أعمالي، فجعلت سيئاتي في كفة وألقيت سجلات حسناتي في الأخرى، فطاشت السجلات ورجحت السيئات، كأنما وزنوا الجبل الصخري العظيم الضخم بلفافة من القطن.
ثم جعلوا يلقون الحسنة بعد الحسنة مما كانت أصنعه فإذا تحت كل حسنة شهوة خفية من شهوات النفس: كالرياء والغرور وحب المحمدة عند الناس وغيرها، فلم يسلم لي شيء, وهلكت عني حجتي، إذ الحجة ما يبينه الميزان، والميزان لم يدل إلا على أني فارغ.
وسمعت الصوت: ألم يبق لي شيء؟ فقيل: بقي هذا.
وأنظر لأرى ما هذا الذي بقي، فإذا الرقاقتان اللتان أحسنت بهما على المرأة وابنها! فأيقنت أني هالك؛ فلقد كنت أحسن بمائة دينار ضربة واحدة فما أغنت عني، ورأيتها في الميزان مع غيرها شيئا معلقا، كالغمام حين يكون ساقطا بين السماء والأرض: لا هو في هذه ولا هو في تلك.
ووضعت الرقاقتان، وسمعت القائل: لقد طار نصف ثوابهما في ميزان أبي نصر الصياد. فانخذلت انخذالا شديدا، حتى لو كسرت نصفين لكان أخف علي وأهون.
بيد أني نظرت فرأيت كفة الحسنات قد نزلت منزلة ورجحت بعض الرجحان.
وسمعت الصوت: ألم يبق له شيء؟ فقيل: بقي هذا.
وأنظر ما هذا الذي بقي، فإذا جوع امرأتي وولدي في ذلك اليوم! وإذا هو شيء يوضع في الميزان، وإذا هو ينزل بكفة ويرتفع بالأخرى حتى اعتدلتا بالسوية. وثبت الميزان على ذلك فكنت بين الهلاك والنجاة.
وأسمع الصوت: ألم يبق له شيء؟ فقيل: بقي هذا.
ونظرت فإذا دموع تلك المرأة المسكينة حين بكت من أثر المعروف في نفسها، ومن إيثاري إياها وابنها على أهلي، ووضعت غرغرة عينيها في الميزان ففارت، فطمت كأنها لجة، من تحت اللجة بحر؛ وإذا سمكة هائلة قد خرجت من اللجة وقع في نفسي أنها روح تلك الدموع، فجعلت تعظم ولا تزال تعظم، والكفة ترجح ولا تزال ترجح، حتى سمعت الصوت يقول: قد نجا!
وصحت صيحة انتبهت لها, فإذا أنا أقول: "لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة! ".
стр. 461
الزاهدان * "٢ ":
قال أحمد بن مسكين: انتشر حديث السمكة في أهل "بلخ"، واستفاض بينهم، وكنت قصصته عليهم يوم السبت، فلما دار السبت من أسبوعه لقيني شيخهم حاتم بن يوسف "لقمان الأمة" ومعه صاحبه أبو تراب، فقال: يا أحمد! لكأنك في هذه المدينة قمر طلع بليل فلا يعظ الناس في يوم السبت غيرك؛ ومن سمع فكأنه عاين، وليس على ألسنة أهل بلخ منذ تحدثت إلا بشر وابن حنبل، ولا على بال أحد منهم إلا موعظتك وحديثك.
والكلام عن الصالحين في مثل ما وصفت وحكيت قرب من حقائقهم، وسمو إلى معانيهم، وليس في القول باب له موقع كموقع القصة عن هؤلاء الذين يخلقهم الله في البشرية خلق النور: يضيء ما حوله من حيث يرى، ويعمل فيما حوله من حيث لا يرى، وفي ظاهره الجمال والمنفعة. وفي باطنه القوة والحياة. ولست أقول لك: اذهب فحدث الناس، ولكني أقول: اذهب فأعط الناس عقلا من الحديث.
قال ابن مسكين: فلما صلينا العصر، قدمني أبو تراب فجلست في مجلسي ذاك، وهتف الناس يريدون الحديث عن بشر الحافي وما سقط لي من أخباره، على الطريقة التي حدثتهم بها من قبل، فابتدأت بذكر موته ﵀ وأن يومه كأنما اجتمع له أهل خمس وسبعين سنة١، إذ خرجت جنازته بعد صلاة الصبح، فلم يحصل في قبره إلا في الليل مما احتشد في طريقه من الخلق، حتى لكأن في نعشه سرا من أسرار الجنة يطالعهم به الموت فخرجوا ينظرون إليه، وكانوا يصيحون في جنازته: هذا -والله- شرف الدنيا قبل شرف الآخرة.
стр. 462
ثم قلت: حدثني حسين المغازلي١: أن بشرا ﵀ كان لا يأكل إلا الخبز تورعا عن الشبهات واكتفاء لضرورة الحياة بالأقل والأيسر، وكاني يقول في ذلك يد أقصر من يد، ولقمة أصغر من لقمة. وسئل مرة: بأي شيء تأكل الخبز؟ فقال: أذكر العافية فأجعلها إدامًا. وقد أعانه على ذلك أن لم يتزوج، وكان يرى هذا نقصا في نفسه حتى فضل الإمام أحمد بن حنبل بأشياء: منها أنه له أهلًا؛ غير أنه قيل له ذات يوم: لو تزوجت تم نسكك، فقال: أخاف أن تقوم الزوجة بحقي ولا أقوم بحقها، فكانت هذه النية في نفسه أفضل من زواجه.
وكان مع هذا لا يؤاكل أحدًا، ولا يسعى إلى لقاء أحد، حتى أنه لما رغب في مؤاخاة الزاهد العظيم "معروف الكرخي"، أرسل إليه "الأسود بن سالم" وكان صديقا لهما، فقال لمعروف: إن بشر بن الحارث يريد مؤاخاتك وهو يستحيي أن يشافهك بذلك، وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينه وبينك أخوة يحتسبها ويعتد بها؛ إلا أن يشترط فيها شروطا: أولها أنه لا يحب أن يشتهر ذلك، وثانيها ألا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة، فقال معروف: أما أنا فإذا أحببت أحدًا لم أحب أن أفارقه ليلا ولا نهارا، وأزوره في كل وقت، وأوثره على نفسي في كل حال؛ وأنا أعقد لبشر أخوة بيني وبينه، ولكني أزوره متى أحببت، وآمره بلقائي في مواضع نلتقي فيها إذا هو كره زيارتي.
قال حسين المغازلي: وكان هذا كله من أمر بشر معروفا في بغداد، لا يجهله أحد من أهلها، إذ لم يكن لبغداد إمام غيره وغير ابن حنبل؛ فما كان أكثر عجبي حين كنت عنده يوما وقد زاره "فتح الموصلي"، فقام فجاء بدراهم ملء كفه ودفعها إلي وقال: اشتر لنا أطيب ما تجد من الطعام، وأطيب من ما تجد من الحلوى، وأطيب ما تجد من الطيب، وما قال لي مثل ذلك قط، وهو الذي رأى الفاكهة يوما فقال: ترك هذه عبادة! وهو القائل لأبي نصر الصياد: لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة٢.
فذهبت فاشتريت وانتقيت وتخيرت، ثم وضعت الطعام بين أيديهما، فرأيته يأكل معه وما رأيته أكل مع غيره، ورأيته منبسطا إليه وما لي عهد كان بانبساطه إلى
стр. 463
أحد. وقد كنت أخبرته في ذلك النهار بخبر أحمد بن حنبل, علمته من إدريس الحداد: فإنه لما زالت المحنة بعد أن ضرب بين يدي المعتصم وصرف إلى بيته، حمل إليه مال كثير من سروات بغداد وأهل الخير فيها، فرد جميع ذلك ولم يقبل منه قليلا ولا كثيرا، وهو محتاج إلى أيسره، وإلى الأقل من أيسره، وإلى الشيء من أقله، فجعل عمه إسحاق يحسب ما ورد ذلك اليوم، فكان خمسين ألف دينار، فقال له الإمام: يا عم، أراك مشغولا بحساب ما لا يفيدك. قال: قد رددت اليوم كذا وكذا ألفا وأنت محتاج إلى حبة من دانق. فقال الإمام: يا عم، لو طلبناه لم يأتنا، وإنما أتانا لما تركناه.
قال المغازلي: فنمت تلك الليلة وأنا أفكر في صنيع الشيخ، وقد تعلق خاطري به: كيف انقلبت الحال معه، وأي شيء هذا الحال؟ وجعلت أكد ذهني لأعرف الحقيقة العقلية التي سلطت عليه هذه الضرورة فتسلط النعيم على نفسه، وأنا أعلم أن للقوم علوما روحانية ليست في الكتب، فمنها ما لا يتعلمونه إلا من الفقر، ومنها ما لا يتعلمونه إلا من البلاء، ومنها، ومنها؛ ولكن ليس منها ما يتعلمونه من اللذات والشهوات؛ وذهب قلبي إلى أوهام كثيرة ليس في جميعها طائل ولا بها معرفة، حتى غلبتني عيناي، وأنا من وهج الفكر نائم كالمريض، وقد ثقل رأسي واختلط فيه ما يعقل بما لا يعقل.
فرأيت أول ما رأيت ملكا جبارا يحكم مدينة عظيمة, وقد أطلق المنادي في جمع كل أطفال مدينته، فجيء بهم من كل دار، ثم رأيته قد جلس على سريره وفي يده مقراض عظيم، قد اتخذه على هيئة نصلين عريضين لو وضعت بينهما رقبة لفصلاها عن جسمها، فكان هذا الجبار يتناول الطفل من أولئك فيضع أصابع إحدى قدميه في شقي المقراض فيقرضها، فإذا هي تتناثر أسرع مما يقرض المقص الخيط، ثم يرمي بالطفل مغشيا عليه، ويتناول غيره فيبتر أصابعه، والأطفال يصرخون، وأنا أرى كل ذلك ولا أملك إلا غيظي على هذا الجبار من حيث لا أستطيع أن أمضي فيه هذا الغيظ فأقرض عنقه بمقراضه.
ثم رأيته يأخذ طفلا صغيرًا، فلما جاءت قدم الطفل بين شقي المقراض صاح: يا رب، يا رب، فإذا المقراض يلتوي فلا يصنع شيئا، وكأن فيه حجرًا صلدا لا قدما رخصة. فتميز الجبار من الغيظ وقال: من هذا الطفل؟ فسمعت هاتفا يهتف: هذا بشر الحافي! لا يبلغ تاج ملك في الأرض أن يكون لقدمه الحافية نعلا عند الله!
стр. 464
وكان إلى يميني رجل يتوضأ وجهه صلاحا وتقوى، فقلت له: من هذا الطاغية؟ ولم اتخذ المقراض لأقدام الأطفال خاصة؟
فقال: يا حسين! إن هذا الجبار هو ذل العيش, وهذا وسمه لأهل الحياة على الأرض، يحقق به في الإنسان معنى البهيمة أول ما يدب على الأرض, حتى كأنه ذو حافر لا ذو قدم.
