Полный текст (1 631 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
قدوم الشريف ناصر إلى حلب:
وفي هذا الشهر قدم إلى حلب الشريف ناصر القائد العام للجيوش الشمالية وبعد يوم من قدومه سافر ومعه الشريف مطر إلى الباب لتهدئة الأمور وإزاحة القلق والاضطراب اللذين حدثا هناك إثر انحلال حكومة الأتراك. فأتم مهمته وعاد ثاني يوم إلى حلب.
الأتراك المرخص لهم بالبقاء في حلب:
وفيه رخص الحاكم العسكري بحلب بقاء الأتراك المولودين في حلب والمتزوجين بنساء عربيات ومن كان تاجرا أو صاحب ملك في حلب، وأن من لا علاقة له في حلب يجب عليه أن يسافر منها والحكومة تساعده على سفره.
قدوم الجنرال اللنبي إلى حلب:
غروب يوم الثلاثاء ٧ ربيع الأول من هذه السنة (١٣٣٧) وصل إلى حلب الجنرال إدمون اللنبي، القائد العام للجيوش الإنكليزية العربية الفرنسية في فلسطين وسوريا، فاستقبله في محطة الشام الشريف ناصر وكيل القائد العام للجيوش الشمالية، وشكري باشا الأيوبي الحاكم العسكري وغيرهما من أمراء العسكرية. وفي ضحوة يوم الأربعاء أقبل الجنرال اللنبي إلى دار الحكومة سائرا بين صفوف العساكر الإنكليزية- الهنود وغيرهم- المصطفة على جانبي الطريق الممنوع سلوكه عن الناس، المفروش بالرمل من أوله إلى آخره، أي من منزل الجنرال في محلة العزيزية إلى دار الحكومة. وقد نصب له في محلة العزيزية (قوس النصر) ، فلما وصل إليه وقف تحته وتقدم نحوه رئيس بلدية حلب وقدم له مفاتيح مدينة حلب وقرصا من الخبز ومقدارا من الملح. فتناول من القرص لقمة وذاق الملح ثم لمس المفاتيح ورفع يده بالسلام.
وسار نحو دار الحكومة وقد وقف له بساحتها الجنود العربية وضباطها وتلامذة المكاتب والمدارس ورجال الشرطة والدرك وجوق الموسيقى العربية. ولما وصل إلى دار الحكومة، واستقر في مجلسه المعدّ له، أقبل عليه علماء البلدة والرؤساء الروحيون والأعيان والوجهاء والموظفون، فأدّوه حق السلام وهو يشكرهم ويظهر الاغتباط بمعرفته إياهم، ويتمنى لهم الرفاهية والسعادة ثم نهض من مجلسه ووقف على رأس درج السراي وفاه بخطاب باللغة
стр. 1542
الإنكليزية، يتلوه عبارات متقطعة، ويسكت تلو كل عبارة برهة يتلو معناها باللغة العربية ترجمانه الخاص الأستاذ أمين بك غريب. وإليك مؤدى خطبته: «يا رجال حلب! إني أزور مدينتكم القديمة التاريخية بصفتي قائدا عاما للجيوش المتحالفة التي تؤلف الحملة المصرية، وصاحب السلطة الإدارية المطلقة على الأراضي التي هي تحت إمرتي.
وإنني بسرور عظيم أقبل أدلة الترحاب الرمزية المقدمة لي من رئيس البلدية، كما أن تأثيري «١» كان عميقا من الحماسة والإخلاص اللذين استقبلني بهما رؤساؤكم الأفاضل الوطنيون، من دينيين وأهليين وإداريين.
ولا يقل ذلك عن إعجابي بالغيرة وإخلاص النية اللّتين يظهرهما رؤساء الإدارة والبلدية في محاولتهم حل المسائل المعقدة والعسيرة التي واجهتهم.
وإنني أنتدب كل فرد منكم- وجميعكم على السواء- لبذل كل ما فيكم من نشاط وقوة حتى تشيدوا من جديد ذلك العمران والتمدن الذي ساد على هذه النواحي في زمان أجدادكم واضمحل بأيدي المستبدين الغرباء عنكم.
وأنا ما دمت مسئولا عن الإدارة، أتوقع منكم تنفيذ الأوامر التي تقضي عليّ الظروف بإصدارها بنفس الرضى والانقياد الذي أظهرتموه في السابق، حتى إذا قررت الدولة- التي أنا باسمها أحكم- تشكّل بناء العالم الجديد الذي سيعيش البشر فيه، ليكون كل وطني حلبي متهيئا لتمثيل دوره في عمل الإعمار العظيم القائم أمامكم.
يا رجال حلب! أتمنى لكم عموما النجاح والسعادة» . اه.
ثم نزل الجنرال من الدرج، يشيّعه الشريف الناصر وشكري باشا. وبعد أن طاف على الجنود العربية ركب سيارته. ودعيت لمرافقته وقدمت لي سيارة ركبتها مع حضرة المستشرق البريطاني الكولونل السير مارك سايكس، وحضرة الأديب أمين بك غريب الترجمان العربي الخاص بالجنرال اللنبي. وقال لي أمين بك إن حضرة الجنرال يريد زيارة ما في حلب من الأماكن القديمة التاريخية، فسر بنا إليها حسبما تريد.
стр. 1543
فأخذته إلى قلعة حلب ثم إلى الجامع الكبير. ولما أراد الدخول إلى قبليّة الجامع أبى أن يدخل إليها بجرموقه «١» مع أنه نظيف ممسوح، فقدّم له حذاء كبير ضم فيه قدميه ودخل القبليّة. ولما رأى المقام الشريف سألني بواسطة الترجمان بقوله: مقام من هذا؟
فقلت له: هذا مقام يحيى بن زكريا. فقال: من هو يحيى؟ فقلت له: هو يوحنا المعمدان ابن خالة السيد المسيح. فطأطأ رأسه وأبدى ابتسامة استحسان. ثم أخذته إلى المدرسة الحلوية، فدخل القبليّة وسألني عن تاريخ بنائها وعن بانيها، فأجبته عن ذلك. ثم أريته المحراب الخشبي الذي في إيوانها فأعجبه حسنه جدا، إلا أنه اعترض على متولّي المدرسة لأنه لمعه بدهان السّندروس «٢» ، وأمره بأن يمسح الدهان عنه ويبقيه على حالته القديمة الأثرية.
ثم أخذته إلى دار الجانبلاط، فسرّ بمشاهدة إيوانها سرورا زائدا، وأريته قطعة حجر من سلسبيل، مدفون بعضها في الأرض، فيها من بدائع الصنعة ما يشهد للماضين بإتقان النقوش ومهارة الهندسة المعمارية، فانحنى لاستخراج تلك الحجرة من الأرض فساعده بعض الحاضرين فاستخرجت وأخبرته أن بعض الأثريين الغربيين طلب شراء هذه الحجرة من أهل الدار ودفع لهم ثمنها مئة ذهب عثماني فلم يبيعوها. فقال الجنرال اللنبي لمن كان حاضرا من أهل الدار: إياكم وأن تبيعوها لأحد، وإذا بلغني أنكم بعتموها لأحد فإني أغرمكم مبلغا كبيرا.
ثم خرجنا من الدار وركبنا سيارتنا، فقال الترجمان: يقول حضرة الجنرال: يريد أن تسير بنا من طريق السوق لأنه يحب أن يرى أسواق الشرق المسقوفة. فسرت بهم من السّويقة وسوق الصابون وسوق الفرّايين «٣» إلى أن خرجنا إلى فضاء تحت القلعة، وهناك أردت النزول من السيارة والتوجه إلى منزلي لأن مهمتي قد انتهت، فقال لي أمين بك:
لا يجوز لك مفارقته إلا بعد الوصول معه إلى منزله. فبقيت سائرا معه حتى وصلنا إلى
стр. 1544
منزله في محلة العزيزية، وحينئذ نزلت من السيارة وودعته وأمر سائق السيارة أن يوصلني إلى منزلي، وأظهر لي سروره وشكرني على الاعتناء بشأنه.
ثم في مساء ذلك اليوم تناول طعام العشاء في دار الإمارة، وفي أثناء الطعام تبودلت الخطب الودية. وما زال في دار الإمارة إلى أن أزف وقت الرحيل فسار مع الحضور إلى محطة بغداد حيث شيع- كما استقبل- بالتكريم والاحترام.
قدوم حاكم سوريا العسكري إلى حلب:
مساء يوم الخميس ١٥ ربيع الأول من هذه السنة (١٣٣٧) قدم إلى حلب رضا باشا الركابي، الحاكم العام في سوريا، وذلك للإشراف على سير الأعمال وإتمام تأسيس إدارتي المالية والقضائية وإصلاح ما يلزم إصلاحه من الشؤون.
قدوم رضا باشا الصلح:
يوم الأحد ١٨ منه قدم إلى حلب رضا باشا الصلح واليا على حلب، وقد بقي شكري باشا الأيوبي حاكما عسكريا. وفي يوم الاثنين ٢٠ منه أقام نادي العرب ضيافة (جاي) لرضا باشا والي حلب، حضرها أمراء العسكرية وموظفو الحكومة ووجهاء البلدة. وقد ألقيت فيها الخطب الحماسية وأنشدت القصائد الوطنية، وكانت حفلة باهرة.
مأدبة:
وفي ٢٧ منه أدب رضا باشا الركابي في نزل البارون مأدبة حافلة، حضرها قادة الحلفاء وكبار رجالهم، والجنرال الإنكليزي مارك أندرو، والمستشرق البريطاني السير مارك سايكس، والمستشار الفرنسي الموسيو جورج بيلو، وغيرهم من كبار موظفي الإنكليز والعرب. وفي أثناء الكلام تبودلت الخطب باللغتين العربية والإنكليزية، وأثنى الجنرال مارك أندرو على شهامة العرب وقال: إنهم هم الذين فتحوا حلب لأنهم دخلوا إليها قبلهم بيوم.
رجوع الجنرال اللنبي إلى حلب:
يوم الأحد ٣ ربيع الثاني عاد إلى حلب الجنرال اللنبي، ثم شخص إلى آذنة وعاد إلى حلب.
стр. 1545
سفر رضا باشا الركابي:
وفي يوم الثلاثاء ٥ منه سافر رضا باشا الركابي إلى دمشق، فودّع بكمال الاحترام.
استيلاء العرب على المدينة المنورة:
في يوم الخميس ١٤ ربيع الثاني تواردت الأخبار من المدينة المنورة بأن عرب ملك الحجاز استولوا عليها من الأتراك يوم الأربعاء ١٣ منه.
حادثة الأرمن المعروفة باسم (فتنة ٢٨ شباط سنة ١٩١٩)
أسباب هذه الحادثة:
لا ننكر أن في أمة الأرمن رجالا ونساء متحلّين بحلية العقل، والنظر البعيد إلى العواقب، وحسن المعاملة والأمانة والاستقامة والاعتراف بالجميل والمكافأة عليه، غير أننا مع هذا لا نحجم عن القول بأنه يوجد في دهماء هذه الأمة زمرة طائشة قد خيم الجهل على عقولهم، فانحرفوا عن الجادة المثلى ولم ينظروا إلى ما يعقب انحرافهم من الضرر وسوء المغبة بأمتهم التي فيها من الرجال من يستحق كل مدح وثناء.
وصفوة القول أن الأمة الأرمنية قد غلب خيارها على أمرهم فجرّ جهّالها عليهم البلاء دون أن يستحقوه. ومن هذا القبيل ما جنوه عليهم من البلاء في هذه الحادثة التي لم يكن لها من سبب سوى أمور نقمها الحلبيون على الأرمن، صدرت من تلك الطائفة الطائشة فأثارت في الحلبيين موجدتهم عليهم، وعكست فيهم اعتقادهم وملأت صدورهم غيظا منهم، وأغلت في أفئدتهم مراجل الحقد والضغينة عليهم، وكان من أمرهم في ذلك اليوم ما كان.
وإليك نبذة في ذكر بعض ما فعلته هذه الفئة الطائشة من الأمور التي أساءت بالأرمن اعتقاد الحلبيين واضطرتهم إلى الجرأة عليهم. وبيان ذلك أن الأمة العربية عامة- والحلبيين خاصة- كانوا ينظرون إلى أمة الأرمن بعين الشفقة والحنوّ، وينكرون على زعماء الأكراد ما كانوا يعاملون به الأرمن من التعدي؛ بل كانوا ينكرون على السلطان عبد الحميد ما نكب به الأرمن من المذابح ولا يرون له مبررا في الضغط عليهم. ولهذا
стр. 1546
لم ينقل عن أحد من الأمة العربية أنه غمس يده في دم أرمني في تلك المذابح الفظيعة، وقوفا عند حدود الشريعة المحمدية التي تتكفل للذميّ بصون ماله وعرضه ودمه. ولعل الأمة العربية لو كانت مشتركة مع الشعب التركي في تلك المذابح لما عدمت من السلطان عبد الحميد حسن المكافأة.
