← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ومنهم: ١٦٨ - أبو الخطاب (١) عمر بن الحسن بن علي بن محمد بن الجميل بن فرح بن دحية بن خليفة الكلبي المعروف بذي النسبين (٢)، الأندلسي البلنسي (٣) الحافظ. وقف للإطلاع على كل ثنية، وهتف للاستطلاع بكل قضية، وقاد نافر اللغة عنفا حتى جعل الغريب قريبا، والحوشي (٤) ربيبا (٥)، وأتى بها إلى الحاضرة قسرا من باديتها، وقهرا في تأديتها، فعادت إلى الحسنى، ورقّ كلامها، ودق حتى خفي

стр. 2137

أكمامها (١)، وله رسائل حوشية كتبها لتدل على غزارة مادته، وإنارة جادته، وقد أضربت عن ذكرها صفحا، ولم أسمع لها صدحا، لثقل وطأتها على الأسماع، وشدة نفرتها للطباع، كأنها كلام النائم، ونقيق الضفادع في الليالي العواتم، تظن أنها ليست مركبة من الحروف، ولا دالة على معنى معروف، على أن له في أخر ما يخف، ولكنه مما لا يشف، ولا يندى (ص ٣١٥) ورقه، ولا يرف، فلذلك - أيضا - ألغيتها، وأعرضت عنها، فما أردتها، ولا ابتغيتها. كان من أعيان مشايخها، ومشاهير الفضلاء، متقنا لعلم الحديث النبوي، وما يتعلق به، عارفا بالنحو، واللغة، وأيام العرب وأشعارها. اشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها، ومشايخها، ثم رحل منها إلى بر العدوة، ودخل مراكش، واجتمع بفضلائها، ثم ارتحل إلى إفريقية، ومنها إلى الديار المصرية، ثم إلى الشام، والشرق، والعراق، وسمع ببغداد من بعض أصحاب ابن الحصين (٢)، ودخل إلى عراق العجم، وخراسان، وما والاها، ومازندران (٣)، كل ذلك في طلب الحديث، والاجتماع

стр. 2138

بأئمته، وأخذ عنه وهو في تلك الحال، وقدم مدينة إربل سنة أربع وستمائة، وهو متوجه إلى خراسان، فرأى صاحبها الملك المعظم مظفر الدين (١) مولعا بعمل مولد النبي ﷺ عظيم الاحتفال به، فعمل له كتابا سماه "التنوير في مولد السراج المنير"، وقرأه عليه بنفسه، وختمه بقصيدة طويلة، فأعطاه المعظم ألف دينار، وله عدة تصانيف (٢). وتوفي يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث، وثلاثين، وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم، ومولده في مستهل ذي القعدة سنة أربع، وأربعين، وخمسمائة.

стр. 2139

ومن متقدميهم بالديار المصرية: ١٦٩ - الحافظ الفقيه (١) أبو جعفر بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي (٢) الحنفي. الذي جمع بفقهه بين المذهبين، وطلع بتصنيفه في المذهبين (٣)، تاهت به طحا، وباهت به الشمس في الضحى، وأصبحت تضاهي النجوم بقعتها، وتظاهر صفيح (ص ٣١٦) الغيوم نقعتها (٤)، وتشرق سنى، وتغدق منى، ويعرج عليها ساري كل ركاب، وسائر كل طلاب (٥)، ويقف بها مغبّطا لبلده الذي فتنت بفوائده، وكلفت (٦) بعوائده، يهيم بغرر (٧) فوائده الحسان، وقلائده المقلدة

стр. 2140

للإحسان، وقالت: [الطويل] صحا بك نوء للإحسان سكوب … وطحا بك قلب للحسان طروب طحا بك بغل نوائب الزمان … فهل نون مخلب كاسر أو نوب ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، وتفقه بمصر على أبي جعفر أحمد بن أبي عمران (١)، وبدمشق على القاضي أبي خازم (٢)، وتفقه عليه أحمد بن محمد بن منصور الدامغاني (٣)، وغيره، وحدث عن خلائق سمع منهم، وصنف التصانيف المطولة الدالة على تبحره، وتفقه أولا على مذهب الشافعي، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة، وسبب انتقاله أن خاله أبا إبراهيم المزني (٤) - صاحب

стр. 2141

الشافعي - قال له يوما في أثناء مذاكرة -: والله لا جاء منك شيء. فغضب أبو جعفر من ذلك، وأنف (١) لنفسه، وانتقل إلى ابن أبي عمران، فأول ما صنف من الكتب "مختصره" في الفقه، وهو على ترتيب كتاب المزني، فلما فرغ منه قال: رحم الله أبا إبراهيم، لو كان حيا لكفّر عن يمينه (٢)، وذكر أبو يعلى الخليلي (٣) في كتاب الإرشاد (٤) أن إبراهيم بن محمد الشروطي قال: قلت للطحاوي: لم خالفت خالك، واخترت مذهب أبي حنيفة، قال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فانتقلت إلى مذهبه لذلك. وذكره الحافظ أبو محمد بن خلف في كتابه "الدر المنظّم فيمن دفن بسفح المقطّم" فقال: فريد دهره، ووحيد عصره، له التصانيف المفيدة، والآثار الحميدة، صاحب فقه، ورواية، ونظر، ومن تصانيفه الفقهيات المعروفات الكبار، والمختصرات/ الخالية من الإكثار، وكتبه في الوراقة مشهورة - أيضا -، وفضائله أكثر من أن تعد، ومناقبه أوفر من دخولها تحت الحصر والعد، وروى عنه القضاة المحققون، والعلماء المبرزون، وبلغ من العمر ثمانين سنة، وكان السواد أغلب على لحيته من البياض. توفي في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بمصر، ودفن بالقرافة، وقبره مشهور.

