← Адаб

Адаб · id 11755

وحي القلم

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (1 011 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

- الرئيس وهو يمسح عينيه: الموضوع الموضوع! - المحامية: ما هو الفعل الوجودي في جريمة قلبي المسكين؟ ما هو الواقع من جريمة يضرب صاحبها المثل بنفسه للشباب في تسامي غريزته عن معناها إلى أطهر وأجمل من معناها؟ لبئس القانون إن كان القانون يعاقب على أمر قد صار إلى عمل ديني من أعمال الفضيلة! - النائب: ألا يخجل من شعوره بأنه يحب راقصة؟ - المحامية: ومم يخجل؟ أمن جمال شعوره أم من فن شعوره؟ أيخجل من عظمة في سمو في كمال؟ أيخجل البطل من أعمال الحرب وهي نفسها أعمال النصر والمجد؟ أتأذنون يا حضرات المستشارين أن أصف لكم جمال صاحبته وأن أظهر شيئًا من سر فنها الذي هو سر البيان في فنه؟ - النائب: إنها تتماجن علينا يا حضرات المستشارين، فالذي يحاكم على السكر لا يدخل المحكمة ومعه الزجاجة.. - الرئيس: لا حاجة إلى هذا النوع من ترجمة الكلام إلى أعمال يا حضرة الأستاذة. - المحامية: كثيرًا ما تكون الألفاظ مترجمة خطأ بنيات المتكلمين بها أو المصغين إليها؛ فكلمة الحب مثلًا قد تنتهي إلى فكر من الأفكار حاملة معنى الفجور، وهي بعينها تبلغ إلى فكر حاملة إلى سموه من سموها؛ وعلى نحو من هذا يختلف معنى كلمة الحجاب عند الشرقيين والأوربيين؛ فالأصل في مدنية هؤلاء إباحة المعاني الخفيفة من العفة.. وإكرام المرأة إكرام مغازلة.. يقولون: إن رقم الواحد غير رقم العشرة، فيضعونه في حياة المرأة، فما أسرع ما يجيء "الصفر" فإذا هو العشرة بعينها! أما الشرقيون فالأصل في مدنيتهم التزام العفة وإقرار المرأة في حقيقتها، لا جرم كان الحجاب هنا وهناك بالمعنيين المتناقضين: الاستبداد والعدل، والقسوة والرحمة، و ... - النائب: وامرأة البيت وامرأة الشارع ... - المحامية: وبصر القانون وعمي القانون ... - الرئيس: وحسن الأدب وسوء الأدب ... الموضوع الموضوع. - المحامية: لا والذي شرفكم بشرف الحكم، يا حضرات المستشارين؛ ما

стр. 772

يرى القلب المسكين في حبيبته إلا تعبير الجمال، فهو يفهمها فهم التعبير ككل موضوعات الفن، وما بينه وبينها إلا أن حقيقة الجمال تعرفت إليها فيها، أئن أحس الشاعر سرًا من أسرار الطبيعة في منظر من مناظرها، قلتم أجرم وأثم؟ هذا قلب ذو أفكار، وسبيله أن يعان على ما يتحقق به من هذا الفن، قد تقولون: إن في الطبيعة جمالًا غير جمال المرأة فليأخذ من الطبيعة وليعط منها؛ ولكن ما الذي يحيي الطبيعة إلا أخذها من القلب؟ وما هي طريقة أخذها من القلب إلا بالحب؟ وقد تقولون: إنه يتألم ويتعذب؛ ولكن سلوه: أهو يتألم بإدراكه الألم في الحب، أو بإدراكه قسوة الحقيقة وأسرار التعقيد في الخير والشر؟ إن شعراء القلوب لا يكونون دائمًا إلا في أحد الطرفين: هم أكبر من الهم، فرح أكثر من الفرح؛ فإذا عشقوا تجاوزوا موضوع الوسط الذي لا يكون الحب المعتدل إلا فيه؛ ومن هذا فليس لهم آلام معتدلة ولا أفراح معتدلة. هذا قلب مختار من القدرة الموحية إليه، فالتي يحبها لا تكون إلا مختارة من هذه القدرة اختيار ملك الوحي، وهما بهذا قوتان في يد الجمال لإيداع أثر عظيم ملء قدرتين كلتاهما عظيمة.. فإن قلتم إن حب هذا القلب جريمة على نفسه، قالت الحقيقة الفنية: بل امتناع هذه الجريمة جريمة. إن خمسين وخمسين تأتي منهما مائة، فهذا بديهي، ولكن ليس أبين ولا أظهر ولا أوضح من قولنا: إن هذا العاشق وهذه المعشوقة يأتي منهما فن. قال صاحب القلب المسكين: وانصرف القضاة إلى غرفتهم؛ ليتداولوا الرأي فيما يحكمون به، وأومأت لي المحامية الجميلة تدعوني إليها، فنهضت أقوم فإذا أنا جالس وقد انتبهت من النوم. جائزة١: لمن يحسن كتابة الحكم في هذه القضية خمس نسخ من كتاب "وحي القلم"، وترسل المقالات "باسمنا إلى طنطا"، والموعد "إلى آخر شهر يناير هذا" والشرط رضى المحكمين، ومنهم صاحب القلب المسكين وصاحبته..

стр. 773

انتصار الحب *: كل ما يكتب عن حبيبين لا يفهم منه بعض ما يفهم من رؤية وجه أحدهما ينظر إلى وجه الآخر. وما تعرفه العين من العين لا تعرفه بألفاظ، ولكن بأسرار.. والغليل المتسعر في دم العاشق كجنون المجنون: يختص برأسه وحده. وضمة المحب لحبيبه إحساس لا يستعار من صدر آخر، كما لا يستعار المولود لبطن لم يحمله. وكلمة القبلة التي معناها وضع الفم، لن ينتقل إليها ما تذوقه الشفتان! ويوم الحب يوم ممدود، لا ينتهي في الزمن إلا إذا بدأ يوم السلو في الزمن.. فهل يستطيع الخلق أن يصنعوا حدًّا يفصل بين وقتين لينتهي أحدهما..؟ وهبهم صنعوا السلوان من مادة النصيحة والمنفعة، ومن ألف برهان وبرهان، فكيف لهم بالمستحيل، وكيف لهم بوضع السلوان في القلب العاشق؟ وإذا سالت النفس من رقة الحب، فبأي مادة تصنع فيها صلابة الحجر..؟ وما هو الحب إلا إظهار الجسم الجميل حاملًا للجسم الآخر كل أسراره، يفهمها وحده فيه وحده؟ وما هو الحب إلا تعلق النفس بالنفس التي لا يملؤها غيرها بالإحساس؟ وما هو الحب إلا إشراق النور الذي فيه قوة الحياة، كنور الشمس من الشمس وحدها؟

стр. 774

وهل في ذهبت الدنيا وملك الدنيا ما يشتري الأسرار، والإحساس، وذلك النور الحي؟.. فما هو الحب إلا أنه هو الحب؟ ما هو هذا السر في الجمال المعشوق، إلا أن عاشقه يدركه كأنه عقل للعقل وما هو هذا الإدراك إلا انحصار الشعور في جمال متسلط كأنه قلب للقلب؟ وما هو الجمال المتسلط بإنسان على إنسان، إلا ظهور المحبوب كأنه روح للروح؟ ولكن ما هو السر في حب المحبوب دون سواه؟.. هنا تقف المسألة وينقطع الجواب. هنا سر خفي كسرِّ الوحدانية؛ لأنها وحدانيته "أنا وأنت". ناقشوا الحب؛ فقالوا: أصبحت الدنيا دنيا المادة، والروحانية اليوم كالعظام الهرمة لا تكتسي اللحم العاشق.. وقال الحب: لا بل المادة لا قيمة لها في الروح؛ وهذا القلب لن يتحول إلى يد ولا إلى رجل.. ناقشوا الحب؛ فقالوا: إن العصر عصر الآلات، والعمل الروحي لا وجود له في الآلة ولا مع الآلة.. قال الحب: لا، يصنع الإنسان ما شاء، ويبقى القلب دائمًا كما صنعه الخالق.. وقالوا: الضعيفان: الحب والدين، والقويان: المال والجاه؛ فبماذا رد الحب..؟ جاء بلؤلؤة روحانية في "مسز سمبسون"؛ ووضع لها في ميزان المال والجاه أعظم تاج في العالم إدوارد الثامن "ملك بريطانيا" العظمى وإرلندا والممتلكات البريطانية فيما وراء البحار وملك-إمبراطور الهند". وتنافست الروحانية والمادية، فرجع التاج وما فيه إلا أضعف المعنيين من القلب. وأعلن الحب عن نفسه بأحدث اختراع في الإعلان، فهز العالم كله هزة صحافية: الحب. الحب. الحب. ...

стр. 775

"مسز سمبسون"، تلك الجميلة بنصف جمال، المطلقة مرتين. هذا هو اختيار الحب! ولكنها المعشوقة؛ وكل معشوقة هي عذراء لحبيبها ولو تزوجت مرتين؛ هذا هو سر الحب! ولكنها الفاتنة كل الفتنة، والظريفة كل الظرف، والمرأة كل المرأة، هذا هو فعل الحب! ولكنها العقل للأعصاب المجنونة، والأنس للقلب المستوحش، والنور في ظلمة الكآبة؛ هذا هو حكم الحب! ومن أجلها يقول ملك انجلترا للعالم: "لا أستطيع أن أعيش بدون المرأة التي أحبها"؛ فهذا هو إعلان الحب.. إذا أخذوها عنه أخذوها من دمه، فلذلك معنى من الذبح. وإذا انتزعوها انتزعوها من نفسه، فذلك معنى من القتل. وهل في غيرها هي روح اللهفة التي في قلبه، فيكون المذهب إلى غيرها؟ لكأنهم يسألونه أن يموت موتًا فيه حياة. وكأنهم يريدون منه أن يجن جنونًا بعقل.. هذا هو جبروت الحب! وللسياسة حجج، وعند "مسز سمبسون" حجج، وعند الهوى.. التاج، الملكية، امرأة مطلقة، امرأة من الشعب؛ فهذا ما تقوله السياسة. ولكنها امرأة قلبه، تزوجت مرتين؛ ليكون له فيها إمتاع ثلاث زوجات؛ وهذا ما يقوله الحب! واللحظة الناعسة، والابتسامة النائمة، والإشارة الحالمة، وكلمة "سيدي"١؛ هذا ما يقوله الجمال.

стр. 776

وانتصر الحب على السياسة. وأبى الملك أن يكون كالأم الأرملة في ملك أولادها الكبار.. العرش يقبل رجلًا خلفًا من رجل، فيكون الثاني كالأول. والحب لا يقبل امرأة خلفًا من امرأة، فلن تكون الثانية كالأولى. وطارت في العالم هذه الرسالة: "أنا إدوارد الثامن ... أتخلى عن العرش وذريتي من بعدي"! "وأعلن الحب عن نفسه بأحدث اختراع في الإعلان؛ فهز العالم كله هزة صحافية". الحب. الحب. الحب ...