ثم في سنة ١٣٣٣ كان جلاء الأرمن عن أوطانهم، كما أشرنا إلى ذلك في حوادث السنة المذكورة من هذا الجزء. وبعد أن وصلت تلك الجاليات إلى حلب على آخر رمق من حياتها؛ كان العرب عامة- والحلبيون خاصة- يعطفون على ضعفائهم ويمدّون إليهم يد الإحسان والمواساة، عكس ما كان يضمره لهم جمال باشا من الأذى والويلات، ورغما عما كان يقاسيه الحلبيون في تلك الأيام العصيبة من جهد البلاء والضغط العسكري.
وكان عقلاء الأرمن وأدباؤهم يعترفون للعرب بتلك الأيادي ويشكرونهم عليها، حتى إن شبيبة الأرمن مثّلت الرواية التي سبق ذكرها في حوادث هذه السنة.
وبينما كانت الأمة العربية تؤمل من الأمة الأرمنية حسن المكافأة على ما أسدتها «١» إليها من البر والإحسان؛ إذ انعكست الآية بعد وقوع الهدنة وصارت الأخبار المكدّرة تطرق كل يوم مسامع الحلبيين عما يجريه جهال الأرمن مع أبناء العرب من الأمور التي تبعث على إيجاد الضغينة وإسعار نار الحقد في صدورهم على أمة الأرمن. وإليك بيان بعض تلك الأمور وهي: (١) تعرّض زمرة من الأرمن- المستخدمين في محطة أذنة من قبل الفرنسيين- إلى التجار العرب المسافرين على القطار إلى استانبول والقافلين منها إلى أوطانهم، فكانت تلك الزمرة تعامل التاجر العربي بكل غلظة وخشونة، وربما أزعجته بالسبّ والضرب، وإذا كان قدوم القطار في الليل فربما كانت تفتش ثيابه وتسلب نقوده.
أما الجنود العربية التي كانت تمرّ من أذنة قافلة إلى أوطانها فقد كانوا يقاسون من هؤلاء المستخدمين كل إهانة ويرون منهم كل قساوة، يعاملونهم بالشتم والضرب، وكثير منهم من كان يناله من أيديهم جراحة في وجهه وتهشم في أعضائه. فيأتون إلى حلب على أسوأ حالة.
стр. 1547
(٢) كان الحلبيون يسمعون بما كان يجريه متطوعة الأرمن في الجيش الفرنسي في بيروت من الخيلاء والعجرفة، وأنهم أطلقوا بنادقهم على بعض الوطنيين فقتلوهم، وأنهم تمردوا على الجيش الفرنسي في إسكندرونة حتى اضطرت القيادة إلى أن تنقلهم إلى أذنة.
(٣) تظاهر غوغاء الأرمن في حلب بمظاهر العظمة والكبرياء ومقابلتهم الحلبيين بغير الوجه الذي كانوا يقابلونهم به في الأمس، يقابلونهم بوجه عليه سيماء التّيه والسخط، ويخاطبونهم بألفاظ خشنة لم يألفوا سماعها منهم قبل ذلك.
لم كان هذا الانقلاب من هذه الزمرة مع الحلبيين؟ وما هو الحامل لها عليه؟
كان سببه بصيص ضوء أبصرته من لفتة شملتهم من عناية الإنكليز بشأنهم، فعظمت نفوس الطائشين منهم وطفقوا يسيئون التصرف مع الحلبيين، ويقلبون لهم ظهر المجن في معاملاتهم. ولم يقفوا عند هذا الحدّ بل صار الكثير منهم جواسيس للإنكليز ينقلون إليهم عن الحلبيين أخبارا ملفقة لا ظل لها في الحقيقة.
(٤) تعدّي جماعة من تلك الزمرة على الباعة؛ بتكليفهم صرف الورقة المصرية بالنقود المعدنية على معدّل قيمتها المحررة بها، مع أن قيمتها التجارية دون ذلك بكثير. فكان الباعة يخسرون أموالهم ولا يقدرون على الامتناع عن صرف الورقة على هذا المعدل خشية من عقوبة القانون.
(٥) كان فريق من تلك الزمرة يختلقون كل يوم الحيل والخدع في اختلاس أموال التجار الحلبيين، حتى شاع عنهم هذا الأمر وصار الحلبيون يتحدثون به في مجتمعاتهم ومجالسهم:
من ذلك أن أرمنيا عرض على تاجر حلبي نموذجا من دبس الطماطم، وأخبره أنه يوجد عنده منه سبع صفحات «١» . فرغب الحلبي بشرائها وطلب من الأرمني إحضارها فأحضرها إليه وقد فتح في كل صفيحة دائرة في زاويتها ليطلع المشتري على ما في ضمنها من الدبس. ولما غمس التاجر إصبعه بالدبس من هذه الفتحة وذاقه تبين له أنه دبس جيد.
فاشترى الصفحات كلها بثمن مثلها، ودفع قيمتها إلى الأرمني، فأخذ القيمة وانصرف.
стр. 1548
ولما فتح التاجر إحدى الصفحات وجدها ممتلئة بمطبوخ القرع الشتوي الملون بالمغرة «١» ، ورأى في الفتحة التي ذاق منها الدبس ماسورة من الصفيح ممتلئة من الدبس الجيد قد سدّ أسفلها الذي يلى أسفل التنكة وفتح أعلاها الذي ذاق منه الدبس، ثم فتح بقية الصفحات فرآها كلها مثل الصفيحة الأولى، فساءه ما رأى وعلى الفور أخذ بالبحث على الأرمني واستقصاء أثره فلم يظفر به. وأخيرا علم أنه سافر من حلب على أثر تدبيره هذه الحيلة.
ومن ذلك أيضا أن أرمنيا اشترى من تاجر حلبي صفيحة سمن، وطلب من التاجر أن يحمّلها إلى خادمه ويتبعه بها إلى بيته ليدفع له ثمنها. فحملها الخادم ولما وصل إلى بيت الأرمني تناول الصفيحة من الخادم ودخل داره ليأتي بثمن السمنة، فوقف الخادم ينتظره فلم يخرج إليه. ولما طال عليه أمد الانتظار طرق باب الدار وسأل عن الأرمني فقيل له:
إن لهذه الدار بابين، وهي ليست بدار بل هي مكان يأوي إليه فقراء الأرمن وحجّاجهم، وإن الأرمني الذي أخذ السمن دخل من أحد البابين وخرج من الباب الآخر، وإنه لم يكن من سكنة ذلك المكان، ولا هو معروف عند أهله.
تكررت هذه الحيل من أفراد هذه الزمرة مع التجار الحلبيين على أنحاء شتى وضروب مختلفة، وشاعت أخبارها بين الحلبيين فحقدوا على الأرمن وحلّ في قلوبهم الضغينة عليهم، بدل ما كانت تجنّه من الرأفة فيهم.
(٦) كان عند الحلبيين عدد كبير من بنات الأرمن وأطفالهم، آووهم في أوائل قدوم جالياتهم إلى حلب، وقد التقطوهم من الأزقة والأماكن المهجورة وأزالوا الشقاء عنهم واعتنوا بتربيتهم عنايتهم بأولادهم. والبعض منهم اتخذوا من فتياتهم البالغات زوجات شرعيات واستولدوهنّ عدة أولاد. ولما دخل الإنكليز إلى حلب اهتمت جمعية الصليب الأحمر بجمع أطفال الأرمن وبناتهم من بيوت الحلبيين. ونحن لا نلوم الطائفة الأرمنية على استرداد أولادهم وأطفالهم إلى أحضانهم، لأن هذا مما توجيه القومية عليهم، إنما نلومهم على استعمال العنف وترك الرفق في سبيل البلوغ إلى هذا الغرض، فقد كان أقارب الأطفال والبنات يقصدون بيت الحلبي للتفتيش على أولادهم، ويدخلون عليه دخول مهاجم على ذي جريمة، ويأخذون الولد أو البنت قسرا ويعاملون مربّيها أو زوجها بكل عنف وقساوة
стр. 1549
هم في غناء عنهما. وربما كانوا يسوقونه إلى السجن بمساعدة الشرطة الموكول إليهم التفتيش على أولاد الأرمن من قبل جمعية الصليب الأحمر، وكانوا لا يصغون إلى الممتنعة عن متابعتهم من النساء المتزوجات، بل ربما قابلوها على امتناعها بالسب والضرب وأخذوها إلى منتدياتهم وأكرهوها على مفارقة زوجها وأولادها منه.
ومن غريب ما وقع في هذا الباب قضية امرأة أرمنية متزوجة بشاب مسلم، حضر إليها أخوها وزوجها الأرمنيان وأرادا أخذها إليهما، فلم يمتنع زوجها المسلم عن تسليمها إليهما وجعل الخيار لها في ذلك. أما هي فقد امتنعت عن تسليم نفسها أشد امتناع، فأخذاها بالقوة والعنف وسعيا بزجّ زوجها في السجن، وأخذا المرأة إلى قلّاية «١» الكنيسة، ووضعاها في غرفة عالية لها نافذة على الطريق، وقد وضعا معها لحراستها راهبتين أرمنيتين كلّفتاها العود إلى زوجها الأرمني ومنّيتاها بكل مرغوب، وذكرتا لها كل ما يوجب نفرتها من زوجها المسلم. فلم تلتفت إلى كلامهما. وقدّمتا لها طعاما فلم تذقه، وكان معها طفلة صغيرة ولدتها من زوجها المسلم قبل بضعة أيام ولما جنّ عليها الليل ورأت الراهبتين الموكلتين بحراستها قد غفتا عمدت إلى الطفلة وشدّتها على صدرها بنطاقها وعضّت على ياقتها بأسنانها، وجاءت إلى النافذة وألقت نفسها منها إلى الأرض، فوقعت عليها سالمة لم يلحقها ضرر في جسمها سوى ورم ظهر في ساقيها بعد بضعة أيام.
وكان زوجها المسلم قد أطلق من السجن وعاد إلى بيته. وبينما كان راقدا على فراشه نحو منتصف الليل إذ بالباب يطرق فأسرع لفتحه ورأى زوجته قد عادت إلى بيته. وفي الغد جاءت الشرطة إليه وأودعته السجن وأخذت زوجته إلى المخفر الذي حضر إليه ضباط الإنكليز وبعض كهنة الأرمن وسألوا المرأة عن كيفية هربها وقالوا لها: أما كان هربك بواسطة زوجك المسلم، حيث أحضر لك سلّما نزلت عليه إلى الأرض؟ فأخبرتهم بكيفية هربها على ما هي عليه، وقالت لهم: كيف يمكن لزوجي أن يحضر سلّما لي؟ والقلاية في حارة المسيحيين لا يمكن أن يطرقها في الليل أحد من المسلمين، وكيف يترك الحراس رجلا يحمل سلّما في الليل ولا يشتبهون به ولا يقبضون عليه؟ خصوصا وزوجي ساكن في محلة بعيدة لا يصل إلى محلة القلاية إلا بعد أن يمر على عدة محلات في كل منها حارس.
стр. 1550
ثم إن الشرطة حاولت إعادة المرأة إلى القلاية فامتنعت وقالت لهم: إذا أكرهتموني على الرجوع إليها فإني أنتحر نفسي «١» . ولما رأوا إصرارها على الامتناع من متابعة زوجها الأرمني أحضروا زوجها المسلم من الحبس وسلموه إياها وأخذوا منه كفيلا على أن يسلمها إليهم متى أرادوا أخذها منه. فعادت هي وزوجها المسلم إلى بيتهما، وهي لم تزل عنده حتى الآن في غبطة من العيش، قد ولدت له عدة أولاد، والنساء يثنين على أخلاقها الثناء العاطر.
