← История

История · id 11782

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ابن عذاري المراكشي

Полный текст (609 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وباجة تونس، وجاهروا بتحليل المحرم وأكلوا الخنزير وشربوا الخمر في رمضان جهارا. وعلم بذلك الخاص والعام حتى عير به أبو القاسم أيام كونه بالفيوم وكثر القول من الناس في هذا فكتب عبيد الله إلى عماله بهذه المواضع بأن يرفعوهم إليه مقيدين، ثم حبسوا، فمات أكثرهم بالسجن وكلهم مشهور بأفريقية: منهم أحمد البلوي النخاس بالرقيق كان يصلي إلى رقادة أيام كون عبيد الله بها وهي منه في المغرب فلما انتقل عبيد الله إلى المهدية وهي منه في المشرق، صلى إليها وكان يقول: لست ممن يعبد من لا يرى! وكان يتصدى لعبيد الله ويقول له: أرق إلى السماء كم تقيم في الأرض وتمشي في الأسواق! وكان يقول لأهل القيروان في عبيد الله: أنه يعلم سركم ونجواكم! فاقرب إليه يرجلا يوما وهو يقول ذاك فأخذ أذنه ونطق فيها: عبيد الله الذي نقول زان! ابن الزانية! فإن كان يعلم ما قلت لك، فلينتصر! فصاح صيحة عظيمة وقال: يا مسكين! إنه حليم لا يعجل! ومنهم إبراهيم بن غازي، وكان يأكل في شهر رمضان جهارا ويركب الكبائر وكان في أيام بني الأغلب من المتزهدين المرابطين بقصر الطوب المجاور لسوسة وقد كان أهل سوسة أرادوا تقديمه لصلات الجماعة. وفيها تصدى جماعة من أهل القيروان بالنساء والذرية لأبي القاسم، وشكوا إليه سرا جور أبي سعيد وأصحاب المحارس، ووصفوا إفسادهم وغارتهم على أموالهم فاستأذن لهم على أبيه، فدخلوا كافة، وشكوا غليه بما شكوا به إلى أبي القاسم وأبو سعيد جالس عنده فحلف لهم عبيد الله أنه ما علم بظلمهم، وأمرهم بالانصراف ووعدهن بالإنصاف وأمر أبا سعيد برفع كتابه وقوم من أصحاب المحارس إليه فحسبهم عبيد الله وأطلق كاتبه. وفيها، أمر عبيد الله بأن يكون طريق الحاج على المهدية، لأداء ما وظف عليهم من المغارم في الشطور، وألا يتعدى هذا الطريق أحد وكان

стр. 177

من أمثال أهل القيروان في أيام بني الأغلب عند مطالبة شيء ممتنع: إذا أردت الحج، فخذ على بندون! وبندون هذه قرية في طريق جمة والطريق القصدة إنما هي على مصر. فلما عهد عبيد الله بأن تكون طريقهم على المهدية صار المثل القديم حقا. وفبه، أمر عبيد اله بقتل أبي علي حسن بن مفرج الفقيه، ومحمد الشذوني الزاهد، إذ رفع عليهما إليه بتفضيل بعض الصحابة على عليّ وفيها مات بمدينة سوسة أبو الغصن نقش الفقيه، سمع من سحنون زمن عون بن يوسف وغيرهما، وتوفي محمد بن هيثم بن سليمان بن حمدون القيسي الفقيه ومحمد، ومحمد ابنا عبد السلام بن إسماعيل من بني عبد الملك بت مروان، وفي سنة ٣١٠، قدم مصالة بن حبوس إلى المهدية على عبيد الله. فأقام بها أياما. ثم صرفه إلى تبهرت. فخرج إليها في شعبان. وفيها، قرى كتاب لعبيد الله الشيعي في جامع القيروان بوقعة كانت بين فلاح بن قمون وبين جند مصر بذات الحمام. وفيها، قتل بجبل أوراس أبو معلوم فحلون الكتامي من قواد عبيد الله وكان قد أخرجه إلى هذا الجبل، فكلف أهله فوق وسعهم وأمرهم برفع عيالاتهم إلى المهدية، فأظهروا الطاعة له، وشرعوا فيما أمرهم به فلما كان في بعض الليالي، وثبوا عليه وعلى جند كتامة الذين كانوا معه، فقتلوهم أجمعين. وفيها خالفت نفوسة على عبيد الله، وقدموا على أنفسهم أبا بطة فاجتمع إليه عدد كثير واشتدت شوكته. فأخرج إليهم عبيد الله علي بن سلمان الداعي في جمع كثير فلما قرب منهم بيتوه فقتلوا من أصحابه وانهزم الباقون وتفرقوا عن علي بن سلمان، فسار علي إلى طرابلس، وكتب إلى عبيد اله بذلك فكتب عبيد الله إلى علي بن لقمان عامله على قابس بأن يقتل كل من مر به من المنهزمين فقتل منهم جماعة. وامتد عبيد الله بن سلمان بالجيوش، وأخذ في حصار نفوسة بعزم. وفيها، غزا مسعود الفتى بلد الروم في البحر في عشرين

стр. 178

شينيا فافتتح مدينة أغاثي، وسباها وانصرف إلى المهدية وفيها، توفي محمد بن سلام بن سيار البرقي الهمداني وكان متفقها على مذهب الشيعة وتوفي من قريش أحمد بن يحيى بن خالد السهمي، بعد أن جاوز التسعين وكانت له رحلة، وسمع من أبي سنجر مسنده. وقام حسن بن على الحسني مع البربر فأتى إلى فارس، وبها ريحان الكتاني قائدا عليها من قبل عبيد الله فأخرجه منها واستبد بها ثم غدره حامد بن حمدان وأدخل بن أبي العافية، وكان وكان يتولى لبني أمية، فبقى بها إلى أن أرسل الشيعي قائديه مسرورا وجواهرا. ففر أمامهما. وبقى فيها قائد الشيعي إلى أن أخرجه بنو إدريس ورجع ملكها لهم حتى حاربها عسكر الناصر الأموي صاحب الأندلس وملكها. وفيها، مات أبيو جعفر الطبري. وفي سنة ٣١١، عزل عبيد الله إسحاق بن أبي المنهال عن قضاء مدينة القيروان يوم السبت لعشر بقين من جمادى الآخرة، وأخرج إليه عبيد الله من قال له: لم نعزلك عن حرجة، وإنما عزلناك للينك ومهانتك! وولى قضاء مدينة القيروان محمد بن عمران النفطي وكان قبل ذلك على قضاء مدينة طرابلس، فجمع بها أموال كثيرة من الرشى والأحباس ورفعها إلى عبيد الله فكانت له وسيلة إليه. وفيها، أوقع علي بن أبي سلمان بأهل نفوسة، ودخل حصنهم وهدمه وقتل الرجال، وسبى الذرية، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان. وفيها، ضرب محمد بن العباس الهذلي الفقيه بالدرة في الجامع عريانا، وصفع قفاه حتى جرى الدم من رأسه، وبرح عليه في أسواق القيروان إذ شهد عليه قوم من المشارقة بأنه يطعن على السلطان ويفتي بقول مالك، وفيها، دخل مسرور بن سليمان بن كافي الواحات من صعيد مصر وهما حضنان في قفار ورمال، وكان عليها عامل لصاحب مصر يعرف بالبكربازي، فهزمه

стр. 179

مسرور وأسر ولده وابن أخيه، واستحوذ على الموضع ثم وقع الطاعون في أصحاب مسرور فأخرب الحصن، وقلع أثمارها، وانصرف إلى برقة. وفي هذه السنة، مات بالقيروان من العدول وأهل السنة والخير محمد بن شيبة بن حسان وكان شيبة من القواد الداخلين أفريقية مع يزيد بن حاتم وفيها، مات بتونس أبو جعفر محمد بن تميم التميمي وكان من قواد زيادة الله فهرب إلى أبا عبد الله الشيعي ودخل معه أفريقية. وفيها، مات أبو الفضل أحمد بن جعفر بن موسى الصمادحي. وفي سنة ٣١٢، خرج مصالة من تبهرت إلى زناتة فأداخ بلدهم وقتل وسبى وأخرج خيلا إلى بعض ؤنواحي ابن خرز وكان فيها أكثر حماته ووجوه رجاله، وبقى مصالة في نفر من أصحابه. فبلغ ذلك ابن خرز فقصد نحو مصالة، ودارت بين الفريقين حرب عظيمة، قتل فيها مصالة وانهزم أصحابه وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان. وفيها، خرج أبو جعفر ابن عبيد الحاجب في أسطول كبير إلى صقلية يريد غزو الروم فشتى بصقلبة تلك السنة، ولم يلق العدو، وفي هذه السنة، مات بالقيروان القاضي محمد بن عمران النفطي في شهر ربيع الأول، وكان يرتشي على الأحكام، ويستهتر في ضروب من المنكر. فولى عبيد الله القضاء مكانه إسحاق بن أبي المنهال مرة ثانية وكتب في عهده: وإنما كنا عزلناك للينك ومهانتك! ورددناك لدينك وأمانتك! وفيها، مات محمد بن حفص الفهم، وكان من أهل الفضل والدين، وأم بالناس الإشفاع بجامع القيروان في أيام بني الأغلب قم ولى صلاة جامع رقادة وكان يرتوق في كل شهر عشرة مثاقيل فأحضره المروذي عند نفسه وقال: لا يوم بنا إلا ولى من أولياء أمير المؤمنين. فأدخل إلى بعض الدعاة يأخذ عليك البيعة، وتبقى على خطتك! وإنما أراد أن يتشرق معهم ويدخل في الكفر مدخلهم. فقال له: أنظرني اليوم أشاور نفسي! فأنظره ثم أتاه

стр. 180

من الغد وقد كره الدخول معهم في شيء مما هم عليه فعزا عن الصلاة. وفيها، قريّ كتاب عبيد الله بالقيروان وأعمالها بدخول مسرور بن سليمان بن كافي الواحات، وملكه لها، وتاريخه يوم الخميس لثمان ليال بقين من محرم. وفي سنة ٣١٣، غزا أبو أحمد جعفر بن عبيد الحاجب بلد الروم من صقلية، فافتتح أماكن كثيرة ومنها مدينة واري، وقتل بها ستة آلاف مقاتل، وأخرج منها عشرة آلاف سبية وأسر بها بطريقا صالحه عن نفسه ومدينته بخمسة آلاف مثقال وانصرف إلى صقلية فوصل إليها لأربع بقين من شهر ربيع الآخر، وكتب إلى عبيد الله الشيعي بالفتح، ثم قدم جعفر بعد ذلك إلى المهدية وأوصل جميع الغنائم إلى عبيد الله الشيعي فذكر بعض رجاله أنه دخل عليه وبين يديه جوهر كثير، وديباج سني، وأموال، فقال له: يا مولاي، ما رأيت كاليوم منظر! فقال له عبيد الله: هذه من الغنائم التي أصيبت بوارى! فقال له الرجل: أن من أدى هذا لأمين! وأراد أن يثني بذلك على جعفر الحاجب فقال له عبيد الله مبادرا: والله! ما أعطاني من الجمل إلا أذنيه! وفيها، ولي أحمد بن بحر بن علي بن صالح، المعروف بابن أخي كرام، مظالم القيروان وجلس للنظر يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأخيرة، وفيها، مات بمدينة سوسة محمد بن يسطام بن رجاء الضبي الفقيه وكانت له رحلة سمع فيها من ابن عبد الحكم وغيره. ومات عبد العزيز بن شيبة وكانت له رحلة أيضا سمع فيها من بندار وأبي موسى الزمن، وأبي حفص القلاس، ولم يتخلف هذا المتوفى وارثا، فورثه عبيد الله وكان له مسجد يجاور داره وفندقه، فأغلق الناظر في المواريث لعبيد الله المسجد، ووصله بالدار والفندق. وفيها ابتدأ عبيد الله الشيعي ببناء مدينة المسيلة وسماها المحمدية على بد علي بن حمدون الجذامي المعروف بابن الأندلسي في وسط أرض بني برزال وبني كهلان على قرب من هوارة. وكانت على واد ولها سوران تنيهما ساقية من هذا الوادي.