قلت: فما بال هذا الطفل لم يعمل فيه المقراض؟
قال: إن لله عبادًا استخصهم لنفسه، أول علامته فيهم أن الذل تحت أقدامهم، وهم يجيئون في هذه الحياة لإثبات القدرة الإنسانية على حكم طبيعة الشهوات التي هي نفسها طبيعة الذل؛ فإذا اطرح أحدهم للشهوات وزهد فيها، واستقام على ذلك في عقد نية وقوة إرادة، فليس ذلك بالزاهد كما يصفه الناس، ولكنه رجل قوي اختارته القدرة ليحمل أسلحة النفس في معاركها الطاحنة، كما يحمل البطل الأروع أسلحة الجسم في معاركه الدامية: هذا يتعلم منه فن، وذلك يتعلم منه فن آخر، وكلاهما يرمى به على الموت لإيجاد النوع المستعز من الحياة، فأول فضائله الشعور بالقوة، وآخر فضائله إيجاد القوة.
قال المغازلي: وضرب النوم على رأسي ضربه أخرى، فإذا أنا في أرض خبيثة داخنة، قد ارتفع لها دخان كثيف أسود يتضرب بعضه في بعض وجعلت أرى شعلا حمرا تذهب وتجيء كأنها أجسام حية، فوقع في وهمي أن هؤلاء هم الشياطين: إبليس وجنوده، وسمعت صارخا يقول: يا بشرى! فلتبك السماء على الأرض، لقد أكل بشر الحافي من أطيب الطعام وأطيب الحلوى بعد أن استوي عنده حجرها ومدرها، وذهبا وفضتها! فعارضه صائح أسمع صوته ولا أرى شخصه: ويلك يا زلنبور١! إن هذا شر علينا من عامة نسكه وعبادته؛ فهذا -ويحك- هو الزهد الأعلى الذي كان لا يطيقه بشر؛ إنه إعنات سلطه على نفسه، فإني دفعت هذا "المغازلي" الأعمى القلب ليزين له ما فعل أحمد من حنبل من رده خمسين ألف دينار على حاجته، زهدًا، وورعا، وقوة عزم، ونفاذ إرادة؛ وقلت: عسى أن تتحرك في نفسه شهوة الزهد فيحسد أو يغار، أو تعجبه نفسه فيكون لي من ذلك لمة بقلبه فأوسوس له، فإنا نأتي هؤلاء من أبواب الثواب كما نأتي غيرهم
стр. 465
من أبواب المعاصي، ونتورع مع أهل الورع كما نتسخف مع أهل السخف؛ ولكن الرجل رجل وفيه حقيقة الزاهد، فقد أعطي القوة على جعل شهوات نفسه أشخاصًا حية يعاديها ويقاتلها، فإذا أنا جعلت شهوته في اللذة قتل اللذة، وإذا جعلتها في الكآبة قتل الكآبة، وليس الزاهد العابد هو الذي يتقشف ويتعفف، ويتخفف ويتلفف، فإن كثيرًا ما تكون هذه هي أوصاف الذل والحمق، ويكون لها عمل العبادة وفيها إثم المعصية. ولكن الزاهد حق الزاهد من أدار في هذه الأشياء عينا قد تعلمت النظر بحقه والإغضاء بحقه؛ فهذا لا يخطئ معنى الشر إن لبسناه عليه في صورة الخير ولا معنى الخير إن زورناه في صورة الشر، وبذلك يضع نفسه في حيث شاء من المنزلة، لا في حيث شاءت الدنيا أن تضعه من منازلها الدنيئة.
وما أكل بشر هذه الطيبات إلا ليبادر بها وسوستي ويردني عن نفسي وعن اللمة بقلبه، فلو أنه أعجبه زهد ابن حنبل ونظر من ذلك إلى زهد نفسه لحبط أجره؛ فبهذه الطيبات علاج نفسه علاج مريض، وقد غير على جوفه طعاما بطعام، كما يبدل على جلده ثوبا بثوب؛ ولا شهوة للجلد في أحدهما.
قال المغازلي: وثقل النوم علي ثقلة أخرى، فرأيتني في واد عظيم، وفي وسطه مثل الطود من الحجارة قد ركم بعضها على بعض، ورأيتني مع بشر أقص عليه خبر أحمد بن حنبل؛ فقال: انظر -ويحك- إن الناس يسمونها خمسين ألف دينار، وهي هنا في وادي الحقائق خمسون ألف حجر لو أصابت أحمد لقتلته ولكانت قبره آخر الدهر.
إن المال يا بني هو ما يعمله المال لا جوهره من الذهب والفضة، فإذا كنت بمفازة ليس فيها من يبيعك شيئا بذهبك. فالتراب والذهب هناك سواء؛ والفضائل هي ذهب الآخرة؛ فهنا تجدد بالمال دنياك التي لا تبقى أكثر من بقائك، وهناك تجدد بالفضائل نفسك التي تخلد بخلودها.
ومعنى الغنى معنى ملتبس على العقول الآدمية لاجتماع الشهوات فيه، فحين يرد أحمد بن حنبل خمسين ألفا، يكون هذا المعنى قد صحح نفسه في هذا العمل وجها من التصحيح.
قال حسين المغازلي: وغطني النوم في أعماقه غطة أخرى؛ فإذا أنا في
стр. 466
المسجد في درس الإمام أحمد، وهو يحدث بحديث النبي ﷺ : "إذا عظمت أمتي الدنيار والدرهم، نزع منها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حرموا بركة الوحي" , وهم أن يتكلم في تفسيره١ ولكنه رآني فأمسك عنه وأقبل علي فقال: يا حسين! إذا اجتزأ شيخك بالرغيف فهذا عنده هو قدر الضرورة؛ فإن أكل الطيبات فقد عرضت حال جعلت هذه الطيبات عنده هي قدر الضرورة؛ وفي هذه النفوس السماوية لا يكون الجزء الأرضي إلا محدودًا، فلا يكون محصوله إلا ما ترى من قدر الضرورة.
ولما صغر الجزء الأرضي في نفوس المسلمين الأولين ملكوا الأرض كلها بقوة الجزء السماوي فيها، إذ كانت إرادتهم فوق الأطماع والشهوات، وكانت بذلك لا تذل ولا تضعف ولا تنكسر؛ فالآدمية كلها تنتهي إلى بعض صور، وهؤلاء هم الذين محلهم في أعلاها.
يا حسين! ألا وإن رد خمسين ألف دينار هو كذلك قدر الضرورة.
قال حسين: وذهبت أعترض على الإمام بما كان في نفسي من أن هذا المال وإن لم يكن من كسبه، فقد كان يتحول في يده عملا من أعمال الخير؛ وأنسيت أن هذه الصدقات هي أوساخ الناس وأقذار نفوسهم، فلم أكد أفتح فمي حتى رأيت الكلام يتحول طينا في فمي ليذكرني بهذا المعنى؛ وكدت أختنق فانتفضت أتنفس، فطار النوم والحلم.
стр. 467
إبليس يعلم *١ "٣":
قال أحمد بن مسكين: ودار السبت الثالث, وجلست مجلسي للناس وقد انتظمت حلقتهم؛ فقام رجل من عرض المجلس فقال: إن الحسن بن شجاع البلخي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل٢، كان منذ قريب يحدثنا بأحاديث عن الشيطان، حفظنا منها قوله ﷺ : "إن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في سفره". وكان الحسن يقول في تأويله: إن شيطان الكافر دهين سمين كاس، وشيطان المؤمن مهزول أشعث أغبر عار. فهل يأكل الشيطان ويدهن ويلبس ليكون له أن يجوع مع المؤمن ويعرى ويتشعث ويغبر؟
قال ابن مسكين: فقلت في نفسي: لا حول ولا وقوة إلا بالله! ما أرى السائل إلا شيطان هذا السائل؛ فإن إبليس إذا أراد أن يسخر من العالم ويسمعه طنزه وتهكمه٣، حرك من يسأله عنه ما هو وكيف هو؛ كأنما يقول له: تنبه -ويحك- على معناي، فأنت تتكلم وأنا أعمل، وأنت صورة من الرد علي، ولكني حقيقة من الرد عليك، وما أنت في محاربتك لي بالوعظ إلا كالذي يريد أن يضرب عنق عدوه بمائة اسم وضعت للسيف.
قال: وكنت قد سمعت خبرًا عجيبا عن أبي عامر قبيصة بن عقبة الكوفي المحدث الحافظ الثقة أحد شيوخ أحمد بن حنبل٤؛ وهو الرجل الصالح العابد الذي كان يقال له: "راهب الكوفة"؛ ومن زهده وعبادته واحتباس نفسه في داخله
стр. 468
كأنما جسده جدار بين نفسه وبين الدنيا، فقلت -والله- لأغظين الشيطان بهذا الخبر، فإن أسماء الزهاد والعباد والصالحين هي في تاريخ الشياطين كأسماء المواقع التي تنهزم فيها الجيوش، وما الرجل العابد إلا صاحب الغمرات مع الشيطان، وكأنه يحتمل المكاره عن أمة كاملة بل عن البشرية كلها حيث كانت من الأرض، فالناس يحسبونه قد تخلى من الدنيا ويظنون الترك أيسر شيء، وما علموا أن الزهد لا يستقيم للزاهد حتى يجعل جسمه كأنه نوع نظام آخر غير نظام أعضائه؛ ولا أشق من المعاني التي هي عند الناس أضعف الضعف؛ ولو أن ملكا عظيما تعب في جمع الدنيا وفتح الممالك حتى حيزت له جوانب الأرض، لكان علمه هذا هو الوجه الآخر لتعب الزاهد في مجاهدة هذه الدنيا وتركها.
قال أحمد بن مسكين: وقصصت عليهم القصة فقلت: كان أبو عامر قبيصة بن عقبة كثير الفكر في الشيطان، يود لو رآه وناقله الكلام؛ وكان يتدبر الأحاديث التي صح ورودها فيه، ويفسر معنى الشيطان بأنه الروح الحي للخطأ على الأرض؛ والخطاء يكون صوابا محولا عن طريقته وجهته، ولهذاكان إبليس في الأصل ملكا من الملائكة وتحول عن طبيعته حين خلق آدم ﵇، أي وجد في الكون روح الخطأ حين وجد فيه الروح الذي سيخطئ.
فلما هبط آدم من الجنة وحرمها هو وزوجه وذريته، كان إبليس لعنه الله هو معنى بقاء هذا الحرمان واستمراره على الدهر، فكأن هذه الآدمية أخرجت من الجنة، وأخرجت معها قوة لا تزال تصدها عنها، ليضطربا في الكفاح مليا من زمن هو عمر كل إنسان، وهذا هو العدل الإلهي: لم يعرف آدم حق الجنة، فعوقب ألا يأخذها إلا بحقها، وأن يقاتل في سبيل الخير قوة الشر.
وبات أبو عامر ذات ليلة يفكر في هذا ونحوه بعد أن فرغ من صلاته وقراءته، ثم هوم فكان بين اليقظة والنوم، وذلك حين تكون العين نائمة والعقل لا يزال منتبها، فكأن العين متراجعة تبصر من تحت أجفانها بصرًا يشاركها فيه العقل.
فرأى شيخنا أبو عامر صورة إبليس جاءه في زي رجل زاهد، حسن السمت طيب الريح، نظيف الهيئة، وكاد يشبه عليه لولا أنه قد عرفه من عينيه، فإن عيني الكاذب تصدقان عنه، وقد علم الله أن الكاذب آدمي قفر كالمتاهة من الأرض، فجعل عينيه كالعلامات لمن خاض الفلاة.