ومن هذا القبيل أيضا قضية غلام في السادسة من عمره مولود من أبوين مسلمين حلبيين، ادّعاه رجل أرمني أنه ولده فأخذته جمعية الصليب من يد أبيه المسلم قسرا وسلّمته إلى الرجل الأرمني الذي ادّعاه. فشقّ هذا الأمر على أبوي الغلام وأسرته. ورغما عن شهادة القابلة التي ولّدته وعن الجمّ الغفير من جيران أهل الغلام المسلمين والمسيحيين بأن هذا الغلام هو ابن الرجل المسلم الحلبي؛ لم ترجعه الجمعية إليه. وحينئذ تقدم إلى الوالي جماعة من جيران والد الغلام وأخبروه بأنه مولود من أبوين مسلمين حلبيين، وأنهم يطلبون من الوالي التبصر بهذه القضية. فجمع الوالي في بهو منزله رجالا من الأرمن والحلبيين المسلمين متشابهين بالملامح والهيئات، بينهم أبو الولد الحقيقي والأرمني الذي ادّعاه، وأدخل الولد إلى البهو بغتة فما كان منه إلا أن عدا نحو والده الحقيقي والتفّ به وعانقه، وطفقت دموع والده تنحدر على خديه، وبكى بعض الحاضرين متأثرا من هذا المنظر الغريب.
وإذ ذاك قنع ضباط الإنكليز الحاضرون أن الولد هو ولد الحلبي، خصوصا حينما رأوا في ملامحه شبها قويا بملامح أبيه، فأذنوا له بأخذه فأخذه وانصرف.
كيف كانت هذه الفتنة ؟
قبل حدوث الفتنة بأيام اشترى أحد الحلبيين المسلمين من أرمني بقرة؛ ظهر لها بعد شرائها صاحب ادّعى أنها بقرته وقد سرقت من إصطبله. وبعد أن برهن دعواه بما لا يحتمل الإنكار لم يسع مشتري البقرة غير الإذعان لدعوى صاحبها فسلّمه البقرة. ثم أخذ يبحث عن الأرمني الذي اشتراها منه ليرجع عليه بثمنها فلم يظفر به.
стр. 1551
ولما كانت ضحوة يوم الجمعة ٢٨ جمادى الأولى سنة ١٣٣٧ و ٢٨ شباط سنة ١٩١٩ م كان الحلبي يتجول في سوق الجمعة- وهو سوق عام ينعقد في كل يوم جمعة، في فضاء واسع يعرف بفضاء تحت القلعة، يباع فيه من جميع السلع والبضائع، ويحضره ألوف من الناس، ومن جملة فروعه فسحة واسعة تباع فيها الخيل والبغال والحمير والبقر- وبينما كان مشتري البقرة يتصفح وجوه الناس للبحث عن غريمه الأرمني، إذ وقع نظره عليه فأسرع نحوه وطلب منه ثمن البقرة. وكان الواجب على الأرمني أن يتلطف بذلك الرجل ويستمهله وفاء ثمن البقرة ويدفع الشرّ بالتي هي أحسن؛ غير أن نفسه لم تطاوعه على التساهل مع صاحب الحق، بل طفق يعربد وينكر القضية بتمامها ويفوه بكلام يشقّ على العامة سماعه.
فاشتد النزاع بين الرجلين وعلت أصواتهما في ذلك الجمع العظيم الذي لا يقلّ عن عشرة آلاف إنسان، ما بين مسلم ومسيحي ويهودي، وقد هرعت العامة إلى محل المشاجرة ووقفوا ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرها. ثم انتقل الحال بين الرجلين من الكلام إلى الملاكمة واللّطام، وقد أخذا بتلابيب بعضهما، وانبرى لكل واحد منهما نصراء من قومه يدافعون عنه ويعينونه على خصمه- وقد علمت مما تقدم كيف كان توغر صدور الحلبيين وحنقهم على الأمة الأرمنية للقضايا التي أسلفنا بيانها- فلما شاهد هذا الجمع النزاع القائم بين هذين الرجلين وعلموا أن المعتدي منهما هو الأرمني، وأن الأرمن قد التفوا حوله ينصرونه على خصمه، هاجت الأحقاد في صدورهم وتقدموا يدفعون الأرمني عن الحلبي.
فاشتدت الضوضاء وعلا الصراخ وهاج هذا الجمع العظيم وماج، وانقضّت العامة على الأرمن يضربونهم بالعصي والسكاكين ووزنات الحديد «١» وأعمدة الخشب. فما مضى غير دقائق إلا وجثث بضع «٢» وثلاثين أرمنيا مطروحة على الأرض، وقد اتصل الصوت ببعض الجهات القريبة من محلات الأرمن فقام بعض الدعّار يهجمون على بيوتهم ويسلبون ما فيها من الأثاث ويقتلون من يعارضهم من أهلها. وكان مجموع ما قتل في هذه الفتنة العمياء مسلم واحد- كان مارا في الطريق فرماه أرمني من داخل داره برصاصة فقتله-
стр. 1552
واثنان وخمسون «١» أرمنيا بينهم امرأة واحدة.
ثم إن الشرطة تفرقت في أنحاء البلدة وأطفأت نار هذه الفتنة، وألقت القبض على بعض الثائرين. فسكنت الأمور وعادت مياه السلام إلى مجاريها. وفي أثناء قيام الفتنة فتح كثير من المسلمين أبواب منازلهم لجيرانهم الأرمن يحمونهم من الثوار ويدفعون عنهم الهلاك والبوار.
ذيول هذه الحادثة الكارثة:
وفي مساء هذا اليوم- أي ليلة السبت ٢٩ جمادى الأولى- اعتقلت السلطة الإنكليزية بضعة عشر رجلا من وجهاء حلب وأعيانها وذوي الشخصيات البارزة منهم، وجمعتهم في دار واحدة غرفها ذات أثاث ورياش، مرخّصة لهم أن يجلسوا مع بعضهم ويستحضروا من منازلهم ما يشتهونه من الأطعمة وغيرها. غير أنها أقامت على أبواب الغرفة حجّابا من الهنود لا يتركون أحدا منهم خارجها، وكان غرض السلطة من اعتقال هؤلاء الجماعة أن تحقق- في أثناء اعتقالهم- أسباب هذه الحادثة لتعلم هل لأحد من وجهاء البلدة دخل في إيجاد هذه الفتنة؟ وبعد أن أبقتهم معتقلين نحو شهر تبين لها أن ليس لأحد منهم يد في إيجادها؛ وإنما كان سببها أمرا فجائيا لم يكن مدبّرا من قبل، فأطلق سراحهم.
اجتماع مهمّ يتعلق بهذه الحادثة:
وفي نهار السبت ٢٩ جمادى الأولى- أي ثاني يوم من وقوع الحادثة- جمع في قاعة الولاية عدد كبير من أعيان البلدة ووجهائها غير المعتقلين، أمر بجمعهم الحاكم العسكري العام وحضر القائد الإنكليزي الكبير «هودسون» ومعه عدد من الضباط الإنكليز والأركان الحربية، والمستر «براين» ضابط الارتباط الإنكليزي، وجودت بك حاكم القضاء العسكري. فقام القائد «هودسون» وألقى على الحاضرين خطابا وصّاهم فيه بأن يفهموا سائر طبقات الشعب وجوب ترك المظاهرات، وإطاعة القانون. وقال: إن الأمير فيصل يجتهد في مؤتمر الصلح بالحصول على استقلال الأمة العربية، وإن الاعتداء على الأرمن وإقامة
стр. 1553
المظاهرات تعرقل مساعيه، وإن الدول المحالفة ترغب بمعاونة العرب وتحب أن يكونوا لهن أصدقاء.
تزلّف عظماء المسلمين والنصارى واليهود إلى بعضهم:
بعد الإفراج عن معتقلي حادثة ٢٨ شباط خطر لبعض عظماء الملل الثلاث أن يسعى بتأكيد ما بين هؤلاء الملل من المحبة والولاء القديمين؛ تفاديا من أن تكون تلك الحادثة قد شوهت محاسنهما أو أبقت لها أثر حقد أو ضغينة في القلوب. فأخذ عظماء الملل من السادة العلماء والكهنة يجتمعون عند أحدهم مرة في الأسبوع، يتبادلون في أثناء اجتماعهم عبارات التوادد والتحابب. وفي ختام الاجتماع يأدب «١» صاحب المنزل مأدبة حافلة تشتمل على الشاي وأنواع الحلوى وأطاييب الفواكه وقد حصل هذا الاجتماع في منزل كل من السادة: قاضي حلب، ومطارنة الطوائف المسيحية، والحاخام باشي، وبعض الوجهاء من الملل الثلاث.
عقوبة المعتدين على الأرمن:
ثم إن السلطة العسكرية الإنكليزية ألقت القبض على المتهمين بالجناية على الأرمن في الحادثة السالفة الذكر، وألّفت محكمة عسكرية حاكمتهم فيها، وقد جمعتهم في خان الشّربجي بحلب «٢» ، فكانت المحكمة متى أصدرت حكمها على واحد منهم بالقتل قصاصا قتلته في هذا الخان تعليقا. فقتلت نحو خمسة وثلاثين شخصا، ونفت آخرين إلى جهات في مصر مددا مختلفة، فمنهم من مات في منفاه ومنهم من رجع إلى حلب بعد انتهاء مدته.
تسليم السلاح:
وفي ثامن جمادى الثانية أعلن الحاكم العسكري العدلي بأن كل من كان عنده سلاح يجب عليه أن يسلمه إلى مخفر محلّته ويأخذ به وصلا.
стр. 1554
منع إخراج الذهب:
وفي ١٥ منه أعلن القائد العام على جيوش الحملة المصرية، المارشال إدمون هنري اللنبي، منع إخراج الذهب من ولايات تركيا المحتلة، وأن من خالف هذا المنع يصادر ذهبه ويجري عليه حكم القانون.
قدوم الحاكم العسكري على حلب:
يوم الأربعاء ١٧ منه قدم على حلب جعفر باشا حاكما عسكريا على ولاية حلب، فاستقبل على المحطة بحفاوة واحترام، وتعيّن سلفه شكري باشا حاكما عسكريا لمنطقة المدينة المنورة.
وصول الأمير فيصل إلى بيروت:
يوم الأربعاء ٢٩ رجب سنة (١٣٣٧) ، وفي ١٩ نيسان سنة (١٩١٩) م؛ وصل سمو الأمير الكبير فيصل إلى بيروت عائدا من أوربا، فاستقبله في بيروت وفود البلاد السورية استقبالا حافلا.
قدوم سمو الأمير فيصل إلى حلب:
وفي يوم الأربعاء ١٢ رمضان منها وصل الأمير فيصل إلى حلب قادما عليها من دمشق بعد عوده من أوربا، وكان خفّ لاستقباله عظماء الحلبيين والموظفين إلى أماكن بعيدة، وزينت له جادات حلب وشوارعها ونصبت له أقواس الظفر، ومشى في موكب استقباله من محطة الشام ألوف من الناس قد انقسموا إلى زمر متعددة، يسير أمام كل زمرة راية نقابة، وتعلو أصوات الجميع لسموّه بهتاف الفرح والمسرة والدعاء له بالفوز والظفر، حتى وصل إلى دار الإمارة المعدّة لنزوله في محلة العزيزية. وفي ثاني يوم من قدومه أقام لسموّه نادي العرب حفلة باهرة حضرها الجمّ الغفير من أهل حلب، وألقى خطابا مسهبا قال فيه ما صورته بالحرف الواحد:
«أيها السادة:
لقد كلّفني عند وصولي أمس بعض الأخوان أن أتكلم كلمتين تتعلق «١» بمصير
стр. 1555
الشعب ومستقبله الذي ينبغي معرفته، ولكن ضيق الزمان والمكان أمس حال دون الكلام فأرجأته إلى هذا اليوم. وكنا نود أن يكون الكلام في غير هذا النادي الذي لم يعد إلا للعلم والأدب والخطابة الاجتماعية. إلا أنني اضطررت إلى الكلام فيه إذ لم يتيسر أوسع منه. وإنني أتشرف بالمثول بين يدي قواد الجيش البريطاني، وأمام كافة مندوبي الحلفاء ووجهاء هذه البلدة التي تمثل قسما كبيرا من القطر السوري.
إخواني! لا شك أن كلماتي هذه قد سمع مرارا من فهمي أمثالها. وتكثير الكلام وترديد القول قد أزعجاني فأستميحكم العفو عن كل ما يصدر عني من الخطأ في القول أو اجتناب التصريح بكل ما في ضميري.
أول ما أخاطبكم به- أيها السادة- أني أعلمكم بأنكم اليوم في موقف ربما يعود لكم بالخير وربما يعود عليكم بغيره لا سمح الله. وهذا الأمر هو الذي حدا بي إلى الوقوف في هذا المقام.