стр. 181

وفي سنة ٣١٤، عزل عبيد اله الشيعي عن عمالة القيروان نسينا فتاه وضمه إلى المهدية، وحبس عند جوذر الفتى، وقبض على أمواله، وكان نسيم سريع الغضب والضرب بالسوط. وولي عبيد الله عمالة القيروان صابر الفتى مولى بن قرهب. وفيها، زحف ابن خزر إلى تبهرت وحاربها فانهزم عنها وأخرج عبيد الله في أثره موسى بن محمد الكتامي في جماعة من القواد فلما صاروا بطبنة، دخل محمد بن خزر الصحراء، وأبقى أخاه عبد الله مع وجوه رجاله بوادي مطماطة، فدا ت بينه وبين رجال الشيعي حرب عظيمة كان الظفر فيها والغلية لابن خزر. ثم أخرج عبيد الله إلي إسحاق بن خليفة وأصحابه وخالفت على الشيعي لماية، وما جاورها من القبائل واستمدوا بابن خزر فكتبوا إلى عبيد الله مستمدين، فأمدهم بجيش كبير فهزموه. وأرسلت هذه القبائل إلى محمد بن جزر، فولى عليهم أخاه عبد الله. ودارت بينه وبين جيوش الشيعي وقائع كثيرة. وفيها، مات مونس البغدادي المغني مولى موسى بن بغل بالمهدية فجأة. وفي سنة ٣١٥، خرج أبو القسم بن عبيد الله الشيعي من المهدية يريد المغرب، يوم الخميس لتسع ليال خلون من صفر. وكانت طريقه على القيروان، ثم نزل الأريس. فأقام بها أياما حتى اجتمعت إليه العساكر. فسار إلى باغاية، ثم إلى كتامة، ونقدم إلى جبل فيه بنو برزال، وقوم من مكلاتة. فامتنعوا عليه، فحاربهم حتى فتح له عليهم ونوجه إلى مدغرة، ثم إلى سوق إبراهيم. فأقام في تلك الجهة أكثر من شهر لكلب الشتاء وكثرة الوحل. فحكى بعض رجال عبيد الله أنه كان بين يديه، هو وطائفة من خدمه وصحبه، وقد توقفت كتب أبو القاسم عن الورود حتى ساءت الظنون من جهته، فورد كتابه على أبيه بمحضرهم. فلما فتحه وقرأه، بكى، قال: فخفنا أن يكون حدث وأمر وهممنا بالبكاء معه حتى افتتح الكلام، فقال: اللهم أنك تعلم أنني ما أردت إخراجه إلى المغرب إلا رضاك، ونصرة دينك، وإذلال أعدائك! وما

стр. 182

يسهل عليّ أن أفارقه يوما واحدا، قال: ثم التفت إلينا فقال: هذا مولاكم يذكر في كتابه أنه أقام فير مناخ واحد شهرا كاملا، عليه المطر كل يوم بالغدو والآصال، وأنه مشى عقابا كثيرة راجلا، إذ لم يستطع الركوب فيها لوعرها، ويقتات كل يوم ببيضة أو نحوها لكثرة الذباب في العسكر! وفيها، خرج صابر الفتى إلى صقلية لغزو بلد الروم، في أربعة وأربعين مركبا، فأصاب في غزاته هذه وسبى وقتل. وفيها، قتل برملة المهدية معلى بن محمد الملوسي الداعي، بعثه أبو القاسم من المغرب مقيدا. فأمر عبيد الله بضرب عنقه،. وفيها، قتل بمصمود الساحل، من أحواز طنجة حاميم المفتري ابن منّ الله. وكان قد تنبأ بالجبل المنسوب إليه، وأجابه بشر كثير من البربر الجهال، وشهدوا له بالرسالة. وقد كان سنّ لهم صوم يزم الخميس، فمن أكل فيه، غرم خمسة أثوار، وصوم الاثنين، فمن أكل فيه غرم ثورين، ونحو هذا من الباطل والحماقات. ومما قيل فيه (طويل) . قالوا افتراء إن حاميم مرسل ... إليهم بدين واضح الحق باهر فقلت: كذبتم بدد الله شملكم! ... فما هو إلا عاهر وابن عاهر! فإن كان حاميم رسولا فإنني ... بمرسل حاميم لأول كافر! رووا عن عجوز ذات إفك بهيمة ... تجاوز في أسحارها كل ساحر أحاديث إنك حاك إبليس نسجها ... يسرونها والله مبدي السرائر! وفي هذه السنة، توفي محمد بن سلمون القطان بأفريقية، وله سماع كثير من رجال سحنون. وتوفي من التجار وأهل العدالة حاتم بن عبد الرحمن بن حاتم، سمع من سحنون ورحل إلى العراق. وفي سنة ٣١٦، زحف أبو القاسم الشيعي إلى قبائل البربر بالمغرب، فنزل

стр. 183

ببرقاجنة على حصنها المعروف بأغزر يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم، فقاتلهم، ونقب السور عليهم حتى سقط، وهلك ممن كان تحته وفوقه عدد كثير. فلما نظروا إلى الغلبة، أحرقوا الأمتعة، وعرقبوا الدواب والمواشي، وقاتلوا الشيعة حتى قتلوا، وأسر منهم من استأسر وانتهب ما في الحصن. وأجابت هوارة ولماية إلى طاعة الشيعة، فأمنهم أبو القاسم، ثم سار إلى جهة تبهرت فأقام بها نحو شهر، وتقدم منها إلى تامغلت، فأقام بها شهرين، مناظرا لين خزر، وهو حينئذ بموصع يقال له أورن ثم نكب أبو القاسم إلى مدينة طبنة، وانصرف إلى المهدية دون أن يلقي ابن حزر. وقيل أن سبب انصرافه، إنما كان لكتاب ورده من قبل ابنه قاسم، يعلمه أن الناس تحدثوا بمبايعة عبيد الله لابنه أحمد المكنى بأبي عليّ وأنه صلى بالناس عيد الفطر وعيد الأضحى. فأقلقه ذلك، وقدم المهدية. وفيها غزا صابر من صقلية إلى بلد الروم فافتتح موضعا يعرف بالغيران وقلعة الحسب، واحتوى على ما فيهما، وزحف إلى سلير، فصالحه أهلها بمال وديباج. ثم توجه إلى نابل، فصالحوه أيضا بمال وثياب ثم صدر إلى صقلية. وفيها، مات محمد بن أحمد بن أبي زاهر من الفقهاء بالقيروان، وعبد الله المعروف بالعيني وكان من المعبدين. وفيها، ابتدأ غلاء السعر بالقيروان. زفيها كان ابتداء أمر أبي مخلد بن كيداد الزناتي، وهو رجلا أخذ نفسه بمذاهب النكار يحلل دماء المسلمين وفروجهم ويسب علي بن أبي طالب ﵁ وكان أول أمره بتقيوس، يعلم الصبيان، ويعتقد الخروج على السلطان ويحتسب على الناس في كثير من أفعالهم، وعلى جباة الأموال. فغير في هذا العام على عامل تقيوس، وأمر بقتله، فقتله أهل نقيوس ففزع أبو يزيد عند ذلك، وخرج إلى الحج. فلما وصل إلى طرابلس، وصل كتاب عبيد الله في طلب قوم من البربر فهرب هو وصاحبه أبو عمار الأعمى، وكان على

стр. 184

مذهبه وضلاله. فكرا في تقيوس، فورد كتاب عبيد الله في طبنة فيها زال يقر ويستتر إلى أن ظهر أمره بعد ذلك. وفي سنة ٣١٧، كان بالقيروان وأعمالها وباء عظيم وغلاء سعر فبلغ قفيز قمح بالكيل القرطبي مثقال ذهب. وفيها، تغلب محمد بن خزر على الزاب كله وملكه جملة. وفيها، بنى بنو محمد المدينة المعروفة فجر النسر. وفيها سار موسى بن أبي العافية إلى مدينة نكور وصاحبها يومئذ المؤيد بن عبد البديع ابن إدريس بن صالح بن منصور. فحاصره فيها حتى تغلب عليها واستباحها وغنم ما فيها وقتل المؤيد وهدم أسوارها. ثم سار يريد بني محمد بن سليمان ابن عبد الله، وعميدهم يومئذ الحسن بن عيسى المعروف بابن أبي العيش صاحب جرواة، وهي أشرف مدائن ذلك الجانب. فنزل عليها وحاصر ابن أبي العيش فيها حتى أوفى على أخذها. فلما أحس ابن أبي العيش بالغلبة، وخرج في الليل، هاربا بأهله وولده ومن تبعه، ونجا إلى مربي جروة المعروف بأكاس. فدخل منه البحر وعاذ بجزائر ملوية. ثم سار إلى جزيرة أرشقول، وهي منيعة لا ترام، فتحصن فيها بأهله وولده ومواليه. وجال موسى بن أبي العافية بتلك الجهات وأخذ مدينة تربية ومدينة أرشقول. وهرب كل من في ذلك الجانب من آل محمد بن سليمان، وخلص الموضع لموسى بن أبي العافية وأخلى منه قواد بني خزر وعمالهم وصار في ملكه من أحواز تبهرت إلى السوس الأقصى وفبها، غزا صابر الفتى غزوته الثالثة والتقى في البحر بالسردغوس، وهم في سبعة مراكب، وصابر في أربعة مراكب فانهزم السردغوس. وفتح صابر مدينة نرمولة، وسبى فيها سبيا كثيرا، ثم انصرف إلى المهدية. وفيها مات بالقيروان من الفقهاء أحمد بن نصير بن زياد، سمع من محمد بن سحنون ومن ابن عبدوس

