علماء الطب على ذلك إلا في زمن متأخر، وكذا الأمر بالنسبة لكثير من الأمور الأخرى كتكوين الأرض وعلوم البحار وعلوم الحيوان وشتى أنواع العلوم الأخرى، وقد اهتم عدد من العلماء المسلمين بهذا الشأن فأنشؤوا ما يسمى "بهيئة الإعجاز العلمي في القرآن" لبيان سبق القرآن في توضيح كثير من أمور العلم التي يدعي كثير من العلماء الماديين أنها لم تعرف إلا في هذا الزمان.
وهذا كله شاهد بأن كتاب الله العزيز يبقى المعجزة الخالدة التي لا تنتهي عجائبها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
فالقرآن يبقى معجزًا في عصر العلم كما كان معجزا في عصر الفصاحة والبلاغة.
ومن الآيات الحسية التي أعطيها النبي ﷺ زمن بعثته:
ب - انشقاق القمر:
قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.
وعن أنس بن مالك ﵁: "أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر" (١).
وعن عبد الله بن مسعود (٢) ﵁ قال: "انشق القمر على عهد
стр. 72
النبي ﷺ شقين، فقال: "اشهدوا" (١).
ج - نبع الماء بين أصابعه:
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "أتي رسول الله ﷺ بإناء وهو بالزوراء (٢) فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة: قلت لأنس كم كنتم؟، قال: ثلاثمائة، أو زهاء ثلاثمائة" (٣) وقد روى حديث نبع الماء من بين أصابعه ﷺ جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود (٤).
د - إشباع العدد الكثير من الطعام القليل:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قال أبو طلحة (٥) لأم سليم (٦): لقد
стр. 73
سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟، قالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير ثم أخرجت خمارًا لها، فلفت الخبز ببعضه ثم دسَّته تحت يدي، ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم. فقال لي رسول الله ﷺ : "آرسلك أبو طلحة؟ "، فقلت: نعم. قال: بطعام؟، قلت: نعم، قال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا"، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ : "هلمي يا أم سليم ما عندك"، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء أن يقول. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأكل القوم حتى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا" (١).
وأحاديث تكثير الطعام القليل تعددت، وتكررت في مواطن متعددة ورويت عن بضعة عشر من الصحابة، ورواها عنهم أضعافهم من التابعين ثم من لا يُعد بعدهم، وأكثر هذه الأحاديث مروية في الصحيح
стр. 74
وأكثرها في قصص مشهورة، ومجامع مشهورة، ولا يمكن التحدث عنها إلا بالحق، ولا يسكت الحاضر لها على ما أنكر منها (١).
هـ - ما اطّلع عليه من الغيوب وما سيكون في المستقبل:
" والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره، ولا ينزف غمره، وهي من جملة معجزاته المعلومة على القطع" (٢) ومنها على سبيل المثال حديث حذيفة بن اليمان قال: "قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشيء نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه" (٣).
وبعد، فهذا جزء يسير جدًّا من دلائل نبوته المعنوية والحسية وصدق رسالته ﷺ ، أيد الله بها نبيه ليقيم الحجة على الخلق فيحيا من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.
فيجب على كل مسلم أن يتدبر في دلائل نبوته ﷺ ويطَّلع عليها، فإن فيها عظة وعبرة وتزيد من إيمان المرء ويقينه بنبوة خاتم المرسلين وإمامهم، الذي أعطاه الله من الآيات والبراهين ما لم يعط أحدًا من الأنبياء قبله.
* * *
стр. 75
المبحث الثالث: وجوب الإيمان بعموم رسالته ﷺ
وفيه تمهيد وثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على عموم رسالته.
المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة على عموم رسالته.
المطلب الثالث: دليل الإجماع على عموم رسالته.
