ومن شعره السائر قوله في العناق وتلازم الحبيبين:
ولما التقينا قرب الشوق جهده ... شجيين فاضا لوعة وعتابا
كأن صديقًا في خلال صديقه ... تسرب أثناء العناق وغابا
وهذا المعنى على إبداعه فيه متداول، وأصله لبشار -أظن- في قوله١:
وبتنا جميعًا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب
فأبدع صبري في أخذه وجعل من هذه الزجاجة المنصدعة جوهرة تتألق؛ على أني لا أستحسن قوله: "كأن صديقًا ... " فما هذا بعناق الأصدقاء، ولو كان الصديق راجعًا من سفر الآخرة؛ وإذا غاب واحد في الآخر، فالآخر حامل به ... وقد أخذت أنا هذا المعنى منه، ولولاه ما اهتديت إليه، فقلت في ذلك:
ولما التقينا ضمنا الحب ضمة ... بها كل ما في مهجتينا من الحب
وشد الهوى صدرًا لصدر كأنما ... يريد الهوى إنفاذ قلب إلى قلب
وأحسن ما تجد شعر صبري في الغزل والنسيب والوصف والحكمة، فهي عناصر قلبه وذوقه، ولا يتصرف معه أقوى ما يتصرف إلا في هذه الأغراض، ولعله إن جاوزها قصر معه شيئًا ما وضعفت أداته ضعفًا ما؛ لأنه يكون شاعر الصنعة وهو يأباها ويكره أن يكون شاعرًا من أجلها؛ وقلما يجاريه أحد في تلك الأغراض، وهو الذي فتح أبوابها؛ وحسبك أنه المثال الذي احتذى عليه شوقي بك؛ وقد ينقسم المعنى الواحد في رجلين حين يقدر، فإذا لم يوجد أحدهما لم يوجد الآخر، وأنا أرى وأعلم أنه لولا صبري لما نبغ شوقي، وكان هذا يختلف إليه يعرض عليه شعره ويرجع بآثار ذوقه فيه، وكذلك كان يفعل خليفة البارودي حافظ بك إبراهيم، واسترفد شوقي من صبري باشا هذا البيت السائر:
صوني جمالك عنا إننا بشر ... من التراب وهذا الحسن روحاني
стр. 877
فهو لصبري باشا، والمرافدة سنة معروفة من قديم، وهي غير الانتحال وغير السرقة وما يسمى إغارة وغصبًا؛ وقد استرفد النابغة زهيرًا ابنه كعبًا فرفده، والحكاية في ذلك مشهورة عنه وعن سواه.
ولم يكن في مصر ممن يحسن ذوق البيان وتمييز أقدار الألفاظ بعضها من بعض وألوان دلالاتها كالبارودي وصبري وإبراهيم المويلحي والشيخ محمد عبده، ﵏ جميعا؛ والبارودي يذوق بالسليقة، وصبري بالعاطفة، والمويلحي بالظرف، والشيخ بالبصيرة النفاذة؛ وذلك شيء ركبه الله في طبيعة صبري لم يحصله بالدرس أكثر مما حصله بالحس، ومن أجله كان يفضل البحتري على غيره، وهو بلا نزاع بحتري مصر، كما لقبوا ابن زيدون بحتري المغرب؛ وإنك لتجد بعض الألفاظ في شعر الرجل كأنها شعر مع الشعر، فتقف على العبارة منها وقلبك يتنفس عليها كأنها إنما وضعت لقلبك خاصة، فهي تغمز عليه غمزًا وكأنها نفثة ملك من الملائكة جاءتك في نفس من أنفاس الجنة.
ويمتاز نسيبه بأنه يكاد يكون في طهارته وعفته ضوءًا من جمال الشمس والقمر، وهو عندي أنسب من العباس بن الأحنف الذي صرف كل شعره إلى هذا المعنى؛ ولو أن عصره كان عصر أدب صحيح لأخمل كل شعراء هذا الباب، من ابن أبي ربيعة إلى طبقة عشاق العرب إلى أئمة الطريقة الغرامية لآخر القرن السابع.
ومن غزله البديع قوله:
يا من أقام فؤادي إذ تملكه ... ما بين نارين من شوق ومن شجن
تفديك أعين قوم حولك ازدحمت ... عطشى إلى نهلة من وجهك الحسن
جردت كل مليح من ملاحته ... لم تتق الله في ظبي ولا غصن
وقوله:
أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة ... ولا بشافعة في رد ما كانا
سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنًا ... خفق الصبابة فاخفق وحدك الآنا
ويا رحمة الله للقلب الذي يفهم هذا البيت، فإنه ليجن به من يكون فيه استعداد لهذا النوع من الجنون.
ومن قلائده الغرامية قوله:
يا آسى الحي هل فتشت في كبدي ... وهل تبينت داء في زواياها
أواه من حرق أودت بمعظمها ... ولم تزل تتمشى في بقاياها
стр. 878
يا شوق رفقًا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذعرًا في حناياها
وله قصيدة "تمثال جمال" وقد نظمها لتنقل إلى الفرنسوية، ومن عيونها قوله:
وابسمي، من كان هذا ثغره ... يملأ الدنيا ابتسامًا وازدهاء
لا تخافي شططًا من أنفس ... تعثر الصبوة فيها بالحياء
راضت النخوة من أخلاقنا ... وارتضى آدابنا حسن الولاء
فلو امتدت أمانينا إلى ... ملك ما كدرت ذاك الصفاء
والشعراء من أول تاريخ الأدب إلى اليوم يقولون في معنى قوله: "لا تخافي شططا" الأبيات، وما منهم من وفق إلى مثل هذا البيت الأخير، وإن كان بعضهم بلغ الغاية، كابن نباتة السعدي والسري الرفاء وغيرهما.
ومن أبدع ما اتفق له في الوصف أبيات في الدواة تخلص في آخرها إلى مدح النبي ﷺ ، وهو تخلص ليس في الشعر العربي كله مثله في الإبداع وحسن الاختراع، يقول فيها:
أكرمي العلم وامنحي خادميه ... ماءك الغالي النفيس الثمينا
وابذلي الصافي المطهر منه ... لهداة السرائر المرشدينا
وإذا الظلم والظلام استعانا ... يوم نحس بأجهل الجاهلينا
واستمدا من الشرور مدادًا ... فاجعليه من قسمة الظالمينا
واقذفي في النقطة التي بات فيها ... غضب القاهر المذل كمينا
ليراع امرئ إذا خط سطرا ... نبذ الحق وارتضى المين دينا
وإذا كان فيك نقطة سوء ... كونت من خباثة تكوينا
فاجعليها قسط الذين استباحوا ... في السياسات حرمة الأضعفينا
وإذا خفت أن يكون من الصخـ ... ـر جلاميد ترجم السامعينا
فابخلي بالمداد بخلا وإن أعـ ... ـطيت فيه المئين ثم المئينا
فإذا أعوز المداد طبيبا ... يصف الداء دائبًا مستعينا
فامنحيه المراد منا وعرفًا ... واستطيبي معونة المحسنينا
وإذا مهجة الحمائم أسدت ... نقطة سرها الزكي المصونا
فاجعليها على المودات وقفًا ... وهبيها رسائل الشيقينا
стр. 879
فإذا لم يكن بقلبك إلا ... ما أعد الإخلاص للمخلصينا
فاجعليه حظي لأكتب منه ... شرح حالي لسيد المرسلينا
هذا والله هو الشعر، وما وفق إلى مثله أحد كائنًا من كان في هذا العصر.
ولا نطيل بالنقل من شعره وتتبع أغراضه، فهو كالألماس في الشمس: يشع من كل جهة، ولا يختلف ضوءه إلا في بعض اللون مما يكون الأجمل فيما كله جمال، ويمج من الشعاع ما لا تجد حسنه في الشعاع نفسه، وأحيانًا يرق كبعض البلور فيمتص حرارة الشمس ويستوقد بها في ذاته ليضرم ما وراء قلبه، وما وارءه إلا قلوبنا الحزينة.. عليه رحمة الله!.
стр. 880
حافظ إبراهيم ١:
فرغت الآن من قراءة شعر حافظ بعد أن لم يعد حافظ بيننا إلا شعره ونثره، وفبالله أحلف ما نظرت في صفحة مما بين يدي إلا وأحسست أن ذلك الشاعر العيظم يقول في بيانه الرائع وصناعته البديعة: أنا هنا!
ولغة هذا الشعر المتدفعة بالحياة كأن كلماتها القوية عروق في جسم حي متوثب لم تخرج عن أن تكون هي العربية المبينة في جزالتها ونصاعتها ودقة تركيبها البياني، ومع ذلك فليس في هذا العصر كله من يكابر أو يماري في أنها هي لغة حافظ وحده، كأنه أرغم التاريخ أن يحتفظ به في أجمل آثاره.
وأنا أعرف في شعره مواضع من الاضطراب والضعف والنقص سأشير إلى بعضها، ولكني على ما أعرفه أجد هذا الشعر كالتيار يعب عبابه لا يبالي ما تناثر منه وما ركد وما وقع في غير موقعه، إذ كانت عظمته في اجتماع مادته لا في أجزاء منها، وفي السر الذي يدفعها في كل موضع لا في المظهر الذي تكون به في موضع دون موضع؛ فهو أبدًا يقول لمن يتصفح عليه أو ينتقده: انظر لما بقي.
ترجع صداقتي لحافظ ﵀ إلى سنة ١٩٠٠، أول عهدي بالأدب وطلبه، وقد شهدت من يومئذ بناءه الأدبي عاليًا فعاليًّا إلى الذروة التي انتهى إليها، وأخلص لي ثقته وأصفاني مودته، وكان همك من أخ كريم، وله في نفسي مكان لم ينكره مذ عرفته، ولم يضق بمحبته منذ اتسع لها. وكنت وإياه يرى أحدنا الآخر من هذه اللغة كالجانبين لصورة واحدة: لا يتهيأ في الطبيعة أن يختلفا والصورة بعد قائمة، ولا أن يضطرب ما بينهما والصورة منهما على وزن وتقدير.
ولكن هذا لا يمنعني أن أقرر أنه كان عندي أكبر من شعره -ولعله كذلك عند كل من خلطوه بأنفسهم- فإنه يتعاظمك بنفسه القوية وبالمعنى الذي تحسه في
стр. 881
العبقري ولا تدري ما هو؛ وذلك من سحر العبقريين وأثرهم في نفس من يتصل بهم، فيتسق لهم أمران من أمر واحد، وحظان بحظ، ونصيبان بنصيب؛ لأن مع الإعجاب بآثارهم إعجابًا آخر بالقوة التي أبدعت هذه الآثار؛ ففي ذواتهم المحبوبة يستمر الإعجاب كالسائر على طريق لا موقف عليه، وفي آثارهم يكون الإعجاب في موقف قد انتهت الطريق به، فوقف على حد إن بعد وإن قرب.
لا جرم كان شاعرنا عبقريًّا عجيب الصنعة قوي الإلهام بليغ الأثر في عصره، يشبه تحولًا وقع في صورة من صور التاريخ، ولكنه كذلك في مذاهب من الشعر دون غيرها، فلم يكن معه من التمام في فنون الشعر ما يكون به الشاعر التام أو الأديب الكامل الأداء؛ وكم من مرة كلمته في ذلك ونبهته إلى أنه كالنمط الواحد، وأنه يجب أن يترسل شعره بين النفوس الإنسانية وأغراضها الكثيرة المختلفة، فإذا كانت السياسة من الحياة فليست الحياة هي السياسة، ولا ينبغي أن يكون شعره كله كشمس الصيف، فإن للربيع شمسًا أجمل منها وأحب كأنها مجتمعة من أزهاره وعطره ونسيمه.
ولقد كان يفخر بأنه "الشاعر الاجتماعي"، وهذا لقب ميزه به صديقنا الأستاذ محمد كرد علي أيام كان في مصر قديمًا، فتعلق به حافظ ورآه تعبيرًا صحيحًا لما في نفسه وللملكة التي اختص بها، قال لي يومًا في سنة ١٩٠٣: أنا لا أعد شاعرًا إلا من كان ينظم في الاجتماعيات، فقلت له: وما لك لا تقول بالعبارة المكشوفة: إنك لا تعد الشاعر إلا من ينظم مقالات الجرائد..
ولا بد لي أن أبسط هذا المعنى في هذا الفصل، فإنه كان يخيل إلي دائمًا أن شاعرنا "حافظ" خلق للتاريخ في أصل طبيعته، ثم زيدت فيه موهبة الشعر؛ ليكون مؤرخًا حي الوصف بليغ التأثير قوي التصرف؛ ومن ثم جاء أكثر ما نظمه وأساسه التاريخ والسياسة، وصح له بهذا الاعتبار أن يقول إنه الشاعر الاجتماعي، ولكن مادة الشعر غير روح الشعر، فإذا كان في المادة اجتماعي وسياسي فليس في الروح إلا الشاعر على إطلاقه؛ والاجتماعيات ليست كل حقائق الحياة، وهي بعد ذلك معانٍ خاصة محصورة في زمنها ومكانها؛ على أن الحقائق ليست هي الشعر، وإنما الشعر تصويرها والإحساس بها في شكل حي تلبسه الحقيقة في النفس، فالشاعر الاجتماعي شاعر في حيز محدود من وجوه الشعر ومذاهبه، وإذا كان الاجتماع كل شعره فلا يسمى شعره فنًّا؛ إذ كان الفن إنسانيًّا وكان شاملًا عامًّا والمقاييس التي يطرد عليها الفن الأدبي لا تكون في الزمن ولا في الموضع، بل في النفس الإنسانية التي لا
стр. 882
تخص بوقت ولا مكان، فإذا لم يكن الشعر إنسانيًّا عامًّا يولد ك لجيل من الناس فيجده كأنما وضع له وارتهن بأغراضه وحقائقه، فهو شعر "كالأخبار المحلية"، وهذا وجه الشبه بينه وبين ما أشرت إليه آنفًا من نظم مقالات الجرائد.