стр. 185

ومن يوسف بن يحيى المغامي وكان عالما بالمناظرة مليئا بالشاهد، صحيح المذهب، سليم القلب. قال محمد بن حار: حضرته يوما، وعنده جماعة من المحاظرين في المسألة، حنى دخل عليه محمد بن عبد الله بن مسرة القلاطبي في حين توجهه إلى الحج فسلم، وجلس جانبا وهو يجيل بصره في وجوه المتكلمين. قال: فلم أشك أنه من أهل العلم، ولم أكن عرفته باسمه. فلما أظهر الشيخ أحمد بن نصر القيام، قال له: (يا شاب جلست منذ يوم. فهل من حاجة تذكرها؟) فجاوبه محمد بن مسرة بكلام حسن بليغ وقال له: (أتيتك مقتبسا من نورك، ومستمدا من علمك) وجاوبه أحمد بن نصر أيضا بجواب حسن. ثم قام وقمنا بأثره. وفيها، مات محمد بن محمد بن خالد القيسي المعروف بالطرزي، وكان ولي المظالم بالقيروان، ولما أراد إبراهيم بن أحمد توليته المظالم، اعتذر إليه بأن فيه حياء ولين جانب وقلة فقه، فقال له إبراهيم: (أما الحياء واللين، فإذا أمرت ونهيت زالا عنك. وأما قلة الفقه فشاور الفقهاء في أحكامكم) وولاه فلم يكن بالقيروان حاكم أشد صرامة منه. وفي سنة ٣١٨ خرج حميد بن يصل من المهدية إلى تبهرت بغير أذن عبيد الله، وبنى قلعة هنالك، ورد حماد بن هاشم إلى بلده، وصاهره وأصلح بينه وبين سيار بن عبد الوهاب. فكتب عبيد الله إلى يصل بن حبوس أن يوجه حميد إلى المهدية، ولا يؤخره ساعة. فرجع حميد إليها، ولم يلق من عبد الله سوءاً. وفيها، نزلت الأمطار بالقيروان وصلحت الأحوال، ورخصت الأسعار بعد ضيق شديد كان فيه الناس، وغلاء، ووباء. وفيها مات بالمهدية هشام بن الربيع التميمي وكان من أهل الخير والفضل وناله من عبيد الله الشيعي عقاب، وضربه بسبب ابن القديم. وأوصى ألا يدفن في المهدية فسيق إلى القيروان ودفن بها.

стр. 186

ذكر مدينة جراوة كانت مدينة جراوة عليها سور مبنى بالطوب. وبخارجها عيون مالحة وداخلها آبار كثير طيبة عذبة، وحولها أرباض من جميع جهاتها، وفيها قصبة مانعة وفيها خمس حمامات، وجامع، له خمس بلاطات أسسها أبو العيش عيسى بن إدريس سنة ٢٥٧، ووليها بعد ابنه الحسن بن أبي العيش في سنة ٢٩١، وخرج منها إلى حصن المنصور في سنة ٣١٩، ثم عاد إليها في سنة ٣٢٣، ثم انتقل إلى تلمسان في سنة ٣٢٥. وكان لها أربعة أبواب وحولها فحوص للزرع والضرع وحولها قرى مدغرة على البحر. وعلى الجبل بنو يزناتن، ومن جهة الشرق بنو يفرن من زناتة ومن جهة الغرب قبائل زواغة وغيرهم. ذكر مدينة تيهرت وأما مدينة تيهرت، فأسسها عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، وكان مولى لعثمان بن عفان وكان خليفة لأبي الخطاب أيام تغلبه على إفريقية ولما دخل ابن الأشعث القيروان، فر عبد الرحمن إلى الغرب بما خلف من أهله وماله فاجتمعت إليه الأباضية، وعزموا على بنيان مدينة تجمعهم، فنزلوا بموضع تيهرت وهي غيضة بين ثلاثة أنهار فبنوا مسجدا من أربع بلاطات، واختطة الناس مساكنهم، وذلك في سنة ١٦١. وكانت في الزمان الخالي مدينة قديمة فأحدثها الآن عبد الرحمن بن رستم وبقى بها إلى أن مات في سنة ١٦٨ وقد تقدم ذكر ذلك.

стр. 187

ذكر من ملك مدينة تيهرت من حين ابتدائها من بني رستم وغيرهم أولهم عبد الرحمن بن رستم: كانت مدته بها سبعة أعوام. ثم وليها ابنه عبد الوارث فكانت مدته بها عشرين سنة وتوفي في سنة ١٨٨. ثم وليها ابنه أبو سعيد أفلح بن عبد الوارث، ومات سنة ٣٠٥، ثم وليها أيضا ابنه أبو بكر بن أفلح بن عبد الوارث بن عبد الرحمن بن رستم، فاختلف عليه الأمر وأخرجه أهلها من تبهرت، ثم أعادوه إلى أن مات فيها. ووليها بعده أخوه أبو اليقظان محمد ابن أفلح، فكانت مدته بها سبة وعشرين سنة، ووفاته في سنة ٣٨١، ووليها بعده أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان، فأقام فيها عاما واختلف عليه الناس واضطرب أمره، فخرج إلى حصن لواتة، وقامت بينه وبين أهل تبهرت حروب عظيمة. ووليها بتقديم أهلها يعقوب بن أفلح بن عبد الوارث بن عبد الرحمن بن رستم، فأقام واليا أربعة أعوام ثم خلعوه وقدموا أبا حاتم بن أبي اليقظان، فأقام ستة أعوام إلى أن قتله بنو أخيه سنة ٢٩٤، ثم وليها يقظان ابن أبي اليقظان، فقتله أبو عبد الله الشيعي، في خبر طويل، مع جماعة من أهل بيته، وذلك في شوال سنة ٢٩٦، وانقطع ملك بني ستم من تبهرت في هذا التاريخ. ووليها في أيام الشيعة أبو حميد دواس اللهبصي ولاه أبو عبد الله الداعي حين خروجه منها إلى سلجمانة، فأقام فيها ستة أشهر حتى أتته العساكر من أفريقية، فافتتحها في سنة ٢٩٩، ووليها مصالة بن حبوس المكناسي، إلى أن قتله محمد بن خزر الزناتي في شعبان سنة ٣١٢ فكانت ولايته بها ثلاث عشرة سنة ووليها بعده أخوه يصل بن حبوس إلى أن توفي سنة ٣١٩، ثم وليها

стр. 188

أبو مالك بن يغمراس بن أبي شحمة اللهبصي، فقام عليه أهل البلد، وأخرجوه سنة ٣١٣، ووليها أبو القاسم الأحدب ابن مصالة بن حبوس، فقدموه على أنفسهم، فأقام عليهم سنة واحدة، فلما انصرف ميسور من أرض المغرب إلى أفريقية، حاربهم حتى ظفر بالبلد، وقتل أبا القاسم بن مصالة المذكور، وولي على تبهرت داود بن إبراهيم العحيسي، فأقام واليا عليها إلى أن أخرجه حميد ابن يصل في جمادى الأخرة من سنة ٣٢٣، في أيام أبي يزيد مخلد بن كيداد البفرني، وخرج حميد بن يصل من تبهرت في سنة ٣٣٣ في خبر يطول ذكره وجاز إلى الأندلس، واحتل إسماعيل الشيعي مدينة تبهرت، وولي عليها ميسورا الفتى فاضطرب عليه أهل البلاد لأنه سار فيهم بسيرة غير مرضية، فاستدعوا محمد بن خزر الزناتي، وابنه الخير، ومن معهم من زناتة، فقدموا إلى تبهرت في جمع عظيم، وأظهروا أنهم ناصرون لميسور، فخرج إليهم فغدروه وأسروه. ودخل ينو خزر وزناتة مدينة تبهرت، ونزلوا دار الإمارة ثم اضطرب أمر أهل تبهرت وتغلب عليها يعلي بن محمد اليفرني الزناتي، إلى أن قدم جوهر قائد الشيعة، سنة ٣٤٩، وكانت حوا تبهرت بساتين من أنواع الثمار، كثيرة الأشجار وهي شديدة البرد كثيرة الأمطار، قيا لبعض الظرفاء من أهلها (كم الشتاء عندكم من شهر في السنة!) قال: (ثلاثة عشر شهرا) وقال بعض الشعراء تبهرت من قصيدة أولها (طويل) فراغ الهوى شغل ومحيا ومحيا الهوى قتل ... ويوم الهوي حول وبعض الهوى كل وجود الهوى بخل ورسل الهوى عدى ... وقرب الهوى بعد وسبق الهوى مطل سقى الله تبهرت المنى وسويقة ... بسياحتها غيثا يطرب بها المحل كأن لم يكن والدار جامعة لنا ... ولم يجتمع وصل لنا ولا شمل

стр. 189

فلما تمادى العيش وانشقت العصي ... تداعت أهاضيب النوى وهي تنهل سلام على من لم نطق يوما بيننا ... سلاما ولكن فارقت وبها ثكل وما هي آماق يفيض دموعها ... ولكنها الأرواح تجري وتنسل ومما قيل حين قضى الله بخرابها وانتقال أهلها عنها وأربابها (طويل) خليل عوجا بالرسوم وسلما ... على طلل أقوى وأصبح أغبرا ألما على رسم تبهرت دائر ... عفته الغوادي الرائحات فأقفرا كأن لم تكن تبهرت دارا لمعشر ... فدمرها المقدار فبمن تدمرا وتبهرت القديمة هذه هي التي خربها الخَيّرُ بن محمد بن خزر الزناتي، وفيها مات بالقيروان من قريش أبو الحسن المطلبي أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن علي بن زيد بن ركانة بن عبدود بن هاشم بن عبد المطلب يوم الأربعاء لأربع عشر ليلة خلت من جمادى الأول وكان قد صحب عبيد الله بسجلماسة قبل أن يملك القيروان، فنال بها جاها كبيرا في آخر عمره وفيها، مات محمد بن عثمان الخرساني الفقيه، صاحب الوثائق بالقيروان، وكان يذهب مذهب أهل الكوفة، ولم يكن ممن يقول بخلق القرآن وله سماع بمصر من يونس بن عبد الأعلى وفي سنة ٣٢٩، اكتب موسى بن أبي العافية (صاحب الأندلس) (أمير المؤمنين) (عبد الرحمن) الناصر من العدوة (الغريبة) ورغب في موالاته والدخول في طاعته، وأن يستميل له أهواء أهل العدوة المجاورين له فتقبله (أمير المؤمنين) أحسن قبول وأمده بالخلع والأموال وقوى أوده على ما كان يحاوله من حرب ابن أبي العيش وغيره فظهر أمر موسى من ذلك الوقت في العدوة وتجمع إليه كثير من قبائل البربر وتغلب على مدينة جراوة وأخرج عنها الحسن ين أبي العيش بن إدريس العلوي ودارت