стр. 469
وظهر الشيطان زاهدًا عابدًا تقيا نقيا كأنه دين صحيح خلق بشرًا، فصرخ فيه أبو عامر: عليك لعنة الله! أمعصية في ثوب الطاعة؟
قال إبليس: يا أبا عامر! لو لم تقل المعصية: إنها طاعة لم يقارفها أحد. وهل خلقت الشهوات في نفس الإنسان وغريزته إلا لتقريب هذه المعاصي من النفس، وجعل كل منها طاعة لشيء ما؛ فتقع المعصية بأنها طاعة لا بأنها معصية؟ أوَلا ترى يا أبا عامر أن الحيلة محكمة في الداخل من الجسم أكثر مما هي محكمة في الخارج عنه، وأنه لولا أن هذا الباطن بهذا المعنى وهذا العمل لما كان لظاهر الوجود كله في الإنسان معنى ولا عمل؟
قال الشيخ: عليك لعنة الله! فما أرى الموت قد خلق إلا ردا عليك أنت، ليتبين الناس أنك الممتلئ الممتلئ، ولكنك الفارغ الفارغ؛ بل كل شهواتك سخرية منك ورد عليك، فلا طعم للذة من لذاتك إلا وهي تموت، وإنما تمام وجودها ساعة تنقضي؛ ومتى قالت اللذة: قد انتهيت. فقد وصفت نفسها أبلغ الوصف.
قال إبليس: يا أبا عامر، ولكن اللذة لا تموت حتى تلد ما يبقيها حية، فهي تلد الحنين إليها، وهو لا يسكن حتى يعود لذة تنقضي وتلد.
قال الشيخ: معاني التراب، معاني التراب؛ كل نبتة فيها بذرتها، ولكن عليك لعنة الله لماذا جئتني في هذه الصورة؟
قال إبليس: لأني لا ألبس إلا محبة القلب الآدمي، ولولا ذلك لطردتني القلوب كلها وبطل عملي فيها، وهل عملي إلا التلبيس والتزوير؛ أفتدري يا أبا عامر أني لا أعتري الحيوان قط.
قال الشيخ: لأن الحيوان لا ينظر إلى الشيء إلا نظرة واحدة، هي نظره وفهمه معا، فلا محل للتزوير مع هذه النظرة الواحدة؛ وصدق الله العظيم: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢] . فأنت أيها الشطيان التزوير، والتزوير موضعه الكذب؛ فمن لم يكذب في الفكر ولا في النظر ولا في الفهم ولا في الرجاء، فليس لك عنده عمل.
قال إبليس: يا أبا عامر! وهل ترى رحمك الله أعجب وأغرب وأدعى إلى الهزء والسخرية من أن أعظم العقلاء الزهاد العباد، هو في جملة معانيه حيوان ليس له إلا نظرة واحدة في كل شيء؟
قال الشيخ: عليك وعليك ... ؛ إن الحيوان شيء واحد، فهو طبيعة مسخرة
стр. 470
بنظامها، ولكن الإنسان أشياء متناقضة بطبيعتها، فألوهيته أن يقر النظام بين هذه المتناقضات، كأنما امتحن فأعطى من جسمه كونا فيه عناصر الاضطراب، وحوله عناصر الاضطراب، ثم قيل له دبره.
فضحك إبليس. قال الشيخ: مم ضحكت لعنك الله؟
قال: ضحكت من أنك أعلمتني حقيقة الإبليسية، فالزهاد هم الصالحون لأن يكونوا أعظم الأبالسة.
قال الشيخ: عليك لعنة الله، فما هي تلك الحقيقة التي زعمت؟
قال إبليس: والله يا أبا عامر، ما غلا إنسان في زعم التقوى والفضيلة إلا كانت هذه هي الإبليسية؛ وسأعلمك يا أبا عامر حقيقة الزهد والعبادة. فلا تقل: إنها ألوهية تقر النظام بين متناقضات الإنسان ومتناقضات الطبيعة.
قال الشيخ: وتسخر مني لعنك الله؟ فمتى كنت تعلم الحقيقة والفضيلة؟
قال إبليس: أوَلم أكن شيخ الملائكة؟ فمن أجدر من شيخ الملائكة أن يكون عالمها ومعلمها؟
قال: عليك لعنة الله؛ فما هي حقيقة الزهد والعبادة؟
قال إبليس: حقيقتها يا أبا عامر، هي التي أعجزتني في نبيكم.
قال الشيخ: ﷺ ؛ فما هي؟
قال إبليس: هي ثلاث بها نظام النفس, ونظام العالم، ونظام اللذات والشهوات؛ أن تكون لك تقوى، ثم يكون لك فكر من هذه التقوى، ثم يكون لك نظر إلى العالم من هذا الفكر. ما اجتمعت هذه الثلاث في إنسان إلا قهر الدنيا وقهر إبليس.
فإن كانت التقوى وحدها -كتقوى أكثر الزهاد والرهبان- فما أيسر أن أجعل النظر منها نظر الغفلة والجبن والبلادة والفضائل الكاذبة، وإن كان الفكر وحده -كفكر العلماء والشعراء- فما أهون أن أجعل النظر به نظر الزيغ، والإلحاد والبهمية والرذائل الصريحة.
قال الشيخ: صدق الله العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] .
قال إبليس: يا أبا عامر! ما يضرني والله أن أفسر لك، فإن قارورة من الصبغ
стр. 471
لا تصبغ البحر، وأنا أعد الزهاد والعلماء المصلحين فأضع في الناس بجانب كل واحد منهم مائة ألف امرأة مفتونة، ومائة ألف رجل فاسق، ومائة ألف مخلوق ظالم، فلو أنك صبغت البحر بملء قارورة حمراء لما صبغت البحر الإنساني بالزاهد والمصلح، ما دام المصلح شيئا غير السيف، وما دام الزاهد شيئا غير الحاكم.
قال الشيخ: لعنك الله من شيطان عارم، فإذا وضعت المصلح بين مائة ألف فاسد، فهل هذه إلا طريقة شيطانية لإفساده؟
قال إبليس: ومائة ألف امرأة فتانة مفتونة يا أبا عامر، كل واحدة تحسب جسمها ...
فصرخ الشيخ: اغرب عني عليك لعنة الله!
قال إبليس: ولكن الآية الآية يا أبا عمر. لقد لقيت المسيح وجربته وهو كان تفسيرها.
قال الشيخ: ﵇! وعليك أنت لعنة الله! فكيف قال؟ وكيف صنع؟
قال إبليس: ألقيت به جائعا في الصحراء لا يجد ما يطعمه، ولا يظن أنه يجد، ولا يرجوا أن يظن؛ ثم قلت له: إن كنت روح الله وكلمته كما تزعم فمر هذا الحجر ينقلب خبزًا، فكان تقيا، فتذكر فإذا هو مبصر، فقال: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فمثل هذا لو مات جوعا لم يتحول، لأن الموت إتمام حقيقته السامية فوق هذه الدنيا، ولو ملئت له الدنيا خبزًا وهو جائع لم يتحول؛ لأن له بصرا من فوق الخبز إلى حقيقته السماوية؛ ليس بالخبز وحده يحيا؛ بل بمعان أخرى هي إشباع حقيقته السماوية التي لا شهوة لها.
ثم ارتقيت به إلى ذروة جبل وأريته ممالك الخافقين، كشفتها كلها لعينيه وقلت له: هذا كله لك إذا أنت سجدت لي. فكان متقيا، فتذكر فإذا هو مبصر: أبصر حقيقة الخيال الذي جسمته له، وعلم أن الشيطان يعطي مثل معاني هذه الممالك في جرعة خمر، كما يعطيها في ساعة لذة، كا يعطيها في شفاء غيظ بالقتل والأذى؛ ثم لا يبقى من كل ذلك باق غير الإثم، ولا يصح منه صحيح إلا الحرام. ومن ملك الدنيا نفسها لم يبق لها إذا بقيت فهي خيال في جرعة الحياة، كما هي خيال في جرعة الخمر.
يا أبا عامر؛ إن هذا النظر، الذي وراءه التذكر، الذي وراءه التقوى، التي وراءها الله, هذا وحده هو القوة التي تتناول شهوات الدنيا فتصفيها أربع مرات حتى
стр. 472
تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر، وآخر وجودها التلاشي.
فالبصر الكاشف الذي يجرد الأشياء من سحرها الوهمي، هذا هو كل السر.
قال الشيخ: لعنك الله؛ فكيف مع هذا تفتن المؤمن؟
قال إبليس: يا أبا عامر، هذا سؤال شيطاني, تريد -ويحك- أن تحتال على الشيطان؟ ولكن ما يضرني أن أفسرها لك.
ليس الإيمان هو الاعتقاد ولا العمل، ولو كان من هذين لما شق على أحد ولصلحت الدنيا وأهلها؛ إنما الإيمان وضع يقين خفي يكون مع الغريزة في مقرها، ويصلح أن يكون في مقرها لتصدر عنه أعمال الغريزة، وهذا اليقين لا يصلح كذلك إلا إذا كان يقينا ثابتا بما هو أكبر من الدنيا، فيرجع إليه الإنسان فيتذكر فيبصر. هناك ميراث من الآخرة للمؤمن، فاليقين بهذا الميراث هو سر الإيمان.
والعمل الشيطاني لا يكون إلا في إفساد هذا اليقين ومعارضة الخيال العظيم الذي فيه بالحقائق الصغيرة التي تظهر للمغفل عظيمة، كما تشب نار أكبر من قرص الشمس ثم يقال للأبله: انظر بعينيك، فيصدق أنها أكبر من الشمس.
ومتى صغر هذا اليقين وكانت الحقائق الدنيوية أكبر من النفس؛ فأيسر أسباب الحياة حينئذ يفسد المعتقد ويسقط الفضيلة؛ وبدرهم واحد يوجد اللص حينئذ.
أما إذا ثبت اليقين فالشيطان مع الإنسان يصغر ثم يصغر، ويعجز ثم يعجز.
حتى ليرجع مثل الدرهم إذا طمع الطامع أن يجعل الرجل الغني الكثير المال لصا من اللصوص بهذا الدرهم.
قال الشيخ: لعنك الله! فإن لم تستطع إفساد هذا اليقين فكيف تصنع في فتنة المؤمن؟
قال إبليس: يا أبا عامر، إن لم أستطع إفساد اليقين زدته يقينا فيفسد، واستحسان الرجل لأعماله السامية قد يكون هو أول أعماله السافلة؛ وبأي عجيب يكون الشيطان إلا بمثل هذا؟
قال أحمد بن مسكين: وغضب الشيخ، فمد يده فأخذ فيها عنق إبليس وقد رآه دقيقا، ثم عصره عصرا شديدًا يريد خنقه؛ فقهقه الشيطان ساخرًا منه. ويتنبه الشيخ، فإذا هو يشد بيده اليمنى على يده اليسرى.
стр. 473
الدنيا والدرهم "٤ ":
قال أحمد بن مسكين: وأزف ترحلي عن "بلخ"، وتهيأت للخروج، ولم يبق من مدة مقيلي بها إلا أيام يجيء فيها السبت الرابع، وكان قد وقعت مماراة بيني وبين مفتي "بلخ" أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف الباهلي١ تلميذ أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، ويزعمون أنه شحيح على المال، وأنه يتغلله من مستغلات كثيرة٢، فكأنما غشيته غمامتي، فهو لا يرى أن أتكلم في الزهد، ويحسب هذا الزهد تماوت العباد، ونفض الأيدي من الدنيا، وسوء المصاحبة لما ينعم الله به على العبد، وخذلان القوة في البدن، وما جرى هذا المجرى من تزوير الحياة بالأباطيل التي زعم أنها أباطيل الطاعات وما أقربها من أباطيل المعصية. ولم يكن هذا المفتي قد سمعني ولا حضر مجلسي, ولولا الذي لم يعرفه من ذلك لقد كان عرف.
