Полный текст (609 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أنه سبقه وبات الناس ليلتين بالقيروان تحت ما لا يعلمه إلا الله تعالى من الخوف لا يدرون ما ينزل بساحتهم. وأقام الناس يومين لا يدخل إليهم داخل ولا خارج، وخيل العرب تسرح حول القيروان في كل جهة ومكان، والناس يرونهم عيانا وبيانا، وخرج السلطان سابع عيد الأضحى بجنوده وخرج عامة القيروان معه، فلم يتعد بهم المصلى ورجع العرب في أمانهم الذي أعطوا أهل البوادي، وانتهبوا جميعا، وانتقل أهلها إلى القيروان. وأمر السلطان كافة الناس بانتهاب الزروعات المحيطة بالقيروان وصبرة، وهي المنصورية، فسر المسلمون بذلك، وحسبوها من أرزاقهم. وكان مصيرها إلى ما قدر الله من فساد واكل البهائم لها.
وفي السابع عشر لذي حجة ظهرت خيل العرب على ثلاثة أميال من القيروان. فنزل السلطان يمشي فيها ويوصي أهلها بالاحتفاظ والبناء وأخذ الناس في بناء دورهم. وأمر السلطان المعز أن ينتقل عامة أهل صبرة وسوقها إلى القيروان ويخلوا الحوانيت كلها بصبرة وأمر الجميع من بالقيروان من الصنهاجين وغيرهم من العسكر أن ينتقلوا الى صبرة وينزلوا في حوانيتها وأسواقها فأرتج البلد لذلك وعظم الخطب واشتد الكرب. ومد العبيد ورجال صنهاجة أيديهم إلى خشب الحوانيت وسقائفها واقتلعوها. وخربت العمارة العظيمة في ساعة واحدة. وبات الناس على خوف عظيم ثم أصبحوا فعاينوا خيول العرب فأمر السلطان ألا يخرج العسكر على سور صبرة. أين ابن شرف: أخبرني من أثق به، قال: خرجت من القيروان وسرت ليلا، فكنت أكمن النهار، فلم أمر بقرية إلا وقد سحقت وأكلت، أهلها عراة أمام حيطانها من رجل وامرأة وطفل، يبكي جميعهم جوعا وبردا وانقطعت المير عن القيروان، وتعطلت الأسواق، وأمسك العرب جميع من أسوره، فلم يطلقوا أحدا إلا بالفداء مثل أسرى الروم، وأما الضعفاء والمساكين فامسكوهم لخدمتهم
стр. 282
نبذ من وقعة باب تونس أحد أبواب القيروان
وذلك أن العرب دفعت إلى هذا الباب، فخرج إليهم العامة منهم بسلاح، ومنهم من بيده عصا لا يدفع بها أضعف الكلاب، فحملت عليهم فرسان العرب وتمكنت منهم سيوفهم ورماحهم، فتساقطوا على وجوههم وجنوبهم، وسطحوهم من حد أفران الآجر إلى هذا الباب ولم يبق منهم إلا من حصنه أجله، ولم يتركوا على حي ولا ميت خرقه تواريه. وخرج أهل القتلى عند انصراف العرب، فرفعوا قتلاهم، فقامت النوائح والنوادب بكل جهة ومكان من أزقة القيروان، تنصدع لمناظرهم وسماعها الجبال. وبقى خلق من الغرباء في المقتلة، وجرح من الناس خلق كثير، ورأى الناس ما أذهلهم من قبيح تلك الجراحات، فتفتتت الأكباد، وذابت القلوب والأجساد، لبنيات قد سودن وجوههن وحلقن ورؤوسهن على أبنائهن وإخوانهن. فكان هذا يوم مصائب وأنكاد ونوائب. ولم ير الناس مثله في سائر الأمصار، فيما مضى من الأعصار. وبات الناس في هم وغم. تم كلام ابن شرف مختصرا.
هزيمة صنهاجة أيضا بجبل حيدران
وهزيمة المعز بن باديس من وجه آخر
قال أبو الصلت: ثم برز المعز إلى لقاء العرب الواصلة من المشرق، وجرد عساكره، وقدم عليه أبو سلبون، وزكنون بن واعلان، وزيري الصنهاجي، وعاد هو إلى القيروان. فلما كان عيد النحر، انهزمت صنهاجة، وقتل منها كثير، فخرج هو بنفسه إليهم، وانتشبت الحرب بينه وبين العرب، فهزمته العرب، وثبت المعز طائفة من عبيده، ثم عاد إلى المنصورية. فأحصى من
стр. 283
قتل من صنهاجة في هذه الوقعة: فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة. ثم أقبلت العرب حتى نزلت على القيروان، ووقعت الحرب هنالك، فقتل بين رقادة والمنصورية خلق كثير.
وفي سنة ٤٤٤، ذهب المعز بن باديس إلى رفع الحرب بينه وبين العرب، وأباح لهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء. وبقى هو مستوطنا المنصورية من بقي من عسكره. فلما دخلوها، استطالت العامة عليهم، وأوسعتهم إهانة وشتما، فقتل العرب منهم خلقا كثيرا. وكان عدد العرب الواصلين من المشرق سبعة آلاف فارسا وخمسمائة. وقدر المعز أن العرب عائدون من حيث أتوا فخرج له الأمر بخلاف ظنه.
وفي هذه السنة، بنى المعز سور القيروان، وسور زويلة، وجعل السور مما يلي صبره كالفيل: حائطان متصلان إلى صبره، وبينهما نحو نصف ميل.
وأما القيروان، فهي في بسيط من الأرض، ممدودة في الجوف منها نحو تونس، وفي الشرق نحو سوسة والمهدية وفي القبلة نحو سفاقس، ويقرب منها البحر الشرقي: فبينها وبين البحر مسيرة يوم، وسائر جوانبها أرض طيبة. ولا سبيل الموارد أن تدخل القيروان إلا بعد جوازه على صبرة. وأما صبرة فبناها إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمنصور وسماها المنصورية واستوطنها سنة ٣٣٧ ثم كانت منزل الولاة بالقيروان إلى حين خرابها.
وفي سنة ٤٤٥، ولى المعز بن باديس ابنه تميم مدينة المهدية. وفيها، نافق على المعز بن باديس أهل سوسة. وهي مدينة منيعة حاصرها أبو يزيد شهورا ثم انهزم عنها وكان عليها في ثمانين ألفا. وفي ذلك يقول سهل ابن إبراهيم كامل:
إن الخوارج صدها عن سوسة ... أبدا طعان السمر والإقدام
وفي سنة ٤٤٦ حاصرت العرب مدينة القيروان وضيقة عليها تضيقا
стр. 284
شديدا يطول ذكره. وفيها أخذ مؤنس بن يحيى سلطان العرب مدينة باجة وأطاعه أهلها.
وفي سنة ٤٤٧ تولى بلقين الصنهاجي قلعة حماد. وفيها نافق ابن أب زمان على المعز بن باديس. وفيها، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة وجهد مفرط.
وفي سنة ٤٤٨، وقع بين عبيد المعز الساكنين بالمهدية وبين عبيد تميم أبنه منازعة أدت إلى الاقتتال والمحاربة فقامة عامة زولية وسائر من كان من البحريين وغيرهم معاضدة لعبيد تميم فهزموهم وأخرجوهم من المهدية وقتلوا منهم عددا كثيرا. وسار الذين بقوا منهم يردون اللحاق بالقيروان، فدس تميم خبرهم إلى العرب، فقتل منهم في الطريق خلق كثير، وسبب هذه المقاتلة قتل تميم عبيد أبيه بالمهدية، ويقال أن الذي قتله منهم سبعمائة. وذكر أن المحرك لقتلهم واستئصالهم قصيد محمد بن حبيب التي أولها (بسيط) :
السيف يسبق قبل الحادث العذلا ... لا تغمد السيف حتى تقتل السفلى
نقل عداتك من دنيا لآخرة ... فكلهم ظن هذا الملك منتقلا
وفي سنة ٤٤٩، خرج المعز بن باديس من المنصورية منتقلا إلى المهدية، الميلتين بقيتا من شعبان. وفي أول يوم من رمضان، انتهبت العرب مدينة القيروان وخربتها. وكانت من أعظم مدن الدنيا. وذكر أبو عبيد أنه انتهى ما ذبح منها من البقر خاصة في اليوم الواحد سبعمائة رأس وخمسين رأسا. وقال: في سنة ٥٢ بنيت القيروان وأخليت.
وفي سنة ٤٥٠ خرج بلقين ومعه الأذبج ودعي لحرب زناتة، فكسرها وقتل منها عددا كثيرا.
وفي سنة ٤٥١ قتل منصور البرغواطي صاحب سفاقس قتله غدرا حمو ابن ومليل البرغواطي، وولى مكانه وذلك يوم السبت الثاني لشوال.
وفي سنة ٤٥٢ وقعت بين العرب والقيروان وبين هوارة حرب كان الغلب فيها للعرب. وقتلت هوارة بباب الصوم أحد أبوابها.
стр. 285
وفي سنة ٤٥٣، قتل أهل تقيوس مائتين وخمسين من العرب. وكان سبب ذلك أن العرب دخلت إلى تقيوس متشوفة، فسمع رجل منهم رجلا من أهل المدينة يذكر المعز بخير، ويثني عليه، فقتله العربي، وكان مقدما في المدينة، فقام عليه أهل البلد، فغزوهم وقتلوا من العرب العدد المذكور.
وفي سنة ٤٥٤ ن غدر الناصر بن علناس لبلقين بن محمد الصنهاجي صاحب القلعة، وكان ذلك أول يوم من رجب وولى مكانه. وفيها، توفي المعز ابن باديس.
بعض أخبار المعز بن باديس
كنيته: أبو تميم. ولقبه: أولا شرف الدولة بن أبي مناد باديس نصير الدولة بن أبي الفتح المنصور عبد العزيز بالله بن أبي الفتوح بلقين سيف العزيز بالله بن زيري بن مناد بن منقوش الصنهاجي. وفي هذه الأسماء والكنى يقول ابن شرف (خفيف) :
شرف الدولة المعز بن باديس ... النصير المظفر المقدام
من له في العلا ثلاثة آباء ... نصير وعدة وحسام
وابن زيري أبو الفتوح الذي أعدى ... أعاديه في الورى الإحجام
وأبو الفتح بعده السيد المنصور ... من صوب راحتيه سجام
مولده سنة ٣٩٩. وللي الملك سنة ٤٠٧، وسنة سبعة أعوام وشهران. وتوفي سنة ٤٥٥، وعمره ثماني وخمسون سنة. فكانت مملكته سبعا وأربعين سنة. وفي سنه وتاريخ ولايته يقول ابن شرف (رجز) :
لما انقضت من المئين أربع ... وبعدها ست سنين تتبع
وأول العام الشريف السابع ... دار إليها أيمن طوالع
стр. 286
باسم المعز الملك الميمون ... مذل كفر ومعز الدين
فقلد الأمر الشديد المنعة ... منتهضا بحمله ابن سبعه
صفته: أسمر جميل الوجه جهير الصوت حسن الخلق بعيد الغور في الأمور قتل الشيعة وقط دعوتهم من أفريقية، ولغن أمراءهم بني عبيد على سائر منابر أفريقية ووفى كل واحد من الصحابة حقه، وأقام السنة، وكانت متروكة منذ مائة وأربعين سنة.