стр. 2142

ومن متأخريهم: ١٧٠ - القاضي أبو الفتح (١) محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري (٢) المنفلوطي (٣) الصعيدي (٤) المالكي (٥)، والشافعي تقي الدين، عرف بابن

стр. 2143

دقيق العيد (١). صاحب التصانيف، آخر المجتهدين، وفاخر درر المقلدين، حجة العلماء، والأعلام، ومحجة القصد والسلام، رافع منار الشرع المطهر، ومعلي قدر فرقده (٢)، ومعلن اسم سؤدده، ومعلم البروق اللامعة بأنها لا طاقة لها بتوقده، ومعلق طيبه بمفرق الدهر مسك ليلته، وكافور غده، قام بالحق والكل قاعد، وهب، وكل على جفنه النوم عاقد، وتخلق بخلائق السلف الذي عليه مضوا، وبه جاءوا، وعليه قضوا، من علم تلافى الفساد، وأوفى بقدر السلف وزاد، وورعا ما دنّس ثوبه، ولا كدر صوبه (٣)، إلا أنه كان مغرى بالنكاح، مغرما منه بالمباح، يغالي في شراء الجواري، واستسراء قيم السواري، ولم تكن له جدة للإنفاق، فكان يشتريهن بالثمن الربيح إلى أجل يستدينه، فإذا حل يغدو وهو رهينه، فيتسامع به أهل اليسار ممن ربطه عليه حب علمه، وحسن ظنه في دينه، لا خاب في زعمه، فيتكفل بوفاء ذلك الدين (ص ٣١٨) وغسل ذمته، وتنقيته من ذلك الشين، حتى إذا صار بريئا من الطلبات، خالصا من المطالبات، عنّ له أن يشتري جارية، أو يزيد نفقة جارية، فلا يلبث شهرا، حتى يعود أثقل ما كان ظهرا، ويدوم على هذا في الزمان دهرا، فيقدر له آخر فيوفي عنه ما اشتغلت به

стр. 2144

ذمته، واشتعلت بسبب همه لمته (١)، واستجيزت بسببه عند أهل الورع مذمته، هكذا كان دأبه، ودأب ما يحمل نفسه، من أثقال التكاليف وإنفاق جمل المصاريف، كأنه يحتقر الذهب، أو أن وفاء دينه على أهل الدنى وجب، وكان على فور علمه ودينه، وشواغله بالتصنيف (٢) في كل حينه، يكمن تارة في زناده، ويحبس أواره (٣) في فؤاده، ويلبس الرجال على بغضها، ويسلب كل الأعمال لبعضها، وربما قدر فعفر (٤)، وواخذ فما غفر، إلا أن التقوى كانت تمنعه من أليم المجازاة، وترده عن بلوغ الغاية من التشفي (٥)، وفي النفس

стр. 2145

حزازات (١). ولد في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بقرب ينبع (٢) من أرض الحجاز، وسمع الحديث، وخرّج لنفسه أربعين تساعية (٣)، وكان من أذكياء زمانه، واسع العلم كثير الكتب مديما للسهر، مكبا على الاشتغال، ساكنا وقورا، ورعا، قل أن ترى العيون مثله (٤)، وله اليد الطولى في الأصول والمعقول، وخبرة بعلل المنقول، ولي قضاء الديار المصرية سنوات إلى أن مات، وكان في أمر الطهارة والمياه في نهاية الوسوسة (٥). قال الحافظ قطب الدين الحلبي (٦): كان إمام أهل زمانه، وممن فاق بالعلم

стр. 2146

والزهد على أقرانه، عارفا بالمذهبين، إماما في الأصلين (١)، حافظا متقنا في الحديث وعلومه، يضرب به المثل في ذلك، وكان آية في الحفظ، والإتقان والتحري، شديد الخوف، دائم الذكر، لا ينام الليل (ص ٣١٩) إلا قليلا، ويقطعه فيما بين مطالعة، وتلاوة، وذكر، وتهجد حتى صار السهر له عادة، وأوقاته كلها معمورة، ولم ير في عصره مثله - وعدّ مصنفاته - ثم قال: عزل نفسه من القضاء غير مرة، ثم يسأل، ويعاد وقال: وبلغني أن السلطان حسام الدين (٢) لما طلع الشيخ إليه، قام للقيه، وخرج عن مرتبته (٣)، وكان كثير الشفقة على المشتغلين، كثير البر لهم. توفي في صفر (٤) سنة اثنتين وسبعمائة. ومن نظمه (٥): [البسيط] الحمد لله كم أسعى (٦) بعزمي في … نيل العلى، وقضاء الله ينكسه

стр. 2147

كأنني النجم يبغي (١) الشرق، والفلك ال … أعلى يعارض مسراه فيعكسه ومنه قوله: [الطويل] لعمري لقد قاسيت بالفقر شدة … وقعت بها في حيرة وشتات فإن بحت بالشكوى هتكت (٢) مروءتي … وإن لن أبح بالصبر خفت مماتي فأعظم به من نازل بملمة … يزيل حيائي، أو يزيل حياتي ومنه قوله: [السريع] تهيم نفسي طربا عندما (٣) … استلمع البرق الحجازيا ويستخف الوجد عقلي وقد … أصبح لي حسن الحجى (٤) زيّا (٥) يا هل أقضّي حاجتي من منى … وأنحر البزل (٦) المهاريا (٧) وأرتوي من زمزم فهي لي … ألذ من ريق المها (٨) ريّا (ص ٢٢٠)