стр. 777

قنبلة بالبارود لا بالماء المقطر *: حياكم الله يا شباب الجامعة المصرية؛ لقد كتبتم الكلمات التي تصرخ منها الشياطين.. كلمات لو انتسبن لانتسبت كل واحدة منهن إلى آية مما نزل به الوحي في كتاب الله. فطلب تعليم الدين لشباب الجامعة ينتمي إلى هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ . وطلب الفصل بين الشبان والفتيات يرجع إلى هذه الآية: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ . وطلب إيجاد المثل الأخلاقي لهذه الأمة من شبابها المتعلم هو معنى الآية: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ . قوة الأخلاق يا شباب الجامعة؛ لقد كتبتم الكلمات التي يصفق لها العالم الإسلامي كله. كلمات ليس فيها شيء جديد على الإسلام، ولكن كل جديد على المسلمين لا يوجد إلا فيها.

стр. 778

كلمات القوة الروحية التي تريد أن تقود التاريخ مرة أخرى بقوى النصر لا بعوامل الهزيمة. كلمات الشباب الطاهر الذي هو حركة الرقي في الأمة كلها، فسيكون منها المحرك للأمة كلها. كلمات ليست قوانين، ولكنها ستكون هي السبب في إصلاح القوانين ... قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق: إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا ... يريد الشباب مع حقيقة العلم حقيقة الدين؛ فإن العلم لا يعلِّم الصبر ولا الصدق ولا الذمة. يريدون قوة النفس مع قوة العقل، فإن القانون الأدبي في الشعب لا يضعه العقل وحده ولا ينفذه وحده. يريدون قوة العقيدة، حتى إذا لم ينفعهم في بعض شدائد الحياة ما تعلموه نفعهم ما اعتقدوه. يريدون السمو الديني، لأن فكرة إدراك الشهوات بمعناها هي فكرة إدراك الواجبات بغير معناها. يريدون الشباب السامي الطاهر من الجنسين، كي تولد الأمة الجديدة سامية طاهرة. قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق؛ إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا ... أحس الشباب أنهم يفقدون من قوة المناعة الروحية بقدر ما أهملوا من الدين. وما هي الفضائل إلا قوة المناعة من أضدادها؟ فالصدق مناعة من الكذب والشرف مناعة من الخسة. والشباب المثقل بفروض القوة هو القوة نفسها؛ وهل الدين إلا فروض القوة على النفس؟ وشباب الشهوات شباب مفلس من رأس ماله الاجتماعي، ينفق دائمًا ولا يكسب أبدًا! والمدارس تخرج شبانها إلى الحياة، فتسألهم الحياة: ماذا تعودتم لا ماذا تعلمتم!

стр. 779

قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق؛ إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا ... وأحس الشباب معنى كثرة الفتيات في الجامعة، وأدركوا معنى هذه الرقة التي خلقتها الحكمة الخالقة. والمرأة أداة استمالة بالطبيعة، تعمل بغير إرادة ما تعمله بالإرادة، لأن رؤيتها أول عملها. نعم إن المغناطيس لا يتحرك حين يجذب، ولكن الحديد يتحرك له حين ينجذب! ومتى فهم أحد الجنسين الجنس الآخر، فهمه بإدراكين بإدراك واحد! وجمال المرأة إذا انتهى إلى قلب الرجل، وجمال الرجل إذا استقر في قلب المرأة ... هما حينئذ معنيان. ولكنهما على رغم أنف العلم معنيان متزوجان.. لا، لا؛ يا رجال الجامعة، إن كان هناك شيء اسمه حرية الفكر فليس هناك شيء اسمه حرية الأخلاق. وتقولون: أوروبا وتقليد أوروبا! ونحن نريد الشباب الذين يعملون لاستقلانا لا لخضوعنا لأوربا. وتقولون: إن الجامعات ليست محل الدين، ومن الذي يجهل أنها بهذا صارت محلًا لفوضى الأخلاق. وتزعمون أن الشباب تعلموا ما يكفي من الدين في المدارس الابتدائية والثانوية فلا حاجة إليه في الجامعة.. أفترون الإسلام روسًا ابتدائية وثانوية فقط؛ أم تريدونه شجرة تغرس هناك لتقلع عندكم.. لا، لا؛ يا رجال الجامعة، إن قنبلة الشباب المجاهد تملأ بالبارود لا بالماء المقطر.. إن الشباب مخلوقون لغير زمنكم، فلا تفسدوا عليهم الحاسة الاجتماعية التي يحسون بها زمنهم.

стр. 780

لا تجعلوهم عبيد آرائكم وهم شباب الاستقلال؛ إنهم تلاميذكم، ولكنهم أيضًا أساتذة الأمة. لقد تكلم بلسانكم هذا البناء الصغير الذي يسمى الجامعة، وتكلم بألسنتهم هذا البناء الكبير الذي يسمى الوطن. أما بناؤكم فمحدود بالآراء والأحلام والأفكار، وأما الوطن فمحدود بالمطامع والحوادث والحقائق. لا، لا؛ إن المسلمين الذين هدوا العالم، قد هدوه بالروح الدينية التي كانوا يعملون بها لا بأحلام الفلاسفة. لا، لا، إن الفضيلة فطرة لا علم، وطبيعة لا قانون، وعقيدة لا فكرة؛ وأساسها أخلاق الدين لا آراء الكتب.. من هذا المتكلم يقول للأمة: "الجامعيون لن يقبلوا أن يدخل أحد في شئونهم مهما يكن أمره"؟ أهذا صوت جرس المدرسة لأطفال المدرسة ترن ترن.. فيجتمعون وينصاعون؟ كلا يا رجل! لي في الجامعة قالب يصب فيه المسلمون على قياسك الذي تريد. إن التعليم في الجامعة بغير دين يعصم الشخصية، هو تعليم الرذيلة تعليمها العالي.. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] . قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق.. إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا.

стр. 781

شيطان وشيطانة *: شغلني ما شغل الناس من حديث الجامعة المصرية وما أراده طلبتها من ورع يحجزهم عن محارم الله، ودين يخلص به الإيمان إلى قلوبهم، فلا يكون لفظ المسلم على المسلم كأنه مكتوب على ورقة؛ ثم ابتغوه من الفصل بين الشبان والفتيات، تطهيرًا للطباع ونوازع النفس، واتقاء لسوء المخالطة، وبعدًا عن مطية الإثم، وتوفيرًا لأسباب الرجولة على الرجل ولصفات الأنوثة على الأنثى. وقرأت كل ما نشرته الصحف، واستقصيت وبالغت، ونظرت في الألفاظ ومعانيها ومعاني معانيها؛ وكنت قبل ذلك أتتبع باب "فلان وفلانة" في المجلات الأسبوعية التي تكتب عن حوادث الاختلاط في الجامعة وتسمى الأسماء وتصف الأوصاف وتذكر النوادر؛ فملأ كل ذلك صدري واجتمع الكلام يترجم نفسه إلي في رؤيا رأيتها وها أنذا أقصها: رأيتني عند باب الجامعة وكأني ذاهب لأقطع باليقين على الظن، وقد علمت أن الظنة تقوم في حكمة التشريع مقام الحقيقية؛ لخفائها وكثرة وجودها؛ فإن كان في اختلاط الجنسين ما يخشى أن يقع فهو كالواقع.... ثم رأيت شيطانة قد خرجت من الجامعة ومضت تتبع أنفها تتشمم الهواء وتستروحه كأنه كأن فيه شيئًا، حتى مالت إلى خمر هناك* من ذلك الشجر الملتف عن يمين الطريق، فوقفت عنده تتنفس وتتنهد؛ ثم تبصرت فإذا شيطان

стр. 782

مقبل إلى الجامعة إقبال المغير في غارته، فأومأت له، فعدل إليها وحياها بتحية الشياطين، ثم قال لها: ما وقوفك هنا أيتها الخبيثة؟ وكيف تركت صاحبتك التي أنت موكلة بها؟ وما عسى أن يعمل الشيطان بين الجنسين إذا لم تؤازره الشيطانة؟ قالت: إنما اجتذبتني إلى هنا رائحة عاشقين كانا في هذا الظل يواريهما عن الأعين، وما أراك إلا مزكومًا، أفكنت في الأزهر..؟ فجعل الشيطان يتضاحك وقال: أنا مرسل من مستشفى المجانين مددًا لشياطين الجامعة؛ فقد احتاجوا إلى النجدة.. ولكن أنت كيف تركت صاحبتك من أجل رائحة قبلة على خمسمائة متر؟ ما أحسبها الآن إلا جالسة تكتب في منع اختلاط الجنسين ووجوب إدخال التعليم الديني في الجامعة! قالت الشيطانة: إن صاحبتي لأبرع مني في البراعة، وأدق في الحيلة وأهدى للمعاذير، وأنفذ إلى الغرض، ومثلها قليل هنا، ولكن قليل الشر ليس قليلًا، فإنه وصلة وطريق كما تعلم؛ وما تجد الفتاة خيرًا من هذا المكان ينفي عنها الريبة وهو يدنيها منها بهذا الاختلاط مع الفتيان، ويهيئ لعقلها أسبابًا تكون فيها أسباب قلبها؛ وقد كنت في أوربا، أفما رأيت هناك شابًّا وشابة حول كتاب علم وكأنهما على زجاجة خمر؟ إن هذا العلم شيء ومخالطة الشبان شيء آخر؛ فذلك يطلق فكرها يتجاوز الحدود والاختلاط يجعل فكرها، يحصرها في حدود إحساسها؛ وأحدهما يرهف ذهنها لإدراك الأشياء، والآخر يرهف عواطفها لإدراك الرجل؛ وقد فرغ الله من خلقة الأنثى فما تخلق هنا مرة أخرى على غير الطبيعة المفطورة على الحب في صورة من صورة الممكنة، والصورة هي الشاب هنا؛ وأنا الشيطانة قد تعلمت في الجامعة أن قاعدة: "لا حياة في العلم"، هي التي تقرر في بعض الأحيان قاعدة: "لا حياة في الحب". قال الشيطان: أنت أدري بسلطان الطبيعة في المرأة، ولكن الذي أعرفه أنا أن مفاسد أوربا تدخل إلى الشرق في أشياء كثيرة، منها الخمر والنساء والعادات والقوانين والكتب ونظام المدارس! قالت الشيطانة: وإن سلطان الطبيعة في المرأة يبحث دائمًا عن رعيته ما لم يكبح ويرد عن البحث؛ إذ هو لا يتحقق أنه سلطان إلا بنفاذ حكمه وجواز أمره؛ ومن رعيته نظرات الإعجاب، وكلمات الثناء، وعبارات الإغراء، وعواطف الميل، ومعاني الخضوع؛ ورب كلمة من الرجل للمرأة لا يكون فيها شيء ويكون الرجل