فمقالات الجرائد هذه لا تأتينا بالأشياء التي نحن منها في الإنسانية والطبيعة والجمال وحقائق الحياة والموت، بل التي يكون منها يومنا المرقوم بأنه يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا.. فإذا مات اليوم ماتت الجريدة، ثم تولد ثم تموت، وقد أدرك المتنبي سر الشعر وأنه قائم على تحويل الشعور الإنساني إلى معرفة إنسانية، فخلد شعره، فلا يمكن أن يمحى من العربية ما بقيت. وهذا على ما يقدح من وجوه الاعتراض والنقص، وعلى أن المتنبي كان ضعيفًا في ناحية الجمال والحب ضعفًا ظاهرًا كضعف شاعرنا حافظ في هذا المعنى، ولكن حكمته الإنسانية ودقة أوصافه وإقامته الفضائل والرذائل في كمالها الفني مقام تماثيل بارعة من الجمال، كل ذلك ترك شعره مستمرًّا باستمرار الحياة وباستمرار الإنسانية وباستمرار الذوق.
إن هذا الكون مبني في نفسه مما يعلم العلم تركيبه ولا يعلم سر تركيبه إلا الله وحده، ولكنه مبني في أنفسنا من عمل الحواس، ثم من التعليل والتفسير؛ أما الحواس ففي كل حي، لا تخلق بصناعة ولا عمل؛ وأما التعليل والتفسير فهما من صناعة الشاعر والأديب، فكلاهما يخلق لإتمام الخلق في الحقيقة، وهي منزلة لا أدري كيف يمكن أن تمسخ حتى تقتصر على معنى الشاعر الاجتماعي أو السياسي، فترجع به نمطًا واحدًا، مع أن الآثار الأدبية وفي جملتها الشعر -إن هي إلا قوى الفكرة وإلهام النفس وبصيرة الروح مسجلة كلها في بواعثها وأسبابها من نفس عالية ممتازة؛ وهذه القوى كثيرة التحول، فيجب ضرورة أن تكون آثارها كثيرة التنوع، وتنوع الصور الفكرية في آثار الشاعر أو الأديب ومجيئها متوافرة متتابعة هو معيار أدبه وقياس نبوغه عاليًا أو نازلًا، ومتبعًا أو مبتكرًا، وفيما يضيء من نواحيه وما ينطفئ.
على أن شاعرنا الاجتماعي "كما كان يجب أن يوصف ﵀ وإن كان قد نفخ في روح الشعب أنفاسه إلهية، وأحسن في وصف حوادثه وآلامه وعيوبه، وأبلغ البيان في كل ذلك- فإنه نزل في هذه المرتبة عن وضعه الصحيح، فكان في منزلته بمكان الشرطي في الطريق: يقف للجرائم والحوادث، على حين أن مقامه الاجتماعي من الشعب مقام المعلم في مدرسته: يجلس للطباع والأخلاق، ليس الشأن أن تجد في شعر الشاعر حوادث عصره أكثرها أو أقلها، فإن فوق هذه منزلة أعلى منها، وهي أن توجد حوادث
стр. 883
النهضة بشعر الشاعر، وأن يكون في شعره العنصر الناري من اللغة الشعبية.
على أن "حافظ" ﵀ أدرك كل هذا في آخر عهده، فكان يريد أن يميت ديوانه ويستخرج منه جزءًا صغيرًا يختار فيه ألف بيت ويسقط ما عداها وإن ... وإن كان فيه شعر اجتماعي ... ومع هذا النقص الذي بعثت عليه طبيعة الزمن وطبيعة الشاعر معًا، فإن تمام حافظ في مذهبه الاجتماعي الذي نبغ فيه جاء من وراء القوة وفوق الطاقة، لا يجاريه فيه شاعر آخر، بحيث دل على أن النابغة قدر إلهي لا ينقص من عظمته أن يكون حادثة واحدة تدوي دويها في الدنيا، فهو ميسر منذ نشأته لما خلق له من ذلك، فأحكمته المدرسة الحربية، ثم قيده الجيش، ثم تقاذفه السودان، ثم قذف به الظلم، ثم تولاه إمام عصره الشيخ محمد عبده، وهو كذلك في غاياته الوعرة ومقاصده العمرانية ومعاناته لإصلاح- مدرسة حربية وجيش وفلاة، فلم يكن حافظ إلا الصوت الإنساني الذي أعد بخصائصه للتعبير عن حوادث أمته وخصائصها، وكأنه في نقلته من السودان إلى مصر قد انتقل من جيش يحارب الأقوام الأعداء لأمته، إلى جيش آخر يحارب المعاني الأعداء لأمته.
ولد حافظ إبراهيم سنة١٨٧١، وكان الكتاب الأول الذي هداه إلى سر الأدب العربي وأرهف ذوقه وأحكم طبيعته، هو كتاب "الوسيلة الأدبية" للشيخ حسين المرصفي، المطبوع في مصر لخمس وخمسين سنة؛ ففي هذا الكتاب قرأ حافظ خلاصة مختارة محققة من فنون الأدب العربي في عصوره المختلفة ودرس ذوق البلاغة في أسمى ما يبلغ بها الذوق، ووقف على أسرار تركيبها، وعرف منه الطريقة التي نبغ بها البارودي، وهي قراءته دواوين فحول الشعراء من العرب ومن بعدهم، وحفظه الكثير منها؛ فبنى شاعرنا من يومئذ قريحته على الحفظ، ولم يزل يحفظ إلى آخر عمره؛ إذ كانت قريحته كآلة التصوير: لا تنبه لشيء إلا علقته وهذا سبب من أسباب ضعف خياله، ولكنه رد عليه من القوة في اللغة ما تناهى فيه إلى الغاية.
واتفق لذلك العهد أن طبعت لزوميات المعري في مصر، فتناولها حافظ واستظهر أكثرها، فكانت باعث ميله ونزعته إلى الشعر الاجتماعي؛ والفرق بين حافظ وبين المعري في الموهبة الفلسفية هو الذي نفذ بالمعري إلى أسرار كثيرة ووقف بحافظ عند الظاهر وما حوله، يطير هناك ويقع.
وقد كان صاحبنا ضعيف من هذه الناحية، فاستصعبت عليه أسرار واستغلقت أخرى من أسرار الخير والشر في الحياة، والجمال والحسن في الخليقة، والجلال
стр. 884
والإبداع في الكون، والإقرار والشك في كل ذلك؛ وقد بلغ المعري من هذا مبلغًا لا بأس به، إلا أنه لم يصف كما تصفي الأشياء في عين مبصرة؛ فخبط وخلط؛ ووضع من أغراض نفسه المريضة على الصحيح والمريض جميعًا. وتابعه حافظ في طريقة أخرى سنشير إليها بعد.
وفتن شاعرنا بما قرأ في "الوسيلة" من شعر البارودي، فأصبح من يومئذ تلميذه، وسار على نهجه في قوة اللفظ وجزالة السبك ومتانة الصنعة وجودة التأليف على نغم الألفاظ وأجراس الحروف، ولكنه لم يدرك شأو البارودي في ذلك؛ لأن هذا جمع من دواوين الشعراء وكتب الأدب ما لم يتفق لغيره في عصره، وأدخل في شعره أحسن ما صنعت الدنيا في ألف سنة من تاريخ البلاغة العربية؛ ولذا انتقل عنه حافظ إلى طريقة مسلم بن الوليد في التصنيع ولزمها إلى آخر مدته.
وابتدأ يعالج الشعر في السودان وينظم في جنس ما هو بسبيله من وصف الهم المستولي عليه من جميع جهاته؛ إذ كان يتيمًا فقيرًا مشردًا، ويرى نفسه شاعرًا تصده الحياة عن منزلة الشاعر وعن أمكنة الشعر، كالذي غصب ميراثه من عرش وملك، ونفي إلى غير أرضه، ووضعت روحه بإزاء روح الفقر وقيل لها: عدو ما من صداقته بد.
ثم جاء إلى مصر واتصل بالإمام الشيخ محمد عبده، واستقال من الجيش وفرغ للأدب؛ فبدأ من ثم تكوينه الأدبي المندمج المحكم، أما قبل ذلك إلى سنة ١٩٠١ التي طبع فيها الجزء الأول من ديوانه، فكان شعره قليلًا ظاهر التكلف، وأكثره يدل على طريقة مضطربة لم تستحكم، وفكر لم ينضج، وموهبة في التوليد الشعري بينها وبين الاستقلال أمد قريب.
ودرس في مدرسة الشيخ محمد عبده من سنة ١٨٩٩ إلى سنة ١٩٠٥، وهذا الإمام ﵀ كان من كل نواحيه رجلًا فذًّا، وكأنه نبي تأخر عن زمنه؛ فأُعطي الشريعة، ولكن في عزيمته، ووُهب الوحي ولكن في عقله، واتصل بالسر القدسي ولكن من قلبه؛ ولولا هو ولولا أنه بهذه الخصائص، لكان حافظ شاعرًا من الطبقة الثانية، فإنه من الشيخ وحده كانت له هذه القوة التي جعلته يصيب الإلهام من كل عظيم يعرفه، وكان له من أثرها هذا الشعر المتين في وصف العظماء والعظائم وهو أحسن شعره.
ولم يجد حافظ من قومه ما يجعله لسانهم حتى تنطقه بالوحي نفسيتهم التاريخية الكبرى، ولا تولاه ملك أو أمير يرغب في أدبه رغبة أديب ملك، أو
стр. 885
أديب أمير، ليظهر منه عبقرية جديدة في التاريخ؛ ولا عرف الحب الذي يجعل للشاعر من سحر الحبيب ما يجمع النفسية التاريخية والملكية معًا ويزيد عليهما؛ وهذه الثلاثة التي لم تتفق لحافظ، هي التي لا ينبغ الشاعر نبوغًا يفرده ويميزه إلا بواحد منها أو باثنين أو بها كلها؛ غير أن "حافظ" وجد في الإمام ما هو أسمى من كل هؤلاء في النفس والجاذبية، وعرف فيه من ذوق الأدب والبلاغة ما لم يعرف شاعر في ملك ولا أمير؛ وقد حضر درسه في المنطق وأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، وخرج منها بذوقه الدقيق وأسلوبه المتمكن، وحضر مجالسه وخرج منها بمواضيعه الاجتماعية وأغراضه الوثابة، وحضر نظرات عينيه وخرج منها بروحانية قوية هي التي تنضرم في شعره إلى الأبد، فحافظ إحدى حسنات الشيخ على العالم العربي، وهو خطة من خططه في عمله للإصلاح الشرقي الإسلامي والنهضة المصرية الوطنية وإحياء العربية وآدابها؛ وإذا ذكرت حسنات الشيخ أو عدت للتاريخ، وجب أن يقال: أصلح وفعل وفعل وفسر القرآن وأنشأ حافظ إبراهيم ...
ومضى شاعرنا موجَّهًا بفكرة الإمام وروحه، واستمر في ذلك بعد موت الشيخ كما يستمر النهر إذا احتفر مجراه: لا يستطيع أن يخرج عنه ما دام يجري إلى مقارِّه.
وكان حافظ في بديعه وصناعته على مذهب مسلم بن الوليد كما قلنا، وهو مثله إبطاء في عمل الشعر، وتلومًا على حوكه، وانفرادًا بكل لفظة منه، وتقليبًا للنظر فيما بين الكلمة والكلمة، واعتبار كل بيت كالعروس: لها معرض وحلية وزينة؛ فإذا عمل شعرًا انبث خواطره في كل وجه، وذهب وراء الألفاظ والمعاني، وترك هاجسه "العقل الباطن"١ يعمل عمله فيما التوى عليه أو استصعب، وهو واثق أنه سينقاد ويتسهل بقوة إن لم تكن فيه الآن فستكون فيه؛ ثم ينظم ما يتسمح إن جاء في موضعه من القصيدة أو في غير موضعه، فلا يتبع فيها نسقًا بعينه، وإنما القصيدة عنده كل سيجتمع من بعد، تتهيأ أجزاؤه متسقة ومبعثرة كما يجيء بها الإلهام وأسباب الاتفاق؛ فالقصيدة أولًا في أبياتها، ثم تكون أبياتها فيها، أي ثم ترتب الأبيات وتنزل في منازلها، ولا ينظم إلا متغنيًا، يروض الشعر بذلك؛ لأن النفس تتفتح للموسيقى فتسمح وتنقاد، وهو يتبع في ذلك طريقة
стр. 886
معروفة ذكرها ابن حجة الحموي في كتابه "خزانة الأدب"، وهي من وصية أبي تمام البحتري، وكان المتنبي يعمل عليها؛ وبالجملة فإن "حافظ" يرتهن فكره بالقصيدة التي ينظمها ويتوفر عليها وعلى أسبابها، لا كما يفرغ الشاعر للشعر، ولكن كما يتوفر المؤلف العظيم على كتاب يؤلفه، وهو كذلك يبطئ في نثره أكثر مما يبطئ في الشعر، دلني بنفسه ﵀ على صفحة في الجزء الثاني من ترجمة البؤساء، وقال: إنه ترجمها بخمسة عشر يومًا*.
وحضرته مرة يترجم أسطرًا من الجزء الأول "في قهوة الشيشة" يخطها في دفتر صغير دون حجم الكف، فاجتمعت له ثلاثة أسطر في ثلاث ساعات، وهذا لا يعيبه ما دام يريد قسط الفن، وما دام يحاول أن يخرج الكلمات من عالمها إلى عالمه هو المتموج من الألفاظ والعبارات بمثل الكواكب في الاستواء والجاذبية والشعاع والرونق والجمال.