стр. 2148

ومنه قوله: [البسيط] أهل المراتب (١) في الدنيا، ورفعتها … أهل الفضائل مرذولون بينهم فما لهم في توقي ضرنا نظر … ولا لهم في ترقي قدرنا همم قد أنزلونا لأنا غير جنسهم … منازل الوحش في الإهمال عندهم (٢) فليتنا لو قدرنا أن نعرّفهم … مقدارهم عندنا أو لو دروه هم لهم مريحان من جهل (٣) وفضل غنى … وعندنا المتعبان العلم والعدم فناقضه في ذلك الفتح البققي - المقتول على الزندقة -، فقال: [البسيط] أين المراتب، والدنيا ورفعتها … عند الذي حاز علما ليس عندهم لا شك أن لنا قدرا رأوه، وما … لقدرهم عندنا قدر ولا لهم (٤) هم الوحوش ونحن الأنس حكمتنا … نقودهم حيثما شئنا، وهم نعم وليس شيء سوى الإهمال يقطعنا … عنهم لأنهم وجدانهم عدم لنا المريحان من علم ومن عدم … وفيهم المتعبان الجهل والحشم عدنا إلى ذكر قاضي القضاة أبي الفتح ﵀ ومن شعره قوله: [الكامل] نفرت سليمى نضرة لما رأت … وضح المشيب بعارضيّ ومفرقي قد أبصرت منه عدوا أبيضا … أربى أذاه على العدو الأزرق وقوله: [السريع] كم ليلة فيك وصلنا السرى (٥) … لا نعرف النوم ولا نستريح

стр. 2149

وكادت الأنفس مما بها … تزهق والأبدان منها تطيح واختلف الأصحاب ما ذا الذي … يرد من شكواهم أو يريح فقيل تعريسهم (١) ساعة … وقلت: بل ذكراك، وهو الصحيح قلت هكذا فليكن - وإلا فلا - أدب الفقهاء، وفي مثل هذا يذهب أهل الحزم أضعاف ذهب السفهاء، هذا الذي لا يقدر عليه من قدّر عليه رزقه، واتسم بسمة أهل الفضل وهو لا يستحقه. ومنه قوله: [الطويل] أتيتك والآمال تسري إلى مدى … بعيد أراه باصطناعك يقرب وقد شنع الأعداء أن مطالبي … ترد على أعقابها وهي خيّب وما تركوا من حجة أو أتوا بها … على أنني مالي ببحرك مشرب ووالله لا صدّقت أنك مربحي؟ … لدفع ملمّ حادث فتخيب وقوله: [الخفيف] أنكرتني لما ادعيت هواها … وأصرت على العناد جحودا قلت إن الدموع تشهد لي قا … لت صحيح، لكن قذفت الشهودا (٣٢١) ومنه قوله: [الوافر] أودّعكم وأودعكم حياتي … وأنثر دمعتي نثر الجمان وقلبي لا يريد لكم فراقا … ولكن هكذا حكم الزمان

стр. 2150

ومن نثر القاضي أبي الفتح ما كتبه إلى نوابه بالحكم في الوجه القبلي البحري عند ما فوّض إليه قضاء القضاة بالديار المصرية، بعد البسملة: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا اَلنّاسُ وَاَلْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اَللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (١) صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي وفقه الله لقبول النصيحة، وآتاه لما يقربه قصدا صالحا ونية صحيحة، أصدرناها إليه بعد حمد الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (٢)، ويمهل حتى يلتمس الإمهال على المغرور، تذكرة بأيام الله ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٣)، ويحذره صفقة من باع آخرته بدنياه فما أحد سواه مغبون (٤)، عسى الله أن يرشده بهذا التذكار وينفعه، وتأخذ هذه النصائح بمحجزته (٥) عن النار فإني أخاف أن يتردى فيخرّ من ولاّه والعياذ بالله معه، والموجب لإصدارها ما تلمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم عن القيام بما يجب للرب على المربوب، ومن أنسهم بهذا الدار وهم يزعجون (٦) عنها، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كؤود (٧)، وهم لا يتخففون منها، ولا سيما القضاة الذي تحملوا أعباء الأمانة

стр. 2151

على كواهل ضعيفة، وظهروا بصور كبار، وهمم نحيفة، ووالله إن الأمر لعظيم، وإن الخطب لجسيم، ولا أرى أن مع ذلك أمنا ولا قرارا ولا راحة، اللهم إلا رجلا نبذ الآخرة وراه و ﴿اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ (١)، وقصر همه وهمته على حظ نفسه ودنياه فغاية مطلبه/ (ص ٣٢٢) حب الجاه، والرغبة في قلوب الناس، وتحسين الزي والملبس والمركب والمجلس، غير مستشعر خسة (٢) حاله، ولا ركاكة مقصده، وهذا لا كلام معه، ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ اَلْمَوْتى﴾ (٣) ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ﴾ (٤) فاتق الله الذي يراك حين تقوم (٥)، واقصر أملك عليه، فالمحروم من فضله غير مرحوم، وما أنا وأنتم أيها النفر إلا كما قال الحبيب العجمي (٦) ﵁ وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق - فقال: قد وقعتم فاحتالوا. وإن خفي عليك بعض هذا الخطر، وشغلتك الدنيا أن تقضي من معرفته الوطر (٧)، فتأمل قوله (٨): "