стр. 783

كله فيها ذاهبًا إلى قلبها متدسسًا إلى خيالها؛ وكم من أم ترى ابنتها راجعة إلى الدار وتحس بالغريزة النسوية أن مع ابنتها خيالًا من الجنس الآخر!. ومم ينبعث الحب إلا من الألفة والمخاطبة والمجاذبة والمنازعة التي يسمونها هنا منافسة بين الجنسين ويعدونها حسنة من حسنات الاختلاط؟ نعم إنها مشحذة للأذهان وداعية إلى بلوغ الغاية من الاجتهاد، وبها يرق اللسان وتنحل عقدته، ويصبح الشاب كما يقولون: "ابن نكتة ويفهم الطايره ... " وتعود الفتاة وهي تجتهد أن تكون حلاوة تذوقها الروح؛ ولكن الأعمال بالنيات والأمور بخواتيمها: والطبيعة نفسها توازن العقل العلمي بالجهل الخلقي، ولعل أكثر الناس فنونًا في فسقه وفجوره لا يكون إلا عالمًا من أهل الفن أو زنديقًا من أهل العلم، ولا يصحح هذه الموازنة إلا الدين، فهو الذي يقرر القواعد الثابتة في كلتا الناحيتين، وهذا ما يطلبه المجانين من شبان هذه الجامعة ويوشك أن يظفروا به، لولا أن هذه الأمة مبتلاة في كل حادثة من دينها بإجالة الرأي حتى يضيع الرأي. اسمع -ويحك- هذا الفتى الذي يقرأ.. فألقى الشيطان سمعه فإذا طالب يقرأ على جماعة كلامًا في صحيفة لإحدى خريجات الجامعة تقول فيه: "ولهذا أصرح أن تجربة اشتراك الجنسين في الجامعة نجحت إلى أبعد غاية: ولم يحدث خلالها قط ما يدعو إلى قلق القلقين والمناداة بالفصل؛ بل بالعكس حدث ما يدعو إلى تشجيع الأخذ بالتجربة أكثر مما هي عليه اليوم". فقهقه الشيطان وقال: "قلق القلقين".. ما رأيت كلامًا أغلظ ولا أجفى من هذا؛ إنها لو دافعت عن الشيطان بهذه القافات لخسر القضية ... ثم إنه لهز الشيطانة لهزة وقال لها: كذبت علي أيتها الخبيثة، فما لك عمل في الجامعة وأنت تخرجين لرائحة قبلة بين عاشقين على مسافة خمسمائة متر؛ إن هذه القافات لهي الدليل أقوى الدليل على أن الفتاة هنا تنظر فتاة حين ترى، ولكنها تسمع رجلًا حين تتكلم! قالت الشيطانة: ولكن ألم تسمع قولها: "تشجيع التجربة أكثر مما هي عليه اليوم"..؟ ألا يرضيك هذا الذي لا بد أن يدعو "إلى قلق القلقين؟ " ثم إني أنا فلانة الشيطانة قد كنت السبب في حادثة وقعت وطر فيها طالب من الجامعة، أفلا يرضيك الإغراء والكذب في بضع كلمات؟ قال الشيطان: كل الرضى، فهذا فن آخر والعلم الذي ينكر حادثة وقعت من تلميذة ولا يقر بأنها وقعت، لا يكون إنكاره إلا إجازة لوقوع مثلها!

стр. 784

قالت الشيطانة: وهب الحادثة لم تقع، فكيف تعرف الجامعة ما يحدث في القلوب؟ ومن هذا الذي يستطيع أن يقرأ قصة تؤلفها أربع أعين في وجهين؟ وكيف تكشف الحقيقة التي أول وجودها كتمان الكلام عنها، وأول الكلام عنها الهمس بين اثنين دون غيرهما؟ ومن ذا الذي طاقته أن يمد بيده إلى قلبين في تلقي الرسائل كصندوقي البريد..؟ اسمع اسمع هذا الآخر.. فاسترق الشيطان السمع فإذا طالب يقرأ في صحيفة أخرى على جماعته: "والذين يزعمون أن الاتصال بين الطالبات والطلة خطر، إنما يسيئون إلى أخلاقكم.. والحق أيها الأصدقاء أن الذي حملني على أن أغصب وأثور إنما هو الدفاع عن الكرامة الجامعية". قال الشيطان: كل الرضا كل الرضا.. هذا كلام داهية أريب، فلقد أحسن قائله الله! إنها عبارات جامعية محكمة السبك تقوم على أصولها من فن السياسة الخطابية؛ وكل من أظنوه بتهمة فلا يستطيع أن يمخرق على الناس بأحسن من هذا ولا بمثل هذا. وليس لنا أقوى من هذا الطبع القوي الذي يشعر بالنقص فلا هم له إلا إثبات ذاته في كل ما يجادل فيه دون إثبات الصواب ولو كان الناس جميعًا في هذا الجانب وكان هو وحده في جانب الخطأ. ولكن أف! ماذا صنع هذا القائل؟ وأين التهمة التي لا تبدل اسمها في اللغة؟ وأين الذنب الذي يرضى أن توضع اليد عليه؟ وهل إنكار المذنب إلا احتجاج من كرامته الزائفة وإظهار الغضب في بعض ألفاظ؟.. إن هذا كغيره من الضعفاء حين يمارون؛ ألا ما أكذب الكذب هنا! فإن الفساد ليقع من اختلاط الجنسين في الجامعة الأوروبية ثم لا يعد ذلك عندهم إساءة إلى الأخلاق، ولا غضًّا من الكرامة الجامعية؛ وفي فرنسا يجتمع الشبان والفتيان من طلبة الجامعة ويحتسون الخمر ويتراقصون ويتواعدون ثم لا تقول لهم الأخلاق: أين أنتم؟.. وهناك في الأندية الخاصة بالطلبة ينتخبون ملكة الجمال من بين الطالبات كل سنة، ثم ينزعون بأيديهم ثيابها التي تسمى ثيابًا، ويطوفون بها غرف النادي كعروس واحدة مجلوة على مائة زوج في المعنى، "وبلنسوار" أيتها الكرامة الجامعية..

стр. 785

والاختلاط هناك يقرب أن يكون ضربًا من المذاهب الاشتراكية، وكل ما بقي عندهم من لغة الحياء هو أن يتلطفوا فيقولوا: إن هذه الطالبة صديقة فلان الطالب؛ يعبرون بلفظ الصداقة عن أول المعنى ويدعون سائر أحواله؛ إذ لا يبالي أمرهما أحد لا من الطلبة ولا من الأستاذين.. وهناك يعتذر للشباب في مثل هذا بأنه شاب، فتقوم كلمة الشباب في العرف بمعنى كلمة الضرورة في الشرع! وهم قد عرفوا أن الجامعة لحرية الفكر، ومن حرية الفكر حرية النزعة، ومن هذه حرية الميل الشخصي، ومن حرية الميل حرية الحب؛ وهل يعرف الحب في الجامعة أنه في الجامعة فيستحي ويكون شيئًا آخر غير ما هو في كل مكان؟ أو ليس في لغة الزواج عنهم عبارة "نسيان ماضي الفتاة".. ولكن اسمعي اسمعي.. فأصاخت الشيطانة؛ فإذا طالب من الأزهر يقرأ لطالب من كلية الحقوق في صحيفة من دفاع أحد خريجي الجامعة! "وما بال إخواننا الأزهريين يسخطون على الجامعة واختلاط الجنسين فيها، وفي مصر نواحٍ أخرى هي أحق بحربهم وأولى باهتمامهم؟ لعلهم قد نسوا حالنا في الصيف على شواطئ البحر، والناس يمكثون هناك شهورًا عرايا أو كالعرايا". فقالت الشيطانة: ما له ولهذا؟ لقد أخزى نفسه وأخزى الجامعة، وهل صنع شيئًا إلا أنه يقول للأزهريين: إن أهون الفساد من هذا الاختلاط في الجامعة، وأكثره في شواطئ البحر؛ فما بالكم تدعون أشده وتأخذون على أهونه؟ قال الشيطان: ويحه! وهل يأخذون على أهونه في الجامعة؛ إلا لأنه في الجامعة لا في مكان آخر؟ ولكن اسمعي، ما هذا ... ؟ فأرعيا الصوت سمعهما، فإذا طالب يقرأ في مجلة: "ظهرت الآنسة فلانة وهي تلبس فستانًا أحمر شفتشي بمبي كريبي مشجر ببني وفيونكة أحمر على أبيض".. قالت الشيطانة: هذا هذا، فهل هي إلا ألوان أفكار تحت ألوان ثياب؟ وهل يظهر سلطان الطبيعة في المرأة بحثًا عن رعيته إلا في ألوان جميلة هي، أسئلة للعيون؟ لقد مثل سرب من الطالبات في هذه الجامعة فصلًا في بعض الحفلات سموه "عرض الأزياء" والفتاة تعرض الثوب، والثوب يعرض الجسم، والجسم والثوب معًا يعرضان الفتاة! وعرض الأزياء في الجامعة هو أمر من الجامعة بإهمال هذه الآية: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] .

стр. 786

قال الشيطان خبريني عن صاحبتك التي أنت موكلة بها، أتريها كانت تأتي إلى هذه الجامعة لو ألبسوهن مثل ثوب الراهبة وخمروهن بالخمار وأضاعوا مساحة الجسم في مساحة الثوب وأجلسوهن في آخر الصفوف كأنهم في المسجد؟ لقد فعلوا مثل هذا في بعض جامعات أوربا، فحرموا صبغ الشفاه على الفتيات، ومنعوهن إبداء الزينة؛ فامتنعت الزينة والمتزينة معًا، وهجرن الجامعة، وقلن فيما قلن: إن المرآة والأحمر والأبيض ونحوها هي الحقائق في علم المرأة، وهي من أساليب بحث كل فتاة عن رجلها المخبوء بين الرجال في الجامعة أو غير الجامعة، والعلم وسيلة عيش، والرجل وسيلة مثلها، غير أنه هو أجدى الوسيلتين على المرأة وأحقهما بالعناية؛ إذ هي لا تتزوج الكيمياء ولا الطبيعة ولا القانون، ومعنى هذا بغير اللغة التي هنا في الجامعة المصرية أن وجود الفتاة مع الشبان للتعليم، هو كذلك وجودها بينهم للاستمالة والمكر النسوي الجذاب. اسمعي اسمعي؛ ما هذا الصوت المنكر الجافي الخشن؟ فتسمعت، فإذا الطالب الأزهري يقول لصاحبه وهو يحاوره: قالوا: ويحرم على المرأة أن ترى شيئًا من الرجل ولو بلا ميل ولا خوف الفتنة، وإذا هي اضطرت إلى مداواة أو أداء شهادة أو تعليم أو بيع أو نحو ذلك -جاز نظرها بقدر الضرورة. فقالت الشيطانة: هذا كلام ﵀.. لقد كان ذلك سائغًا لو أن الشبان يتعلمون في الجامعة ليحملوا معهم الحق كما يحملون معهم العلم؛ وكيف لهم بهذا ومعاني الدين قد أصبحت منهم كأسماء البلاد البعيدة في كتاب الجغرافيا: لا هم رأوها ولا هم حققوها؟ إنهم يريدون تعليم الدين هنا. فيقول لهم رؤساؤهم: ألم تعرفوا الصلاة وأنها الصلاة، والصيام وأنه الصيام، والزكاة وأنها الزكاة، والحج وأنه الحج؟ وهذا كلام يشبه درس مواقع البلاد على الخريطة، فباريس كلمة، ولندن كلمة، لا غير؛ أما الحقيقة العظيمة الهائلة فشيء غير هذا الكلام الجغرافي التعليمي؛ إذ ما هي كل فروض الدين إلا أعمال دقيقة ثابتة يجب فرضها على الجميع لتحقيق النفسية الواحدة في الجميع، وهي سر القوة والعظمة والنجاح؛ فتعليم الدين في الجامعة هو إقناع النفس بجعل فروضه من قوانينها الثابتة، لا بأداء هذه الفروض فقط، أي باعتباره علم فلسفة الروح العملية للأمة، ثم يجعل المدرسين أول العاملين به؛ ليتحقق معنى الإقناع، فلا ينقلب الدرس هزءًا وسخرية؛ وبذلك يخرج الشاب من

стр. 787

الجامعة وفي روحه قوة ثابتة تعمل به العمل الصالح، وتوجهه إلى الخير، وتحفظه بين أهواء الحياة وشدائدها، وتجعله دائمًا يشعر أنه في موضعه السامي من الإنسانية وإن كان في أقل مراتب المال والجاه، ومن ثم يرجع الشبان في الأمة آلات قوة منظمة عاملة، وأيسر ما تعمله هذه الآلات، إزالة المنكرات، وصنع الشعب صنعة جديدة للسلم والحرب.. قال الشيطان: وماذا أيتها الخبيثة؟ لقد هولت علي! قالت: وطردنا نحن الشياطين من الجامعة! قال: اسكتي ويحك! فما أرسلت من مستشفى المجانين إلا لهذا؛ فلن يقع الفصل بين الجنسين، ولن يدخل التعليم الديني في الجامعة، وسيدافعون بأن هذا كله ضرب من الجنون..