стр. 76
تمهيد
إن من الإيمان بنبوة محمد ﷺ الإيمان بجميع ما جاء به، ومما جاء به ﷺ الإخبار بعموم رسالته للإنس والجن بجميع أجناسهم وأشكالهم وألوانهم ومللهم ولغاتهم. لذا فإنه يجب أن يعلم أن الله أرسل محمدا ﷺ إلى جميع الثقلين الإنس والجن وأنه أوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأنه لا يسع أحدا من هؤلاء الخروج عن شريعته ولا أن يدين لله بغير ما جاء به، "ومن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله" (١) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
وعموم رسالة النبي ﷺ وعالميتها هي إحدى الخصائص التي انفرد بها ﷺ عن الأنبياء قبله، إذ كان النبي إنما يُبعث إلى قومه خاصة ثم يبقى غيرهم محتاجا إلى من يبلغهم أمر الله ، أما محمد ﷺ فقد بعثه الله للناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهو المبعوث رحمة للعالمين، فعمت رسالته جميع المكلفين إنسهم وجنهم، كما صحبت كذلك الزمان في مسيرته، فإذا انتهى جيل من الناس فإن الجيل الذي يليه مخاطب ومكلف بها.
والإيمان بعموم الرسالة وعالميتها هو الذي يدين به كل مسلم يؤمن
стр. 77
بالله ورسوله، فهذا ما جاءت به آيات الكتاب الكريم ونصوص السُّنَّة الثابتة، فهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة والتي أجمعت عليها الأمة.
* * *
стр. 78
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على عموم رسالته
وردت آيات كثيرة في كتاب الله العزيز تثبت عموم دعوته وعالمية رسالته ﷺ ومن سمة هذه الآيات أنها اتصفت بتنوع العبارة مع اتحاد في المضمون الذي هو الدلالة على عموم الرسالة وعالميتها.
وسوف نعرض لهذه الآيات بحسب اتحادها في السياق.
أ - الآيات التي ورد فيها لفظ "الناس" منها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
والشاهد من هذه الآيات أنها بيَّنت شمول رسالة محمد ﷺ
стр. 79
للناس (١) جميعًا. قال صاحب اللسان: "الناس قد يكون من الإنس ومن الجن" (٢).
فلفظ الناس يطلق على الجن والإنس كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ فسمى الله الجن في هذا الموضع ناسا كما سماهم في موضع آخر رجالا، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ فجعل الجن رجالا وكذلك جعل منهم ناسا (٣). وهناك رأي آخر يقول إن لفظ الناس دخل فيه الجن تغليبا (٤).
والذي أراه أن الآيات تفسر بالمعنى الشامل للإنس والجن إذ لا مخصص للعموم هنا.
وكنموذج لتفسير ما أوردته من آيات في هذا الشأن أذكر ما قاله بعض علماء التفسير في بيان قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، قال أبو جعفر الطبري (٥) في تفسيرها: "قل يا محمد للناس كلهم ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل مرسلًا إلى
стр. 80
بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، لكنها إلى جميعكم" (١).
وقال ابن كثير (٢): يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي جميعكم وهذا من شرفه وعِظَمه ﷺ أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة" (٣).
ب - الآيات التي ورد فيها لفظ "العالمين": ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إن هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
والمراد بالعالمين هنا هم الإنس والجن إذ هم المكلَّفون.
قال ابن عباس ﵄: "العالمون الجن والإنس، دليله قوله تعالى:
стр. 81
﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ولم يكن نذيرا للبهائم" (١).
ج - الآيات التي ورد فيها لفظتا "كافة" و"جميعًا" وهي:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. وهناك ثلاث عبارات هي: "الناس" و"كافة" و"جميعا" دلت جميعها على العموم.
د - الآية التي ورد فيها لفظ "ومن بلغ":
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، فالشاهد من الآية هو قوله تعالى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فلفظ (من) في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من صيغ العموم، فالآية نص في عموم رسالة النبي ﷺ . ومعنى الآية أن الله يأمر رسوله ﷺ أن يقول لقومه إن الله أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة، أو يا معشر العرب ومن بلغه هذا القرآن سواء كان عربيا أو عجميا وسواء كان موجودا الآن، أم سيأتي بعد إلى أن تقوم الساعة وهذا هو الذي ذكره أهل التفسير عند هذه الآية (٢)
هـ - الآيات التي ورد فيها خطاب الجن ومنها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ إلى آخر الآيات التي نزلت في شأن دعوة الجن إلى الإيمان برسالة محمد ﷺ وسميت هذه السورة بسورة الجن.