стр. 2152

القضاة ثلاثة" (١)، وقوله مشفقا: "لا تأمرن على اثنين ولا تلينّ مال يتيم" (٢)، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [المتقارب] وما أنا والسير في متلف … نبرّح (٣) بالذكر الظابط هيهات، جف القلم، ونفذ أمر الله فلا راد لما حكم، إيه، ومن هنالك شم الناس من فم الصديق رائحة الكبد المشوي، وقال الفاروق: ليت أم عمر لم تلده، واستسلم عثمان وقال: من أغمد سيفه فهو حر. وقال علي والخزائن بين يديه مملوّة: من يشتري مني سيفي هذا، ولو وجدت ما اشتري به ما بعته. وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز فمات من خشية العرض. وعلق بعض السلف في بيته سوطا يؤدب به نفسه إذا فتر. أفترى ذلك سدا؟ أم وضح أنا نحن المقربون، وهم البعدا، وهذه أحوال لا تؤخذ من كتاب السلم والإجارة والجنايات، نعم إنما تنال بالخضوع والخشوع، وبأن تظمأ وتجوع، وتحمي عينيك الهجوع، ومما يعينك على الأمر الذي/ (ص ٣٢٣) دعوت إليه، ويزودك في مسيرك إلى العرض عليه، أن تجعل لك وقتا تعمره بالتفكر والتدبر، فإنها تجعلها معدة لجلاء قلبك، فإنه إن استحكم صداه (٤) صعب

стр. 2153

تلافيه (١)، وأعرض عنه من هو أعلم بما فيه، واجعل أكثر همومك الاستعداد للمعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد، فإنه يقول ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ومهما وجدت من همتك قصورا، أو استشعرت من نفسك عما يذللها نفورا، فاجأر (٣) إليه، وقف ببابه واطلب منه، فإنه لا يعرض عمن صدق، ولا يعزب عن علمه خفايا الضمائر ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ هذه نصيحيتي إليك، وحجتي بين يدي الله إن فرطت عليك، أسال الله لي ولك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، ونفسا مطمئنة بمنه وكرمه. ومنهم: ١٧١ - علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام (٤) ابن يوسف بن موسى بن تمام من حامد بن يحيى بن عمرو بن عثمان بن علي ابن مسوار بن سليم الأنصاري الخزرجي السبكي ثم المصري الشافعي حجة المذاهب، مفتي الفرق، قدوة الحفاظ، آخر المجتهدين قاضي القضاة تقي الدين أبو

стр. 2154

الحسن صاحب التصانيف، التقي، البر العلي القدير سميّ العلي كرم الله وجهه، الذي هو باب العلم (١)، ولا غرو إن كان هو المدخل إلى ذلك الباب، والمستخرج من دقيق ذلك الفضل هذا اللباب، والمستمير (٢) من تلك المدينة التي ذلك الباب بابها، والواقف عليها مع سميّه فذاك بابها وهذا بوّابها، بحر لا يعرف له عبر (٣) وصدر لا يدخله كبر، وأفق لا تقيسه كف الثريا بشبر، وأصيل قدره أجلّ مما يموه به لجين (٤) النهار ذائب التبر (٥) / (ص ٣٢٤) إمام ناضح عن رسول الله ﷺ بنضاله (٦)، وجاهد بجداله، ولم يلطخ بالدماء حد نصاله (٧)، حمى جناب النبوة الشريف بقيامه في نصره، وتسديد سهامه للذب عنه من كنانة مصره (٨)، فلم يخط على بعد الديار سهمه الراشق (٩)، ولم تخف

стр. 2155

مشام (١) تلك الدسائس فهمه الناشق (٢)، ثم لم يزل حتى نقّى الصدور من شبه دنسها، ووقى من الوقوع في ظلم حندسها (٣)، قام حين خلّط على ابن تيمية (٤) الأمر، وسوّل له قرينة الخوض في ضحضاح (٥) ذلك الجمر، حين سد باب الوسيلة (٦)، يغفر الله له لا حرمها، وأنكر شد الرحال لمجرد الزيارة (٧) لا واخذه الله وقطع رحمها، وما برح يدلج ويسير حتى نصر صاحب ذلك الحمى الذي لا

стр. 2156

ينتهك نصرا مؤزرا، وكشف من خبء الضمائر في الصدود عنه صدرا موغرا، فأمسك ما تماسك من باقي العرى، وحصل أجرا في الدنيا يسمع، وفي الآخرة يرى، حتى سهّل إلى زيارة صاحب القبر ﵊ وقد كادت تزورّ (١) عنه قسرا، صدور الركائب وتجر قهرا، أعنة القلوب وهن لوائب (٢) بتلك الشبهة التي كادت شرارتها تعلق بجذام الأوهام، وتمد عيهب (٣) صدها صدأ على مرايا الأفهام، وهيهات كيف يزار المسجد ويجفى صاحبه أو يخفيه الإبهام، أو تذداد المطي عنه وهي تتراشق (٤) إليه كالسهام، ولولاه ﵊ لما عرف تفضيل ذلك المسجد، ولا تم إلى ذلك المحل تاميل المغير ولا المنجد، ولولاه لما قدس الوادي، ولا أسس على التقوى مسجد (٥) في ذلك النادي، وكذلك قبلها شكر الله له قام في لزوم ما انعقد عليه الإجماع وتعد الظهور بمنلفته على الأطماع، ومنع في مسألة الطلاق أن يجري في الكفارة مجرى اليمين (٦)، وأن يجلى في صورة إن/ (ص ٣٢٥) حققت لا تبين، خوفا على محفوظ الأنساب، ومحظوظ الأحساب، لما كانت تؤدي إليه

стр. 2157

هذه العظيمة، وتستوي عليه هذه المصيبة العميمة، وصنف في الرد في هاتين المسألتين كتابيه، بل جرد سيفه وأرهف ذبابيه (١)، ورد القرن (٢) وهو ألد (٣) خصيم، وشد عليه وهو يشد غير هزيم (٤)، وقابله وهو الشمس التي تعشي الأبصار (٥)، وقاتله وكم جهد ما يثبت البطل لعلي وفي يده ذو الفقار (٦). [الكامل] وتطاعنا وتواقفت خيلاهما … وكلاهما بطل اللقاء مقنع وما زال حتى تفصدت (٧) الصفاح (٨)، وتقصفت (٩) الرماح وتحيّفت (١٠) الكلم الأدلة، وجف القلم حتى لم يبق فيه بلّة، وانجلت

