← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

كلها كأمور أبيه، موجه إلى الجلساء والمغنين أن يبكروا إليه يوما حدد لهم، ووجه إلى إسحاق فحضره، فقال لهم الواثق: إني عزمت على الصبوح، ولست أجلس على سرير (١) حتى اختلط بكم ونكون كالشيء الواحد، فاجلسوا معي حلقة، ولكن كل جليس إلى جانبه مغن، فجلسوا كذلك، فقال الواثق: أنا أبدأ، فأخذ عودا وغنى [ص ١٩٦] وشربوا، وغنى من بعده حتى انتهى إلى إسحاق، فأعطي العود، فلم يأخذه، فقال: دعوه، ثم غنى وغنوا دورا آخر، فلما بلغ إسحاق، لم يغن، وفعل هذا ثلاث مرات، فوثب الواثق فجلس على سريره، وأمر الناس فأدخلوا، فما قال لأحد منهم اجلس، ثم قال: علي بإسحاق، فلما رآه قال: يا خوزي (٢) يا كلب، أتبذّل لك وأغني، وترتفع عني؟! أترى لو أني قتلتك لكان المعتصم يقيدني بك؟ [ابطحوه] فبطح وضرب ثلاثين مقرعة، وحلف لا يغني سائر يومه [سواه]، فاعتذر وتكلمت الجماعة فيه، فأخذ العود وما زال يغني حتى انقضى ذلك اليوم. قال إسحاق: دخلت يوما على الواثق وهو مضطجع، فقال: غنني يا إسحاق صوتا غريبا لم أسمعه منك، حتى أسر به بقية يومي، قال: وكأن الله أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت: (٣) [السريع] يا دار إن كان البلى قد محاك … فإنه يعجبني أن أراك أبكي الذي [قد] كان لي مألفا … فيك فآتي الدار من أجل ذاك قال: فتبينت الكراهة في وجهه، وندمت على ما كان مني، وتجلد فشرب رطلا

стр. 4377

كان بيده، وعدلت عن الصوت إلى غيره، وكان ذلك اليوم والله آخر جلوسي معه. قال: وتوفي إسحاق ببغداد أول خلافة المتوكل، وكان يسأل الله ألا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه، فأصابه ذرب (١) في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومئتين، وكان يتصدق في كل يوم أمكنه أن يصومه بمائة درهم، ثم ضعف عن الصوم، ومات في رمضان. لما تولى المتوكل الخلافة بعد الواثق، طلب إسحاق، فلما حضر رمى إليه مخدة وقال: اجلس عليها، فإني سمعت أن المعتصم أول يوم خلافته رمى إليك بها وقال: ما يستجلب ما عند الحر إلا بالكرامة، وسأله سماع شيء من أغانيه، فغناه لحنه نظمه في نفسه وعماه: (٢) [البسيط] ما علّة الشيخ عيناه بأربعة … تغرورقان بدمع ثم تنسكب (٣) فأنعم عليه بمائة ألف درهم وصرفه، وسأله العود فتوجه من سر من رأى [ص ١٩٧] إلى بيته ببغداد، فتوفي بعد شهر، فبلغ المتوكل وفاته، فغمه وحزن عليه. قال ادريس بن أبي حفصة يرثي إسحاق الموصلي: (٤) [الطويل] سقى الله يا بن الموصلي بوابل … من الغيث قبرا أنت فيه مقيم ذهبت فأوحشت الكرام فما يني … بعبرته يبكي عليك كريم إلى الله أشكو فقد إسحاق إنني … وإن كنت شيخا بالعراق مقيم

стр. 4378

وقال محمد بن عمر الجرجاني يرثيه: (١) [الطويل] على الجدث الشرقي عوجا فسلما … ببغداد لما ضن عنه عوائده وقولا له لو كان للموت فدية … فداك من الموت الطريف وتالده أإسحاق لا تبعد وان كان قد رمى … بك الموت وردا ليس يصدر وارده إذا هزل اخضرت متون حديثه … ورقت حواشيه وطابت مشاهده وإن جد كان القول جدا وأقسمت … مخارجه ألا تلين معاقده فابك على ابن الموصلي بعبرة … كما ارفضّ من نظم الجمان قلائده وقال مصعب الزبيري يرثيه، تغمده الله برحمته: (٢) [الكامل] لله أي فتى إلى دار البلى … حمل الرجال ضحى على الأعواد كم من كريم ما تجف دموعه … من حاضر يبكي عليه وباد أمسى يؤبّنه ويعرف فضله … من كان يثلبه من الحساد فسقتك يا بن الموصلي سحابة … تروي صداك بصوبها وغواد وقال أيضا: (٣) [المتقارب] تولى شبابك إلا قليلا … وحل المشيب فصبرا جميلا كفى حزنا بفراق الصبا … وإن أصبح الشيب منه بديلا ولما رأى الغانيات المشي … ب أغضين دونك طرفا كليلا سأندب عهدا مضى للصبا … وأبكي الشباب بكاء طويلا

стр. 4379

٦٨ - إبراهيم بن المهدي (١) [ص ١٩٨] رجل وضع في شرفه، وخضع من شرفه، رضع حب الغناء منذ فطم، وأعطى قياده لغير أهل الغناء وما حطم، وانحط إلى الحضيض وحطه كذي (٢) الجناح المهيض، حتى إنه بعد أن أصفقت له الأيدي المبايعة (٣)، وصفت له القلوب للمشايعة (٤) وعقدت البيعة في الرقاب، وعينت له الألقاب، وصعد المنبر وتبوأ أعلاه، وولج المحراب، وأقام الصلاة جذب (٥) عن ذلك المقام، وكذب عليه ليقام، وعير بالغناء مهنته وانشغاله أهنته، حتى استحر وخلع، وعضد اصل سؤدده وقلع، ثم كان هذا عليه عارا يلبسه، وشنارا كما نهض به حسبه يجلسه (٦). قال أبو الفرج، كان إبراهيم يقول: لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت فيها ما يعلم معه أنهم لم يروا قبلي مثلي. قال إبراهيم: دخلت يوما على الرشيد، وفي رأسي فضلة من خمار (٧)، وبين يديه ابن جامع وإبراهيم الموصلي، فقال: بحياتي يا إبراهيم غنني، فأخذت

стр. 4380

العود، ولم ألتفت إليهما فغنيت: (١) [الكامل] أسرى لخالدة الخيال ولا أرى … شيئا ألذ من الخيال الطائف قال: فسمعت إبراهيم يقول لابن جامع: لو طلب هذا بهذا [الغناء] ما نطلب لما أكلنا خبزا أبدا، فقال له ابن جامع: صدقت، فلما فرغت من غنائي، وضعت العود وقلت: خذا في حقكما ودعا باطلنا. قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: اتخذ أبي حراقة (٢)، فأمر بشدها في الجانب الغربي حذاء داره، فمضيت إليها ليلة، وكان أبي يخاطبنا من داره بأمره ونهيه وبيننا عرض دجله، فما أجهد نفسه. قال ابن قتيبة، حدثني ابن أبي ظبية، قال: كنت أسمع إبراهيم بن المهدي يتنحنح فأطرب. قال ابن خرداذبة، حدثني محمد بن الحارث بن بسخنر، قال: وجه إبراهيم بن المهدي يوما يدعوني، وذلك في أول خلافة [ص ١٩٩] المعتصم، فصرت إليه وهو جالس وحده، وشارية جاريته خلف الستارة، فقال لي: قد قلت شعرا وغنيت فيه، وطرحته على شارية فأخذته وزعمت أنها أحذق به مني، وأنا أقول إنها دوني في الحذق، وقد تراضينا بك حكما لموضعك من هذه الصناعة، فاسمعه مني ومنها، ولا تعجل حتى تسمعه مني ومنها ثلاث مرات، فاندفع يغني هذا الصوت: (٣) [الطويل] أضن بليلى وهي غير سخية … وتبخل ليلى بالهوى وأجود فأحسن وأجاد، ثم قال لها: تغني فغنته فبرزت فيه كأنه كان معها في الجد،