стр. 82
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والآيات نزلت في جن نصيبين (١) عندما سمعوا القرآن، فآمن به من آمن منهم ثم ولوا إلى قومهم منذرين، ثم أتوا إلى النبي ﷺ فبايعوه على الإسلام بشعب معروف بمكة، والأحاديث بذلك كثيرة مشهورة في الصحيح والسنن والمسند وكتب التفسير والفقه وغيرها (٢).
وكذلك فإن سورة الرحمن هي خطاب للثقلين الإنس والجن معًا.
و - الآيات التي وردت في دعوة أهل الكتاب:
ومنها: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وبالجملة فإن في القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن دعوة المشركين وعباد الأوثان وجميع الإنس والجن ما لا يحصى إلا بكلفة وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (٣).
* * *
стр. 83
المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة على عموم رسالته
الأدلة على عموم رسالته ﷺ وعالميتها كثيرة جدا في السنة النبوية سواء من الناحية القولية أو الناحية العملية، وسنعرض هنا لكلتا الناحيتين بإذن الله.
أ - السنة القولية:
أ - عن أبي الدرداء (١) ﵁ قال: "كانت بين أبي بكر (٢) وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ، فقال أبو الدرداء ونحن عنده: فقال رسول الله ﷺ : "أما صاحبكم هذا فقد غامر" (٣).
стр. 84
قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي ﷺ ، وقص على رسول الله ﷺ الخبر، قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ﷺ ، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم .. فقال رسول الله ﷺ : "هل أنتم تاركوا لي صاحبي، هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟، إني قلت يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت" (١).
٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (٢).
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فضِّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (٣)
стр. 85
٤ - وعن أبي ذر (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أوتيت خمسًا لم يؤتهن نبي قبلي، نُصرت بالرعب فيرعب مني العدو عن مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، وبعثت إلى الأحمر والأسود" (٢).
٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" (٣).
وذكر اليهود والنصارى تنبيهًا على من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى (٤).
٦ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني ثم لم يؤمن بي دخل النار" (٥).
стр. 86
ب - السُّنَّة العملية:
إن المتأمل في سيرته ودعوته ﷺ يعلم حرصه ﷺ على نشر الرسالة وإبلاغها لجميع المكلفين، فقد دعا ﷺ الإنس على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، سواء كانوا أهل كتاب أم ليسوا بأهل كتاب، كما دعا الجن كذلك فآمن له من آمن منهم وبايعوه على الإسلام.
ولقد صدع النبي ﷺ بعالمية الرسالة وعمومها في أوائل دعوته عندما انتقل من المرحلة السرية في الدعوة إلى المرحلة الجهرية حيث قال ﷺ بعد أن حمد الله: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا" (١).
وإن المتأمل للآيات القرآنية التي نصَّت على عموم رسالته وعالميتها يجد أن جلَّها كان مكي النزول، وهذا يؤكد أن عالمية الرسالة مقررة منذ بداية الوحى. ومن المعلوم أن طريقة الدعوة كانت تتبع أسلوب التدرج في التبليغ وهذا التدرج لم يكن ينافي شمول الدعوة لكل المكلفين، لأن المرحلية كانت ضرورية لدعوته ﷺ ، ولقد دلت السيرة النبوية أن النبي ﷺ اتبع أسلوب التدرج في إبلاغ الرسالة، فأول ما بدأ به هو الدعوة السرية لهذا الدين فآمن له من آمن.
ثم انتقل إلى الدعوة الجهرية ونهج فيها كذلك أسلوب التدرج فبدأ بأهل مكة عندما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ فدعاهم ﷺ إلى الإسلام.
ثم بعد ذلك أخذ رسول الله ﷺ يدعو الناس في مجامعهم وأسواقهم ويبلغهم دعوة الله.