стр. 2158

غياهب (١) ذلك العشير تبرق فيه صفحات الحق السوب (٢)، والحظ السعيد النبوي، والنصر المحمدي، إلا أنه بالفتوح العلوي، بجهاد أيّد صاحب الشريعة وآزره، ورد على من سد باب الذريعة وخذل ناصره، وأمضى يسابق إليه مرمى طرفه، جواد جرى على أعراقه (٣)، وجاء على أثر سبّاقه، من عصابة الأنصار حيث تعرف في الحب التليد (٤)، وتدخر شرف النسب للمواليد، وتصغّر عظائم الأخبار، وتصعّر (٥) هامة (٦) كل جبار، وتنثر ذو عابة يعرب على كتف شرفها، وتركز عصابة المجد المؤثل (٧) لسلفها، ولله أوس آخرون وخزرج، لابل هو والله ممن تشيدت به حصونهم الحصينة، وحجبت به أن يدخل الدجال لنقاب المدينة (٨)، واستلّه الفقار من بقايا تلك الأسرة في أكرم ظهورها، وأعظم شموسها المجللة للآفاق بظهورها، وأعلى إبائها في مراقي الشريعة درجا، وأسرى في أرجاء طيبة الطيبة أرجا، وأحوى لعلومها أشتاتا (٩)، ولعلوها في أسانيد

стр. 2159

العوالي أثباتا،/ (ص ٣٢٦) ولحنوها على من نزل بها فيما هو أدفأ وأكنّ أبياتا، وأسكن محافلها (١) من الأسرار، وأطلع في أفق جحافلها (٢) من الأقمار، نبوغ من مطلع الصحابة (٣) ﵃ ونزع به عرقه إلى التابعين (٤) لهم بإحسان وهو مثلهم إن لم يكن منهم، ثم خرج من بيت الوزارة حيث تتقاصر النجوم وتتناصر ثم تتناصف الخصوم، وتخفض أعناق الغيوم، وتجري رحضاء (٥) البرق كأنه محموم، وتحضر أندية الأفق وسهيل قد نبذ بالعراء كأنه ملوم (٦)، ويسري هودج النجم وكأنه برسن (٧) الجوزاء مزموم (٨)، ويبارى صدر صدره الليل فيرتد حنقا ولو ألقى في تياره لما استطاع أن يقوم، وتتطاير زبد شهبه ويتنغش (٩) سحره كأنه مظلوم، ويظهر على آخر فجره ثم يخفي كأنه غيظ مكظوم، ويضاهي مرآة الضوي النهار وأنى له ووجه صباحه كأنه من حمرة الشفق ملطوم، وهبدل ألفا مثل دينار شمسه لما بلغ ما يروم، وبرز في طلب العلم حتى أسكت لسان كل متكلم، وأمات ذكر كل متقدم، وأحيا أمامه الشافعي

стр. 2160

بنشر مذهبه، ونصر ذي النسب القرشي في علياء رتبه، وقام بالاحتجاج لإمام بني المطلب في الائتمام بشريعة سيد بني عبد المطلب، وإقامة الحجة في سبب تقديمه، وحسب ما أحرز في حديثه مضافا إلى قديمه، يحتج لقوليه ويحيل كتف مذهبه الممنع من طريقه، حتى أضحت تسفر له وجوهه سافرة الثغب (١)، ظاهرة المحاسن من وراء الحجب، لا ترد الهيم (٢) إلا حياضه، ولا يفد المسيم (٣) إلا رياضه، حتى تفرّد والزمان بعدد أهله مشحون، والعصر بمحاسن نبيه مفتون، وساوى أهل مصر قاطبة، واستوطنها وضرتها الشام له خاطبة/ (ص ٣٢٧) وكان بها لدين يقيمه، ويقين يديمه، وتقى هو وصفه، وعلى أراد مطاولته الطور وما هو نصفه، وقطع بها مدة مقامه في علم ينشره، وحق ينصره، وضالّ يهديه، وطالب يجديه، وسنّة يؤيّدها، وبدعة في دكادك (٤) الخذلان يلحدها، وزيغ يقوّم منماده، وزيف يعجّل انتقاده، وطريقة سلف ما عداها، وحقيقة صلف (٥) ما أنكرتها عداها، وفتاو يعتمد عليها فقهاء الآفاق ويستند إليها علماء مصر والشام والعراق، وتصانيف هي جادّة السبيل ومادة الدليل، وتصدّ الأضاليل، وتردّ الأباطيل، وترد على العلماء فغاية المجيد أن يستحضر ما حوته من نقول، أو

стр. 2161

يمتد إلى أن يعدّ نفيسه معه فلا يزيد على أن يكتب تحت خطّه كذلك أقول، ثم ولي قضاء الشام فزان عطله (١) وأزال خطله (٢)، وأصلح فاسده، ونفّق كاسده، وتوقل (٣) ذروة منصبه حتى لا يمتطي السنام، ولا يستصلح الأنام، ولا يوجد المؤهّل واحد في مصر ولا شامه في الشام، فحكم بسيرة العمرين (٤) في الإنصاف، وحكى صورة القمرين في الأوصاف، وانتهت إليه مشيخة دار الحديث بالاستحقاق فوليها، وعرّضت له أخواتها فما رضيها، وتدارك العلم ولم يبق منه إلا آخر الرمق (٥)، وصان المذهب، وماله وجه إلا ظاهر الرهق (٦)، وانتاش (٧) الطلبة من مراقد الخمول، ومقاعد الونى (٨) عن أوابل الحمول (٩)،