وجادلته فرأيته واهن الدليل، ضعيف الحجة، يخمن تخمين فقيه، وينظر إلى الخفايا من حقائق النفوس نظر صاحب النص إلى الظاهر، كأن الحقيقة إذا ألقيت على الناس مضت نافذة كفتوى المفتي, ويزعم أن الوعظ وعظ الفقهاء، يقولون: هذا حرام، فيكون حراما لا يقارفه أحد، وهذا حلال, فيكون حلالا لا يتركه أحد، وهو كان بعيدًا عن حقيقة الوعظ ومداخله إلى النفس وسياسته فيها، ولا يعرف أن الحقيقة كالأنثى, إن لم تزين بزينتها لم تستهو أحدًا؛ وأن الموعظة إن لم تتأد في أسلوبها الحي كانت بالباطل أشبه، وأنه لا يغير النفس إلا النفس التي فيها قوة التحويل والتغيير، كنفوس الأنبياء ومن كان من طريقة روحهم، وأن هذه الصناعة إنما هي وضع نور البصيرة في الكلام، لا وضع القياس الحجة،
стр. 474
وأن الرجل الزاهد الصحيح الزهد، إنما هو الحياة تلبسها الحقيقة لتكون به شيئا في الحياة والعمل. لا شيئا في القول والتوهم، فيكون إلهامها فيه كحرارة النار في النار؛ من واتاها أحسها.
ولعمري، كم من فقيه يقول للناس: هذا حرام. فلا يزيد هذا الحرام إلا ظهورًا وانكشافًا ما دام لا ينطق إلا نطق الكتب، ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع، وقد خلا من القوة التي تجعله روحا تتعلق الأرواح بها وتضعه بين الناس في موضع يكون به في اعتبارهم كأنه آت من الجنة منذ قريب، راجع إليها بعد قريب.
والفقيه الذي يتعلق بالمال وشهوات النفس، ولا يجعل همه إلا زيادة الرزق وحظ الدنيا -هو الفقيه الفاسد الصورة في خيال الناس، يفهمهم أول شيء ألا يفهموا عنه؛ إذ حرصه فوق بصيرته، وله في النفوس رائحة الخبز، وله معنى: خمس وخمس عشرة١, وكأن دنياه وضعت فيه شيئا فاسدًا غريبًا يفسد الحقيقة التي يتكلم بها؛ ولست أدري ما هو هذا الشيء، ولكني رأيت فقهاء يعظون ويتكلمون على الناس في الحرام والحلال وفي نص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم لم أجد لكلامهم نفعا ولا ردًا، إذ يلهمون الناس بأرواحهم غير المعنى الذي يتكلمون فيه؛ وتسخر الحقيقة منهم -على خطرهم وجلال شأنهم- بذات الأسلوب الذي تسخر به من لص يعظ لصا آخر فيقول له: لا تسرق.
قال ابن مسكين: فلما دار يوم السبت أقبل الناس على المسجد أفواجًا، وكانوا قد تعالموا إزماعي الرحيل عن بلدهم, وجاء "لقمان الأمة" في أشياعه وأصحابه، وجاء أبو إسحاق المفتي في جماعته؛ واستقر بي المجلس فنفذت الناس بنظري، فكأنهم من كثرتهم نبات غطى الأرض، فأذكرني هذا شيخنا السري بن مغلس السقطي٢، وكان قد لزم دراه في بغداد لا يخرج منها ولا يراه إلا من قصد إليه، وهممت أن أجعل الموعظة في شرح كلمته المشهورة: "لا تصح المحبة بين اثنين حتى يقول أحدهما للآخر: يا أنا". وما نقلوه عنه من أنه قال مرة
стр. 475
لبعض أصحابه: منذ ثلاثين سنة وأنا في الاستغفار من قولي: "الحمد لله". فقال صاحبه: وكيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل فقال: نجا حانوتك. فقلت: الحمد لله فأنا نادم من ذلك الوقت على ما قلت؛ إذ أردت لنفسي خيرًا من الناس!
قال ابن مسكين: ولكني أحببت أن أكلم المفتي ومال المفتي؛ فحدثتهم حديث معرفتي بالسري: أني سمعت يوما "غيلان الخياط" يقول: إن السري كان اشترى كرلوز١ بستين دينارًا، وأثبته في رزنامجه٢ وكتب أمامه: ربحه ثلاثة دنانير٣؛ فلم يلبث أن غلا السعر فبلغ تسعين دينارًا؛ فأتاه الدلال الذي كان اشترى له فقال: أريد ذلك اللوز. قال الشيخ: خذه. قال: بكم؟ فقال: بثلاثة وستين دينارًا. وكان الدلال رجلا صالحا، فقال للشيخ: إن اللوز قد صار الكر بتسعين. فقال السري: ولكني عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله، فلست أبيع إلا بثلاثة وستين دينارًا، فقال الدلال: وأنا قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله، ألا أغش مسلما، فلست أشتري منك إلا بتسعين؛ فلا الدلال اشترى منه، ولا السري باعه ... !
قال أحمد بن مسكين: فلما سمعت ذلك لم تكن لي همة إلا أن ألقى الشيخ وأصحبه، وآخذ عنه، فلم أعرج على شيء حتى كنت في المسجد الذي يصلي فيه، فأجده في حلقته وعنده ممن كانت أعرفهم: عبد الله بن أحمد بن حنبل، وإدريس الحداد، وعلي بن سعيد الرازي، وحوله خلق كثير وهو فيهم كالشجرة الخضراء بين الهشيم تعلوه نضرة روحه، وكأنما يمده بالنور عرق من السماء، فهو يتلألأ للعين؛ ولا يملك الناظر إليه إلا أن يحسن في ذات نفسه أنه الأدنى، من رؤيته في ذات نفسه أن هذا هو الإنسان الأعلى.
ورأيت على وجهه آلاما تمسحه مسحة الأشواق لا مسحة الآلام، آثار ما يجده في روحه القوية، لا كآلام الاس التي هي آثار الحرمان في أرواحهم الواهنة الضعيفة فلا تمسح وجوههم إلا مسحة الغم والكآبة.
وما يخطئ النظر في تمييز آلام السماء على هذه الوجوه السعيدة من آلام الأرض في الوجوه الأخرى، فإن الأولى تتندى على روح الناظر بمثل الطل إذا
стр. 476
قطره الفجر، والأخرى تتثور في روحه كما تهيج الغبرة إذا ضربت الريح الأرض.
كان الشيخ في وجود فوق وجودنا؛ فلا تتلون له الأشياء ولا تعدو عنده ما هي في نفسها، ولا يحمل الشيء له إلا معناه من حيث يصلح أو لا يصلح، ومن حيث ينبغي أو لا ينبغي، فإنما تتلون الأشياء عند ما يضع الشيطان عينه في عين الناظر إليها؛ وإنما تزيد وتنقص في القلب عندما يكون روح الشيطان في القلب؛ وإنما يشتبه ما ينبغي وما لا ينبغي عندما يأتي الشيء من جهتين: جهته من طبيعته هو، وجهته من طبيعتنا نحن. وبهذا قد يجمع الإنسان المال ثم لا يجد في المال معنى الغنى، وقد تتفق أسباب النعيم ولا يكون منها إلا الذل. وكم من إنسان يجد وكأنه لم يجد إلا عكس ما كان يبغي، وآخر لم يجد شيئا ووجد بذلك راحته.
قال ابن مسكين: وما كان أشد عجبي حين تكلم الشيخ، فقد أخذ يجيب عما في نفسي ولم أسأله، كأن الذي في فكري قد انتقل إليه؛ فروى الحديث: $"إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم، نزع منها هيبة الإسلام؛ وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حرموا بركة الوحي". ثم قال في تأويله:
إن ملك الوحي ينزل بالأمر والنهي ليخضع صولة الأرض بصولة السماء، فإذا بقي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بقي عمل الوحي إلا أنه في صورة العقل، وبقيت روحانية الدنيا إلا أنها في صورة النظام، وكان مع كل خطأ تصحيحه؛ فيصبح الإنسان بذلك تنفيذًا للشريعة بين آمر مطاع ومأمور مطيع، فيتعامل الناس على حالة تجعل بعضهم أستاذا لبعض، وشيئا منهم تعديلا لشيء، وقوة سندًا لقوة فيقوم العزم في وجه التهاون، والشدة في وجه التراخي، والقدرة في وجه العجز؛ وبهذا يكونون شركاء متعاونين، وتعود صفاتهم الإنسانية وكأنها جيش عامل يناصر بعضه بعضًا، فتكون الحياة مفسرة ما دامت معانيها السامية تأمر أمرها وتلهم إلهامها، وما دامت ممثلة في الواجب النافذ على الكل.
والناس أحرار متى حكمتهم هذه المعاني، فليست حقيقة الحرية الإنسانية إلا الخضوع للواجب الذي يحكم، وبذلك لا بغيره يتصل ما بين الملك والسوقة، وما بين الأغنياء والفقراء، اتصال الرحمة في كل شيء، واتصال القسوة في التأديب وحده. فبركة الوحي إنما هي جعل القوة الإنسانية عملا شرعيًّا لا غير.
أما تعظيم الأمة للدنيا والدرهم، فهو استعباد المعاني الحيوانية في الناس
стр. 477
بعضها لبعض، وتقطع ما بينهم من التشابك في لحمة الإنسانية، وجعل الكبير فيهم كبيرًا وإن صغرت معانيه، والصغير فيهم صغيرا وإن كبر في المعاني، وبهذا تموج الحياة بعضها في بعض، ولا يستقيم الناس على رأي صحيح، إذ يكون الصحيح والفاسد في ملك الإنسان لا في عمل الإنسان، فيكنز الغني مالا ويكنز الفقير عداوة، كأن هذا قتل مال هذا، وكأن أعمالا قتلت أعمالا، وترجع الصفات الإنسانية متعادية، وتباع الفضائل وتشترى، ويزيد من يزيد ولكن في القسوة، وينقص من ينقص ولكن في الحرية، وتكون المنفعة الذاتية هي التي تأمر في الجميع وتنهى، ويدخل الكذب في كل شيء حتى في النظر إلى المال، فيرى كل إنسان كأنما درهمه وديناره أكبر قيمة من دينار الآخر ودرهمه، فإذا أعطي نقص فغش، وإذا أخذ زاد فسرق؛ وتصبح النفوس نفوسا تجارية تساوم قبل أن تنبعث لفضيلة، وتماكس إذا دعيت لأداء حق، ويتعامل الناس في الشرف على أصول من المعدة لا من الروح، فلا يقال حينئذ: إن رغيفين أكثر من رغيف واحد. كما هي طبيعة العدد، بل يقال: إن رغيفين أشرف من رغيف، كما هي طبيعة النفاق.
