← Адаб

Адаб · id 11755

وحي القلم

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (1 011 стр.). Показаны 981–1011 · переход к 986.

стр. 981

الخبر "بقيل أو يقال" فقد دل على أن هذا الخبر غير مقطوع به؛ إذ تسمى هذه الصيغة عندهم صيغة التمريض، فهي لا تفيد الصحة ولا الجزم بها، وظاهر أن أبا تمام لا يمكن أن يكون قد نشأ بمصر وبدمشق في وقت معًا. وابن خلكان قد وقف على الكتاب الذي عمله الصولي في أخبار أبي تمام ونقل عنه، وهو المرجع في هذا الباب؛ فلا بد أن يكون هذا الكتاب قد خلا من تحقيق هذه الرواية، بل نحن نرجح أنه قد خلا منها بتة، فلم يذكر أن نشأة أبي تمام كانت بمصر؛ لأن صاحب الأغاني أغفلها ولم يشر إليها بحرف، مع أنه ينقل عن الصولي نفسه ويقول في كتابه: "أخبرني الصولي" وكانت أهملها صاحب مروج الذهب، وهو ينقل أيضًا عن الصولي، وهذا يثبت لنا أن الخبر لم يكن معروفًا يومئذ، وإلا هو التاريخ عند أبي الفرج والمسعودي إن لم يكن هو هذا؟ ولكن ذكرت الرواية في كتاب الأنباري "طبقات الأدباء"، واقتصر ناقلها على أن أبا تمام نشأ بمصر، وأنه كان يسقي الماء بها، ولم يذكر رواية عمله بدمشق؛ والأنباري متأخر توفي سنة٥٧٧، فهو بعد موت أبي تمام بثلاثة قرون ونصف، فلا قيمة لروايته، وشأنه شأن غيره من الناقلين؛ ونحن نرى أن هذه الرواية قد صنعت في مصر نفسها للغض من أبي تمام والزراية عليه، وبقيت مروية فيها ثم حملت كما تحمل كل رواية لذاتها لا لتحقيقها، سواء أكانت موجهة على الحق أم معدولًا بها عنه؛ ولا أوضع في المهنة من سقاية الماء في الجامع بالجرة، ولعمري ما ذكرت "الجرة" هنا عبثًا؛ والغلو في التحقير هو بعينه الدليل على الكذب، فهذه الكلمة كأثر المجرم في جريمته.. وبعد، فإنا نقرر أن هذا الشاعر العظيم لم ينشأ بمصر، وأنه ولد وتأدب في الشام ثم قدم إلى مصر شاعرًا ناشئًا يتكسب بأدبه كما قدم عليها غيره من الأندلس والمغرب والشام، والعراق، وأنه لم يأتِ إلى مصر إلا في ولاية عبد الله بن طاهر الأديب الشاعر القائد العظيم، وقد جعلت له ولاية مصر والشام والجزيرة في سنة ٢١٠ أو ٢١١ على خلاف بين المؤرخين، وكانت سن أبي تمام يومئذ بين ٢١ و٢٣ سنة؛ وقد كان ابن طاهر مغناطيسًا للشعراء في كل مكان ينزله، حتى قال فيه بعضهم وعزم على الهجرة إلى مصر: يقول رجال إن مصر بعيدة ... وما بعدت مصر وفيها ابن طاهر وأبعد من بمصر رجال نراهم ... بحضرتنا معروفهم غير ظاهر عن الخير موتى ما تبالي أزرتهم ... على طمع أم زرت أهل المقابر

стр. 982

وقد قصده أبو تمام إلى مصر، كما قصده بعد ذلك إلى خراسان في سنة٢٢٠، وهي السنة التي وضع فيها أبو تمام أو في التي تليها كتاب "الحماسة" كما حققناه ولا محل لذكره هنا. ونحن نسوق أدلتنا على صحة ما ذهبنا إليه في نفي أن يكون أبو تمام قد نشأ بمصر أو جاءنا طفلًا، أو تكون منها طبيعته في الشعر، أو يكون لها أثر في عبقريته: ١- المجمع عليه بلا خلاف أن الشاعر ولد في الشام، وما دام كذا لقد قالت الطبيعة كلمتها في أصل نبوغه وعبقريته، فإن الأديب يولد ولا يصنع كما يقول الإنجليزي؛ وكل العلماء يعرفونه بالطائي! ولا يطعن في نسبه إلا من لا يحقق وهو نفسه يباهي بطائيته، وذلك كالشرح على كلمة الطبيعة في أسباب نبوغه الوراثية؛ وقد تنقل الرجل بين مصر والشام والعراق وخراسان وأرمينيا وغيرها، فما بلد أولى من بلد بأن يكون مثار عبقريته. ٢- إن الشاعر إنما يتكسب من شعره يمدح من يهتز له أو يعطي عليه، ولم يمدح أبو تمام أحدًا من أهل مصر؛ فإن كان مدح فيها عبد الله بن طاهر فإنما إليه قصد وله جاء؛ وابن طاهر ليس مصريًّا، وقد جاء إلى مصر ورجع منها قبل أن يحول عليه الحول، فلو أن نشأة هذا الشاعر كانت بمصر وتأدبه كان فيها لأصبنا له مدحًا كثيرًا في أعيانها وعلمائها؛ إذ هو متى قال الشعر لا يتكسب إلا منه؛ وفي ديوان الشاعر هجاء لابن الجلودي نظمه في مصر، ولكن ابن الجلودي ليس مصريًّا بل هو قائد من قواد المأمون، ولاه محاربة الزط سنة ٢٠٥، ثم أقدم بعد ذلك مصر، ثم ولي عليها في سنة ٢١٤؛ فكل المصرية في شعر أبي تمام هي في هجائه للشاعر المصري يوسف السراج، ولعلها في بعض مقاطيع أخرى من الغزل أو الوصف. ٣- ولد أبو تمام في سنة ١٨٨ أو١٩٠، ومن الثابت أنه كان بمصر في سنة ٢١٤، حين نظم قصيدته الدالية والنونية في رثاء عمير بن الوليد -وعمير هذا ليس مصريًّا، بل هو من خراسان، وكان بمصر عاملًا لأبي إسحاق المعتصم بن الرشيد فلو كان أبو تمام قد جاء إلى مصر طفلًا كما يقال لكانت مدة قوله الشعر فيها لا تقل عن عشر سنوات، مع أن كل ما نظمه وهو فيها لا يبلغ عشر قصائد؛ وهذا ديوانه بين أيدينا وإليه وحده المرجع في الدلالة على صاحبه. ٤- روى المرزباني في "الموشح" عن العباس بن خالد البرمكي قال: أول ما نبغ "أي قال الشعر" أبو تمام الطائي أتاني بدمشق يمدح محمد بن الجهم فكلمته

стр. 983

فيه فأذن له؛ فدخل عليه وأنشده، ثم خرج فأمر له بدراهم يسيرة، ثم قال: إن عاش هذا ليخرجن شاعرًا. فهذا نص على أن الشاعر لم يكن يومئذ إلا في ابتداء الشعر، ولم يكن قد خرج شاعرًا بعد وكان شعره من الطبقة التي يثاب عليها "بدراهم يسيرة". وأبو تمام بعد ذلك هو نفسه الذي نثر عليه عبد الله بن طاهر ألف دينار فترفع أن يمسها وترك الخدم ينتهبونها، وكان ذلك سببًا في تغير ابن طاهر عليه. ٥- نقل ابن خلكان في ترجمة ديك الجن الشاعر الحمصي المشهور، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزبيدي قال: كنت جالسًا عند ديك الجن، "يعني بحمص" فدخل عليه حدث فأنشده شعرًا عمله، فأخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجًا كبيرًا فيه كثير من شعره، فسلمه إليه وقال: يا فتى تكسب بهذا واستعن به على قولك. فلما خرج سألته عنه فقال: هذا فتى من أهل جاسم، يذكر أنه من طيء، يكنى أبا تمام، واسمه حبيب بن أوس، وفيه أدب وذكاء وله قريحة وطبع. فهذا نص آخر على أن أبا تمام كان يومئذ حدثًا -أي غلامًا- وكان لا يزال يطلب الأدب، وقد أعانه أستاذه بنسخ من قصائده يتخرج بها ويحذو عليها؛ فهو قد نشأ في الشام وتأدب فيها. ٦- نظم أبو تمام قصيدته اللامية: أصبُّ بحميا كأسها مقتل العذل يصف تقتير الرزق عليه بمصر وخيبة أمله الذي أمله من المال، وفي هذه القصيدة يحن إلى الشام ويستقي لها ويذكر أرض البقاعين وقرى الجولان التي نشأ فيها: ولا يحن الشاعر لأرض إلا إذا كان فيها حبه أو شبابه وأدبه، أما الطفولة فمنسية بآثارها؛ إذ لا آثار لها في النفس متى شب المرء إلا بعيدًا بعيدًا، وإنما الحنين لما تتعلق به الغريزة المميزة. ٧- في هذه القصيدة يقول أبو تمام يخاطب أحبابه: عدتني عنكم مكرها غربة النوى ... لها وطر في أن تمر ولا تحلى والنوى في لغة الشاعر هي رحيله للتكسب بشعره؛ ولما رجع عوف بن محلم الشيباني إلى وطنه بعد وفادته على عبد الله بن طاهر في خراسان؛ سئل عن حال فقال: رجعت من عند عبد الله بالغنى "والراحة من النوى"؛ ويؤيده قول أبي تمام في قصيدته تلك: نأيت فلا مالًا حويت ولم أقم ... فأمتع، إذ فجعت بالمال والأهل