стр. 2162

حتى نفضت كواكبهم عن مقلها الكرى، ورفضت سحائبهم إلا مواصلة السرى إلى أن كثر العلم وطالبه، وعدّ ذو الفضل وصاحبه، بكرم لله درّه ما أغزره، وجود ما أقل لديه جدا البحر وما أنزره، لو عاصره حاتم وهو (ص ٣٢٨) في الكرم لما ذكره، أو كعب بن مامة (١) وقد سمع حتى يخص جناحه لما شكره، بندى يغص به البحر شرقا، ويتفصّد جبين السحاب عرقا، ويتهيبه البرق فترتعد فرائصه فرقا، ويخشى صوائبه الرعد فيتعوّذ ولا تنفعه الرقى، هذا كله وهو بعض ما في كرم سجاياه، وأقل ما في كثير مزاياه، هذا إلى جبين كالهلال، ووقار عليه سيماء الجلال، وأدب أعذب في القيل من الماء الزلال، وأطيب في المقيل من برد الظلال، بنوادر أحرّ من الجمر، وألعب بالعقول - استغفر الله - من الخمر، حذا على طريق سلفه العرب ما قصّرت عن مداه الأوائل، واستجدت من نداه النائل، وطرّف علمه منه بمقدار ما أعانه على التفسير الذي أسكت عارضة كلّ قائل، وغير هذا من انتزاع المثل وإقامة الدلائل، ثم سرح إلى حيث يسرح الطرف ويذوب الظرف، ويلمّ بنادي المتيميّن، وينزل بوادي سّلف أهل الصبابة المغرمين، ويخالط تلك العصابة في كيسها، ويذكر حديث ليلى وقيسها، لطائف لو أنها لأهل ذلك الزمان السالف لما قالوا الأسمار إلا في طرائف طرائفها، ولا قالوا في سمرات الحيّ إلا في ظل وارفها، ولا زادوا من ربيع ابن أبي ربيعة إلا بعض زخارفها، ولا عدوّا جميلا إلا ما نشر من فضل مطارفها، ولا رجعوا عنها إلى مذهب جرير في أوبة، ولا ختموا غزل الأناشيد بتوبة، كل ذلك تطرّف أدب غض الجنى ليس منه إلا إطراب السامع، وتنويع مالا إثم فيه إذا قيل في فضله الجامع، هو والله الجامع الذي لا تضاهى بيوت عبادته المساجد، ولا تساهر مقل قناديلها (ص ٣٢٩) طرفة الهاجد، ولا تضم ضلوع محاريبها مثل صدره، ولا يشتمل أحناء عقودها

стр. 2163

مثل سرّه، بسيرة زينها العفاف فما تدنست صحف أيامها وأقنعها الكفاف، فما رأت ما زاد عليه إلا من آثامها، وقد عادت دمشق به معمورة الندية، مأثورة الأنحية، باهرة العلماء، ظاهرة بزينة نجوم السماء، ماضية على منهج القدماء، قاضية على سواها بأن العلم فيها بالحقيقية وفي غيرها بالأسماء، وها هو اليوم - والله يبقيه - خير من أظلته خضراؤها، وصغرت لدى قدره الجليل كبراؤها، قد ملك أهواء القلوب المتنائية، وساق بعصاه سوائم شرّدها المتقاصية، واستوسق به أمر الشام لعليّ وكان لا يطيع إلا معاوية، مولده سنة ثلاث وثمانين وستمائة وسمع من الحافظ أبي محمد الدمياطي وطبقته، وبالثغر من يحيى بن الصواف وأقرانه، بدمشق من ابن مشرّف وابن الموازيني، وبالحرمين (١)، وكانت رحلته إلى دمشق سنة سبع وسبعمائة، وقرأ الروايات على تقي الدين الصائغ، وصنّف التصانيف المتقنة، انتهت إليه رئاسة العلم في القراءات والحديث والأصلين والفقه، وخرج له الإمام شهاب الدين الدمياطي (٢) معجما كبيرا، وقصده به بدمشق، فحدث به بالكلاسة من جامع دمشق بحضره الحافظين أبي الحجاج المزي وأبي عبد الله الذهبي وجماعة من أعيان العلماء (ص ٣٣٠) وأنشدني له تذييلا على قول عبد القاهر الجرجانيّ: [الوافر] طلبت من الحبيب زكاة حسن … على صغر من القمر البهيّ فقال وهل على مثلي زكاة … على رأي العراقيّ الكميّ فقلت: الشافعي لنا إمام … وقد فرض الزكاة على الصبيّ