ويرى مع الصناعة أن يكون سبك شعره سبك البدوي المطبوع: جزلًا سهلًا مشرقًا ممتلئًا متعادل الأجزاء والتقاسيم، يرن رنينًا كأنما قذفت به سليقة أعرابي فصيح، تحت ضوء كواكب البادية، على برد الرمل، في نسمات الليل، حين تمتلئ تلك النفس البدوية بحنين الحب، أو شوق الجمال، أو عظمة القوة؛ وهذا هو الأصل الذي اتبعه، وقفني عليه هو بنفسه في سنة١٩٠٢، وقرظني به في الجزء الأول من ديواني فقال:
أنت والله كاتب حضريُّ ... إن عددناك شاعرًا بدويَّا
ولو أنك أجريت شعر حافظ في أبلغ ما قاله المطبوعون من الأعراب وشعراء القرن الأول، لالتأم به وزاد عليه في الصناعة وبعض المعنى؛ وقل أن تجد في شعره كلمة ينبو بها مكانها، إلا ألفاظًا قليلة كان يستكرهها، يحسب أنه يستطرف منها ويرى في غرابتها جديدًا؛ وهذا من خطأ رأيه في الأسلوب؛ لأنه مع بلاغته كان ينقصه أن يكون فيلسوفًا في البلاغة، وأنا أرى أنه لو تمت له الموهبة الفلسفية لما جاراه شاعر آخر، ولكن الكمال عزيز في البشرية؛ وقد عرفت رأيه في الأسلوب في سنة ١٩٠٦، إذ نشرت له مجلة الأقلام التي كان يصدرها صاحبنا الأديب جورج طنوس كلمات كان يريد أن يضمنها كتابه "ليالي سطيح"، أظهر فيها
стр. 887
رأيه في الشعراء، فقال في إسماعيل صبري: يقول الشعر لنفسه لا للناس، وفي شوقي: أرق الشعراء، طبعًا وأسماهم خيالًا وفي مطران: أسرعهم بديهة وأقدرهم ابتكارًا. وقال فيَّ -ولم يكن مضى علي إلا ست سنين في طلب الأدب: مكثار راقي الخيال بعيد الشوط في ميادين الأدب، غير ناضج الأسلوب. فلما اجتمعت به فاتحته في ذلك وسألته رأيه في الأسلوب الناضج، فلم أر عنده طائلًا، وكل ما قاله في ذلك: أن الشيخ عبد القاهر الجرجاني قرر أن البلاغة ليست في اللفظ ولا في المعنى، ولكنها في الأسلوب. وعبد القاهر لم يقل هذا ولا قاله غيره، فإن الأسلوب عنده "طريقة مخصوصة في نسق الألفاظ بعضها على بعض لترتيب المعاني في النفس وتنزيلها"، و"أن المنزلة من حيز المعاني دون الألفاظ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك وتستعين بفكرك".
وقد قررت أن للألفاظ ما يشبه الألوان، فليست كلها زرقاء ولا صفراء ولا حمراء، ورب لفظة رقيقة تقع ضعيفة في موضع فيكون ضعفها في موضعها ذاك هو كل بلاغتها وقوتها، كفترة السكوت بين أنغام الموسيقى: هي في نفسها صمت لا قيمة له: ولكنها في موضعها بين الأنغام نغم آخر ذو تأثير بسكونه لا برنينه؛ وهذا من روح الفن في الأسلوب.
وأدرك شاعرنا من يومئذ ما سميته "قوة الضعف"، ولعل هذا هو السبب في أن طبعه رجع يعدل به إلى التسهيل، حتى أنه لتقع في شعره أبيات متهافتة فيأتي بها ولا ينكرها؛ ولقيني مرة فأنشدني قول الشاعر:
نا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا
وجعل يعجني من بلاغة قوله "لم أرزق" وأنها مع ذلك ضعيفة مبتذلة تجري في منطق كل عامي، قلت: ولكن "محبتها" جعلتها كمحبتها ...
وضعف الموهبة الفلسفية في حافظ عوضه ناحية أخرى من أقوى القوة في الشعر، وهي اهتداؤه إلى حقيقة الغرض الذي ينظم فيه، وتركه الحواشي والزيادات، وانصراف قواه إلى دقة الوصف حين يصف، وتعويله على إحساسه أكثر من تعويله على فكره؛ فزاد ذلك في رونق شعره ومائة، ونحا به منحى المطبوعين، فخرج يتدفق سلاسة وحلاوة، ممتلئًا من صواب المعنى وبلاغة الأداء وقوة التأثير؛ وبهذا نبغ في الرثاء ووصف الفجائع نبوغًا انفرد به، حتى لأحسب أن
стр. 888
هناك روحًا يمده في هذه المواقف، وأن الحقيقة تتبرج له في هذه العظائم خاصة ليرى منها ما لا يراه غيره؛ وهو يتحدّ بالعظيم الذي يرثيه فيجيد فيمن يعرفه إجادة منقطعة النظير، تتبين الفرق بينها وبين شعره فيمن لا يعرفه تلك المعرفة؛ وأحسبه يسأل روح العظيم الذي يصفه أو يرثيه: أين المعنى الذي فيه حقيقتك؟ وأين الحقيقة التي فيها معناك؟
والفلسفة الشعرية كلها أن يحل في الشاعر الملهم ذلك السر الجميل الجاذب والمنجذب معًا، المستقر والمتحول جميعًا، الباطن والظاهر في وقت؛ فيكتنه الشاعر ما لا يدركه غيره، فيقف على الجمال والحسن والرقة، ويلهم الحكمة والبصيرة ويتناول الأغراض بالتحليل والتركيب، ويؤتى التعبير عن كل ذلك في طريقة خاصة به هي أسلوبه، وهذا لم يتفق على أتمه وأحسنه في حافظ، فقصر به في توليد المعاني المبتكرة، ونزل به في الغزل ووصف الجمال؛ بيد أنه اتفق له مثل هذا الجلال بعينه في "الجانب المتألم من شعره"، أي الرثاء والشكوى ووصف الفجيعة، ولو ذهبت تستعرض المراثي في الشعر العربي، ومثلت بينها وبين رثاء حافظ للعظماء الذين خالطهم، كالأستاذ الإمام، والبارودي، ومصطفى كامل، وثروت، لراعك أنك واجد للشعراء ما هو أسمى من معانيه وأقوى من خياله، ولكنك لا تجد البتة ما هو أفخر وأدق مما جاء به في هذا الباب، كأنه منفرد في العربية بهذه الخاصة.
وهذا المعري يقول:
ولولا قولك الخلاق ربي ... لكان لنا بطلعتك افتتان
ويقول في شعر آخر:
أسهب في وصفه علاك لنا ... حتى خشينا النفوس تعبدها
وهذان البيتان تراهما صعلوكين إذا قستهما بقول حافظ في رثاء الشيخ محمد عبده:
فلا تنصبوا للناس تمثال "عبده" ... وإن كان ذكرى حكمة وثبات
فإني لأخشى أن يضلوا فيومئوا ... إلى نور هذا الوجه بالسجدات
مع أن معنى حافظ مأخوذ منهما، ولكن انظر كيف جاء به؟ ويقول المعري في رثاء أبيه:
ولو حفروا في درة ما رضيتها ... لجسمك إبقاء عليك من الدفن
стр. 889
ويقول في رثاء غيره:
واخْبُوَاه الأكفان من ورق المصـ ... ـحف كبرًا عن أنفس الأبرار
وهذان أيضًا كالصعاليك عند قول حافظ في البارودي:
لو أنصفوا أودعوه جوف لؤلؤة ... من كنز حكمته لا جوف أخدود
وكفنوه بدرج من صحيفته ... أو واضح من قميص الصبح مقدود
مع أن "حافظ" ألمَّ بقول المعري. ومن بديع ما اتفق له في قصيدة "الأمتان تتصافحان" قوله يصف السوريين:
رادوا المناهل في الدنيا ولو وجدوا ... إلى المجرة ركبًا صاعدًا ركبوا
أو قيل في الشمس للراجين منتجع ... مدوا لها سببًا في الجو وانتدبوا
فاقرأ هذين وأقرأ بعدهما قول المتنبي في سيف الدولة:
وصول إلى المستصعبات بخيله ... فلو كان قرن الشمس ماء لأوردا
فإنك تجد بيت المتنبي صعلوكًا على بيتي حافظ، مع أنه المبتدع السابق.
وأعجب ما عجبت له هذا البيت من شعر صاحبنا في مقطوعة يخاطب بها الأمريكان، نشرها في المقطم من ثلاث سنوات أو نحوها، قال:
وتخذتم موج الأثير بريدا ... حين خلتم أن البروق كسالى
واتفق يومئذ أن كنت جالسًا في زيارة الصديق الأستاذ فؤاد صروف محرر المقتطف، فجاء حافظ، فلم يكد يصافحني حتى قال: كيف ترى هذا البيت: وتخذتم موج الأثير بريدا ... الخ؟ فأثنيت عليه الذي يهوى، وهنأته بهذا المعنى، وأظهرت له ما شاء من الإعجاب، ولكني أضمرت عجبي من حسن ما اتفق له فإن الجمال الشعري في البيت إنما هو في استعارة الكسل للبروق، وهذا بعينه من قول ابن نباتة السعدي في سيف الدولة:
وما تمهل يومًا في ندى وردًى ... إلا قضيت للمح البرق بالكسل
غير أن "حافظ" نقل المعنى إلى حقه، ومكن له أحسن تمكين في صدر كلامه، وأتم جماله في قوله "حين خلتم"، فاقتطع المعنى وانفرد به، وعاد معنى السعدي كالصعلوك على باب بيته؛ وكانت هذه المقابلة في المقتطف آخر عهدي بحافظ، فلم أره من بعدها؛ ﵀!
وما مر بك إنما كان من صناعة الشعر في غير الجزء الأول من ديوانه بعد
стр. 890
أن استفحل وتخرج في مدرسة الإمام، أما في الجزء الأول فله هو صعاليك ... كقوله في الخمر:
خمرة قيل إنهم عصروها ... من خدود الملاح في يوم عرس
فهذا البيت صعلوك عند قول ابن الجهم:
مشعشعة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
وقول حافظ: "عصروها في خدود الملاح" كلام من لم ينضج في البيان ولا الذوق، لا يكاد يتوهم معه إلا أن في خدود الملاح "خراجات" عصرت ...
وعلى ضد هذا قول ابن الجهم: "تناولها من خده"، فهي كلمة أكثر نعومة من ذلك الخد وأجمل نضرة.
وقول حافظ في مدح الخديو:
يا من تنافس في أوصافه كلمي ... تنافس العرب الأمجاد في النسب
فهو صعلوك على بيت أبي تمام:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل
ولا نطيل الاستقصاء، فإنما نريد التمثيل حسب.
وكان الشاعر أول نشأته يأخذ في طريقة المعري الذي عمي عن الطبيعة فجعل يخلقها من فكره ومحفوظه بمبالغات كاذبة يغرق فيها يحسب أنه بذلك يعظم الحقائق فتخرج له الأخيلة الكبيرة، وما يدري أنه بهذا الغلو لا يجيء إلا بالأباطيل الكبيرة ... ولكن حافظ في مزاجه وتركيبه ونشأته كان رجلًا مبنيًا على الوضوح والقصد. فلم يفلح في طريقة المعري؛ ووضوحه كذلك باعده من الفلسفة وإبهامها، ومن الطبيعة وألغازها، ومن الغزل ووساوسه؛ وهو الذي أداه إلى الشغف بالحقيقة واستخلاصها في كل أغراضه التي أجاد فيها؛ ومن ثم خلا شعره أو كأنه خلا ... من أوصاف الطبيعة في جمالها بلغة الفكرة المتأمل، ومن أوصاف الجمال في سحره بلغة القلب العاشق.
وأنت فلا تحسبن الشاعر يجيد في الغزل والنسيب من أنه شاعر يحسن الصنعة ويجيد الأسلوب، فيكون غرض من الشعر سبيلًا إلى غرض، وفن عونًا على فن، وتكون رقة الألفاظ وهلهلة النسج، وقلبي، وكبدي، ويا ليلة ويا قمرًا،
стр. 891
ويا غزالًا ... وأشباه ذلك- غزلًا ونسيبًا؛ كلا ثم كلا، والثالثة كلا أيضًا....
إن الغزل وأوصاف الجمال موهبة في الشاعر أو الكاتب تسخر لها قوى هي أشبه في معجزاتها بما سخر لسليمان من قوى الجن والريح، غير أنها قوى آلام ولذات ووساوس؛ تلك عظمة في بعض النفوس الشاعرة كعظمة الملوك والأبطال، غير أنها لا تكمل إلا خائبة أو مغلوبة، فإذا انتصرت سقطت فلا بد لها من تاريخ وحوادث ومزاج عصبي يهيئ لها بروحانية شديدة الحس شديدة الفورة ثائرة أبدًا لا تهدأ إلا على توليد معنى بديع في جمال من تحبه أو كجماله؛ ثم إذا هدأت بذلك أثارها أنها هدأت، فتعود إلى التوليد، فلا تزال تبتدع وتصف كأنها آلة تعبير تدور بقلب وعصب؛ هناك قوتان: إحداهما توتي الحب كما يصلح غرامًا وعشقًا، والأخرى فوق هذه تؤتي الحب كما يصلح فكرًا وتعبيرًا؛ والأولى تجعل صاحبها عاشقًا يحب ويدرك ليس غير، والثانية تجعله محبًا عمله أن ينقل من لغة ما في نفسه إلى ما حوله، ومن لغة ما حوله إلى ما في نفسه؛ فهو مترجم النفس إلى الطبيعة، ومترجم الطبيعة إلى النفس؛ والذي أعرفه أن "حافظ" لم يرزق لا هذه ولا تلك، فلا طبيعة فيه للغزل وفلسفة الجمال؛ ثم إن التاريخ حصره في "الشاعر الاجتماعي" الذي اختار أن يمتاز به، فهو في أكثر شعره كان ليس فيه شخص، بل فيه شعب مأسور غفل عن الجمال وعن الطبيعة وعن النشوة بهما؛ إذ يعيش في معاناة الحرية لا في التأمل الجميل، وفي أسباب القوة لا في أسباب الرقة، ويريد أن يعمل؛ ليوجد حقيقته قبل أن يعمل؛ ليبدع خياله.