стр. 788

نهضة الأقطار العربية ١: لا ريب في أن النهضة واقعة في الأقطار العربية، مستطيرة في أرجائها استطارة الشرر يضرم في كل جهة نارًا حامية، ويستمد من كل ما يتصل به لعنصره الملتهب، ولا ريب في أن الشرق قد تفلت من أوهام السياسة وخرافاتها، وقد اختلف على الغرب بعد أن طابقه زمنًا، وتابعه مدة، وعرفه بمقدار ما بلاه، وكذبه ما صدقه، ونفر منه بقدر ما اطمأن إليه؛ ولا ريب في أن العقل الشرقي قد تطور وأدرك معنى نكث العهد ونقض الشرط في السياسة الغربية، وعلم أن ذلك هو بعينه العهد والشرط في هذه السياسة ما دامت المفاوضة والتعاقد بين الذئب والشاة.. ولا ريب أن الشرق يجاذب الآن مقاليده التي ألقاها، ويضرب على سلاسله التي تقيد بها، ويكابد الصعود والهبوط في نهضته هذه؛ وقد كان بلغ من رضائه على الذل وقراره على الضيم، وجهله وتجاهله -أن أوربا ربطت أقطاره كلها في بضعة أساطيل تجذبها جذب الكواكب للأرض. غير أني مع هذا كله لا أسمي هذه النهضة إلا من باب المجاز والتوسع في العبارة، والدلالة بما كان على ما يكون؛ فإن أسباب النهضة الصحيحة التي تطرد اطراد الزمن، وتنمو نمو الشباب، وتندفع اندفاع العمر إلى أجل بعينه -لا يزال بيننا وبينها مثل هذا الموت الذي يفصل بيننا وبين سلفنا وأوليتنا؛ وإلا فأين الأخلاق الشرقية، وأن المزاج العقلي الصحيح لأمم الشرق، وما هذا الذي نحن

стр. 789

فيه من روح لا شرقية ولا غربية ثم أين المصلحون الذين لا يساومون يملك ولا إمارة، ولا يطلبون بالإصلاح غرضًا من أغراض الدنيا أو باطلًا من زخرفها؟ ثم أين أولئك الذين تجعلهم مبادئهم العالية القوية أول ضحاياها، وتروي منهم عرق الثرى الذي يغتذي من بقايا الأجداد لينبت منه الأحفاد؟ إن الجواب على نهضة أمة نهضة ثابتة لا يكون من الكلام وفنونه، بل من مبدأ ثابت مستمر يعمل عمله في نفوس أهلها؛ ولن يكون هذا المبدأ كذلك إلا إذا كان قائمًا على أربعة أركان: إرادة قوية، وخلق عزيز، واستهانة بالحياة، وصبغة خاصة بالأمة. فأما الإرادة القوية فلا تنقص الشرقيين، وإنما الفضل فيها لساسة الغرب الذين بصرونا بأنفسنا إذ وضعونا مع الأمم الأخرى أمام مرآة واحدة وجعلوا يقولون مع ذلك إننا غير هؤلاء، وإن هذا الإنسان الذي في المرأة غير هذا الفرد الذي فيها ... ولكن أين الخلق؟ وأين العزة القومية؟ وأين العصبية الشرقية؟ وهذه مفاسد أوربا كلها تنصب في أخلاق الشرقيين كما تنصب أقذار مدينة كبيرة في نهر صغير عذب؛ فلا الدين بقي فينا أخلاقًا، ولا الأخلاق بقيت فينا دينًا، وأصبحت الميزة الشرقية فاسدة من كل وجوهها في الروح والذوق، ولم يعد لنا شيء يمكن أن يسمي المدنية الشرقية، وأخذ الحمقى والضعفاء منا يحاولون في إصلاحهم أن يؤلفوا الأمة على خلق جديد ينتزعونه من المدنية الغربية، ولا يعلمون أن الخلق الطارئ لا يرسخ بمقدار ما يفسد من الأخلاق الراسخة، وهم يغتبطون إذا قيل لهم مثلًا: إن مصر قطعة من أوربا؛ ولا يعلمون ما تحت هذه الكلمة من تعطيل المدنية الشرقية، والذهاب بها، وإفسادها، وتعريضها للذم، وتسليط البلاد عليها، مما لا حاجة بنا إلى التبسط في شرحه. لست أقول إن نهضة الشرق العربي لا أساس لها؛ فإن لها أساسًا من حمية الشباب، وعلم المتعلمين؛ ومن جهل أوربا الذي كشفته الحرب؛ ولكن هذا كله على قوته وكفايته في بعض الأحيان لإقامة الأحداث الكبرى واهتياج العواصف السياسية -لا يحمل ثقل الزمن الممتد، ولا يكفي لأن يكون أساسًا وطيدًا يقوم عليه بناء عدة قرون من الحضارة الشرقية العالية، بل ما أسرعه إلى الهدم والنقض، لو صدمته الأساليب اللينة من الدهاء الأوروبي على اختلافها ... إذا قدر لأوربا أن تفوز بأسلوبها الجديد، أسلوب استعباد الشرق بالصداقة ... على طريقة ادعاء الثعلب للدجاج أنه قد حج وتاب وجاء ليصلي بها ...

стр. 790

والذي أراه أن نهضة هذا الشرق العربي لا تعتبر قائمة على أساس وطيد إلا إذا نهض بها الركنان الخالدان: الدين الإسلامي، واللغة العربية؛ وما عداهما فعسى أن لا تكون له قيمة في حكم الزمن الذي لا يقطع بحكمه على شيء إلا بشاهدين من المبدأ والنهاية. وظاهر أن أغلبية الشرق العربي ومادته العظمى هي التي تدين بالإسلام، وما الإسلام في حقيقته إلا مجموعة أخلاق قوية ترمي إلى شد المجموع من كل جهة، ولعمري إني لأحسب عظماء أمريكا كأنهم مسلمو التاريخ الحديث في معظم أخلاقهم، لولا شيء من الفرق هو الذي لا يمنعهم أن ينحطو إذا هم بلغوا القمة؛ فإن من عجائب الدنيا أن قمة الحضارة الرفيعة هي بعينها مبدأ سقوط الأمم، وهذا عندنا هو السر في أن الدين الإسلامي يكره لأهله أنواع الترف والزينة والاسترخاء، ولا يرى النحت والتصوير والموسيقى والمغالاة فيها وفي الشعر إلا من المكروهات، بل قد يكون فيها ما يحرم إن وجد سبب لتحريمه؛ إذ كانت هذه الفنون في الغالب وفي الطبيعة الإنسانية هي التي تؤدي في نهايتها إلى سقوط أخلاق الأمة؛ بما تستتبعه من أساليب الرفاهية والضعف المتفنن، وما تحدثه للنفس من فنون اللذات والإغراق فيها والاستهتار بها؛ وما سقطت الدولة الرومانية ولا الدولة العربية إلا بكأس وامرأة ووتر، وخيال شعري يفتن في هذه الثلاثة ويزينها. وإذا كان لا بد للأمة في نهضتها من أن تتغير، فإن رجوعنا إلى الأخلاق الإسلامية الكريمة أعظم ما يصلح لنا من التغير وما نصلح به منه، فلقد بعد ما بيننا وبين بعضها، وانقطع ما بيننا وبين البعض الآخر؛ وإذا نحن نبذنا لخمر، والفجور، والقمار، والكذب، والرياء؛ وإذا أنفنا من التخنث، والتبرج، والاستهتار بالمنكرات، والمبالغة في المجون، والسخف، والرقاعة، وإذا أخذنا في أسباب القوة، واصطنعنا الأخلاق المتينة: من الإرادة، والإقدام، والحمية، وإذا جعلنا لنا صبغة خاصة تميزنا من سوانا، وتدل على أننا أهل روح وخلق -إذا كان ذلك كله فلعمري أي ضير في ذلك كله، وهل تلك إلا الأخلاق الإسلامية الصحيحة، وهل في الأرض نهضة ثابتة تقوم على غيرها؟ إن من خصائص هذا الدين الأخلاقي أنه صلب فيما لا بد للنفس الإنسانية منه إذا أرادت الكمال الإنساني، ولكنه مرن فيما لا بد منه لأحوال الأزمنة المختلفة مما لا يأتي على أصول الكريمة. وليس يخفى أنه لا يغني غناء الدين شيء في نهضة الأمم الشرقية خاصة، فهو وحده الأصل الراسخ في الدماء

стр. 791

والأعصاب. ومتى نهض المسلمون وهم مادة الشرق، نهض إخوانهم في الوطن والمنفعة والعادة من أهل الملل الأخرى، واضطروا أن يجانسوهم في أغلب أخلاقهم الاجتماعية، ولا حجر على حريتهم في ذلك إلا كبعض الحجر على حرية المريض إذا أوجرته الدواء المر. ولما كان المسلمون إخوة بنص دينهم، وكانت مبادئهم واحدة، ومنافعهم واحدة، وكتابهم واحد؛ فلا جرم كان من السهل -لو رجعوا إلى أخلاق دينهم وانتبذوا ما يصدهم عنها- أن يؤلفوا من الشرق كله دولًا متحدة يحسب لها الغرب حسابًا ذا أرقام لا تنتهي.. إن هذا الشرق في حاجة إلى المبادئ والأخلاق، وهي مع ذلك كامنة فيه، ومستقبله كامن فيها؛ غير أنها لا تصلح في الكتب ولا في الفنون، بل في الرجال القائمين عليها. فالقلوب والأدمغة هي أساس النهضة الصحيحة الثابتة، وإذا نحن تأملنا هذه النهضة الراهنة وجدنا أساسها خربًا من جهات كثيرة، ووجدنا المكان الذي لا يملؤه إلا القلب الكبير ليس فيه إلا خيال كاتب من الكتاب والموضع الذي لا يسده إلا الرأس العظيم قد سدته قطعة من صحيفة ... ولقد تنبأ نبي هذا الدين ﷺ بهذه الحالة التي انتهى إليها الشرق العربي بإزاء الغرب، فقال لأصحابه يومًا: كيف بكم إذا اجتمع عليكم بنو الأصفر* اجتماع الأكلة على القصاع؟ فقال عمر ﵁: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله أم من كثرة؟ قال: بل من كثرة، ولكنكم غثاء كغثاء السيل** قد أوهن قلوبكم حب الدنيا. فوهن القلب بحب الدنيا -على ما ينطوي في هذه العبارة من المعاني المختلفة- هو علة الشرق، ولا دواء لهذه العلة غير الأخلاق، ولا أخلاق بغير الدين الذي هو عمادها، ألا وإن أساس النهضة قد وضع، ولكن بقيت الصخرة الكبرى وستوضع يومًا، وهذا ما اعتقده؛ لأن الغرب يدفع معنا هذه الصخرة؛؛ ليقرها في موضعها من الأساس وهو يحسب أنه يدفعنا نحن إلى الحفرة ليدفعنا فيها.. وهذا عمى في السياسة لا يكون إلا بخذلان من الله قدره وقضاه.