أما التجارة -وهي التفسير الظاهر لمعاني النفوس- فتصبح بين الغش والضرر والمماكرة، وتكون يقظة التاجر من غفلة الشاري، وتفسد الإرادة فلا تحدث إلا آثارها الزائغة. وما التاجر في الأمة القوية إلا أستاذ لتعليم الصدق والخلق في الموضع المتقلب، فكلمته كالرقم من العدد لا يحتمل أزيد ولا أنقص مما فيه، ويمتحن بالدنيا والدرهم أشد مما يمتحن العابد بصلاته وصيامه، وقد شهد رجل عند عمر بن الخطاب في قضية، فقال له عمر: ائتني بمن يعرفك. فأتاه برجل أثنى عليه خيرًا، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فكنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا.
قال عمر: أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن، يخفض رأسه طورًا ويرفعه أخرى؟ قال: نعم.
قال: فاذهب فلست تعرفه!
وإنما التاجر صورة من ثقة الناس بعضهم ببعض، وإرادة الخير واعتقاد الصدق، وهو في كل ذلك مظهر توضع اليد عليه كما تجس اليد مرض المريض وصحته.
стр. 478
فإذا عظمت الأمة الدينار والدرهم، فإنما عظمت النفاق والطمع والكذب والعداوة والقسوة والاستعباد؛ وبهذا تقيم الدنانير والدراهم حدودًا فاصلة بين أهلها، حتى لتكون المسافة بين غني وفقير كالمسافة بين بلدين قد تباعد ما بينهما. وإنما هيبة الإسلام في العزة بالنفس لا بالمال، وفي بذل الحياة لا في الحرص عليها، وفي أخلاق الروح لا في أخلاق اليد، وفي وضع حدود الفضائل بين الناس لا في وضع حدود الدراهم، وفي إزالة النقائص من الطباع لا في إقامتها، وفي تعاون صفات المؤمنين لا في تعاديها، وفي اعتبار الغنى ما يعمل بالمال لا ما يجمع من المال، وفي جعل أول الثروة العقل والإرادة، لا الذهب والفضة.
هذا هو الإسلام الذي غلب الأمم، لأنه قبل ذلك غلب النفس والطبيعة.
стр. 479
دعابة إبليس * ١:
أما إني سأقص هذا الحكاية كما اتفقت، لا أزينها بخيال، ولا أتزيد فيها بخبر، ولا أولد لها معنى؛ فإنما هي حكاية خبث الخبيث, فنها حذقه ودهاؤه، ورقتها غلظته وشره، ومعانيها بلاؤه ومحنته؛ وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والله المستعان.
لما فكرت في وضع مقالة "إبليس" من أحاديث "ابن مسكين"، وأدرت رأيي في نهجها وحدودها ومعانيها، جعل فكري يتقطع في ذلك، يهذب ويجيء كأن بيني وبينه منازعة، أو كأن في نفسي شيئا يثنيني ويقطعني عن العزم؛ وخيل إلي حينئذ أن "إبليس" هذا منفعة من المنافع, وأنه هو قانون الطبيعة الذي نص مادته الأولى: ما أعجبك فهو لك. ونص مادته الأخيرة: ما احتجت إليه فثمنه أن تقدر على أخذه.
وهجس في نفسي هاجس أن "إبليس" قائم في لفظ الحرية كما هو قائم في لفظ الإثم، وأنه إن يكن في قلوب الفساق فهو أيضا في أدمغة الفلاسفة وإن كان في سقوط أهل الرذيلة إلى الرذيلة، فهو كذلك في سمو أهل الفن إلى الفن. قال الهاجس: وإن "إبليس" أيضًا هو صاحب الفضيلة العملية في هذا العصر المادي، فهو من ثم حقيق أن يلقبوه "صاحب الفضيلة".
ولكني لم أحفل بهذه الوساوس ولم أعج على شيء منها، واستعنت الله وأمضيت نيتي على الكتابة، وأخذت أقلب الموضوع، وأنبه فكري له، وأستشرف لما يؤدي إليه النظر، وأتطلع لما يجيء به الخاطر، وألتمس ما أبني عليه الكلام كما هي عادتي؛ فلم يقع لي شيء ألبته، كأنما ذهب أول ابتداء الموضوع فلا أول له ولا سبيل إلى اقتحامه، وكأنه من وراء العلم فلا يبلغ إليه، وكأنه من التعذر كمحاولة تصوير حماقة الحياة كلها في كلمة. وإبليس كلمة فيها حماقة الحياة كلها.
стр. 480
ومن عادتي في كتابة هذه الفصول التي تنشرها "الرسالة"١، أن أدع الفصل منها تقلبه الخواطر في ذهني أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، وأترك أمره للقوة التي في نفسي، فتتولد المعاني من كل ما أرى وما أقرأ، وتنثال من ههنا وههنا، ويكون الكلام كأنه شيء حي أريد له الوجود فوجد.
ثم أكتب نهار الجمعة، ومن ورائه ليل السبت وليل الأحد كالمدد من وراء الجيش إذا نالتني فترة أو كنت على سفر أو قطعني عن الكتابة شيء مما يعرض.
وفي أسبوع إبليس "لعنه الله"، مرت الأيام الثلاثة وفيها ثلاثة ألوان: ضجر لا روح فيه، وكسل لا نشاط معه، واضطراب لا مساك له، وأطلت التفكير يوم الخميس، فكانت تعتريني خواطر مضحكة, فيعرض لي مرة أن أصور إبليس امرأة ليكون إبليس الجميل, وتارة أتوهم أن إبليس يريد أن يكون شيخا كبعض رجال الدين الذين لا تزال تطلع على خائنة منهم، ليقال إبليس التقي المصلي, وحينا أظن أنه يريد أن يكون كاتبا مؤلفا شهيرا ليقال إبليس المفكر المصلح, وخطر لي أخيرًا أنه يريد أن يكون حاكمًا ملحدًا فاجرًا، ليكون إبليس التام لا إبليس الناقص.
ولما ذهبت الأيام الثلاثة باطلًا، خيل إلي أن إبليس "أخزاه الله" يسألني عن المقالة: إلى أي شيء انقلبت؟ فشق ذلك علي واغتممت به، غير أني اطمأننت إلى يوم الجمعة وأن وراءه ليلتين. وكانت قد غربت شمس الخميس، فقلت: فلأخرج لأتفرج مما بي، وعسى أن أجمع نفسي للتفكير إذا جلست في الندي، ولعله يقع ما أستوحيه أو ينفتح لي باب في القراءة.
وخرجت، فلم أجاوز الدار حتى ابتدرني من هبط عليه الخبر من القاهرة أن نسيبا لنا من العظماء توفي أخوه اليوم. فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ضاع يوم الجمعة. إذ لا بد من السفر لتشييع الجنازة وحضور المأتم ثم قلت: لعل في هذا السفر استجماما ونشاطًا فأستدرك الأسبوع كله في يومين، وإنما الاستكثار بالقوة لا بالزمن، ولا يد لإبليس في الموت والحياة، فليس إلا اطراحه وقلة المبالاة به، وإنما هي خطرات من وساوسه.
وأصبحت في القاهرة، ومشيت في الجنازة قبل الظهر مسيرة ساعة كاملة؛
стр. 481
وكانت الشمس ساطعة تتلألأ، وأنا مثقل بثياب الشتاء وكنت أتوقع أن يكون اليوم من أيام الريح المجنونة، فلما انتهينا إلى الصحراء، هبت الريح هبوبًا لينا، ثم زفت فكانت إلى الشدة ما هي؛ ولكنها ماضية تسفي الرمل في الأعين فيأخذ في أجفاني أكال وتهييج، وليس معي شيء أتقيها به؛ غير أني شغلت فكري برؤية المقابر، وجعلتها في نفسي كالمقالة المكتوبة سطرا وراء سطر، وقلت: ههنا الحقيقة في أول تفسيرها، وغير المفهوم في الحياة يفهم هنا.
ثم رجعت مندى الجسم بالعرق وعلي نضح منه، وكان القميص من الصوف، وبصدري أثر من النزلة الشعبية، وإذا تندى الصوف وجب نزعه وإلا فهي العلة ما منها بد.
ثم لم تكن إلا ساعة حتى انخرقت الريح وجعلت تعصف وبرد الجو، فأيقنت أنه الزكام، وقلت في نفسي: هذا باب على حدة، والمقالة ذاهبة لا محالة، فسيتخلف الذهن ويتبلد؛ والشيطان كريم في الشر يعطي من غير أن يسأل.
وثقل ذلك علي فكان الغم به علة جديدة، بيد أني لم أزل أرجو الفرصة في أحد اليومين: السبت والأحد. وقلت: إن من البلاء الفكر في البلاء، ولعل من السلامة الثقة بالسلامة؛ فإذا نبهت العزيمة رجوت أن يتغلغل أثرها في البدن كله فيكون علاجا في الدم يحدث به النشاط ويرهف منه الطبع وتجم عليه النفس. وفي قوة العصب كهربائية لها عملها في الجسم إذ أحسن المرء بعثها في نفسه وأحكم إفاضتها وتصريفها على طريقة رياضية؛ ولهي الدواء حين يعجز الدواء، وهي القوة حين تخذل القوة.
فاعتزمت وصممت، واحتلت على الإرادة، وتكثرت من أسباب الثقة وترصدت لها السوانح العقلية التي تسنح في النفس، وقلت لإبليس: اجهد جهدك، فما تذهب مذهبا إلا كان لي مذهب. ولكن اللعين أخطر في ذهني قول القائل يسخر فيه من ذلك الكاتب البغدادي١.
لو قيل كم خمس وخمس لاغتدى ... يوما وليلته يعد ويحسب
ويقول معضلة عجيب أمرها ... ولئن فهمت لها لأمري أعجب
стр. 482
خمس وخمس ستة أو سبعة ... قولان قالهما الخليل وثعلب
ثم أجمعت الرجوع من يومي إلى "طنطا"، لأتقي البرد بعلاجه إن نالني أثره, وكان علي وقت إلى أن يقوم القطار، فذهبت فقضيت واجبا من زيارة بعض الأقارب في ضاحية "الجيزة"، ثم ركبت الترام الذي أعلم أنه ذاهب إلى محطة سكة الحديد.
وجلست أفكر في إبليس ومقالته، والترام ينبعث في طريقه نحو ثلث الساعة، حتى بلغ الموضع الذي ينعرج منه إلى المحطة وهو بحيال "جمعية الإسعاف"، حيث تنشعب طرق أخرى؛ وكنت منصرفا إلى التفكير مستغرقًا فيه، طائف النظارت على الجو، فما راعني إلا اختلاف منظر الطريق، وأنتبه، فإذا الترام يمرق مروق السهم في تلك السبيل الصاعدة إلى "الجيزة" من حيث جئت.
فلعنت الشيطان وتلبثت حتى وقف هذا الترام، فغادرته ورجعت مهرولا إلى ذلك المنشعب، فصادفت تراما آخر، فوثبت إليه كأني أحمل إليه حملًا، ودفعت الأجرة، وانطلق، فإذا هو منصب في تلك الطريق عينها الذاهبة إلى الجيزة من حيث جئت, ولا أستطيع الانحدار منه وهو منطلق، فتسخطت ولعنت الشيطان مرة أخرى، ورأيت أن عبثه قد ترادف؛ فلما سكن الترام رجعت مهرولًا إلى ذلك المنشعب ولم يبق من الوقت غير قليل.
وأنظر ثم، فإذا ترام وراء ترام، وإذا قد وقعت حادثة لإحدى السيارات واجتمع الناس وسدت الطريق، فجعلت أغلي من الغيظ، ولعنت هذا الدعابة الخبيث. وأذكرني اللعين نادرة الأعرابي الذي عضه ثعلب، فأتى راقيا، فقال له الراقي: ما عضك؟ فاستحي أن يقول: ثعلب، وقال: كلب. فلما ابتدأ الرجل برقية الكلب، قال له الأعرابي: واخلط بيها شيئا من رقية الثعالب.