стр. 984

يعني أنه اغترب مكرهًا يطلب الكسب لا غير، ولا كسب للشاعر إلا من شعره، فهو بنص كلامه عن نفسه قدم إلى مصر شاعرًا يتكسب ويتعرض للغني كما يصنع غيره. ٨- في هذه القصيدة اللامية يقدم لنا أبو تمام ﵀ دليلًا يأكل الأدلة، كأنما ألهم من وحي الغيب أننا سنحتاج إلى هذا الدليل يومًا لندفع به عنه؛ فهو يحن إلى حيبب له في الشام، ويقول: إن غربة النوى التي وصفها: أنت بعد هجر من حبيب فحركت ... صبابة ما أبقى الصدود من الوصل أخمسة أحوال مضت لمغيبه؟ ... وشهران بل يومان ثكل من الثكلِ يعني أنه قال هذا الشعر وقد مضى على إقامته في مصر خمس سنوات، وكان قد جاء من الشام عاشقًا ذلك العشق الذي فيه "الصدود والوصل"، والطفل لا يحب مثل هذا الحب ولا يحن ذلك الحنين؛ فإذا كان الشاعر قدم إلى مصر في سنة٢١٠، كما رجحناه، وسنه بين٢١ و٢٣ سنة فيكون قد نظم هذه القصيدة في سنة ٢١٥، وعمره يومئذ بين ٢٦ و٢٨ سنة؛ فلو أن أبا تمام جاء من الشام طفلًا صغيرًا فكيف للطفل أن يقول مثل هذا الشعر بعد خمس سنوات؟ وما هجر الحبيب "وصبابة ما أبقى الصدود من الوصل"؟ ٩- مدح شاعرنا محمد بن حسان الضبي بقصيدة نونية يذكر فيها تنقله في البلاد فقال فيها: بالشام أهلي، وبغداد الهوى، وأنا ... بالرقمتين، وبالفسطاط إخواني وما أظن النوى ترضى بما صنعت ... حتى تشافه بي أقصى خراسان! فأنت ترى أنه جعل أهله بالشام، وجعل أصدقاءه بمصر؛ فلو أنه كان قد نشأ بها لجعل بها أهله؛ إذ لا ينشأ إلا مع أبيه وأمه، والبيت الثاني دليل منه هو على أنه لم ينزل بمصر مقيم ولا متوطنًا، بل متنقلًا كما نزل بغيرها. ١٠- تقول كتب الأدب في مدارس الحكومة: إن أبا تمام نقل إلى مصر صغيرًا فنشأ بها وقد بينا فساد ذلك، ثم خرج إلى مقر الخلافة فمدح المعتصم؛ وهذا غير صحيح؛ فإن أبا تمام خرج من مصر قبل أن يدخلها المأمون في سنة ٢١٦، حين جاءها وقتل بها عبدوس الفهري؛ فلو كان الشاعر يومئذ لمدح المأمون، وذكر هذه الواقعة، والمعتصم ولي الخلافة سنة ٢١٨، وديوان أبي تمام يثبت أنه في سنة ٢١٧، كان بالعراق، وقد مدح المأمون بقصيدته الميمية، وذكر في مدحه وقعة الروم، وهذه كانت في تلك السنة.

стр. 985

يخلص من كل ما تقدم أن أبا تمام ولد في الشام وتأدب فيها، وقدم إلى مصر كبيرًا يتكسب بالشعر، فأقام بها بين خمس سنين وست، ولم يجد له عيشًا بها بعد قتل عمير بن الوليد الذي قتل في سنة ٢١٤؛ فإنه كان يعيش في كنفه، وقد صرح في قصيدته النونية التي رثاه بها أنه يأمل من بعده في ابنه محمد. فقدوم الشاعر إلى مصر كان في سنة٢١٠ أو حواليها، وخروجه منها كان في سنة٢١٥ أو حواليها، والله أعلم.

стр. 986

القديم والجديد ١: أقول للأستاذ الفاضل الدكتور طه حسين "في رفق ولين" وفي عجلة أيضًا: إني في هذه الأيام ضنين بما أملك من وفتي أشد الضن، أحسب السماء تتفجر من يومي في ساعة كالفجر، فلا يصرفني عن تلك الساعة شيء ولا يصرفها عني شيء؛ إذ بين يدي كتاب في الرسائل أعمل فيه وأستعين الله على الفراغ منه في وقت معين، وقد أظل أو كاد؛ فلا يرين الأستاذ أني أستطير هذه المرة كالطيرة الأولى، فإن جناحي في فضاء آخر، وإن هذا الكتاب الذي أعالجه لا يجشمني عرفًا من القرية كما قالوا قديمًا، بل لعله في ألمه أشبه "بعملية" تشريح في القلب، وستذهب الدقائق التي أكتب فيها هذه الكلمة مأسوفًا عليها، لأنها ذاهبة بصفحتين من كتابي. وأما بعد، فلا أرى من الإنصاف أن يعمد الدكتور إلى جمل يقتضبهن من مقالي في مجلة الهلال ثم يهدفها للرد، وكان عسى أن يدفع عنها شيء مما قبلها أو ما بعدها أو يشد منها بعض جهاتها أو يأتي بها في سياق يبين عن معناها. وزعم الأستاذ أنه لا يفهم من كلامي هذه الجملة "وأنت تعلم أن الذوق الأدبي في شيء إنما هو فهمه، وأن الحكم على شيء إنما هو أثر الذوق فيه، وأن النقد إنما هو الذوق والفهم جميعًا.. ثم دار بهذه الكلمات دورة العاصفة وجعلها مسألة كمسألة الدور والتسلسل المشهورة، بل جعلها من قبيل "قصة وقضية".. فتراه يقول: ذوق هو الفهم، وفهم هو الذوق، وفهم ليس بالذوق، وذوق ليس بالفهم، وهلم صاعدًا ونازلًا؛ وضرب لنا مثلًا بالموسيقى فقال: "ما نظن أن الذين يطوقون الموسيقى ويطربون لها يفهمونها جميعًا". وأنا أفسر كلامي بهذا المثل نفسه، أقتصر عليه ولا أعدوه. نأتي الآن بأستاذ قد برع في الموسيقى وخالطت أعصابه ولحمه ودمه، وندفع