стр. 792

وإني أرى أنه لا ينبغي لأهل الأقطار العربية أن يقتبسوا من عناصر المدنية الغربية اقتباس التقليد، بل اقتباس التحقيق، بعد أن يعطوا كل شيء حقه من التمحيص ويقلبوه على حالتيه الشرقية والغربية؛ فإن التقليد لا يكون طبيعة إلا في الطبقات المنحطة، وصناعة التقليد وصناعة المسخ فرعان من أصل واحد، وما قلد المقلد بلا بحث ولا روية إلا أتى على شيء في نفسه من ملكة الابتكار وذهب ببعض خاصيته العقلية؛ على أننا لا نريد من ذلك ألا نأخذ من القوم شيئًا؛ فإن الفرق بعيد بين الأخذ في المخترعات والعلوم، وبين الأخذ من زخرف المدنية وأهواء النفس وفنون الخيال ورونق الخبيث والطيب؛ إذ الفكر الإنساني إنما ينتج الإنسانية كلها، فليس هو ملكًا لأمة دون أخرى؛ وما العقل القوي إلا جزء من قوة الطبيعة. فإن نحن أخذنا من النظامات السياسية فلنأخذ ما يتفق مع الأصل الراسخ في آدابنا من الشورى والحرية الاجتماعية عند الحد الذي لا يجوز على أخلاق الأمة ولا يفسد مزاجها ولا يضعف قوتها. وإذا نقلنا من الأدب والشعر فلندع خرافات القوم وسخافاتهم الروائية إلى لب الفكر ورائع الخيال وصميم الحكمة، ولنتتبع طريقتهم في الاستقصاء والتحقيق، وأسلوبهم في النقد والجدل، وتأتيهم إلى النفس الإنسانية بتلك الأساليب البيانية الجميلة للتي هي الحكمة بعينها. وأما في العادات الاجتماعية فلنذكر أن الشرق شرق والغرب غرب -وما أرى هذه الكلمة تصدق إلا في هذا المعنى وحده- والقوم في نصف الأرض ونحن في نصفها الآخر، ولهم مزاج وإقليم وطبيعة وميراث من كل ذلك ولنا ما يتفق ولا يختلف؛ وإن أول الأدلة على استقلالنا أن نتسلخ من عادات القوم، فإن هذا يؤدي بلا ريب إلى إبطال صفة التقليد فينا، ويحملنا على أن نتخذ لأنفسنا ما يلائم طبائعنا وينمي أذواقنا الخاصة بنا، ويطلق لنا الحرية في الاستقلال الشخصي؛ ولقد كنا سادة الدنيا قبل أن كانت هذه العادات الغربية التي رأينا منها ومن أثرها فينا من أفسد رجولة رجالنا وأنوثة نسائنا على السواء؛ وما هؤلاء الشبان المساكين الذين يدعون إلى بعض هذه العادات ويعملون على بثها في طبقات الأمة إلا كالذي يحسب أن أوروبا يمكن أن تدخل تحت طربوشه.. ولقد غفلنا عن أننا ندعو الأوروبيين إلى أنفسنا وإلى التسلط على بلادنا بانتحالنا عاداتهم الاجتماعية؛ لأنها نوع من المشاكلة بيننا وبينهم، ووجه من التقريب بين جنسين يعين على اندماج أضعفهما في أقواهما ويضيق دائرة الخلاف بينهما، ثم هو من أين اعتبرته وجدته

стр. 793

في فائدته للأوروبيين أشبه بتليين اللقمة الصلبة تحت الأسنان القاطعة؛ وهل نسي الشرقيون أن لا حجة للغرب في استبعادهم إلا أنه يريد تمدينهم؟ وحيثما قلنا "الدين الإسلامي" فإنما نريد الأخلاق التي قام بها، والقانون الذي يسيطر من هذه الأخلاق على النفس الشرقية؛ وهذا في رأينا هو كل شيء؛ لأنه الأول والآخر١.

стр. 794

لا تجني الصحافة على الأدب ١ ولكن على فنيته: قالوا: إن الأصمعي كان ينكر أن يقال في لغة العرب "مالح"، ويقول: إنما هو ملح، وإن "مالح" هذه عامية؛ فلما أنشدوه في ذلك شعرًا لذي الرمة يحتجون به عليه قال: إن ذا الرومة قد بات في حوانيت البقالين بالبصرة زمانًا.. يريد شيخنا هذا: أن "المالح" في الأكثر الأعم يكون مما يبيعه البقالون، ولغتهم عامية مزالة عن سننها الفصيح، مصروفة إلى وجهها التجاري؛ ولكن كيف بات ذو الرمة في حوانيت البقالين زمانًا حتى علقت الكلمة بمنطقه وجذبه إليها الطبع العامي، ولم يخالط عربيته غير هذه الكلمة وحدها؟ لم يقل الأصمعي شيئًا، ولكن روايته تخبر أن ذا الرمة انحدر من البادية إلى البصرة يلتمس ما يلتمسه الشعراء، فلم كان بها استضاق فلم يصب لجوفه غير الخبز، ولم يجد للخبز غير "المالحة" والبقلة "المالحة"، ويعرفونه مضيقًا إلى فرج، فينسئون له في الثمن إلى أجل حتى يمتدح وينال الجائزة؛ قالوا: ثم يمطره الممدوح ويلوي به ولا يرى في تلفيق العيش رخصًا إلا في "المالح"، فيتتابع في الشراء ويمضون في إسلافه إبقاء عليه وحسن نظر منهم لمنزلته وشعره، ويرى هو أن لا ضمان للوفاء به عليه إلا نفسه، فما بد أن يتراءى لهم بين الساعة والساعة، فيخالطهم فيحدثهم فيسمع منهم، وهم على طبعهم وهو على سجيته؛ ثم لا يقتضونه ثمنًا، ولا يزالون يمدون له، فلا يزال "المالح" أيسر منالًا عليه، كما هو إلى نفسه أشهى، وفي جوفه أمرًا، لمكان أعرابيته وخشونة عيشه، فيصيب عندهم مرتعة من هذا "المالح". قالوا: ثم يرى البقالون أن لا ضمان لم اجتمع عليه إلا أن يكون الشاعر معهم، فيلزمونه الحوانيت بياض يومه، ويغلقونها عليه سواد ليلته، فهم يمسكونه بالنهار وتمسكه الحيطان والأبواب بالليل!

стр. 795

فلما عظم الدين وبلغ الجملة التي فاتت حساب الأيام إلى حساب الأهلة أحضر الشاعر كربه وهمه، ولم يعد "المالح" ينجع فيه، ولا يجد به غذاء، بل حريقًا في الدم، ورأى أنه قد امتحن بهذا "المالح" الخبيث وأشرط نفسه فيه وارتهنها به؛ فلا يزال من "المالح" هم في نفسه، ومغص في جوفه، ولفظ على لسانه، ودين على ذمته؛ ولا يزال مهمومًا به؛ إذ كان على طريق من طريقين: إما الوفاء ولا قدرة عليه من مفلس، وإما الحبس ولا طاقة به لشاعر؛ وحبس ذي الرمة في ثمن "المالح" هو حبس عند الشرطة، ولكنه قتل أو شر من القتل عند صاحبته "مية" إذا ترامى إليها الخبر؛ والأعرابي الجلف الذي يحبس في ثمن "المالح" عند الوالي بعد أن بات زمانًا رهنًا به في حوانيت البقالين لا يصلح عاشقًا لمي وهي: من هي: "لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي.." فلا "المالح" من غذائها، ولا لفظ "المالح" من الكلام الذي يكون في فمها العذب، وأبعد الله جاريتها الزنجية إن لم تأنف لنفسها ومكانها من عشق هذا الأعرابي الغليظ الخشن الذي ألحقه "المالح" باللصوص والغارمين، وأخزاها الله إن لم يكن عشق هذا الأعرابي لها سوادًا على سوادها في الناس، فكيف بمي وهي أصفى من المرأة النقية، وأبيض من الزهرة البيضاء؟ قالوا: ويصنع الله لغيلان المسكين، فيمدح وينافق ويحتال، ويعده الممدوح بالجائزة إذا غذا عليه، ويكون ذلك والشمس نازلة إلى خدرها، فينكفئ الشاعر إلى حوانيت غرمائه من البقالين يبيت فيها أخرى لياليه، ويغلقون عليه وقد سئموه آكلًا وماطلًا، وهان عليهم فلا يعتدونه إلا فأرًا من فئران حوانيتهم غير أنه يأكل فيستوفي، ولم يعد اسمه عندهم ذا الرمة، بل ذا الغمة.. فلم يعطوه لعشائه هذه المرة إلا ما فسد وخبث من عتيق "المالح"، فهو نتن يسمى طعامًا، وداء يباع بثمن، وهلاك يحمل عليه الاضطرار كما يحمل على أكل الجيفة؛ وكانوا قد وضعوه في آنية قذرة متلجنة طال عهدها بالغسل والنظافة وفيها بقية من عفن قديم، فلصق بها ما لصق وتراكب عليها ما تراكب، ووقع فيها ما وقع. ثم يتهيأ الشاعر لصلاة العشاء يرجو أن تناله بركتها، فيستجيب الله له ويفرج عنه، وقد كان لديه قدح من الماء لوضوئه، ولكن "المالح" الذي تغذى به كان قد أحرق جوفه وأضرم على أحشائه وهو في صيف قائظ، فما زال يطفئه بالشربة بعد الشربة، والمصة بعد المصة، حتى اشتف القدح وأتى عليه، فيكسل عن الصلاة ويلعن "المالح" وما جر عليه! ثم يعضه الجوع فيكسر خبرته