стр. 87
ثم ذهب إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام ولكنهم لم يجيبوه لذلك، ثم عاد إلى مكة وأخذ يعرض دعوته على القبائل في الموسم إلى أن التقى بالخزرج وهم من أهل المدينة وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وأسلم النجاشي من قبلهم وكان على النصرانية.
ومن هنا كانت بداية المرحلة الجديدة في الدعوة فبعد تمكن الإسلام بالمدينة، هاجر النبي ﷺ إليها فاتسع بذلك نطاق الدعوة حتى شمل أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بالمدينة حواليها حينئذ، كما تنوعت كذلك أساليب الدعوة إلى هذا الدين فشرع الجهاد في سبيل الله واتسعت رقعة الدعوة فشملت قبائل العرب ومن كان في جزيرة العرب من أهل الكتاب كيهود المدينة وخيبر ونصارى نجران واليمن وغيرهم، واستمر التدرج إلى أن كان عام الحديبية ومهادنة قريش فأرسل النبي ﷺ في ذلك الوقت إلى جميع الطوائف يدعوهم إلى الإسلام.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى (١).
ثم جاءت بعد هذه المرحلة مرحلة أخرى حيث بدأ النبي ﷺ بغزو النصارى فأرسل جيشا بقيادة زيد بن حارثة فقاتلوا النصارى بمؤتة من أرض الكرك (٢) ثم غزاهم بنفسه وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه ولم يأذن بالتخلف لأحد، وغزا في عشرة آلاف في غزوة تبوك وأقام بها عشرين ليلة ليغزو النصارى عربهم وعجمهم، وأقام ينتظرهم ليقاتلهم فسمعوا به وأحجموا عن قتاله ولم يقدموا عليه.
стр. 88
ثم بعد ذلك جهَّز جيشًا بقيادة أسامة بن زيد (١) ولكنه ﷺ لحق بالرفيق الأعلى قبل أن يخرج الجيش، فأوصى وهو في سكرات الموت بإرسال هذا الجيش فقال: "أنفذوا بعث أسامة".
ولقد سار أصحابه رضوان الله عليهم من بعده على نهجه واستنوا بسنته حتى فتح الله عليهم بلاد فارس والروم وغيرها فانتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
والشاهد من هذا كله أن سيرته ﷺ هي مثال تطبيقي عملي على شمول دعوته وعالمية رسالته التي من أجلها كرس النبي ﷺ حياته لكي ينشرها ويبلغها للناس كافة، لتقوم بذلك الحجة على الناس أجمعين.
وما ذكرته ههنا ليس إلا إشارات سريعة فمن أراد الاستزادة فعليه بكتب الحديث والسيرة ففيها الغنية بإذن الله.
* * *
стр. 89
المطلب الثالث: دليل الإجماع على عموم رسالته
إن الإجماع منعقد من أئمة المسلمين وعامتهم على أن محمدا ﷺ أرسل إلى جميع الأمم - أهل الكتاب وغير أهل الكتاب (١) - فإن الذي يدين به المسلمون هو أن محمدا ﷺ بعث رسولا إلى الثقلين الإنس والجن، أهل الكتاب وغيرهم، وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله، مستحق للجهاد، وهو مما أجمع أهل الإيمان بالله ورسوله عليه، لأن الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه، وبينه النبي أيضا في سنته.
وهذا الإجماع تواترت في نقله كتب أهل العلم وهو منقول عندهم نقلا متواترا يعلمونه بالضرورة. وكتب التوحيد السنة مليئة بهذا.
وبما تقدم إيراده من الأدلة والنصوص يعلم ثبوت عموم رسالته وشمولها كما يعلم كذلك انتفاء كل دعوى تخالف هذا الأمر أو تطعن فيه كدعوى أنه رسول للعرب خاصة، أو دعوى أن رسالته ليست ناسخة لما قبلها من الرسالات وأنه يسع الناس التدين بما جاء في قبله من الرسالات.