стр. 190

بينهما محاربات ومواقعات. (وبني الحسن بن أبي العيش حصنا منيعا بجبل بينه وبين جراوة أربعة) أميال وحوله قرى لمدغرة، وبني يفرن وغيرهم من القبائل وكان لأبي العيش أيضا وبنيه مدينة تلمسان وما والاها، يسكنها مثل زواغة ونفزة وغير ذلك، وفي ذلك يقول بكر بن حماد (كامل) سائل زواغة عن طعان سيوف ... ورماحه في العارض المتهلل وديار نفرة كيف داس حريمها ... والخيل قمرغ في الوشيج الذلل غشى مغيلة بالسيوف مذلة ... وسقى جراوة من نقيع الحنظل ومن جراوة إلى تيهرت ثلاثة مراحل وإلى حصن تامغلت مرحلتان يسكنه بنو دمر من زناتة. ذكر مدينة تلمسان ذكر أن تلمسان قاعدة المغرب الأوسط قاله البكري وصحح قوله كثير مكن الإخباريين، ومن كتاب رجار قال: وبين مدينة تلمسان وتبهرت، يسكن بنو مرين وجميع قبائل زناتة، منهم تجين ومغراوة وبنو راشد، وورنيد، وغيرهم، قال: وأكثرهم فرسان يركبون الخيل ولهم معرفة بارعة وحذق وكياسة، لاسيما بعلم الكتف. وهم منسوبون إلى جانا. قال: وزناتة في أصل مذهبهم عرب صراح وإنما تبربروا بالمجاورة والمحالفة للبربر. وذكر أنهم ينتسبون إلى بر بن قيس بن إلياس بن مضر. ذكر افتتاح مدينة سبتة بالعدوة وفي سنة ٣١٩، هذه المؤرخة، افتتح الناصر لدين الله الأموي مدينة سبتة بالعدوة (على بحر الزقاق من بر العدوة، التي هي نظام باب المغربين ومفتاح باب المشرقين، وهي على ما قبل مجمع البحرين قاعدة البر والبحر

стр. 191

واللؤلؤ الحالة من الدنيا بين السحر والنحر وفي فتحها يقول عبيد الله بن يحيى بن إدريس يخاطب الناصر (طويل) بسيفك دانت عنوة وأقرت ... بصائر كانت برهة قد تولت وما قربت أهواؤها إذ تقربت ... ولا حليت بالزي لما تحلت ولكن أزالت راسيات عقودها ... عزائم لو ترمي بها العصم زلت ودولة منصور اللواء مؤيد ... تدل بحد الله من شر دولة فهذا أوان النصر منها وهذه ... بشائره تروي الأنام ببستة فشكها أمير المؤمنين (الناصر) بالرجال، وأتقنها بالبيان وبرني سورها بالكدان وألزم فيها من رضيه من قواد وأجناد وصارت مفتاحا إلى العدوة قال عريب: وبابا إليها، وثقافا على المراسي في ذلك الجانب وقامت الخطبة فيها باسم أمير المؤمنين الناصر وذلك يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الأول من العام المؤرخ. وفيها، ورد الخبر على عبيد الله بالمهدية بدخول موسى بن أبي العافية وأهل سبتة في طاعة أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد الناصر، وأن مركبا نزل زم الأندلس بمرسى جراوة لموسى بن أبي العافية، فهبط إليه الحسن بن أبي العيش واخذ ما كان فيه. فكاتبه قاضيه ووجوه أهل موضعه وكلموه في ذلك فلم يصرف إليه متاعه، فزحف موسى إلى صاء، فأخرج منها عامر بن أبي العيش وأمن أهلها، ثم زحف إلى زواغة، فخرج إليه ابن أبي العيش فلما رأى كثرة من معه انصرف عنه من غير قتال، وأحرق ابن أبي العافية بسيط جراوة وتجول في البد أياما، ودارت بين أبي العيش وبين ابن أبي العافية مراسلات. ورغب ابن أبي العيش في مصالحته وصرف ما كان أخذ له،

стр. 192

واصطلحا. ورجع موسى إلى بلده، ثم زحف ابن أبي العافية إلى أزقور، فاستمد أهل قلوع جارة عليه بابن أبي العيش، فأمدهم بخيل وأغاروا على بعض نواحي ابن أبي العافية، وأخذوا له جمالا كثيرة، وقاسموا الغنيمة ابن أبي العيش. فعادت الحرب بين ابن أبي العافية وبين ابن أبي العيش وكاتب أهل جراوة ابن أبي العافية وضمنوا له دخول المدينة وزحف إليها بمن معه، وأدخله أهلها طائفين. ثم قصد إلى المنصور فدعاهم إلى الأمان فأجابه بعضهم، تغلي على سائرهم وقتل بها جماعة، وقيل أنه أخذ زوجة ابن أبي العيش القرشية، وأولاده وخيله وسلاحه وأحرق المدينة بالنار، وانصرف إلى محلته وبعث زوجة ابن أبي العيش إلى أهلها مع ثقات من أهل حراوة فعظم على الشيعي ما ورد من هذا الأمر، وأقلقه وكتب إلى القبائل في المغرب يحضهم على طاعته ويمنيهم إمداده ونصره، ومدينة سبتة مدينة أزلية على ضفة البحر الرومي وهو بحر الزقاق الداخل في البحر المحيط، وهي في طرف من الأرض والبحر محيط بها من كل ناحية إلا موضعا ضيقا جدا، لو شاء أهلها ان يصلوه بالبحر الأخر لفعلوا فتصير من جزر البحر. ويجلب الماء إلى حماماتها من البحر. وأهلها هرب وبربرولم تزل دار علم. وشرقيها جبل منيف داخل في البحر والبحر محيط به ويلقط في بعض نواحي هذا الجبل ياقوت صغير الجرم، عريق في الجودة، وبحرها يستخرج منها المرجان وهو السبذ. واختلف في تسميتها بستة فقال قوم: سميت بذلك لانقطاعها في البحر تقول العرب: (ست النعل) إذا قطعته. وقال آخرون أن رجلا من ولد سام بن نوح - عم - اسمه سبت خرج من المشرق لأسباب عرضت له فتوغل في المغرب حتى أتى موضعها فاختط فبها موضعا يعمره. ويذكر أشياخنا الحديث المسند عن وهب بن

стр. 193

مسرة الحجري وذلك أن أبا عبد الله محمد بن علي حدثه عام ٤٠٠ عن وهب بن مسرة عن بن وضاح عن سحنون عن إبراهيم ابن القاسم عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: أن بأقصى المغرب مدينة تسمى سبتة أسسها رجل صالح اسمه سبت من ولد سام بن نوح، واشتق لها اسما من اسمه ودعا لها بالبركة والنصر فما رماها أحد بسوء إلا رد الله بأسه عليه. قال بن حمادة: قال شيخنا العالم أبو الفضل عياض بن موسى وهذا الحديث تشهد بصحته التجربة، فأنها مازالت محمية عند من وليها من الملوك وقل وما أحدث أحد منهم فيها حدث سوء إلا هلك. قال تاعذري: كان ملك من ملوك القوط بالأندلس يسمى تودوش فجاز البحر إلى سبتة لمحاربة البربر فحاصرهم فيها ثم تألفوا عليه فأمكنته منهم غزة فقتلهم، ولم ينجح منهم ألا القليل. ورجع تودش إلى الأندلس. وبقى البربر فيها إلى أن دخل الروم ثانية، وكان فيها يليان. وكان عقبة بن نافع لما غزا الغرب ودوخه كله وصل إلى سبتة فخرج إليه يليان بهدايا وتحف وأستلطفه وكان ذا عقل وتجربة فأمنه عقبة وأقره على موضعه ثم دخل العرب بعد ذلك بالصلح ثم قام البربر إلى طنجة وزحفوا إليها فأخرجوا من كان فيها وخربوها، وبقيت مسكنا للوحوش مدة طويلة. ثم دخلها رجل من غمارة يسمى ماجكس فعمرها وأسلم ورأس فيها وانضافت له البربر إلى أن هلك ثم وليها بعده أبنه عصام بن ماجكس ثم أبنه مجبر بن عصام ثم وليها الرضى بن عصام وكان يحكم فيها برأي فقهاء الأندلس ثم دخلها قوم من قلشانة فاشتروا فيها أرضا من البربر وبنوا فيها دورا وما تثلم من سورها الذي هو اليوم الستارة وكانوا مع ذلك يدعون الطاعة لبني إدريس

стр. 194

حتى أفتتحها عبد الرحمن الناصر ودخلها قائده فرج بن غفير يوم الجمعة ليلة خلت من شعبان من سنة ٣١٩. ذكرى من ولى سبتة لبني أمية: فوليها من قبل الناصر بن غفير سنة ٣١٩ المذكورة. ثم وليها أحمد بن عبد الصمد الغرناطى: ثم وليها محمد بن حزب الله سنة ٣٢٣ ثم عزل. ووليها محمد بن مسلمة في سنة ٢٣٦ ثم عزل. ووليها ابن مسلمة أيضا إلى سنة ٣٣٠ ووليها ابن مقاتل إلى أن أسر في شوال ٣٣٢ أسره عندهم بنو محمد الأدارسة إلى أن لحقهم قاضيها محمد ابن أبي العباس في رمضان سنة ٣٣٣، فجنحوا بنو محمد إلى السلم على يد القاضي فأطلقوا ابن مقاتل، وبعثوا رهائنهم إلى أمير المؤمنين الناصر بقرطبة. ولم يزل ولاة الناصر يتداولونها إلى سنة ٣٤٦. وفيها مات أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي صاحب الوثائق بالقيروان، وكان له سماع ونظر، وتولى كتابة السجلات والأحكام لعيسى بن مسكين، وله كتب في الوثائق والشروط في مواقيت الصلاة. وفيها مات في مدينة نيهرت يصل بن حبوس صاحبها فقدم أهلها على أنفسهم علي بن مصالة وتكبوا إلى عبيد الله بالخير، فولى عليهم حميد بن يصل وأخرجه إليها في جيش كثيف وفصل إليها في ذي الحجة. وفيها ولد أبو تميم معد بن إسماعيل الشيعي يوم الاثنين لتسع خلون من شهر رمضان بقصر المهدية. وفي سنة ٣٢٠ أوقع حميد بن يصل بداود بن مصالة، وسنان وأبي حمليل بن برنو وقتل جماعة من أصحابهم وحصرهم في حصن أبي حمليل ثلاثة أشهر. وقرى بذلك كتاب عبيد الله الشيعي على المنابر تأريخه يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأخيرة. وفيها سار موسى بن أبي العافية إلى محمد بن خزر (أمير زناتة) وطوى نحوه المراحل فألقاه على حين غفلة فقاتله وهزمه وقل أصحابه ثم أنصرف إلى جراوة. وكان سبب

стр. 195

ذلك بن خزر كتب إلى موسى بن أبي العافية في أمر ابن أبي العيش بما أحفضه، وأظهر أنه مؤيد له عليه. فأنف لذلك موسى وخرج إليه وواقعه وفيها عزل عبيد الله بن سلمان صاحب الوثائق، وكان في عناية أبي جعفر البغدادي وزن بابنه فرع بذلك عليه خليل الشيعي وقال له: (يا مولاي إنما يعمل البغدادي ٦في شتر هذه الدولة الزاهرة وإدخال العيب فيها! وقد ولى على قضاء إطرابلس والوثائق رجلا مستهترا بالمرد!) ورفع إليه قول ابن عامر الفزاري في مرد إفريقية أيام بني الأغلب وفيها ذكر أبو سلمان هذا بقبيح من القول. وأول الأرجوزة: وروضة تكسو يم الأرض وشيئا بديعا من نبات غض منها على الأرواح قاضٍ يقضي بياض بعض واحمرار بعض وفيها: بار ابن سلمان على الغزلان شبيه بدر فوق غصن بان ما إن له في حسنه من ثان كأنما صبغ من العقيان فلذلك عزله، وولى قضاء مدينة إطرابلس أحمد بن بحر وكان صاحب مظالم القيروان وصلاتها باختبار إسحاق بن أبي المنهل. وفيها أظهر موسى ابن أبي العافية الدعوة لأمير المؤمنين الناصر وقام بها وذلك في شعبان بعد أن تغلب على نكور ودخلها بالسيف وقتل صاحبها المؤيد بن عبد البديع بن صالح بن سعيد بن إدريس وبعد أن حصر بني محمد في الجبل المعروف بحجر النسر حتى صالحوه على شيء أخذه منهم وزال منهم.