стр. 796

ويسمى ويغمس اللقمة ثم يرفعها فيجد لها رائحة منكرة، فينظر في الآنية وقد نفذ إليه الضوء من قنديل الحارس، فإذا في "المالح" خنفساء قد انفجرت شبعًا، ويدقق النظرة فإذا دويبة أخرى قد تفسخت وهرأها "المالح" وفعل بها وفعل! قالوا: وتثب نفسه إلى حلقه، ولا يرى الطاعون والبلاد الأصفر والأحمر إلا هذا "المالح"، فيتحول إلى كوة الحانوت يتنسم الهواء منها ويتطعم الروح وهي مضببة بالحديد، ولا يزال يراعي منها الليل ويقدره منزلة منزلة بحساب البادية، وهو بين ذلك يلعن "المالح" عدد ما يسبح العابد القائم في جوف الليل، ويطول ذلك عليه، حتى إذا كان ينشق لمع الفجر لعينه، فلا يراه الشاعر إلا كالغدير يتفجر بالماء الصافي ويود لو انصب هذا الضوء في جوفه ليغسله من "المالح" وأوضار "المالح"؛ ثم يأتي الله بالفرج وبصاحب الحانوت فيفتح له، ويغدو ذو الرمة على الممدوح فيقبض الجائزة، وينقلب إلى حوانيت البقالين فيوفي أصحابها ما عليه؛ ولا يبقى معه إلا دراهم معدودة، فيخرج من البصرة على حمار اكتراه وقد فتحت له آفاق الدنيا، وكأنما فر من موت غير الموت، ليس اسمه البوار ولا الهلاك ولا القتل، ولكن اسمه "المالح"! قالوا: ويحركه الحمار للشعر كما كانت تحركه الناقة، فيقول: أخزاك الله من حمار بصري، إن أنت في المراكب إلا "كالمالح" في الأطعمة! ثم يغلبه الطبع ينزو به الطرب وتهزه الحياة، فيهتاج للشعر ويذكر شوقه وحبه ودار مي، وفي "عقله الباطن" حوانيت وحوانيت من "المالح"، فيأتي هذا "المالح" في شعره ويدخل في لغته، فيقول الشعر الذي أهمل الأصمعي روايته لأن فيه "المالح" وما أدري أنا ما هو، ولكن لعله مثل قول الآخر: ولو تفلت في البحر والبحر "مالح" ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا أو مثل قول القائل: بصرية تزوجت بصريا ... يطعمها "المالح" والطريا هذه في الرواية التمثيلية التي تفسر كلام الأصمعي، ولا مذهب عنها في التعليل؛ إذ صار "المالح" كلمة نفسية في لغة ذي الرمة، على رغم أنف الأحمر والأسود والأصمعي وأبي عبيدة؛ فالرجل من الحجج في العربية إلا في كلمة "المالح"، فإنه هنا عامي بقال حوانيتي نزل بطبعه على حكم

стр. 797

العيش، وغلبه ما لا بد أن يغلب من تسلط "واعيته الباطنة"*. والحكمة التي تخرج من هذه الرواية أن أبلغ الناس ينحرف بعمله كيف شاءت الحرفة، ولا بد أن تقع المشابهة بين نفسه وعمله، فربما أراد بكلامه وجهًا وجاء به الهاجس على وجه آخر؛ وإذا كان في النفس موضع من مواضعها أفسده العمل- ظهر فساده في الذوق والإدراك فطمس على مواضع أخرى؛ فلا تنتظر من صحافي قد ارتهن نفسه بحرفة الكلام ألا يكون له في الأدب والبلاغة "مالح" كمالح ذي الرمة، وإن كان أبلغ الناس لا أبلغ كتاب الصحف وحدهم. و"المالح" الذي رأيناه لكاتب بليغ من أصحابنا١ أنه كتب في إحدى الصحف عن ديوان هو في شعر هذه الأيام كالبعث بعد موت شوقي وحافظ رحمهما الله فيأتي بالمجاز بعد الاستعارة بعد الكناية مما قاله الشاعر، ثم يقول: هذا عجيب تصوره. لا أعرف ماذا يريد. البلى للشعاع غير مقبول؛ ولا يزال ينسحب على هذه الطريقة من النقد ثم يعقب على ذلك بقوله: "والأصل في الكتابة أنها للإفهام، أي نقل الخاطر أو الإحساس من ذهن إلى ذهن ومن نفس إلى نفسي، ولا سبيل إلى ذلك إذا كانت العبارة يتعاورها الضعف والإبهام والركاكة وقلة العناية بدقة الأداء؛ وإذا كنت تستعمل اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد به فكيف تتوقع مني أن أفهم منك؟ لا، لا، هذا "مالح" من مالح الأدب، فإذا كان الضعف والإبهام والركاكة وسوء الإفهام وضعف الأداء -آتية في رأي الكاتب من استعمال اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد له -فإن محاسن البيان من التشبيه واستعارة والمجاز والكناية ليس لها مأتى كذلك إلا استعمال اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد له. وعلى طريقة الكاتب كيف يصنع في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] أتراه يقول: كيف قدم الله، وهل كان غائبًا أو مسافرًا، وكيف قدم إلى عمل، وهل العمل بيت أو مدينة؟

стр. 798

ثم كيف يصنع في هذه الآية: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود: ٤٤] ، أيسأل: وهل للأرض حلق تحركه عضلاته للبلع، وإذا كان لها حلق أفلا يجوز أن ترمي فيه فتحتاج إلى غرغرة وعلاج وطب؟ وماذا يقول في حديث البخاري: "إني لأسمع صوتًا كأنه صوت الدم، أو صوتًا يقطر منه الدم -كما في الأغاني- أيوجه الاعتراض على الصوت وجرحه ودمه، ويسأل: بماذا جرح، وما لون هذا الدم، وهل للصوت عروق فيجري الدم فيها؟ إن الإفهام ونقل الخاطر والإحساس ليست هي البلاغة وإن كانت منها، وإلا فكتابة الصحف كلها آيات بينات في الأدب؛ إذ هي من هذه الناحية لا يقدح فيها ولا يغض منها، وما قصرت قط في نقل خاطر ولا استغلقت دون إفهام. ههنا خوان في مطعم كمطعم "الحاتي" مثلًا عليه الشواء والملح والفلفل والكواميخ أصنافًا مصنفة، وآخر في وليمة عرس في قصر وعليه ألوانه وأزهاره، ومن فوقه الأشعة ومن حوله الأشعة الأخرى من كل مضيئة في القلب ينور وجهها الجميل، أفترى السهولة كل السهولة إلا في الأول؟ وهل التعقيد كل التعقيد إلا في الثاني؟ ولكن أي تعقيد هو؟ إنه تعقيد فني ليس إلا، به ينضاف الجمال في المنفعة، فتجتمع الفائدة والاستمتاع وتزين المائدة والنفس معًا؛ وهو كذلك تعقيد فني لاءم بين إبداع الطبيعة وإبداع الفكر، وجاء بروح الموسيقى التي يقوم عليها الكون الجميل فبثها في هذه الأشياء التي تقوم بها المائدة الجميلة، واستنزل سر الجاذبية فجعل للمائدة بما عليها شعورًا متصلًا بالقلوب من حيث جعل للقلوب شعورًا متصلًا بالمائدة. وهذا التعقيد الذي صور في الجماد دقة فن العاطفة، هو بعينه فنية السهولة وروحيتها؛ وتلك السذاجة التي في المائدة الأخرى هي السهولة المادية بغير فن ولا روح، وفرق بينهما أن إحداهما تحمل قصيدة رائعة من الطعام وما يتصل به، والأخرى تحمل من الطعام وما يتصل به مقالة كمقالات الصحف! والوجه في الشوهاء وفي الجميلة واحد: لا يختلف بأعضائه ولا منافعه، ولا في تأديته معاني الحياة على أتمها وأكملها؛ بيد أن انسجام الجميل يأتي من إعجاز تركيبه وتقدير قسماته وتدقيق تناسبه، وجعله بكل ذلك يظهر فنه النفسي بسهولة منسجمة هي فنيَّته وروحيته؛ أما الآخر فلا يقبل هذا الفن ولا يظهر منه شيئًا؛ إذ كان قد فقد التدقيق الهندسي الذي هو تعقيد فن التناسب، وجاء على المقاييس السهلة من طويل إلى قصير، إلى ما يستدير وما يعرض، إلى ما ينشأ من هنا وينخسف من

стр. 799

هناك، كالوجنة البارزة، والشدق الغائر، فهذه السهولة في الوضع كما يتفق، هي بعينها التعقيد المطلق عند الفن الذي لا محل فيه للفظة "كما يتفق". والطريقة التي يكون بها الجمال جميلًا هي بعينها الطريقة التي يكون بها البيان بليغًا، فالمرجع في اثنيهما إلى تأثيرهما في النفس، وأنت فقل: إن هذا مفهوم وهذا غير مفهوم، وذاك سهل والآخر معقد، وواضح ومغلق، ومستقيم على طريقته ومحول عن طريقته؛ إنك في ذلك لا تدل على شيء تعيبه أو تمدحه في الجمال أو البلاغة أكثر مما تدل على ما يمدح أو يعاب في نفسك وذوقها وإدراكها. ومعاني الاختلاف لا تكون في الشيء المختلف فيه، بل في الأنفس المختلفة عليه؛ فإن محالًا أن تكون الجميلة ممدوحة مذمومة لجمالها في وقت معًا، وإلا كانت قبيحة بما هي به حسناء، وهذا أشد بعدًا في الاستحالة، وحكمك على شيء هو عقلك أنت في هذا الشيء. ومتى اتفق الناس على معنى يستحسنونه وجدت دواعي الاستحسان في أنفسهم مختلفة، وكذلك هم في دواعي الذم إذا عابوا؛ ولكن متى تعينت الوجوه التي بها يكون الحكم، ورجع إليها المختلفون، والتزموا الأصول التي رسمتها وتقررت بها الطريقة عندهم في الذوق والفهم، فذلك ينفي أسباب الاختلاف لما يكون من معاني التكافؤ وخاصة المناسبة، ولهذا كان الشرط في نقد البيان أن يكون من كاتب مبدع في بيانه لم تفسده نزعة أخرى، وفي نقد الشعر أن يكون من شاعر علت مرتبته وطالت ممارسته لهذا الفن فليس له نزعة أخرى تفسده. وما المجازات والاستعارات والكنايات ونحوها من أساليب البلاغة إلا أسلوب طبيعي لا مذهب عنه للنفس الفنية؛ إذ هي بطبيعتها تريد دائمًا ما هو أعظم، وما هو أجمل، وما هو أدق؛ وربما ظهر ذلك لغير هذه النفس تكلفًا وتعسفًا ووضعًا للأشياء في غير مواضعها، ويخرج من هذا أنه عمل فارغ وإساءة في التأدية وتمحل لا عبرة به، ولكن فنية النفس الشاعرة تأبى إلا زيادة معانيها، فتصنع ألفاظها صناعة توليها من القوة ما ينفذ إلى النفس ويضاعف إحساسها؛ فمن ثم لا تكون الزيادة في صور الكلام وتقليب ألفاظه وإدارة معانيه إلا تهيئة لهذه الزيادة في شعور النفس؛ ومن ذلك يأتي الشعر دائمًا زائدًا بالصناعة البياينة؛ لتخرجه هذه الصناعة من أن يكون طبيعيًّا في الطبيعة إلى أن يكون روحانيًّا في الإنسانية، والشعور المهتاج المتفزز غير الساكن المتبلد، والبيان في صناعة اللغة يقابل هذا النحو، فتجد من التعبير ما هو حي متحرك، وما جامد مستلقٍ كالنائم

стр. 800

أو كالميت؛ وبهذا لا تكون حقيقة المحسنات البيانية شيئًا أكثر من أنها صناعة فنية لا بد منها لإحداث الاهتياج في ألفاظ اللغة الحساسة كي تعطي الكلمات ما ليس في طاقة الكلمات أن تعطيه. لقد تكلموا أخيرًا في جنابة الصحافة على الأدب، والصحافة عندي لا تجني على الأدب، ولكن على فنيته؛ فلها من الأثر على سليقة البليغ وطبعه قريب مما كان لحوانيت البقالين في البصرة على طبع ذي الرمة وسليقته، وكلما قرب الصحافي من الصنعة وحقها على الجمهور، بعد عن الفن وجماله وحقه على النفس، وهذا واضح بلا كبير تأمل، بل هو واضح بغير تأمل..