ثم إني لم أر بدا من بلوغ المحطة على قدمي لأتم على عزيمتي في مراغمة اللعين، فأسرعت أطوي الأرض وكأنما أخوض في أحشائه وكان بصدري التهاب فهاج بي، غير أني تجلدت واتسعت لاحتماله وبلغت حيث أردت. ثم ذهبت ألتمس في القطار عربة خاصة أعرفها، كانت من عربات الدرجة الأولى فجعلوها في الثانية يرفهون بها بعض الترفيه على طائفة من المسافرين؛ وأصبت فيها مكانا خاليا كأنما كان مهيأ لي بخاصة, فانحططت فيه إلى جانب رجل أوروبي أحسبه
стр. 483
ألمانيا لتفاوت خلقه وعنجهيته؛ وجلست أنفس عن صدري، ثم أقبلت أسخر من إبليس ونكايته، وجعلت أتعجب مما اتفق من هذا التدبير.
وتحرك القطار وانبعث، وكان الأوروبي إلى جانبي مما يلي النافذة وقد تركها مفتوحة، فأحسست الهواء ينصب منها كالماء البارد وأنا متند بالعرق؛ وترقبت أن يغقلها الرجل فلم يفعل، فصابرته قليلا فإذا هو ساكن مطمئن يتروح بالهواء وكأنما يشربه، وتأملته فإذا شيخ في حدود الستين أو فوقها، غير أنه على بقية من قوة مصارع في اكتناز عضله واجتماع قوته ووثاقة تركيبه، فأيقنت أن الهوء من حاجته، وهممت أن أنبهه أو أقوم أنا فأغلق النافذة، ولو شئت أن أفعل ذلك فعلت، غير أن الشيطان "أخزاه الله" وسوس لي: أن هذا رجل أجنبي غربي، وأنت مصري شرقي، فلا يحسن بك أن تعلمه وتعلم الحاضرين أمامكما أنك أنت الأضعف على حين أنه هو الأسن، وكيف لا تقوم لما يقوم له وقد كنت تباكر الماء البارد في صميم الشتاء، وكنت لا تلبس في أشد أيام البرد غير ثياب الصيف، وكنت تحمل كذا وكذا ثقلا للرياضة، وتعاني كذا وكذا من ضروب القوة، وكنت تلوي بيديك عود الحديد، وكنت وكنت.
فتذممت -والله- مما خطر لي؛ وأنفت أن أنبه الرجل، ورأيت عملي هذا ضعفا وفسولة، ولم أعبأ بالهواء ولا بالعرق ولا بالنزلة الشعبية ولا بالزكام، وتركت الأوروبي وشأنه، وأقبلت على كتاب كان في يدي، وتناسيت أن هذه النافذة جهة من تدبير إبليس؛ وكان القطار مزدحما بالراجعين من المعرض الزراعي الصناعي، وبعض الناس وقوف فلا مطمع في مكان آخر.
ولبثت ساعة ونصف ساعة في تيار من هواء "فبراير" ينصب انصبابا، ويعصف عصفًا، وكأني أسبح منه في نهر تحت ظلمة الليل الماطر، والناس معجبون بي وبالأوروبي، وهذا الأوروبي معجب بي أكثر منهم، وقد رأى مكاني وعرف موضعي، وكان إلى يميني مجلس بقي خاليا ولم يقدم أحد على أن يجلس فيه خوفا من الهواء ومن الرجل الأوروبي.
ثم تراءيت أنوار محطة "طنطا"، ولم يبق من هذه المحنة غير دقيقتين فوالله الذي لا يحلف بغير اسمه لقد كان إبليس رقيعا جلفا باردا ثقيل المزاج؛ إذ لم أكد أتهيأ للقيام حتى رأيت الرجل الأوروبي قد مد يده فأغلق النافذة.
стр. 484
ورجعت إلى داري وأنا أقول: ثم ماذا يا إبليس؛ ثم ماذا أيها الدعبب١ وحاولت بجهدي أن أكتب أو أقرأ فلم أتحرك لشيء من ذلك، وكانت الساعة العاشرة ليلًا، فصليت وأويت إلى مضجعي.
ثم أصبحت يوم السبت، فإذا كتاب من الأستاذ صاحب "الرسالة": أنه سيطبع عددين معا فيريد لهما مقالتين، إذ تغلق المطبعة في أيام عيد الأضحى. وكان أملي في المقالة الواحدة مخذولا مما قاسيت، فكيف لي باثنتين؟
واختلط في نفسي هم بهم، وما يفسد علي أمري شيء مثل الضيق، فإذا تضايقت كنت غير من كنت؛ ولكني تيقظت وتنبهت وأملت العافية مما أجده من ثقلة البرد وضعفته، وأحدثت طمعا في النشاط إذ جلست للكتابة في الليل، فإني بالنهار أعمل للحكومة.
فلما كان الليل لم أجد أمري على ما أحب، وجلست متفترا معتلا، وثقل رأسي من ضربة النافذة، وتسلط علي ظن المرض والعجر عن الكتابة، وانتقض الأمر كله فرأيتني أشق على نفسي بلا طائل، فكان من صواب التدبير عندي أن أستجم بالنوم ثم أنهض في السحر للكتابة, فأوصيت من يوقظني؛ وحررنا الساعة المنبهة على تمام الثانية بعد منتصف الليل.
وأحسست أني جائع، وأن معدتي مشحوذة، ونسيت كل ما أعرف من الطب؛ وجاءوني بشواء وحلوى وما بينهما، فحططت فيه ولففت الآخر بالأول، ثم قمت أريد النوم، فإذا الطعام كان أشد علي من نافذة القطار، وكان الذي في الفكر من المقالة أثقل من الذي في المعدة من الطعام، وساء الهضم في الدماغ والبطن جميعا.
وجعلت أتناوم وأرخي أعضائي وأتوهم الكرى وأستدنيه بكل ما أعرف من وسيلة، ثم لا أزداد على ذلك إلا أرقا، وتمرد الفكر، وأحسست رأسي يكاد ينفجر، وصرت أتململ ولا أتقار، وتوهمت أن لو كان لي عقلان ما استطعت كتابة المقالة عن إبليس لعنه الله؛ وأذكرني الخبيث نادرة مضحكة: أن رجلا كان يركب حمارًا ضعيفا، وكان يبعثه فلا ينبعث، فجعل يضربه، فقيل له: ارفق به. فقال: إذا لم يقدر يمشي فلم صار حمارًا؟
стр. 485
وقذفت بنفسي من الفراش ونظرت في الساعة، فإذا هي موشكة أن تبلغ الثانية ولم أحس الرقاد بعد، فأسرعت إلى المنبهة وحررتها على تمام الساعة الرابعة صباحا، وأيقنت أن الشيطان يرهقني طغيانا وكيدا، فطفقت ألعنه، وما أحسبه إلا قد رأى اللعن مدحا فهو يستزيدني.
ثم رجعت أحاول النوم، فما كان هذا الليل إلا شيئا واحدًا أوله آخره إلى أن طلع الفجر.
وجاء يوم الأحد وهو يوم عطلة الأوروبيين، فما أشد عجبي إذ تركني فيه إبليس كأنهم لا يدعون له وقتا في هذا اليوم.
والآن يزين لي الخبيث أن أختم هذه المقالة بـ ... بـ ... ولكن لا. لا.
стр. 486
الشيطان *:
قال الشيخ أبو الحسن بن الدقاق: كان شيخي أبو عبد الله محمد الأزهري العجمي "﵁" رجلا صاحب آيات وخوارق مما فوق العقل، كأنما هو سر من الأسرار الجارية في هذا الكون، قد بلغ بنفسه رتبة النجم في أفقه البعيد؛ ففيه أهواء الإنسان وشهواته وطباعه، إلا أنها كنوز النجم في تألقه ولألائه من إشراق روحه وصفائها، وقد ارتفع بآدميته فوق نفسها؛ فاصبح في الناس ومعه سماؤه, يجعلها بين قلبه وبين الدنيا.
والرجل إذا بلغ هذا المبلغ كان حيا كالميت ساعة احتضاره؛ ينظر إلى كل ما في الحياة نظرة من يترك لا من يأخذ، ومن يعتبر لا من يغتر، ومن يلفظ لا من يتذوق، ومن يدرك السر لا من يتعلق بالظاهر؛ ويرى الشهوات كأنها من لغة لا يعرفها، فهي ألفاظ فيها معاني أهلها لا معانيه, وإنما تلبس كلماتنا معانيها من أنفسنا. وفي النفوس مثل الهشيم: إذا وقعت فيه المعاني المشتعلة استطار حريقا وتضرم، وفيها على المجاهدة مثل الماء؛ فإذا خالطته تلك المعاني انطفأت به وخمدت.
وقد سألت الشيخ مرة: كيف تحدث الكرامات والخوارق للإنسان؟ فقال: يا ولدي إن الإنسان من الناس المحجوبين يتصرف في جسمه ولا يكاد يملك لروحانيته شيئا، فإذا أبلى في المجاهدة ووقع في قلبه النور، تصرف في روحانيته ولا يكاد يملك لجسمه شيئا، فمن أطاق أن ينسلخ من بشريته، واتسعت ذاته في معاني السماء بمقدار ما ضاقت من معاني الأرض، وكان معدا لأن يتحقق في روحانيته، معانا على ذلك بطبيعة فوق الاعتدال, فقد شاع في الكون، وأصاب له وجها ومذهبا إلى تلك القوة التي تهدم في العالم وتبني، وتفرق وتجمع، وتنقل الصور بعضها إلى بعض؛ فإن الكون كله جوهر واحد هو النور، حتى الجبل هو نور صخري، وحتى البحر هو نور مائي، وحتى الحديد
стр. 487
والذهب والتراب، كل ذلك نور١ صرفته القدرة الإلهية تصريفها المعجز، فكان، على ما نرى: ظاهرا مخيل يلائم نقصنا وعجزنا، وحقيقة قارة على غير ما نرى. ومن ذا يعقل أن الصخر نور متجمد إذا لم يكن له إلا عقل عينه وحواسه؟ ومن ذا يطيق أن يفهم بحواسه وعينه قول الله -تعالى-: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] ؟ فالجبال جامدة ثابتة، غير أنها تمر بأرضها وتموج في نفسها؛ ومتى تأذن الله أن ينكشف نور كلامه للعقل الإنساني، فستكون هذه الآية علما جديدًا في الأرض، يثبت أن السحاب والجبل مادة واحدة وصنع واحد.
ويا لها سخرية بالإنسان وجهله! فإنه إذ كانت الحقيقة غير ما نرى، فكل شيء في الدنيا هو رد على النظر الإنساني، ويكاد الجبل العظيم يكون كلمة عظيمة تقول للإنسان: "كذبت! ".
فالشأن في الخوارق والكرامات راجع إلى القدرة أن يسلط الإنسان الروحاني ما فيه من سر النور على ما في بعض الأشياء من هذا السر، وتلك هي طاعة بعض الكون لمن ينصرف عن المادة ويتصل بخالقها.