فنصوص القرآن والسنة والإجماع ترد هذه الدعاوى وتفندها وتبطلها. وبالنسبة إلى ما تعلق به أصحاب هذه الأقوال من شبه ظنوها أدلة لهم، فإنما مردها إلى سوء فهمهم وجهلهم بمعاني النصوص التي أوردوها وكما قيل:
стр. 90
وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم (١)
ولا يتسع المجال هنا لإيراد تلك الشبه وتفنيدها (٢) كما أن معرفة الحق تغني وكما قيل: بضدها تتميز الأشياء.
وإن الواجب على كل مسلم اعتقاد عموم رسالته وشموليتها وعالميتها لجميع المكلفين وإنه لا يسع أحدا الخروج عنها أو أن يدين لله بغيرها.
كما أنه لا يسع المسلم أن يجهل مثل هذا الأمر لأنه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ومن الواجب عليه كذلك أن يرد على كل من يطعن في هذا الأمر أو يشكك فيه سواء ممن ينتسبون إلى الإسلام أو من غيرهم، وبالخصوص أننا أصبحنا في زمان ظهرت فيه الدعوة إلى وحدة الأديان وتقاربها بدعوى أنها جميعا تدعو إلى عبادة إله واحد وأن مصدرها واحد إلى غير ذلك من الأمور التي يروج لها أصحاب هذه الدعوة والتي لا تنطلي إلا على ساذج لا يعي الأمور الضرورية من دينه.
* * *
стр. 91
المبحث الرابع: وجوب الإيمان بأنه ﷺ خاتم النبيين
وفيه تمهيد وخمسة مطالب:
المطلب الأول: معنى ختم النبوة.
المطلب الثاني: الجوانب التي عصم فيها النبي ﷺ .
المطلب الثالث: الأدلة من السنة على ختم النبوة.
المطلب الرابع: ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم في تأكيد عقيدة ختم النبوة.
المطلب الخامس: إجماع الأمة.
المطلوب السادس: تعريف العصمة.
стр. 92
تمهيد
من الخصائص التي خصَّ الله بها رسوله ﷺ ورسالته جعله خاتم النبيين وجعل رسالته خاتمة الرسالات، فانفرد ﷺ بهذا الأمر وبغيره عن إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فأصبح ختم النبوة من خصائصة ﷺ .
ولذا فإن من حقه ﷺ على كل من يؤمن له، أن يعتقد بهذا الأمر، يؤمن به لثبوته بنصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، بل هو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يعذر المسلم بجهلها.
ولمزيد من البيان لهذه الخاصية والحق الواجب له ﷺ ، سوف أتحدث في هذا المبحث عن الجوانب التالية:
стр. 93
المطلب الأول: معنى ختم النبوة.
أ - معنى الختم في اللغة:
الختم في اللغة ورد لعدة معان هي:
١ - الطبع:
قال "صاحب المحكم: "ختمه، يختمه، ختمًا: طبعه" (١).
وقد ذكر هذا "صاحب اللسان" (٢) و"القاموس المحيط" (٣).
وفي "تاج العروس": "معنى ختم وطبع واحد في اللغة" (٤).
٢ - تغطية الشيء والاستيثاق منه بحيث لا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء:
قال "صاحب المحكم": "والختم على القلب ألا يفهم شيئًا ولا يخرج منه شيء كأنه طبع. ومعنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق من أن لا يدخله شيء كما قال : ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٥)، وذكر هذا "صاحب اللسان" (٦) و"صاحب تاج العروس" (٧).
стр. 94
٣ - آخر الشيء ونهايته:
قال "صاحب المحكم": "وختم الشيء يختمه: ختمًا بلغ آخره، وخاتم كل شيء: عاقبته وآخرته، وختام كل مشروب آخره، وفرض التنزيل ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي آخره، وختام القوم وخاتمهم آخرهم … وفي التنزيل ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أي آخرهم" (١).