стр. 987

إليه قطعة ملحنة ونقول له: اسمع وافهم واحكم وانتقد؛ يسمعها مرة بعقله أو لعقله يتبين ما يكون فيها صوابًا وما يكون خطأ، ثم ما يعلو عن الصواب من الإجادة والإتقان، وما ينحط عن الخطأ من الإساءة والتخليط؛ فهذا هو الفهم. ويسمعها مرة ثانية بحسه أو لحسه، فيرى أثر ما فهم، ويديرها في ذوقه ليعرف كيف موقعها من الغرض الذي وضعت له، فإنها لم توضع لتكون أصواتًا، بل لتخلق من الأصوات شيئًا؛ فهذا هو الذوق، وهو كما تراه بعد الفهم وناشئ عنه. ومثل الأستاذ طه حسين لا يخفى عليه أن من يقول: إن الذوق في شيء إنما هو فهمه، أو إنما هو عن فهمه، أو إنما ينشأ عن فهمه، فالعبارة في باب المجاز واحدة لا تختلف. ثم إن أستاذ الموسيقى وقد سمع القطعة مرتين، أو مرة كمرتين إن بلغ أن يكون له في كل أذن واحدة أذنان، يستفتي ذوقه الفني ويحكم للقطعة أم عليها؛ فهذا هو أثر الذوق. الآن قد حكم الأستاذ وانتقد وجزم برأيه، فندب له فلان يقول: أخطأت وأسأت وجهلت وغفلت، أو تعصبت وحططت في هوى صاحب اللحن؛ فمن أين جاء هذا الخلاف وكيف وقع هذا القول؟ بل كيف ساغ للثاني أن يجهل الأول ويرى غير رأيه ويحكم غير حكمه، إلا إذا كان قد فهم غير فهمه فأنشأ له الفهم ذوقًا وأحدث له الذوق حكمًا وجاءت من هذه المقدمات تلك النتيجة التي نسميها النقد، وما هي في الحقيقة إلا الذوق والفهم جميعًا، فالذين يذوقون الموسيقى ويطربون لها ولا يفهمونها فقد فهموها على مقدار ما استقر في نفوسهم من أساليب التطريب وما فيهم من المطاوعة لهذه العاطفة؛ أو لا تراهم يقولون في أمثال هؤلاء: إن لهم آذانًا موسيقية؟ فهذه الأذن هي الفهم بعينه، لأنها حاسة اجتمعت من مران طويل، وقد تقوم في بعض الناس على جهله بالموسيقى مقام علم برأسه. ويقول الأستاذ طه: إنه قد يقرأ كلامي ويفهمه ولا يذوقه، ولكن عدم الذوق هنا هو الذوق؛ وليت شعري ما معنى قول المتنبي: ومن يك ذا فم مر ... ولو كان الأستاذ وأمثاله هم في هذا القياس المتر والكيلومتر، لوجب ألا أجد من يذوق كلامي ويعجب به ويغالي فيه ويكون ذنبًا من ذنوبي عند الله بإسرافه في المغالاة، وأنا واجد لكل واحد مثل الأستاذ طه عشرة ومائة من غيره، ولو خرج هو إلى العالم لرأى وسمع، وفيهم من هم أعلى منه كعبًا وأمد عنقًا وأضخم هامة وأبدع بديعًا وأبلغ وأزكى وأعلم إلى عدد من هذه الواوات.

стр. 988

وعجبت للدكتور يريد أن لا يفهم من عبارتي كما يقول إلا أن "الذوق هو نفس الفهم، فاللفظان يدلان على معنى واحد، وإذن وإذن وإذن..". فهل يرى إذا قلت له: رأيت القمر وفلانة ليلة كذا فكانت إنما هي القمر -أني أقصد بهما معنى واحدًا فيقول لها: "وإذن" فليسا شيئين مختلفين وإنما هو شيء واحد، وإذن فكيف صار لها وجه في السماء ووجه في الأرض وبقيت مع ذلك امرأة من الإنس؛ وإذن فهذا كلام لا يفهم ... قال بعضهم إن "لو" تفتح عمل الشيطان، يريد أنها أداة التمني، والمذهب الجديد سيضم "إذن" إلى "لو" ثم ما هي الكلمة الثالثة يا ترى؟ أنا -مع إعجابي بالدكتور الفاضل- أرى أنه مستهتر بأشياء، وأن من خلقه أن ما لا يرضى عنه وما لا يفهمه "ليسا شيئين مختلفين". فإذا لم يكن من الفهم بد قال: إنه لا يقتنع، فإذا ضايقته وضيقت عليه لم يبق إلا ما يقول النحاة في "أي" التي حيرهم إعرابها وبناؤها: أي كذا خلقت ... وأنا وأمثالي إنما نحرص أشد الحرص على هذه اللغة؛ لأنها أساس الأمة الإسلامية فلا نرضى غلا أن يكون هذا الأساس ثابتًا متينًا لا يزعزعه شيء ولا يثلمه شيء ولا يضعفه شيء؛ والدكتور وأمثاله لا يبالون أن تكون هذه الأمة كبيوت أمريكا المتحركة ... لست أنكر التجديد، بل لعل الدكتور يذكر مناقشتي إياه في "الجريدة" وإصراره يومئذ أن ليس لأحد أن يدخل في اللغة كلمة، وأن قول الناس تنزه ومتنزه ونزهة الخ كلها منا لكلام العامي، وتعلقه بنص ابن سيده في ذلك، واستخراجي له نص ابن قتيبة وكلامًا كثيرًا من استعمال العلماء، ثم قوله أحسنت، ولكن لو جئتني باللفظة في كلام المبرد والجاحظ وفلان وفلان ما اقتنعت. إنما أنكر شيئًا واحدًا، وهو أن يقال مذهب قديم ومذهب جديد؛ فقد وسع الله على الناس فيما علموا وفيما جهلوا، ولكن أصحابنا يريدون ألا نكتب إلا نمطًا بعينه، ولا نذهب إلا مذهبًا بعينه؛ لأن كل ذلك هو الجديد؛ فأيهما خير لنا ولهم وللذين سيخرجون تاريخهم من قبورنا: أن نعتد اللغة والأدب كل ما اجتمع من قديم وجديد ونحكم هذه اللغة ونحفظها وندفع عنها ونجعل تجديدها كتجدد الحسناء في أثوابها وفي ألوانها دون تشويه ولا مسخ ولا مس الجسم الجميل، أن تقول: هذه الشفة وهذا الأنف وهذا الموضع الممتلئ الخدل وهذا الموضع

стр. 989

الهضيم الناحل وتعال يا دكتور هات المبضع والمشرط والمقص والمنشار والإبرة والخيط وإذن ... ؟ لقد أذكر أني رأيت في بعض مقالات الأستاذ طه حسين أو في بعض ما يقرظ به الكتب أنه قال: إن القديم قد أثبت دائمًا أنه أقوى وأمتن وأصح؛ فهل رجل عن هذا الرأي أم ظهر في الجديد ما هو أقوى وأمتن وأصح؟ ثم يا أيها الملأ أفتوني ما هو هذا الجديد؟ أهو ذاك الخيال الشارد المجنون، أم تلك الشهوات المتوثبة المتلهفة، أم ذلك الأسلوب الفج المتسوخم، أم العامية السقيمة الملحونة؛ أم هو في الحقيقة بين رغبة في النبوع قبل أن تتم الأداة وتستحكم الطريقة، كما هو شأن فريق من الكتاب، فيختصرون الطريق بكلمة واحدة هي المذهب الجديد - وبين غربة في التعصب للآداب الأجنبية كما هو شأن فريق آخر- وبين رغبة في الحط من قيمة بعض الناس ورميهم بالجهل والسخف وأنه لا قيمة لما يجيئون به، كل ذلك في تعبير علمي يصح أن يكون نظرية علمية ... وقبلهم قالها العرب في القرآن الكريم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ فقد شاءوا فلم يقولوا؛ ولو أن المذهب الجديد فسر القرآن يومًا.. لقال في معنى أساطير الأولين إنهم أرادوا بهذا المذهب القديم ... ويقول الدكتور طه: إن هناك قومًا ينصرون المذهب الجديد وليس لهم من اللغات الأجنبية وآدابها حظ، وحظهم من اللغة العربية وآدابها موفور؛ ثم طلب رأيي في هؤلاء وما أصل مذهبهم الجديد؛ فأقول: إني أعرف بعضهم، وأعرف أن أدمغتهم لا يشبهها شيء إلا جلود بعض الكتب التي ليس فيها إلا متن وشرح وحاشية: جلد ملفوف على ورق، وورق ينطوي على قواعد محفوظة، وهم أفقر الناس إلى الرأي؛ وهذه علة حبهم للأساليب الجديدة القائمة على الترجمة ونقل الآراء من الغرب إلى الشرق، وبالمعنى الصريح المكشوف: من الأدمغة المملوءة إلى الأدمغة الفارغة، وفيهم بعض أذكياء، ولكن ذكاءهم في حواسهم، فإن لم يكن هذا فليقولوا هم لماذا؟ ولو أنك سألت العنكبوت: ما هي الظبية الحوارء العيناء التي تطمعين فيها وتنصبين لها كل هذه الأشراك والحبائل؟ لقالت لك: مهلًا حتى تقع فتراها! فإذا وقعت رأيتها ثمة ورأيتها ذبابة.. ولكن ماذا يقول الدكتور في الأستاذ الإمام الكبير الشيخ محمد عبده؟ أكان

стр. 990

يدعو إلى مذهب جديد في اللغة والأدب ويفتتن بالروايات الغرامية وبأسلوب "إميل زولا" في روايته المعروفة وبمثل رواية "الأجرسون". إن كان الناس عند الدكتور من بعض الحجج فإن الشيخ وحده بأمة كاملة ممن يعنيهم. وأختتم هذه الكلمة بالشكر للأستاذ طه حسين والثناء عليه، ثم إني مسترسل في عملي، وهذا عذري إليه.