حكاية في ابتداء دولة صنهاجة
لما تغلب أل عبيد الله على مصر وأراد معد بن إسماعيل الرحيل أليها من إفريقية دعا زيري بن مناد وكان له عشرة أولاد، فقال له: (ادع إلي بنيك. فقد عملت رأي فيهم وفيك) وكان أصغرهم سنا بلقين. فدعا أولاده ما دعاه، والقدر لا يريد سواه. وكانت عند معد بن إسماعيل أثارة من علم الحدثان، قد عرف بها بصائر أحوالها وأهل الغناء من أعيان رجاله. وكانت عنده لخليفته على أفريقية والمغرب، إذا صار إليه ملك مصر، علامة. فنظر في وجوه بني زيري، فلم يرها، فقال لزيري: (هل غادر من بنيك أحدا؟) فقال له: (غلاما صغيرا) فقال المعز: (لا أراك حتى أراه! فلست أريد سواه!) فلما رآه عرفه، وفوض إليه من حينه، واستخلفه، فاستولى من وقته على الأمور وزاحمت مهابته الأهواء في الصدور، وبعدت أسفاره واشتهرت أخباره، وبلغ بغزاوته سبتة في خبر طويل. ثم أجاب صوت مناديه وخلعها على أعطاف بنيه حتى أنتها أمره إلى المعز بن باديس شرف العشيرة، وآخر ملوكها المشهورة. ومن العجب أنهما راقا في الاسم والكنية، أعني المعز ابنا تميم معد بن إسماعيل العبيدي صاحب الحدثان، والمعز أبا تميم هذا.
стр. 287
فأول ما افتتح به شأنه، وثبت به ما زعم سلطانه قتل الرافضة ومراسلة أمير المؤمنين العباسي يومئذ ببغداد، فكتب إليه بعهده وجاءته الخلعة واللقب من عنده رأيا اغتر ببادئه، وذهل عن عواقبه وبواديه. واتصل ذلك بالعبيدي بمصر، وأمره يومئذ يدور على الجرجرائي، فاسطنعها عليه، وفوق سهام مكروهه إليه. وكان بطون من عامر بن صعصعة: زغبة، وعدي، والأثبج ورياح وغيرهم، تنزل الصعيد لا يسمح بالرحيل ولا بإيجازه النيل، فأجازهم الجرجرائي، وأذن لهن في المعز أمينة طالما تخلت إليهم أطماعهم وعكفت عليها أبصارهم، فغشاه منها سير العرم، ورماه بذلول ابنة الرقم فشغل المعز بعضهم أولا بخدمته، وحملهم أعباء نعمتهم، وهم في خلال ذلك يتمرسون بجهاته وبون إلى حماته، ويطلعون على عوراته، حتى بان لهم شأنه، وهان عليه سلطانه، فجاهروه بالعداوة حتى جرت بينهم تلك الحروب، التي تقدم ذكرها مختصرا فأورثته البوار، وضربت عليه الحصار.
وفي أثناء ذلك، أعطاهم الدنيا، وناشدهم التقية، واشترط المهدية، وزف إلى أحد زعمائهم من بناتهم، فأصبحوا له أصهارا، وقاموا دونه أنصارا. فما استحكم باسمه، وأهمته بنفسه، واستجاش من قبله، وأحتمل أهله وثقله وخلا الملك لمن حماه وحمله، وجاء أصهاره يمنعونه ممن عسى أن يكيده، حتى بلغ المهدية، فأقام بها أسقط من الشمس بالميزان، وأهون من الفقير القيان، ولم يكن أحد في زمانه أشد بأسا في الملاحم، ولا أطول يدا بالمكارم ولا أعني بالسان العرب ولا أحنى على أخل الأدب ومن مشهور كرمه أنه أعطى المنتصر بن خزرون في دفعة مائة ألف دينار إلي ما وصله من مركب أثيل، وزي حفيل وكان متوقد الذهن حاضر الخاطر حاذقا بطرائف الألحان عالما بالمنثور والمنظوم من الكلام. ومدح كثير من الشعراء، فأجزل لهم العطاء: منهم على بن يوسف التونسي، ويعلا ابن إبراهيم الأركشي، وأبو علي بن رشيق، والقرشي وابن شرف، وغيرهم يطول
стр. 288
الكتاب بذكرهم، لا سيما لا ذكرت من نظمهم ونثرهم. وذكر أبو الحسم الخذلاني المعروف بالحداد: اشتملت على الكثير من أيامه ووقائعه وصفت حاله في خروجه من القيروان، وتسليمه للعرب معظم ملكه، في قصيدة أولها (طويل) :
سرت تتهادى بعد ما رحل الركب ... وقد قلدت جيدا الدجا الأنجم الشهب
ومنها
وإن خانني صبري علي به ... فقد خان مولانا العشائر والصحب
ولو شاء تأليف الجنود وجمعها ... لجاءته من أقطارها العجم والعرب
ولكنة أغذى الجفون لعلمه ... بما سطرت فيه الملاحم والكتب.
ولم يمكث بالمهدية إلا نحو سنتين، وانقضت أيامه، ووافاه أجله، وتوفى يوم السبت لخمس بقين من شعبان سنة ٤٥٤ هكذا ذكر أبو الصلت، وقد تقدم قول ابن شرف أنه توفى في سنة ٤٥٥. أولاده: تميم، ونزار، وعبد الله، وعلو، وحماد، وبلقين، وحمامة، والمنصور.
دولة الأمير تميم بن المعز
ونبذ من أخبارها
مولده بالمنصورية في رجب سنة ٤٢٢. وأبرزه والده للناس ابن سنتين وركب، والعسكر وراءه، وطاف مدينتي القيروان والمنصورية، وولي المهدية سنة ٤٤٥، وعمره ثلاث وعشرون سنة. وأقام بها إلى أن خرج والده من المنصورية متجها نحوها، فلما دنا منها، خرج إليه فيمن معه، وترجل عند رؤيته له، وقبل الأرض بين يديه، ومشى راجلا أمامه، وأظهر من طاعته له ما أبان كذب ما نسب إليه، وزور من النفاق عليه، فدعا له والده، وأمره
стр. 289
بالركوب، فركب وسار معه إلى المهدية فنزل المعز القصر وأقام ابنه تميم متكفلا بأمر الدولة.
وفي سنة ٤٥٥ فتح مدينة سوسة. وكان أهلها قد نافقوا على أبيه، فعفا عنهم، وفي سنة ٤٥٦، زحف إلى المهدية حمو بن ومليل البرغواطي الثائر بمدينة سفاقس، بمن استعان بالعرب، فورد خبره على تميم فسار إليه ومعه طائفة كثيرة من زغبة ورياح. وكان مع حمو طائفة من عدي والأثبج، فاقتتل الفريقان. ثم ولت طائفة حمو أدبارها، فأخذتها السيوف، وتولتها الحتوف وفي سنة ٤٥٧، كسر عسكر الناصر بن حماد وكان قد خرج في عدد كثير من صنهاجة وزناتة وعدي والأثيج، فلقيتهم رياح وزغبة وسليم، فانهزم الناصر وقتل من أصحابه خلق كثير ونهبت أمواله ومضاربه، وقتل أخوه القاسم بن علناس. وكان من أعظم الأسباب في ذلك ما أبرمه تميم في أمره.
وفي ٤٥٨، جرد تميم عسكرا كبيرا إلى مدينة تونس، فأقام محاصرا لها، آخذا بمخنقها أربعة عشر شهرا، حتى رقع الاتفاق بينه وبين ابن خراسان صاحبها، على ما اقتضاه إقلاع العسكر عنها.
وفي سنة ٤٥٩ قام بالمغرب، الأقصى محمد بن إدريس بن يحيى بن علي ابن حمود الحسني، المستدعى من ميلية، فعبر إليها، وقال به جماعة بني ورتدي في ميلية ونواحيها. وكان قد خطب له بالخلافة بمالقة، وتسمى بالمستعلي، فأقام بها إلى، تغلب عليه باديس بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة سنة ٤٤٧، فانقرضت دولة بني حمود يومئذ بالأندلس، واختفى بالمرية إلى أن استدعي.
وفي سنة ٤٦٠ حاصر الناصر بن علناس بن حماد مدينة الأربس، وكان معه الأثيج من العرب، وبقي عليها حتى افتتحها وأمن أهلها، وقتل عاملها ابن مكراز. وفيها، وصل الناصر المذكور إلى القيروان مع العرب ودخلها.
стр. 290
وفيها، استبد أمير لمتونة على زناتة المستوطنين هنالك.
وفي سنة ٤٦١، عاد الناصر بن علناس بن حماد من القيروان إلى قلعته، خوفا من جموع العرب، وفيها، شرع أبو بكر بن عمر اللمتوني في بناء مراكش على ما يأتي في موضعه.
وفي سنة ٤٦٥، وصلت إلى سفاقس مراكب شرقية، فأخرج إليها السلطان تميم بن المعز أسطوله من المهدية، فأفسدها.
وفي سنة ٤٦٦، وقيل ٤٦٧ طردت زغبة من أفريقية: طردتهم رياح منها، وباعت القيروان بن الناصر بن علناس بن حماد الصنهاجي صاحب القلعة.
وفي سنة ٤٦٨، وصلت إلى أفريقية عرب برقة ونزلت حول القيروان وما والاها. وفي سنة ٤٦٩، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة ووباء عظيم، مات فيه من الناس خلق كثير.
وفي سنة ٤٧٠ اصطلح تميم بن المعز والناصر ابن عمه وزجه بنته بلارة وجزها إليه من المهدية في عساكر عظيمة ومال وأسباب وذخائر. وفي سنة ٤٧٤، حاصر تميم مدينة سفاقس. وعاث عسكره في أجنتها المعروفة بالغابة وأفسدها، وولى تميم ابنه مقلدا مدينة طرابلس سنة ٤٧٠.
وفي سنة ٤٧٦، حوصرت المهدية، نزل عليها مالك بن علوي في جموع عظيمة من العرب، فخرج إليه السلطان تميم فهزمه، وأقلع عنها منهزما، ودخل اقيروان.
وفي سنة ٤٧٩، حاصر تميم مدينة قابي وسفاقس معا في زمن واحد، مما لم يسمع مثله.
стр. 291
وفي سنة ٤٨٠، كسفت الشمس كسوفا كليا. وجرى فيها ما جرى من نزول الروم على المهدية في ثلاثمائة مركبا حربية، على ظهورها ثلاثون ألف مقاتل.
ذكر دخول النصارى مدينة المهدية
وسبب ذلك، مع قدر الله تعالى غيبة عسكر سلطانها عنها ومفاجأة الروم قبل استقدامه إليها وأخذ الأهبة للقائهم، وخلوا كافة الناس من الأسلحة والعدد وقصر الأسوار وتهدمها. وتكذيب تميم بخبرهم وسوء تدبير عبد الله بن منكور متولي أمور الدولة في قصده مخالفة قائد الأسطول في الخروج إليهم للقائهم في الماء ومنعهم من النزول في البر. فكا كل ذلك سبب تغلبهم على المدينتين المهدية وزويلة، ونهبهم أياهما، وقتلهم الناس فيهما، وإحراقهم بالنار ما هو مشهور بالمهدية إلى الآن. وقد استوعب ذلك ابو الحسن الحداد في قصيدته التي أولها (منسرح) .