стр. 4381

ونظر إلي فعرف أني قد عرفت فضلها، فقال: على رسلك، وتحدثنا وشربنا، ثم اندفع فغناه ثانية، فأضعف في الإحسان، ثم قال لها: تغني، فغنت وبرعت وزادت وزادت اضعاف زيادته، وكدت أشق ثيابي طربا، فقال لي: تثبت ولا تعجل، ثم غناه ثالثة فلم يبق عليه في الإحكام، ثم أمرها فغنت، فكأنه إنما كان يلعب، ثم قال لي: [قل]، فقضيت لها عليه، فقال: أصبت، فكم تساوي الآن عندك؟ فحملني الحسد عليها له والنفاسة بمثلها ان قلت: تساوي مئة ألف درهم، فقال: أو ما تساوي على هذا كله الا مئة ألف درهم؟! قبح الله رأيك، والله ما أجد شيئا في عقوبتك ابلغ من أن أصرفك، فقم فانصرف إلى منزلك مذموما، فقلت له: ما لقولك اخرج من منزلي جواب، فقمت وانصرفت وقد أحفظني كلامه وأرمضني (١)، فلما خطوت خطوات التفت إليه فقلت: يا إبراهيم، أتطردني من منزلك، فو الله ما تحسن أنت ولا جاريتك شيئا. وضرب الدهر من ضربه، ثم دعانا المعتصم بعد ذلك وهو بالوزيرية في قصر الليل (٢)، فدخلت أنا ومخارق وعلوية، وإذا أمير المؤمنين مضطجع (٣)، وبين يديه ثلاث جامات: جام فضة مملوءة دنانير جددا، [وجام ذهب مملوءة دراهم جددا] وجام قوارير مملوءة عنبرا، فظننا أنها لنا لم نشك به في ذلك، فغنيناه وأجهدنا بأنفسنا، فلم يطرب ولم يتحرك لشيء من غنائنا، ودخل الحاجب فقال: إبراهيم بن المهدي، فأذن له، فدخل فغناه أصواتا فأحسن فيها، ثم غناه بصوت من صنعته وهو هذا: (٤) [ص ٢٠٠] [البسيط] ما بال شمس أبي الخطاب قد غربت … يا صاحبيّ أظن الساعة اقتربت

стр. 4382

فاستحسنه المعتصم وطرب وقال: أحسنت والله، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين فإن كنت قد أحسنت فهب لي إحدى هذه الجامات، فقال: خذ أيها شئت، فأخذ التي فيها الدنانير، فنظر بعضنا إلى بعض، ثم غناه إبراهيم بشعر له: (١) [المتقارب] فما مزة قهوة قرقف … شمول تروق براووقها فقال: أحسنت والله يا عم وسررت، فقال: يا أمير المؤمنين: إن كنت أحسنت فهب لي جاما أخرى، قال: فخذ أيها شئت، قال: فأخذت الجام التي فيها الدراهم، فعندها انقطع رجاؤنا منها، وغنى بعد ساعة: (٢) [الطويل] ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوى … عشير الذي ألقى فيلتئم الحب فارتج بنا المجلس الذي كنا فيه، وطرب المعتصم، واستخفنا الطرب، فقام على رجليه وجلس، وقال: أحسنت والله يا عم، قال: فإن كنت أحسنت فهب لي الجام الثالثة، قال: خذها، فأخذها، وقام أمير المؤمنين، فدعا إبراهيم بمنديل فثناه طاقين، ووضع الجامات فيه، ودعا بطين فختمه ودفعه إلى غلامه، ونهضنا للانصراف، وقدمت دوابنا، فلما ركب إبراهيم التفت إلي وقال: يا محمد بن الحارث، زعمت أني لا أحسن أنا وجاريتي شيئا، وقد رأيت ثمرة الإحسان، [فقلت في نفسي: قد رأيت، فخذها لا بارك الله لك فيها! ولم أجبه بشيء]. قال: دخل الحسن بن سهل (٣) يوما على المأمون وهو يشرب، فقال: بحياتي

стр. 4383

عليك يا محمد، إلا شربت معي قدحا، وصب له من نبيذ قدحا فأخذه بيده وقال له: من تحب أن يغنيك فأومأ إلى إبراهيم بن المهدي، فقال له المأمون: غن يا عم: (١) [البسيط] تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت يعرض به لما كان لحقه من السوداء والاختلاط، فغضب المأمون حتى ظن إبراهيم أنه سيوقع به، ثم قال له: أبيت إلا كفرا، يا أكفر خلق الله تعالى لنعمه، والله ما حقن دمك غيره، ولقد اردت قتلك فقال لي إن عفوت عنه فعلت فعلا لم يسبقك إليه أحد [ص ٢٠١] فعفوت والله عنك لقوله، أفحقه أن تعرض به؟ والله لا تدع كيدك ودخلك، (٢) وأنفت من إيمائه إليك بالغناء، فوثب إبراهيم قائما وقال: يا أمير المؤمنين، لم أذهب حيث ظننت، ولست بعائد، فأعرض عنه. قال حمدون: كنت أحب أن أجمع بين إبراهيم بن المهدي، وأحمد بن يوسف الكاتب، لما كنت أراه من تقدم أحمد عليه [وغلبته] الناس جميعا بحفظه وبلاغته وأدبه في كل محضر ومجلس، فدخلت يوما على إبراهيم بن المهدي، وعنده أحمد بن يوسف وأبو العالية الخزري، فجعل إبراهيم يحدثنا فيضيف شيئا إلى شيء، مرة يذكر ومرة يونث، ومرة يعظنا ومرة ينشدنا ومرة

стр. 4384

يضحكنا، وأحمد بن يوسف ساكت، فلما طال بنا المجلس، أردت أن أخاطب [أحمد]، فسبقني إليه أبو العالية فقال: (١) [الرجز] مالك لا تنبح يا كلب الدوم … قد كنت نباحا فما لك اليوم فتبسم إبراهيم وقال: لو رأيتني في يد جعفر بن يحيى لرحمتني منه، كما رحمت أحمد مني. قال إبراهيم بن المهدي: قلت للأمين يوما: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! [فقال: بل جعلني الله فداك] فأعظمت ذلك، فقال: يا عم، لا تعظمه فإن لي عمرا لا يزيد ولا ينقص، فحياتي مع الأحبة أطيب من تجرعي فقدهم، وليس يضرني عيش من عاش [بعدي] منهم. قال إبراهيم بن المهدي: غنيت يوما الأمين: (٢) [مجزوء الكامل] أقوت منازل بالهضاب … من آل هند فالرباب خطارة بزمامها … وإذا ونت ذلل الركاب (٣) ترمي الحصا بمناسم … صم صلادمة صلاب قال: فاستحسن اللحن، وسألني عن صانعه، فأعلمته أن ابن جامع حدثني عن سياط (٤) أنه لابن عائشة، فلم يزل يشرب عليه لا يتجاوزه، ثم انصرفنا ليلتنا تلك، ووافاني رسوله حين انتبهت [من النوم] وأنا أستاك، فقال لي: يقول