стр. 991

المرأة والميراث: قرأت في "المقطم" كلمة الكاتب المعروف سلامة موسى فيما يزعمه إجابات مختصرة عن اعتراضات تهافت بها رأيه في الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل في الميراث، وهو ينصح لمن يريد أن يناقشه أن يقرأ نص محاضرته في "السياسة الأسبوعية". وقد رجعت إلى نص المحاضرة فإذا الكاتب هو هو في ضعف تفكيره وسوء تقليده، يكاد لا يميز بين الرأي الصحيح الثابت في نفسه؛ لأنه قائم على حكمته الباعثة عليه، وبين الرأي المتغير في كل نفس بحسبها؛ لأنه قائم على منزع أو غفلة أو مرض في النفس. ترى الكاتب لا يدعو إلا إلى تقليد أوربا، وتكاد عباراته في ذلك لا تحصى ويقول: إن "المصلح المثمر عندنا هو مقلد لأوربا لا غش في تقليده" فليس إلا أوربا وتقليدها وإذا لم يكن في أوربا قرآن ولا إسلام فالإصلاح المثمر عند الكاتب ألا يبقى من ذلك شيء ... "مقلد أوربا لا غش في تقليده"، وما هو الغش في التقليد؟ هو أن تستعمل رأيك وفكرك فتدع وتأخذ على بينة في الحالين، وأن تأبى أن تحمل على طبيعتك الشرقية ما لا تصلح عليه ولا تقوم به؛ وإذا انقلبت أوربا شيوعية أو إباحية وجب ألا نغش في التقليد.. وإذا كانت الشمس لا تطلع ستة أشهر في بعض جهات أوربا وتطلع في مصر كل يوم وجب أن يكون المصري أعمى ستة أشهر ... والظاهر أن الكاتب يقول بالتقليد؛ لأنه طبيعي فيه.. ورأيه في الميراث إنما هو ترجمة.. لعمل مصطفى كمال؛ وإن كان مصطفى كمال قد أصلح الترك في سنوات كما يقولون: فبرهان التاريخ لا يخضع للمشقة ولا لمحاكم الاستقلال ولا يأتي إلا في وقته الذي سيأتي فيه، وسيرى الناس يومئذ ما يكون وهمًا مما يكون حقيقة. ويرد الكاتب على رأي الأستاذ الأخلاقي رئيس تحرير "المقطم" في خشيته أن يقتصر الإصلاح على القشور دون اللباب، فيقول: إنه "معتقد أن الأمة التي

стр. 992

تشرع في اتخاذ المدنية الحديثة يجب أن تبدأ بالقشور ... لأنها أسهل عليها من اللباب بل هي لا تستطيع غير ذلك". أكذلك بدأت اليابان؟. وهل كل الطباع كطبيعة بعض الناس، تستطيع أن تعتلف قشور المدنية.. وتنصرف إلى مداقها وسفاسفها؟ ولا ريب أن حضرته لا يفهم الدين الإسلامي؛ لأنه ليس من أهله، فهو يقرنا على ذلك، وهو بذلك يقرنا على أنه متطفل في اقتراحه؛ وإن الذي يقرأ في محاضرته قوله: "إن الطبقة الغنية في الأمة هي التي تقرر ديانة الأمة.." يستيقن أنه لا يفهم دينا من الأديان، وأنه قصير النظر في أمور الاجتماع وأبواب السياسة؛ وأن يمينه وشماله وأمامه ووراءه إن هي إلا جهات الزمام الذي ينقاد فيه؛ فلا شخصية له، وإنما يتابع وينقاد للآراء التي يترجم منها بلا نقد ولا تمييز. إن ميراث البنت في الشريعة الإسلامية لم يقصد لذاته، بل هو مرتب على نظام الزواج فيها، وهو كعملية الطرح بعد عملية الجمع لإخراج نتيجة صحيحة من العملين معًا، فإذا وجب للمرأة أن تأخذ من ناحية وجب عليها أن تدع من ناحية تقابلها؛ وهذا الدين يقوم في أساسه على تربية أخلاقية عالية ينشئ بها طباعًا ويعدل بها طباعًا أخرى، كما بيناه في مقالنا المنشور في "مقتطف" هذا الشهر؛ فهو يربأ بالرجل أن يطمع في مال المرأة أو يكون عالة عليها؛ فمن ثم أوجب عليه أن يمهرها وأن ينفق عليها وعلى أولادها، وأن يدع لها رأيها وعملها في أموالها، لا تحد إرادتها بعمله ولا بأطماعه ولا بأهوائه؛ وكل ذلك لا يقصد منه إلا أن ينشأ الرجل عاملًا كاسبًا معتمدًا، متهيئًا لمعالي الأمور، فإن الأخلاق كما هو مقرر يدعو بعضها إلى بعض، ويعين شيء منها على شيء يماثله، ويدفع قويها ضعيفها، ويأنف عاليها من سافلها؛ وقد قلنا إنه لا يجوز لمتكلم أن يتكلم في حكمة الدين الإسلامي إلا إذا كان قوي الخلق، فإن من لا يكون الشيء في طبعه لا يفهمه إلا فهم جدل لا فهم اقتناع. للمرأة حق واجب في مال زوجها، وليس للرجل مثل هذا الحق في مال زوجه؛ والإسلام يحث على الزواج، بل يفرضه؛ فهو بهذا يضيف إلى المرأة رجلًا ويعطيها به حقًّا جديدًا، فإن هي ساوت أخاها في الميراث مع هذه الميزة التي انفردت بها انعدمت المساواة في الحقيقة، فتزيد وينقص؛ إذ لها حق الميراث وحق النفقة وليس له إلا مثل حقها في الميراث إذا تساويا.

стр. 993

فإن قلت كما يقول سلامة موسى: إن في الحق أن تنفق المرأة على الرجل وأن تدفع له المهر ثم تساويه في الميراث، قلنا: إذا تقرر هذا وأصبح أصلًا يعمل عليه بطل زواج كل الفقيرات وهن سواد النسوة؛ إذ لا يملكن ما يمهرن به ولا ما ينفقن منه؛ وهذا ما يتحاماه الإسلام؛ لأنه فيه فساد الاجتماع وضياع الجنسين جميعًا؛ وهو مفضٍ بطبيعته إلى جعل الزواج للساعة ولليوم وللوقت المحدود.. ولإيجاد لقطاء الشوارع، بدلًا من أن يكون الزواج للعمر وللواجب ولتربية الرجل على احتمال المسؤولية الاجتماعية بإيجاد الأسرة وإنشائها والقيام عليها والسعي في مصالحها. من هنا وجب أن ينعكس القياس إذا أريد أن تستقيم النتيجة الاجتماعية التي هي في الغاية لا من حق الرجل ولا من حق المرأة بل من حق الأمة؛ وما نساء الشوارع ونساء المعامل في أوربا من نتائج ذلك النظام الذي جاء مقلوبًا، فهن غلطات البيوت المتخربة والمسؤولية المتهدمة، وهن الواجبات التي ألقاها الرجال عن أنفسهم فوقعت حيث وقعت! وإذا انزاحت مسؤولية المرأة عن الرجل انزاحت عنه مسؤولية النسل، فأصبح لنفسه لا لأمته؛ ولو عم هذا المسخ الاجتماع أسرع فيه الهرم وأتى عليه الضعف، وأصبحت الحكومات هي التي تستولد الناس على الطريقة التي تستنتج بها البهائم، وقد بدأ بعض كتاب أوربا يدعون حكوماتهم إلى هذا الذي ابتلوا به ولا يدرون سببه وما سببه إلا ما بينا آنفًا. ثم إن هناك حكمة سامية، وهي أن المرأة لا تدع نصف حقها في الميراث لأخيها يفضلها به -بعد الأصل الذي نبهنا إليه- إلا لتعين بهذا العمل في البناء الاجتماعي؛ إذ تترك ما تتركه على أنه لامرأة أخرى، هي زوج أخيها؛ فتكون قد أعانت أخاها على القيام بواجبه للأمة، وأسدت للأمة عملًا آخر أسمى منه بتيسير زواج امرأة من النساء. فأنت ترى أن مسألة الميراث هذه متغلغلة في مسائل كثيرة لا منفردة بنفسها، وأنها أحكم الحكمة إذا أريد بالرجل رجل أمته وبالمرأة امرأة أمتها، فأما إذا أريد رجل نفسه وامرأة نفسها، وتقرر أن الاجتماع في نفسه حماقة وأن الحكومة خرافة، وأن الأمة ضلالة، فحينئذ لا تنقلب آية الميراث وحدها بل تنقلب الحقيقة. ومما نعجب له أن سلامة موسى يتكلم في محاضرته كأن كل الوالدين ذوو مال وعقار، فنصف الأمة على هذا محروم نصف حقه وكأنه لا يعرف أن السواد

стр. 994

الأعظم من الناس لا يترك ما يورث، لا على الربع ولا على النصف؛ وأن كثيرًا ممن يموتون عن ميراث لا يحيا ميراثهم إلا أيامًا من بعدهم، ثم يذهب في الديون، إذ لا تركة مع دين، وكثيرون لا يسمن ميراثهم ولا يغني، فلم تبق إلا فئات معينة من كل أمة لا يجوز أن تنقلب من أجلها تلك الحكمة الاجتماعية التي هي من حظ الأمومة كلها لقيام بعض الأخلاق عليها كما بسطناه. ومما تشمئز له النفوس الكريمة قول المترجم في محاضرته: فلو كانت الفتيان يرثن مثل إخوتهن الذكور، لكان "في ثروتهن" إغراء للشبان على الزواج.. إن الدين الإسلامي لا يعرف مثل هذا الإسفاف في الخلق ولا يقره، بل هو يهدمه هدمًا ويوجب على كل رجل أن يحمل قسطه من المسؤولية ما دام مطيقًا إن كره أو رضي، ولعمري، إن تلك الكلمة وحدها من كاتبها لهي أدل من اسم المحل على بضاعة المحل ...