стр. 196

وفيها مات في تونس أبو حبيب نصر الرومي وله سماع من ابن عبد الله الحكم من أهل الحفظ للمسائل. وفي سنة ٣٢١ سجلماسة أبو المنصور بن معتز بن محمد وهو ابن ثلاثة عشر سنة فمكث في ولايته شهرين وقام عليه ابن عمه محمد ابن الفتح المسمى بالأمين فحاربه وتغلب وتغلب عليه وأخرجه من سجلماسة وتملكها وكان سنيا يظهر العدل إلا أنه تسمى بأمير المؤمنين وتلقب بالشاكر لله وضرب بذلك الدنانير والدراهم وذلك ٣٤٢ فمكث كذلك إلى أن قربت منه عساكر أبي تميم معد العبيدي. ذكر من ولي سجلماسة من حين فتحها الشيعي ولى الشيعي المزاني المتقدم ذكره في سنة ٢٩٨ فقتله أهل سجلماسة بعد إقامته خمسين يوما ووليها أبو الفتح بن الأمين سنتين وأشهرا. ثم ووليها أحمد بن الأمين سنة ٣٠٠ وبقي بها إلى أن حاصره مصالة بن حبوس وافتتحها عنوة وقتله في محرم سنة ٣٠٩ وولي مصالة على سجلماسة المعتز ابن محمد من بني مدرار وبقي بها إلى سنة ٣٢١ المورخة وتوفي. فوليها أبو المنصور المذكور. وفي سنة ٣٢٢ توفي عبيد الله المهدي ليلة الثلاثاء من ربيع الأول فكانت مدته أربعا وعشرين سنة وعشرة أشهر ونصفا. وكان وصوله إلى مصر في زي التجار سنة ٢٨٩. وظهر بسجلماسة في ذي الحجة سنة ٢٩٦ وسلم عليه بالأمانة. وأنفصل إلى رقادة في ربيع الآخر من سنة ٢٩٧. وبنى المهدية وأستقر بها سنة ٣٠٨. ولما أنتقل إلى المهدية دخل رقادة الوهن وأنتقل عنها ساكنوها، فلم تزل تخرب شيئا بعد شيء إلى أن ولى معد بن إسماعيل فخرب ما بقى منها.

стр. 197

ذكر رقادة: وكانت رقادة دار ملك بني الأغلب ويذكرون أن من دخلها لم يزل ضاحكا من غير سبب وأن أحد ملوك بني الأغلب شرد عنه النوم فلما وصل إليها نام فسميت رقادة، فاستوطنها إبراهيم بن أحمد وانتقل إليها من القصر القديم، فبنى بها قصورا عجيبة وجامعا وحمامات وغير ذلك. وكان تأسيسها سنة ٢٦٣ وتأسيس القصر القديم سنة ١٨٤. وكان ابن الأغلب منبع بيع الشراب بالقيروان وأباحه برقادة فقال بعضهم في ذلك منسرح: يا سيد الناس وأبن سيدهم ... ومن إليه الرقاب منقاد ما حرم الخمر في مدينتنا ... وهو حلال بأرض رقادة ذكر المهدية بالقيروان: وأما المهدية فهي منسوبة إلى المهدي عبيد الله الشيعي. فأنه لما تغلب على الملك تلقب بالمهدي وسمى مدينته التي بناها بقلبه وبينها وبين القيروان سنون ميلا وقويت في أيام وأيام أبنه أبي القاسم وحفيده إسماعيل وصدرا من دولة معد بن إسماعيل حتى أنتقل منها معد إلى القاهرة، لما ملك مصر وبنى القاهرة المعزية نسبة إلى لقبه المعز فضعف إذ ذاك المهدية إلى أن أستوطنها المعز بن باديس آخر أيامه لما خرجت القيروان بهزيمة المعز المذكور، إلى أن توفي بها، ووليها بعده ابن تميم بن المعز، وصارت دار ملكه، وولده يحيى بن تميم بعده ووله علي بن يحيى بعده إلى أن أخرجهم منها عبد المؤمن بن علي بعد المحاصرة. وبقيت للإسلام إلى الآن. وبها دار صنعه الإنشاء المجيبة: يخرج الجفن مغمورا من خلف السور فلا يعلم به حتى يفاجأ العدو القاصد فيحيط به فلا يقربها العدو لآجل.

стр. 198

وأما القيروان، فكانت أعظم مدن المغرب طرأ وأكثرها بشرا، وأيسرها أموالا وأوسعها أحوالا. وكان الغالب على أهلها التمسك بالخير والتخلي عن الشبهات واجتناب المحارم إلى أن تولى الدمار عليها بدخول العرب عليها على ما يأتي ذكره في موضعه، فلم يبقى بها إلا أطلال دراسة، وآثار طامسة. ويذكر أنها ستعود إلى ما كانت عليه. وهي الآن في وقتنا الحاضر وهو آخر المائة السابعة قد ابتدأت بالعمارة. وملك عبيد الله الشيعي إفريقية، وجمع المغرب، وإطرابلس وبرقة وجزيرة صقلية وكانت عماله على ذلك كله وسير ولده ولي عهده إلى مصر ففتحها وكانت الكتب تنفذ في أيامه باسم ولده. وكان له ستة أولاد: أكبرهم ولي عهده أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمهدي وعمره أعني عبيد الله الشيعي يوم مات ثلاثة وستون سنة. ذكر ولاية أبي القاسم بن عبيد الله بإفريقية بويع له يوم مات أبيه منتصف ربيع الأول من سنة ٣٢٢ المؤرخة وتلقب بالقائم بأمر الله. وتوفي يوم الأحد الثالث عسر من شوال سنة٣٣٤. فكانت دولته اثنتي عشرة سنة وسبعة أشهر وعمره خمس وخمسون سنة. أولاده الذكور سبعة حاجبه: جعفر بن علي. ومن قضاته ابن أبي النهل. ولم يركب أبو القاسم طول إمارته بمظلة فقام بسيرة أبيه وأظهر من الحزن عليه ما لا يعهد لمثله وواصل الحزن لفقده وأدامه من بعده فما ركب دابة من باب قصره منذ مات أبوه إلى أن قبض سوى مرتين. وافتتحت في أيامه مدائن كثيرة من

стр. 199

مدائن الروم بصقلية وثار عليه عدة ثوار فأمكنه الله منهم وممن ثار عليه ابن طالوت القرشي فسار إلى ناحية أطرابلس ليأخذها هو في عدد كثير فقاتلوه وقتلوا جماعة من أصحابه وزعم أنه ابن المهدي فقام معه البربر واتبعوه. فلما تبين لهم أمره قتلوه وأتوا برأسه إلى القائم بأمر الله. وكان أول ما بدأ به أبو القاسم الشيعي أن أمر عمالة في سائر البلدان بعمل السلاح وجمع الآلات الحربية وأخرج الفتى ميسورا بعدد عظيم إلى الغرب فانتهى إلى فاس وهز ابن أبي العافية، وأخذ أبنه أسيرا. وأخرج يعقوب بن إسحاق في الأسطول إلى بلد الروم فافتتح جنوة وأقر أبا جعفر البغدادي على البريد والكتابة، وفوض إليه كثيرا من أمور المملكة. وفي سنة ٣٢٣ بعث القائم بأمر الله عسكرا إلى برقة قود عليه زيدان، وبعث معه عامرا المجنون، وأبا زرارة وجماعة من عساكر برقة الذين بها من كتامة إلى مصر فدخلوا إلى الإسكندرية فأخرج إليه محمد بن الإخديش جيشا فيه خمسة عشر ألفا فأسر منهم خلقا كثير. وفي هذه السنة مات الفضل بن علي بن ظفر وكان أديب دهره ظريفا عصره، علما وفقها وأدبا ووفاء. وفي هذه السنة وصل ميسور الصقلبي إلى مدينة فاس، فخرج ألبه صاحبها أحند بن أبي بكر بن أبي سهل الجذامي فغدره وقبض عليه وبعث به إلى المهدية فقدم أهل فاس على أنفسهم حسن بن القاسم اللواتي وحارب أهل فاس ميسورا سبعة أشهر فلم يقدر عليهم ثم حاصر ابن أبي العافية واستعان ببني إدريس عليه واعتنى بهم ووفى لهم حقهم فانجلى ابن أبي العافية أمامهم

стр. 200

إلى الصحراء وصار كل ما كان لبني العافية لبني إدريس. وكانت الرياسة فيهم لبني محمد بن القاسم، وهم حسن، وقنون، وإبراهيم المعروف بالرهوني. وقنون اسمه القاسم، وكان يلزم مدينة صخرة النسر. ذكر أخبار الأدارسة وسبب دخولهم إلى المغرب وبنائهم مدينة فاس ومن وليها منهم ومن غيرهم إلى هذه السنة ذكر العذري وغيره أن إدريس وسليمان ابني عبد الله الحسن بن الحسن ابن علي ابن أبي طالب ﵃ فروا من الواقعة التي كانت في أيام جعفر المنصور، وهي وقعة فخ، وكانوا ست أخوة: إدريس، وسليمان، ومحمد، وإبراهيم، وعيسى ويحيى. أما محمد فخرج بالحجاز وقتل. وأما يحيى فقام في الديلم، في خلافة الرشيد، وهبط على الأمان، ثم سم ومات. وأما إدريس، ففر إلى المغرب؛ ودخل إليه في أيامه من الطالبين أخوه سليمان، فاحتل بتسلمان، وداود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طالب، ثم رجع داود إلى المشرق، وبقيت ذريته بالمغرب. واحتا إدريس بن عبد الله بالمغرب سنة ١٧٠، واستوطن وليلى، وكانت أزلية. وكان وصوله مع مولاه راشد؛ ثم نزل على إسحاق ابن عبد الحميد سنة ١٧٢؛ فقدمه قبائل البربر وأطاعوه وبلغ خبره هارون الرشيد، فدس إليه من سمه. وكان المدسوس إليه رجل يقال له الشماخ فسمه وهرب إلى المشرق. ومات إدريس في سنة ١٧٥، فقام بأمر البربر مولاه راشد. وترك إدريس جارية بربرية اسمها كنزة؛ فولدت له علاما سمي باسم أبيه فولى إدريس بن إدريس سنة ١٨٧ وهو ابن أحد عشرة سنة؛ وقيل:

стр. 201

أكثر من ذلك، وبايعه جميع القبائل. وكانت عدوة القرويين غياضا، في أطرافها بيوت من زواغة، فأرسلوا إليه، ودبر في البناء عندهم، فكان ابتداء بناء مدينة فاس سنة ١٩٣ وذلك عدوة القرويين، غزا إدريس بن إدريس نفرة، ووصل إلى تلمسان، ثم رجع، ووصل إلى وادي نفيس، فاستفتح بلاد المصامدة وتوفي مسموما سنة ٢١٣. وأختلف في كيفية موته لا. قال ابن حمادة والبكري وغيرهما: ترك من الولد أثنى عشر، وهم: محمد، وأحمد، وعبد الله، وعيسى، وإدريس، وجعفر، ويحيى، وحمزة، وعبد الله والقاسم، وداود وعنر. فولي منهم محمد بن إدريس، ففرق البلاد على أخوته بأمر جدته كنزة، فأعطى قاسم طنجة وما يليها، وأعطى عمر صنهاجة الهبط وغمارة، وأعطى داود هوارة تامليت، وولي عيسى ويحيى وعبد الله بلاد أخرى. وبقي الصغار من أخوته فثار عليه عيسى، ونكث طاعته، فكتب الأمير محمد بن إدريس إلى أخيه القاسم، يأمره بمحاربته، فأمتنع، وكتب أيضا إلى أخيه عمر، فأجابه وسارع إلى نصريه، وكان تقدم بين عمر وعيسى تنازع. وتوفي عنر ببلد صنهاجة، ونقل إلى فاس، وهو جد الحموديين. ثم توفي الأمير محمد بن إدريس ﵀ فولي يحيى بن محمد بن إدريس، فولي يحيى أعمامه وأخواله أعمالا فولي حسينا القبلة من مدينة فاس إلى أغمادت، وولي داود المشرق من مدينة فاس: مكناسة، وهوارة، وصدينة، وولي قاسم غربي فاس: لهاتة وكتامة. وتشاغل يحيى عما كان يحق عليه من سياسة أمره. فملك أخوته أنفسهم، استمالوا القبائل، وقالوا لهم: (إنما نحن أبناء أب واحد، وقد ترون ما صار إليه أخونا يحيى من إضاعة أمره) فقدمهم البربر على أنفسهم تقديما كليا. وكان يحيى منهمكا في الشراب، معجبا بالنساء، وذكر أنه دخل يوما

стр. 202

الحمام على امرأة، فتغير عليه أهل فاس، فكان ذلك سبب هلاكه، فهرب إلى عدوة الأندلس، فمات بها، وكانت زوجه بنت علي بن عمر جد الحموديين. ثم ولى علي بن عمر بن إدريس، وذلك أنه، لما هلك يحيى، أتى صهره على هذا، فدخل عدوة القرويين وملكها، وانتقل الأمر عن بني محمد بن إدريس إلى بني عمر بن إدريس. ثم قاد عليه عبد الرزاق الخارجي الصفري من مديونة، فدارت بين علي وعبد الرزاق حروب كثيرة، إلى أن هزمه الخارجي، واستولى على فاس. ومر على أهل أروبة وملك عبد الرزاق عدوة الأندلسيين، وأخرج منها عبد الرزاق في خبر طويل. وطالت أيام يحيى هذا بفاس وما والاها من البلاد والأقطار والقلاع، إلى أن قتله ربيع بن سليمان سنة ٢٩٢. ثم ولى يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس بن إدريس وذلك أنه لما مات يحيى بن القاسم تقدم إلى فاس يحيى بن إدريس وملكها. ورجع الأمر إلى بني عمر بن إدريس خمس عشر سنة، إلى أن قدم مصالة بن حبوس في سنة ٣٠٧، وذلك أن مصالة قد قدم الغرب في حركته الأولى سنة ٣٠٥، فابتدأ بالإحسان والإكرام لموسى بن أبي العافية، وقدمه على ما استولى عليه من بلاد الغرب. وكان يحيى بن إدريس صاحب فاس يغير عليه ويقطع عنه أمله. فلما رجع مصالة في سنة ٣٠٧، أقام بالغرب خمسة أعوام، فكان ابن أبي العافية يسعى في ضرار يحيى وحنقه عند مصالة لما تقدم بين موسى ومصالة من المودة ولما كان بين موسى ويحيى بن إدريس من العداوة فعزم مصالة على القبض على يحيى، فلم يزل يتحيل عليه، حتى أقبل إلى معسكره فغدره،

стр. 203

وقبض عليه، وانتزع ما كان بيده وأمره باستجلاب ماله فأحضره وأخرجه من فاس وولي فاسا عامل مصالة. وانفصل مصالة من الغرب، وبقي موسى ابن أبي العافية في الغرب أميرا. ثم قام حسن بن محمد سنة ٣١٠، وهو حسن بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس، الملقب بالحجام، فأوقع بموسى بن أبي العافية. وكان بينه وبين رؤساء القبائل وقعة شنيعة، لم يكن بالغرب بعد دخول إدريس الكبير مثلها، قتل فيها من البربر نحو ألفي قتيل، وقتل لموسى في جملتهم ولد يسمى منهل. وملك حين هذا فاسا وما يليها نحو سنتين. ثم قام عليه أهل فاس، وغدروه وقدموا حامد بن حمدان الهمداني، وكان يعرف باللوزي، وهي قرية بإفريقية نسب إليها تسمى لوزة. فأخذ حامد حسن بن محمد، وسجنه وأرسل إلى موسى بن أبي العافية فأتاه بجيوشه ودخل فاسا وتغلب عليها وأراد قتل حسن لأجل أبنه منهل الذي كان السبب في قتله، فدافعه حامد عنه، وكره المجاهرة بقتله ثم سم بعد ذلك، وقيل: أخرجه حامد على السور فسقط عنه وانكسرت رجله ووصل إلى عدوة الأندلسيين فمات بها ﵀؟!. واستولى موسى بن أبي العافية على ملك فاس وبلاد الغرب بعد موت حسن الحجام. وسمي بذلك لأنه حارب بني عمه فضرب رجلا بحربة صادف بها موضع الحجم، ثم صادف ضربة أخرى لشخص أخر في موضع المحاجم ايضا، وكذلك ثالثة. فقال ابن عمه أحمد: (صار ابن عمي حجاما) فسمي بذلك حجاما. ومن قوله طويل: وسميت حجاما ولست بحجام ... ولكن لضربي في مكان المحاجم ولما استولى ابن أبي العافية على فاس قتل عبد الله بن ثعلبة بن محارب

стр. 204

الأزدي وقتل أخاه محمد وهرب والدهما ثعلبة بن محارب إلى قرطبة. وأراد موسى ابن أبي العافية قتل حامد الذي كان السبب في دخول فاس فهرب منه محصل في المهدية. وأجل موسى بن إدريس أجمعين عن مواضعهم وصاروا في مدينة حجر النسر مقهورين، وهو حصن مانع بناه إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس. وعزم موسى على محاصرتهم في هذا الحصن واستئصالهم، فأخذ عليهم في ذلك أكابر أهل المغرب وقالوا له: (قد أجليتم، وأفقرتهم! أتريد أن تقتل بني إدريس أجمعين، وأنت رجل من البربر؟ فأنكسر عن ذلك ولاذ بعسكره وتلف لمراقبتهم قائده أبو قمح فكانت حملته قريبا منهم فضيق عليهم، وأستخلف ابن أبي العافية على أبنه مدين علي فاس فبقى بها حتى قدم حميد بن مصال. ولما وصل محمد إلى بلاد الغرب وولى على فاس حامد بن حمدان. وكان ولد موسى لما سمع بقدوم محمد حامد هرب من فاس. وتظاهرت بنو إدريس على قائد موسى بن أبي العافية فهزموه وغنموا أكثر من عسكره. وذلك سنة ٣١٧. ثم قام بفاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي فقتل حامد بن حمدان وبعث برأسه إلى موسى بن أبي العافية، وبرأس ولده فبعث بهما موسى إلى قرطبة مع سعيد الزراد. وكان حميد بن يصال ولما رجع من بلاد الغرب إلى إفريقية ترك موسى بن أبي العافية بغير عهد من أمير إفريقية فكان ذلك سببا لسجنه بإفريقية إلى أن هرب إلى الأندلس وكان موسى يسهل إلى لصاحب قرطبة من أمراء بني أمية. وفي سنة ٣٢٤ خرب علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي مدينة المسيلة. وكان بينها وبين طبنة مرحلتين. وكان بقرب المسيلة مدينة للأول تسمى الرومانية، يطل عليها جبل أوراس وهو مسيرة سبعة أيام وفيه قلاع كثيرة يسكنها هوارة وهم على رأي الخوارج وفي هذا الجبل كان مستقر

стр. 205

الكاهنة وفيه ظهر أبو يزيد مخلد بن كياد وقام على أبي القاسم الشيعي. وفي سنة ٣٢٥ قدم أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي على صقلية خليل بن إسحاق، فعمل بها ما لم يعمل بها أحد من قبله ولا بعده من المسلمين أهلكهم قتلا وجوعا حتى فروا إلى بلاد الروم وتنصر كثير منهم وبقى بصقلية أربعة أعوام. ولما قدم منها سنة ٣٢٩ قال يوما، مفتخرا بظلمه في مجلس حضره جماعة من محو الناس تكلموا فيه معه في أمور شتى ثم جرى ذكر خروجه إلى صقلية: (أني قتلت ألف ألف: يقوله المكثر والمقلل يقول مائة ألف في تلك السفرة!) ثم قال: (لا والله ألا أكثر!) فقال له أبو عبيد الله المؤدب: (يا أبا العباس! لك في قتل نفس واحدة ما يكفيك!) وكان خليل هذا يكنى أبا العباس، وكان عبيد الله الشيعي يصرفه في الأعمال، وجبايات الأموال ومحاسبة الدواوين والعمال. ثم وقعت فيه أقواله، فكرهه عبيد الله وأبغضه، ولولا أبنه أبو القاسم لأهلكه. ومن قول خليل في عبيد الله الشيعي وتوغله فيه طويل: أن الإمام أقام سنة جده ... للمسلمين كما حذوت نعالها أحيى شرائعه وقوم كتابها ... وفروضها وحرامها وحلالها وكان أبو القاسم بن عبيد الله أمر ببناء مدينة المسيلة سنة ٣١٣، وجعل المتولي لبنائها ابن الأندلسي وأستعمله بعد ذلك عليها إلى أن أهلك في فتنة أبي يزيد بن كيداد سنة ٣٢٦ وبقي ابن جعفر في المسيلة وصار أمير على الزاف كله إلى أن خرج عنها في سنة ٣٦٠ في فتنة زيري بن مناد والشيعية تسمى المسيلة المحمدية. قال المروذي سريع: ثم إلى مدينة مرضية ... أست على التقوى محمدية