ومع ذلك فقد جاء في ديوان حافظ غزل قليل كان كله متابعة وتقليدًا في فن يحسن التقليد إلا فيه خاصة؛ عمل صدرًا لقصيدة مدح بها الخديو مطلعها:
كم تحت أذيال الظلام متيم ... دامي الفؤاد وليله لا يعلم
وقلد ابن أبي ربيعة في حكاية حب لفقها تلفيقًا ظاهرًا، ثم زعم أن الحبيبة قالت له في آخرها:
فاذهب بسحرك قد عرفتك واقتصد ... فيما تزيَّن للحسان وتوهم
وكلمة صاحبة ابن أبي ربيعة:
أهذا سحرك النسوان ... قد عرفتني الخبرا
أهذا سحرك النسوان؟ ... هذه كلمة لا تخرج إلا من فم حبيبته آية في الظرف، وفيها تجاهلها وعرفانها وابتسامها وإشراق وجنتيها، وأكاد والله أرى فيها
стр. 892
تلك الجميلة وهي تدق بيدها على صدرها دقة الاستفهام المتدلل المتظاهر بالدهشة؛ ليتنهد فيه الكلام والمتكلم معًا، أما قول حبيبة حافظ الخشبية، أو الحجرية ... اذهب ... قد عرفتك واقتصد ... فهذا خليق أن يكون من فم قاضٍ وهو ينصح المتهم بعد الأمر بالإفراج عنه ... أو مأمور قسم عند ضبط الحادثة!
أكبر ظني أن روح حافظ نفسه هي التي أوحت إلى الآن هذه "النكتة"، فإنه ﵀ كان آية في الباب، وله من النوادر محفوظة ومخترعة ما لا يلحق فيه؛ ولو كان كاتبًا على قدر ما كان شاعرًا، وزاول النقد واستظهر للكتابة فيه بتلك الملكة المبدعة في التندر والتهكم، مع ما أوتي من القوة في اللغة والبيان -لكانت النعمة قد تمت به على الأدب العربي، ولقلنا في شعره وكتابته وأدبه ما قال هو في الأستاذ الإمام:
فأطلعت نورًا من ثلاث جهات
وما دمنا قد ذكرنا النقد فمن الوفاء للتاريخ الأدبي أن نذكر مذهب شاعرنا فيه: فلم يكن عنده منه إلا ذوق الكلام، وإدراك النفرة والنبوة في الحرف، والغلظ والجسأة في اللفظ، والضعف والتهافت في التركيب، ثم ما يجيش في الخاطر أو يتلجلج في الفكر من ذوق المعنى وإدراك كنهه والنفاذ إلى آثار النفس الحية فيه؛ فكأن النقد هو الحس بالكلام كما تلمس الحار والبارد وما بينهما؛ ووصف لي مرة إسماعيل صبري باشا وأراد أن يبالغ في دقة تمييزه وحسن بصره بالشعر وإدراكه دقائق المعاني، فقال: "ذواق يا مصطفى" ولم يزد.
ومذهب الحس بالكلام هذا وإن صلح أن يكون من بعض معاني النقد، فلا يتهيأ أن يكون هو النقد بمعناه الفلسفي أو الأدبي، وهو في جملة أمره كقولك حسن حسن؛ وردي رديء، أما كيف كان حسنًا أو رديئًا، وبماذا ولماذا، فذلك ما لا سبيل إليه من مذهب "ذواق" ... ولا وسيلة له إلا العلم المستفيض، والاطلاع الواسع، والحس المرهف، والقدرة المتمكنة، مضافة كلها إلى الأدب البارع وفلسفته الدقيقة؛ ولا نعرف لحافظ كتابة في النقد البتة، وقد كان حاول شيئًا من هذا في مقدمة كتابه "ليالي سطيح"، فتناول بعض خصومه بكلمات رأى هو أن يمحوها بعد أن طبعت الكراسة الأولى، فأسقطها وأعاد كتابة المقدمة وطبعها مرة ثانية، وكانت عندي النسخة التي محاها، وهذا ما لا أظن أحدًا يعرفه الآن؛ رحم الله شاعرًا كان أصفى من الغمام، وكان شعره كأنه البرق والرعد ...
стр. 893
كلمات ١ عن حافظ *
ذهبت بقلبي إلى كل مكان فوجدت أمكنة الأشياء ولم أجد مكان قلبي؛ أيها القلب المسكين، أين أذهب بك؟
هذا ما أجبت به "حافظ" حين سألني مرة: ما لك لا ترضى ولا تهدأ ولا تستقر؟ وكان يخيل إلي أنه هو راضٍ مستقر هادئ، كأنما قضى من الحياة نهمته ولم يبق في نفسه ما تقول نفسه ليست ذلك لي!. وكنت أعجب لهذا الخلق فيه ولا أدري ما تعليله إلا أن يكون قد خلق مطبوعًا بطابع اليتم فلم يعرف منذ أدرك إلا أنه ابن القدر؛ تأتيه الأفراح والأحزان من يد واحدة مقبلة كما تنال الصبي ألطاف أبيه ولطمات أبيه ...
وقد قلت له مرة: كأنك يا حافظ تنام بلا أحلام! فضحك وقال: أو كأنني أحلم بغير نوم ...
ولقد عرفته منذ سنة ١٩٠٠ إلى أن لحق بربه في سنة ١٩٣٢، فما كنت أراه على كل أحواله إلا كاليتيم: محكومًا بروح القبر، وفي القبر أوله؛ ولما أزمع السفر إلى اليونان قلت له: ألا تخشى أن تموت هناك فتموت يونانيًا ... فقال: أو تراني لم أمت بعد في مصر؟ ... إن الذي بقي هين!
ومن عجائب هذا اليتيم الحزين أنه كان قوي الملكة في فن الضحك، كأن القدر عوضه به؛ ليوجده في الناس عطف الآباء ومحبة الإخوة. ولم يخل مع فقره من ذريعة قوية إلى الجاه، ووسيلة مؤكدة إلى ما هو خير من الغنى؛ فكانت أسبابه إلى الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ثم حشمت باشا، ثم سعد باشا زغلول؛ وهذا نظام عجيب في زمن "حافظ" يقابل الاختلال العجيب في نفس حافظ؛ فالرجل
стр. 894
كالسفينة المتكفئة: تميل بها موجة وتعدلها موجة، وهي بهذه وبهذه تمر وتسير.
وأولئك الرؤساء العظماء الذين جعلهم القدر نظامًا في زمن حافظ، كانوا من أفقر الناس إلى الفكاهة والنادرة، فكان لهم كالثروة في هذا الباب، ووقع إصلاحًا في عيشهم وكانوا إصلاحًا في عيشه؛ ولو أن الأقدار تشبه بالمدارس المختلفة، لقلنا إن "حافظ" تخرج منها في مدرسة التجارة العليا ... فهو كان أبرع من يتاجر بالنادرة.
وهذه النوادر كأنها هي أيضًا صنعت "حافظ" في شكل نادرة؛ فكان فقيرًا، ومع هذا كان للمال عنده متمم، هو إنفاقه وإخراجه من يده؛ وكان يتيمًا، ولكنه دائمًا متودد؛ وكان حزينًا، ولكنه أنيس الطلعة؛ وكان يائسًا، ولكنه سليم الصدر، وكان في ضيق، ولكنه واسع الخلق؛ وتمام النادرة فيه أنه كان طوال عمره متبسطًا مهتزًا كأن له زمنًا وحده غير زمن الناس، فتتراكم عليه الهموم وهو مستنيم إلى الراحة، ويعتريه من الجوع مثل مكسلة الشبع ويسترسل إلى البطالة وكأنه مشمر للجد، ويستمكن الحزن منه في ساعة فيتهدد حزنه بالساعة التالية ...
رأيته في أحد أيام بؤسه الأولى قبل أن يتصل عيشه، وكان يعد قروشًا في يده، فقلت: ما هذه القروش؟
قال: كنت أقامر الساعة فأضعت ثلاثين قرشًا ولم يبق لي غير هذه القروش الملعونة، فهلم نتعشَّ. ودخل إلى مطعم كان وراء حديقة الأزبكية، فزعمت له أني تعشيت ... فأكل هو ودفع ثمن طعامه ثلاثة قروش؛ وكنت أطالع في وجهه وهو يأكل، فما أتذكره الآن إلا كما طالعته بعد عشرين سنة من ذلك التاريخ حين دعاني "حافظ" إلى مطعم بار اللواء وقد فاضت أنامله ذهبًا وفضة، وكان ﵀ قد أصدر الجزء الثاني من "البؤساء" ورآني في القاهرة فأمسك بي حتى قرأت معه الكتاب كله فيما بين الظهر والمغرب، وركبنا في الأصيل عربة وخرجنا نتنزه، أي خرجنا نقرأ ...
وكان على وجه "حافظ" لون من الرضى لا يتغير في بؤس ولا نعيم، كبياض الأبيض وسواد الأسود؛ وهذا من عجائب الرجل الذي كان في ذات نفسه فنًّا من الفوضى الإنسانية، حتى لكأنه حلم شعري بدأ من أبويه ثم انقطع وترك لتتممه الطبيعة!
ومن نظر إلى "حافظ" على اعتبار أنه فن من الفوضى الإنسانية رآه جميلًا جمال الأشياء الطبيعية لا جمال الناس؛ ففيه من الصحراء والجبال والصخور والغياض والبرق والرعد وأشباهها؛ وكنت أنا أراه بهذه العين فأستجمله، ويبدو لي
стр. 895
جزلًا مطهمًا، وأرى في شكله هندسة كهندسة الكون؛ تتمم محاسنها بمقابحها وكم قلت له: إنك يا حافظ أجمل من القفر ...
أما هو فكان يرى نفسه دميمًا شنيع المرآة متفاوت الخلق كأنه إنسان مغلوط في تركيبه ...
وقد سألته مرة: هل أحب؟
فقال: النساء اثنتان: فإما جميلة تنفر من قبحي، وإما دميمة أنفر من قبحها! ولهذا لم يفلح في الغزل والنسيب، ولم يحسن من هذا الباب شيئًا يسمى شيئًا؛ وبقي شاعرًا غير تام، فإن المرأة للشاعر كحواء لآدم: هي وحدها التي تعطيه بحبها عالمًا جديدًا لم يكن فيه، وكل شرها أنها تتخطى به السموات نازلًا ...
وتهدم حافظ في أواخر أيامه من أثر المرض والشيخوخة، وكان آخر العهد به أن جاء إلى إدارة "المقتطف" وأنا هناك، فلم يرني حتى بادرني بقوله: ماذا ترى في هذا البيت في وصف الأمريكان:
وتخذتمْ موج الأثير بريدًا ... حين خلتم أن البروق كسالى*
فنظرت إلى وجهه المعروق المتغضن وقلت له: لو كان فيك موضع قبلة لقبلتك لهذا البيت! فضحك وأدار لي خده؛ ولكن بقي خده بلا تقبيل.
وشهرة هذا الأديب العظيم بنوادره ومحفوظاته من هذا الفن أمر مجمع عليه؛ وكان يتقصص النوادر والفكاهات ومطارحات السمر من مظانها في الكتب ورجال الأدب وأهل المجون، فإذا قصها على من يجالسه زاد في أسلوبها أسلوبه هو، وجعل يقلبها ويتصرف فيها ويبين عنها أحسن الإبانة بمنطقه ووجهه ونبرات في لسانه ونبرات في يده.
وهو أصمعي هذا الباب خاصة، يروي منه رواية عريضة، فإذا استهل سح بالنوادر سحًا كأنها قوافي قصيدة تدعو الواحدة منها أختها التي بعدها.
وقد أذكرتني "ألقوافي" مجلسًا حضرته قديمًا في سنة١٩٠١ أو١٩٠٠،
стр. 896
وكان "مصباح الشرق" قد نشر قصيدة رائية لابن الرومي، فتعجب المرحوم الشيخ محمد المهدي من بسطة ابن الرومي في قوافيه، فقال له "حافظ": هلم نتساجل في هذا الوزن حتى ينقطع أحدنا؛ وكانت القافية من وزن: قدرها، أحمرها، أخضرها ... الخ، وجعلت أنا أحصي عليهما؛ فلما ضاق الكلام كان الشيخ المهدي يفكر طويلًا ثم ينطق باللفظ، ولا يكاد يفعل حتى يرميه حافظ على البديهة، فيعود الرجل إلى الإطراق والتفكير؛ ثم انقطع أخيرًا وبقي حافظ يسرد له من حفظه الغريب.
أما في النوادر فالعجيبة التي اتفقت له في هذا الباب أنه جاء إلى طنطا في سنة ١٩١٢ ومديرها يومئذ المرحوم "محمد محب باشا" وكان داهية ذكيًا وظريفًا لبقًا، وكنت أخالطه وأتصل به، فدعا "حافظ" إلى العشاء في داره؛ فلما مدت الأيدي قال الباشا: لي عليك شرط يا حافظ، قال: وما هو؟ قال: كل لقمة بنادرة!