стр. 995

كلمة مؤمنة في رد "كلمة كافرة " ١: تلقيت كتابًا هذه نسخته: أكتب إليك متعجلًا بعد أن قرأت "كلمة كافرة" في "كوكب الشرق" الصادر مساء الجمعة ٢٧ من أكتوبر؛ كتبها متصدر من نوع قولهم: حبذا الإمارة ولو على الحجارة ... وسمى نفسه "السيد، فإن صدق فيما كتب صدق في هذه التسمية. طعن القرآن وكفر بفصاحته، وفضل على آية من كلام الله جملة من أوضاع العرب، فعقد فصله بعنوان "العثرات" على ذلك التفضيل، كأنَّ الآية عثرة من عثرات الكتاب يصححها ويقول فيها قوله في غلط الجرائد والناشئين في الكتابة؛ وبرقع وجهه وجبن أن يستعلن، فأعلن بزندقته أنه حديث في الضلالة. غلى الدم في رأسي حين رأيت الكاتب يلج في تفضيل قول العرب: "القتل أنفى للقتل" على قول الله -تعالى- في كتابه الحكيم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، فذكرت هذه الآية القائلة: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] وهذه الآية: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢] ثم هممت بالكتابة فاعترضني ذكرك، فألقيت القلم؛ لأتناوله بعد ذلك وأكتب به إليك. ففي عنقك أمانة المسلمين جميعًا لتكتبن في الرد على هذه الكلمة الكافرة لإظهار وجه الإعجاز في الآية الكريمة، وأين يكون موقع الكلمة الجاهلية منها؛ فإن هذه زندقة إن تركت تأخذ مأخذها في الناس؛ جعلت البر فاجرًا، وزادت الفاجر فجورًا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] .

стр. 996

واعلم أنه لا عذر لك. أقولها مخلصًا، يمليها على الحق الذي أعلم إيمانك به، وتفانيك في إقراره والمدافعة عنه والذود عن آياته؛ ثم اعلم أنك ملجأ يعتصم به المؤمنون حين تناوشهم ذئاب الزندقة الأدبية التي جعلت همها أن تلغ ولوغها في البيان القرآني. ولست أزيدك، فإن موقفي هذا موقف المطالب بحقه وحق أصحابه من المؤمنين وأذكر حديث رسول الله ﷺ : "من سئل علمًا فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار" أو كما قال.. والسلام عليكم ورحمة الله. م. م.ش قرأت هذا الكتاب فاقشعر جسمي لوعيد النبي ﷺ ، وجعلت أردد الحديث الشريف أستكثر منه وأملأ نفسي بمعانيه، وإنه ليكثر فيَّ كل مرة، فإذا هو أبلغ تهكم بالعلماء المتجاهلين، والجهلاء المتعالمين؛ وإذا هو يؤخذ من ظاهره أن العالم الذي يكتم علمه النافع عن الناس يجيء يوم القيامة ملجمًا، ويؤخذ من باطنه أن الجاهل الذي يبث جهله الضار في الناس يجيء يوم القيامة ملجمًا مبرذعًا.. أي: فهذا وهذا كلاهما من حمير جهنم! والتمست عدد "الكوكب" الذي فيه المقال وقرأته، ولم أكن أصدق أن في العالم أديبا مميزًا يضع نفسه هذا الموضع من التصفح على كلام الله وأساء الأدب في وضع آية منه بين عثرات الكتاب، فضلًا عن أن يسمو لتفضيل كلمة من كلام العرب على الآية، فضلًا عن أن يلج في هذا التفضيل، فضلًا عن أن يتهوس في هذه اللجاجة؛ ولكن هذا قد كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولعمري وعمر أبيك أيها القارئ، لو أن كاتبًا ذهب فأكل فخلط فتضلع فنام فاستثقل فحلم.. أنه يتكلم في تفضيل كلمة العرب على تلك الآية، واجتهد جهده، وهو نائم ذاهب الوعي فلم يأل تخريفًا واستطالة، وأخذ عقله الباطن يكنس دماغه ويخرج منه "الزبالة العقلية" ليلقيها في طريق النسيان أو في طريق الشيطان -لما جاء في شأوه بأسخف ولا أبرد من مقالة "السيد" فسواء أوقع هذا التفضيل من جهة الهذيان والتخريف كما فعل كاتب النوم، أم وقع من جهة الخلط والحبط ما فعل كاتب الكوكب -فهذا من هذا، طباق سخافة بسخافة.. نعم إن مقالة الكوكب أفضل من مقالة الكاتب الحالم ... ولكن قليل

стр. 997

الزيت في الزجاجة التي أهديت لجحا لا يعد زيتًا ما دام هذا القليل يطفو على ملء الزجاجة من.. من البول! ولقد تنبأ القاضي الباقلاني قبل مئات السنين بمقالة الكوكب هذه فأسفلها الرد بقوله: "فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمدٍ فصاحة القرآن وموقع بلاغته وعجيب براعته فما عليك منه، إنما يخبر عن نفسه، ويدل على عجزه، ويبين عن جهله، ويصرح بسخافة فهمه وركاكة عقله" ما علينا ... يقول كاتب الكوكب بالنص: قالت العرب قديمًا في معنى القصاص: "القتل أنفى للقتل"، ثم أقبل القرآن الكريم على آثار العرب "هكذا" فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، وقد مضت سنة العلماء من أساطين البيان أن يعقدوا الموازنة بين مقالة العرب هذه وبين الآية الحكيمة أيتهما أشبه بالفصاحة "هكذا"، ثم يخلصون منها إلى تقديم الآية والبيان القرآني ... ثم قال: من رأي كاتب هذه الكلمة تقديم الكلمة العربية على الآية الغراء، "اللهم غفرًا" على ثلج الصدر بإعجاز القرآن "كلمة للوقاية من النيابة ... وإلا فماذا بقي من الإعجاز وقد عجزت الآية؟ زِه زِه يا رجل ... " ثم قال: إن فيم تقدم به الكلمة العربية على الآية الحكيمة -"اللهم غفرًا"- مزايا ثلاثًا: أولى هذه المزايا الثلاث، هذا الإيجاز الساحر فيها؛ ذلك أن: "ألقتل أنفى للقتل" ثلاث كلمات لا أكثر، أما الآية فإنها سبع كلمات "كذا"، وعلى تلك فهي أقدم عهدًا وأسبق ميلادًا من آية التنزيل "تأمل" حاشا كلام الله القديم، والإيجاز ميزة أية ميزة؛ الميزة الثانية للكلمة الاستقلال الكتابي وقد التعاقد بينها وبين شيء آخر سابق عليها، حتى أن المتمثل بها المستشهد يبتدئ بها حديثًا مستتمًا ويختتمه في غير مزيد ولا فضل، فلا يتوقف ولا يستعين بغيرها، أما الآية فإنها منسوقة مع ما قبلها بالواو، فهي متعاقدة مترابطة معه، لا يتمثل بها المتمثل حتى يستعين بشيء سواها، وليس الذي يعتمد على غيره فلا يستقل كالذي يعتمد على نفسه فيستقل؛ الميزة الثالثة أن الكلمة ليست متصلة في آخرتها بفضل من القول تغني عنه، على حين تتصل بالآية بما تغني عنه من القول. ويعتد كالفضل وهو كلمتا ﴿يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] و ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، وإن كان لا زيادة في القرآن ولا فضول.