стр. 206

وأما مدينة مشير فبناها زيري بن مناد الصنهاجي والدليل على ذلك ما أنشده عبد الملك بن عيشون رجز: يا أيها السائل عن غربنا ... وعن محل الكفر أشير عن دار فسق ظالم أهلها ... قد شيدت للكفر والزور أسسها الملعون زيريها ... فلعنة الله على زيري وخربها يوسف بن حماد الصهناجي واستباح أموالها بعد الأربعين والأربعمائة. وفي سنة ٣٢٧ قام بالمغرب الأقصى ويقال له السوس الأذني وهو مرضع تادلا وتامسنا أبو الأنصار بن أبي عفر البرغواطي بعد موت أبيه وكان يفي بالعهد والوعد. وسأذكر بعض أخبارهم إن شاء الله تعالى. أخبار أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفاني الزناتي هو مخلد بن كيداد بن سعد الله بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن ورميت بن تبقراسن بن سميدان بن يفرن هو أبو الكاهنة وتنسب إلى جانا بن يحيى زناته كلها. قال ابن حماده، كان أبو القاسم الشيعي لما مات أبوه عبيد الله أظهر مذهبه وأمر بسب الغر والعباء وغير ذلك من تكذيب كتاب الله تعالى فمن تكلم عذب، وقتل. وأشتد الأمر على المسلمين. ثم أن أبا يزيد هبط من جبل أوراس، يدعوا إلى الحق يزعمه ولم يعلم الناس مذهبه، فخرجوا فيه الخير والقيام بالسنة، فخرج على الشيعة ودخل إفريقية وخرب مدنها ودوخها وقتل من أهلها ما لا ينحصر. وفي سنة ٣٣٢ اشتد امر أبي يزيد بإفريقيو حتى فر أمامه أبو القاسم الشيعي إلى المهدية من رقادة. وكان أبو يزيد أحد أئمة الأباضية النكار

стр. 207

بالمغرب. قال الرفيق: وقرأ على عمار الأعمى. وكان يركب الحمار وتسمى شيخ المؤمنين قال ابن سعدون فبعث الله على أبي القاسم الشيعي مخلد ابن كيداد الخارجي فقهره وقتل جنوده وقام المسلمون معه. وخرج الفقهاء والعباد مع أبي يزيد لحربه وسماهم ابن سعدون في كتابه رجلا، رجلا. فركبوا معه ونهضوا إلى القيروان فد خلها في صفر العام وأظهر لأهلها خيرا وترحم على أبي بكر وعمر ودعا الناس إلى جهاد الشيعية وأمرهم بقراءة مذهب مالك. فخرج الفقهاء والصلحاء في الأسواق بالصلاة على النبي ﷺ وعلى أصحابه وأزواجه حتى ركزوا بنودهم عبد الجامع. فلما كان يوم الجمعة اجتمعوا بالمسجد الجامع وركبوا مع أبي يزيد السلاح ومعهم البنود والطبول منها بندان أصفران مكتوب في أحدهما البسملة و (محمد رسول الله) وفي الأخر (نصر من الله وفتح قريب على يد الشيخ أبي يزيد! اللهم! أنصر وليك على من سب أولياءك) وبند أخر مكتوب عليه (قاتلوا أمية الكفر) الآية وبند أخر مكتوب فيه: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم) وبند أخر مكتوب فيه بعد البسملة أيضا (محمد رسول الله أبو بكر الصديق، عمر الفاروق) وبند أخر وهو السابع فيه (لا إله إلا الله! محمد رسول الله! ألا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا.) فلما اجتمع الناس وحضر الإمام وطلع على المنبر خطب خطبة أبلغ فيها وحرض الناس على جهاد الشيعية وأعلمهم بما لهم فيه لعن عبيد الله وابنه ثم نزل فخرج وخرج الناس معه لقتال الشيعة الفجار

стр. 208

فلم يزل قاهرا لهم غالبا عليهم قاتلا لجنودهم حتى لم يبقى لهم من بلاد إفريقية إلا اليسير. ولما رأى أبو يزيد أنه استولى على الأمر أو كاد وأن الشيعي قد كاد يبيد أو باد قال لجنوده (إذا التقيتم مع القوم فانكشفوا عن أهل القيروان حتى يتمكن أعدائهم من قتلهم فيكون هم الذين قتلوه لا نحن! فيستريح منهم!) أراد أن يتبرأ من معرة قتلهم عند الناس، وأراد الراحة منهم لأنه فما ظن إذا قتل شيوخ القيروان وأئمة الدين، تمكن من أتباعهم فيدعوهم إلى ما شاء فيتبعونه. فقتل من صلحاء القيروان وفقهائهم من أراد الله بسعادته وشهادته وسقط في أيدي الناس وقالوا: (قتل أولياء الله شهداء) ففارقوه، واشتد بغضهم له أعني لأبي يزيد. وما أبو القاسم الشيعي محصورا. وفي سنة ٣٣٣، قتل أبو يزيد ميسرة الفتى قاد أبو القاسم الشيعي وكان بين أبي القاسم وأبي يزيد حروب كثيرة وفيها كانت الواقعة المشهورة بينهما في وادي الملح قتل فيها من أصحاب أبو القاسم عددا لا يحصى. وفي سنة ٣٣٤ توفي أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي القائم بأمر الله وذلك يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من شوال من السنة المذكورة فكانت مدته اثنتا عشرة سنة. ولاية إسماعيل بن أبي القاسم عبيد الله الشيعي كنيته: أبو الطاهر. لقبه: المنصور. وكان والده ولاه عهده في رمضان ودعا على المنبر بإفريقية. وكان موالده بالمهدية سنة ٣٠٢ وولى وسنة اثنان وثلاثون سنة. وكان فصيحا بليغا.

стр. 209

وفي سنة ٣٣٥ وصل أبو يزيد إلى المهدية ثم نهض إلى سوسة فناوشه أهلها، فقيل فيه: (وافرا) : ألم بسوسة وبغى عليها ... ولكن الإله لها نصير مدينة سوسة للغرب ... ثغرة يدين لها المدائن والقصور لقد لعن الذي بغوا عليها ... كما لعنت قريظة والنضير أعز الدين خالق كل شيء ... بسوسة بعدها التوت الأمور فرفع أبو يزيد عنها، ورجع إلى المهدية، فلما وصل دفع حتى ضرب برمحه في بابها، فدخل راجل القصر على إسماعيل، فوجده يلعب بسلباحة في الصهريج. فقال له: (تلعب، وأبو يزيد يركز رمحه بالباب فقال له (أو قد فعل؟) قال: (نعم) قال: (والله لا عاد إليها أبدا! وقد جاء حتفه! كذا رأينا في كتبنا) ثم أمر في الحين بالركوب والخروج إليه. وفي سنة ٣٣٦ من الهجرة، أمر المنصور أبو طاهر ببناء صبرة واختطها، وسماها المنصورية. قال البكري: ولم تزل المهدية دار ملك بني عبيد إلى أن سار منها أبو طاهر إلى القيروان بعد قتله لأبي يزيد، وبنى مدينة صبرة واستوطنها، وخلت أكثر أرباض المهدية وتهدمت. ونقل أبو طاهر سوقة القيروان إلى صبرة. وكان لها أربعة أبواب. وبينها وبين القيروان نحو نصف ميل. وكان من المهدية إلى مدينة سلقطة ثمانية أميال، ومنها زحف أبو يزيد إلى المهدية أيام حصاره. وكانت محلة أبي يزيد بترنوط. وفي كتب الحدثان: (إذا ربط الخارجي خليه بترنوط، لم يبق لأهل السواد محلول ولا مربوط) و (ويل لأهل السواد من محلة أبي كيداد) وامتحن أهل باجة أيام أبي يزيد بالقتل والسبي. وقيل في أبي يزيد رجز: وبعدها باجة أيضا أفسدا ... وأهلها أخلى ومنها شردا

стр. 210

ولما عزم المنصور عل مقاتلته ومحاربته، أعطى جنوده، وحشد حشوده، وخرج إليه في العساكر. فمرت الهزيمة على أبي يزيد. وأمر إسماعيل الناس باتباعه إلى أن دخل بلاد كتامة. فتعلق بالجبل المعروف بحصن أبي يزيد، وأثخن بالجراح، وقبض عليه حيا، فجعل في قفص من حديد، وجيء به إلى المنصور إلى المهدية، فقتله، وصلبه على باب الذي ضرب فيه برمحه. قال القضاعي: مات أبو يزيد في محرم من سنة ٣٣٦ المذكورة. قال: وأمر بسلحه وحشي جلده قطنا، وصلبه. وقال أبو حمادة: ولما ظفر بأبي يزيد، نهض إلى القيروان، فدخلها في هذه السنة، فقتل من أهلها خلقا، وعذب آخرين، ولم يزالوا معه في الامتحان إلى أن هلك، قال القضاعي: وكان انتقال المنصور إلى المنصورية في سنة ٣٣٧. وفي سنة ٣٣٩، تحرك أبو الطاهر المنصور بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي إلى بلاد المشرق، ورد الحجر الأسود إلى مكانه من الركن من بيت الله الحرام، وذلك بعد خمسة أعوام من دولة المطيع. وكان الذي اقتلعه سليمان ابن الحسن القرمطي - لعنه الله - وفي سنة ٣١٧ في أيام المقتدر العباسي ﵀ والذي تولى قلعه بيده بأمر القرمطي جعفر بن أبي علا - لعنه الله - ولما مات القرمطي، وجه إخوته الحجر، فرد إلى موضعه في هذه السنة، ووضعه بيده الحسين بن المروذي الكناني وكان غينه الحجر من يوم قلعه إلى يوم رده اثنين وعشرين سنة أو نحوها. ورأى الحجر الأسود، في أيام ابن الزبير، ناصع البياض إلا وجه الظاهر. وكان اسوداده من لطخ المشركين له بدم القرابين، ولمسهم له بأيديهم، مع طول الدهر. قال الذهبي: حضرت يوم قلعه. يوم رده.