стр. 4385

لك بحياتي يا عم، لا تشتغل بعد الصلاة بشيء غير الركوب [إليّ] فصليت وتناولت طعاما خفيفا وركبت إليه، فلما رآني من بعيد، صاح بي، بحياتي يا عم (خطارة بزمامها)، فلما دخلت المجلس، ابتدأت [ص ٢٠٢] فغنيته إياه، فأمر بإخراج صبية كان يتحظاها، فأخرجت إليه صبية كأنها لؤلؤة في يدها عود، فقال: بحياتي يا عم ألقه عليها، فأعدته مرارا وهو يشرب، حتى ظننت أنها قد أخذته، وأمرتها أن تغنيه، فإذا هو قد استوى لها، إلا في موضع كان فيه، وكان صعبا جدا، فجهدت جهدي أن يقع لها طلبا ليسر به، فلم يقع لها بتة، ورأى جهدي في أمرها وتعذره عليها، فأقبل عليها وقد سكر وقال: نفيت من الرشيد، وكل أمة لي حرة، وعلي عهد الله، لئن لم تأخذيه في المرة [الثالثة] لأمرن بإلقائك في دجلة، قال: ودجلة تطفح وبيننا وبينها ذراعان، وذلك في الربيع، فتأملت القصة، فإذا هو قد سكر والجارية لا تقوله كما أقوله أبدا، فقلت: هذه والله داهية ويتنغص عليه يومه، وأشرك في دمها، فعدلت عما كنت أغنيه عليه وتركت ما كنت أقوله، وغنيته كما كانت هي تقوله، وجعلت اردده حتى انقضت ثلاث مرات أعيده عليها، كما كانت هي تقوله، وأريته أني اجتهدت، فلما انقضت الثلاث مرات، قلت لها: هاتيه، فغنته على ما كان وقع لها، فقلت: أحسنت والله يا أمير المؤمنين، ورددته عليها ثلاث مرات، فطابت نفسه، وسكر فأمر لي بثلاثين ألف درهم. قال محمد بن الحارث بن بسخنر: غنى إبراهيم بن المهدي يوما بحضرة المأمون: (١) [الكامل] يا صاح يا ذا الضامر العنس … والرحل ذي الأنساع والحلس أما النهار فأنت تقطعه … ركضا وتصبح مثل ما تمسي

стр. 4386

قال: فاستحسنه المأمون وذهبت آخذه، ففطن بي إبراهيم، فجعل يزيد فيه مرة وينقص أخرى بزوائده التي كان يعملها في الغناء، وعلمت ما يصنع فتركته، فلما قام قلت للمأمون: يا سيدي، إن رأيت أن تأمر إبراهيم أن يلقي علي: يا صاح يا ذا الضامر العنس فقال: أفعل، فلما عاد قال له: يا إبراهيم ألق على محمد: يا صاح يا ذا الضامر العنس فألقاها علي كما كان يغنيه مغيرا، ثم انقضى المجلس وسكر المأمون، فقال لي إبراهيم: قم الآن فأنت أحذق الناس به، فخرج وخرجت، وجئته إلى منزله، فقلت له: ما في الأرض أعجب منك، أنت ابن خليفة وأخو خليفة [ص ٢٠٣] تبخل على وليّ لك مثلي لا يفاخرك بالغناء، ولا يكاثرك بصوت! فقال لي: يا محمد، ما في الدنيا أضعف عقلا منك، والله ما استبقاني المأمون محبة لي، ولا صلة لرحمي، ولكنه سمع من هذا الجرم شيئا فقده من سواه، فاستبقاني لذلك، فغاظني قوله، فلما دخلت إلى المأمون حدثته بما قال لي، فقال لي: يا محمد، هذا أكفر الناس لنعمة، وأطرق مليا ثم قال: لا نكدر على أبي إسحاق وقد عفونا عنه، ولا نقطع رحمه، واترك هذا الصوت الذي ضن به عليك إلى لعنة الله. قال محمد بن يزيد: لما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدي ونادمه، دخل إليه متبذلا في ثياب المغنين وزيهم، فلما رآه ضحك وقال: نزع عمي ثياب الكبر عن منكبيه، فدخل فجلس، فأمر المأمون ان يخلع عليه فلبس الخلع، ثم ابتدأ مخارق يغني: (١) [الطويل]

стр. 4387

خليلي من كعب ألما هديتما … بزينب لا يفقد كما أبدا كعب فقال إبراهيم: أسأت واخطأت، فقال له المأمون: يا عم إن كان أساء وأخطأ فأحسن أنت، فغنى إبراهيم الصوت، فلما فرغ منه قال لمخارق: أعده الآن، فأعاده فأحسن، فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين، كم بينه الآن وبينه في أول الامر، فقال: ما ابعد ما بينهما، فالتفت إلى مخارق وقال: مثلك يا مخارق مثل الثوب الوشي الفاخر، إذا تغافل عنه أهله سقط عليه التراب، فحال لونه، فإذا نفض عنه عاد إلى جوهره. قال إسحاق بن إبراهيم بن رياح: كنت أسأل مخارقا: أي الناس أحسن غناء؟ فيجيبني جوابا مجملا حتى حققت عليه يوما، فقال لي: إبراهيم الموصلي أحسن غناء من ابن جامع بعشر طبقات، وأنا أحسن من إبراهيم بعشر طبقات، وإبراهيم بن المهدي أحسن غناء مني بعشر طبقات، ثم قال: أحسن الناس غناء أحسنهم صوتا، وإبراهيم بن المهدي أحسن الإنس والجن والوحش والطير صوتا، وحسبك هذا. قال إبراهيم بن المهدي وقد ذكر الطبل والإيقاع به، فقال: هو من الآلات التي لا يجوز أن تبلغ نهايتها، فقيل له: وكيف خص الطبل بذلك؟ [ص ٢٠٤] فقال: لأن عمل اليدين فيه عمل واحد ولا بد أن يلحق اليسار فيه نقص عن اليمين، ودعا بالطبل ليرينا ذلك، فأوقع إيقاعا لم نظن أن يكون مثله، وهو مع ذلك يرينا زيادة اليمين على اليسار، وقال له الامين في بعض خلواته: يا عم، أشتهي أن أراك تزمر، فقال: يا أمير المؤمنين، ما وضعت على فمي ناياقط، ولا أضعه، ولكن يدعو أمير المؤمنين بفلانة - من موالي المهدي - حتى تنفخ في الناي وأمر يدي عليه، وأحضرت فوضعت الناي على فمها وأمسكه إبراهيم، فكلما مر الهواء

стр. 4388

(١) مر إصبعه، فيسمع زمرا، أجمع سائر من حضر أنه لم يسمع مثله قط. قال محمد بن موسى المنجم (٢): حكمت بأن إبراهيم بن المهدي أحسن الناس غناء ببرهان، وذلك أني كنت أراه في مجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم، يغني ويغني المغنون، فإذا ابتدأ الصوت لم يبق من الغلمان والمتصرفين في الخدمة وأصحاب الصناعات والمهن الصغار والكبار، إلا ترك ما في يده وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه، فلا يزال مصغيا إليه، لاهيا عما كان فيه ما دام يغني، حتى إذا أمسك وغنى [غيره] رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه، ولم يلتفتوا إلى ما يسمعون، ولا برهان مثل هذا أقوى من شهادة الفطن واتفاق الطبائع - مثل اختلافها وتشعب طرقها - على الميل إليه. ٦٩ - عليّة بنت المهدي (٣) ضربت عليها الخلافة سرادقها، ونصبت لها المهلة نمارقها، وأسبلت دونها