стр. 998

ثم قال: إن مدرسًا جاء بالفصل الذي عقده الإمام السيوطي في كتابه "الإتقان" لتفضيل الآية على الكلمة وفيه قرابة خمسة وعشرين حُجة؛ قال: إنها انحطت بعد أن رماها بنظره العالي إلى أربع: "أما الباقيات فمن نسج الانتحال والتزيد"، قال: وأولاها أن الآية أوجز لفظًا، والكاتب يرى الآية: "سبع كلمات في تحديد ودقة"، قال: إذا لقد بطلت حجة الإيجاز في الآية "اللهم غفرًا"، قال: والثانية: "أن في الكلمة العربية تكرارًا لكلمة القتل سلمت الآية منه، ورد الكاتب أن هذا التكرار: "يتحلل طلاوة ويقطر رقة، "قال": وهذا فمي فيه طعم العسل، "قلنا: وعليه الذباب يا سيدنا ... " والثالثة: أن في الآية ذكرًا للقصاص بلفظه على حين لا تذكر الكلمة إلا القتل وحده، وليس كل قتل قصاصًا؛ ودفع الكاتب هذا بأن الكلمة انطوت على قتلين أحدهما ينفي صاحبه، فذاك هو القصاص؛ قال: "إذن فالكلمة والآية في قصد القصاص يلتقيان فرسي رهان"؛ والرابعة: أن القصاص في الآية أعم يشمل القتل وغيره. وأقر الكاتب أن للآية فضلًا على الكلمة من هذه الناحية، ولكن الكلمة حكمة لا شريعة، وهي من قضاء الجاهلية، فليس عليها أن تبين ما لم يعرفه العرب ولم يخلق بعد، قال: "إذن فليست الكلمة مقصرة عن بيان، متبلدة عن إحسان". هذا كل مقاله بحروفه بعد تخليصه من الركاكة والحشو وما لا طائل تحته، ونحن نستغفر الله ونستعينه ونقول قولنا، ولكنا نقدم بين يدي ذلك مسألة، فمن أين للكاتب أن كلمة: "القتل أنفى للقتل" مما صحت نسبته إلى عرب الجاهلية، وكيف له أن يثبت إسنادها إليهم وأن يوثق هذا الإسناد حتى يستقيم قوله: إن القرآن أقبل على آثار العرب؟ ... أنا أقرر أن هذه الكلمة مولدة وضعت بعد نزول القرآن الكريم وأخذت من الآية، والتوليد بيِّن فيها، وأثر الصنعة ظاهر عليها؛ فعلى الكاتب أن يدفع هذا بما يثبت أنها مما صح نقله عن الجاهلية؛ ولقد جاء أبو تمام بأبدع وأبلغ من هذه الكلمة في قوله: وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم ... إن الدم المغبر يحرسه الدم "الدم يحرسه الدم" هذه هي الصناعة وهذه هي البلاغة لا تلك، ومع هذا فكلمة الشاعر مولدة من الآية، يدل عليها البيت كله؛ وكأن أبا تمام لم يكن سمع

стр. 999

قولهم: "القتل أنفى للقتل"، وأنا مستيقن أن الكلمة لم تكن وضعت إلى يومئذ*. ولو أن متمثلًا أراد أن يتمثل بقول أبي تمام فانتزع منه هذا المثل الدم يحرسه الدم"، أيكون حتمًا من الحتم أن يقال له: كلا يا هذا فإن البيت سبع كلمات فلا يصح انتزاع المثل منه ولا بد من قراءة البيت بمصراعيه كما يقول كاتب الكوكب في الآية الكريمة ليزعم أنها لا تقابل الكلمة العربية في الإيجاز؟ إن الذي في معاني الآية القرآنية مما ينظر إلى معنى قولهم القتل أنفى للقتل كلمتان ليس غير، وهما "القصاص، حياة"؛ والمقابلة في المعاني المتمثلة إنما تكون بالألفاظ التي تؤدي هذه المعاني دون ما تعلقت به أو تعلق بها مما يصل المعنى بغيره أو يصل غيره به؛ إذ الموازنة بين معنيين لا تكون إلا في صناعة تركيبهما، ويخيل إلي أن الكاتب يريد أن يقول إن في باقي الآية الكريمة لغو وحشو، فهو حميلة على الكلمتين: القصاص حياة، يريد أن يقولها، ولكنه غص بها، وإلا فلماذا يلج في أنه لا بد في التمثل، أي لا بد في المقابلة، من رد الآية بألفاظها جميعًا؟ فإذا قيل: إنه لا يجوز أن يتغير الإعراب في الآية، ويجب أن يكون المثل منتزعًا منها على التلاوة، قلنا: فإن ما يقابل الكلمة منها حينئذ هو هذا، "في القصاص حياة"، وجملتها اثنا عشر حرفًا، مع أن الكلمة أربعة عشر، فالإيجاز عند المقابلة هو في الآية دون الكلمة. وأما قوله تعالى: ﴿أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، لو كان الكاتب من أولي الألباب لفهمها وعرف موقعها وحكمتها، وأن إعجاز الآية لا يتم إلا بها، إذ أريد أن تكون معجزة زمنية كما سنشير إليه، ولكن أني له وهو من الفن البياني على هذا البعد السحيق، لا يعلم أن آيات القرآن الكريم كالزمن في نسقها: ما فيه من شيء يظهره إلا ومن ورائه سر يحققه. ثم إن الإيجاز في الكلمة العربية ليس من "الإيجاز الساحر" كما يصفه الكاتب، بل هو عندنا من الإيجاز الساقط؛ وليس من قبيل إيجاز الآية الكريمة ولا يتعلق به فضلًا عن أن يشبهه؛ إذ لا بد في فهم صيغة التفضيل من تقدير المفضل عليه، فيكون المعنى "القتل أكثر نفيًا للقتل من كذا"، فما هو هذا "الكذا" أيها الكاتب المتعثر؟ أليس تصور معنى العبارة وإحضاره في الذهن قد أسقطها ونزل بها إلى

стр. 1000

الكلام السوقي المبتذل وأوقع فيها الاختلال؟ وهل كانت إلا صناعة شعرية خيالية ملفقة كما أومأنا إلى ذلك آنفًا، حتى إذا أجريتها على منهجها من العربية رأيتها في طريقة هذا الكلام العربي الأمريكاني كقول القائل: "الفرح أعظم من الترح"، "الحياة هي التي تعطى للحياة" ... ؟ بهذا الرد الموجز بطلت الميزات الثلاث التي زعمها الكاتب لتلك الكلمة، وإن الكلمة نفسها لتبرأ إلى الله من أن تكون لها على الآية ميزة واحدة فضلًا عن ثلاثة. ولنفرض "فرضًا" أن الكلمة وثيقة الإسناد إلى عرب الجاهلية وأنها من بيانهم، فما الذي فيها؟ ١- إنها تشبه قول من يقول لك: إن قتلت خصمك لم يقتلك. وهل هذا إلا هذا؟ وهل هو إلا بلاغة من الهذيان؟ ٢- إنها تشبه أن تكون لغة قاطع طريق عارم يتوثب على الحلال والحرام لا يخرج لشأنه إلا مقررًا في نفسه أنه إما قاتل أو مقتول، ولذلك تكرر فيها القتل على طرفيها، فهو من أشنع التكرار وأفظعه. ٣- إن فيها الجهل والظلم والهمجية، إذ كان من شأن العرب ألا تسلم القبيلة العزيزة قاتلًا منها، بل تحميه وتمنعه، فتنقلب القبيلة كلها قاتلة بهذه العصبية؛ فمن ثم لا ينفي عار القتل عن قبيلة المقتول إلا الحرب والاستئصال قتلًا قتلًا وأكل الحياة للحياة، فهذا من معاني الكلمة: أي القتل أنفى لعار القتل، فلا قصاص ولا قضاء كما يزعم الكاتب. ٤- إن القتل في هذه الكلمة لا يمكن أن يخصص بمعنى القصاص إلا إذا خصصته الآية فيجيء مقترنًا بها، فهو مفتقر إليها في هذا المعنى، وهي تلبسه الإنسانية كما ترى، ولن يدخله العقل إلا من معانيها؛ وهذا وحده إعجاز في الآية وعجز من الكلمة. وقبل أن نبين وجوه الإعجاز في الآية الكريمة ونستخرج أسرارها، نقول لهذا الطفيلي: إنه ليس كل من استطاع أن يطيِّر في الجو ورقةً في قصبة في خيط جاز له أن يقول في تفضيل ورقته على منطاد زبلين، وأن فيما تتقدم به على المنطاد الكريم ميزات ثلاثًا: الذيل، والورق الملون، والخيط ...