فتهلل حافظ وقال: نعم، لك عليَّ ذلك، ثم أخذ يقص ويأكل، والعشاء حافل، وحافظ كان نهمًا، فما انقطع ولا أخل حتى وفى بالشرط؛ وهذا لا يمنع أن الباشا كان يتغافل ويتغاضى ويتشاغل بالضحك، فيسرع حافظ ويغالط بفمه ...
ولكن هذه المضحكات أضحكت من "حافظ" مرة كما أضحكت به؛ فلما كان يترجم "مكبث" لشكسبير -وهي كأعماله الناقصة دائمًا- دعوه لإلقاء محاضرة في نادي المدارس العليا، والنادي يومئذ يجمع خير الشباب حمية وعلمًا وكان صاحب السر فيه "السكرتير" زينة شباب الوطنية المرحوم أمين بك الرافعي؛ فقام حافظ فأنشدهم بعض ما ترجمه نظمًا عن شكسبير، ومثله تمثيلًا أفرغ فيه جهده، فأطرب وأعجب: ثم سألوه المحاضرة فأخذ يلقي عليهم من نوادره، وبدأ كلامه بهذه النادرة: عرضت على المعتصم جارية يشتريها، فسألها أنت بكر أم ثيب؟ فقالت: كثرت الفتوح على عهد المعتصم ...
ونظر حافظ إلى وجوه القوم فأنكرها ... وبقيت هذه الوجوه إلى آخر المحاضرة كأنها تقول له: إنك لم تفلح!
ولقد كان هذا من أقوى الأسباب في تنبه "حافظ" إلى ما يجب للشباب عليه إن أراد أن يكون شاعره، فأقبل على القصائد السياسية التي كسبهم بها من بعد؛ ونادرة المعتصم كالعورة المكشوفة؛ ولست أدري أكان حافظ يعرف النادرة البديعة الأخرى
стр. 897
أم لا؛ فقد عرضت جارية أديبة ظريفة على الرشيد فسألها: أنت بكر أم إيش؟
فقالت: أنا "أمُّ إيش" يا أمير المؤمنين ...
وفن "الشعر الاجتماعي" الذي عرف به حافظ، لم يكن فنه من قبل، ولا كان هو قد تنبه له أو تحراه في طريقته؛ فلما جاءت إلى مصر الإمبراطورة "أوجيني" نظم قصيدته النونية التي يقول فيها:
فاعذرينا على القصور، كلانا ... غيرته طوارئ الحدثان
ولقيته بعدها فسألني رأيي في هذه القصيدة، وكان بها مدلًا معجبًا، شأنه في كل شعره؛ فانتقدت منها أشياء في ألفاظها ومعانيها، وأشرت إلى الطريقة التي كان يحسن أن تخاطب بها الإمبراطورة؛ فكأنني أغضبته؛ فقال: إن الشيخ محمد عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين -أجمعوا على أن هذا النمط هو خير الشعر، وقالوا لي: إذا نظمت فانظم مثل هذا "الشعر الاجتماعي"، ثم كأنه تنبه إلى أنها طريقة يستطيع أن ينفرد بها، إن كل قصائد شوقي الآن غزل ومدح، ولا أثر فيها لهذا الشعر، على أنه هو الشعر.
وتتابعت قصائده الاجتماعية، فلقيني بعدها مرة أخرى فقال لي: إن الشاعر الذي لا ينظم في الاجتماعيات ليس عندي بشاعر. وأردت أن أغيظه فقلت له: وما هي الاجتماعيات إلا جعل مقالات الصحف قصائد؟ ...
فالأستاذ الإمام وسعد زغلول وقاسم أمين: أحد هؤلاء أو جميعهم أصل هذا المذهب الذي ذهب إليه حافظ، وهو كثيرًا ما كان يقتبس من الأفكار التي تعرض في مجلس الشيخ محمد عبده، من حديثه أو حديث غيره، فيبني عليها أو يدخلها في شعره، وهو أحيانًا رديء الأخذ جدًّا حين يكون المعنى فلسفيًّا؛ إذ كانت ملكة الفلسفة فيه كالمعطلة، وإنما هي في الشاعر من ملكة الحب، وإنما أولها وأصلها دخول المرأة في عالم الكلام بإيهامها وثرثرتها ...
وكنت أول عهدي بالشعر نظمت قصيدة مدحت فيها الأستاذ الإمام وأنفذتها إليه، ثم قابلت حافظ بعدها فقال لي: إنه هو تلاها على الإمام، وإنه استحسنها؛ قلت: فماذا كانت كلمته فيها؟ قال: إنه قال: لا بأس بها ...
فاضطرب شيطاني من الغضب، وقلت له: إن الشيخ ليس بشاعر، فليس
стр. 898
لرأيه في الشعر كبير معنى!. قال: ويحك!. إن هذا مبلغ الاستحسان عنده.
قلت: وماذا يقول لك أنت حين تنشده؟ قال: أعلى من ذلك قليلًا.. فأرضاني والله أن يكون بيني وبين حافظ "قليل" وطمعت من يومئذ.
وأنا أرى أن "حافظ إبراهيم" إن هو إلا ديوان الشيخ "محمد عبده": لولا أن هذا هذا، لما كان ذلك ذلك.
ومن أثر الشيخ في حافظ أنه كان دائمًا في حاجة إلى من يسمعه، فكان إذا عمل أبياتًا ركب إلى إسماعيل باشا صبري في القصر العيني، وطاف على القهوات والأندية يسمع الناس بالقوة ... إذ كانت أذن الإمام هي التي ربت الملكة فيه؛ وقد بينا هذا في مقالنا في "المقتطف".
وكان تمام الشعر الحافظي أن ينشده حافظ نفسه؛ وما سمعت في الإنشاد أعرب عربية من البارودي، ولا أعذب عذوبة من الكاظمي، ولا أفخم فخامة من حافظ ﵏ جميعًا.
وكان أديبنا يجل البارودي إجلالًا عظيمًا، ولما قال في مدحه:
فمر كل معنى فارسي بطاعتي ... وكل نفور منه أن يتوددا
قلت له: ما معنى هذا؟ وكيف يأمر البارودي كل معنى فارسي وما هو بفارسي؟ قال: إنه يعرف الفارسية، وقد نظم فيها، وعنده مجموعة جمع فيها كل المعاني الفارسية البديعة التي وقف عليها؛ قلت: فكان الوجه أن تقول له: أعرني المجموعة التي عندك ...
أما الكاظمي فكان حافظ يجافيه ويباعده، حتى قال لي مرة وقد ذكرته به: "عققناه يا مصطفى! ".
وما أنسى لا أنسى فرح حافظ حين أعلمته أن الكاظمي يحفظ قصيدة من قصائده، وذلك أنهم في سنة ١٩٠١ -على ما أذكر- أعلنوا عن جوائز يمنحونها من يجيد في مدح الخديو، وجعلوا الحكم في ذلك إلى البارودي وصبري والكاظمي، ثم تخلى البارودي وصبري، وحكم الكاظمي وحده، فنال حافظ الميدالية الذهبية، ونال مثلها السيد توفيق البكري.
ولما زرت الكاظمي وكنت يومئذ مبتدئًا في الشعر، ولا أزال في الغرزمة*
стр. 899
قال: لماذا لم تدخل في هذه المباراة؟ قلت: وأين أنا من شوقي وحافظ وفلان وفلان فقال: "ليه تخلي همتك ضعيفة؟ " ثم أسمعني قصيدة حافظ وكان معجبًا بها، فنقلت ذلك إلى حافظ، فكاد يطير عن كرسيه في القهوة.
وكان تعنت حافظ على الكاظمي؛ لأنه غير مصري، ففي سنة ١٩٠٣ كانت تصدر في القاهرة مجلة اسمها "الثريا"، فظهر في أحد أعدادها١ مقال عن الشعراء بهذا التوقيع، وانفجر هذا المقال انفجار البركان، وقام به الشعراء وقعدوا، وكان له في الغارة عليهم كزفيف الجيش وقعقعة السلاح، وتناولته الصحف اليومية، واستمرت رجفته الأدبية نحو الشهر؛ وانتهى إلى الخديو؛ وتكلم عند الأستاذ الإمام في مجلسه، واجتمع له جماعة من كبار أساتذة العصر السوريين، كالعلامة سليمان البستاني، وأديب عصره الشيخ إبراهيم اليازجي، والمؤرخ الكبير جورجي زيدان -إذ كان صاحب المجلة سوريا- وجعلوا ينفذون إلى صاحب المجلة دسيسًا بعد دسيس ليعلموا من هو كاتب المقال.
وشاع يومئذ أني أنا الكاتب له؛ وكان الكاظمي على رأس الشعراء فيه، فغضب حافظ لذلك غضبًا شديدًا، وما كاد يراني في القاهرة حتى ابتدرني بقوله: ورب الكعبة أنت كاتب المقال، وذمة الإسلام أنت صاحبه!
ثم دخلنا إلى "قهوة الشيشة"، فقال في كلامه: إن الذي يغيظني أن يأتي كاتب المقال بشاعر من غير مصر فيضعه على رءوسنا نحن المصريين!. فقلت: ولعل هذا قد غاظك بقدر ما سرك ألَّا يكون الذي على رأسك هو شوقي ...
وغضب السيد توفيق البكري غضبًا من نوع آخر، فاستعان بالمرحوم السيد مصطفى المنفلوطي استعانة ذهبية ... وشمر المنفلوطي فكتب مقالًا في "مجلة سركيس" يعارض به مقال "الثريا"، وجعل فيه البكري على رأس الشعراء ... ومدحه مدحًا يرن رنينًا.
أما أنا فتناولني بما استطاع من الذم، وجردني من الألفاظ والمعاني جميعًا، وعدني في الشعراء ليقول إني لست بشاعر ... فكان هذا رد نفسه على نفسه*.
стр. 900
وتعلق مقال المنفلوطي على المقال الأول فاشتهر به لا بالمنفلوطي؛ وغضب حافظ مرة ثانية، فكتب إلي كتابا يذكر فيه تعسف هذا الكاتب وتحامله، ويقول: قد وكلت إليك أمر تأديبه١....
فكتب مقالًا في جريدة "المنبر"، وكان يصدرها الأستاذان محمد مسعود وحافظ عوض، ووضعت كلمة المنفلوطي التي ذمني بها في صدر مقالي أفاخر بها ... وقلت: إني كذلك الفيلسوف الذي أرادوه أن يشفع إلى ملكه، فأكب على قدم الملك حتى شفعه؛ فلما عابوه بأنه أذال حرمة الفلسفة بانحنائه على قدم الملك وسجوده له، قال: ويحكم!. فكيف أصنع إذا كان الملك قد جعل أذنيه في رجليه ...
ولم يكن مضى لي في معالجة الشعر غير سنتين حين ظهر مقال "الثريا"، ومع ذلك أصبح كل شاعر يريد أن يعرف رأيي فيه؛ فمررت ذات يوم "بحافظ" وهو في جماعة لا أعرفهم، فلما اطمأن بي المجلس قال حافظ: ما رأيك في شعر اليازجي؟ فأجبته: قال: فالبستاني؟ فنجيب الحداد؟ ففلان؟ ففلان؟ فداود عمون؟ قلت: هذا لم أقرأ له إلا قليلًا لا يسوغ معه الحكم على شعره. قال: فماذا قرأت له؟ قلت: رده على قصيدتك إليه:
شجتنا مطالع أقمارها
قال: فما رأيك في قصيدته هذه؟ قلت: هي من الشعر الوسط الذي لا يعلو ولا ينزل.
فما راعني إلا رجل في المجلس يقول: أنصفت والله!. فقال حافظ: أقدم لك داود بك عمون! ...
رحم الله تلك الأيام!.
стр. 901
شوقي ١:
هذا هو الرجل الذي يخيل إلي أن مصر اختارته دون أهلها جميعًا لتضع فيه روحها المتكلم، فأوجبت له ما لم توجب لغيره، وأعانته بما لم يتفق لسواه، ووهبته من القدرة والتمكين وأسباب الرياسة وخصائصها على قدر أمة تريد أن تكون شاعرة، لا على قدر رجل في نفسه؛ وبه وحده استطاعت مصر أن تقول للتاريح: شعري وأدبي!
شوقي: هذا هو الاسم الذي كان في الأدب كالشمس من المشرق: متى طلعت في موضع فقد طلعت في كل موضع، ومتى ذكر في بلد من بلاد العالم العربي اتسع معنى اسمه فدل على مصر كلها كأنما قيل النيل أو الهرم أو القاهرة؛ مترادفات لا في وضع اللغة ولكن في جلال اللغة.
رجل عاش حتى تم، وذلك برهان التاريخ على اصطفائه لمصر، ودليل العبقرية على أن فيه السر المتحرك الذي لا يقف ولا يكل ولا يقطع نظام عمله، كأن فيه حاسة نحلة في حديقة، ويكبر شعره كلما كبر الزمن، فلم يتخلف عن دهره، ولم يقع دون أبعد غاياته، وكأنه مع الدهر على سياق واحد، وكأن شعره تاريخ من الكلام يتطور أطواره في النمو فلم يجمد ولم يرتكس، وبقي خيال صاحبه إلى آخر عمره في تدبير السماء كعراص الغمامة، سحابه كثير البرق ممتلئ ممطر ينصب من ناحية ويمتلئ من ناحية.