وقال "صاحب المفردات" في معرض كلامه عن الصور التي يرد بها لفظ الختم: "وتارة يعتبر منه بلوغ الآخر ومنه قيل: ختمت القرآن؛ أي: انتهيت إلى آخره … " إلى أن قال: "وخاتم النبيين لأنه ختم النبوة، أي تممها بمجيئه ﷺ " (٢). وقال صاحب القاموس: "والخاتم من كل شيء: عاقبته وآخرته، وآخر القوم كالخاتم" (٣).
"هذه هي المعاني اللغوية لفعل "الختم" واسم فاعله "خاتم" كما أوردها أعلام اللغة في مصنفاتهم عن العرب، وهي مع تعددها وتعدد ألفاظها المعبرة عنها والتي هي: الطبع على الشيء وإنهاؤه وتغطيته وآخر القوم وعاقبة الأمر، هي مع ذلك كله تتمشى مع دلالة قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ على أن النبوة قد طبع عليها فلا تفتح، وأنها قد انتهت وسُدَّت بمحمد ﷺ ، وأنه آخر الأنبياء وشرعه آخر الشرائع وعاقبتها" (٤).
ب - معنى ختم النبوة:
تقدم معرفة معنى الختم في اللغة، وتقدم أيضا معرفة معنى النبوة في المبحث الثاني من هذا الفصل.
стр. 95
"فإذا ما ركِّبا في جملة واحدة هي "ختم النبوة" فإنه يكون معناها: "انتهاء إنباء الله للناس وانقطاع وحي السماء" (١).
* * *
стр. 96
المطلب الثاني: الأدلة من القرآن الكريم على ختم النبوة
أ - آية الختم:
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
والآية نص صريح واضح على ختم النبوة بمحمد ﷺ وكونه خاتم الأنبياء وآخرهم مبعثًا فلا نبي بعده ولا رسول.
وقد سبق الربط بين دلالة الآية والمعنى اللغوي لكلمة "ختم".
وتتميمًا للفائدة سأعرض بعض ما ذكره علماء التفسير عند تفسير هذه الآية.
قال ابن جرير الطبري ﵀: "يقول تعالى ذكره: ما كان أيها الناس محمد أبا زيد بن حارثة (١) ولا أبا أحد من رجالكم، الذين لم يلده محمد، فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين الذي ختم النبوة فطبع عليها فلا تفتح لأحد من بعده إلى قيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء" (٢).
стр. 97
وقال ابن كثير ﵀: "فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فكل رسول نبي ولا ينعكس، بذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ﵃ … إلى أن قال: فمن رحمة الله بالعباد إرسال محمد ﷺ ، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له.
وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل" (١).
وأقوال المفسرين عمومًا متفقة على أن المراد من الآية هو ختم النبوة وأن رسول الله ﷺ هو آخر الأنبياء مبعثًا، ولم ينقل عن أحد من أهل التفسير خلاف ذلك.
وقد تعرض أهل التفسير للقراءات الواردة في قوله "خاتم" من هذه الآية فذكروا أن فيها قرائتين:
الأولى: قراءة الكسر "خاتِم":
وهي الأشهر عند أهل اللغة والتفسير الذين أجمعوا أن قراءة الكسر هي قراءة الجمهور وعامة قراء الأمصار (٢) وعلى هذه القراءة: ﴿وخاتم النبيين﴾ يكون المعنى أنه: "ختم النبيين" لأنه ختم به النبيون فهو خاتمهم.
стр. 98
الثانية: قراءة الفتح "خاتَم":
وهي الأقل استعمالًا بين القراء، ولهذا فإن المفسرين لا يعزونها إلا إلى أفراد القراء كعاصم (١) وابن عامر (٢) وغيرهما.
فعلى هذه القراءة ﴿وخاتم النبيين﴾ يكون المعنى؛ أي آخر النبيين مبعثًا فبه انتهت النبوة.
وبالرغم من ورود القرائتين في الآية إلا أن المفسرين لا يرون أن في ذلك تأثيرًا على المعنى، وهو انقطاع النبوة بعد نبينا محمد ﷺ .
ب - الآيات الدالة ضمنًا على ختم النبوة:
في القرآن الكريم آيات كثيرة دلت ضمنا على ختم النبوة والرسالة بنبينا محمد ﷺ .