стр. 1001

يقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . ١- بدأ الآية بقوله ﴿وَلَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، وهذا قيد يجعل هذه الآية خاصة بالإنسانية المؤمنة التي تطلب كمالها في الإيمان، وتلتمس في كمالها نظام النفس، وتقرر نظام النفس بنظام الحياة؛ فإذا لم يكن هذا متحققًا في الناس فلا حياة في القصاص، بل تصلح حينئذ كلمة الهمجية: القتل أنفى للقتل، أي اقتلوا أعداءكم ولا تدعوا منهم أحدًا، فهذا هو الذي يبقيكم أحياء وينفي عنكم القتل؛ فالآية الكريمة بدلالة كلمتها الأولى موجهة إلى الإنسانية العالية، لتوجه هذه الإنسانية في بعض معانيها إلى حقيقة من حقائق الحياة. ٢- قال: ﴿فِي الْقِصَاصِ﴾ [البقرة: ١٧٩] ولم يقل في القتل، فقيده بهذه الصيغة التي تدل على أنه جزاء ومؤاخذة، فلا يمكن أن يكون منه المبادأة بالعدوان، ولا أن يكون منه ما يخرج عن قدر المجازاة قل أو كثر. ٣- تفيد هذه الكلمة "القصاص" بصيغتها "صيغة المفاعلة" ما يشعر بوجوب التحقيق وتمكين القاتل من المنازعة والدفاع، وألا يكون قصاص إلا باستحقاق وعدل؛ ولذا لم يأت بالكلمة من اقتص مع أنها أكثر استعمالًا؛ لأن الاقتصاص شريعة الفرد، والقصاص شريعة المجتمع. ٤- من إعجاز لفظة القصاص هذه أن الله -تعالى- سمى بها قتل القاتل، فلم يسمه قتلًا كما فعلت الكلمة العربية؛ لأن أحد القتلين هو جريمة واعتداء، فنزه -سبحانه- العدل الشرعي حتى عن شبهه بلفظ الجريمة؛ وهذا منتهى السمو الأدبي في التعبير. ٥- ومن إعجاز هذه اللفظة أنها باختيارها دون كلمة القتل تشير إلى أنه سيأتي في عصور الإنسانية العالمة المتحضرة عصر لا يرى فيه قتل القاتل بجنايته إلا شرًّا من قتل المقتول؛ لأن المقتول يهلك بأسباب كثيرة مختلفة، على حين أن أخذ القاتل لقتله ليس فيه إلا نية قتله؛ فعبرت الآية باللغة التي تلائم هذا العصر القانوني الفلسفي، وجاءت بالكلمة التي لن تجد في هذه اللغة ما يجزئ عنها في الاتساع لكل ما يراد بها من فلسفة العقوبة. ٦- ومن إعجاز اللفظة أنها كذلك تحمل كل ضروب القصاص من القتل فما دونه، وعجيب أن تكون بهذا الإطلاق مع تقييدها بالقيود التي مرت بك؛ فهي بذلك لغة شريعة إلهية على الحقيقة، في حين أن كلمة القتل في المثل العربي تنطق

стр. 1002

في صراحة أنها لغة الغريزة البشرية بأقبح معانيها؛ وبذلك كان تكرارها في المثل كتكرار الغلطة؛ فالآية بلفظة القصاص تضعك أمام الألوهية بعدلها وكمالها، والمثل بلفظة القتل يضعك أمام البشرية بنقصها وظلمها. ٧- ولا تنس أن التعبير بالقصاص تعبير يدع الإنسانية محلها إذا هي تخلصت من وحشيتها الأولى وجاهليتها القديمة، فيشمل القصاص أخذ الدية والعفو وغيرهما؛ أما المثل فليس فيه إلا حالة واحدة بعينها كأنه وحش ليس من طبعه إلا أن يفترس. ٨- جاءت لفظة القصاص معرفة بأداة التعريف، لتدل على أنه مقيد بقيوده الكثيرة؛ إذ هو في الحقيقة قوة من قوى التدمير الإنسانية فلا تصلح الإنسانية بغير تقييدها. ٩- جاءت كلمة "حياة" منونة، لتدل على أن ههنا ليست بعينها مقيدة باصطلاح معين؛ فقد يكون في القصاص حياة اجتماعية، وقد يكون فيه حياة سياسية، وقد تكون الحياة أدبية، وقد تعظم في بعض الأحوال عن أن تكون حياة. ١٠- إن لفظ "حياة" هو في حقيقته الفلسفية أعم من التعبير "بنفي القتل"؛ لأن نفي القتل إنما هو حياة واحدة، أي ترك الروح في الجسم، فلا يحتمل شيئًا من المعاني السامية، وليس فيه غير هذا المعنى الطبيعي الساذج؛ وتعبير الكلمة العربية عن الحياة "بنفي القتل" تعبير غليظ عامي يدل على جهل مطبق لا محل فيه لعلم ولا تفكير، كالذي يقول لك: إن الحرارة هي نفي البرودة. ١١- جعل نتيجة القتل حياة تعبير من أعجب ما في الشعر يسمو إلى الغاية من الخيال، ولكن أعجب ما فيه أنه ليس خيالًا، بل يتحول إلى تعبير علمي يسمو إلى الغاية من الدقة، كأنه يقول بلسان العلم: في نوع من سلب الحياة نوع من إيجاب الحياة. ١٢- فإذا تأملت ما تقدم وأنعمت فيه تحققت أن الآية الكريمة لا يتم إعجازها إلا بما تمت به من قوله: ﴿يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] فهذا نداء عجيب يسجد له من يفهمه؛ إذ هو موجه للعرب في ظاهره على قدر ما بلغوا من معاني اللب، ولكنه في حقيقته موجه لإقامة البرهان على طائفة من فلاسفة القانون والاجتماع، هم هؤلاء الذين يرون إجرام المجرم شذوذًا في التركيب العصبي، أو وراثة محتومة، أو حالة نفسية قاهرة، إلى ما يجري هذا المجرى؛ فمن ثم يرون أن لا عقاب على جريمة؛ لأن المجرم عندهم مريض له حكم المرضى؛ وهذه

стр. 1003

فلسفة تحملها الأدمغة والكتب، وهي تحول القلب إلى مصلحة الفرد وتصرفه عن مصلحة المجتمع، فنبههم الله إلى ألبابهم دون عقولهم، كأنه يقرر لهم أن حقيقة العلم ليست بالعقل والرأي، بل هي قبل ذلك باللب والبصيرة، وفلسفة اللب هذه هي آخر ما انتهت إليه فلسفة الدنيا. ١٣- وانتهت الآية بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، وهي كلمة من لغة كل زمن، ومعناها في زمننا نحن: يا أولي الألباب، إنه برهان الحياة في حكمة القصاص تسوقه لكم، لعلكم تتقون على الحياة الاجتماعية عاقبة خلافه فاجعلوا وجهتكم إلى وقاية المجتمع لا إلى وقاية الفرد. وبعد فإذا كان في الآية الكريمة -على ما رأيت- ثلاث عشرة وجهًا من وجوه البيان المعجز، فمعنى ذلك من ناحية أخرى أنها أسقطت الكلمة العربية ثلاث عشرة مرة.

стр. 1004

" القتل أنفى للقتل" ليست مترجمة: بعد أن نشرت مقالة "الكلمة المؤمنة" في "البلاغ"، كتب الأديب الفلسطيني الأستاذ إسعاف النشاشيبي: إن هذه الكلمة مترجمة عن الفارسية، وقد نقلها الثعالبي في كتابه "الإيجاز والإعجاز"، فنشرنا في "البلاغ" هذا التعليق: قال الأستاذ الكبير محمد إسعاف النشاشيبي في كلمته للبلاغ إن عبارة "القتل أنفى للقتل"، ليست بعربية ولا مولدة، بل هي مترجمة؛ أي فهي مطموسة الوجه من كونها أعجمية وقع الخطأ في نقلها إلى العربية، فكانت غلطة من جهتين. وإنه ليسرني أن تكون فوق ذلك زنجية نقلت إلى المالطية، ثم ترجمت إلى العربية، فتكون غلطة من أربع جهات، لا من جهتين فقط ... ولكن هذه الكلمة لم يشر إلى أصلها غير "الثعالبي"، وهو مع ذلك لم يقطع فيها برأي، بل أشار إلى ترجمتها في صيغة من صيغ التمريض المعروفة عند الرواة فقال: "يحكى أن فيما ترجم عن أزدشير.." و"يحكى" هذه ليست نصًّا في باب الرواية، وقد يكون هذا الإمام اتقى الله فابتعد بالكلمة وطوح بها إلى ما وراء بلاد العرب، أو تكون الكلمة ألقيت إليه على أنها مشتبه في نسبتها؛ ولو كانت العبارة مترجمة لتناقلها الأئمة معزوة إلى قائلها أو لغتها التي قيلت فيها. ولقد ذكرها العسكري في كتابه "الصناعتين" على أنها "من قولهم"، أي العرب أو المولدين؛ ونقلها الرازي في تفسيره، فقال: إن للعرب في هذا المعنى كلمات منها "قتل البعض إحياء للجميع" وأحسنها "القتل أنفى للقتل"؛ وكذلك جاء بها ابن الأثير في كتاب "المثل السائر" ولم يعزها؛ وقال مفسر الأندلس أبو حيان في تفسيره: إنها تروى برواية أخرى وهي: "القتل أوقى للقتل"، وكل ذلك صريح في أن خبر الترجمة قد انفرد به الثعالبي.