فإذا بقي في الرجل الروحاني شيء من أمر جسمه يقول: "أنا ... " لم يكن في الرجل من تلك القدرة ذرة؛ فإن هو حاول أن يخرق العادة، أبى الكون أن يعرفه إلا كما يعرف حجرا ملقى يحاول أن يتصرف بالجبل الذي هو منه فينقله أو يزحزحه أو يزلزله.
ولا خير على الأرض مطلقا إلا وهو أخذ من حقوق هذه الـ"أنا ... " في إنسانها، ولا شر على الأرض مطلقا إلا وهو إضافة حقوق إليها؛ فحين لا يبقى لها حق في شيء عند نفسها، يجب لها الحق عندئذ على كل شيء. وهذه هي الكرامة؛ تكرم الخليقة من أكرمه الخالق.
فمن أراد أن تتصل نفسه بالله، فلا يكن في نفسه شيء من حظ نفسه، ولا يؤمن إيمان هؤلاء العامة: يكون إيمانهم بالله فكرة تذكر وتنسى، أما عملهم فهو إيمانهم الراسخ بالجسم وشهواته يذكر ولا ينسى.
وأنت ترى رجال الروح يأكلون ويشربون ويلبسون، ولكن هذا كله ليس فيه ذرة من أرواحهم، على خلاف غيرهم من الناس؛ فهؤلاء كل أرواحهم في مطاعمهم ومناعمهم، ومن ثم لا يجري الشيطان من الأولين إلا في مجار ضيقة.
стр. 488
أشد الضيق لا يكاد ينفذ منها إلى فكر أو شهوة أو حلم من أحلام الدنيا، أما الآخرون فالشيطان فيهم هو تيار الدم، يعب عبابه في الأسفل والأعلى.
قال أبو الحسن: وكنا يومئذ في دمشق، فنبهني كلام الشيخ عن الشيطان إلى ما قرأته عن كثيرين ممن رأوا الشيطان أو حاوروه أو صارعوه؛ فقلت للشيخ: إن من حقك علي أن أسألك حقي عليك، وما في نفسي أحب إلي ولا أعجب من أن أرى الشيطان وأكلمه وأسمعه؛ وأنت قادر أن تنقلني إليه كما نقلتني إلى ما دخلت بي عليه من عوالم الغيب.
قال الشيخ: وماذا يرد عليك أن ترى الشيطان وتكلمه؟
قلت: سبحان الله! لا يجدي علي شيئا إلا أن أسخر منه.
قال الشيخ: فإني أخشى يا ولدي، أن يكون الشيطان هو الذي يريد أن تراه وتسمعه ... !
قلت: فإني فأريد أن أسأله عن سره، فيكون علمًا لا سخرية.
قال: لو كشف لك عن سره لما كان شيطانا، فإنما هو شيطان بسره لا بغيره.
قلت: فأريد أن أرى الشيطان لأكون قد رأيت الشيطان!
قال الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! لو كنت يا أبا الحسن بأربع أرجل لهربت من الشيطان بثلاث منها وتركته يجرك من واحدة!
قلت: يا سيدي، فلو كنت حمارًا لبطل عمل الشيطان في أرجلي الأربع كلها؛ إذ لا حاجة به إلى إغواء حمار!
فتبسم الشيخ وقال: ولا بد أن ترى الشيطان وتكلمه؟
قلت: لا بد.
قال: إنه هو يقولها، فقم!
قال أبو الحسن: وكان الشيخ إذا مشى إلى أمر خارق بقيت معه غائبا عن الحس، كأنه يبطل مني ما أنا به أنا، فأصبح ظلا آدميا معلقا به. ولا تقع الخوارق إلا لمن وجد القوة المكملة لروحه، وهذه القوة تستمد من الشيخ الواصل، فلا بد من إمام يأخذ عن إمام، كأنها سلسلة نفسية متميزة في الأرض، فتتغير الواحدة منها بالواحدة، إذ تقع في جوها فتورق وتثمر؛ كالشجرة: جو يكسوها، وجو يذبلها، وجو يسلبها سلبا؛ وكذلك تفعل النفس إذا كان لها جو.
стр. 489
وخرجنا من دمشق وأنا خلف الشيخ كالمحمول، فرأيتنا وقد أشرفنا على بناء عظيم، ورأيت أقوامًا يتلقون الشيخ ويسلمون عليه ويتبركون بمقدمه؟ فأنكرتهم نفسي ووجدت منهم وحشة، فالتفت إلي الشيخ وقال: هؤلاء من الجن، وما إليهم قصدنا، فلا تشتغل بما ترى واشتغل بي.
ثم ننتهي إلى البناء العظيم، فتستقبلنا طائفة أخرى، ويدخلون الشيخ وأنا خلفه، ويمرون بنا على دنيا مخبوءة تعجز الوصف، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت؛ فيقولون: هذه كنوز سليمان وذخائره، ويطوفون بالشيخ يعرضونها عليه كنزا كنزًا، فرأينا ثم نعيما وملكا كبيرًا، ثم انتهينا آخرًا إلى مغارة خسيفة كأنها عرق من عروق جسم الأرض، يتفجر منها دوي كالرعد القاصف، إلا أنه في السمع كخوار الثور، إلا أنه ثور خيل إلي أن رأسه في قدر جبل عظيم، يتعلق به غبغب١ في قدر جبل آخر، على جسم يسد الخافقين، فخواره كأنه صراخ الأرض، وإذا أنا بأقبح مكان منظرًا، وأنتنه ريحا، كأنه سجن بناؤه من الجيف.
فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا سجن إبليس، وهو هنا في هذه المغارة منذ زمن سليمان ﵇.
قلت: أفمسجون هو؟
قالوا: وإنه مع ذلك موقر بأمثال الجبال حديدا يربض به في محبسه، فلا يتزحزح ولا يتحلحل.
قلت: وإنه مع ذلك قد ملأ الدنيا فسادًا، فكيف به لو كان طليقا؟
قالوا: فلو أنه كان طليقا لاستحوذ على الناس كافة؛ فيجتمع أهل الأرض على شهوة واحدة لا شيء غيرها، فيبطل مع هذه الشهوة الواحدة كل تدبير بينهم، فلا تقوم لهم سياسة، ولا يكون بينهم وازع؛ فيرجعون كالكلاب أصابها الكلب وهاج بها، فأنيابها في لحمها، لا يزال يعض بعضها بعضا، فليس لجميعها إلا عمل واحد يسلمها إلى الهلاك، ويصبح ظهر الأرض أعرى من سراة أديم.
وإنما يصلح الناس باختلاف شهواتهم وتنافرها وتنازعها: فبعضها يحكم بعضا، وشيء منها يزع شيئان ومن تخلص من نزوة قمع بها نزوة أخرى؛ كالمتزوج المحصن؛ يحكم بالجلد والرجم على من ليست له امرأة فزنا؛ وكالغني الواجد؛ يحكم على اللص الذي لم يجد فسرق، وهلم جرًا.
стр. 490
وما ينشأ الناس في ثلاثة أعمار، فيشبون ويكتهلون ويهرمون، إلا لتختلف شهواتهم وتختلف مقادير الرغبة فيها، فتتحقق من ثم تلك الحكمة الإلهية في التدبير ويجد الشرع محله بينهم، كما يجد العصيان بينهم محله.
ولو أن أمة كلها أطفال أو كهول أو شيوخ، لبادت في جيل واحد؛ وإنه ليس أسمج من الرذيلة تكون وحدها في الأرض إلا الفضيلة تكون وحدها، فلا بد من شيء يظهر به شيء غيره كالضد والضد؛ والمعركة إذا انتصر كل من فيها كانت هزلا وكانت شيئا غير المعركة.
قال أبو الحسن: وقلت لهم: فإذا كان الشيطان سجينا قد ربضت به أثقاله، حتى لهو في سجن من سجن مبالغة في كفه والتضييق عليه, فكيف يفتن الناس في أرجاء الأرض ويوسوس في قلوبهم، حتى لهو يد بين كل يدين، وحتى لهو العين الثلاثة لعيني كل إنسان؟
قالوا: إن في روحه النارية قوة تفصل منها وتنتشر في الأرض، كشعاع الشمس من الشمس: هذه كرة نارية ميتة معلقة على الأجسام مرصدة لها، وتلك كرة نارية حية معلقة على النفوس مرصدة لها، وبهذه وتلك عمار الدنيا وأهل الدنيا.
قلت: لعلكم أردتم أن تقولوا: خراب الدنيا وأهل الدنيا. فغلطتم، فكان ينبغي أن يجيء بدل الغلط ...
فقال أحدهم: يا أبا الحسن، خرق الثوب المسمار، جاز هنا لأمن اللبس أن يكون المفعول به -وهو الثوب- مرفوعا وفاعله -وهو المسمار- منصوبًا، هل جئت -ويحك- تطلب النحو أو تطلب الشيطان؟
قال أبو الحسن: فقطعني الجني -والله- وأخجلني، ونظرت خلسة إلى الشيخ أراه كيف يسخر مني، فإذا الشيخ وقد املس فلا أراه، وإذا أنا وحدي بين الجن وبإزاء هذا الساخر وضعت عينه في جبهته وشق فمه في قفاه ... ! فسري عني وزال ما أجده، وقلت في نفسي: الآن أبلغ أربي من الشيطان ويكون الأمر على ما أريد، فلا أجد من أحتشم ولا تقطعني هيبة الشيخ!
ووقع هذا الخاطر في نفسي، فاستعذت بالله ولعنت الشيطان وقلت: هذا أول عبثه بي وجعله إياي من أهل الرياء، كأن لي شأنا في حضور الشيخ وشأنا في غيابه، وكأني منافق أعلن غير ما أسر، وقلت: إنا لله! كدت يا أبا الحسن تتشيطن!
стр. 491
ثم هممت أن أنكص على عقبي، فقد أيقنت أن الشيخ إنما تخلى عني لأكون هنا بنفسي لا به، وما أنا هنا إلا به لا بنفسي، فيوشك إذا بقيت في موضعي أن أهلك! بيد أن المغارة انكشفت لي فجأة فما ملكت أن أنظر؛ ونظرت فما ملكت أن أقف، ووقفت أرى، فإذا دخان قد هاج فارتفع يثور ثورانه حتى ملئ المكان به، ثم رق ولطف.
واستضرمت منه نار عظيمة لها وهجان شديد يتضرم بعضها في بعض، ويسمع من صوتها معمعة قوية، ثم خمدت.
وانفجر في موضعها كالسد المنبثق من ماء كثيف أبيض أصفر أحمر، كأنه صديد يتقيح في دم، ثم غاض.
وتنبعت في مكانه حمأة منتنة جعلت تربو وتعظم حتى خفت أن تبتلعني وأذهب فيها، فسميت الله -تعالى- فغارت في الأرض.
ثم نظرت فإذا كلب أسود محمر الحماليق، هائل الخلقة مستأسد، قد وقف على جيفة قذرة غاب فيها خطمه يعب مما تسيل به.
فقلت: أيها الكلب، أأنت الشيطان؟
وأنظر فإذا هو مسخ شائه كأنه إنسان في بهيمة قد امتزجا وطغى منهما شيء على شيء، وأما وجهه فأقبح شيء منظرًا، تحسبه قد لبس صورة أعماله.
ونطق فقال: أنا الشيطان!
قلت: فما تلك الجيفة؟
قال: تلك دنياكم في شهواتها، وأنا ألتقم قلب الفاسق أو الآثم منكم، كما ألتقم دودة من هذه الجيفة.