أنى يلم الخيال أو يقف ... وبين أجفان ثوى الدنف
غزا حمانا العدو في عدد ... هما الدما كثرة أو اللّعف
عشرون ألفا ائتلفوا ... من كل أوب وليت ما اتلفوا
جاءوا على غرة إلى نفر ... قد جهلوا في الحروب ما عرفوا
وهي طويلة.
وفي سنة ٤٨١، مات الناصر بن علناي بن حناد الصنهاجي، وولي ابنه المنصور.
وفي سنة ٤٨٢، عزا مالك بن علوي مدينة سوسة، ودخلها في طائفة من أصحابه، ولم يتمكن له شيء من مراده فيها فخرج منها منهزما، وقتل جماعة من رجاله وأسر بعضهم.
стр. 292
وفي سنة ٤٨٣، غلت الأسعار في أفريقية، وكانت بها مجاعة شديدة.
وفي سنة ٤٨٤، صلحت أحوال أفريقية في الخصب والرخاء.
وفي سنة ٤٨٦، حاصر عسكر تميم مدينة قابس وأقام عليها حتى فتح ربضها. ٤٨٨، كان ما كان من غدر شاه مالك الغزي ليحيى بن السلطان تميم بن المعز، وسبب ذلك أن تميما خاف الغزيّ وأوحش منه نفسه ونفس أصحابه لكلام قاله، فأضمر ذلك شاه مالك في نفسه، وكان داهية مكرا، وخرج يحيى بن تميم أثناء ذلك متصيدا، وفي صحبته نفر من أهل مؤانسته ومنادمته. وكان شاه مالك مع كثير من أصحابه، فظفر به وقبض عليه وعلى جماعة من أصحابه. ولما بلغ تميما ذلك، أنفذ الخيل في الغزيّ فوجدوه قد فات وسار إلى سفاقس ودخلها. فركب صاحبها حمو بن ومليل وتلقى يحيى بم تميم مع الغزيّ الذي قبض عليه، فأقام عنده أياما، وكتب إلى السلطان تميم يلتمس منه عيال الغزّ وأولادهم، فأمر تميم بإنفاذهم إليهم، ودعا يحيى وأصحابه إلى المهدية. وفي سنة ٤٨٩ فتح تميم مدينة قابس، وأخرج منها عمر بن المعز أخاه وقد كان ولاه أهلها، وفي سنة ٤٩١، كانت بأفريقية مجاعة شديدة. وفي هذه السنة، فتح تميم مدينة قرنقة ومدينة تونس. وخرج عدى من أفريقية أمام رياح.
وفي سنة ٤٩٣، فتح تميم مدينة سفاقس وخرج منها حمو بن ومليل هاربا إلى قابس فقبله صاحب مجن بن كامل الدهماني وآواه حتى مات وفي سنة ٤٩٨ مات المنصور بن ناصر بن علسان، صاحب القلعة والباجية وما والاهما وولى ابنه باديس وأقام قليلا ومات. ثم ولى أخيه العزيز بالله بن المنصور. وفيها وصل المرمانيون إلى المهدية بأجفان كثيرة حربية، تسمى الشزاني ومعهم ثمانية وعشرون مركبا. وكان قصدهم أن يجدوا فرصة
стр. 293
كما وجدها الروم المتقدم ذكرها. فقصدوا إلى باب دار الصناعة ليمنعوا أسطول المهدية إليهم فخاب ظنهم وخرجت أسطول المهدية إليهم فهزموا وقتلوا كثيرا منهم. وفي سنة ٤٩٩ وجه السلطان تميم أبا الحسن النهري إلى جزيرة جربة في عدد جم وأسطول كثير فوجد أهلها قد أخوا الأهبة له، واستعدوا واستمدوا فلم يتم له شيء من أمرها.
وفي سنة ٥٠٠ غدرت مدينة باجة وقتل خلق كثير. وفيها رحل المهدي بن تومرت القائم بدعوة من البربر المسمين بالموحدين بجبل هرغة بأقصى المغرب إلى المشرق في طلب العلم فجاز إلى الأندلس وصل قرطبة وسار منها إلى المرية ومها دخل في مركب إلى الشرق وفاب في مركب خمسة عشر عاما.
وفي سنة ٥٠١ ظهر في أفق المغرب كوكب عظيم من ذوات الذوائب وأقام ليلي كثيرة. وفيها مات السلطان تميم بن المعز فكانت مدته سبع وأربعين سنة.
بعض أخبار تميم بن المعز
كان ﵀ شهما شجاعا حازما عازما، يستصغر صعاب الأمور ويستسهل عظام الخطوب ويغلب عليه شدة البطش والمبادرة. وهو أحد فحول شعراء الملوك وذو السبق والتقدم في معانيه وبدائعه حوى فيه الجودة والكثرة. وله ديوان كبير من شعره؛ فمن قوله (وافر) :
فإما الملك في شرف وعز ... على التاج في أعلى السرير
وأما الموت ببين ظبا العوالي ... فلست بخالد أبدا الدهور
وله في غلام اسمه مدام من قصيدة طويلة (متقارب) :
стр. 294
مدام يطوف بكاس المدام ... فلم أدر أيهما أشرب
فهذا الصديق وهذى الرحيق ... وهذا الهلال وذي الكوكب
وهذا يجود بألحاظه لي ... وهذى بألبابنا تلعب
وما البدر والنجم من ذا وذاك ... ولكنه مثل يضرب
وكان تميم بن المعز جميلا وسيم مدير القامة دري اللون أشم ابلج. وكان يكثر من استغفار بدنه ويرى ذلك أنه تمم صحته. وكان يستعمل كل حار من الأغذية والأدوية ويكثر الاصطلاء بالنار ويدخل الحمام الحر ويكثر الجماع ويشرب الأدوية القوية كالمحمودة وغيرها، ويجاوز في ذلك المقدار حتى جف لحمه وفسدت حركاته الطبيعية. وأقعد ثم مات في منتصف رجب من سنة ٥٠١ فكان عمره تسعا وسبعين سنة وولايته من وفاة جاوز عددهم المائة. وقيل أنه كان له من الولد وولد الولد نحو ثلاثمائة.
دولة يحيى بن تميم بن المعز
ونبذ من أخباره وسيرته
مولده بالمهدية سنة ٤٥٧. وولى سنة ٥٠١ وعمره إذ ذاك ثلاثة وأربعون سنة. وكان حاذقا بتدبير دولته ساهرا في سياسة رعيته كثير المطالعة لكتب السيرة والأخبار أديبا شاعرا ذا حظ في اللغة العربية صالح. وكان حسن الوجه أشهل العينين أهجر الصوت. وتوفى ثاني عيد النحر من سنة ٥٠٩ فجأة مقتولا في قصره بالمهدية فكانت مدة ملكه ثماني سنين وستة أشهر، وخلف من الأولاد ثلاثين ولدا ذكور. ومما حدث في أيامه من الوقائع ما أذكرها ملخصا، مؤرخة بأوقاته. وفي سنة ٥٠٣ فتح يحيى بن تميم قلعة أقبلية. قال ابن القطانم كان لتميم بن المعز من الولد ثلاثمائة فنفى يحيى أكبرهم إلى المشرق والمغرب
стр. 295
والأندلس. وكانت أيام يحيى هادنه ووادعه. وكان يطلب عمل الكيمياء وجعل لها دارا تردها الطلبة وأجرى عليها الإنفاق ومكنهم من الآلات.
وفي سنة ٥٠٣ جرد يحيى بن تميم كمن أسطوله خمسة عشر غرابا للغزو في بلاد الروم فأصيب منها ستة وعادة البقية إلى المهدية.
وفي سنة ٥٠٤ كان بالمغرب زلازل عظيمة دامت شهر شوال كله.
وأمير أفريقية يحيى بن تميم بن المعز.
وفقي سنة ٥٠٥ وصل سوار صاحب مصر بهدية إلى أمير أفريقية يحيى بن تميم فتلقاه بغاية الإكرام والاهتمام وأقام عنده حتى صرفه وأصحبه من الذخائر والألطاف ما لا يحيط به الوصف.
وفي سنة ٥٠٧ وصلت أسطول المهدية بسبي كثير من بلاد الروم في ربيع الآخر فسر بذلك يحيى بن تميم والمسلمين.
وفي سنة ٥٠٨ ولى يحيى ابنه عليا مدينة سفاقس وولى أخاه عيسى مدينة سوسة. وفيها حجم الروم على مدينة ميورقة وهي بيد مبشر الفتى مولى ابن مجاهد ودخلها عنوة وقتلوا رجالها وسبوا ذراريها ونساءها وذلك بعد حصار شديد ثم استرجعها علي بن يوسف من أيدي الروم.
وفي سنة ٥٠٩ وصل إلى المهدية رجلان أو ثلاثة ذكروا أنهم طلبة المصامدة عارفين بصناعة الكيمياء فأبيح لهما بالدخول إلى دار العمل. فما أحكما ما أرادا استأذنا على السلطان يحيى بن تميم. فقال لهما: (أوقفاني على الطرح وحقيقة السر!) فقال: (على أن لا يحظر إلا أنت ووزيرك!) فحظر هو ووزيره وعبده أبو خموس فصنعا البوط وألقيا الرصاص وأحميا عليه وجعلا كنهما يخرجان الإكسير. فأخرجا خناجيرهما وقتلا الوزير وأبا خنوس وأكثر في السلطان الجراحات. فبقى يعاني جراحه حتى مات وقالا له حين جرحاه: (أيها الكلب تعجب نحنو أخواك فلان وفلان نفيتنا وبقيت في الملك!) وثارت الصيحة إذ ذاك فدخل العبيد وقتلا الرجلان للحين.
стр. 296
ومات يحيى يوم العيد الأضحى من سنة ٥٠٩، وكان الأمير يحيى، مدة مرضه إثر هذه النوبة والغدر، ونفي ابنه الفتوح إلى قصر زيادة، وأظهر اتهامه في القضية. فأقام هناك إلى حين وفاة أبيه وولاية على أخيه. ثم نفاه علي أيضا إلى المشرق، فتوفى هنالك. وفي هذه السنة، عقد الأمير يحيى نكاح العزيز بالله بن المنصور، صاحب القلعة وبجاية، على بنته بدر الدجا، وجهزها إليه.
دولة علي بن يحيى بن تميم بن المعز
بالمهدية وبعض بلاد أفريقية
لما توفي الأمير يحيى، أجتمع أهل الدولة على نفاذ كتاب إلى علي على لسان أبيه، وكان علي يلي سفاقس، فكتبه الكاتب، وكتب علامة يحيى كانت: (الحمد لله وحده!) فوصل الخبر إلى علي ليلا، فخرج لوقته، فوصل إلى المهدية ثالث عيد النحر، ودخل الناس إليه معزين ومهنئين، وعمره ثلاثون سنة، فاستأبت له الأمر، واستوسق له الملك. وكان كريما جوادا، يركن إلى الراحة واللذات، واتكل على قوم فوض إليهم تدبير دولته، فعاجلته منيته في ربيع الآخر من سنة ٥١٥، فكانت دولته خمس سنين وأربعة أشهر وأثنى عشر يوما. وخلف من الولد الذكور أربعة: الحسن، والعزيز، وباديس، واله (؟) .