стр. 4389

الحجب المنيعة، وأسدلت بين أخصاء الخدم وبينها الستور الرفيعة، وكان الرشيد شديد الغيرة عليها، والغيلة لمن أومأ بنظره إليها، هذا حاله مع خدم الدار (١)، وحرم من آواه (٢) حرم ذلك الجدار، فأما من سواهم، فلا يقع عليها مقل النجوم نظر ناظر، ولا يمر من خاطر النسيم على ذكر ذاكر، إجلالا لمكانها، وإجفالا من رقباء الرشيد الطائفة بأركانها، ثم هتكت بالغناء سترها الرفيع، وهونت حجابها المنيع، فعرضت عرضها (٣) للتشنيع، وعرضت عرضها للتضييع، ولم يغنها أن أخلدت إلى هذه الصناعة، ورمت مالها بالإضاعة [ص ٢٠٥]، حتى صارت تظهر لأهل الغناء، وتختلط بمن يؤهل من قومه المهناء، فأصبحت لا تعد في ذوات الستور، ولا تعاب إلا بما تحمد به البدور من السفور، وإنما أمها بصبص، وحق سرها فيها قد حصحص، وكانت هي وأخوها إبراهيم أقدر أخوين على الغناء، وأقوم رسيلين بالغناء كانت كأنما أعطيت مزمارا من مزامير داود، أو حركت أوتارا ركبت في لهواتها لا في العود، على كمال أدب بارع، وظرف إلى هز المعاطف مسارع، مع جمال تنقبت بنقابه وكمال تجلببت بجلبابه، ورقة خلائق كان نشر الصبا يدمثها، ودقة معان كان صوت اليراع ينفشها، وكان الرشيد لا يقدر على فراقها لسماع تلك الأغاريد، وإمتاع ذلك اللسان الحلو بلقائط تلك الأناشيد، وكان لا يتم سروره الا بحضورها، ولا يعم حبوره إلا إذا برزت نحوه من ستورها. قال محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي، كنت عند المعتصم وعنده مخارق وعلوية ومحمد بن الحارث بن بسخنر وعقيد، وكنت أضرب عليه فغنى: (٤) [المديد]

стр. 4390

نام عذالي ولم أنم … واشتفى الواشون من سقمي وإذا ما قلت بي ألم … شك من أهواه في ألمي فطرب المعتصم وقال: لمن هذا الشعر، فأمسكوا، فقلت: لعلية، فأعرض عني، فعرفت غلطي، وأن القوم أمسكوا عمدا، فقطع بي (١)، وتبين حالي، فقال: لا ترع يا محمد، فإن نصيبك منها مثل نصيبنا. قال إسحاق الموصلي: عملت في أيام الرشيد لحنا: (٢) [البسيط] سقيا لأرض إذا ما نمت نبهني … بعد الهدوء بها قرع النواقيس (٣) كأن سوسنها في كل شارقة … على الميادين أذناب الطواويس قال: فأعجبني وعزمت على أن أباكر به الرشيد، فلقيني في طريقي خادم لعلية بنت المهدي، فقال: مولاتي تأمرك بدخول الدهليز لتسمع من بعض جواريها [ص ٢٠٦] صوتا أخذته عن أبيك، وشكّت فيه الآن، فدخلت معه حجرة قد أفردت لي كأنها كانت معدة، فجلست وقدم لي طعام وشراب، فنلت حاجتي منهما، ثم خرج إليّ خادم فقال: تقول مولاتي، أنا أعلم أنك قد غدوت إلى أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث، فأسمعنيه ولك جائزة سنية، فغنيتها إياه ولم [تزل] تستعيده مرارا، ثم قالت: اسمعه الآن، فغنته غناء ما سمع سمعي مثله قط، ثم قالت: كيف تراه؟ قلت: أرى والله ما لم أر مثله، ثم أمرت جارية فأخرجت لي عشرين ألف درهم، وعشرين ثوبا، فقلت: هذا ثمنه، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين ولم أبدأ بغناء غيره، وأخبره أنه صنعتي، وأعطي الله عهدا لئن نطقت بأن لك فيه صنعة لأقتلنّك، هذا إن نجوت منه إن علم بمصيرك إليّ،

стр. 4391

فخرجت من عندها، والله إني كالموقر (١) بما أكره من جائزتها أسفا على الصوت، فما جسرت والله بعد ذلك أن أتنغّم به في نفسي فضلا عن أن أظهره حتى ماتت. فدخلت على المأمون في أول مجلس جلس به للهو بعدها، فبدأت به في اول ما غنيت، فتغير وجه المأمون، وقال: من أين لك هذا ويلك؟ قلت: ولي الأمان على الصدق، قال: ذلك لك، فحدثته الحديث، فقال: يا بغيض، فما كان لك في هذا من التعاسة حتى شهرته، وذكرت هذا منه، مع ما أخذته من الجائزة. وهجنني (٢) فيه هجنة وددت معها أنني لم أذكره، فآليت على نفسي ألا أغنيه بعدها أبدا. قال: أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال والكمال، فخلا معها يوما، وأخرج كل قينة في داره واصطبح، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة والشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي، وفي كل نوع من أنواع الجواهر والثياب، واتصل الخبر بأم جعفر، فغلظ عليها ذلك، فأرسلت إلى علية تشكو إليها، فأرسلت إليها علية: لا يهولنك ما رأيت، والله لأردنه إليك، قد عزمت أن أصنع شعرا، وأصوغ فيه لحنا، وأطرحه على الجواري فلا تبقى عندك جارية إلا بعثت بها إلي، وألبسيهن أنواع الثياب، ليأخذن الصوت مع جواري [ص ٢٠٧] ففعلت أم جعفر ما أمرتها به علية، فلما جاوزت صلاة العصر لم يشعر الرشيد الا وعلية قد خرجت إليه من حجرتها، معها زهاء ألفي جارية من جواريها وسائر جواري القصر، عليهن غرائب اللباس، وكلهن في لحن واحد هزج: (٣) [مجزوء الرجز] منفصل عني وما … قلبي عنه منفصل

стр. 4392

يا قاطعي اليوم لمن … نويت بعدي أن تصل فطرب الرشيد وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قط، يا مسرور، لا تبقين اليوم درهما في بيت المال الا نثرته، وكان مبلغ ما نثر يومئذ ستة آلاف ألف درهم. قال: كانت علية تقول: [من] لم يطربه الرمل لم يطربه شيء، وكانت تقول: من أصبح وعنده طباهجة (١) ولم يصطبح ضاع سروره. قال إبراهيم بن المهدي: ما خجلت قط خجلتي من علية بنت المهدي، حين دخلت إليها يوما، فقلت لها: كيف أنت يا أختي جعلت فداك، وكيف حالك وخبرك؟ فقالت: بخير والحمد لله، ووقعت عيني على جارية لها كانت تذب عنها (٢)، فتشاغلت بالنظر إليها وأعجبتني، وطال جلوسي ثم استحييت من علية، فأقبلت عليها فقلت لها: كيف أنت وكيف حالك جسمك (٣) جعلت فداك؟ فرفعت رأسها إلى حاضنة لها وقالت: أليس قد مضى هذا وأجبنا عنه؟ فخجلت خجلا ما خجلت مثله قط، وقمت وانصرفت. قال محمد بن جعفر بن يحيى: شهدت أبي جعفرا وأنا صغير، وهو يحدث أباه يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به من خلواته مع الرشيد، فقال: يا أبت، أخذ بيدي أمير المؤمنين، ثم أقبل في حجرة يخترقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده ودخلنا جميعا، فأغلقها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه، وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس، فنقر الباب [ص ٢٠٨] فسمعنا حسنا، ثم أعاد النقر، فسمعنا صوت عود، ثم أعاد الثالثة

стр. 4393

فغنت جارية ما ظننت أن الله تعالى خلق مثلها في حسن الغناء، وجودة الضرب، فقال أمير المؤمنين لها بعد أن غنت أصواتا: غني صوتي، فغنت (١): [الكامل] ومخنث شهد الزفاف وقبله … غنى الجواري حاسرا ومنقبا لبس الدلال وقام ينقر دفه … نقرا أقر به العيون وأطربا إن النساء رأينه فعشقنه … فشكون شدة ما بهن فأكذبا (٢) قال: فطربت والله طربا هممت معه أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال: غنني، فغنت: (٣) [المديد] طال تكذيبي وتصديقي … لم أجد عهدا لمخلوق لا تراني بعدهم أبدا … أشتكي عشقا لمعشوق قال: فرقص الرشيد ورقصت معه، ثم قال: امض بنا فإنني أخشى أن يبدو منا ما هو أكثر من هذا، فمضينا فلما صرنا إلى الدهليز، قال: وهو قابض على يدي: عرفت هذه المرأة؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، قال: فإني أعلمك ستسأل عنها فلا تكتم ذلك، وأنا أخبرك بها، هذه علية بنت المهدي، ووالله لئن لفظت به بين يدي أحد وبلغني لأقتلنك، قال: فسمعت جدي يقول له، قد والله لفظت به، ووالله لأقتلنك (٤) فاصنع ما أنت صانع.