ومن هذه الآيات آيات عموم الرسالة وعالميتها والتي تقدم ذكرها في المبحث الثالث، حيث إن عموم الرسالة من الناحيتين الزمانية والمكانية يدل على كونها خاتمة الرسالات؛ لأن البشرية على هذا الحال لاتحتاج إلى دين جديد ما دام هذا الدين قد خاطبهم جميعًا على اختلاف أجناسهم وأماكنهم وأزمانهم. ومن الأدلة كذلك الإخبار بإكمال هذا الدين وإتمامه:
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ فالآية تؤكد أن الأمة لم تعد تحتاج إلى نبي يكمل لها دينها أو يتم عليها نعمة ربها، لأن الله قد أكمله على يد
стр. 99
رسوله ﷺ ، ثم رضيه له ربها؛ لأن الله قد أكمله على يد رسوله ﷺ ، ثم رضيه له ولأمته دينًا يعبدون الله به إلى يوم القيامة (١).
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن … " (٢).
* * *
стр. 100
المطلب الثالث: الأدلة من السُّنَّة على ختم النبوة
إلى جانب ما ورد في القرآن من أدلة على كون النبي ﷺ خاتم النبيين ورسالته هي خاتمة الرسالات، فقد ورد في السنة كذلك أحاديث كثيرة أكدت هذا الأمر وبينته ونبهت عليه.
وقد وردت هذه الأحاديث بعبارات متعددة متنوعة لكنها جميعًا أكدت على مدلول واحد، هو انقطاع الوحي بعد النبي ﷺ وختم النبوة به. وقد بلغ بعض هذه الأحاديث حد التواتر، كما أنها في جملتها متواترة تواترا قطعيا. ونظرا لتنوع ألفاظ تلك الأحاديث واختلاف صورها في الدلالة على هذا المعنى وتأكيده، فإن من المناسب أن أعرضها لك على النحو التالي:
أ - الأحاديث التي ورد فيها التصريح بأنه ﷺ خاتم النبيين، ومنها:
أ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "أُتي رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهس (١) منها نهسة ثم قال "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ "، ثم ذكر ﷺ يوم القيامة وما يحدث فيه من استشفاع الناس بالأنبياء للحساب حتى يصلوا إليه ﷺ ، فذكر ﷺ
стр. 101
أنهم يقولون: "أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، تشفع لنا إلى ربك … " الحديث (١).
٢ - عن ثوبان (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض (٣) وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم (٤) وإن ربي قال لي يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها - أو قال بأقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضًا، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق".
قال ابن عيسى: "ظاهرين"، ثم اتفقا: "لا يضرهم من خالفهم
стр. 102
حتى يأتي أمر الله" (١).
والشاهد من هذا الحديث هو قوله: "وأنا خاتم النبيِّين أن لا نبي بعدي" فهذا نصٌّ في كونه ﷺ هو خاتم الأنبياء.
٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر" (٢).
ب - الأحاديث التي ورد فيها ضربه ﷺ الأمثال لختم النبوة ومنها:
أ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة". متفق عليه (٣)،
стр. 103
وعند مسلم بزيادة لفظ: "فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء".
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟، قال: "فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (١).
ج - الأحاديث التي ورد فيها تصريحه ﷺ بانقطاع النبوة وأنه لا نبي بعده ومنها:
١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خَلَفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون … " الحديث (٢).
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: "كشف رسول الله ﷺ الستار والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁، فقال: أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" (٣).
٣ - وعن سعد بن أبي وقاص (٤) ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى
стр. 104
تبوك واستخلف عليًّا (١) فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي" (٢).
د - الأحاديث التي ورد فيها تحذيره ﷺ من المتنبِّئين بعده ومنها:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله .. " (٣)
٢ - عن جابر بن سمرة (٤) ﵁ قال: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم" (٥).
стр. 105
هـ - الحديث الذي ورد فيه التصريح بأنه آخر الأنبياء وأن مسجده آخر المساجد وأن أمته آخر الأمم:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء وإن مسجده آخر المساجد … ".