ولا بد أنكم سمعتم خطابي في دمشق، ذلك الخطاب الذي أفصحت فيه عن كل ما يختلج بنفسي وعن جميع ما قمنا به من الأعمال إلى ذلك التاريخ. وطلبت الاعتماد من الحضور كافة. فقبلوا جميع ما كلفتهم إياه ومنحوني الاعتماد التام لأتولّى سياسة أمورهم الداخلية والخارجية. وعلى ذلك الاعتماد أنا مثابر في أعمالي.
ولقد كانت أعمالنا إلى هذا التاريخ مقرونة بكل نجاح. وهذا نتيجة آداب الأمة وحسن سلوكها. وإني لأرجو أن تثابر على هذا السير الذي يسمو بها إلى المنزلة الرفيعة.
إن الأمم- وأخصّ منها التي حاربت لنصرة الحرية والمبادىء السامية- هي التي منحتكم حق الحكم والاستقلال منحا باتا لا مشاحة فيه. وقد وصلت اليوم إلى بيروت اللجنة المرسلة من قبل الأمم التي حاربت وإياكم. أتت هذه اللجنة لتبحث عن رغائبكم ومطالبكم وستكون شاهدا فإما لكم وإما عليكم. وإذا لم تحكم بما نبتغيه فالأمة هي الجانية. إن الأمم المتمدنة تريد أن ترى الأمة العربية عامة- والسورية خاصة- في مستوى الأمم الراقية. وقد خوّلتكم هذا الحق على شرط أن تكونوا حائزين الصفات اللازمة. وليس على هذه الأمة أدنى إكراه على قبول أي أمر كان. وقد صرّحت بذلك
стр. 1556
الدولة العظمى التي انتهت إليها مقاليد العالم. فيجب علينا أن نعلم أنه لا نجاح لنا إلا إذا تمسكنا بأهداب الإخاء والإخلاص، والتؤدة والسكون واتحاد الكلمة، وغير ذلك مما يثبت للعالم أننا أمة يجدر بها أن تدخل المجتمع البشري بيضاء الوجه. ويجب على كل فرد منا أن يتكلم أمام هذه اللجنة بملء الحرية من غير أن يؤثر فيه مؤثر، ويعرب عما في قلبه ويبين كل ما في فؤاده، راميا إلى درك مصالح أمته بدون خوف ولا حذر. (هتاف- تصفيق) .
لا تحسبوا أن أحدا يريدكم على قبول ما لا تريدون. فإن مستقبلكم بين أيديكم على أن تبرزوا لهذه اللجنة القادمة كل تصرف مجيد. نعم، إنه يوجد من يقول إننا نحن العرب أو السوريين لا نتمكن من إدارة شؤوننا بأنفسنا. ربما يكون هذا حقا وربما يكون باطلا، فيلزم أن نفهم من يقدم علينا أننا إذا تركنا وشأننا نتولى أمورنا بأنفسنا سنتمكن من إثبات كفاءتنا وجدارتنا. فإذا أثبتنا ذلك فدعونا نسير في سبيل الأمم المتمدنة.
وبما أن الحالة الحاضرة هي ميزان المستقبل، وبما أن الأمة محتاجة إلى توحيد الكلمة، فوحدوا كلمتكم وأجمعوا على طلب الغاية التي تريدونها لأنفسكم وبلادكم. ولو كنت في غير مقامي هذا لجئت بتصريح أفصح وأوضح. ولست بمكلّفكم تكليفا ما، وليس لأحد كذلك، فأنتم المختارون. هذه أقوالي وسنبدي للعالم ما نحن محتاجون إليه (أصوات:
فلنعتمد الأمير، هتاف عال) .
أنتم أحرار في بلادكم، وستقولون ما تريدون ويعمل بما تريدون. وهذه هي النتيجة المختصرة المفيدة أخبركم بها، وإني سأقوم بواجبي فيما ينفع الأمة وفيما يوطد دعائم استقلالها في الحاضر وفي المستقبل اعتمادا على ما خولتني إياه من الثقة.
نعلم أن فينا من هو في الأقلية ومن هو في الأكثرية بالنظر إلى المذاهب؛ وهو الأمر الذي ربما يقال أو يتصور أنه موضع اختلاف، وقد يمكن أن يجعل ذلك بعض من يجهل حالة العرب اليوم سببا للقول في أمر العرب ومستقبلهم. أما أنا فأقول: لا أكثرية ولا أقلية لدينا، ولا شيء يفرق بيننا. إنما نحن جسم واحد. (تصفيق وهتاف) . ولا شك أن أعمال الحكومة الموقتة تدل على أن لا أديان ولا مذاهب، فنحن عرب قبل موسى ومحمد وعيسى وإبراهيم. نحن عرب تجمعنا الحياة ويفرقنا الموت. لا تفريق بيننا إلا إذا قبرنا.
стр. 1557
(هتاف) . ولا بد أن الحكومة- التي ستؤسّس بمساعدة من أخذ بناصرنا من الأمم المتمدنة العظيمة- ستعمل بجميع ما هو واجب لتأييد حقوق الأقلية. وسنقطع على ذلك العهود المكتوبة بالصحائف، وأنا واثق أن هذه الصحائف التي تكتب لحفظ حقوق الأقلية ستأتي الأقلية فتمزقها بيدها؛ لأنها سترى أن الأكثرية عاملة بما سطرته وفوق ما سطرته.
وأؤمل أن كل سوري يكون عربيا قبل كل شيء. وأؤمل أن كل من يتكلم بالعربية يشعر بمثل هذه العواطف التي أشعر بها. (تصفيق) . لا يحترمنا العالم المتمدن إلا إذا احترمنا أنفسنا واحترم بعضنا بعضا. وإذا انقسمنا إلى أحزاب وشيع فإنه يستخفّ بنا. وهو ينظر إلى الأديان كافة نظرا واحدا ولا يميز بين أمة وأمة، وأريد أن ينظر المجتمع العربي بعضه إلى بعض بهذا النظر.
يجب عليّ أيضا أن أكرر القول: إن أول عمل ينبغي علينا القيام به بعد ذهاب اللجنة- وما هو بعيد الأمد- أن تكون مجتمعاتنا علمية وأدبية لا سياسية. وإني أنشّط جميع مواطني الذين يسعون في إنشاء جمعيات علمية، وأكون سعيدا إذا رأيت اسمي مقيدا بين أسمائهم.
تريدون أن أتكلم عن السياسة أكثر من ذلك فحسبي ما جئت به، ولكني أتكلم الآن عن العلم، وإني أتمنى أن يكون هذا النادي الذي أتشرف اليوم بالوقوف فيه خادما للعلم ومصدرا للآداب كافة. وأطلب من الأمة أن تنظر إلى مستقبلها بعين الارتياح.
ينبغي أن نكون إخوانا ولا نتفرق ولا يكون بيننا أحزاب، حتى لا يؤثر شيء في مصيرنا. ومن أصابه أدنى ظلم من أي شخص كان فليصبر على ما يصيبه وليأت إلى المرجع المسؤول فيخبره بما أصابه. وربما يوجد مضلّون يحبون أن تتنازعوا- كما وقع قبل مدة- حتى يقولوا: إننا لسنا بمستحقين للحكم الذاتي، وتسوء سمعتنا أمام العالم بمثل ذلك.
فإني أحذركم عواقب هذه الأمور التي لن تسمع ولن ترى إن شاء الله. وإني لأتوقع أن أسمع وأرى كل ما يسرني من الهدوء، وجمع الكلمة على طلب ما هو بغية كل عربي من الاستقلال الذي ستنالونه. اربطوا الجأش واعتصموا بحبل واحد.
من البديهي أن الأمن من ضروريات البلاد. والأمن لا يقوم إلا بالرجال وهم الدرك
стр. 1558
والجند. نعم، إن الأمة قد خرجت من الحرب ناصبة «١» من الجندية؛ ولكن الوطن يحتاج إلى من يصون الأمن فيه، فأتمنى كثيرا أن تهرع الأمة إلى الانتظام في هذا السلك.
أريد أن أرى الشهباء عند عودتي في المرة الثانية قد أكملت أهبتها. إن إخوانكم الدمشقيين قاموا بواجباتهم في هذا السبيل أحسن قيام، وأؤمل أن أراكم غير متأخرين عن إخوانكم أولئك. بل الذي أؤمله أن تسبقوهم.
وإني أختتم الآن الكلام فأقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
زيارة سموه المستشفى الوطني ومكتب الصنائع:
ثم إن سمو الأمير فيصل زار في هذا اليوم المستشفى الوطني ومكتب الصنائع، وسرّ بما شاهده فيهما من آثار الرقي والتقدم. وفي ثاني يوم طاف في أسواق حلب ماشيا ليس معه سوى جندي واحد يتفقد شؤون الناس ويطلع على أحوالهم.
مأدبة البلدية لسمو الأمير:
وقد أدبت لسموّه البلدية مأدبة حافلة، جلس على مائدتها نحو من مئة وخمسين ذاتا من وجهاء حلب وعلمائها ورؤسائها الروحيين. وفي انتهاء الحفلة شكر الأستاذ الدكتور السيد عبد الرحمن الكيالي- على لسان البلدية- سموّ الأمير على تنازله بإجابة دعوى «٢» البلدية إلى هذه المأدبة، والتمس منه غض الطرف عما يراه من التقصير فيما يجب لسموه.
حفلة الجمعية العلمية لسمو الأمير:
وفي نحو الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الجمعة ١٤ رمضان دعت جمعية النهضة العلمية سموّ الأمير إلى حفلة أقامتها له في نادي العرب، حضرها وجهاء البلدة وأعيانها، وتبرع الأمير بألف جنيه مصرية للجمعية وبراتب شهري عشر ليرات. وتبرع مولود باشا بخمسين جنيها وبراتب شهري خمس ليرات. وتبرع زكي بك الخرسا بمائتي جنيه وبنفقة عشرة
стр. 1559
تلامذة من أبناء العرب يرسلون إلى مكاتب أوربا. وتبرع السيد عبد الرحمن محّوك بثلاثمائة جنيه وبراتب شهري عشرين جنيها.
وصول برقية من المارشال اللّنبي عن اللجنة الدولية:
في هذه الأيام وصل من المارشال اللّنبي برقية تتعلق باللجنة الدولية، صورتها بعد التعريب:
«تصل إلى الشرق عما قريب اللجنة التي تبحث في الأمور المتعلقة بمستقبل سوريا وفلسطين والعراق السياسي، وذلك بعد أن يكون المندوبون الأمير كيون قد تحقق سفرهم إلى هذه الأقطار. وعندما تنتهي هذه اللجنة من فحص الحقائق المتعلقة بهذا الشأن يقدم أعضاؤها رأيهم إلى مجلس الدول المحالفة العظمى، فيقرر المجلس الأمر تقريرا نهائيا» .
عود سمو الأمير فيصل إلى دمشق:
وفي هذا الشهر عاد سمو الأمير فيصل إلى دمشق فشيّع باحتفال فائق.
الوفد الدولي واجتماع رجال حلب للمذاكرة بما يجيبونه به:
تقرر في المراجع الكبرى الأوربية إيفاد وفد أميركي إلى فلسطين وسورية لاستفتاء أهل البلاد. ولما أنبأ البرق بهذا الخبر عقد علماء حلب ووجهاؤها من جميع الملل جمعية كبرى في قاعة الأستاذ الدكتور السيد عبد الرحمن الكيالي وتذاكروا فيما بينهم بالجواب الذي يجيبون به الوفد الأميركي عن أسئلته. وبعد الأخذ والرد كانت الأكثرية في أن يكون الجواب هكذا:
«نطلب أن تكون سوريا مستقلة بحدودها الطبيعية استقلالا تاما وإذا لم يكن بدّ من إشراف دولة كبرى عليها فلتكن جمهورية أميركا، وإذا رفضت أميركا أن تكون مشرفة عليها فلتكن دولة إنكلترا؛ لا نرضى بإحداهما بديلا» .
ثم أبرقت الجمعية بذلك إلى عصبة الأمم في أوربا.
стр. 1560
أعضاء المجلس العمومي:
في اليوم ال ١٦ من رمضان اجتمع في دار الحكومة المنتخبون الثانويون وانتخبوا سرا أعضاء ليمثلوا الشهباء في المجلس العمومي والمؤتمر السوري الذي سيعقد في دمشق عاصمة سورية.
افتتاح المؤتمر السوري:
وفي يوم الاثنين ٩ شوال دعا سمو الأمير فيصل أعضاء المؤتمر السوري إلى النادي العربي في دمشق. ولما تكامل الجمع فاه بخطاب أبان فيه أن الغرض من هذا الاجتماع تمثيل الأمة السورية أمام اللجنة الأميركية وعرض أمانيها ومطالبها لتقدّمها اللجنة إلى مؤتمر السلام، وسنّ قانون أساسي يكون دستورا لأعمال الأمة في المستقبل ويحفظ حقوق الأقليات.