стр. 801

صعاليك الصحافة "١": لما ظهر كتابي "وحي القلم"١ حملت منه إلى فضلاء كتابنا في دور الصحف والمجلات أهديه إليهم؛ ليقرؤوه ويكتبوا عنه، وأنا رجل ليس في أكثر مما في، كالنجم يستحيل أن يكون فيه مستنقع؛ فما أعلم في طبيعتي موضعا للنفاق تتحول فيه البصلة إلى تفاحة، ولا مكانًا من الخوف تنقلب فيه التفاحة إلى بصلة، ولست أهدي من كتبي إلا إحدى هديتين: فإما التحية لمن أثق بأدبهم وكفايتهم وسلامة قلوبهم، وإما إنذار حرب لغير هؤلاء! والقرآن نفسه قد أثبت اللهُ فيه أقوال من عابوه، ليدل بذلك على أن الحقيقة محتاجة إلى من ينكرها ويردها، كحاجتها إلى من يقربها ويقْبلها، فهي بأحدهما تثبت وجودها، وبالآخر تثبت قدرتها على الوجود والاستمرار. والشعور بالحق لا يخرس أبدًا؛ فإذا كانت النفس قوية صريحة مر من باطنها إلى ظاهرها في الكلمة الخالصة، فإن قال: لا أو: نعم صدق فيهما؛ وإذا كانت النفس ملتوية اعترضته الأغراض والدخائل، فمر من باطن إلى باطن حتى يخلص إلى الظاهر في الكلمة المقلوبة؛ إذ يكون شعورًا بالحق يغطيه غرض آخر كالحسد ونحوه، فإن قال: لا أو نعم كذب فيهما جميعًا. وكنت في طوافي على دور الصحف والمجلات أحس في كل منها سؤالًا يسألني به المكان: لماذا لم تجئ؟ فإني في ابتداء أمري كنت نزعت إلى العمل في الصحافة، وأنا يومئذ متعلم ريض ومتأدب ناشئ، ولكن أبي ﵀ ردني عن ذلك ووجهني في سبيلي هذه والحمد لله، فلو أنني نشأت صحافيًّا لكنت الآن كبعض الحروف المكسورة في الطبع..

стр. 802

وللصحافة العربية شأن عجيب، فهي كلما تمت نقصت، وكلما نقصت تمت؛ إذ كان مدار الأمر فيها على اعتبار أكثر من يقرؤونها أنصاف قراء أو أنصاف أميين؛ وهي بهذا كالطريقة لتعليم القراءة الاجتماعية أو السياسية أو الأدبية؛ فتمامها بمراعاة قواعد النقص في القارئ.. وما بد أن تتقيد بأوهام الجمهور أكثر مما تتقيد بحقيقة نفسها، فهي معه كالزوجة التي لم تلد بعد، لها من رجلها من يأمرها ويجعلها في حكمه وهواه، وليس لها من أبنائها من تأمرهم وتجعلهم في طاعتها ورأيها وأدبها؛ ثم هي عمل الساعة واليوم، فما أبعدها من حقيقة الأدب الصحيح؛ إذ ينظر فيه إلى الوقت الدائم لا إلى الوقت الغابر، ويراد به معنى الخلود لا معنى النسيان. ولا يقتل النبوغ شيء كالعمل في هذه الصحافة بطريقتها؛ فإن أساس النبوغ "ما يجب كما يجب"؛ ودأبه العمق والتغلغل في أسرار الأشياء وإخراج الثمرة الصغيرة من مثل الشجرة الكبيرة بعمل طويل دقيق؛ أما هي فأساسها "ما يمكن كما يمكن" ودأبها السرعة والتصفح والإلمام وصناعة كصناعة العنوان لا غير. فليس يحسن بالأديب أن يعمل في هذه الصحافة اليومية إلا إذا نضج وتم وأصبح كالدولة على "الخريطة"، لا كالمدينة في الدولة في الخريطة؛ فهو حينئذ لا يسهل محوه ولا تبديله.. ثم هو يمدها بالقوة ولا يستمد القوة منها، ويكون تاجًا من تيجانها لا خرزة من خرزاتها، ويقوم فيها كالمنارة العظيمة تلقي أشعتها من أعلى الجو إلى مدى بعيد من الآفاق، لا كمصباح من مصابيح الشارع! وحالة الجمهور عندنا تجعل الصحافة مكانًا طبيعيًّا لرجل السياسة قبل غيره؛ إذ كان الرجل السياسي هو صوت الحوادث سائلًا ومجيبًا، ثم يليه الرجل شبه العالم، ثم الرجل شبه الممثل الهزلي.. والأديب العظيم فوق هؤلاء جميعًا، غير أنه عندنا في الصحافة وراء هؤلاء جميعًا!. ولما فرغت من طوافي على دور الصحف جاءت هي تطوف بي في نومي فرأيتني ذات ليلة أدخل إحداها لأهدي "وحي القلم" إلى الأديب المتخصص فيها للكتابة الأدبية؛ ودلوني عليه فإذا رجل مربوع مشوه الخلق صغير الرأس دقيق العنق جاحظ العينين، تدوران في محجريهما دورة وحشية كأنما رعبته الحياة مذ كان جنينًا في بطن أمه؛ لأنه خلق للإحساس والوصف، أو كأنما ركب فيه هذا النظر الساخر ليرى أكثر مما يرى غيره من أسرار السخرية فينبغ في فنونها، أو هو قد

стр. 803

خلق بهاتين الجاحظتين دلالة عليه من القدرة الإلهية بأنه رجل قد أرسل لتدقيق النظر. وقال الذي عرفني به: حضرته عمرو أفندي الجاحظ.. وهو أديب الجريدة. قلت: شيخنا أبو عثمان عمرو بن بحر؟ فضحك الجاحظ وقال: وأديب الجريدة، أي شحاذ الجريدة، يكتب لها كما يقرأ القارئ على ضريح: بالرغيف والجبن والبيض والقرش.. قلت: إنا لله! فكيف انتهيت يا أبا عثمان إلى هذه النهاية وكنت من أعاجيب الدنيا؟ وكيف خبت في الصحافة وكنت رأسًا في الكلام؟ قال: نجحت أخلاقي فخابت آمالي، ولو جاء الوضع بالعكس لكان الأمر بالعكس؛ والمصيبة في هذه الصحف أن رجلًا واحدًا هو قانون كل رجل هنا. قلت: وذاك الرجل الواحد ما قانونه؟ قال: له ثلاثة قوانين: الجهات العالية وما يستوحيه منها، والجهات النازلة وما يوحيه إليها، وقانون الصلة بين الجهتين وهو.. قلت: وهو ماذا؟ فحملق في وقال: ما هذه البلادة؟ وهو الذي "هو".. أما ترى الصحيفة ككل شيء يباع؟ وأنت فخيرني -ولك الدولة والصولة عند القراء- ألم تر بعينيك أنك لو جئت تدفع ثمانمائة قرش، لكنت في نفوسهم أعظم مما أنت وقد جئت تهدي ثمانمائة صفحة من البيان والأدب؟ قلت: يا أبا عثمان، فماذا تكتب هنا؟ قال: إن الكتابة في هذه الصحافة صورة من الرؤية، فماذا ترى أنت في ... وفي ... وفي؟ ... لقد كنا نروي في الحديث: "يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقرة بلسانها"؛ فلعل من هذه الألسنة الطويلة لسان صاحب الجريدة ... قلت: ولكنك يا شيخنا قد نسيت القراء وحكمهم على الصحيفة. قال: القراء ما القراء؟ وما أدراك ما القراء؟ وهل أساس أكثرهم إلا بلادة المدارس، وسخافة الحياء، وضعف الأخلاق، وكذب السياسة؟ إن الإبداع كل الإبداع في أكثر ما تكتب هذه الصحف، أن تجعل الكذب يكذب بطريقة جديدة ... وما دام المبدأ هو الكذب، فالمظهر هو الهزل؛ والناس في حياة قد ماتت فيها

стр. 804

المعاني الشديدة القوية السامية، فهم يريدون الصحافة الرخيصة، واللغة الرخيصة، والقراءة الرخيصة؛ وبهذا أصبح الجاحظ وأمثاله هم "صعاليك الصحافة". ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير، فنهض إليه، ثم رجع بعينين لا يقال فيهما جاحظتان، بل خارجتان ... وقال: أف. ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] . "كلا والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه"*. قلت: ماذا دهاك يا أبا عثمان؟ قال: ويحها صحافة! قل في عمك ما قال المثل: جحظ إليه عمله**. قلت: ولكن ما القصة؟ قال: ويحها صحافة! وقال الأحنف: أربع من كن فيه كان كاملًا، ومن تعلق بخصلة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، أو عقل يسدده، أو حسب يصونه، أو حياة يقناه". وقال: "المؤمن بين أربع: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يجاهده، وشيطان يفتنه، وأربع ليس أقل منهن: اليقين، والعدل، ودرهم حلال، وأخ في الله". وقال الحسن بن علي: *** ... قلت: يا شيخنا، دعنا الآن من الرواية والحفظ والحسن والأحنف؛ فماذا دهاك عند رئيس التحرير؟ قال: لم أحسن المهاترة في المقال الذي كتبته اليوم ... ويقول رئيس التحرير: إن كان نصف التمويه رذيلة؟ فإن نصفه الآخر يدل على أنه تمويه. ويقول: إن سمو الكتابة انحطاط فصيح؛ لأن القراء في هذا العهد لا يخرجون من حفظ القرآن والحديث ودراسة كتب العلماء والفصحاء، بل من الروايات والمجلات الهزلية. وحفظ القرآن والحديث وكلام العلماء يضع في النفس قانون النفس، ويجعل معانيها مهيأة بالطبيعة للاستجابة لتلك المعاني الكبيرة في الدين والفضيلة والجد والقوة؛ ولكن ماذا تصنع الروايات والمجلات وصور

стр. 805

الممثلات المغنيات وخبر الطالب فلان والطالبة فلانة والمسارح والملاهي؟ ويقول رئيس التحرير: إن الكاتب الذي لا يسأل نفسه ما يقال عني في التاريخ، هو كاتب الصحافة الحقيقي؛ لأن القروش هي القروش والتاريخ هو التاريخ؛ ومطبعة الصحيفة الناجحة هي بنت خالة مطبعة البنك الأهلي؛ ولا يتحقق نسب ما بينهما إلا في إخراج الورق الذي يصرف كله ولا يرد منه شيء! إنهم يريدون إظهار المخازي مكتوبة، كحوادث الفجور والسرقة والقتل والعشق وغيرها؛ يزعمون أنها أخبار تروى وتقص للحكاية أو العبرة، والحقيقة أنها أخبارهم إلى أعصاب القراء ... ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ...