والناس يكتب عليهم الشباب والكهولة والهرم، ولكن الأديب الحق يكتب عليه شباب وكهولة وشباب؛ إذ كانت في قلبه الغايات الحية الشاعرة، ما تنفك يلد بعضها بعضًا إلى ما لا انقطاع له، فإنها ليست من حياة الشاعر التي خلقت في قلبه، ولكنها من حياة المعاني في هذا القلب.
стр. 902
أقرر هذا في شوقي ﵀ وأنا من أعرف الناس بعيوبه وأماكن الغميزة في أدبه وشعره؛ ولكن هذا الرجل انفلت من تاريخ الأدب لمصر وحدها كانفلات المطرة من سحابها المتساير في الجو، فأصبحت مصر به سيدة العالم العربي في الشعر، وهي لم تذكر قديمًا في الأدب إلا بالنكتة والرقة وصناعات بديعية ملفقة، ولم يستفض لها ذكر بنابغة ولا عبقري، وكانت كالمستجدية من تاريخ الحواضر في العالم، حتى أن أبا محمد الملقب بولي الدولة صاحب ديوان الإنشاء في مصر للظاهر بن المستنصر -"وقد توفي سنة ٣٤١هـ"، وكان رزقه ثلاثة آلاف دينار في السنة غير رسوم يستوفيها على كل ما يكتبه- سلم لرسول التجار إلى مصر من بغداد جزأين من شعره ورسائله يحملهما إلى بغداد ليعرضهما على الشريف المرتضي وغيره من أدبائها، فيستشيرهم في تخليد هذا الأدب المصري بدار العلم إن استجادوه وارتضوه، كأن حفظ ديوان من شعر مصر ونثرها في مكتبة بغداد قديمًا يشبه في حوادث دهرنا استقلال مصر وقبولها في عصبة الأمم.
وهذا أحمد بن علي الأسواني إمام من أئمة الأدب في مصر "توفي سنة ٥٦٢"، وكان كاتبًا شاعرًا يجمع إلى علوم الأدب الفقه والمنطق والهندسة والطب والموسيقى والفلك- أراد أن يدون شعر المصريين، فجمع من شعرهم "وشعر من طرأ عليهم" أربع مجلدات، كأن الشعر المصري وحده إلى آخر القرن السادس للهجرة، في العهد الذي لم يكن ضاع فيه شيء من الكتب والدواوين لا يملأ أربع مجلدات ... على اختلافهم في مقدار المجلدة، فقد تكون جزءًا لطيف الحجم؛ والأسواني نفسه يبلغ ديوانه نحو مائة ورقة.
وأخوه الحسن المعروف بالمهذب "الأسواني المتوفى سنة ٥٦١" قال العماد الكاتب: إنه لم يكن بمصر في زمنه أشعر منه، وسارت له في الناس قصيدة سموها النواحة، وصف فيها حنينه إلى أخيه وقد رحل إلى مكة وطالت غيبته بها وخيف عليه؛ فالرجل أشعر أهل مصر في زمنه، وحادثة النواحة تجعله في هذا المعنى أشعر من نفسه، على أنه مع هذا لم يقل إلا من هذا:
يا ربع أين نرى الأحبة يمموا ... هل أنجدوا من بعدنا أم أتهموا
رحلوا وفي القلب المعنَّى بعدهم ... وجد على مر الزمان مخيم
وتعوضت بالأنس نفسي وحشة ... لا أوحش الله المنازل منهم ...
ولولا ابن الفارض والبهاء زهير وابن قلاقس الإسكندري وأمثالهم، وكلهم
стр. 903
أصحاب دواوين صغيرة، وليس في شعرهم إلا طابع النيل، أي الرقة والحلاوة لولا هؤلاء في المتقدمين لأجدب تاريخ الشعر في مصر؛ ولولا البارودي وصبري وحافظ في المتأخرين؛ وكلهم كذلك أصحاب دواوين صغيرة، لما ذكرت مصر بشعرها في العالم العربي؛ على أن كل هؤلاء وكل أولئك لم يستطيعوا أن يضعوا تاج الشعر على مفرق مصر، ووضعه شوقي وحده!
والعجب أن دواوين المجيدين من شعراء المصريين لا تكون إلا صغيرة، كأن طبيعة النيل تأخذ في المعاني كأخذها في المادة، فلا فيض ولا خصب إلا في وقت بعد أوقات، وفي ثلاثة أشهر من كل اثني عشر شهرًا؛ ومن جمال الفراشة أن تكون صغيرة، وحسبها عند نفسها أن أجنحتها منقطة بالذهب، وأنها هي نكتة من بديع الطبيعة!
على أنك واجد في تاريخ الأدب المصري عجيبة من عجائب الدنيا لا تذكر معها الإلياذة ولا الإنيادة ولا الشاهنامة ولا غيرها، ولكنها عجيبة ملأتها روح الصحراء إن كانت تلك الدواوين الصغيرة من روح النيل؛ وهي قصيدة نظمها أبو رجاء الأسواني المتوفى سنة ٣٣٥هـ، وكان شاعرًا فقيهًا أديبا عالمًا كما قالوا، وزعموا أنه اقتص في نظمه أخبار العالم وقصص الأنبياء واحدًا بعد واحد، قالوا: وسئل قبل موته كما بلغت قصيدتك؟ فقال: ثلاثين ومائة ألف بيت.... وما أشك أن هذا الرجل وقع له تاريخ الطبري وكتب السير وقصص الإسرائيليات فنظمها متونًا متونًا ... وأفنى عمره في ١٣٠ ألف بيت حولها التاريخ إلى خبر مهمل في ثلاثة أسطر١.
كل شاعر مصري هو عندي جزء من جزء، ولكن شوقي جزء من كل، والفرق بين الجزأين أن الأخير في قوته وعظمته وتمكنه واتساع شعره جزء عظيم كأنه بنفسه الكل؛ ولم يترك شاعر في مصر قديمًا وحديثًا ما ترك شوقي، وقد اجتمع له ما لم يجتمع لسواه؛ وذلك من الأدلة على أنه هو المختار لبلاده، فساوى الممتازين من شعراء دهره وارتفع عليهم بأمور كثيرة هي رزق تاريخه من القوة المدبرة التي لا حيلة لأحد أن يأخذ منها ما لا تعطي، أو يزيد ما تنقص، أو ينقص ما تزيد؛ وقد حاولوا إسقاط شوقي مرارًا فأراهم غباره ومضى متقدمًا،
стр. 904
ورجع من رجع منهم ليغسل عينيه ... ويرى بهما أن شوقي من النفس المصرية بمنزلة المجد المكتوب لها في التاريخ بحرب ونصر، وما هو بمنزلة شاعر وشعره.
ولد شاعرنا سنة ١٨٦٨ في نعمة الخديو إسماعيل باشا، ونثر له الخديو الذهب وهو رضيع في قصة ذكرها شوقي في مقدمة ديوانه القديم، ثم كفله الخديو توفيق باشا وعلمه وأنفق عليه من سعة، وأنزل نفسه منه منزلة أب غني كما يقول شوقي في مقدمته، ثم تولاه الخديو عباس باشا وجعله شاعره وتركه يقول:
شاعر العزيز وما ... بالقليل ذا اللقب
وإذا أنت فسرت لقب شاعر الأمير هذا بالأمير نفسه في ذلك العهد، خرج لك من التفسير: شاعر مرهف معانٌ بأسباب كثيرة؛ ليكون أداة سياسية في الشعب المصري، تعمل لإحياء التاريخ في النفس المصرية، وتبصيرها بعظمتها، وإقحامها في معارك زمنها، وتهيئتها للمدافعة، وتصل الشعر بالسياسة الدينية التي توجهت لها الخلافة يومئذ لتضرب فكرة أوروبا في تقسيم الدولة بفكرة الجامعة الإسلامية ولا يخرج لك شوقي من هذا التفسير على أنه رجل في قدر نفسه، بل في قدر أميره ذلك؛ وكان ممتلئًا شبابًا يغلي غليانًا، ومعدًا يوميذ لمطامع بعيدة ملفقة حشوها الديناميت السياسي ...
كنت ذات مرة أكلم صديقي الكاتب العميق فرح أنطون صاحب "الجامعة" وكان معجبًا بشوقي إعجابًا شديدًا، فقال لي: إن شوقي الآن في أفق الملوك لا في أفق الشعراء! قلت: كأنك نفيته من الملوك والشعراء معًا؛ إذ لو خرج من هؤلاء لم يكن شيئًا، ولو نفذ إلى أولئك لم يعد شيئًا، إنما الرجل في السياسة الملتوية التي تصله بالأمير، هو مرة كوزير الحربية، ومرة كوزير المعارف.
وهذه السياسة التي ارتاض بها شوقي ولابسها من أول عهده، واتجه شعره في مذاهبها، من الوطنية المصرية، إلى النزعة الفرعونية، إلى الجامعة الإسلامية، فكانت بهذا سبب نبوغه ومادة مده الشعري هي بعينها مادة نقائصه؛ فلقد ابتلته بحب نفسه وحب الثناء عليها، وتسخير الناس في ذلك بما وسعته قوته، إلى غيرة أشد من غيرة الحسناء تقشعر كل شعرة منها إذا جاءها الحسن بثانية، وهي غيرة وإن كانت مذمومة في صلته بالأدباء الذين لذعوه بالجمر ... ونحن منهم، غير أنها ممدوحة في موضعها من طبيعته هو؛ إذ جعلته كالجواد العتيق الكريم ينافس حتى ظله، فعارض المتقدمين بشعره كأنهم معه، ونافس المعاصرين ليجعلهم كأنهم ليسوا معه، ونافس ذاته أيضًا ليجعل شوقي أشعر من شوقي؛ وعندي أن كل
стр. 905
ما في هذا الرجل من المتناقضات فمرجعه إلى آثار تلك السياسة الملتوية التي ردت بطبيعة القوة عن وجوهها الصريحة، فجعلت تضطرب في وجوه من الحيل والأسباب مدبرة مقبلة، متهدية في كل مجاهلها بإبرة مغناطيسية عجيبة لا يشبهها في الطبيعة إلا أنف الثعلب المتجه دائمًا إلى رائحة الدجاج.
ومؤرخ الأدب الذي يريد أن يكتب عن شوقي لا يصنع شيئًا إن هو لم يذكر أن هذا الشاعر العظيم كان هدية الخديو توفيق والخديو عباس لمصر، كالدلتا بين فرعي النيل؛ وما أصابه المتنبي من سيف الدولة مما ابتعث قريحته وراش أجنحته السماوية وأضفى ريشها وانتزى بها على الغايات البعيدة في تاريخ الأدب أصاب شوقي من سمو الخديو عباس أكثر منه، فكان حقيقًا أن يساوي المتنبي أو يتقدمه، ولكنه لم يبلغ منزلته؛ لأن الخديو لم يكن كسيف الدولة في معرفته بالأدب العربي ورغبته فيه؛ وسر المتنبي كان في ثلاثة أشياء: في جهازه العصبي العجيب الذي لا يقل في رأيي عما في دماغ شكسبير، وفي ممدوحه الأديب الملك الذي ينزل من هذا الجهاز منزلة المهندس الكهربائي من آلة عظيمة يديرها بعلم ويقوم عليها بتدبير ويحوطها بعناية، ثم في أفق عصره المتألق بنجوم الأدب التي لا يمكن أن يظهر بينها إلا ما هو في قدرها، ولا يتميز فيها إلا ما هو أكبر منها، ولا يتركها كالمنطفئة إلا شمس كشمس المتنبي تتفجر على الدنيا بمعجزاتها النورانية.
ولقد -والله- كان هذا المتنبي كأنه يوزع الشرف على الملوك والرؤساء؛ وهل أدل على ذلك من أن أبا إسحاق الصابي شيخ الكتاب في عصره يراسله أن يمدحه بقصيدتين ويعطيه خمسة آلاف درهم، فيرسل إليه المتنبي: ما رأيت بالعراق من يستحق المدح غيرك، ولكني إن مدحتك تنكر لك الوزير "يعني المهلبي" لأني لم أمدحه، فإن كنت لا تبالي هذا الحال فأنا أجيبك ولا أريد منك مالًا ولا من شعري عوضًا! فأين في دهرنا من تشعره عزة الأدب مثل هذا الشعور ليأتي بالشعر من نفس مستيقنة أن الدنيا في انتظار كلمتها؟
على أن شوقي لم يكن ينقصه باعتبار زمنه إلا "الجمهور الشعري"، وكل بلاء الشعر العربي أنه لا يجد هذا الجمهور، فالشاعر بذلك منصرف إلى معانٍ فردية من ممدوح عظيم أو حبيب عظيم أو سقوط عظيم ... حتى الطبيعة تظهر في الشعر العربي كأنها قطع مبتورة من الكون داخلة في الحدود لابسة الثياب؛ ومن ذلك ينبغ الشاعر وليس فيه من الإحساس إلا قدر نفسه لا قدر جمهوره، وإلا ملء حاجاته لا ملء الطبيعة؛ فلا جرم يقع بعيدًا عن المعنى الشامل المتصل بالمجهول، ويسقط
стр. 906
بشعره على صور فردية ضيقة الحدود، فلا تجد في طبعه قوة الإحاطة والتبسط والشمول والتدقيق، ولا تؤاتيه طبيعته أن يستوعب كل صورة شعرية بخصائصها، فإذا هو على الخاطر العارض يأخذ من عفوه ولا يحسن أن يتوغل فيه، وإذا هو على نزوات ضعيفة من التفكير لا يطول لها بحثه ولا يتقدم فيها نظره، وإذا نفسه تمر على الكون مرًّا سريعًا، وإذا شعره مقطع قطعًا، وإذا آلامه وأفراحه أوصاف لا شعور، وكلمات لا حقائق، وظل طامس ملقى على الأرض إذا قابلته بتفاصيل الجسم الحي السائر على الأرض.