стр. 2164

والذي قاله ذيلا على هذا. [الوافر] فقال اذهب إذن فاقتصّ زكاتي … بقول الشافعي من الوليّ فقلت له فديتك من فقيه … أيطلب بالوفاء سوى المليّ نصاب الحسن عندك ذو امتناع … بلحظك والقوام السمهريّ فإن أعطيتنا طوعا وإلا … أخذناه بقول الشافعيّ قلت ولما وقع إليه ما صنّفه ابن تيمية في مسألة الطلاق، وجده قد أكثر ذكر/ (ص ٣٣١) ليلى ويمنها وردد ذكرها في غير موضع فلما ردّ عليه قال: [البسيط] في كل واد بليلى واله شغف … ما إنّ زال به من مسها وصب ففي بني عامر من حبّها دنف … ولابن تيمية من عهدها شغب وأراد بعهد ليلى ظاهرا ما هو له وباطنا يمينها واليمين العهد. ومن تصانيفه: الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم، شفاء السقام في زيارة خير الأنام، إبراز الحكم من الحديث رفع القلم، السيف المسلول على من سبّ الرسول، تكملة المجموع في شرح المهذب في الفقه، الابتهاج في شرح المنهاج في الفقه، التجير المذهب في تحرير المذهب ولم يتمه، التحقيق في مسألة التعليق، رافع الشقاق عن مسألة الطلاق، وكلاهما في الرد على الشيخ تقي الدين ابن تيمية، منبه الباحث عن حكم دين الوارث، الرياض الأنيقة في مسألة الحديقة، أمثلة المشتق، إحياء النفوس في إلقاء الدروس، كشف القناع عن حكم الامتناع، ضوء المصابيح في صلاة التراويح، واختصره مرات، أحكام كلّ وما عليه تدلّ، القول الموعب في القضاء بالموجب، المناسك، المناسك الصغرى، منتخب طبقات الفقهاء، القراءة خلف الإمام، المناسخات، تلخيص التلخيص وتاليه، الرد على الشيخ زين الدين ابن الكناني، المناقشات المصلحيّة، جواب سؤال على ابن عبد

стр. 2165

السلام، كشف اللبس، منتقى من المكمل، نقد الاجتماع والافتراق، بيع المرهون في غيبة المديون، بيان حكم الربط في اعتراض الشرط على الشرط، نور الربيع من كتاب الربيع، الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي في الفقه، رفع الحاجب عن مختصر ابن حاجب في الأصول، الإبهاج في شرح المنهاج في الأصول، فصل المقال في هدايا العمال، عقود الجمان في عقود الرهن والضمان، طليعة الفتح والنصر في صلاة الخوف والقصر، كشف الغمة في ميراث أهل الذمة/ (ص ٣٣٢) التهدّي إلى معنى التعدي، حسن الصنيعة في أحكام الوديعة، الطوالع المشرقة في الوقف على طبقة بعد طبقة، الغيث المغدق في ميراث ابن المعتق، السهم الصائب في قبض دين الغائب، الاتساق في بقاء وجه الاشتقاق، العارضة في البنية المعارضة، قطف النور في مسائل الدور، الكلام على قوله (ما لم تمسوهنّ) وأما غير ذلك مما بسط فيه الكلام في المسائل المفردة، وأجوبة الفتاوى وغير ذلك فيزيد على ثلاثين مسألة، نفع الله بذلك. آخر السّفر الخامس من كتاب مسالك الأبصار ويتلوه في السفر السادس إن شاء الله تعالى. وإذ قد ختمنا فقهاء المحدثين بالجانبين، ولم ندع منهم زينة مشرق ولا مغرب، ولا مطلع هلال ولا كوكب الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا. حسبنا الله ونعم الوكيل (١٣)

стр. 2166

السفر السادس: طبقات الفقهاء وأصحاب المذاهب الإسلامية المحقق: بسام محمد بارود

стр. 2167

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم النسخة التي اعتمدت في التحقيق هي مصورة د. فؤاد سيزكين التي نشرها ضمن مصورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، ضمن سلسلة عيون التراث، وذلك عن نسخة "لا له لي، مكتبة السليمانية - إستانبول". وهي نسخة دون الوسط من حيث الخط فقد كتبت بخط مقروء بصعوبة، وفيها شطب لكثير من الأسطر، وامتلأت بعض صفحاتها بحواش واستدراكات وبعضها تعليقات على المتن، وكتب بعضها بشكل ربما أعاق العمل دون الرجوع والمقابلة مع النصوص المتوفرة في المراجع الأخرى. وقد بلغ عدد صفحات المخطوطة (٣٥٨) صفحة، في كل صفحة تسعة عشر سطرا. أما عملي في التحقيق فكان كما يأتي: ١ - ضبط النصوص على قدر الإمكان، وقدر الجهد والطاقة. ٢ - مقابلة النصوص على وفق المصادر والمراجع التي نقل عنها ابن فضل الله وهي كثيرة جدا، وقد لاحظت أن في بعضها نقصا ربما شوّه النص، نتيجة حذف لبعض السطور، أو أنه تصحف عليه، لا سيما الأشعار، فقمت بالمقابلة الدقيقة، ونسبت كل نصّ إلى أصله من كتب التراجم والطبقات، على قدر الإمكان. ٣ - تم تخريج الآيات القرآنية، ونسبتها إلى سورها. ثم قمت بتخريج بعض الأحاديث النبوية الشريفة، على قلتها، ولم يخل منها الكتاب، ولا سيما أن موضوع الكتاب تراجم الفقهاء، فهو مظنة لذلك. وكذلك قمت بتخريج النصوص الأدبية، والشعرية، كل من مصدره، إن وجد، وإن كانت بعض الأشعار لم أجد لها مصدرا، فتركتها كما هي نقلا عنه. ٤ - ذكرت مصادر كل ترجمة من التراجم على وفق ما هو مطلوب في صنعة