стр. 4394

ومن شعرها في طلّ: (١) [الكامل] يا رب إني قد غرضت بهجرها … وإليك أشكو ذاك يا رباه مولاة سوء قد تضر بعبدها … نعم الغلام وبئست المولاه طلّ ولكني حرمت نعيمه … وهواه إن لم يغنني الله (٢) يا رب إن كانت حياتي هكذا … ضرّا عليّ فما أحب حياه قال: ماتت علية سنة تسع ومئتين، ولها من العمر خمسون سنة، وصلى عليها المأمون، وكان سبب وفاتها أن المأمون يوما ضمها إليه وجعل يقبل رأسها، وكان وجهها مغطى، فشرقت من ذلك وسعلت ثم حمت بعقب هذا أياما يسيرة وماتت. وكانت تحب خادما لها اسمه طل فأقصاه الرشيد [ص ٢٠٩] عنها خلافا لمرادها، وأقصدها من فراقها بسهم لم يخط صميم فؤادها فأبعده إلا عن موضعه من حبها، وأخرجه إلا من مكانه من قلبها، وإنما أظهرت التجلد لأجله، وأبدت التثبت خوفا أن يسبق السيف لعذله، فلم تتمكن بعد أن نفض عن ستورها سقيط طلّه إلا أن تجمع بالبكاء طلها بوبله، فبلغ الرشيد ولعها بتذكره، ودمعها الباكي على ساقط الطل في ثغر الأقحوان الضاحك، فقويت عزيمتها على الطرب، وإن كان مر المذاق، وتماسكت، وما عسى أن يتماسك المشتاق، فدخل الرشيد عليها يوما وهي تقرأ: «فإن لم يصبها وابل فطل» (٣)، فقالت: فإن لم يصبها وابل فما نهى أمير المؤمنين عنه، فقال لها: يا علية ولا في القرآن، ثم أذن له فيما بعد أن يكون بمكانه من بابها في جملة الخدم، ولا يتأخر عنهم ولا

стр. 4395

يتقدم، فكان على ذلك وهي أشدّ ما كانت به ولوعا، وإليه نزوعا، تتشكى الظمأ، ولا ترى الماء إلا ممنوعا (١)، ومضت عليها أيام لا تراه، فمشت على ميزاب مخاطرة في هواه، فلما وصلت إليه أنشدت من حرقتها عليه: (٢) [الكامل] قد كان من كلّفته زمنا … يا طل من وجد بكم يكفي حتى أتيتك زائرا عجلا … أمشي إلى حتفي على حتفي وقالت في طل وصحفت اسمه: (٣) [الطويل] أيا سروة البستان طال تشوقي … فهل لي إلى ظل إليك سبيل متى يلتقي من ليس يقضى خروجه … وليس لمن يهوى إليه سبيل وكانت لأم جعفر جارية يقال لها طغيان، فوشت بعلية إلى رشأ وقالت عنها ما لم تقل، فقالت علية فيها: (٤) [الطويل] لطغيان خف مذ ثلاثين حجة … جديد فلا يبلى ولا يتخرّق وكيف بلى خف هو الدهر كله … على قدميها في السماء معلق فما خرقت خفا ولم تبل جوربا … وأما سراويلاتها فتمزق ومن شعرها وقولها: (٥) [ص ٢١٠] [المديد] نام عذالي ولم أنم … واشتفى الواشون من سقمي وإذا ما قلت بي ألم … شك من أهواه في ألمي

стр. 4396

وقولها وقد خرجت مع أخيها الرشيد: (١) [الطويل] ومغترب بالمرج يبكي لشجوه … وقد غاب عنه المسعدون على الحب (٢) إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه … تنشق يستشفي برائحة الركب وقولها: (٣) [الطويل] وأحسن أيام الهوى يومك الذي … تروع بالهجران فيه وبالعتب ومنه قولها: (٤) [مجزوء الكامل] اشرب على وجه الغزال … الناعم الحلو الدلال (٥) اشرب عليه وقل له … يا غلّ ألباب الرجال وقولها: (٦) [مجزوء الرجز] منفصل عني وما … قلبي عنه منفصل يا قاطعي اليوم لمن … نويت بعدي أن تصل؟

стр. 4397

٧٠ - ومنهم - أبو عيسى (١) الزبير (٢) علمه الغناء والفراغ، وظفر الاعتناء منه بما يراغ (٣)، ولم يرعه من صنعة هذه الصنعة شرف أبيه، وشره مثله إلى ما يعليه، ونزوع نفسه إلى التشبه بأخويه، والتشبث بما كان يؤمل أن يصير إليه. وإنما أعجزه؟ على غرة شبابه عمه إبراهيم فخلّط عليه، وكان ذا جمال لا يدع لذي حسن نفاقا، وكمال يدير (٤) عليه من حذق نطاقا. قال الأصفهاني: ومن شعره وله فيه صنعة: (٥) [مجزوء الرجز] قام بقلبي وقعد … ظبي نفى عني الجلد خلفني مدلها … أهيم في كل بلد أسهرني ثم رقد … ومارثى لي من كمد ظبي إذا ازددت له … تذللا تاه وصد [ص ٢١١] واعطشا إلى فم … يمج خمرا من برد وكان يقال: انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد، ومن اولاد الرشيد إلى محمد وأبي عيسى [وكان أبو عيسى] إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه، اكثر مما كانوا يجلسون للخلفاء. قال الرشيد لأبي عيسى وهو صبي: ليت جمالك لعبد الله (يعني المأمون) فقال: على أن حظه منك لي، فعجب من جوابه على صباه وضمه إليه وقبله.

стр. 4398

ولما قال [أبو] عيسى: (١) [الطويل] دهاني شهر الصوم لا كان من شهر … ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر فلو كان يعديني الإمام بقدرة … على الشهر لا ستعديت جهدي على الشهر ناله بعقب قوله لهذا الشعر صرع، فكان يصرع في اليوم مرات، ولم يبلغ شهرا مثله. قال ابن حمدون: قلت لإبراهيم بن المهدي: من أحسن الناس غناء؟ قال: أنا، قلت: ثم من؟ قال: أبو عيسى بن الرشيد، قلت: ثم من؟ قال مخارق. قال: كان أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الرشيد يتغديان مع المأمون. فأخذ أبو عيسى هندباءة (٢) وغمسها في الخل، وضرب بها عين طاهر الصحيحة، فغضب وقال: يا أمير المؤمنين: إحدى عيني ذاهبة، والأخرى على يدي عدل، يفعل بي هذا بين يديك؟ فقال المأمون: يا أبا الطيب، إنه والله يعبث معي أكثر من هذا العبث. قيل: كان المأمون يخطب يوم جمعة على المنبر بالرصافة، وأخوه أبو عيسى تلقاء وجهه في المقصورة، إذ أقبل يعقوب بن المهدي، وكان من أفسى الناس، معروفا بذلك، فلما أقبل وضع أبو عيسى كمه على أنفه، وفهم المأمون ما أراد، فكاد أن يضحك، فلما انصرف بعث إلى أبي عيسى فأحضره وقال: والله لهممت أن ابطحك فأضربك مئة درة (٣)، ويلك أردت أن تفضحني بين أيدي