واجتمع لشوقي في ميراث دمه ومجاري أعراقه عنصر عربي، وآخر تركي، وثالث يوناني، ورابع شركسي؛ وهذه كثرة إنسانية لا يأتي منها شاعر إلا كان خليقًا أن يكون دولة من دول الشعر، وإلى هذا ولد شاعرنا باختلاله العصبي في عينيه، كأن هذا دليل طبيعي على أن وراءهما عينين للمعاني تزاحمان عيني البصر؛ وما لم يكن التركيب العصبي في الشاعر مهيأ للنبوغ، فاعلم أنه وقع من تقاسيم الدنيا في غير الشعر، وليس في الطبيعة ولا في الصناعة قوة تجعل حنجرة البلبل في غير البلبل؛ ومع كل ما تقدم فقد أعين شوقي على الشعر بفراغه له أربعًا وأربعين سنة، غير مشترك العمل، ولا متقسم الخاطر، على سعة في الرزق وبسطة في الجاه وعلو في المنزلة، وبين يديه دواوين الشعر العربي والأوروبي والتركي والفارسي؛ وإن تنس فلا تنس أن شاعرنا هذا خص بنشاط الحياة، وهو روح الشعر لا روح للشعر بدونه، فسافر ورحل وتقلب في الأرض، وخالط الشعوب واستعرض الطبيعة يتخللها ببصره ما بين الأندلس والأستانة، وظهيره على ذلك ماله وفراغه، وإنما قوة الشعر في مساقط الجو، ففي كل جو جديد روح للشاعر جديدة؛ والطبيعة كالناس: هي في مكان بيضاء وفي مكان سوداء، وهي في موضع نائمة تحلم وفي موضع قائمة تعمل، وفي بلد هي كالأنثى الجميلة، وفي بلد هي كالرجل المصارع؛ ولن يجتمع لك روح الجهاز العصبي على أقواه وأشده إلا إذا أطعمته مع صنوف الأطعمة اللذيذة المفيدة، ألوان الهواء اللذيذ المفيد.
وعندي أنه لا أمل أن ينشأ لمصر شاعر عظيم في طبقة الفحول من شعراء العالم، إلا إذا أعيد تاريخ شوقي مهذبًا في رجل وهبه الله مواهبه، ثم تهبه الحكومة المصرية مواهبها.
والكتاب الأول الذي راض خيال شوقي وصقل طبعه وصحح نشأته الأدبية،
стр. 907
هو بعينه الذي كانت منه بصيرة حافظ وذكرناه في مقالنا عنه، أي كتاب "الوسيلة الأدبية" للمرصفي؛ وليس السر في هذا الكتاب ما فيه من فنون البلاغة ومختارات الشعر والكتابة، فهذا كله كان في مصر قديمًا ولم يغنِ شيئًا ولم يخرج لها شاعرًا كشوقي، ولكن السر ما في الكتاب من شعر البارودي؛ لأنه معاصر، والمعاصرة اقتداء ومتابعة على صواب إن كان الصواب، وعلى خطأ إن كان الخطأ؛ وقد تصرمت القرون الكثيرة والشعراء يتناقلون ديوان المتنبي وغيره، ثم لا يجيئون إلا بشعر الصناعة والتكلف، ولا يخلد الجيل منهم إلا لما رأى في عصره، ولا يستفتح غير الباب الذي فتح له، إلى أن كان البارودي، وكان جاهلًا بفنون العربية وعلوم البلاغة، لا يحسن منها شئًا، وجهله هذا هو كل العالم الذي حول الشعر من بعد؛ فيا لها عجيبة من الحكمة! وهي دليل على أن أعمال الناس ليست إلا خضوعًا لقوانين نافذة على الناس. وأكب البارودي على ما أطاقه، وهو الحفظ من شعر الفحول؛ إذ لا يحتاج الحفظ إلى غير القراءة، ثم المعاناة والمزاولة؛ وكانت فيه سليقة، فخرجت مخرج مثلها في شعراء الجاهلية والصدر الأول من الحفظ والرواية، وجاءت بذلك الشعر الجزل الذي نقله المرصفي بإلهام من الله -تعالى- ليخرج به للعربية حافظ وشوقي وغيرهما، فكل ما في الكتاب أنه ينقل روح المعاصرة إلى روح الأديب الناشئ، فتبعثه هذه الروح على التمييز وصحة الاقتداء، فإذا هو على ميزة وبصيرة، وإذا هو على الطريق التي تنتهي به إلى ما في قوة نفسه ما دام فيه ذكاء وطبع؛ وبهذا ابتدأ شوقي وحافظ من موضع واحد، وانتهى كلاهما إلى طريقة غير طريقة الآخر، والطريقتان معًا غير طريقة البارودي.
تحول شوقي بهذا الشعر لا إلى طريقة البارودي، فإنه لا يطيقها ولا تتهيأ في أسبابه، وخاصة في أول عهده، وكأن لغة البارودي فيها من لقبه، أي فيها البارود ... ولكن تحول نابغتنا كان عن طريقة معاصريه من أمثال الليثي وأبي النصر وغيرهما، فترك الأحياء وانطلق وراء الموتى في دواوينهم التي كان من سعادته أن طبع الكثير منها في ذلك العهد: كالمتنبي وأبي تمام والبحتري والمعري، ثم أهل الرقة أصحاب الطريقة الغرامية: كابن الأحنف والبهاء زهير والشاب الظريف والتلعفري والحاجري، ثم مشاهير المتأخرين: كابن النحاس والأمير منجك والشرقاوي. وقد حاول شوقي في أول أمره أن يجمع بين هذا كله، فظهر في شعره تقليده وعمله في محاولة الابتكار والإبداع وإحكام التوليد، مع السهولة والرقة وتكلف الغزل بالطبع المتدفق لا بالحب الصحيح.
стр. 908
وأنا حين أكتب عن شاعر لا يكون همي إلا البحث في طريقة ابتداعه لمعانيه، وكيف ألم وكيف لحظ، وكيف كان المعنى منبهة له، وهل أبدع أم قلد، وهل هو شعر بالمعنى شعورًا فخالط نفسه وجاء منها، أم نقله نقلًا فجاء من الكتب؛ وهل يتسع في الفكرة الفلسفية لمعانيه، ويدقق النظرة في أسرار الأشياء، ويحسن أن يستشف هذه الغيوم التي يسبح فيها المجهول الشعري ويتصل بها ويستصحب للناس من وحيها؛ أم فكره استرسال وترجيم في الخيال وأخذ للموجود كما هو موجود في الواقع؟ وبالجملة هل هو ذاتية تمر فيها مخلوقات معانيه لتخلق فتكون لها مع الحياة في نفسها حياة من نفسه، أم هو تبعية كالسمسار بين طرفين: يكون بينهما، وليس منهما ولا من أحدهما؟ في هذه الطريقة من البحث تاريخ موهبة الشاعر، ولا يؤديك إلى هذا التاريخ إلا ذلك المذهب إليه إن أطقته، أما تاريخ الشاعر نفسه فما أسهله؛ إذ هو صورة أيامه وصلته بعصره، وليس في تأريخ ما كان إلا نقله كما كان.
وإذا عرضنا شوقي بتلك الطريقة رأيناه نابغة من أول أمره، ففيه تلك الموهبة التي أسميها حاسة الجو؛ إذ يتلمح بها النوابغ معاني ما وراء المنظور، ويستنزلون بها من كل معنى معنى غيره.
انظر أبياته التي نظمها في أول شبابه وسنه يومئذ ٢٣ سنة على ما أظن، وهي من شعره السائر:
خدعوها بقولهم حسناء ... والغواني يغرهن الثناء
ما تراها تناست اسميَ لما ... كثرت في غرامها الأسماء
إن رأتني تميل عني كأن لم ... تك بيني وبينها أشياء
نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء
دع غلطته في قوله "تميل عني"١، فإن صوابها: تمل؛ إذ هي جواب إن الشرطية؛ ولكن تأمل كيف استخرج معانيه؛ وأنا كنت دائمًا وما أزال معجبًا بالبيتين الثاني والرابع، لا إكبارًا لمعناهما، فهما لا شيء عندي، ولكن إعجابًا بموهبة شوقي في التوليد، فإنه أخذ البيت الثاني من قول أبي تمام:
أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزحام
فمر المعنى في ذهن شوقي كما يمر الهواء في روضة، وجاء نسيمًا يترقرق
стр. 909
بعدما كان كالريح السافية بترابها؛ لأن الزحام في بيت أبي تمام حقيق بسوق قائمة للبيع والشراء، لا بقلب امرأة يحبها، بل هو يجعل قلب المرأة شيئًا غريبًا كأنه ليس عضوًا في جسمها، بل غرفة في بيتها ... وقد سبق شاعرنا أبا تمام بمراحل في إبداعه وذوقه ورقته.
والبيت الرابع من قول الشاعر الظريف:
قف واستمع سيرة الصب الذين قتلوا ... فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا
رأى فحب فسام الوصل فامتنعوا ... فرام صبرًا فأعيا نيله فقضى
وهذه "فاءات" تجر إلى القبر ونعوذ بالله منها ... ومما كنت أعيبه على شوقي ضعفه في فنون الأدب، فإن المويلحي الكاتب الشهير انتقد في جريدته "مصباح الشرق" أبيات "خدعوها" عند ظهور الشوقيات في سنة ١٨٩٩، فارتاع شوقي وتحمل عليك ليمسك عن النقد، مع أن كلام المويلحي لا يسقط ذبابة من ارتفاع نصف متر ... ومن مصيبة الأدب عندنا، بل من أكبر أسرار ضعفه، أن شعراءنا لا طاقة لهم بالنقد، وأنهم يفرون منه فرارًا ويعملون على تفاديه وأنهم لا يحسنون غير الشعر؛ فلا البارودي ولا صبري ولا حافظ ولا شوقي كان يحسن واحد منهم أن يدفع عن نفسه أو يكتب فصلًا في النقد الأدبي، أو يحقق مسألة في تاريخ الأدب.
ومن معاني شوقي السائرة:
لك نصحي وما عليك جدالي ... آفة النصح أن يكون جدالًا
وكرره في قصيدة أخرى فقال:
آفة النصح أن يكون جدالًا ... وأذى النصح أن يكون جهارًا
والبيتان في شعر صباه أيضًا، وهما من قول ابن الرومي:
وفي النصح خير من نصيح موادع ... ولا خير فيه من نصيح مواثبِ
فصحح شوقي المعنى وأبدل المواثبة بالجدال، وذلك هو الذي عجز عنه ابن الرومي؛ ومن إبداعه في قصيدته "صدى الحرب" يصف هزيمة اليونان:
يكادون من ذعر تفر ديارهم ... وتنجو الرواسي لو حواهن مشعب
يكاد الثرى من تحتهم يلج الثرى ... ويقضم بعض الأرض بعضًا ويقضب
وهذا خيال بديع في الغاية، جعل هزيمتهم كأنها ليست من هول الترك، بل من
стр. 910
هول القيامة؛ وهو مع ذلك مولد من قول أبي تمام في وصف كرم ممدوحه أبي دلف:
تكاد مغانيه تهش عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب
فقاس شاعرنا على ذلك؛ وإذا كادت الدار تركب إلى الراكب إليها من فرحها، فهي تكاد تفر مع المنهزم من ذعرها؛ ولكن شوقي بني فأحكم وسما على أبي تمام بالزيادة التي جاء بها في البيت الثاني.
ومن أحسن شعره في الغزل:
حوت الجمال فلو ذهبت تزيدها ... في الوهم حسنًا ما استطعت مزيدًا
وهو من قول القائل:
ذات حسن لو استزادت من الحسـ ... ـن إليها لما أصابت مزيدا
غير أن شوقي قال: لو ذهبت تزيدها في الوهم ... والشاعر قال: لو استزادت هي؛ فلو خلا بيت شوقي من كلمة "في الوهم" لما كان شيئًا، ولكن هذه الكلمة حققت فيه المعنى الذي تقوم عليه كل فلسفة الجمال؛ فإن جمال الحبيب ليس شيئًا إلا المعاني التي هي في وهم محبه؛ فالزيادة تكون من الوهم، وهو بطبيعته لا ينتهي؛ فإذا لم تبق فيه زيادة في الحسن فما بعد ذلك حسن، وقد بسطنا هذا المعنى في صور كثيرة في كتبنا: "رسائل الأحزان" و "السحاب الأحمر"، و "أوراق الورد"؛ فانظر فيها.
ومما يتمم ذلك البيت قول شوقي في قصيدة النفس:
يا دمية لا يستزاد جمالها ... زيديه حسن المحسن المتبرع
وهذا المعنى يقع من نفسي موقعًا وله من إعجابي محل؛ فهذه الزيادة التي فيه كزيادة العمر لو أمكنت، وهي في موضعها كما ينقطع الخط ثم يتصل، وكما يستحيل الأمل ثم يتفق ويسهل؛ وقد علمت مأخذ الشطر الأول، أما الثاني فهو من قول ابن الرومي:
يا حسن الوجه لقد شنته ... فاضمم إلى حسنك إحسانا
وفي القصيدة التي رثى بها ثروت باشا وهي من أحسن شعره تجد من أبياته هذا البيت النادر:
وقد يموت كثير لا تحسهمو ... كأنهم من هوان الخطب ما وجدوا
وشوقي يعارض بهذه القصيدة أبا خالد بن محمد المهلبي في داليته التي رثى
стр. 911
بها المتوكل، وكان المهلبي حاضرًا قتله هو والبحتري، فرثاه كل منهما بقصيدة قالوا: إنها من أجود ما قيل في معناهما؛ وبيت شوقي مأخوذ من قول المهلبي:
إنا فقدناك حتى لا اصطبار لنا ... ومات قبلك أقوام فما فقدوا
أي لم يحس موتهم أحد؛ ولكن البيت غير مستقيم؛ لأن الذي يموت فلا يفقد هو الخالد الذي كأنه لم يمت؛ فاستخرج شوقي المعنى الصحيح وجعل العدم الذي هو آخر الوجود في الناس، أول الوجود ووسطه وآخره في هؤلاء الذين هانوا على الحياة فوُجدوا وماتوا كأنهما ماتوا وما وجدوا.