قال عبد الله بن إبراهيم قارظ (١) أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي آخر المساجد" (٢).
و - دلالة بعض أسمائه ﷺ على كونه خاتم الأنبياء:
عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى لي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي" (٣).
والأحاديث في مسألة ختم النبوة كثيرة لا يتسع المقام هنا لإيرادها جميعها، وقد جمع هذه الأحاديث صاحب كتاب "عقيدة ختم النبوة" فمن أراد الزيادة فليرجع إليه (٤).
* * *
стр. 106
المطلب الرابع: ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم في تأكيد عقيدة ختم النبوة
لقد كان موقف الصحابة رضوان الله عليهم تجاه هذا الأمر متمثلا في الأمور التالية:
أ - روايتهم للأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في هذا الشأن والتي بلغت حد التواتر على تنوع عبارات تلك الأحاديث واختلاف المناسبات التي قيلت فيها، وهذا مما يدل على اعتقادهم لهذا الأمر وحرصهم على إبلاغه لهذه الأمة، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه خالف هذا الأمر، ولو كانت هناك أدنى شبهة عن أحد منهم لنقلت لنا "وقد بلغ عدد الصحابة ﵃ الذين رووا أحاديث الختم سبعة وثلاثين صحابيا" (١).
ب - إجماع الصحابة على قتال المتنبئين بعد وفاة رسول الله ﷺ فلقد سير أبو بكر ﵁ الجيوش - والتي كان معظم جندها من الصحابة رضوان الله عليهم - وذلك لقتال مسيلمة الكذاب (٢) وطليحة الأسدي (٣) اللذين ادعيا النبوة.
стр. 107
ج - ما ورد من الأقوال المأثورة عنهم والتي تضمَّنت التأكيد على ختم النبوة وانقطاع الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ ، ومن تلك الأقوال: ما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم … " (١).
وما روي عن ابن عباس ﵄ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
قال في تفسيرها: "إن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا" (٢).
وعن ابن أبي أوفى (٣) ﵁ لما سئل عن إبراهيم ولد النبي ﷺ قال: "مات صغيرًا، ولو قضى أن يكون بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه ولكن لا نبي بعده" (٤).
وعن أنس ﵁ قال: "كان إبراهيم - يعني ابن النبي ﷺ قد ملأ الأرض، ولو بقي لكان نبيًّا، ولكن لم يبق إلا نبيكم آخر الأنبياء" (٥).
стр. 108
المطلب الخامس: إجماع الأمة
تلقت الأمة النصوص الواردة في الكتاب والسنة بشأن ختم النبوة بالقبول التام فحصل بهذا إجماعها على كون النبي ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي ولا رسول بعده، ورسالته هي خاتمة الرسالات وآخرها.
وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من العلماء، أذكر على سبيل المثال قول بعض منهم:
قال ابن عطية (١) في معرض كلامه على آية الختم: "وهذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفًا وسلفًا متلقاة على العموم التام مقتضية نصًّا أنه لا نبي بعده ﷺ " (٢).
وقال القاضي عياض (٣): "أخبر ﷺ أنه خاتم النبيين لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة لله للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد منه دون
стр. 109
تأويل ولا تخصيص" (١).
قال الألوسى (٢): "وكونه ﷺ خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السُّنَّة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدَّعي خلافه ويقتل إن أصرَّ" (٣).
ولقد تكلم علماء الأمة على تقرير هذه المسألة وأقوالهم محفوظة في ذلك، فإن شئت فارجع إلى كتب التفسير عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وارجع كذلك إلى كتب العقيدة فقلَّ أن يخلو كتاب من الحديث في هذا الأمر وتقريره بما ورد في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ومن بعدهم من علماء الأمة.
وبما تقدم من أدلة على تقرير ختم النبوة فإنه يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يؤمن بهذا الأمر ويعتقده.
* * *
стр. 110
المبحث الخامس: وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلَّغ الرسالة وأكملها