стр. 4399

الناس يوم الجمعة وأنا على المنبر، إياك أن تعود لمثل هذا، وكان يعقوب بن المهدي لا يقدر أن يمسك الفساء إذا جاءه، فاتخذت له داية مثلثة (١) [ص ٢١٢] وطيبتها وتنوقت فيها، فلما وضعتها تحته [فسا]، فقال: هذه ليست بطيبة، [فقالت له الداية هذه قد كانت طيبة] وهي مثلثة، فلما ربعتها فسدت. قال: وكان يعقوب هذا محمّقا، وكان يخطر بباله الشيء يشتهيه، ثم يثبت تحته ليس عندنا، فوجد في دفتر له ثبت ما في الخزانة من الثياب المثقلة الإسكندرانية، لا شيء، الفصوص الياقوت الأحمر من حالها كذا ومن نعتها كذا: لا شيء، فحمل إلى المأمون ذلك الدفتر فضحك لما قرأه حتى فحص برجليه وقال: ما سمعت بمثل هذا قط. قال عمرو بن سعيد: لما مات أبو عيسى بن الرشيد وجد عليه المأمون وجدا شديدا، حتى امتنع من النوم ولم يطعم شيئا، فدخل عليه أبو العتاهية، فقال له المأمون: حدثني بحديث بعض الملوك ممن كان قبلنا في مثل بعض حالنا وفارقها، فحكى له حكاية الجارية التي أخبر سليمان بن عبد الملك أنها عرضت له وهو خارج إلى الجمعة، وأنشدته: (٢) [الخفيف] أنت خير المتاع لو كنت تبقى البيتان وأنه أعرض بوجهه، فلم تدر عليه الجمعة إلا وهو تحت التراب.

стр. 4400

قال: فبكى المأمون والناس، فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم، والبيتان لموسى شهوات. ومن شعر أبي موسى وله فيه صنعة: (١) [مجزوء الخفيف] رقدت عنك سلوتي … والهوى ليس يرقد وأطار السهاد نو … مي فنومي مسهد أنت بالحسن منك يا … أحسن الناس تشهد وفؤادي بحسن وج … هك يشقى ويكمد ٧١ - علّويه (٢) كوكب أفق وسحب أنواء دفق، توقل (٣) منارا، وتوقد شجره الأخضر نارا، صنع غرائب الألحان، وظهر بعجائب الامتحان، وأدنته مجالس الخلفاء، وأدنته (٤) بالزيادة على الأكفاء وحلت له عقدة الحظ، وعقلة الزمن الفظ، فباء بالنعم الوافرة، وآب بالآمال النافرة، وراد معاندة خاسر [ص ٢١٣] الصفقة، حاسي الرفقة، لا يضم رجاؤه على النجاح كشحا، ولا تأتيه دقائق الرزق إلا رشحا. قال أبو الفرج، قال أبو عبيد الله بن حمدون، حدثني أبي قال: اجتمعت مع إسحاق يوما في بعض دور بني هاشم، وحضر علويه فغنى أصواتا، ثم غنى من

стр. 4401

صنعته: (١) [الطويل] ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة … إلي فهلا وجه ليلى شفيعها فقال له: أحسنت والله يا أبا الحسن ما شئت، فقام علويه من مجلسه فقبل رأس إسحاق وجلس بين يديه، وسر بقوله سرورا شديدا، ثم قال له: أنت سيدي وأستاذي، ولي إليك حاجة، قال: قل فو الله إني أبلغ فيها ما تحب، فقال: أيما أفضل أنا عندك أم مخارق فإني أحب أن يسمع منك في هذا المعنى قول يؤثر ويحكيه عنك من حضر، فتشرفني به، قال إسحاق: ما منكما إلا محسن مجمل، ولا نريد أن يجري في هذا شيء، قال: سألتك بحقي عليك وبتربة أبيك، وبكل حق تعظمه إلا ما حكمت، فقال: ويحك لو كنت أستجيز أن أقول غير الحق لقلته فيما تحب، فأما إذ أبيت إلا ذكر ما عندي، فلو خيرت أنا من يطارح جواري أو يغنّيني، لما اخترت غيرك، ولكنكما إذا غنيتما بين يدي خليفة أو أمير، غلبك على إطرابه، واستبد عليك بجائزته، فغضب علويه، وقام وقال: أفّ من رضاك، وأف من غضبك. قال عبد الله بن طاهر، سمعت الواثق يقول: علويه أصح الناس صنعة بعد إسحاق، وأطيب الناس صوتا بعد مخارق، وأضرب الناس بعد زلزل (٢)، فهو مصلي (٣) كل سابق ناذر (٤)، وثاني كل أول فاضل. قال: وكان الواثق يقول: غناء علويه مثل نقر الطست يبقى ساعة في السمع بعد سكونه. وكان علويه أعسر، وكان عوده مقلوب الأوتار، البم أسفل، ثم المثلث فوقه،

стр. 4402

ثم المثنى ثم الزير، فيكون مستويا على يده، مقلوبا في يد غيره. قال: غنى علويه يوما بين يدي الأمين (١): [ص ٢١٤] [الرمل] ليت هندا أنجزتنا ما تعد … وشفت أنفسنا مما تجد وكان الفضل بن الربيع يضطغن عليه شيئا، فقال للأمين: إنما يعرض بك ويحرض المأمون، ويستبطئ محاربته إياك، فأمر به فضرب خمسين سوطا (٢) وجر برجله حتى أخرج، وجفاه مدة، فلما قدم المأمون، تقرب إليه بذلك، فلم يقع له بحيث يحب، وقال له: إن الملوك بمنزلة الأسد والنار فلا تتعرض لما يغضبه، فإنه ربما جرى منه ما يتلفك، ثم لا تقدر بعد ذلك على تلافي ما فرط منه، ولم يعطه شيئا. ومثل هذا من (٣) فعل الأمين ما حكاه إسحاق قال: دخلت يوما على الأمين فرأيته مغضبا كالحا، فقلت: ما للأمير تمم الله سروره ولا نغصه إياه كالخاثر، فقال: غاظني أبوك الساعة، والله لو كان حيا لضربته خمس مئة سوط، ولولاك لنبشت الساعة قبره وأحرقت عظامه، فقمت على رجلي وقلت: أعوذ بالله من سخطك يا أمير المؤمنين، ومن أبي وما مقداره حتى تغتاظ منه، وما الذي غاظك، فلعل له عذرا فيه، فقال: شدة محبته المأمون، وتقديمه إياه عليّ قال في الرشيد شعرا يقدمه علي وغناه فيه، وغنيته الساعة فأورثني هذا الغيظ، فقلت: والله ما سمعت بهذا قط، ولا لأبي غناء إلا وأنا أرويه، ما هو؟ (٤) فقال قوله: (٥)

стр. 4403

[الوافر] أبو المأمون فينا والأمين … له كنفان من كرم ولين فقلت له: لم يقدم المأمون هذا لتقديمه إياه في الموالاة، ولكن الشعر لم يصح وزنه إلا هكذا، فقال: وكان ينبغي له إذا لم يصح وزنه إلا هكذا أن يدعه إلى لعنة الله، قال: فلم أزل أرفق به إلى أن سكن، فلما قدم المأمون سألني عن هذا الحديث، فحدثته به فجعل يضحك ويتعجب منه. قال أحمد بن يحيى المكي: دخلت على علويه أعيده من علة اعتلها، فجرى حديث المأمون، فقال: علم الله كدت أذهب ذات يوم وأنا معه، لولا أن الله سلمني ووهب [ص ٢١٥] لي حكمة، فقلت كيف كان ذاك؟ قال: كنت معه لما خرج إلى الشام، فدخلنا دمشق وجعل يطوف على قصور بني أمية، فدخلنا صحنا (١)، فإذا هو مفروش بالديباج والرخام الأخضر، وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك، وبين يديها بستان، وعلى أربع زواياها أربع سروات (٢)، كأنها قصت بمقراض من التفافها أحسن ما رأيت قط من السرو قدا، فاستحسن ذلك وعزم على الصبوح (٣)، وقال: هاتوا لي الساعة طعاما خفيفا، فأتي ببزماورد (٤) فأكله، ودعا بالشراب، وأقبل علي فقال: غنني ونشطني، فكأن الله أنساني الغناء (٥) [كله إلا