стр. 211

وفي سنة ٣٤٠، ولي أبو الطاهر إسماعيل العبيدي ولده معدا المكنى بأبي تميم عهده. وخرج أبو الطاهر منتزها إلى جلولا، ورجع منها معتلا، وصلى عيد الفطر مريضا. وفي سنة ٣٤١، توفي أبو الطاهر إسماعيل، الملقب بالمنصور، ابن أبي القاسم، والملقب بالقائم، ابن عبيد الله المهدي، وذلك منسلخ شوال من العام، وله تسع وثلاثون سنة. فكانت ولايته سبع سنين وخمسة عشر يوما. حاجبه جعفر ابن علي. ثم ولي المملكة معد بن إسماعيل المعز لدين الله العبيدي وهو معد بن إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله. كنيته: أبو تميم. لقبه: المعز لدين الله. مولده: بالمهدية في رمضان من سنة ٣١٩. وولي، وله اثنان وعشرون سنة. وهو أول من ملك مصر بن عبيد الله، وذلك أنه لما توفي كافور الإخشيدي أمير مصر، بعث المعز لدين الله القائد أبا الحسن جوهرا إلى مصر. وكان جوهر غلام والده إسماعيل، وأصله رومي، جلبه خادم اسمه صابر، ثم انتقل إلى خفيف الخادم، فحمله إلى إسماعيل المنصور، فظهر عنده، فأرسله المعز بالعساكر إلى مصر، فافتتحها يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شعبان. وهرب أعيان الإخشيدية من مصر إلى الشام فبل وصول جوهر. وأقيمت الدعوة للمعز، يوم الجمعة الموفى لعشرين لشعبان من سنة ٣٥٨، في الجامع العتيق، وكان الخطيب أبو محمد الشمشاطي. ودعا له بمكة في موسم هذه السنة، ودعا أبو مسلم العلوي بالمدينة للمعز. وسار جعفر بن فلاح إلى الشام، وقبض على الحسين بن عبد الله، وأنفذه إلى جوهر، فأنفذ جوهر الحسين المذكور مع جماعة من الإخشيدية مع هدية إلى المعز، فوصلت إلى أفريقية مع ولده جعفر في رجب من سنة ٣٥٩.

стр. 212

وفي سنة ٣٤٢، فلج خطيب القيروان على المنبر ومات وتمم الخطبة أبو سفيان الفقيه. وفي سنة ٣٤٤ ولد للمعز أبي تميم ولد سماه نزارا. وفي سنة ٣٤٦ ولي مدينة سبتة وال من قبل الناصر عبد الرجمن، أمير الأندلس، وأمره بتحصينها وبناء سورها، فبناه بالكدان. وفي سنة ٣٤٧، دخل جوهر قائد أبي تميم إلى المغرب، واستولى على مدينة فاس. ثم توجه إلى تيطاون، ووصل إلى مضيق سبتة فلم يقدر عليها ورجع عنها وقصد بعساكره إلى سلجمانة، فر أمامه صاحبها محمد بن الأمير الفتح وتحصن في حصن على اثني عشر ميلا من سجلماسة، بأهله وماله وبعض أصحابه. وكان يلقب الشاكر لله، وقد تقدم بعض خبره. واستولى جوهر على سلجمانة، فملكها. وخرج محمد بن الفتح من الحصن في نفر يسير ليتعرف الأخبار، مستترا. فغدره قوم من مدغرة عرفوه، وأتوا به إلى جوهر، فقتله في رجب. وبقى جوهر في الغرب نحو سنة. وتوجه إلى أفريقية. وفي هذه السنة وصل إلى قرطبة الحسن بن قنون من بني إدريس، فارا بنفسه أمام جوهر قائد أبي تميم المذكور. وكان بنو محمد بن القاسم من بني إدريس بن إدريس أجمعوا على هدم تبطلون، فهدموها، ثم ندموا على ذلك، وشرعوا في بنائها، فضج أهل سبتة لذلك لأن بنائها ضرر بهم فبعث إليهم عبد الرحمن الناصر جيشا برسم محاربة بني محمد، قوّد على الجيش أحمد بن يعلي. وكتب الناصر إلى حميد بن يصال صاحب تيكياس وتلك الجهات كلها، أن يعين القائد المذكور على بني محمد فتخلى بنو محمد عن بناء تيطلون لما اجتمع العسكران عليهم، وبعثوا أولادهم مراهن إلى قرطبة.

стр. 213

وفي سنة ٣٤٨، وصل كتاب صاحب سبتة إلى أمير الأندلس عبد الرحمن الناصر، يعرفه بما فتح عليه في عسكر جوهر قائد الشيعي. وفي سنة ٣٤٩، وجه أبو تميم المعز لدين الله القاضي إلى أئمة المساجد والمؤذنين يأمرهم إلا يؤذنوا إلا ويقولوا فيه: (حي على خير العمل) وأن يقرؤوا (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول كل سورة، ويسلموا تسليمتين، ويكبروا على الجنائز خمسا ولا يؤخروا العصر، ولا يكبروا بالعشاء الأخيرة ولا تصيح أمرأة وراء جنازة، ولا يقرأ العميان على القبور إلا عند الدفن. وفي سنة ٣٥٠، توفي حسين ابن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إدريس والحسني بقرطبة، وكان رهينا بها. وخلف ابنين يسميان محمدا وحسينا، فلم يزلا مستقرين بقرطبة إلى خلافة الحكم، فبعثهما إلى إخوانهما فوصلا في رجب سنة ٣٥٩ واستقرا ببلاد الغرب. وفي سنة ٣٥١، أخذ الروم مدينة المصيصة ومدينة طرسوس، واستولوا عليهما. وفي سنة ٣٥٢، وفد على الحكم المستنصر بالله أبو صالح زمور البرغواطي رسولا من أمير برغواطة أبي منصور بن أبي الأنصار، وذلك في شهر شوال من هذه السنة. وكان المترجم عنه باللسان العربي عيسى بن داود المسطاسي فسأله الحكم عن نسب برغواطة ومذهبهم، فأخبره. خبر برغواطة ومن أخبار برغواطة ما خبر زمور أن طريفا كان أبا ملوكهم. وهو من ولد شمعون بن يعقوب بن إسحاق ﵈ قال: وكان طريف من أصحاب ميسرة ملك المغرب الذي تقدم ذكره، فلما قتل ميسرة، وافترق أصحابه، احتل طريف بلاد تامسنا، فقدمه البربر على أنفسهم، فولى أمرهم

стр. 214

وكان على دين الإسلام وإليه تنسب جزيرة طريف، فبقي أميرا عليهم، إلى أن هلك. وترك أربعة أولاد. فولى الأمر من بعده صالح بن طريف، وكلن مولده سنة ١١٠ من لبهجرة، فتنبأ فيهم، وشرع لهم ديانة، وسمى نفسه صالح المؤمنين، وعهد إلى ابنه إلياس بديانته، وأمره ألا يظهر ذلك غلا إذا قوى أمره، وحينئذ يدعوا إلى مذهبه ويقتل من خالفه فيه من قومه. وأمره بموالاة أمير الأندلس. وخرج صالح إلى المشرق، وزعم أنه يعود إليهم في دولة السابع من ملوكهم، وزعم أنه المهدي الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجال، وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وتكلم لهم في ذلك بكلام كثير نسبه لموسى - عم - ولسطيح الكاهن وغيره. ثم ولي بعده إلياس بن صالح بن طريف فأظهر ديانة الإسلام والعفاف وبقي أميرا خمسين سنة إلى أن هلك. وترك جمعة من الأولاد. فولى ابنه يونس بن إلياس، وذلك بعد ما وصل من المشرق، وحج ولم يحج أحد من أهل بيته. فتظهر ديانة جده، ودعا إليها وقتل من لم يدخل فبها حتى أخلى ثمانمائة موضع من مواضع البربر، يل أنه قتل منهم سبعة آلاف ونحو سبعمائة. وهلك بعد أن ملك نحو أربعين سنة، وخرج الأمير عن بينه وقام أبو عفير يحمد بمن معاذ بن اليسع بن صالح بن طريف، فاستولى على ملك تلك البلاد، ودان بديانة آبائه. واشتدت شوكته، وعظم أمره. وكانت له وقائع في البربر مشهورة، منها وقعة تامعزا، أقام القتل فيها ثمانية أيام، ومنها وقعة بهت، عجز الإحصاء عن عد من قتل فيها. وكان لأبي عفير من الزوجات أربع وأربعون، وكان له من الأولاد بعددهن. ومات بعد أن ملك تسعاً وعشرين سنة. ثم ولى عبد بن أبي عفير، وهو أبو الأنصار، وذلك عند تمام المائة الثالثة، وكان سخيا ظريفا، يفي بالوعد والعهد، يحفظ الجار ويكافئ على الهدية بأضعافها. وصفته: أفطس، شديد الأدمة في الوجه، ناصع بياض الجسم،

стр. 215

طويل التحية وكان يلبس السراويل والملحفة، ولا يلبس االقميص، ولا يعتم إلا في الحرب، ولا يعتم أحد من قومه إلا الغرباء عندهم. وكان في كل عام تحشد ويظهر أنه يغزوا لمن يليه من القبائل، فيهادنوه، فيترك حركته. فملك في دعة نحو اثنين وأربعين سنة. ثم ولى أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار ن الذي بعث زمورا هذا إلى المستنصر بالله الأموي سنة ٣٥٢، وهو عبس بن أبي الأنصار عبد اله بن أبي عفير محمد بن معاذ١ بن اليسع بن صالح بن طريف. وكان سنه إذ ولي اثنين وعشرين سنة، فسار بسيرة أبيه ودان بديانته. واشتدت شوكته وعظم سلطانه. وكان أبوه قد وصاه عند موته بموالاة أمير الأندلس، وقال: (أنت سابع الأمراء من أهل بيتك، وأرجو أن يأتيك جدك صالح كما وعد) انتهى ما اختصرته من كلام رموز. وقال أبو العباس المرجحي أن يونس القائم بدين برغواطة أصله من شذونة، من جهة وادي برباط، وكان قد رحل إلى المشرق في عام ٢٠١ مع عباس بن ناصحخ وزيد بن سنا الزناتي صاحب الواصلية، وبرغوث بن سعيد التراري، وجد بني عبد الرزاق، ويعرفون بني وكيل الصفرية، ومناد صاحب القلعة المنادية، قريب من سجلماسة وآخر ذهب عني اسمه. فأربعة منهم فقهوا في الدين. ادعى يونس صاحب برغواطة النبوة. قال: وكان يونس شرب دواء للحفظ، فحفظ كل ما سمعه، وطاب علم النجوم والكهانة، ونظر في الجدال، وانصرف، فنزل بين هؤلاء القوم، فرأى جهلهم. وكان يخبرهم بأشياء قبل كونها، مما يدل عليه التنجيم، فيكون كما قال، أو قريبا منه، فعظم عندهم. فلما رأى ذلك منهم وعلم ضعف عقولهم وكثرة جهلهم أظهر ديانته، ودعا إلى نبوته. وسمى من اتبعه برباطي، ثم أحالوه بألسنتهم، ردوه
следующие страницы →