وإلى ما علمت من قوة هذه الشاعرية، ودقتها فيما تتأتى له، ومجيئها بالمعاني النادرة مستخرجة استخراج الذهب، مصقولة صقل الجوهر، معدلة بالفكر، موزونة بالمنطق- تجد لها تهافتًا كتهافت الضعفاء، وغرة كغرة الأحداث؛ حتى لتحسب أن طفولة شوقي كثيرًا ما تنبعث في شعره لاعبة هازلة، أو كأن للرجل شخصيتين كما يقول الأطباء، فهما تتعاوران شعره كمالًا ونقصًا، وعلوًا ونزولًا، أو قل هي العربية واليونانية في ناحية من نفسه، والتركية والشركسية في ناحية أخرى: لتلك الابتكار والبلاغة والمنطق، ولهذه التهويل والمبالغة والخلط؛ وشوقي هو بهما جميعًا؛ تفتنه القوية منهما فيعجب بها إعجاب القوة، وتخدعه الضعيفة فيعجب بها إعجاب الرقة؛ ما أعجب بيته الذي قاله في الحنين إلى الوطن من قصيدته الأندلسية الشهيرة:
وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي
وهذا البيت مما يتمثل به الشبان وكتاب الصحافة، ولم يفطن أحد إلى فساده وسخافة معناه؛ فإن الخلد لا يكون خلدًا إلا بعد فناء الفاني من الإنسان وطبائعه الأرضية، وبعد أن لا تكون أرض ولا وطن ولا حنين ولا عصبية؛ فكان شوقي يقول: لو شغلت عن الوطن حين لا أرض ولا وطن ولا دول ولا أمم ولا حنين إلى شيء من ذلك- فإني على ذلك أحن إلى الوطن الذي لا وجود له في نفسي ولا في نفسه.... وهذا كله لغو ... والمعنى بعد من قول ابن الرومي:
وحبب أوطان الرجال إليهموا ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو ... عهود الصبي فيها فحنوا لذلكا
ومنازعة النفس هي الحنين، ومعنى ابن الرومي وإن كان صحيحًا غير أنه لا يصلح لفلسفة الوطنية في زمننا.
стр. 912
وإن في شوقي عيبين يذهبان بكثير من حسناته: أحدهما المبالغات التركية الفارسية مما تنزعه إليه تركيته ولا مبالغة في الدنيا تقاربها، كقول بعض شعرائهم إن النملة بزفرتها جففت الأبحر السبعة ... وهو إغراق سخيف لا يأتي بخيال عجيب كما يتوهمون، بل يأتي بهذيان عجيب؛ وإذا كان الصدق يأنف من الكذب، فإن الكذب نفسه يأنف من هذا الإغراق؛ ومن هذه التركية في شوقي إضافات وهمية، هي من تلك المبالغات كذيل الحمار من الحمار: قطعة فيه ودليل عليه وآخر لأوله ولا محل لها في ذوق البلاغة العربية، كقوله:
عيسى الشعور إذا مشى ... رد الشعوب إلى الحياة
وقوله في سعد باشا في حادثة الاعتداء عليه:
ولو زلت غيب "عمرو الأمور" ... وأخلى المنابر سحبانها
ويدخل في جنايات هذه التركية على شعره تكراره الأسماء المقدسة والأعلام التاريخية: كيوشع وعيسى وموسى وخالد وبدر وسيناء وحاتم وكعب وغيرها مما هو شائع في نظمه ولا تجده أكثر ما تجده إلا ثقيلًا مملولًا؛ ولهذه الألفاظ عندنا فلسفة لا محل لها الآن، فهي أحيانًا تكون السحر كله والبلاغة كلها، على شرط أن يكون القلب هو الذي وضعها في موضعها، وأن لا يضعها إلا على هيئة قلبية، فيكون كأنه وضع نفسه في الشعر ليخفق خفقانه الحي في بضعة ألفاظ، وهذا ما لم يحسنه شوقي -والعيب الثاني أن ألفاظ شاعرنا يثبت أكثرها على النقد؛ لضعفه في الصناعة البيانية، ثم لضعف الموهبة الفلسفية فيه واعتباره التهويل شعرًا والمبالغة بلاغة وإن فسدت بهما البلاغة والشعر؛ انظر إلى قوله من قصيدته الشهيرة ٢٨ فبراير:
قالوا: الحماية زالت قلت لا عجب ... قد كان باطلها فيكم هو العجبا
رأس الحماية مقطوع فلا عدمت ... كنانة الله حزمًا يقطع الذنبا
قلنا: فإذا قطع "رأس الحماية" وبقيت منها بقية ما ذنب أو يد أو رجل؛ فإن هذه البقية في لغة السياسة التي تنقذ الألفاظ وحروفها ونقط حروفها ... لن تكون ذنبًا ولا يدًا ولا رجلًا، بل هي "رأس الحماية" بعينه.... على أن شوقي إنما عكس قول الشاعر:
لا تقطعنْ ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهمًا فأتبع رأسها الذنبا
وهذا كلام على سياقه من العقل، فما غناء قطع ذنب الأفعى إذا بقي رأسها، وإنما الأفعى كلها هي هذا الرأس.
стр. 913
ولقد ظهر لي من درس شوقي في ديوانه أمر عجبت له؛ فإني رأيته يأخذ من أبي تمام والبحتري والمعري وابن الرومي وغيرهم؛ فربما ساواهم وربما زاد عليهم، حتى إذا جاء إلى المتنبي وقع في البر وأدركه الغرق؛ لأنه نشأ على رهبة منه كما تشير إليه عبارته في مقدمة ديوانه الأول؛ وقد وصف خيل الترك في قصيدة أنقرة بقوله:
والصبر فيها وفي فرساها خلق ... توارثوه أبًا في الروع بعد أب
كما ولدتم على أعرافها ولدت ... في ساحة الحرب لا في باحة الرحب
وشعره هذا كله يرتعد أمام قول المتنبي:
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها، والطعن في لباتها
فكأنها نتجت قيامًا تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
فانظر أين صناعة من صناعة وأين شعر من شعر؟ وقال في "صدى الحرب" يصف مدافع الدردنيل:
قذائف تخشى مهجة الشمس كلما ... علت مصعدات أنها لا تصوب
إذا هب حاميها على السفن انثنت ... وغانمها الناجي فكيف المخيب
وهذا الاستفهام "فكيف المخيب" استفهام مضحك؛ لأنه إذا كان الناجي غانمًا، فالمخيب خاسر بلا سؤال ولا فلسفة؛ والكلمة الشعرية في هذا كله هي قوله "وغانمها الناجي"، وهي كالهاربة تتوارى خوفًا من بيت أبي الطيب:
أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكبروا الذي فعلوا
فهذا هو الشعر لا ذاك؛ على أني أشهد أن في قصيدة "صدى الحرب" أبياتًا هي من أسمى الشعر، وكأن شوقي ﵀ كان ينظم هذه القصيدة من إيمانه ومن دمه ومن كل مطامع دنياه وآخرته، يبتغي بها الشهرة الخالدة في الناس، والمنزلة السامية عند الخديو، ونباهة الشأن عند الخليفة، والثواب عند الله تعالى؛ ولو هو في أثناء عملها أسقط نصفها أو أكثر لجاءت فريدة في الشعر العربي، غير أن الحرص كان يغتره، وكان طول عمره مفتونًا بشعره؛ فجاء في هذا الشعر بالطم والرم كما يقولون؛ وله كثير من الكلام الرذل الساقط بضعفه وتهافته؛ ولولا تلك التركية الفارسية وضعفه البياني، لما رضي أن يكون ذلك في شعره؛ وليت شعري كيف غاب عن مثله أن التهويل والإغراق والإحالة مما يهجن الشعر ويذهب بأثره
стр. 914
في النفس ويحيله إلى صناعة هي شر من الصناعة البديعية؛ لأن هذه تكون في والألفاظ؛ والألفاظ تحتمل العبث البديعي ويخرج بها الأمر إلى أن يكون ضربًا من الرياضة كمعاناة بعض المسائل في الجبر والهندسة تركيبًا وحلًا؛ ولكن المعاني لا تحتمل ذلك؛ إذ هي تفكير لا يلتوي إلا فسد، والمعاني التي يأتي بها الشاعر يجب أن تكون فيها مزية بخاصتها من الجمال والبيان، وأن تكون أخيلتها هي الحقائق التي أول مواضعها فوق حقائق البشر.
وهناك ضرب آخر من المبالغة يجيء من سقوط الخيال؛ لأن في الأسفل مبالغة كما في الأعلى، وإن كانت مبالغة الأسفل زيادة في السخرية منه والهزء به؛ وهذه المبالغة تأتي من جمع أشتات مختلفة وإدماجها كلها في معنى واحد، كهذا الذي حاول أن يدمج الطبيعة كلها في حبيبته فزعم أن فيها من كل شيء، ونسي أن كل قبيح وكل بغيض هو من كل شيء ...
إن الخيال الشعري يزيغ بالحقيقة في منطق الشاعرلا ليقبلها عن وضعها ويجيء بها ممسوخة مشوهة، ولكن ليعتدل بها في أفهام الناس ويجعلها تامة في تأثيرها؛ وتلك من معجزاته؛ إذ كانت فيه قوة فوق القوة عملها أن تزيد الموجود وجودًا بوضوحه مرة وبغموضه أخرى.
ولعلماء الأدب العربي كلمة ما أراهم فهموها على حقها ولا نفذوا إلى سره؛ قالوا: أعذب الشعر أكذبه؛ يعنون أن الشعر المبالغة والخيال: ولا ينفذون إلى ما وراء ذلك، وما وراءه إلا الحقيقة رائعة بصدقها وجلالها؛ وفلسفة ذلك أن الطبيعة كلها كذب على الحواس الإنسانية، وأن أبصارنا وأسماعنا وحواسنا هي عمل شعري في الحقيقة؛ إذ تنقل الشيء على غير ما هو في نفسه؛ ليكون شيئًا في نفوسنا، فيؤثر بها أثره جمالًا وقبحًا وما بينهما؛ وما هي خمرة الشعر مثلًا؟ هي رضاب الحبيبة؛ ولكن العاشق لو رأى هذا الرضاب تحت المجهر لرأي.. لرأى مستنقعًا صغيرًا. ولو كان هذا المجهر أضعاف الأضعاف مما يجهر به لرأيت ذلك الرضاب يعج عجيجًا بالهوام والحشرات التي لا تخفى بنفسها ولكن أخفاها التدبير الإلهي بأن جعل رتبتها في الوجود وراء النظر الإنساني، رحمة من الله بالناس؛ فأعذب الشعر ما عمل في تجميل الطبيعة كما تعمل الحواس الحية بسر الحياة؛
стр. 915
ولهذا المعنى كان الشعراء النوابغ في كل مجتمع هم كالحواس لهذا المجتمع.
ومن سخيف الإغراق في شعر شوقي قوله في رثاء مصطفى باشا كامل، وهي أبيات يظن هو أنه أوقع كلامه فيها موقعًا بديعًا من الإغراب:
فلوَ ان أوطانًا تصور هيكلًا ... دفنوك بين جوانح الأوطان
أو كان يحمل في الجوارح ميت ... حملوك في الأسماع والأجفان
أو كان للذكر الحكيم بقية ... لم تأتِ بعدُ رثيت في القرآن
فهذه فروض فوق المستحيل بأربع درجات ... وتصور أنت ميتًا يحمل في الجوارح فيترمم فيها ويبلى ... وما زال الشاعر في أبياته يخرج من طامة إلى طامة، حتى قال: رثيت في القرآن، ولو سئلت أنا إعراب "لو" في هذه الأبيات لقلبت: إنها حرف نقص وتلفيق وعجز ... وكيف يسوغ في الفرض أن تكون للقرآن بقية لم تنزل، والله تعالى يقول فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ؛ والأمر أمر دين قد تم، وكتاب مقدس ختم، ونبوة انقضت؛ والشاعر ماضٍ في غفلته لم يتنبه لشيء ولم يدر أنه يفرض فرضًا بهدم الإسلام كله، بل حسب أنه جاء بخيال وبلاغة فارسية؛ وشوقي في الحقيقة كامل كناقص، وإن من معجزات هذا الشاعر أن يكون ناقصًا هذا النقص كله ويكمل.
وفي الشوقيات صفحات تكاد تغرد تغريدًا، وفيها صفحات أخرى تنق نقيق الضفادع؛ وفي هذا الديوان عيوب لا نريد أن نقتصها؛ فإن ذلك يحتاج إلى كتاب برأسه إذا ذهبنا نأتي بها ونشرح العلة فيها ونخرج الشواهد عليها، ولكن من عيوبه في التكرار أن له بيتًا يدور في قصائده دوران الحمار في الساقية، وهو هذا البيت:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
بل هذا البيت:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن تولت مضوا على آثارهما قدما
بل هو هذا:
كذا الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم ... ويذهب عنهم أمرهم حين تذهب
بل هو هذا البيت:
ولا المصائب إذ يرمي الرجال بها ... بقاتلات إذا الأخلاق لم تصب
وقد تكرر "فيما قرأته من ديوانه" ثلاث عشرة مرة، فعاد المعنى كطيلسان ابن