стр. 4404

هذا الصوت: (١) [المنسرح] لو كان حولي بني أمية لم … تنطق رجال أراهم نطقوا] فنظر إلي مغضبا وقال: عليك وعلى بني أمية لعنة الله، ويلك، قلت لك سؤني أو سرّني، ألم يكن لك وقت تذكر فيه بني أمية إلا هذا الوقت تعرض بي، فتحيلت عليه وعلمت أني قد أخطأت، فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية، هذا مولاكم زرياب (٢) عندهم (٣) يركب في مئتي غلام له، ويملك ثلاث مئة ألف دينار، وهبوها له، سوى الخيل والضياع والرقيق، وأنا عندكم أموت جوعا!! قال: أو لم يكن لك شيء تذكرني به نفسك غير هذا؟ فقلت: هكذا خطر لي حين ذكرتهم، قال: اعدل عن هذا ونبه على إرادتي، فأنساني الله كل شيء أحسنه إلا هذا الصوت: (٤) [الكامل] الحين ساق إلى دمشق وما … كانت دمشق لأهلها بلدا فرماني بالقدح فأخطأني، وانكسر القدح، وقال: قم عني إلى لعنة الله وحر سقر، وقام فركب، فكانت والله تلك الحالة آخر عهدي به، حتى مرض ومات. قال: ثم قال لي علويه: يا أبا جعفر، كم تراني أحسن، أغني ثلاثة آلاف صوت أربعة آلاف صوت؟ خمسة آلاف صوت؟ أنا والله أغني أكثر من ذلك، ذهب

стр. 4405

والله كله عني، حتى كأني لم اعرف غير ما غنيت، ولقد ظننت أن لو كان لي ألف روح، ما نجت منها واحدة، ولكنه كان رجلا حليما. قال: وغنى يوما علويه بحضرة الرشيد: (١) [ص ٢١٦] [الكامل] وأرى الغواني لا يواصلن امرأ … فقد الشباب وقد يصلن الأمردا فدعابه الرشيد وقال: يا عاض بظر أمه، تغني في مدح المرد وتذم الشيب، وستارتي منصوبة وقد شبت، كأنك إنما تعرض بي، ثم دعا بمسرور فأمره أن يأخذ بيده فيضربه مئة (٢) درة، ولا يرد إلى مجلسه، ففعل ذلك به، ولم ينتفع الرشيد يومئذ بنفسه. قال: دخل علويه يوما على إبراهيم بن المهدي، فقال له إبراهيم: ما الذي أحدثت بعدي من الصنعة يا أبا الحسن؟ قال: صنعت صوتين، قال فهاتهما إذا، فغناه: (٣) [الطويل] ألا إن لي نفسين نفسا تقول لي … تمتع بليلى ما بدا لك لينها ونفسا تقول استبق ودك واتئد … ونفسك لا تطرح على من يهينها قال: فكاد إبراهيم أن يموت من حسده، وتغير لونه، ولم يدر ما يقول له، لأنه لم يجد في الصوت مطعنا، فعدل عن الكلام في هذا المعنى، وقال له: هذا يدل على أن ليلى هذه كانت من لينها مثل الموم (٤) بدهن البنفسج، ثم سأله عن

стр. 4406

الصوت الآخر [فغناه]: [الطويل] (١) إذا كان لي شيئان يا أم مالك … فإن لجاري منهما ما تخيرا وفي واحد إن لم يكن غير واحد … أراه له أهلا إذا كان مقترا قال: فكاد إبراهيم أن يموت حسدا له، قال: وإن كان لك امرأتان يا أبا الحسن، حبوت جارك بواحدة، فخجل علويه وما نطق بحرف بقية يومه. ٧٢ - ومنهم - مخارق (٢) نبعة لا يقاتل بغرب، ولا يقابل في طرب، أتى في الغناء بكل خارق، وواتى ضربه إيماض كل شارق، وزاحم في مجالس الخلفاء، ووقف والقوم جثيّ على الركب، وقام بحصائد لسانه، وكل واحد به نكب، وكان زبدة تلك الحلبة، ودرّة تلك الجلبة، وأسرع الكل اقتباسا [ص ٢١٧] وأبرع نطقا لا يعرف احتباسا، ولهذا كان لا يعدل بأحد، ولا يعد معه من إذا خول النعمة جحد. قال أبو الفرج: لما صار مخارق للرشيد كان يقف بين يديه ويغني وهو واقف، فغنى ذات يوم ابن جامع: (٣) [البسيط]

стр. 4407

كأن نيراننا في جنب قلعتهم … مصبغات على أرسان قصّار (١) هوت هرقلة لما أن رأت عجبا … حمائما ترتمي بالنفط والنار (٢) فطرب الرشيد واستعاده عدة مرات، وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة، فأقبل الرشيد على ابن جامع، وقال له: أحسنت أحسنت، فغمز مخارق إبراهيم الموصلي بعينيه وتقدمه إلى الخلاء (٣)، فلما جاء قال له: مالي اراك منكسرا، قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت، فقال له مخارق: قد والله أخذته، فقال: ويحك إنه الرشيد، وابن جامع من تعلم، ولا يمكن معارضته الا بما يزيد على غنائه، وإلا فهو الموت، فقال: دعني وخلاك ذم، وعرّفه أني أغني به، فإن أحسنت فإليك ينسب إحساني، وأن اسأت فعلي يعود اللوم، قال: صدقت وعاد إلى موضعه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أراك معجبا بهذا الصوت فوق ما يستحقه ويستوجبه، قال: فلقد أحسن فيه ابن جامع ما شاء، قال: أو لابن جامع هو؟ قال: نعم هكذا ذكر، قال: فإن عبدك مخارقا يغنيه غناء أحسن من هذا وأطيب، فنظر إلى مخارق وقال: تغنيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: هاته، فغناه وتحفظ فيه، فأتى بالعجائب، فطرب الرشيد حتى كاد يطير فرحا، وشرب، ثم أقبل على ابن جامع فقال: ويلك، ما هذا! فابتدأ يحلف له بالطلاق وكل محرجة أنه لم يسمع ذلك الصوت قط إلا

стр. 4408

منه، ولا صنعه غيره، وأنها حيلة تمت عليه، فأقبل على إبراهيم، وقال: اصدقني بحياتي، فصدقه في قصة مخارق، قال: نعم يا مولاي، قال: اجلس إذا مع أصحابك، فقد تجاوزت مرتبة من يقوم، فأعتقه ووصله بثلاثة آلاف دينار وأقطعه [ضيعة] ومنزلا. قال الحسين بن الضحاك: حدثني مخارق [ص ٢١٨] أن الرشيد قال يوما وهو مصطبح لجماعة من المغنين: من منكم يغني هذا الصوت (١): [البسيط] يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا … زدت الفؤاد على علاته وصبا فقمت وقلت: أنا يا أمير المؤمنين، فقال: هاته، فغنيته فطرب وشرب وقال: علي بهرثمة (٢)، فقلت في نفسي: ما يريد منه، فجاؤوا به فأدخل إليه وهو يجر سيفه، فقال: يا هرثمة، مخارق الشاري الذي قتلناه في ناحية الموصل، ما كانت كنيته؟ قال: أبو المهنا، قال: فانصرف، ثم أقبل علي بوجهه وقال: قد كنيتك أبا المهنا لإحسانك، وأمر له بمائة ألف درهم. قال: كان الواثق يقول: أتريدون أن تعرفوا فضل مخارق على جميع أصحابه، انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السماط، فكانوا يتفقدونهم وهم وقوف وكلهم يستمع الغناء من المغنين جميعا وهو واقف مكانه ضابط لنفسه،