стр. 2168

التحقيق العلمي، والتدقيق في كل ترجمة، وقد وجدت بعض الاختلاف بين أسماء بعض الأعلام التي ترجم لها ابن فضل الله، وبين ما هو مذكور في كتب التراجم، سواء من حيث الاسم، أو تاريخ الوفاة، أو تاريخ الولادة، وقد ذكرت ذلك كله في موضعه. ٥ - عملت فهرساً شاملاً للأعلام في آخر الكتاب، مرقماً ترقيماً عددياً، حيث بلغ عدد المترجم لهم في جميع هذا الجزء: (١٨٣) مائة وثلاثة وثمانين علماً من أعلام الفقه في الجانب الشرقي والغربي وجزيرة الأندلس. ٦ - وإن كان لي ملاحظة على هذا الجزء فهي ترجمة المؤلف لأناس أدباء أكثر منهم فقهاء، تجد هذا في التراجم الأخيرة من الكتاب، حيث خرج المصنف ﵀ عن موضوعه، وهذا عيب مغفور أمام سعيه المشكور في إبراز هذا الكم الجم الضخم من تراجم الأعلام. ٧ - ذكرت في آخر الكتاب وقبل فهرس الأعلام مصادر التحقيق مرتبة ألفبائياً لمن أراد الرجوع إليها، وهي كثيرة، ذكرت أغلبها، أما ما تبقى منها فقد ذكر في حواشي التحقيق كل في موضعه من الترجمة. ٨ - هذا ما قدرت على عمله، فإن أحسنت فمن توفيق الله وعونه وفضله، وإن أسأت فمن تقصيري، وأبى الله أن تكون العصمة إلا لكتابه. فأرجو من القارئ الكريم الستر، والمسامحة على التقصير، وهو لا بد موجود، وقديماً قيل: وإن تر عيباً فسدّ الخللا … جلّ من لا عيب فيه وعلا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله عليه سيدنا محمد عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. أبو ظبي ٢٨ صفر الخير ١٤٢٥ هجرية وكتبه/ بسام محمد بارود الموافق: ١٨/ ٤/ ٢٠٠٤ م عفا الله عنه

стр. 2169

الصفحة الأولى من المخطوط

стр. 2170

الصفحة قبل الأخيرة من المخطوط

стр. 2171

الصفحة الأخيرة من المخطوط

стр. 2172

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعلى الله توكلت، وإليه أنيب وإذ قد ختمنا فقهاء المحدّثين بالجانبين، ولم ندع منهم زينة مشرق ولا مغرب، ولا مطلع هلال ولا كوكب، حتى وصلنا سبب الأموات بالأحياء، وسكان المدن والأحياء، فلم يبق إلا أن نذكر مجرّد الفقهاء، ونكتفي بفراقد النبهاء، ونبدأ من الأئمة بأبي حنيفة، ثم مالك، ثم الشافعي، ثم ابن حنبل ﵁، ثم أهل الظاهر، وذكرناهم اقتداء بالشيخ أبي إسحق (١) حيث ذكرهم في (طبقات الفقهاء) (٢)، ونتبع رأس كلّ مذهب بمشاهير أتباعه، وجماهير أشياعه. ونبدأ بأهل الجانب الشرقي (٣)، على عادتنا فيما سلف، ونعوذ بالله من إحلال التقصير، وإطناب السرف، وبه نستعين.

стр. 2173

الحنفية

стр. 2174

فأما أهل الجانب الشرقي؛ فالإمام المقدّم منهم: ١ - أبو حنيفة النّعمان بن ثابت بن زوطى الكوفي (¬*) أحد أئمة الإسلام، وسراج الأمة المستصبح به في الظلام، [نشر بمذهبه الأعلام] (١)، ونصر شريعة محمد عليه أفضل الصلاة والسّلام. أول من دوّن الفقه والأحكام، ودوّخ (٢) القضايا للحكام، وقاس الأمر على شبهه، وأتى بالحق على وجهه، وتفقّه فغلب الناس بفقهه، وكان لا يعجزه دليل، ولا يعجبه ذليل، لو شاء أن يستدل على أن سواري المسجد ذهب لفعل، ولو قصّر لاحتذى بالثريا وانتعل، لو أطلّ على المجرّة لما رضي شربا في أعطانها، أو جاور الجوزاء لما استطاب مقاما في أوطانها، أو حلّ في دارة (٣) الشمس لأنف من مجاورة سلطانها، أراده المنصور على القضاء فأبى، وجرّد للمضا سيفه فنبا، ولم تخدعه الدّنيا بزخارفها، ولا سرّته بعواري عوارفها (٤)، فكف عن بوائق الأنام، وعفّ عن طوارق المنام، تقلّلا من قليل الدنيا المعار، وتعرّيا مما تلبسه من رداء العار، وكان لو شكّ في الماء لما شربه، أو ظنّ في الهواء لما استلذّ مستطيبه، تقدّم بالاستحقاق

стр. 2175

والزمان، وقدّم عملا حلّ به دار الأمان، لم يكن في الأربعة (١) أحد معه، ولا جاء منهم إلا من تبعه، وضح ضوء نهاره، ووضع كل تصنيف إجلالا لمقداره (٢). أسف للتقصير عنه سفيان (٣)، وانبتّ [عن] (٤) دونه البتي عثمان (٥)، وجهد ابن أبي ليلى (٦) بالكوفة خلفه فما أدركه، وابن جريج بمكة وما سلك مسلكه، ووثب الليث بمصر فما زاد على أن ولج عرينه، وحرص مالك إمام دار الهجرة فما حصل إلا على المدينة، وكان لا يمثل بذكائه إياس، ولا يجئ أحد معه في فقهه على قياس، فما جاء مثله ابن الماجشون، ولا تقدّمه الشافعي، وداره بين الصفا والحجون، ولا خرج ذو فقه في الفروع عن ظله الأثيث، ولا جاراه ابن حنبل إلا وكان له القديم ولذاك الحديث، ولقد كثرت طائفته، وتفرّعت من بحره الأنهار، وتوزّعت من شمسه الأقمار، وجال ذكره في الأرض فضوّعها عبقا، وضوّاها ثم ألقى جرانه (٧) مشرقا، فتملك أكثر أهل الأرض مذهبه، وتوقّل أشرف المطالع كوكبه، حتى عمّ صيته، وانتعش به كل عالم، إذا ذكر معه يحييه وكأنه يميته. وأدرك أربعة من الصحابة؛ وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدا منهم، ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون لقي جماعة من الصحابة،
следующие страницы →