وبعد هنيهة من الزمن اجتمع أعضاء المؤتمر وقرروا أجوبتهم إلى اللجنة الأميركية، وهي: طلب الاستقلال التام ورفض كل حماية ووصاية على سورية بحدودها الطبيعية المعروفة، ومنع المهاجرة الصهيونية، وعدم تجزئة سورية، وتأليف حكومة دستورية ديموقراطية برآسة الأمير فيصل، وتنظيم قانون أساسي تراعى فيه حقوق الأقليات، والاجتماع على المادة ال ٢٢ من قانون عصبة الأمم، وأنه إذا كان لا بد من إصرار مؤتمر الصلح على انتداب دولة على سوريا لأسرار خفية لا يدرك كنهها، وبناء على تصريحات الرئيس ويلسون- القائلة بأن الدولة المنتدبة تكون لنفع الشعب المندوبة عليه لا لنفعها- فلذلك نطلب هذه المساعدة من دولة أميركا البعيدة عن المطامع الاستعمارية في بلادنا بشروط معينة على ألّا تمسّ هذه المساعدة استقلالنا السياسي، وتكون عبارة عن مساعدة فنية علمية لمدة عشرين سنة فقط. وإذا رفضت أميركا فلتكن هذه المساعدة من دولة إنكلترا بنفس الشروط، وإننا نرفض كل حقّ تدعيه (الدولة الأخرى) مع رفض كل مساعدة تقدمها لسوريا.
وقد استغرقت هذه المناقشة نحو أربع ساعات، ثم قبلت بعد تحوير طفيف بأكثرية ٤٦ صوتا يخالفها ١١ صوتا و ١٦ صوتا عدّ أصحابها مستنكفين.
стр. 1561
وصول اللجنة الأميركية إلى حلب واستفتاؤها الشعب الحلبي:
في منتصف ليلة الخميس ١٦ شوال سنة (١٣٣٧) وصل أعضاء اللجنة الأميركية إلى حلب قادمة عليها من حماة بالقطار الحديدي. وفي الغد أخذت وفود الأقضية ومشايخ العشائر ترد على حلب لمقابلة اللجنة ومكاشفتها عن أميالهم. وفي ثاني يوم تصدت اللجنة لقبول أهل ولاية حلب واستفتائهم عن مصير بلادهم، فكان وجهاء كل محلة من أهل حلب يدخلون على الانفراد غرفة اللجنة ويبدون لها مطالبهم. كما أن كل ذي شخصية بارزة من أهل أقضية الولاية يدخلون فرادى على الغرفة ويصارحونها بمطالبهم. وكان مآل ما طلبه جميع الأهلين «١» مطابقا لما قرر المؤتمر السوري الذي أسلفنا ذكره.
قدوم الشريف ناصر إلى حلب وعوده إلى دمشق:
في يوم الأربعاء ٢٥ شوال سنة (١٣٣٧) وصل الشريف ناصر إلى حلب قادما عليها من دمشق، فاستقبل بحفاوة ونزل في دار الإمارة. وبعد أيام عاد إلى دمشق.
عود ناجي بك السويدي:
في شهر ذي القعدة عاد إلى الشهباء المعاون الملكي ناجي بك السويدي؛ بعد تغيبه ثلاثة أشهر مأذونا لزيارة الأهل والأصدقاء، فاستقبل استقبالا حافلا.
سفر سمو الأمير فيصل إلى أوروبا:
في شهر ذي الحجة سافر سمو الأمير فيصل إلى أوروبا ليكون في اليوم ١٦ من أيلول سنة ١٩١٩ م حاضرا في باريس، وهو اليوم الذي تطرح فيه المسائل السورية على بساط البحث، وقبل سفره أوصى الأهلين بالتؤدة والسكون وانتظار النتيجة وألّا يغرهم ما يشيعه بعض أرباب الأغراض، وأن يكونوا يدا واحدة ولا يدعوا للشر واليأس مجالا.
стр. 1562
قدوم الأمير زيد إلى حلب:
وفي هذا الشهر قدم الأمير زيد إلى حلب، فاحتفل باستقباله. وبعد أن أقام في حلب أياما قلائل- حثّ في خلالها على التطوع العسكري وعلّق الأوسمة على صدر بعض الموظفين الكبار، أوّلهم جعفر باشا- عاد إلى دمشق.
стр. 1563
سنة ١٣٣٨ ه ـ
انسحاب الجيش الإنكليزي من دمشق وحلب:
في شهر ربيع الأول منها انسحب الجيش الإنكليزي من دمشق وحلب، وأصبح أمر الأمن منوطا بالحامية الوطنية المتطوعة؛ إلى أن يتقرر مصير البلاد في مؤتمر الصلح.
كان الأمن مدة احتلال الجيش البريطاني مادّا رواقه في حلب وسائر ملحقاتها، وكانت حركة الاقتصاد في نجاح عظيم لم يسبق له نظير.
مظاهرة:
يوم الخميس ٤ ربيع الأول منها قام طلاب المدارس في حلب على اختلاف طبقاتهم- ومعهم جمهور من الناس- بمظاهرة وطنية احتجاجا على الاتفاق الأخير الذي يرمي إلى تجزئة البلاد، فطافوا في الشوارع ورفعوا الأعلام العربية وقصدوا دار الحكومة، فاستقبلهم الحاكم العسكري وشكر عواطفهم الوطنية، وخطب أحدهم فقال: إننا جميعا متطوعون نضحي أموالنا وأرواحنا في سبيل حريتنا واستقلالنا، وليحي الأمير فيصل.
ثم في يوم السبت ٦ منه قاموا بمظاهرة أخرى نظير المظاهرة الأولى.
بلاغ مندوب حكومتي إنكلترا وفرنسا:
وفي هذا الشهر ورد من الحاكم العسكري في دمشق إلى الحاكم العسكري بحلب كتاب خلاصته: إننا تبلغنا رسميا من المندوبين المومأ إليهما أن الجنود الفرنسية ستحلّ محل الجنود البريطانية في شتورة ورياق وبعلبكّ، حسب القرار العسكري الأخير، احتلالا عسكريا على أن تبقى هذه المناطق مرتبطة من الوجهة الإدارية بالحكومة العربية.
وعلى أثر هذا الخبر انتدب اللواء نوري باشا السعيد إلى مقابلة القائد الفرنسي العام
стр. 1564
في بيروت ليفهمه الأخطار التي تنجم عن هذا الإشغال الذي لا ينطبق على أفكار الشعب.
وبعد بضعة أيام ورد من دمشق على قيادة الفرقة الثالثة بحلب برقية مآلها أن الفرنسيين عدلوا أول أمس عن إشغال بعلبك ورياق وشتورة وحاصبيّا وراشيّا، واكتفوا بإقامة ضابط ارتباط في بعلبك فقط فاستبشر الناس بهذا الخبر.
روابط المحبة بين العرب والأرمن في حلب:
في هذا الشهر أقامت طائفة الأرمن بحلب حفلة شاي في ميتم الأرمن الكائن في خان الصابون برآسة جعفر باشا، حضرها ٥٢ شخصا من وجهاء العرب و ٤٤ من وجهاء الأرمن تبودلت فيها الخطب الودية بين الطرفين، وخطب ناجي بك السويدي فبحث عن وجوب الاتحاد والتضامن بين الأمتين ومدح ثبات الأمة الأرمنية واستعدادها.
عود الأمير فيصل من أوربا:
يوم الأربعاء ٢٣ ربيع الثاني سنة (١٣٣٨) وصل سمو الأمير فيصل إلى بيروت عائدا من باريس، فاستقبلته وفود البلاد السورية استقبالا باهرا. وكان من جملة المستقبلين وفد حلب. وقد أطلقت المدافع تحية لمقامه الملوكي ورفعت له الأعلام العربية على أقواس الظفر المنصوبة بالشوارع.
خطاب الأمير في دمشق:
وبعد أن وصل الأمير إلى دمشق بيوم ألقى خطابا بحضور الجم الغفير، قال فيه ما خلاصته: إنه حتى الآن لم يعقد بينه وبين أيّ كان من الدول الأوربية اتفاق، وإنه لم يتحول عن عزمه الذي ذهب من أجله- وهو طلب الاستقلال- ليس لسورية فقط بل لجميع البلاد العربية، وإنه لا يتزعزع عن هذا العزم إلى آخر لحظة من حياته.
قدوم سمو الأمير فيصل على حلب:
في نحو الساعة التاسعة زوالية صباح يوم الخميس ٩ جمادى الأولى سنة (١٣٣٨) وصل إلى حلب القطار الخاص الذي يقلّ سمو الأمير فيصل فاستقبل أجلّ استقبال كان رسم برنامجه على صفة منظمة.
стр. 1565
سمو الأمير في نادي العرب:
يوم الجمعة ١٠ منه حضر سمو الأمير إلى حفلة أقيمت له في نادي العرب، وألقى خطابا حثّ فيه على الاهتمام بالتجنيد. ومن جملة ما قال فيه:
«إن البلاد لا تتخلص إلا بقدرة الباري وقوة التجنيد، وإن الجنود حرس الاستقلال» .
سفر الأمير:
وفي يوم السبت ١١ منه برح الأمير حلب عائدا إلى دمشق.
تعيين حاكم عسكري على حلب:
وفي جمادى الأولى منها تعيّن عبد الحميد باشا القلطقجي حاكما عسكريا على حلب، وتشكلت فيها متصرفية مستقلة. وبعد أيام قلائل ورد الأمر بإبقاء حلب ولاية كما كانت سابقا.
استقلال سوريا وتتويج سمو الأمير فيصل ملكا عليها:
يوم الاثنين ١٨ جمادى الثانية سنة (١٣٣٨) هـ و ٨ آذار سنة (١٩٢٠) م أعلن استقلال سوريا، وتوج سمو الأمير فيصل في دمشق ملكا على سوريا، فأطلقت مدافع البشرى من قلعة حلب وأقبل وفود المهنئين على الحاكم العسكري ومعاونه. ثم تلا ناجي بك السويدي المعاون صورة البرقية المعلنة بذلك فقابلها الجمهور بالاستحسان، وانبرى الخطباء يعددون فضائل الاستقلال وفوائده. وفي المساء زينت البلدة وقامت الأفراح وعزفت آلات الطرب.
مبايعة رؤساء الطوائف المسيحية في دمشق لجلالة الملك فيصل الأول:
صورة المبايعة بالحرف الواحد
«باسم الله» إننا، نحن الواضعين إمضاواتنا وأختامنا بذيله، الرؤساء الروحانيين للملل التابعة لنا، نقرر ما يأتي:
стр. 1566
لما كان قد وقع اختيار الأمة السورية على تمليك سمو الأمير فيصل ابن جلالة الملك حسين الأول على سوريا بحدودها الطبيعية؛ حضرنا اليوم في دائرة بلدية دمشق العاصمة لتأدية فرض المبايعة. فأصالة ونيابة نقرّ بأنه- مع مراعاة الشرائط السبعة التي ارتبطنا بها مع سموه في أول مقابلة بيننا يوم الاثنين في سادس شهر تشرين الأول سنة ١٩١٨ وهي:
طاعة الله، احترام الأديان، الحكم شورى على مقتضى القوانين والنظامات التي تسنّ لذلك، المساواة في الحقوق، توطيد الأمن، تعميم المعارف، إسناد المناصب والوظائف إلى أكفائها، وقبول سموه بها واحدة فواحدة- نبايعه ملكا على هذه البلاد متعهدين بالطاعة والإخلاص لجلالته والمعاونة لحكومته بكل ما تصل إليه القدرة. وعليه أعطينا هذا الصك تحت إمضاواتنا وأختامنا، مسترحمين صدور إرادة جلالته بنشره في الجريدة الرسمية تصديقا منه وقبولا بمضمونه، داعين لجلالته بطول العمر واستمرار التوفيق لما فيه خير البلاد وترقي أهلها» .
الإمضاوات: بطريرك الروم الأرثوذكس. بطريرك الكاثوليك. مطران السريان الكاثوليك، والقديم. خوري الموارنة. مطران الأرمن قديم وكاثوليك. رئيس البروتستان. حاخام اليهود.
وفد التهاني لجلالة الملك فيصل:
في شهر جمادى الآخرة منها سافر إلى دمشق- لعرض التهاني على جلالة الملك فيصل- وفد مؤلف من قاضي حلب ورؤساء الطوائف والوجوه، مسلمين وغيرهم.