стр. 806

صعاليك الصحافة "٢": وغاب شيخنا أبو عثمان عند رئيس التحرير بعض ساعة، ثم رجع تدور عيناه في جحاظيهما وقد اكفهر وجهه وعبس كأنما يجري فيه الدم الأسود لا الأحمر، وهو يكاد ينشق من الغيظ، وبعضه يغلي في بعضه كالماء على النار؛ فما جلس حتى جاءت ذبابتان فوقعتا على كنفي أنفه تتمان كآبة وجهه المشوه، فكان منظرهما من عينيه السوداوين الجاحظتين منظر ذبابتين ولدتا من ذبابتين.. وتركهما الرجل لشأنهما وسكت عنهما؛ فقلت له: يا أبا عثمان، هاتان ذبابتان، ويقال إن الذباب يحمل العدوى. فضحك ضحكة المغيظ وقال: إن الذباب هنا يخرج من المطبعة لا من الطبيعة، فأكثر القول في هذه الجرائد حشرات من الألفاظ: منها ما يستقذر وما تنقلب له النفس، وما فيه العدوى، وما فيه الضرر؛ وما بد أن يعتاد الكاتب الصحافي من الصبر على بعض القول مثل ما يعتاد الفقير من الصبر على بعض الحشرات في ثيابه، وقد يريده صاحب الجريدة أو رئيس التحرير على أن يكتب كلامًا لو أعفاه منه وأراده على أن يجمع القمل والبراغيث من أهدام الفقراء والصعاليك بقدر ما يملأ مقالة.. كان أخف عليه وأهون، وكان ذلك أصرح من معنى الطلب والتكليف*. وكيفما دار الأمر فإن كثيرًا من كلام الصحف لو مسخه الله شيئًا غير الحروف المطبعية، لقطار كله ذبابًا على وجوه القراء! قلت: ولكنك يا أبا عثمان ذهبت متلطفًا إلى رئيس التحرير ورجعت متعقدًا فما الذي أنكرت منه؟ قال: "لو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير والجاهل بعواقب الأمور؛ لبطل

стр. 807

النظر وما يشحذ عليه وما يدعو إليه، ولتعطلت الأرواح من معانيها والعقول من ثمارها، ولعدمت الأشياء حظوظها وحقوقها١، هناك رجل من هؤلاء المعنيين بالسياسة في هذا البلد ... يريد أن يخلق في الحوادث غير معانيها، ويربط بعضها إلى بعض بأسباب غير أسبابها، ويخرج منها نتائج غير نتائجها، ويلفق لها من المنطق رقعًا كهذه الرقع في الثوب المفتوق؛ ثم لا يرضى إلا أن تكون بذلك ردًّا على جماعة خصومه وهي رد عليه وعلى جماعته، ولا يرضى مع الرد إلا أن يكون كالأعاصير تدفع مثل تيار البحر في المستنقع الراكد. ثم لم يجد لها رئيس التحرير غير عملك أبي عثمان في لطافة حسه وقوة طبعه وحسن بيانه واقتداره على المعنى وضده، كأن أبا عثمان ليس عنده ممن يحاسبون أنفسهم، ولا من المميزين في الرأي، ولا من المستدلين بالدليل، ولا من الناظرين بالحجة؛ وكأن أبا عثمان هذا رجل حروفي.. كحروف المطبعة: ترفع من طبقة وتوضع في طبقة وتكون على ما شئت، وأدنى حالاتها أن تمد إليها اليد فإذا هي في يدك. وأنا امرؤ سيد في نفسي، وأنا رجل صدق، ولست كهؤلاء الذين لا يتألمون ولا يتذممون؛ فإن خضت في مثل هذا انتقض طبعي وضعفت استطاعتي وتبين النقص فيما أكتب، ونزلت في الجهتين؛ فلا يطرد لي القول على ما أرجو، ولا يستوي على ما أحب؛ فذهبت أناقضه وأرد عليه؛ فبهت ينظر إلي ويقلب عينيه في وجهي، كأن الكاتب عنده خادم رأيه كخادم مطبخه وطعامه، هذا من هذا. ثم قال لي: يا أبا عثمان، إني لأستحي أن أعنفك؛ وبهذا القول لم يستح أن يعنف أبا عثمان.. ولهممت والله أن أنشده قول عباس بن مرداس: أكليب مالك كل يوم ظالما ... والظلم أنكد وجهه معلون لولا أن ذكرت قول الآخر: وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير حز الغلاصم وحز الغلاصم "وقطع الدراهم" من قافية واحدة.. وقال سعيد بن أبي عروبة: "لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر- أحب إلى من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وذا قولين مختلفين". وقال أيوب السختياني:

стр. 808

وهم شيخنا أن يمر في الحفظ والرواية على طريقته، فقلت: وقال رئيس التحرير ... ؟ فضحك وقال: أما رئيس التحرير فيقول: إن الخلابة والمواربة وتقليب المنطق هي كل البلاغة في الصحافة الحديثة، ولهي كقلب الأعيان في معجزات الأنبياء -صلوات الله عليهم- فكما انقلبت العصا حية تسعى، وهي عصا وهي من الخشب، فكذلك تنقلب الحادثة في معجزات الصحافة إذا تعاطاها الكاتب البليغ بالفطنة العجيبة والمنطق الملون والمعرفة بأساليب السياسة؛ فتكون للتهويل، وهي في ذاتها اطمئنان، وللتهمة وهي في نفسها براءة، وللجناية وهي في معناها سلامة، ولو نفخ الصحافي الحاذق في قبضة من التراب لاستطارت منها النار وارتفع لهبها الأحمر في دخانها الأسود. قال: وإن هذا المنطق الملون في السياسة إنما هو إتقان الحيلة على أن يصدقك الناس؛ فإن العامة وأشباه العامة لا يصدقون الصدق لنفسه، ولكن للغرض الذي يساق له؛ إذ كان مدار الأمر فيهم على الإيمان والتقديس، فأذقهم حلاوة الإيمان بالكذب فلن يعرفوه إلا صدقًا وفوق الصدق، وهم من ذات أنفسهم يقيمون البراهين العجيبة ويساعدون بها من يكذب عليهم متى أحكم الكذب؛ ليحققوا لأنفسهم أنهم بحثوا ونظروا ودققوا ... ثم قال أبو عثمان: ومعنى هذا كله أن بعض دور الصحافة لو كتبت عبارة صريحة للإعلان لكانت العبارة هكذا: سياسة للبيع ... قلت: يا شيخنا، فإنك هنا عندهم؛ لتكتب كما يكتبون، ومقالات السياسة الكاذبة كرسائل الحب الكاذب: تُقرأ فيها معانٍ لا تكتب، ويكون في عبارتها حياة وفي ضمنها طلب ما يستحي منه ... والحوادث عندهم على حسب الأوقات، فالأبيض أسود في الليل، والأسود أبيض في النهار؛ ألم تر إلى فلان كيف يصنع وكيف لا يعجزه برهان وكيف يخرج المعاني؟ قال: بلى، نعم الشاهد هو وأمثاله!؛ إنهم مصدقون حتى في تاريخ حفر زمزم. قلت: وكيف ذلك؟ قال: شهد رجل عند بعض القضاة على رجل آخر، فأراد هذا أن يجرح شهادته، فقال للقاضي: أتقبل منه وهو رجل يملك عشرين ألف دينار ولم يحج إلى بيت الله؟ فقال الشاهد: بلى قد ححجت. قال الخصم؛ فاسأله أيها القاضي عن زمزم كيف هي؟ قال الشاهد: لقد حججت قبل أن تحفر زمزم فلم أرها ...

стр. 809

قال أبو عثمان: فهذه هي طريقة بعضهم فيما يزكي به نفسه: ينزلون إلى مثل هذا المعنى وإن ارتفعوا عن مثل هذا التعبير؛ إذ كانت الحياة السياسية جدلًا في الصحف لنفي المنفي وإثبات المثبت، لا عملًا يعملونه بالنفي والإثبات؛ ومتى استقلت هذه الأمة وجب تغيير هذه الصحافة وإكراهها على الصدق، فلا يكون الشأن حينئذ في إطلاق الكلمة الصحافية إلا من معناها الواقع. والحياة المستقلة ذات قواعد وقوانين دقيقة لا يترخص فيها ما دام أساسها إيجاد القوة وحياطة القوة وأعمال القوة، وما دامت طبيعتها قائمة على جعل أخلاق الشعب حاكمة لا محكومة؛ وقد كان العمل السياسي إلى الآن هو إيجاد الضعف وحياطة الضعف وبقاء الضعف؛ فكانت قواعدنا في الحياة مغلوطة؛ ومن ثم كان الخلق القوي الصحيح هو الشاذ النادر يظهر في الرجل بعد الرجل والفترة بعد الفترة، وذلك هو السبب في أن عندنا من الكلام المنافق أكثر من الحر، ومن الكاذب أكثر من الصادق، ومن المماري أكثر من الصريح؛ فلا جرم ارتفعت الألقاب فوق حقائقها، وصارت نعوت المناصب وكلمات "باشا" و"بك" من الكلام المقدس صحافيًّا ... يا لعباد الله! يأتيهم اسم الأديب العظيم فلا يجدون له موضعًا في "محليات الجريدة"؛ ويأتيهم اسم الباشا أو البك أو صاحب المنصب الكبير فبماذا تتشرف "المحليات" إلا به؟ وهذا طبيعي، ولكن في طبيعة النفاق؛ وهذا واجب، ولكن حين يكون الخضوع هو الواجب؛ ولو أن للأديب وزنًا في ميزان الأمة لكان له مثل ذلك في ميزان الصحافة؛ فأنت ترى أن الصحافة هنا هي صورة من عامية الشعب ليس غير.. ومن ذا الذي يصحح معنى الشرف العامل لهذه الأمة وتاريخها، وأكثر الألقاب عندنا هي أغلاط في معنى الشرف ... ؟ ثم ضحك أبو عثمان وقال: زعموا أن ذبابة وقعت في بارجة "أميرال" إنجليزي أيام الحرب العظمى؛ فرأت القائد العظيم وقد نشر بين يديه درجًا من الورق وهو يخطط فيه رسمًا من رسوم الحرب؛ ونظرت فإذا هو يلقي النقطة بعد النقطة من المداد ويقول: هذه مدينة كذا، وهذا حصن كذا، وهذا ميدان كذا. قالوا: فسخرت منه الذبابة وقالت: ما أيسر هذا العمل وما أخف وما أهون! ثم وقعت على صفحة بيضاء وجعلت تلقي ونيمها* هنا وهناك وتقول: هذه مدينة، وهذا حصن ...

стр. 810

والتفت الجاحظ كأنما توهم الجرس يدق ... فلما لم يسمع شيئًا قال: لو أنني أصدرت صحيفة يومية لسميتها "الأكاذيب" فمهما أكذب على الناس فقد صدقت في الاسم، ومهما أخطئ فلن أخطئ في وضع النفاق تحت عنوانه. قال: ثم أخط تحت اسم الجريدة ثلاثة أسطر بالخط الثالث هذا نصفها: ما هي عزة الأذلاء؟ هي الكذب الهازل. ما هي قوة الضعفاء؟ هي الكذب المكابر. ما هي فضيلة الكذابين؟ هي استمرار الكذب. قال: ثم لا يحرر في جريدتي إلا "صعاليك الصحافة" من أمثال الجاحظ؛ ثم أكذب على أهل المال فأمجد الفقراء العاملين، وعلى رجال الشرف فأعظم العمال المساكين، وعلى أصحاب الألقاب فأقدم الأدباء والمؤلفين، و ... ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ...
следующие страницы →