وفي سنة ٥١٠، أمر بعمارة الأسطول إلى جرية، فحاصرها إلى أن أقر أهلا بالطاعة له، ونزلوا على حكمه.
وفي سنة ٥١١، أرجف العوام بأنه سيكون في رمضان حادث كبير، وأن السلطان يموت فيه. وفشا القول بذلك، وانتشر. فأكذب الله أحاديثهم. وقال الشعراء في ذلك كثيرا. فمنه طويل:
стр. 297
وأشاعوا أباطيل وبثوا زاخارفا ... دعتهم لها آمالهم والمطامع
فلو يستطيع الناس من فرط حبهم ... لضمتك أحشاء لهم وأضالع
ومنها:
أصبح قول المبطلين مكذبا ... ومد لك الرحمن في أمد العمر
فأين الذي حد المنجم كونه ... إذا مر للصوام عشر من الشهر
وفيها، وصل رسول صاحب مصر بهدية إلى المهدية. وفيها، حاصر علي ابن يحيى مدينة قابس، ودون بعض قبائل العرب، فلما بلغ ذلك رافعا صاحبها، خرج متطارحا على وجوه الجيش، راغبا في الصلح، فلم يجيبه علي إلى ذلك، وفي أثناء ذلك، نزل على المهدية بيوته، ومن ساعده من عشيرته، فخرج من كان بالمهدية، فهجموا على بيوته، فتصايحن نساء العرب، فغارت العرب لذلك، وقعت الحرب بين الفريقين، والأمير على باب زويلة. أن عليا دون على رافع ثلاثة أخماس العرب من جيشه، فصمد رافع نحوهم، والتقى الجمعان. ثم ولى رافع قاصدا إلى القيروان. واجتمعت شيوخ دهمان، واقتسموا البلاد بينهم، فأعطوا رافعا مدينة القيروان. ووصلت العرب المدونة إلى الأمير علي بن يحيى، فوهبها أموالا جمة وأمره بالمسير إلى القيروان. فوقع بينهم وبين رافع قتال شديد، وكان الظهور فيه لحزب علي بن يحيى، في خبر طويل.
وفي سنة ٥١٢، وصل إلى الأمير علي بن يحيى، من قبل صاحب صقلية رجار، رسول له يلتمس تجديد العقود، وتأكيد العهود ويطلب أموالا كانت له موقفة بالمهدية وذلك بعنف وغلظة. فرد على رسوله جواب وجبهه بالقول. فتزايدت الوحشة بينه وبين رجال، فأوسع شرا، وحال بعد ذلك مكرا قال ابن القطان: وكان في هذه السنة غلاء عظيم، ووباء، وبلغ ربع الدقيق بتلسمان عشرين درهما.
وفي سنة ٥١٣ أغزى إبراهيم بن يوسف أخو علي بن يوسف بن تاشفين
стр. 298
ملك الغرب، قورية بالأندلس ففتحها الله عليه. وأمير أفريقية علي ابن يحيى ابن تميم.
وفي سنة ٥١٤ كانت وقعة بالأندلس انهزم فيها المسلمون وهي وقعة قتندة، قال ابن القطان: مات فيها نحو عشرين ألفا وفيها، كان حلول ابن تومرت المتلقب بالمهدي بأغمات، محرضا على الخروج على السلطان وتفريق الكلمة المنتظمة.
وفي سنة ٥١٥، خرج علي بن يوسف من مراكش إلى الأندلس، فوصلها في ربيع الأول وأخر ابن رشد عن القضاء، وولى أبا القاسم بن حمدين، ثم رجع إلى مراكش. وفيها، توفي أمير أفريقية علي بن يحيى بن تميم.
دولة الأمير الحسن بن علي
ابن يحيى بن المعز بأفريقية
كان أبوه فوض إليه الأمر في حياته وعمره أثنتا عشرة سنة وتسعة أشهر، ومولده بمدينة سوسة في رجب سنة ٥٠٢. فلما مات أبوه، دخل الناس أليه مهنئين ومعزين بالملك والوفاة، وانشده الشعراء وتكفل بأمر دولته صندل الخادم، لا لمعرفة ولا سياسة.
وفي سنة ٥١٦، غزى أبو عبد الله بن ميمون قائدا علي بن يوسف ن ملك البرين، جزيرة صقلية، فافتتح بها مدينة نقوطرة من عمل رجار صاحب صقلية، وسبى نساءها وأطفالها، وقتل شيوخا، وسلب جميع ما وجد فيها. فلم يشك صاحب صقلية أن المحرك والمسبب له هو أمير أفريقية الحسن بن علي، لما تقدم بينه وبين أبيه من الوحشة العظيمة فاستنفر أهل بلاد الروم قاطبة فالتأم له ما لم يعهد مثله كثرة فعلم بذلك الحسن بن علي، فأمر بتشييد الأسوار واتخاذ الأسلحة وحشد القبائل واستقدام العرب. فجاءت الحشود من كل وجه ومكان والناس متأهبون لما يطرقهم منهم.
стр. 299
وفي سنة ٥١٧، في أواخر جمادى الأولى، وصلت أسطول الإفرنج إلى جزيرة الأحاسي، وخرج منهم إلى البر خلق كثير وابسطوا حتى بعدوا عن البحر أميالا. وفي اليوم الثاني، خاء إلى المهدية ثلاثة وعشرين شينيا، فعينوا العساكر والحشود ثم انصرفوا إلى الجزيرة، فوجدوا العرب قد انكشفوا من كان بها من الروم عن مواضعهم، ومزقوا مضاربهم فقويت نفوس المسلمين بذلك. وكان رجار قد أمر أسطوله أن يدخل تلك الجزيرة، ويأخذ قصر الديماس، وأن يسير الخيل والرجال من هنالك على تعبئة في البر إلى المهدية، لليلتين خلتا من جمادى الأولى، في أخر ليلة منه كبر المسلمون ودخلوا الجزيرة فانهزم الروم إلى أجفانهم، بعد ما قتلوا بأيديهم كثيرا من خيولهم. وأخذ المسلمون فيما يحتاجونه إليه نحو أربع مائة فرس، وآلات كثيرة وأسلحة. وأحاطت العساكر بقصر الديماس، تقاتله، وأهل الأسطول في البحر يعاينون ذلك، إلى أن طلب الروم الأمان من السلطان الحسن بن على بن يحيى بن تميم، فلم تساعد العرب على ذلك. وخرجوا من منتصف جمادى الآخرة ن فأخذتهم السيوف، وقتلوا عن أخرهم. وكان عدد الأجفان نحو ثلاثمائة، وعدد لخيل فيها نحو ألف فارس.
أخبر أبو الصلت قال: أخبرني عبد الرحمن عبد العزيز قال: رأيت على باب رجار بصقلية رجرا من الإفرنجة طويل الحية يتناول طرف لحيته بيده، ويقسم بالإنجيل أنه لا يأخذ منها شعرة حتى يأخذ ثأره من أهل المهدية فسألت عنه، فقيل لي أنه لما انهزم، جذب بها حتى أدمته. إلى أن انتهى كلام ابن الصلت في أخبار المهدية وأميرها الحسن بن علي بن يحيى ابن تميم إلى سنة ٥١٧ وبقى الحسن بن علي ملكا للمهدية وبلاد تلك الجهات إلى سنة ٥٤٣. ثم خرج باستيلاء صاحب صقلية عليها.
وفي سنة ٥١٨، استفحل أمر المهدية والموحدين بالمغرب وأمير أفريقية الحسن بن علي بن يحيى. ومات في هذه السنة العزيز بالله صاحب بجاية، وولى
стр. 300
ابن يحيى. وكان لبني الناصر بن علناس بن حماد ببجاية والقلعة وتلك البلاد وزراء يعرفون ببني حمدون، وتوارثوا وزرارتهم، منهم ميمون بن حمدون عند يحيى هذا، فنشأ ليحيى ولد ولاه الأمر بعده وفوض الأمور إليه في حياته، فجعل الولد يستنقص الوزير ميمونا، ويقبح أفعاله، ويسميه الشيخ الكذاب. فخاف منه ميمونا على نفسه، وخاطب أبا محمد عبد المؤمن وفي سنة ٥١٩، كان أمير أفريقية الحسن بن علي على حاله. وخرج الطاغية ابن ردمير إلى بلاد المسلمين، فدوخها بلدا بلدا، وضيق عليها.
وفي سنة ٥٢٠ اجتمعت عساكر المسلمين بالأندلس، فتلاقوا مع عدو الله ابن ردمير، وكان قد أذاق المسلمين شرا منذ سنين، فدارت بين الفريقين حرب عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين. ثم أخبر الناس أن تميما رجع فارا بنفسه، فانهزم المسلمون، وركبهم النصارى بالقتل واحتووا على المحل بما فيها وسار تميم إلى غرناطة، وانبسطت خيل النصارى على المسلمين يقتلونهم كيف شاءوا وتفرق الناس أيدي سبا ولجئوا إلى المعاقل، وكانت قريبا منهم، فوافاهم الله شرهم.
وفي سنة ٥٢١، وقيل في سنة ٥٢٠ نهض أبو الوليد بن رشد إلى مراكش للاجتماع بعلي بن يوسف في المصالح، وعز تميم عن غرناطة.
وفي سنة ٥٢٣، أشر ابن رشد ببناء سور مراكش فبناه علي بن يوسف وأنفق فيه سبعين ألف دينار وفيها، بعث العزيز بالله بن المنصور صاحب بجاية عسكرا إلى المهدية قود عليه ابن المهلب فنزل عليها ثم انصرف ناكصا على عقبه وفيها، وصل مطرف بن علي بن خزرون الزناتي إلى تونس وأخرج منها احمد بن عبد العزيز بن عبد الحق بن خرسان، وقفل إلى الحجاز وبها مات على ما يأتي. وولي تونس في هذه السنة كرامة بن المنصور الصنهاجي من قبل صاحب بجاية.
стр. 301
وفي سنة ٥٢٣ كان الأمير بأفريقية حسن بن علي على ما كان عليه في السنة قبلها، وصاحب بجاية يحيى بن العزيز بالله، ووزيره ميمون بن حمدون.
وفي سنة ٥٢٤ قتل أمير مصر الملقب بالأمر، وكان جبارا عنيدا، قتله الغلام الذي أسمه حرز الملوك، وكان الأمر ولي عهده عبد المجيد.