стр. 1005

ولا يقوم الدليل على ترجمتها إلا بظهور أصلها الفارسي، فإن كان علم ذلك عند أحد فليتفضل به مشكورًا مأجورًا. "تنبيه": نشرنا هذه الكلمة ومضت بعدها سنوات ولم يقف أحد على أن للعبارة أصلًا فارسيًّا، فلم يبق عندنا ريب أنها من صنيع بعض الزنادقة وقد ولدها من الآية الكريمة ليجريها في مجرى المعارضة؛ وقد كتب الأستاذ الكبير عبد القادر حمزة صاحب جريدة "البلاغ" أن تلك العبارة حكمة مصرية قديمة؛ ولا نمنع أن يكون هذا، فإن بعض الحكم مما تتوارد عليه العقول الإنسانية النابغة؛ إذ كانت الطبيعة البشرية كأنها تمليه؛ غير أن العبارة ليست في كلام الجاهلية القديمة ولا الحديثة، وألفاظ المصرية غير ألفاظ العربية، فلم يبق إلا توارد الخواطر، والله أعلم.

стр. 1006

" القتل أنفى للقتل" ليست جاهلية: وبعد كلمتنا تلك عن الترجمة نشر أديب في البلاغ أن الكلمة جاهلية، فتعقبناه بهذا التعليق: أثبت الأستاذ عبد العزيز الأزهري فيما نشره في "البلاغ" أن هذه الكلمة عربية في دعواه، واحتج لذلك بحجج، أقواها زعمه: "أنها وردت بين ثنايا عهد القضاء الذي بعث به سيدنا عمر إلى أبي موسى الأشعري؛ ولا ندري أين وجد الكاتب كلمة: "القتل"، فضلًا عن: "القتل أنفى للقتل" -في ذلك العهد المشهور المحفوظ، وقد رواه الجاحظ في "البيان والتبيين"، وجاء به المبرد في "الكامل"؛ ونقله ابن قتيبة في "عيون الأخبار". وأورده ابن عبد ربه في "العقد الفريد"، وساقه القاضي الباقلاني في "الإعجاز"؛ وفي كل هذه الروايات الموثقة لم تأت الكلمة في قول عمر، بل لا محل لها في سياقه، وإنما جاء قوله: "فإن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك أنفى للشك". أما سائر حجج الكاتب فلا وزن لها في باب الرواية التاريخية وقد أصبح عاليها سافلها كما رأيت. والذي أنا واثق منه أن الكلمة لم تعرف في العربية إلى أواخر القرن الثالث من الهجرة، وهذا الإمام الجاحظ يقول في موضع من كتابه "البيان والتبيين"، في شرح قول علي -كرم الله وجهه-: "بقية السيف أنمى عددًا وأكثر ولدًا، ما نصه: "ووجد الناس ذلك بالعيان للذي صار إليه ولده من نهك السيف وكثرة الذرءِ وكرم النجل؛ قال الله ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] وقال بعض الحكماء: "قتل البعض إحياء للجميع".

стр. 1007

ولم يزد الجاحظ على هذا، ولو كانت الكلمة معروفة يومئذ لما فاتته كما هو صنيعه في كتبه*، خصوصًا وهي أوجز وأعذب مما نسبه لبعض الحكماء؛ وهذه العبارة الأخيرة "قتل البعض ... " هي التي زعم الرازي في تفسيره أنها للعرب ... فلا عبرة في هذا الباب بكلام المفسرين ولا المتأخرين من علماء البلاغة، وإنما الشأن للتحقيق التاريخي. ونص الجاحظ في كتاب "حجج النبوة" على أن قومًا منهم ابن أبي العوجاء، وإسحاق بن الموت، والنعمان بن المنذر: "أشباههم من الأرجاس الذين استبدلوا بالعز ذلًا، وبالإيمان كفرًا، وبالسعادة شقوة، وبالحجة شبهة، كانوا يصنعون الآثار، ويولدون الأخبار، ويبثونها في الأمصار، ويطعنون بها على القرآن"؛ فهذا عندنا من ذاك. وإن لم ينهض الدليل القاطع على أن الكلمة مترجمة عن الفارسية بظهور أصلها في تلك اللغة ورجوعه إلى ما قبل الإسلام، فهي -ولا ريب- مما وضع على طريقة ابن الرواندي الزنديق الملحد الذي كان في منتصف القرن الثالث وألف في الطعن على القرآن وقال في كتابه: "الزمردة": "إنا نجد في كلام أكثم بن صيفي شيئًا أحسن من ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فكأن واضع الكلمة يقول على هذه الطريقة: "إنا نجد في كلام العرب شيئًا أبلغ من ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . وهؤلاء المتطرفون على القرآن الكريم إنما يريدون ما يصنعونه من مثل هذه الكلمة أن يوجدوا للعامة وأشباههم من الأحداث والأغرار وأهل الزيغ والضعفاء في العلم -سبيلًا إلى القول في نقض الإعجاز، ومساغًا إلى التهمة في أن القرآن تنزيل؛ والخطأ في مثل هذا يتجاوز معنى الخطأ في البيان إلى معنى الكفر في الدين، وذلك ما يرمون إليه؛ وهذه بعينها

стр. 1008

هي طريقة المبشرين اليوم، فكأن إبليس من عهد أولئك الزنادقة إلى عهد المبشرين لم يستطع أن يتغير، ولا أن يكون ... أن يكون مجددًا ... تم الجزء الثالث من وحي القلم، وبه تم الكتاب

стр. 1009

فهرس المحتويات: ٣ السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية. ٢٣ قرآن الفجر. ٢٦ اللغة والدين والعادات باعتبارها من مقومات الاستقلال. ٣١ تجديد الإسلام رسالة الأزهر في القرن العشرين. ٣٧ الأسد. ٤٣ أمراء للبيع. ٤٩ العجوزان "١". ٥٥ العجوزان "٢". ٦٠ العجوزان "٣". ٦٥ العجوزان "٤". ٧٢ السطر الأخير من القصة. ٧٩ عاصفة القدر. ٨٩ القلب المسكين "١". ٩٤ القلب المسكين "٢". ٩٩ القلب المسكين "٣". ١٠٤ القلب المسكين "٤". ١٠٨ القلب المسكين "٥". ١١٣ القلب المسكين "٦". ١١٨ القلب المسكين "٧". ١٢٣ القلب المسكين "٨". ١٣١ القلب المسكين "تتمة". ١٣٦ انتصار الحب.

стр. 1010

١٤٠ قنبلة بالبارود لا بالماء المقطر. ١٤٤ شيطان وشيطانة. ١٥١ نهضة الأقطار العربية. ١٥٧ لا تجني الصحافة على الأدب ولكن على فنيته. ١٦٤ صعاليك الصحافة "١". ١٦٩ صعاليك الصحافة "٢". ١٧٤ صعاليك الصحافة "٣". ١٨٠ صعاليك الصحافة تتمة. ١٨٥ أبو حنيفة ولكن بغير فقه! ١٩٠ الأدب والأديب. ١٩٩ سر النبوغ في الأدب. ٢١٠ نقد الشعر وفلسفته. ٢٢١ فيلسوف وفلاسفة. ٢٢٥ شيطاني وشيطان طاغور. ٢٣٠ فلسفة القصة ولماذا لا أكتب فيها..؟ ٢٣٢ شعر صبري. ٢٤٣ حافظ إبراهيم. ٢٥٦ كلمات عن حافظ. ٢٦٤ شوقي. ٢٨٠ بعد شوقي. ٢٨٦ الشعر العربي في خمسين سنة. ٢٩٧ صروف اللغوي. ٣٠٦ الشيخ الخضري. ٣١١ رأي جديد في كتب الأدب القديمة. ٣١٨ أمير الشعر في العصر القديم. ٣٢٢ البؤساء. ٣٢٥ الملاح التائه. ٣٣١ المقتطف والمتنبي.

стр. 1011

٣٣٤ محمد. ٣٣٦ ديوان الأعشاب. ٣٤٠ النجاح وكتاب سر النجاح. ٣٤٣ أبو تمام الشاعر تحقيق مدة إقامته بمصر. ٣٤٩ القديم والجديد. ٣٥٤ المرأة والميراث. ٣٥٨ كلمة مؤمنة في رد كلمة كافرة. ٣٦٧ القتل أنفى للقتل ليست مترجمة. ٣٦٩ القتل أنفى للقتل ليست جاهلية.