والي الولاية:
ولي حلب رشيد بك طليع. وفي يوم الخميس ٢٠ رجب قدم على حلب فاستقبل باحتفال كبير وأطلقت له المدافع من القلعة تحية وإجلالا.
الاحتفال بالعلم العربي:
في شهر شعبان سنة (١٣٣٨) احتفل بتسليم العلم العربي في جهة المزّة. وقد خرج
стр. 1567
إليها الجيش العربي مشاة وفرسانا، وبعد قيامه بمناورة عظيمة وقف جلالة الملك فيصل والعلم بيده وقال يخاطب القائد:
«إن هذا العلم الذي في يدي لا يزال نقيا طاهرا لم يدخل المعارك ولم يلوّث بالدم، وإن غاية ما أتمناه أن يظل كذلك؛ إلا إذا أهين شرف الأمة وأراد أحد أن ينال من حرمتها، فعند ذلك أريد أن يبرهن هذا اللواء الذي أهدي إليه هذا العلم اليوم على أنه أهل لهذه الهدية، وأنه كيف «١» يفتدي العلم بدمه وكيف يدافع عن الوطن» .
ثم سلّم العلم إلى قائد الجيش. أما المكتوب على العلم فهو هذا، على أحد جانبيه:
«البسملة- وجاهدوا في سبيل الله- إن الله معنا- إنا فتحنا لك فتحا مبينا» . وعلى الجانب الآخر: «لا إله إلا الله محمد رسول الله- اللواء الأول سنة ١٣٣٨- المشاة» .
زيادة الضرائب والدعوة إلى التجند وقيام الفتن في سورية الساحلية:
بعد تتويج الأمير فيصل ملكا على سوريا واستقراره على عرش الملك، بدأت حكومته تزيد في الضرائب وتدعو إلى التجنّد. وكانت العصابات في المنطقة الشرقية السورية- التي تخفق عليها الراية الفرنسية- قد استفحل أمرها. وكانت الدولة المنتدبة المحتلة في سواحل سوريا قد أهمها أمر تلك العصابات وجهزت لقهرها جيشا جرارا، فلم يتسنّ لها قمعها إلا بعد جهود عظيمة وخسائر جمّة. وكثرت الفتن والوقائع في جهات بشارة وأنطاكية وتل كلخ وغيرها من الجهات السورية.
توتر العلائق بين جلالة الملك فيصل وبين الحكومة الفرنسية المنتدبة:
ولما حدثت هذه الأمور أخذ الارتياب من سمو الأمير فيصل يأخذ محلّه من نفوس الحكومة الفرنسية المنتدبة، وكان قد تسرب إليها الشك في إخلاصه لها من خطبة ألقاها في دمشق لمحّ فيها إلى وجوب رفض الانتداب الفرنسي والإصرار على الاستقلال التام، وذلك بعد أن كان ألقى في بيروت خطبة صرح فيها بما يوافق فرانسة ويرمي إلى غرض الرضا بانتدابها.
стр. 1568
أول ما ظهر من نتائج توتر العلائق:
قال الأستاذ الفاضل محمد كردعلي في كتابه خطط الشام ما خلاصته: كان الجنرال غورو المفوض السامي للجمهورية الفرنسية ولبنان يعزز جيشه في الساحل. ثم في ١١ تموز سنة (١٩٢٠) أرسل إلى الملك فيصل كتابا قال فيه: «بينما كانت السكينة سائدة في سوريا أثناء الاحتلال الإنكليزي ابتدأ الفساد يوم حلت جيوشنا محل الجيوش البريطانية، ولا يزال آخذا بازدياد منذ ذلك الوقت» . وأرسل إليه أيضا يوم ١٤ تموز بلاغا يكلفه فيه أن يعطى فرنسا الخط الحديدي من رياق إلى حلب، وأن تلغي حكومة فيصل القرعة العسكرية، وأن يقبل الانتداب الفرنسي والنقود السورية، ويضرب على أيدي الأشقياء.
فطلب الملك مهلة أربع وعشرين ساعة. فانتهت ثم مددت أربعا وعشرين ساعة أخرى، ثم مددت ثانية ولم يجب لانقطاع الأسلاك البرقية. وحينئذ سار الجنرال غورو بجيوشه إلى جهة دمشق واشتعلت نار الحرب في جبال ميسلون بين جيوشه وبين الجيش العربي، يعضده بعض عامة دمشق وبضع مئات من البدو، فكانت الغلبة للجيوش الفرنسية. ثم أعلم الجنرال غورو الملك فيصلا أنه مستعد أن يتوقف عن الزحف إذا قبل بموادّ الإنذار السابق وبشروط بيّنها له- مذكورة في خطط الشام- فتأخر جواب الملك فيصل عن هذا الإنذار، فاستمرت الجيوش الفرنسية على الزحف إلى أن دخلت دمشق في اليوم ال ٢٥ تموز سنة (١٩٢٠) بعد أن قتل من الجيش العربي مقتلة عظيمة. وأسر منه العدد الكبير على الوجه الذي حكاه الأستاذ محمد كردعلي في خططه مفصلا.
ذكر ما حدث في حلب أثناء هذه الحرب:
وفي أثناء هذه الحرب ورد الأمر من قيادة دمشق إلى القيادة العسكرية العربية بالاستعداد إلى مقاومة الجيوش الفرنسية. فاستعدت القيادة للمقاومة على زعمها بإعداد جيش من الجند الوطني لا يزيد عدده على بضع مئات، ونشرت الدعوة للمقاومة بين العامة واستدعت بعض قبائل الأعراب من ضواحي حلب، وخرجت العامة إلى الثكنة العسكرية وطلبوا من القيادة السلاح فلم تعطهم. وطلب الجند منها عددا من المدافع فأجابتهم بأن ما هو موجود منها في الثكنة مختلّ لا يصلح للاستعمال.
стр. 1569
ثم ورد الأمر من القيادة في دمشق بالتسليم وعدم المقاومة، ثم ورد بالمقاومة. غير أن الحكومة الحلبية حينما رأت هذا التذبذب في الأمر وضعف الأمة عن المقاومة، عقدت مجلسا من أعيان حلب ووجهائها للاستشارة في هذه المسألة فاختلفت الكلمة في ذلك.
وأخيرا رأى حضرة كامل باشا القدسي أن المقاومة تضر بالبلدة فضلا عن كونها لا تؤدي إلى الغرض المطلوب، وقد أقام على ذلك ما لا يمكن دحضه من الأدلة والبراهين. وقوله في ذلك حق لامراء فيه ولا سيما وهو رجل عسكري محنك. وعليه فقد أذعن الحاضرون إلى رأيه وقرروا التسليم بالطّوع والرضا.
منشور ألقته الطيارة على حلب:
وقبل قدوم الجيش الفرنسي إلى حلب ألقت طيارة مئات من نسخة منشور باللغة العربية خلاصته: أن فرنسا لا تتعرض إلى استقلالكم ولا تدعو إلى التجنيد، وهي تخفف عنكم الضرائب ولا تعمل بسلطتها ضدكم، ولا تتعرض إلى الموظفين الوطنيين؛ بل تبقي كل واحد منهم في وظيفته، وإن مقاومة جيشها يضرّ بالبلد وأهلها ويضطر فرنسا إلى عمل لا تحمد عقباه. وهو منشور طويل هذا فحواه.
والي حلب:
في شهر ذي القعدة سنة (١٣٣٨) ولي حلب حضرة ناجي بك السويدي.
دخول الجيش الفرنسي إلى حلب:
صباح يوم الجمعة ٨ ذي القعدة سنة (١٣٣٨) وفي ٢٣ تموز سنة ١٩٢٠ م احتلت الجيوش الفرنسية مدينة حلب، وأشغلت بعض النقاط في أطراف البلدة ولم يحدث أقل حادث.
وفي صباح يوم الجمعة المذكور جرى الاحتفال بقدوم الجنرال «ده لا موط» قائد الجيوش الفرنسية في المنطقة الشمالية السورية، فزار مقام الولاية وألقى خطابا قوبل بالاستحسان. وإليك ترجمته:
«أيها السادة: إن فرنسا وجنودها لم تدخل هذه البلاد بصورة عدائية، ولا مقصدها
стр. 1570
الاستيلاء على البلاد ولا استعمارها؛ بل إن الواجب الوطني هو الذي ألقي على عاتقها لرقي البلاد وإسعادها وإيصالها إلى أقصى درجات الرقي والعمران. ولذلك فإن الحكومة باقية على ما هي عليه، محافظة على شكلها وموظفيها وقوانينها وأحكامها.
لذا، فإني أطلب من جميع رؤساء الدين والأشراف والأعيان والأهالي دوام الألفة وازدياد المحبة بين جميع طبقات الأمة وإطاعة أوامر الحكومة، وبذلك يكونون سعداء، وعلى الأخص فيما إذا تحققت أمانيهم برؤيتهم هذه البلاد سعيدة حرة مستقلة. اه» .
رفع استقالة:
رفع حضرة ناجي بك السويدي والي الولاية استقالته إلى وزارة الداخلية فقبلت.
والي الولاية الجديد:
يوم الثلاثاء ١٩ ذي القعدة سنة (١٣٣٨) ٣ آب سنة (١٩٢٠) م عيّن سعادة كامل باشا القدسي من كبار أعيان حلب واليا للولاية.
стр. 1571
إجمال في الكلام على الأمة الفرنسية المحترمة «١»
مملكة فرنسا، ومن أين أتى إليها هذا الاسم ؟
ذكروا أن هذه المملكة قديمة العهد واسعة الحد، وأنها كانت تضم إليها جميع مملكة البلجيك وسويسرا وضفاف نهر الرين وبلاد فرانسا الحالية، وأنه كان يسكنها قديما أقوام يقال لهم إيبير وبسك وسكسكون. ثم قبل المسيح بنحو ألفي سنة زحف عليها أقوام يقال لهم الغال وسلتيك، وغيرهم من أمم البربر. وفي سنة ٥٨ ق. م زحف عليها القائد الروماني يوليوس قيصر واستخلصها من يد أهلها. وسماها الرومانيون غاليه، واليونانيون سلتيك.
وبعد أن اضمحلت الدولة الرومانية زحف على هذه المملكة أمم من البربر يقال لهم ويزيكوت- توطنوا الجهة الغربية- وبرغوند: توطنوا منها الجهة الشرقية، وفرانك:
توطنوا منها الجهة الشمالية. ثم زحف عليها أتيلا ملك الهون فتألبت عليه هذه الطوائف وطردته عنها. وكانت طائفة فرنك أعظم الطائفتين بلاء في طرده، فترأست عليها وسميت تلك البلاد باسمها وصارت تدعى فرنسا، التي أصلها فرنك، والعرب يسمونها فرنجة.
ومن ذلك الوقت دخلت تحت تملك الملوك الفرنسيين.
وقد قسم المؤرخون ملوك فرنسا إلى ثلاث سلاسل، فحذونا نحن حذوهم. وسنتكلم في الآتي من هذا الإجمال على كل سلسلة منهم وعلى ما كان من الحوادث العظيمة في أيامهم.
ديانة سكان تلك البلاد:
كان الغاليّون يعبدون إلها اسمه «توتاتيس» وغيره من الأوثان، وكانوا يقدمون له الضحايا من نبات الحقول ولا سيما ورق البلوط المسمى (دكى) ، وهم يسمون كهنتهم
стр. 1572
(درويد) . وقد جعلوهم عليهم حكاما وعلماء وكهنة، وكانوا يتّشحون بثياب طوال سود ويعقدون على رؤوسهم أكاليل من ورق البلوط. وكان الفرنك يدينون بالوثنية ويعبدون إلها اسمه أودين أي إله الحرب.
متى دخلت النصرانية تلك البلاد ؟
يذكر أن أول من دعا للنصرانية في هذه البلاد هو العازار الذي أحياه المسيح.
أول من تنصر من ملوك فرنسا:
وأن أول ملك من ملوك فرانسة اعتنق الديانة المسيحية هو الملك كلوفيس حفيد مى روى، أول ملك من ملوك السلسلة الأولى الفرانسيين، وذلك سنة ٤٩٦ م. وكانت زوجته كلوتيد مسيحية، وقد عمد في عيد ميلاد هذه السنة في كنيسة رانس في حضور جم غفير.