وفي سنة ٥٢٧، قال الوراق في (مقابسه) : بعث الله قوما تحالفوا على قتل الجبار العنيد بمصر الملقب بالأمر. قيل أنه قصدوا إليه من بلاد الشام احتسابا وكانوا عشرة أناس، فأقاموا بمصر، وعلموا بيوم ركوبه، وكان إذا ركب سدة الحوانيت والديار في ممره ولا يمر في طريقه أحد سواه ويجعل نصف عسكره أمامه، ونصفه ورائه، وفي وسط تلك المسافتين التي أمامه وخلفه فارسان، بينهما وبينه ما بينهما وبين العسكر وحمله أربعة من عبيده فقصد هؤلاء القوم إلى طريقة وفيه فرن، فقصدوا إلى الفران، ومعهم دقيق وقالوا له: (نريد منك أن تخبز لنا هذا الدقيق، فأنا قوم غرباء مسافرون) فاعتذر لهم بالسلطان فرغبوه، وشارط عليهم العجلة، ثم أشغلوه بالحديث إلى أن مر عليه مقدم العسكر الأول فأعنف عليهم في الخروج فلما رأوا ذلك ادخلوه داخل الفرن وسدوا فمه بغطائه وغلقوا باب الفرن عليهم إلى أن سمعوا حوافر فرسه. فأول من خرج من الفرن كلها منهم، فجعل يسجد إلى الأرض، وينادي: (أنا بالله وبعدل مولانا) وسجد مرة بعد أخرى إلى أن ألقى بيده في شكائم الفرس، وأخرج سكينا وضرب بها بطن الفرس فسقط إلى الأرض وخرج أصحابه من الفرن مبادرين، فضربوه بسكاكينهم إلى أن فرغوا من قتله. وقتلوا في الحين أجمعين وأراح الله من الفاجر الطاغي وهو الذي أكثر في زمانه دعوى الباطل ونصرة الظالم وعمل
стр. 302
جهنم يعذب فيها الناس، وأباح المحظورات جهارا في النزهات، وغير ذلك من قبائحهم - لعنهم الله - أعني الشيعة العبيدية.
وفي سنة ٥٢٨ كان ولاة أفريقية على ما كانوا عليه في السنة قبلها.
وفي سنة ٥٢٩، صرخ الموحدون بموت المهدي، وسموا عهد المؤمن بأمير المؤمنين، وفيها، ولي القضاة قاضي عبد الحق بن عبد الله بن معيشة، فأراق الخمر وكسر الدنان، وشدد على أهلها، وزاد في الجامع الكبير فكان البناء فيه في أخر هذه السنة.
وفي سنة ٥٣٠ نزل على حمود على المهدية، بعسكر من قبل صاحب بجاية العزيز بن المنصور ومال برسم العرب فنزل بظاهر زويلة وناشب القتال برا وبحرا، فأخرج إليهم صاحب المهدية أسطوله فأخذوا من أسطول بجاية غرابي أمر بسجن قائدهما، فأما الواحد فمات بسهم أصابه ثم وصلت العرب لنصرة المهدية فرحل عسكر بجاية عن المهدية بعد أقامته سبعين يوما. وأمر الحسن بن علي قائده بقتل القائدين فقتل أحدهما بين يديه ووجد الآخر قد مات من سهم كان أصابه. وفيها جهز رجار صاحب صقلية أسطولا، فقصدوا جزيرة جربة، واستولوا عليها وسبوا أهلها. وفي سنة ٥٣٣، كان موت عبد المجيد صاحب مصر وكان للشيعة في تولية خليفة عليهم خبر طريف يذكره في موضعه ز وفي سنة ٥٣٦ توفى أبو عبد الله المازري وأبو الصلت. وفيها أخذ صاحب المهدية المركب الذي أنشأه صاحب بجاية، وبعثة بهدية إلى صاحب مصر، وسبب ذلك أنه كان في الإسكندرية مركب للحسن صاحب المهدية عطله عن السفر صاحب الديوان لأنه سعى في الشتاة بين الحسن وبين صاحب مصر، وقصد المواصدة بين صاحب مصر وصاحب بجاية، فأقلعت المراكب وبقى هو محبوسا. واقلع في جملتها المركب البجائي ببضائع عظيمة لها شأن وأثمان للتجار وهدية إلى صاحب بجاية. فعمل عليه الحسن، وأخذه، وأمر
стр. 303
بتفريغه. وبقي المركب فارغا حتى جاءت صدمة أكتوبر، فأنكسر وفي هذه السنة، خرج جرجي من صقلية في خمسة وعشرين غرابا، وضرب على مرسى المهدية ن فأخذ جميع ما كان فيه من المراكب وفيه مركب جديدا أنشأه الحسن من خشب المركب الذي انكسر لصاحب مصر.
وفي سنة ٥٣٧، خرج أسطول صاحب صقلية، فضرب على مدينة أطرابلس، فخيبه الله.
وفي سنة ٥٣٨، دخل مدينة سفاقس ودخلت في عمل رجار صاحب صقلية.
وفي سنة ٥٤٣، كان تغلب الروم على مدينة المهدية، وخرج منها صاحبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بسلجين ابن زبرى بن مناد بن منقوش صنهاجي بحملته وحاشيته. وتبعه أهل البلد فارين بإهليهم. وكان قائد رجار صاحب صقلية جرحى بن ميخايل الأنطاكي وكان أبوه علجا من علوج أبيه تميم. فكان هذا اللبعين عارفا بعورات المسلمين بالمهدية وغيرها فلم يزل رجار وقائده جرجا بحيلان على المهدية بحيلهما إلى أن استولوا عليها في هذه السنة. وتعرف هذه الكائنة الشنعاء بكائنة يوم الاثنين فبقيت بأيد الروم حتى أفتتحها الموحدون، على ما أذكر في دولتهم، ولما استولى صاحب صقلية على هذه المدينة كانت بأفريقية مجاعة عظيمة، فخاف أهل تونس من أهل هذه السواحل من النصارى. وكان صاحب صقلية افتتح سفاقس ودخل بونة، وسبى أهلها، فأخذ أهل تونس في الاستعداد والأهبة والوقوف بجماعاتهم وقتا بعد وقت عند باب البحر، بمحضر واليهم معد بن المنصور وهو من الديوان الذي على الباب فخرجوا يوما من أيام عرضهم، فوجوا قاربا يسوق زرعا، فأبكرت العامة خروج الزرع من بلدهم في تلك الشدة إلى موضع تحت مملكة الروم، واجتمعوا على منعهم، وضجت العامة وارتفع صياحهم، فتعرض لهم رجال معد بن المنصور، فوضعوا السلاح
стр. 304
فيهم وفي عبيد معد واليهم وقتلوهم قتلة الشيعة وأطلقوا النار تحت برج الديوان، فنزل معد عنه، واستسلم للعامة، فوقفوا عنه، فكانوا يأخذون رجاله وعبيده من تحت ركابه، ويقتلوهم. وبقى معد ذلك بتونس على حال قهر من العامة، وكتب إلى بجاية، فجاءه غراب منها، فطلع فيه مع بنيه، وسار إلى بجاية، ورجع النظر في تونس لقائد من قواد صنهاجة مدة يسيرة، ثم انصرف، وبقى البلد في حكم العامة، فكانت الفتنة المشهورة فيهم، والقتال بين أهل باب السويقة وأهل باب الجزيرة، ومدبرهم في تلك المدة قاضيهم أبو محمد عبد المنعم بن الأمام أبي الحسن ﵀ ولما اشتد خوف أهل تونس من صاحب صقلية ومما سمعوه من غضب بجاية واستعداده لهم، أخذوا في تمليك محمد بن زياد العربي بإرادة قاضيهم. فلما عزموا على ذلك، ووصل ابن زياد إلى تونس، وخرج القاضي والأشياخ إلى لقائه، صاح رجل من العامة: (لا طاعة لعربي ولا غزيّ) وقامت الفتنة. فرجع ابن زياد إلى القلعة، وأراد القاضي الرجوع إلى المدينة، فمنعه العامة وأخرجته، فسار مع ابن زياد إلى القلعة، ولأقام بها مدة طويلة، إلى أن مات ﵀ فيقال أنه كان راقدا في الصيف في طلق علو، فوقع منها ومات، ويقال أنه رمي منها، ثم إن العامة وجهوا إلى أبي بكر إسماعيل بن عبد الحق بن خراسان، فوصل إلى تونس بالليل، فرفع قفي قفة من السور وولي تونس، فأقام عليها نحو سبعة أشهر، ثم غدر به عبد اله ابن أخيه عبد العزيز، على ما يأتي، وإذ قد وقع ذكر بني خراسان، ولايتهم تونس على النسق ومن وليها من غيرهم إلى دخول الموحدين إليها، بحول الله تعالى.
стр. 305
ذكر من ولي تونس من الأمراء
من بعد زوال ملك المعز بن باديس منها
لما انتقل المعز من القيروان والمنصورية إلى مدينة المهدية، وأسلمها إلى العرب، واختل ملكه بفتنة العرب الواصلين من المشرق، كما تقدم، واستحوذوا على كثير من حواضر تونس وما يليها من البلدان ما كان، مثل باجة والأربس وما يليها، وكان بنو حماد قد طمعوا في ملك أفريقية، وصارت عمالة القيروان في أيديهم مدة بمداخلتهم العرب وإحسانهم إليهم وانقطع ملك المعز عن توني وغيرها، وضعفت دولتهم بالمهدية عن حمايتها، فمشى أشياخ من أهلها لى الناصر بن علناس، وهو إذ ذاك في القلعة دار ملكهم، وناظمة سلكهم، فاستدعوا منه النظر إلى مدينتهم وتقديم وال من قبله عليهم، فأمرهم أن يختاروا شيخا منهم، يقوم بأمرهم خلال ما ينظر إليهم، فيقال أنهم راموا تقديم كبير منهم، فاستعفى وتوقف. فوليها من قبل الناصر عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان، فأقام بها إلى أن مات سنة ٤٨٨، ثم وليها بعده ولده عبد العزيز بن عبد الحق، فأقام بها إلى أن، مات في سنة ٥٠٠، ثم وليها ولده أحمد بن عبد العزيز بن عبد الحق، فبقى واليا عليها اثنين وعشرين سنة، حتى أخرجه عنها مطوف بن علي بن حمدون إلى بجاية، وكان قد بنى قصرا بتونس، سمى قصر بني خراسان، وطالت مدته كما ذكرنا، فاشتدت وطأته، وخرج عن سيرة الأشياخ إلى آثار جبابرة الملوك، وقتل عمه إسماعيل بن عبد الحق، وكان أحق منه بالأمرة. وفر ولده أبو بكر بن إسماعيل إلى بنزرت، فلأقام بها خوفا منه، وأخرج جماعة من لأهل تونس وأشياخها، ونفاهم إلى المهدية وغيرها، واستبد برأيه في أمور تونس، إلى أن وصلت أخباره إلى المنصور صاحب بجاية، فجهز إليه عسكرا قدم عليه مطوف بن علي بن حمدون، فوصل إلى تونس عام ٥٢٢، فخرج أحمد إليه، واستسلم في يديه، فنقله إلى بجاية
стр. 306
من تونس كرامة بن المنصور من بني حماد، إلى لأن مات في سنة كذا وخمسمائة، ثم وليها بعده أخوه أبو الفتوح بن المنصور، إلى أن مات، ثم وليها بعده محمد بن أبي الفتوح، فلم تستحسن سيرته، فأخرج عنها ووليها معد بن المنصور وكان آخرهم فأقام عليها إلى سنة ٥٤٣ حين استيلاء الروم على المهدية، فخاف أهل تونس منهم، وثاروا على أميرهم معد كما تقدم، وثارت العامة بها، وكانت الفتنة المشهورة فيها. ثم انهم وجهوا إلى بنزرت، وقدموا أبا بكر بن إسماعيل بن عيد الحق، غدره عبد الله ابن أخيه عبد العزيز بعد إقامته في ولايته سبعة أشهر، وأخرجه في قارب في البحر، فرماه البحر ميتا عند قلعة ابن غبوش. فيقال: غرق، ويقال: غُرِقَ. فوليها عبد الله المذكور نحو عشر سنين، وهو الذي قتل القاضي أبا الفضل جعفر بن حلوان وقتل معه ولده وولد أخته ابن الباد، لما خشي أن يجمعوا عليه العرب. وفي أيامه وجه عبد المؤمن عبد الله بن سليمان في قطع من أسطول سبتة وأمره بالكشف عن تونس وقوتها والمجاورين لها من الأعراب، وبعد ذلك بعام وصل السيد أبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن إلى تونس، ونازلها وحاصر عبد الله بن خراسان فيها مدة، ثم أقلع عنها إلى بجاية، وذلك في سنة ٥٥٣، وفي سنة ٥٥١، في شوال كان القيام على النصارى بالمهدية وحاصرهم فيها.