قلت: عليك لعنة الله وعلى الفاسقين والآثمين، فكيف كنت دخانا، ثم انقلبت نارًا، ثم رجعت قيحا، ثم صرت حمأة، ثم كنت كلبا على جيفة؟
قال: لا تلعن الفاسقين والآثمين، فإنهم العباد الصالحون بأحد المعنيين، وأنت وأمثالك عباد صالحون بالمعنى الآخر، أليس في الدنيا حياء ووقاحة؟ فأولئك يا أبا الحسن هم وقاحتي أنا على الله! أنا منكم في زهدكم حرمان الحرمان، وفقر الفقر، ولقد أهلكتموني بؤسا؛ غير أني معهم لذة اللذة، وشهوة الشهوة، وغنى الغنى، لا تتم لذة في الأرض، ولا تحلو لذائقها وإن كانت حلالًا،
стр. 492
إلا إذا وضعت أنا فيها معنى من معانيّ أو وقاحة من وقاحتي! حتى لأجعل الزوجة لزوجها مثل الشعر البليغ إذا استعار لها معنى مني، وكل ما فسدت به المرأة فهو مجازي واستعارتي لها أجعلها به بليغة.
وأنتم يا أبا الحسن تقطعون حياتكم كلها تجاهدون إثم ساعة واحدة من حياة عبادي، فانظر -رحمك الله- لئن كانت ساعة من حياتهم هي جهنمكم أنتم، فكيف تكون جهنم هؤلاء المساكين؟
إنك رأيتني دخانا لأني كذلك أنبعث في القلب الإنساني، فمتى تحركت فيه حركة الشر كنت كالاحتيال لإضرام النار بالنفخ عليها؛ فمن ثم أكون دخانا، فإذا غفل عني صاحب القلب تضرمت في قلبه نارا تطلب ما يطفئها؛ ثم يواقع الإثم والمعصية ويقضي نهمته فأبرد عن قلبه، فيكون في قلبه مثل الحرق الذي برد فتأكل موضعه فتقيح، ثم يختلط قيح أعماله بمادته الترابية الأرضية، فينقلب هذا المسكين حمأة إنسانية لا تزال تربو وتنفخ كما رأيت.
قلت: أعوذ بالله منك! أفلا تعرف شيئا يرد عن القلب وأنت دخان بعد؟
فقهقه اللعين وقال: ما أشد غفلتك يا أبا الحسن، إذ تسأل الشيطان أن يخترع التوبة! أما لو أن شيئا يخترع التوبة في الأرض لاخترعها القبر الذي يدفن فيه بعضكم بعضا كل طرفة عين من الزمن، فتنزلون فيه الميت المسكين قد انقطع من كل شيء وتتركونه لآثامه، وحساب آثامه، والهلاك الأبدي في آثامه، ثم تعودون أنتم لاقتراف هذه الآثام بعينها.
قلت: عليك وعليك أيها اللعين؛ ولكن ألا يتبدد هذا الدخان إذا ضربته الريح أو انطفأ ما تحته!
قال: أوه! لقد أوجعتني كأنما ضربتني بحبل من نار، إن نبيكم عرفها ولكنكم أغبياء؛ تأخذون كلام نبيكم كأنما هو كلام لا عمل، وكأنه كلام إنسان في وقته كلام النبوة للدهر كله وللحياة كلها؛ ولهذا غلبت أنا الأنبياء على الناس، فإني أضع المعاني التي تعمل، لا الحكمة المتروكة لمن يعمل بها ومن لا يعمل.
أتدري يا أبا الحسن، لماذا أعجزني أسلافكم الأولون مثل: عمر وأبي بكر؟ حتى كان إسلامهم من أكبر مصائبي، فتركوني زمانا -وأنا الشيطان- أرتاب في أني أنا الشيطان؟
قلت: لماذا؟
стр. 493
قال: أراك الآن لم تلعن، فلست قائلها إلا إذا ترحمت علي.
قلت: عليك وعليك من لعنات الله! قل لماذا؟
قال: أسائل ويأمر؟ وطفيلي ويقترح؟ لا بد أن تترحم!
قلت: يرحمنا الله منك! قل لماذا؟
قال: وهذه لعنة في لفظة رحمة؛ لا، إلا تترحم علي أنا إبليس الرجيم!
قلت: فيغني الله عن علمك؛ لقد ألهمتنيها روح النبي ﷺ : إن النبوة كانت هي بأعمالها وصفاتها تفسيرا للألفاظ على أسمى الوجوه وأكملها، فكأن روح النبي ﷺ لتلك الأرواح كالأم لأبنائها؛ وقد رأوه لا يغضب لنفسه ولا لحظ نفسه، وذلك لا يستقيم إلا بالقصد في أمر النفس، وجعل ناحية الإسراف فيها إسرافًا في العمل لسعادة الناس. وكلما ارتد الإنسان لنفسه وحظوظها ارتد إليك -أيها اللعين- وأقبل على شقاء نفسه، وكلما عمل لسعادة غيره ابتعد عنك -أيها الرجيم- وأقبل على سعادة نفسه، وترك الغضب وحظوظ النفس هو الصبر على حوادث العمر كله، كصبر المسافر إن كان عزيمة مدة الطريق كلها، وإلا كان فسادًا في القوة ووقع به الخذلان.
فهذا الصبر المعتزم المصمم، الذي يوطن به الرجل نفسه أن يكون رجلا إلى الآخر, هو تعب الدنيا، ولكنه هو روح الجنة مع الإنسان في الدنيا. والمؤمن الصابر رجل مقفل عليه بأقفال الملائكة التي لا يقتحمها الشيطان ولا تفتحها مصائب الدنيا؛ ولذلك قال النبي ﷺ : "إن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في سفره" , كأن يقول: لو لم يصبر المسافر دائبا معتزما مدة سفره كلها لما أنضى بعيره، ولو لم يصبر المؤمن مدة حياته كلها لما أنضى شيطانه.
فصاح الشيطان: أوه، أوه! ولكن قل لي يا أبا الحسن: ما صبر رجل مؤمن قوي الإيمان، قد استطاع بقوة إيمانه أن يفيق من سكر الغنى، فتخلص من نزوات الشياطين الذهبية الصغيرة التي تسمونها الدنانير؛ وقد أردته على أن يكذب، فرأى الإيمان أن يصدق؛ وجهدت به أن يغضب، فرأى الحكمة أن يهدأ؛ وحاولت منه أن يطمع، فرأى الراحة أن يرضى؛ وسولت له أن يحسد، فرأى الفضيلة ألا يبالي، وأخذ لنفسه من كل شيء في الحياة بما يثق أنه الإيمان والصبر والهدوء والرضا والقناعة؛ وأحاط نفسه من هذه الأخلاق بالسعادة القلبية واجتزأ بها؛ وقصر نظره على الحقيقة، ووجد الجمال في نفسه الطيبة الصافية؛ وأجرى ما يؤلمه وما يسره
стр. 494
مجرى وحدًا؛ ونظر العمر كله كأنه يوم واحد يرقب مغرب شمسه؛ وأخذ من إرادته قوة أنسته ما لم تعطه الدنيا، فلم يحفل بما أعطت الدنيا وما منعت؛ وعاش على فقره بكل ذلك كما يعيش المؤمن في الجنة, هذا في قصر من لؤلؤة أو ياقوتة أو زبرجدة، وذاك في قصر من الحكمة أو من الإيمان أو من العقل.
قال الشيطان: فلما أعجزني صلاحا ورضى وصبرًا وقناعة وإيمانا واحتسابا، وكان رجلا عالما فقيها سولت له أن يخرج إلى المسجد ليعظ الناس فينتفعوا به، ويبصرهم بدينهم, ويتكلم في نص كلام الله؛ فعقد المجلس ووعظ، وانصرفوا وبقي وحده.
فجاءت امرأة تسأله عن بعض ما يحتاج إليه النساء في الدين من أمر طبيعتهن؛ وكانت امرأة جزلة غضة رابية، يهتز أعلاها وأسفلها، وتمشي قصيرة الخطو مثاقلة كالمتضايقة من حمل أسرار جمالها وأسرار بدنها الجميل؛ فبعض مشيتها يقظة وبعضها نوم فاتر تخالطه اليقظة؛ ولا يراها الرجل الفحل التام الفحولة إلا رأى الهواء نفسه قد أصبح من حولها أنثى، مما تعصف به ريحها العطرة عطر زينتها وجسمها.
وكان الواعظ قد ترمل من أشهر، وكانت المرأة قد تأيمت من سنوات؛ فلما رآها غض طرفه عنها؛ ولكنها سألته بألفاظها العذبة عن أمور هي من أسرار طبيعتها، وسألته عن طبيعتها بألفاظها؛ فسمع منها مثل صوت البلور، يتكسر بعضه على بعض.
وتحدثت له وكأنها تتحدث فيه: فسمع بأذنه ودمه، ثم كان غض عينه أقوى لرؤية قلبه وجمع خواطره.
ورأى صوتها يشتهي؛ وعانقته رائحتها العطرية النفاذة؛ وأحاطته بجو كجو الفراش؛ وعادت أنفاسها كأنها وسوسة قبل؛ وصارت زفراتها كالقدر إذا استجمعت غليانًا؛ وطلعت في خياله عريانة كما تطلع للسكران من كأس الخمر حورية عريانة، لها جسم يبدو من اللين والبضاضة والنعمة كأنه من زبد البحر؟
قال أبو الحسن: وكنت كالنائم، فما شعرت إلا بصوت كصك الحجر بالحجر، لا كتكسر البلور بعضه على بعض، وسمعت شيخي يقول:
أفسقت؟
стр. 495
تاريخ يتكلم *:
أيعرف القراء أن في الأحلام أحلاما هي قصص عقلية كاملة الأجزاء محكمة الوضع متسقة التركيب بديعة التأليف، تجعل المرء حين ينام كأنه أسلم نفسه إلى "شركة من الملائكة"، تسيح به في عالم عجيب كأنما سحر فتحول إلى قصة؟
إن يكن في القراء من لا يعلم هذا فليعلمه مني؛ فإني كثيرا ما أكتب وأقرأ في النوم؛ وكثيرا ما يلقي علي من بارع الكلام، وكثيرا ما أرى ما لو دونته لعد من الخوارق والمعجزات.
وهذه القصة التي أرويها اليوم، كانت المعجزة فيها أني مشيت في التاريخ كما أمشي في طريق ممتدة؛ فتقدمت إلى أهل سنة ٣٩٥ للهجرة وما يليها، فعشت معهم وتخبرت من أخبارهم، ثم رجعت إلى زمني لأقص ما رأيته على أهل سنة ١٣٥٣**
أمسيت البارحة كالمغموم في أحوال ثقيلة على النفس ما تنطلق النفس لها، أولها سوء الهضم؛ ومتى كان البدء من هنا لم تكن الحركة في النفس إلا دائرة: تذهب ما تذهب ثم لا تنتهي إلا في سوء الهضم عينه، فجلست في الندى الذي أسمر فيه أحيانا، فكان لجوه وزن أحسسته كما يحس الغائص في الماء ثقل الماء عليه؛ ودخنت الكركرة١ فلم تكن هواء ودخانا يتروح، بل كانت من ثقلها كالطعام يدخل على الطعام؛ ونظرت ناحية فأخذت عيني رجلا فيلي الخلقة، منطاد البطن كأنما نفخ بطنه بالآلات، يحمل منه مقدار أربعة من بطون البدينات الحوامل