السلسلة الأولى من ملوك فرانسة:
هذه السلسلة تدعى الميرونجيين. وأول من ملك منها على فرانسا هو الملك مى روى تسلم زمام الدولة الفرنسية حينما صارت تعرف بهذا الاسم. وبعد وفاته خلفه أولاده ثم حفدته وكان أعظم ملوك هذه السلسلة الملك كلوفيس- أحد حفدة الملك مى روى- وأما الباقون من ملوكها، الذين هم أولاد كلوفيس وحفدته، فلم يرافقهم النجاح في أعمالهم لاستيلاء التواني عليهم حتى عرفوا باسم الملوك المتوانين، ولهذا تغلب عليهم أحد وزرائهم المسمى شارل مرتيل وصار ملكا على فرانسا، وهو الذي حارب العرب في جبهات بواتيه وانتصر عليهم.
السلسلة الثانية:
ثم إن بيبان (القيصر) اتحد سنة ٧٥٢ م/ ١٣٥ هـ مع البابا ضد اللومبرديين فتوّجه ملكا. وبذلك انتهت سلسلة الملوك الميرونجيين- التي هي السلسلة الأولى من ملوك فرانسا- وابتدأت سلسلة ملوك فرانسا الثانية التي أول ملك منها بيبان المذكور. ولما آل ملك فرانسا إلى شرلمان- الذي هو أعظم ملوك هذه السلسلة- اهتم بإعلاء شأن بلاده
стр. 1573
فوسّع نطاقها حتى وصلت حدودها إلى نهر الألب من جهة ألمانيا، وإلى مدينة رومية من جهة إيطاليا، وإلى الأبير من جهة إسبانيا، وإلى نهر الدانوب من جهة النمسا. وقد توّجه البابا لاون الثالث إمبراطورا في مدينة رومية سنة ٨٠٠ م/ ١٨٤ هـ، وكان النصر حليفه في أكثر حروبه. ونهضت مملكته في أيامه نهضة عظيمة فكثرت الإصلاحات الإدارية والمشاريع العلمية والأدبية. وكان صديق الخليفة هارون الرشيد العباسي.
وقد تلقى الامبراطور شرلمان من علماء العرب علوما جليلة. ثم مات سنة ٨١٤ م/ ١٩٩ هـ وخلّف ثلاثة أولاد، فانقسموا على بعضهم وحدث بينهم عدة معارك، ثم اصطلحوا وقطعوا بواسطة الأساقفة عهودا بينهم في مدينة فردون سنة ٨١٦ م/ ٢٠١ هـ على أن تكون البلاد- التي على الضفة الشرقية من الرين- إلى لويس، وقد سميت بلاد جرمانيا. والبلاد الغربية بين البحر ومجرى نهر الرون ونهر السون والموز إلى أخيه كارلس الأصلع، وسميت بلاد فرانسا. وبلاد إيطالية والرون والسون- وما هو كائن من البلاد بين الموز والرين- إلى أخيهما لوتير. وسميت بلاد اللوتير نجي ومنها اللورين.
ثم إن بلاد فرنسا التي يملكها كارلس الأصلع استولى عليها الضعف بعد هذا التقسم، وطمع فيها النور منديون «١» وهم أسلاف سكان نرويج ودنمارك، فهجموا عليها عدة مرات فلم يفلحوا. ثم مات كارلس الأصلع وولده لويس الالثغ، وعادت مملكة شارلمان العظيمة إلى ما كانت عليه من القوة والمنعة وصارت كلها تحت راية واحدة يقبض عليها ملك واحد اسمه كرلس السمين. وفي ذلك الوقت عاد النورمنديون وزحفوا على هذه المملكة، فعجز الشرلمانيون عن مقاومتهم، واستمر النورمنديون على زحفهم حتى صاروا على أبواب العاصمة باريس وشددوا عليها الحصار. وحينئذ تجرد إليهم الكونت أود فدحرهم وولوا منهزمين.
وبعد أن توفي لويس الخامس ابن لوتير وحفيد لويس الرابع وكرلس البسيط رأى الأساقفة ووجوه أهل المملكة أن الشرلمانيين لم يقلعوا عن توانيهم، فقرروا أن ينزعوا الملك منهم ويسلّموا صولجانه إلى حفيد الكونت أود- واسمه هوك كابه- وذلك سنة
стр. 1574
٩٨٧ م/ ٣٧٧ هـ وبذلك انتهت سلسلة الشرلمانيين الثانية من سلسلة ملوك فرانسة وابتدأت السلسلة الثالثة منهم.
السلسلة الثالثة:
هذه السلسلة تسمّى ملوكها بالملوك الكابيسيين الذين دام تملكهم على المملكة الفرنسية من سنة ٩٨٧ م/ ٣٧٧ هـ إلى سنة ١٨٤٨ م/ ٤٦٥ هـ. وقد علمت أن أول ملك من ملوك هذه السلسلة هو الملك هوك كابه وإليه تنتسب هذه السلسلة.
على أن ملوك هذه السلسلة قد قصروا اهتمامهم في بدء أمرهم على مقاطعتهم الخصوصية، وهي مقاطعة إيلدو فرانس، ولم يتلفتوا إلى باقي المملكة الفرنسية، فاستبد بها حكامها واستقلوا بأحكامها وصاروا مثل ملوك الطوائف (feodalite) في أيام ضعف الخلفاء العباسيين، ولم يبق للملوك الكابيسيين سوى سلطة اسمية وأمور شرفية وبعض امتيازات لا فائدة في ذكرها.
وقد تعاقب ملوك هذه السلسلة على عرش فرانسا الخيالي، وكانوا على التمادي يزدادون ضعفا ووهنا ومنهم الملك روتير التقي، الذي كان ملكا من سنة ٩٩٦ م/ ٣٨٦ هـ والملك هنريكيس الأول الذي كان ملكا من سنة ١٠٣١ م/ ٤٢٣ هـ إلى سنة ١٠٦٠ م/ ٤٥٢ هـ، وفيلبوس الأول الذي ملك من سنة ١٠٦٠ م/ ٤٥٢ هـ إلى سنة ١١٠٨ م/ ٥٠٢ هـ وكرلس البسيط الذي أعطى النورمنديين مقاطعة فوستريا مع مدينتي (روان وكان) ، فسميت هذه المقاطعة باسمهم. وقد استفحل أمرهم حتى استولوا على بلاد إنكلترا وتتوج قائدهم الدوك (غليوم) الغازي ملكا في لوندرة فأصبح أعظم قدرة وصولة من ملك فرنسا، مع أنه تحت حكم ملك فرانسا. ثم لما ملك لويس السادس- المسمى لويس الضخم أو لويس النبيه- بعد فيلپوس الأول باشر الحرب ضد ملوك الطوائف. وقد امتد ملكه من سنة ١١٠٨ م/ ٥٠٢ هـ إلى سنة ١١٣٧ م/ ٥٣٢ هـ.
وكانت حروب الصليبيين قد بدأت منذ سنة ١٠٩٦ م/ ٤٩٠ هـ وامتدت حتى سنة ١٢٧٠ م/ ٦٦٩ هـ وعدد حملاتها ثمانية. وقد استولى الصليبيون في هذه المدة على القدس ونواحيها. ثم عادت إلى حكم المسلمين بسبب ضعف الصليبيين وانقسامهم على بعضهم.
وقد نهض الصليبيون في تلك الأيام نهضة عظيمة في العلوم والفنون ولا سيما في فن الهندسة.
стр. 1575
وسبب ذلك أن الاعتقاد كان سائدا بين الأمم الغربية بأن العالم سينتهي في حدود سنة ١٠٠٠ م/ ٣٩١ هـ فلما انقضت هذه السنة ولم يحدث شيء من ذلك ساء اعتقادهم في التكهّنات والتفتوا إلى الاهتمام بالعلوم والهندسة الكنائسية. وتولى الملك لويس السادس سنة ١١٣٧ م/ ٥٣٢ هـ وخلفه ابنه البكر لويس السابع. وبقي في الملك إلى سنة ١١٨٠ م/ ٥٧٦ هـ. وكان في أثناء تملكه مجدا في الحروب الصليبية بدلا عن أن يستخلص بلاده من ملوك الطوائف.
ثم خلفه الملك (فيلبوس أغستوس) واستمر ملكه إلى سنة ١٢٢٣ م/ ٦٢٠ هـ فاشترك مع إمبراطور ألمانيا (فريدريك باربروس) وملك الإنكليز (ريشار قلب الأسد) في الحرب الصليبية في الحملة الثالثة وتحاربوا مع صلاح الدين الأيوبي. ثم رجع الملك فيلبوس إلى فرنسا قبل ملك الإنكليز. وأخذ مقاطعتي (البواتو) والنورمنديين الذين كان الإنكليز قد طردهم من بلادهم واستولوا على أصل مقاطعتهم وكسر فيلبوس الإنكليز المتحالفين مع ألمانيا وذلك سنة ١٢١٤ م/ ٦٢٥ هـ. وهذه المعركة تعرف بمعركة (بووين) . ومن آثار الملك فيلبوس أغستوس قصر اللوفر الشهير في باريس فهو الذي بناه وأسس فيها الكلية الشهيرة أو مجتمع المعلمين والطلبة.
ثم مات الملك فيلبوس سنة ١٢٢٣ م/ ٦٢٥ هـ وخلفه الملك لويس الثامن فبقي ملكا من هذه السنة إلى سنة ١٢٢٦ م/ ٦٢٣ و ٦٢٤ هـ فلم يمكّنه قصر مدته إلا من محاربة هرطقة الألبيجينيين الناكرين أهم العقائد المسيحية.
ثم مات وخلفه الملك لويس التاسع الذي يسمونه القديس لويس. ولما كان صغيرا تملكت عوضه أمه الشهيرة باسم (بلانشة دي كستيل) فربته أحسن تربية. ولما بلغ رشده تسلم زمام الملك وأقدم على الحملتين الأخيرتين من حملات الصليبيين فوصل إلى مصر، واستولى على دمياط وعجّب الأتراك بشجاعته. ثم رجع إلى بلاده وحارب الإنكليز وانتصر عليهم في مدينتي (تيبرغ) و (سانت) . ثم أرجع لهم مقاطعة (البواتو) على شرط ألّا يعودوا يتعدّون على مقاطعة (نورمنديا) وامتاز الملك لويس بعدله وانعطافه على الشعب.
ثم باشر سنة ١٢٧٠ م/ ٦٦٩ هـ الحملة الثامنة الأخيرة من حملات الصليبيين فدخل جهات تونس وقد تفشى الطاعون في عسكره. ثم أصيب به ومات في هذه السنة.
стр. 1576
وخلفه ولده فيلبوس الثالث المسمى بالجسور وملك حتى سنة ١٢٧٥ م/ ٦٨٤ هـ فترك الحملة الصليبية وحمل جثة أبيه إلى فرنسا ولم يمتز عن غيره بشيء من الأعمال. أما خلفه، وهو ولده حفيد فيلبوس، الجميل الذي ملك من سنة ١٢٨٥ إلى سنة ١٣١٤ م/ ٧٤٤ هـ فإنه أظهر اقتدارا عظيما في توطيد سطوة الملك وتوسيع نطاق المملكة، وقاوم البابا (بونيفاس) الثامن فحرمه البابا، فازداد مقاومة. ثم مات فخلفه ابنه لويس العاشر. ومات بعد سنتين ولم يخلف سوى بنت واحدة. ولما كان القانون الفرنسي المسمى (الساليك) يمنع تملّك النساء خلفه أخوه فيلبوس الخامس. وبعد ست سنوات مات عن غير ولد ذكر، فخلفه أخوه كرلس الرابع الجميل بحكم القانون المذكور، فمات بعد ست سنوات أيضا وذلك في سنة ١٣٢٨ م/ ٧٢٩ هـ ولم يخلف ذكرا فخلفه ابن عمه فيلبوس السادس دي فالوا.
حرب فرنسا وإنكلترا مائة سنة وسنة:
ولما كان صولجان الملك قد خرج من يد الأسرة الملوكية ترشح للملك ملك إنكلترة (إدوار) الثالث، الذي كان متوليا على أراضي واسعة في بلاد فرانسا وبثّ الدسائس وثارت الأحزاب، فأعلن نفسه ملكا على فرنسا وإنكلترا، وذلك في سنة ١٣٣٦ م/ ٧٣٧ هـ فنشأ عن هذا العمل تلك الحرب الشهيرة التي دامت مدتها أكثر من مائة سنة بين الإنكليز والفرنسيس، وهي تقسم إلى أربعة أقسام: (١) وهو على عهد الملك فيلبوس السادس والملك يوحنا الصالح، فكان في مدة هذين الملكين الانتصار للإنكليز.
(٢) وهو على عهد الملك كرلس الحكيم، وكان فيه الانتصار للفرنسيين بواسطة القائد الشهير (دو كيكلان) .