وفي سنة ٥٥٢ استولت الروم على زويلة.
وفي سنة ٥٥٤، دخل عبد المؤمن أفريقية المرة الثانية، ونازل تونس ثم أقلع عنها وحاصر النصارى بالمهدية، وفي سنة ٥٥٥، دخل أبو محمد عبد المؤمن مدينة صلحا، واستولى الموحدين عليها في العاشر من شهر محرم.
وفي سنة ٥٥٨، كانت كائنة يوم السبت بنزول الروم على المهدية، وأخذوا مدينة سوسة ثم خرجوا عنها.
وفي سنة ٥٧٣، كانت يوم الجمعة بنزول النصارى على المهدية
стр. 307
ثم غادرها عبد الكريم في ربيع الآخر منها، ودخلها يحيى بن غانية الميورقي في شعبان من سنة ٥٧٨، فلم يزل بها هو وأصحابه لمتونة، ومسوقة، يغيرون منها على أفريقية، حتى تملكوا بعض بلادها، إلى أن دخلها الناصر مع الموحدين، في جمادى الأولى من علم ٦٠٢.
ذكر الأمراء والولاة بأفريقية لخلفاء بني أمية
عقبة بن نافع، ثم أبو المهاجر، ثم عقبة ثانية، ثم زهير بن قيس، ثم حسان بن النعمان الغساني ثم موسى بن نصير ثم محمد بن يزيد ثم إسماعيل ابن عبد الله ثم يزيد بن أبي مسلم الثقفي ثم محمد بن أوس الأنصاري ثم بشر بن صفوان ثم عبيدة بن عبد الرحمن السلمي ثم عبد الله الحبحاب ثم كلثوم بن عياض ثم حنظل بن صفوان ثم عبد الرحمن بن حبيب القرشي ثم الياس بن حبيب ثم حبيب بن عبد الرحمن.
فهؤلاء الثمانية عشر هم الولاة عليها من بين أمية.
ووليها للصفوية عاصم الورفجومي، وعبد الملك بن أبي جعد. وكانت مدتهم سنة واحدة وشهرين ووليها للأباضية أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح، مولى المعافر، وكانت مدته سنتين اثنتين ووليها أبو العباس محمد بن الأشعث الخزاعي. ثم عيسى بن يوسف القيسي. ثم الأعلب بن سالم التميمي ثم الحسن بن حرب الكندي ثم الأغلب. ثم سالم ثاني ثم عمر بن حفص المهلبي. ثم يزيد بن حاتم السلمي ثم داود بن يزيد ثم روح
стр. 308
بن حاتم. ثم الفضل بن روح بن حاتم، ثم هرثمة بن أعين، ثم محمد بن مقاتل العكي، ثم تمام بن تميم التميمي، ثم محمد بن مقاتل ثانية.
ووليها من بني الأغلب إبراهيم بن الأغلب وعبد الله بن إبراهيم بن الأغلب. والأغلب بن إبراهيم بن الأغلب. ومحمد بن الأغلب بن إبراهيم وأحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم. وزيادة اله بن محمد بن الأغلب ين إبراهيم. ومحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم. وإبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم. وعبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب. وزيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب. وهو آخر بني الأغلب بإفريقية وكان انقراض دولتهم سنة ٢٩٦.
ومن الشيعة العبيدية أبو عبد الله الداعي. ثم عبيد اله المهدي. وإليه نسب العبيدية بمصر، ثم ابنه القاسم بن عبد الله، ثم ابنه إسماعيل بن أبي القاسم وهو الذي ملك مصر ورحل إليها في أخر أيامه.
ومن صنهاجة القائمين بدعوة العبيدية ومن ولايتهم بلجين بن زيري. المنصور بن بلجين. باديس المنصور. المعز بن باديس تميم بن باديس. علي بن يحيى. الحسن بن علي. وعليه دخل الروم.
стр. 309
ذكر صِفة الأندلس وأوَّليَّتها
أما صفة الأندلس، فإنها جزيرة مُركنة، ذات ثلاث أركان، قريبة من شكل المثلَّث: الركن الواحد منها عند صنم قَادِس، والركن الثاني في بلاد حليقيَّة، وهو مقابل لجزيرة بركانية حيث الصِّنم المشبه بصنم قادس، والركن الثالث بناحية الشرق، بين مدينة أربونة ومدينة برذيل حيث هو قرب البحر المحيط الغربي من البحر المتوسط الشامي، وكاد البحران هناك أن يجتمعا في ذلك الموضع، فتصير الأندلس في جزيرة أولا يسير ما بقي منها، وهو مسيرة يوم كامل، وفيه مدخل يقال له الأبواب، وفيه تتصَّل الأندلس بالأرض الكبيرة. فالأندلس كلُّها محدقة بالبحر: البحر المحيط الغربي والبحر المتوسط القبلي، ويصعد منه قليل إلى ناحية الشرق؛ فحدُّ الأندلس في الشرق والغرب وبعض الجوف البحر المحيط، وحدُّها في بعض القبلة والشرق البحر المتوسِّط، إلا أنَّه يتوسط الأرض كلَّها. وقيل إنه قي آخر الأقاليم السبعة.
وقيل إن أوَّل من نزل الأندلس بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلش (بشين معجمة) ؛ فسميت بهم الأندلس (بالسين غير معجمة) . وقيل إنهم كانوا مجوساً؛ فأراد الله قلعهم منها؛ فحبس المطر عنهم حتى غاضت مياههم وعيونهم وأنهارهم، وخرجوا منها، وافترقوا في البلاد؛ وأقامت خالية مائة سنة، من حدّ إفرنجة إلى البحر؛ ثمّ دخلها بعد ذلك قومٌ من الأفارقة، أجلاهم صاحب
стр. 310
إفريقية من الجوع؛ فلما نزلوا الأندلس، وجدوا أنهارها قد جرت؛ فملكوها نحو مائة وخمسين سنة. وعدد ملوكهم أحد عشر ملكا، ودار ملكهم مدينة طالفة. ثم غلبت عليهم الإسبانية، حتى أخرجوهم عن الملك، وصار الملك إليهم؛ وبهم سميت إشبيلية؛ فبنوها وسكنوها؛ وخربت طالقة. وهجم عجم رومة، فكانوا ملوكا، حتى دخل البشترلقات على الرومانيين، وقد بعث الله المسيح ﵇! - فبعث الحواريين إلى البلدان كلها، وظهر دين النصرانية وغلب. قمَّ كان دخول البشترلقات من رومة. وكانوا يملكون إفرنجة، ويبعثون عمالهم إليها. ودار ملكهم ماردة؛ فكانت عدَّة ملوكهم سبعة وعشرين ملكا.
ثم ظهر بإشبيلية إشبان؛ وكان رجلا ضعيفا حرَّاثا؛ فوقف به الخضر ﵇! - وهو يحرث؛ فقال له: (إذا غلبت علي إيلياء، فأرفق بأولاد الأنبياء!) فقال له: (كيف يكون هذا، وأنا ضعيف، من غير بيت ملك؟) . فقال له: (يُقدر ذلك من قدَّر في عصاك ما قدَّر!) . فلما نظر إلى عصاه، إذا بها قد أورقت؛ ففزع. وغاب عنه الخضر. ووقع ذلك نبنفس إشبان؛ فلم يزل يصطنع الرجال حتى علاَ اسمه، وشاع ذكره، وتغلب على الأندلس؛ فخرج في السفن إلى أيلياء؛ فغنمها وهدمها، وقتل فيها مائة ألف من اليهود، وباع منهم مائة ألف؛ وانتقل رخامها إلى الأندلس. وكان ملكه نحو عشرين سنة؛ وبعد سنتين من ملكه، غزا إيلياء. ويقال إنَّ إشبان اسمه إصبهان، لأنه ولد بإصبهان؛ فسمى بها، والله أعلم. فعدة ملوكهم خمسة وخمسون ملكاً.
ثم دخل القوط الأندلس، وقطع الله ملك رومة منها. وعدة ملوك القوطيين ستَّة عشر ملكا، آخرهم لذريق، الذي دخل عليه المسلمون. وجعلوا دار ملكهم طليطلة. ووجدت في بعض كتب العجم أنَّ آخر ملوك الأندلس كان يسمى وخشندش، ولم يكن في النصرانية أحكم منه ولا أحسن إصابة
стр. 311
لسنَّتهم؛ وعلى سنته أمضت النصرانية أحكامها، وهي الأربعة الأناجبل. التي يحلفون بها وينتهون إلى ما فيها. وقالوا إنَّ لذريق. الذي دخلت عليه العرب والبربر، وثب علي وخشندش هذا وقتله، وغلب على ملك الأندلس، ودانت له طليطلة وغيرها.
وفي كتب العجم: إنَّ رذريق هذا لم يكن من بيت المملكة. وإنما كان زنيما؛ وكان من عمَّال الملك بقرطبة؛ وقتل وخشندش بعدما خالف عليه. فغير الحكم، وأفسد سنن الملك، وفتح البيت الذي كان فيه التابوت. وكان إذا مات الملك منهم، يكتب اسمه، وكم ولِيَ، ويوضع في ذلك البيت مع تاجه، ولا سبيل بعد عندهم لفتحه. فلما فتحه رذريق، أنكرت النصرانية ذلك عليه. وجعلوا له مثله ذهباً وفضة، ولا يفتحه؛ فلم يقبل ذلك منهم، وعزم على فتحه؛ ففتحه، ووجد في البيت تيجان الملوك وتابوتا فيه صور العرب متنكبة قسيها، وفي رؤوسها عمائمها، وعليها مكتوب: (إذا فتح هذا البيت، وأخرجت هذه الصور، دخل الأندلس قوم في صورهم، فغلبوا عليها!) فلما دخلت العرب والبربر مع طارق، والتقوا برذريق، أسلمته النصرانية، وانهزمت عنه حتى قتل. وكان دخول طارق بعد سنة من ولاية رذريق؛ فقتله طارق بقرطاجنة من كور الجزيرة؛ وافتتح البلاد حتى انتهى طارق إلى طليطلة؛ فوجد بها مائدة سليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام! - ووجد فيها صور العرب والبربر على خيولهم، وهي الصور التي وضعت على القطر بقرطبة وقيل أيضاً إنها طلسمات، كانت العرب قد نصبتها على مساجد الأندلس؛ فنقلها عبد الرحمن بن معاوية إلى القطر بقرطبة.