(٣) كان بعد جنون الملك كرلس السادس، وانحاز فيه النصر إلى جانب الإنكليز.
(٤) على عهد الملك كرلس السابع، وتحتم فيه النصر للفرنسيين بواسطة الشجاعة الشهيرة (جاندارك) القروية الراعية.
стр. 1577
وأشهر ما جرى في تلك الحرب الطويلة هو:
(١) معركة كربسى. وفيها استعملت المدافع أول مرة في العالم، استعملها الإنكليز، وكانت قنابلها من الحجارة ولها دوي وحفيف دون أن يحصل منها تأثير يذكر. وذلك سنة ١٣٢٨ م/ ٧٢٩ هـ تقريبا.
(٢) انتصارات دو كيكلان، فإنه لم يترك للإنكليز سوى بعض المواني، أي مدينة (كاله) و (ستراسبورغ) و (بوردو) و (بايون) .
(٣) انتصار جاندارك: انتصارات القروية الراعية الطائرة السمعة (جاندارك) فقد حداها سائق إلهي إلى أن تقصد الملك الإفرنسي كرلس السابع وأن تخرج الإنكليز، ففعلت ذلك وطردت الأعداء عن آخرهم من مدينة أورليان في ٨ أيار سنة ١٤٢٩ م/ ٨٢٣ هـ.
وقد أصبح هذا التاريخ عيدا رسميا للحكومة الفرنسوية علاوة على عيد ١٤ تموز الآتي ذكره.
وبعد هذه الانتصارات الباهرة حضر الملك كرلس إلى مدينة (رانس) حيث مسح رسميا ملكا على فرنسا في ١٧ تموز سنة ١٤٢٩ م/ ٨٣٣ هـ.
ولما قصدت أن ترجع إلى قريتها وقطيع ماشيتها سمعت أن مدينة (كومبيانيا) في خطر عظيم فأسرعت إلى إنقاذها وتقدمت لقتال العدو، فوقعت أسيرة بين يدي المحاصرين فباعوها إلى الإنكليز. وبعد محاكمتها حكم عليها بأن تحرق حية، زاعمين أنها مهرطقة ساحرة.
فنفذ الحكم عليها في مدينة (روان) في ٣٠ أيار سنة ١٤٣١ م/ ٨٣٥ هـ. وبعد وفاتها فسخ البابا ذلك الحكم وأعلن براءتها رسميا. وجميع المسيحيين الكاثوليك- حتى إنكلترة منهم- يحترمونها كقدّيسة، ويقيمون لها احتفالا تكريميا في اليوم الثامن من أيار كل سنة.
أسماء التواريخ العالمية عند الأوروبيين:
انتهت تلك الحرب الطويلة سنة ١٤٥٣ م/ ٨٥٧ هـ، وهي السنة التي استولى فيها السلطان محمد الفاتح على مدينة قسطنطينية. فجعل المؤرخون الأوروبيون هذه السنة نهاية تاريخ القسم الثاني من تاريخ العالم العام، وهو القسم المعروف عندهم بتاريخ الأجيال المتوسطة. وبعد هذه السنة يفتتحون القسم الثالث من تاريخ العالم العام وهو المسمى تاريخ
стр. 1578
الأزمنة الحالية، وهو ينتهي سنة ١٧٨٩ م/ ١٢٠٤ هـ أي في ابتداء الثورة الفرنسية العظيمة الآتية الذكر. وكان الفرنسيون قد تمكنوا بعد الحرب المذكورة من طرد الإنكليز من فرنسا كلها بحيث لم يبق لهم فيها سوى مدينة كالة التي استمرت تحت سيطرتهم مدة مائة سنة بعد ذلك. ومات الملك كرلس السابع بعد أن جهز أول مرة في فرنسا جيشا منظما مرابطا ووضع أول ضريبة ثابتة. وكانت وفاته سنة ١٤٦١ م/ ٨٦٦ هـ.
فملك بعده الملك لويس الحادي عشر، وكانت عناية هذا الملك واهتمامه منصرفين إلى توحيد دولة فرنسا وتثبيت سلطة الملك وانتصاره على ملوك الطوائف. فتحالفت الطوائف عليه تحت رياسة كرلس الجسور، فانتصر عليهم وانضمت مقاطعات (بوركونيو) و (آنجو) و (بروفانس) و (روسيون) إلى مقاطعات الملك، ونشط فن الطباعة في فرنسا وكان قد تم اختراعه عن يد (غوتنبرغ) الألزاسي في مدينة (ستراسبورغ) سنة ١٤٥٠ م/ ٨٥٤ هـ. ومات الملك لويس الحادي عشر سنة ١٤٨٣ م/ ٨٨٨ هـ وساست المملكة بعد موته ابنته حنّة دي بوجو، لأن ابنه كرلس الثامن كان قاصرا. ثم لما كبر واستلم زمام الملك أضاع وقته وأفقد فرنسا مواردها في حروبه التي أقامها في بلاد إيطاليا، فقد غزا مملكة (نابلي) ثم خسرها. ومات في سنة ١٤٩٨ م/ ٩٠٤ هـ.
وخلفه ابن عمه لويس الثاني عشر، وكانوا يسمونه أبا الشعب أو الملك لويس اللطيف لفرط حلمه وعطفه على الجميع. وحارب في إيطاليا كسابقه فلم يفلح. ومات سنة ١٥١٣ م/ ٩١٩ هـ. وخلفه ابن عمه فرنسيس الأول فحارب أيضا في إيطاليا وانتصر في (مارينيان) واستولى على (ميلانو) وتعاهد مع البابا (لاوون) العاشر، فسمح له الباب أن يعين أساقفة فرنسا. وفي أيامه اشتهر القائد العظيم (بايار) . وحارب الملك فرنسيس الأول أيضا الإمبراطور كرلس الخامس، الذي كان مستوليا على بلاد إسبانيا وبلجيكا وألمانيا والنمسا وعلى قسم عظيم من أراضي أميركا التي كان قد اكتشفها (خرستوف كولومبس) سنة ١٤٩٢ م/ ٨٩٨ هـ. وقد اتسع ملك الملك كرلس الخامس إلى درجة يمكنه أن يقول مفتخرا: إن الشمس لا تغرب عن ممالكي.
فقام الملك فرنسيس الأول يحارب ذلك الملك العظيم ودامت الحرب بينهما وبين
стр. 1579
حلفائهما ثلاثين سنة، وانتهت في معاهدة (كاتو كامبريزبس) سنة ١٥٥٩ م/ ٩٦٧ هـ وقد استولت فرنسا على مدينة (متس) و (تول) و (فردون) وأخذت مدينة كالة من الإنكليز، وكانوا تحالفوا مع فيلبوس الثاني خلف كرلس الخامس. ومات الملك فرنسيس الأول سنة ١٥٤٧ م/ ٩٥٤ هـ.
وخلفه الملك هنريكوس الثاني. ومات سنة ١٥٥٩ م/ ٩٦٧ هـ أي في سنة المعاهدة المذكورة. وفي هذا التاريخ نهضت فرنسا نهضتها العلمية الأدبية العظيمة التي كان أسسها الملك فرنسيس الأول حتى استحق أن يلقب بأبي الأدب. فكثر المؤلفون الفرنسيون والمتفننون والمهندسون في كل نوع من أنواع العلوم والفنون، ومنهم (مارو) الشهير و (رونسار) و (ربله) و (مونتانيو) والأسقف (أميو) وغيرهم. وكان فرنسيس الأول على أحسن العلاقات مع السلطان سليمان القانوني، وقد منحه عدة امتيازات في بلاد الشرق ولا سيما في سوريا ولبنان. وهنالك معاهدة طويلة ذات شأن بين الملكين في شأن مسيحيي هذه البلاد.
ظهور المذهب البروتستاني:
وظهرت في تلك الأيام أيضا الهرطقة العظيمة المسماة بالهرطقة البروتستانية التي ابتدعها الراهب (مرتان لوتير) الألماني وأعوانه: يوحنا كلويس الفرنسي وزونيكل السويسري، و (هنريكوس) الثامن ملك إنكلترا. فخرج عن طاعة البابا أمم عظيمة. ولم يزل هذا المذهب منتشرا حتى اليوم في بلاد ألمانيا وإنكلترا وبعض الأقطار الأميريكية.
وقد استبدت ملوك فرنسا في ذلك التاريخ وثقلت وطأتهم على الشعب حتى سمي ذلك الدور دور السلطان المطلق. وملك بعد هنريكوس الثاني سنة ١٥٥٩ م/ ٩٦٧ هـ فرنسيس الثاني. وفي سنة ١٥٦٠ م/ ٩٦٨ هـ توفي وخلفه كرلس التاسع، واستمر في الملك إلى سنة ١٥٧٤ م/ ٩٨٢ هـ. ثم مات وخلفه هنريكوس الثالث واستمر في الملك إلى سنة ١٥٨٩ م/ ٤٩٨ هـ ومات، فانطفأت بعده أسرة (فالوا) المالكة لأنهم لم يكن لهم خلف ذكر، فقامت بدلا منها أسرة (البوربون) المتسلسلة عن الولد الأصغر للملك لويس التاسع القديس والمالكة إلى سنة ١٨٤٨ م/ ١٢٦٥ هـ. أما ملك فرنسا هنريكوس الثالث الذي اقترن بملكة (اسكتلانده) الكاثوليكية الشهيرة (بماري ستوار) فإنه لم يذكر له التاريخ
стр. 1580
أثرا سوى تجسم الأحزاب في فرنسا بين البروتستانت والكاثوليك. وكانت الملكة ستوار تشايع الكاثوليك وتقاوم البروتستان حتى إنها أحرقت أخيرا شهيدة الكثلكة.
وقد طالت الحرب بين أهل المذهبين وأريقت الدماء وقتل عدد من الوزراء ووجوه القوم من كلا الفريقين، حتى تملك أخيرا على فرنسا هنريكوس الرابع سنة ١٥٨٩ م/ ٩٩٨ هـ وكان بروتستانيا إلا أنه سنة ١٥٩٣ م/ ١٠٠٢ هـ ترك مذهبه وصار كاثوليكيا ليرتضيه الفرنسيون ملكا عليهم. وفي ذلك التاريخ دخل باريس وقد تمهدت العقبات أمامه فحسم النزاع بين الكاثوليك والبروتستان وأصدر أمرا يعرف بمنشور (تنط) منح فيه حرية الدين للبروتستان، وأنهى الحرب مع إسبانيا بمعاهدة (ويروين) وأجرى بواسطة وزيره (سولى) عدة إصلاحات تتعلق بالزراع والطبعة السفلى من الشعب. وفي أيامه بنيت في إمريكا المدينة الإفرنسية الأولى المعروفة باسم (كيبك) . ثم قتل الملك أحد المتحزبين المتطرفين، واسم القاتل فرنسيس رارايك في ١٤ أيار سنة ١٦١٠ م/ ١٠١٩ هـ.
وكانت حدود فرنسة في تلك السنة على هذه الصفة، وهي: أن هذه المملكة كانت تمتد من الجهة الشمالية إلى نهر السوم عدا شاطىء البحر حيث كانت تصل إلى مدينة كاله.
أما المقاطعتان الحاليتان (فلاندره) و (أرتوا) فإنهما كانتا ملحقتين بإسبانيا. وكانت فرنسة تملك من الجهة الشمالية الشرقية مدينة (متس) و (تول) . وأما بلاد الألزاس واللورين و (الفوج) فكانت تخص مملكة ألمانيا وفي الشرق كان نهر السون يحد فرنسة ومقاطعة (البرسمونيو) على يمينه ملحقة بفرنسه وعلى يساره مقاطعة (الفرانش كونتى) ملحقة بإسبانيا. وكانت مقاطعة (الساوا) و (كونتيته نيسى) في الجنوب الشرقي خاصة (دوك سارا) . وكانت مملكة فرانسة في جهة الجنوب منفصلة عن جبال البيريين بمقاطعة (الروسيون) التي كانت بعد إسبانيولية. وكانت مقاطعتا (البيارن) و (النافار) مستقلتين. وكانت المستعمرات الفرنسية محصورة في بلاد الكندة من إمريكا لا غير.
ولما قتل الملك هنريكوس الرابع كان ابنه لويس الثالث عشر لا يتجاوز التاسعة من عمره فنابت عنه أمه (ماري دي ميدى) من أسرة إيطالية معروفة، فالتفّ حولها حاشية إيطاليانية أضرت بمصالح فرنسة كثيرا، وهذه الحاشية تعرف بأسرة كونسينى، فاضطربت
следующие страницы →