وهذا القدر كاف هنا من صفة الأندلس وذكر ملوكها الأولين.
стр. 312
ذكر دخول المسلمين إلى الأندلس
وانتزاعها من أيدي الكفار
أما دخول المسلمين لها، فذكر فيه أربعة أقوال: أحدها أنَّ الأندلس، أول من دخلها عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن الحصين الفهريان. من جهة البحر، في زمن عثمان ﵁ قال الطبري: أتوها من برها وبحرها؛ ففتحها الله تعالى على المسلين هي وإفرنجة، وازداد في سلطان المسلمين مثل إفريقية؛ ولم يزل أمر الأندلس لإفريقية، حتى كان زمن هشام بن عبد الملك؛ فمنع البربر أرضهم، وبقى من في الأندلس على حالهم. هذا نصه. وإنَّ ذلك كان سنة ٢٧ من الهجرة الكريمة. وثانيها أنَّ موسى بن نصير افتتحها عام ٩١. وهو قول الطَّبري أيضاً. فيظهر منه أنه جاز بنفسه، وتولى هذه الغزوة والفتح. وثالثها أنَّ طريقاً دخلها وفتحها في عام ٩١. ورابعها أن طارقا أوَّل من دخلها، سنة ٩١، ودخل موسى بعده سنة ٩٢.
فهذا الخلاف واضح في هؤلاء الأربعة مواضع: قيل إن أول من دخلها الفهريان؛ ثمّ ابن نصير؛ ثم طريف؛ ثم طرايق؛ فظهر من هذا إن الفهريين أثرا فيها في زمن عثمان ﵁ وغنما من جهة البحر، وطريفا دخلها سنة ٩١ مغيراً ومخربا، ونسب فعله إلى موسى بن نصير، نسبة فعل المأمور إلى الآمر؛ فصدق عليه إضافته لموسى، فيكون قول الطبري صادقا؛ وصدَّق عليه أيضا قول الرازي بأخرى وأولى، وطارق دخلها دخول المستفتح لها، المكافح، سنة ٩٢، وموسى دخلها بعد ذلك متمما للفتح.
وقال عَرِيب: إن العلج يُليان، صاحب الجزيرة الخضراء، داخل موسى ابن نصير، صاحب إفريقية، عام ٩١، على يد طارق بن زياد عامل موسى على طنجة وما والاها؛ فراسل يليان موسى، يُزين عنده دخول الأندلس، ويُقرب
стр. 313
له أمرها، وقيل: بل، سار إليه بنفسه في البحر، حتى اجتمع به في ذلك؛ فاستشار موسى الوليد بن عبد الملك، إمَّا مراسلة (وهو الأكثر الأظهر) وإما بأن نهض بنفسه إليه؛ فأشار الوليد بأن يختبرها بالسرايا، ولا يغرر بالمسلمين؛ فبعث موسى بن نصير عند ذلك رجلا من البربر، يسمّى طريفا ويكنى أبا زرعة، في مائة فارس وأربعمائة راجل؛ فجاز في أربعة مراكب، حتى نزل في ساحل البحر بالأندلس، فيما يحاذي طنجة، وهو المعروف اليوم بجزيرة طريف، سميت باسمه لنزوله هنالك؛ فأغار منها على ما يليها إلى جهة الجزيرة الخضراء، وأصاب سبيا ومالا كثيرا، ورجع سالما. وكانت إجازته في شهر رمضان من سنة ٩١.
وقد اتفق الجميع فيما يظهر على أنَّ مُتولي كبر فتح الأندلس وجله ومعظمه طارق بن زياد. وقد اختلف في نسبه؛ فالأكثرون على أنه بربري من نفزة، وأنه مولى لموسى بن نصير، من سبى البربر. وقال آخرون إنه فارسي.
قال صالح بن أبي صالح: هو طارق بن زياد بن عبد الله بن رفهو بن ورفجوم بن ينزغاسن بن ولهاص بن يطوفت بن نفزاو، وكأنهم أيضا انفقوا على أنَّ طارقا كان عاملا لموسى، قبل محاولة الأندلس، على المغرب الأقصى، وترك عنده رهائن برابر المغرب في سنة ٨٦ من الهجرة. وقيل أيضا إن طارقا جاز إلى الأندلس برهائن البربر سنة ٩٢.
قال ابن القطان: فالأكثرون يقولون: كان مستقره بطنجة، ومنهم من يقول سجلماسة، وإن سلا وما وراءها من فاس وطنجة وسبتة كانت للنصارى؛ وكانت طنجة ليليان منهم؛ فكان طارق إذا نائبا عن موسى بن نصير. واختلفوا أيضاً هنا هل إنما سار إلى الأندلس عن أمر موسى، أو سار إليها لأمر دهمه، لم يمكنه إلا إنفاذه. والقول الأول هو المشهور المتفق عليه.
стр. 314
قال الرازي عن الواقدي: إنَّ الوليد بن عبد الملك استعمل موسى بن نصير على إفريقية، واستعمل موسى بن نصير طارق بن زياد على طنجة. وكان يليان مجاورا له بالجزيرة الخضراء التي تلي طنجة؛ فداخله طارق حتى صار معه إلى الرضى، ووعده يليان بإدخاله الأندلس هو وجنوده. وكان اجتمع لطارق اثنا عشر ألفا من البربر؛ فأجمع طارق على غزو الأندلس، بعد أن أخذ إذن ابن نصير مولاه في ذلك؛ فكان يليان يحتمل أصحاب طارق في مراكب التجار التي تختلف إلى الأندلس: ولا يشعر أهل الأندلس بذلك، ويظنون أن المراكب تختلف بالتجار. فحمل الناس فوجا بعد فوج إلى الأندلس. فلما لم يبق إلاَّ فوج واحد، ركب طارق ومن معه، حتى أجاز البحر إلى أصحابه وتخلف يليان بالجزيرة الخضراء، ليكون أطيب لنفسه ونفوس أصحابه. فنزل طارق جبلا من جبال الأندلس، يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة ٩٢، كما تقدَّم ذكر ذلك. فسمّي ذلك الجبل باسمه إلى اليوم.
وذكر عيسى بن محمد من ولد أبي المهاجر، في كتابه السبب في دخول طارق الأندلس، وهو أنَّ طارقا كان واليا لموسى على طنجة؛ وكان يوما جالسا، إذ نظر إلى مراكب قد طلعت في البحر؛ فلما أرست، خرجوا إليها، فنزعوا ارجلها، وأنزلوا أهلها؛ فقالوا: (إليكم جئنا عامدين!) وعظيمهم معهم يقال له يليان. فقال طارق: (ما جاء بك؟) فقال له (إنَّ أبي مات. فوثب على مملكتنا بطريق يقال له لذريق؛ فأهانني، وأذلَّني؛ وبلغني أمركم؛ فجئت إليكم أدعوكم إلى الأندلس، وأكون دليلا لكم!) فأجابه طارق إلى ذلك، واستقر اثني عشر ألفا من البربر. فحملهم يليان في المراكب فوجا بعد فوج، كما تقدم ذكره.
وذكر غير هؤلاء أنَّ السبب في ذلك أنَّ طنجة وسبتة والخضراء وتلك النواحي كانت في مملكة صاحب الأندلس، على نحو ما كانت السواحل كلها
стр. 315
بالعدوة وما قرب منها الروم، يسكنونها، إذ كان البربر يرغبون عن سكنى المدن والقرى، وإنما بغيتهم سكنى الجبال والصحارى، إذ كانوا أصحاب إبل وسائم. وكان النصارى في صُلحهم. وكانت السنة في الأندلس في ملوك النصارى أن يستخدموا بني بطارقتهم وكبار رجالهم: فالرجال منهم يخدمون خارجا، والنساء جوار يخدمن داخلا. وها كذا سنتهم إلى اليوم في الرجال خاصة، يخدمون صبيانا يتأدبون بأدبهم. ويتعلمون سنتهم؛ فإذا أدركوا وكبروا، ألحقوا برجالهم وأهليهم. وكان ملك الأندلس من القوطيين يسمى رذريق، قد مدَّ يده إلى ابنة يليان، وكانت عنده؛ فاغتصبها نفسها؛ فأرسلت إلى أبيها، ودست إليه. فلما بلغه ذلك، أحفظه، وكتمه، وارتصد به الأيام، ونصب له الغوائل، حتى كان من دخول العرب المغرب ما كان. وأرسل رذريق إلى يليان في بزاة وطيور وغيرها، فأرسل إليه: (لأوردن عليم طيرا لم تسمع قطُّ بمثلها) ، وهو ينوي الغدر به؛ فحينئذ دعا طارقا إلى ما كان من جواز البحر.
واختلفت الروايات في قتال طارق أهل الأندلس. فقيل إن رذريق زحف إلى طارق بجميع أهل القوة من أهل مملكته بنفسه، وهو على سرير ملكه على بغلين يحملانه، وعليه تاجه وجميع الحلية التي كانت تلبسها الملوك، حتى انتهوا إلى الجبل الذي فيه طارق. فخرج إليهم طارق بجميع أصحابه رجالة، ليس فيهم راكب إلا القليل؛ فاقتتلوا قتالا شديدا حتى ظنوا أنه الفناء. ثم صرف الله وجوه أعدائه؛ فانهزموا؛ وأدرك رذريق؛ فقتل في وادي الطين. ومضى حتى دخل قرطبة. وفتح الله الأندلس على المسلمين. هكذا ذكر عيسى في كتابه.
وذكر الواقدي أنهم اقتتلوا من حين طلعت الشمس إلى أن غربت؛ فلم تكن قطُّ بالمغرب مقتلة أعظم منها، بقيت عظامهم في المعركة دهراً طويلا لم تذهب.
وذكر الواقدي أيضاً، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: سمعت
стр. 316
رجلا من أهل الأندلس يحدث سعيد بن المسيب ويذكر له قصتهم. فقال: (لم يرفع المسلمون السيف عنهم ثلاثة أيام، حتى أوطئوهم غلبة.) ثم ارتحل المسلمون إلى قرطبة، وهي مدينة الأندلس التي كان بها رذريق؛ وبينها وبين الساحل مسيرة خمسة أيام. وكان سلطان رذريق إلى ازيونة ثغر الأندلس، وهي إذ ذاك أقصى مملكة الأندلس. مما يلي إفرنجة؛ ومن أرثونة إلى قرطبة ألف ميل. وكان الذي أصابه طارق ومن معه من السَّبي، في أوَّل فتح لهم، عشرة آلاف رأس؛ وكان سهمانهم من الذهب والفضة لكل واحد من الرجال مائتا دينار وخمسون ديناراً.
وذكر الرازي أنه، لما بلغ رذريق خبر طارق ومن معه، ومكانهم الذي هم فيه، بعض إليهم الجيوش جيشاً بعد جيش؛ وكان قد قوَّد على أحدهم ابن أخت له يسمى بنج، وكان أكبر رجاله؛ فكانوا عند كل لقاء يهزمون ويقتلون؛ وقتل بنج، وهزم عسكره؛ فقوى المسلمون، وركب الرجاَّلة الخيل، وانتشروا بناحيتهم التي جازوا بها؛ ثم زحف رذريق إليهم بجميع عساكره ورجاله وأهل مملكته، وهو على سرير ملكه كما تقدَّم. فلما انتهى إلى الموضع الذي فيه طارق، خرج إليه؛ فاقتتلوا على وادي لكُّه من كورة شذونة يومهم ذلك، وهو يوم الأحد لليلتين بقيتا من رمضان، من حين بزغت الشمس إلى أن توارت بالحجاب؛ ثمَّ أصبحوا يوم الاثنين على الحرب، حتَّى إلى المساء. وتمادت أيامهم كذلك إلى يوم الأحد الثاني؛ فتمت ثمانية أيَّام. وقتل الله رذريق ومن معه، وفتح للمسلمين الأندلس، ولم يعرف لرذريق موضع، ولا وجدت له جثة، وإنما وجد له خف مفضض؛ فقالوا إنه غريق، وقالوا إنه قتل؛ والله أعلم.
ثم تحرك طارق إلى مضيق الجزيرة؛ ثم نهض إلى مدينة إسنجة؛ فوجد فيها فلَّ العسكر؛ فقاتلوه فتالا شديداً، حتى كثر القتل والجراح في المسلمين؛ ثمَّ نصرهم الله، وقطع دعوة العجمة، وقذف الله الرعب في قلوب المشركين، إذ
стр. 317
تُقحم عليهم البلاد؛ فهرب أكثرهم إلى مدينة طليطلة، وتركوا مدائن الأندلس وراءهم قليلة الأهل.
وقدم يليان على طارق من الخضراء مشتقره؛ فقال له: (قد فتحت الأندلس؛ فخذ من أصحابي أدلاء، ففرق معهم جيوشك وسر أنت إلى مدينة طليطلة!) ففرَّق جيوشه من إسنجة.
ذكر ما افتتح طارق بن زياد من بلاد الأندلس
سنة ٩٢ من الهجرة
أوَّل فتوحاته جبل الفتح المسمى بجبل طارق، وذلك لما جار المسلمون ونزلوا في المرسى، وهم عرب وبربر، حاولوا الطلوع في الجبل، وهو حجارة حرش؛ فوطئوا الدواب بالبراذع وطلعوا عليها؛ فلما حصلوا في الجبل، بنوا سورا على أنفسهم يسمى سور العرب. وقيل إنهم فتحوا من حينهم حصن قرطاجنة، وكان في سفح هذا الجبل من نظر الجزيرة الخضراء. فلما بلغ ذلك ملوك الأندلس، نفروا إلى رذريق، وكان جباراً طاغية؛ فاستقر النصرانية. فقيل إنه بعث إلى المسلمين الجيش بعثا بعد بعث؛ فكانوا عند كل لقاء يهزمون ويقتلون. فقوى المسلمون، وركب رجالهم، وانتشروا في البلاد. وبعد هذا زاحفهم رذريق بنفسه. وقال آخرون بل زاحفهم لأول مرة بنفسه. ثم اختلفوا أيضا كم أيام المزاحفة التي أعقبها الفتج وانهزم آخرها رذريق؛ فقيل: يوم كامل، وقيل: يومان، وقيل: ثلاثة، وقيل: ثمانية؛ واختلفوا هل ظفر برأس رذريق أم لا؛ فقيل: ظفر به، وقيل: مات غريقا.
فتح قُرطُبة
بعث طارق مغيثاً، مولى عبد الملك بن مروان، من لإسنجة إلى قرطبة في سبعمائة فارس، وهي من مدنهم العظام؛ ولم يكن معه راجل إذ كان الرجال
стр. 318
قد ركبوا. فلما بلغ مغيث شقندة وقرية طرسيل، وهي على ثلاثة أميال من قرطبة، بعث الأدلاء كي يلقون من عنده خبر؛ فألقوا راعي غنم، فأتوا به إلى مغيث، وهو في الغيضة؛ فسأله عن قرطبة؛ فقال له: (انتقل. عنها عظماء أهلها، ولم يبق فيها إلاَّ بطريقها في أربعمائة فارس من حماتهم مع ضعفاء أهلها.) ثم سأله عن حصانة سورها؛ فأخبره أنه حصين، إلا أن فيه ثغرة فوق باب الصورة، وهو باب القنطرة، ووصف لهم الثغرة.
فلما جنَّ الليل، تحرك مغيث بمن معه، وعبروا النهر، وقابلوا السور، وراموا التعلق به؛ فتعذر عليهم؛ فرجعوا إلى الراعي، وأتوا به معهم؛ فدلهم على الثغرة؛ فراموا التعلق بها؛ فصعب عليهم، حتى صعد رجل من المسلمين في دروتها، ونزع مغيث عمامته، فناوله طرفها، وارتقوا بها حتى كثروا بالسور؛ ثم جاء مغيث إلى باب القنطرة، وهي يومئذ مهدومة، وأمر أصحابه بالحوم على أحراس السور، فكسروا الأقفال، ودخل مغيث بمن معه. فلما بلغ الملك الذي بها دخولهم. خرج في كماة أصحابه، وهم نحو الأربعمائة؛ فدخلوا كنيسة بغربي المدينة؛ فتحصنوا فيها؛ فحاصرهم مغيث، وكتب إلى طارق بالفتح. وتمادى على حصار العلوج في الكنيسة المذكورة ثلاثة أشهر. فبينا هو ذات يوم جالس إذ قيل له: (خرج العلج - يعني الملك - هاربا وحده، وهو ينوي التحصين في جبل قرطبة، ليلحق به أصحابه!) فأتبعه مغيث وحده دون أحد من أصحابه؛ فلما برز له وأبصره هاربا، وتحته فرس أصفر، وهو يتبعه، خرج من طريقه؛ فأتى خندقا؛ فوثب به الفرس، وسقط في الخندق، واندقت عنقه؛ فأقبل مغيث، والعلج جالس على ترسه مستأسرا؛ فأسره. ولم يؤسر من ملوك الأندلس غيره، لأن منهم من عقد لنفسه أمانا، ومنهم من هرب إلى أقاصي البلاد مثل حليفية وغيرها. ورجع مغيث إلى بقية العلوج؛ فاستنزلهم أسراً، وضربت أعناقهم صبراً؛ وسميت كنيسة الأسرى. وأبقى العلج صاحب قرطبة، ليقدم به على أمير المؤمنين.
стр. 319
فتح مالقة
بعث إليها طارق من إسنجة جيشاً، وقوَّد عليه قائدا، وجعل معه ودليلا من رجال يليان؛ فاستفتحها وجميع أعمال ربه. ولجأ علوجها إلى جبال ربُّه الشامخة المنيعة.
فتح غرناطة قاعدة البيزة
بعث إليها طارق الجيش من إسنجة؛ فحاصرها حتى افتتحها
فتح مرسية
ثم تقدم هذا الجيش بعد فتح إغرناطة إلى تدمير، وهي مرسية، وإنما سميت تُدمير باسم العلج صاحبها؛ وكان اسمها أوربولة، وهي كانت مدينتها القديمة. فقاتل العلج تدمير المسلمين قتالا شديداً؛ وكان في قوّضة. ثم انهزم في فحص لا يسترهم شيء؛ فوضع المسلمين فيهم السلاح حتى أفنوهم؛ ولجأ من بقى منهم إلى مدينة أربولة. وكان تدمير بصيرا بأبواب الحرب؛ فلما رأى قلة من معه من أصحابه، أمر النساء؛ فنشرن شعورهن، وأعطاهن القصب، ووقفن على سور المدينة، ووقف معهن بقية الرجال. ثمَّ قصد بنفسه إلى جيش المسلمين كهيئة الرسول، واستأمن؛ فأمن وانعقد له الصلح ولأهل بلده؛ فافتتحت مدينة تدمير صلحا. فلما انعقد الصلح وتمَّ، أبرز لهم نفسه وقال: (أنا تدمير صاحب المدينة.) ثمّ أدخلهم البلد؛ فلم يروا فيه أحداً عنده مدفع؛ فندم المسلمون وأمضوا على ما أعطوه من الأمان؛ وكتبوا بالفتح إلى الأمير طارق؛ وأقام بتدمير رجال من أهل العسكر، وصاروا مع أهلها؛ وتقدّم معظم الجيش إلى طليطلة؛ فلحق بطارق، وهو عليها.
стр. 320
فتح طُليطُلة
وألقى طارق طليطلة خالية، ليس فيها إلاَّ اليهود في قوم قلة، وفرّ علجها مع أصحابه، ولحق بمدينة خلف الجبل. وتبعهم طارق، بعد أن ضمّ اليهود، وخلى معهم بعض رجالة وأصحابه بطليطلة؛ فسلك إلى وادي الحجارة؛ ثمّ استقبل الجبل؛ فقطعه من فج يسمى به إلى اليوم؛ فبلغ مدينة خلف الجبل، تسمى مدينة المائدة.
ثمّ فتح مدينة المائدة؛ فوجد فيها مائدة سليمان بن داود ﵉! وكانت من زبرجدة خضراء، حافاتها وأرجلها منها؛ وأصاب بها مالا وحليا كثيراً؛ ثم انصرف إلى طليطلة. هكذا آثر الناس هذا كله، على أنَّ طارقا صنعه. وقال آخرون: بل، أقام طارق حيث كانت الوقعة، وجاز إليه موسى. وقيل: بل، وجده بقرطبة.
وفي سنة ٩٢ من الهجرة، دخل موسى بن نصير الأندلس في رمضان، بعد دخول طارق بسنة، ومضى غازيا فيها، مفتتحا لحصونها هذه السنة وسنة أربع وبعض سنة خمس؛ فافتتح جميع حصونها، وهزم جميع من لقيه من أمرائها؛ فلم يلق كيداً من أحد، ولا انهزمت له راية، حتى انتهى إلى مدينة من مدن إفرنجة، يقال لها لوطون، وقد ملك ما سواها ودونها إلى أقصى برسلونة. فلما انتهى إلى مدينة لوطون، ضاق المسلمون، وخافوا أن يحاط بهم؛ فكلموه في ذلك؛ فقفل بهم راجعا. قال مُؤلِف (كتاب بهجة النفس) : ورأيت في بعض كتب العجم أن المسلمين انتهوا إلى مدينة لوطون قاعدة الإفرنج، ولم يبق لأهل الإسلام شيء لم يتغلبوا عليه مما وراء ذلك، إلاَّ جبال قرقوشة وجبال بنبلونة وصخرة حليقية؛ فأما الصخرة، فلم يبق فيها مع ملك حليقية سوى ثلاثمائة رجل،
следующие страницы →