стр. 4409

فإذا غنى مخارق خرجوا من صورهم، فتغيرت وجوههم وتحركت ارجلهم ومناكبهم، وظهرت أسباب الطرب فيهم، وازدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه. قال: سمع إبراهيم الموصلي يوما مخارقا يغني وهو صغير، فقال له: نعم الفسيلة غرس إبليس منك في الأرض. قال هارون بن محمد بن هشام: دعانا مخارق يوما فأطعمنا جزورية، وجلسنا نشرب، فإذا نحن بامرأة تصيح: يا أبا المهنا، الله الله في، حلف زوجي بالطلاق أن يسمع غناءك ويشرب عليه، قال: اذهبي فجيئي به، فجاء فجلس، فقال له: ما حملك على ما صنعت، قال: يا سيدي، كنت سمعت صوتا من صنعتك فطربت عليه حتى استخفني الطرب، فحلفت أن أسمعه منك، ثقة بك، وكانت زوجته داية هارون بن مخارق، فقال له: ما الصوت؟ فقال: (١) [الكامل] بكرت علي فهيجت وجدا … هوج الرياح وأذكرت نجدا أتحن من شوق إذا ذكرت … نجد وأنت تركتها عمدا [ص ٢١٩] فغناه إياه وسقاه رطلا وأمره بالانصراف، وقال له: احذر أن تعاود فانصرف، فلم يلبث أن جاءت المرأة وعاودت الصياح، وهي تقول: يا سيدي، قد عاود اليمين، الله الله فيّ وفي أولادي، فقال: هاتيه، فأحضرته، فقال لها: انصرفي أنت، فإن هذا كلما انصرف حلف وعاود، فدعيه يقيم عندنا اليوم، فتركته وانصرفت، فقال له مخارق: ما قصتك؟ قال: رجل طروب، وكنت سمعت صوتا من صنعتك فاستخفني الطرب حتى حلفت أن أسمعه منك،

стр. 4410

قال: وما هو؟ قال: (١) [مجزوء الرمل] ألف الظبي بعادي … ونفى عني رقادي وعدا الهجر على الوص … ل بأسياف حداد قال: فغناه إياه وسقاه رطلا، ثم قال: يا غلام، ائتني بمقارع، فجيء بها، فأمر بالرجل فبطح وضربه خمسين مقرعة وهو يستغيث ولا يكلمه، ثم قال له: احلف بالطلاق أنك لا تذكرني أبدا، وإلا كان هذا دأبك إلى الليل، فحلف بالطلاق ثلاثا على ما أمره به، ثم أخرج، فجعلنا نضحك بقية يومنا من حمقه، وما أصاب الرجل. قال: كان مخارق ممن إذا تنفس أطرب (٢) من يسمع نفسه. قال: خرج مخارق مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع بعض من خرج معه، فسأله أن يهبها له، فضن المسئول [بها]، قال: وسنحت ظباء بالقرب منه فقال مخارق: أرأيت إن غنيت صوتا فعطفت به عليك خدود الظباء أتدفع لي هذه الأقواس؟ قال: نعم والله، فاندفع مخارق يغني: (٣) [المجتث] ما ذا تقول الظباء … أفرقة ام لقاء أم عهدها بسليمى … وفي البيان شفاء مرت بنا سانحات … وقد بدا الإمساء فما أحارت جوابا … وطال فيها العناء

стр. 4411

قال: فعطفت الظباء راجعة إليه حتى وقفت بالقرب منه مستشرفة تنظر إليه، ومصغية تسمع صوته، فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها، وناوله الرجل [ص ٢٢٠] القوس فأخذها، وقطع الغناء فعاودت الظباء نفارها، ومضت راجعة إلى سننها. قال بعض أصدقاء مخارق: ركبت معه مرة في طيّار (١) ليلا وهو سكران، فلما توسط دجلة اندفع بأعلى صوته، فما بقي أحد في الطيّار من ملاح أو غلام أو خادم إلا بكى من رقة صوته، ورأيت الشمع والسرج (٢) من جانبي دجلة في صحون القصور والدور يتساعون (٣) بين يدي أهلها يسمعون غناءه. قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: غنت شارية يوما بحضرة أبي صوتا، فأحد النظر إليها وقال لها أمسكي، فأمسكت، فقال: عرفت إلى أي شيء ذهبت، أردت أن تتشبهي بمخارق في تزايده. [قالت: نعم يا سيدي قال: إياك ثم] إياك أن تعودي، فإن مخارقا خلقه الله وحده في طبعه وصوته ونفسه، يتصرف في ذلك أجمع حيث يحب، ولا يلحقه أحد، قد أراد غيرك أن يتشبه به في هذه الحال فهلك وافتضح ولم يلحقه، فلا أسمعنّك تتعرضين لهذا بعد هذا الوقت. قال مخارق، ودعا أمير المؤمنين محمد الامين يوما، وقد اصطبح، فاقترح علي: [البسيط] استقبلت ورق الريحان تقطفه … وعنبر الهند والوردية الجددا

стр. 4412

ألست تعرفني في الحي جارية … ولم أخنك ولم ترفع إليّ يدا فغنيته إياه، فطرب طربا شديدا، وشرب عليه ثلاثة أرطال، وأمر لي بألف دينار، وخلع علي جبة وشي كانت عليه مذهبة ودراعة (١) مثلها وعمامة مثلها، فما لبست ذلك وراه عليّ ندم، وكان كثيرا ما يفعل ذلك، فقال لبعض الخدم: قل للطباخ يأتينا بمصلية (٢) معقودة الساعة، فأتينا بها، فقال: كل معي، فامتنعت لما أعرفه من كراهيته، فحلف أن آكل معه، فحين أدخلت يدي في الغضارة (٣) رفع يده وقال: أفّ نغصتها والله وقذرتها بإدخالك يدك معي فيها، ثم رفس القصعة رفسة فإذا هي في حجري وودكها (٤) يسيل على الخلعة حتى نفذ إلى جلدي، فقمت مبادرا فنزعتها وبعثت بها إلى منزلي، وغيرت ثيابي، وأنا مغموم بها وهو [ص ٢٢١] يضحك، فلما رجعت إلى منزلي، جمعت كل صانع حاذق فجهدوا في إخراج ذلك الأثر منها فلم يخرج، ولم أنتفع بها حتى أحرقتها وأخذت ذهبها. وضرب الدهر ضربة، ثم دعاني أمير المؤمنين المأمون يوما، فدخلت عليه وهو جالس، وبين يديه مائدة عليها رغيفان ودجاجتان (٥)، فقال لي: تعال فكل، فامتنعت، فقال لي: تعال ويلك فساعدني، فجلست وأكلت معه حتى فرغ، ووضع النبيذ ودعا علويه فجلس، وقال: يا مخارق، أتغني: (٦) [الطويل]

стр. 4413

أقول التماس العذر لما ظلمتني … وحملتني ذنبا وما كنت مذنبا هبيني امرأ إما بريئا ظلمته … وإما مسيئا قد أناب وأعتبا (١) فقلت: نعم يا سيدي، قال: غنه، فغنيته، فعبس في وجهي وقال: قبحك الله، أهكذا يغنى هذا؟ ثم أقبل على علويه فقال: أتغنيه، قال: نعم سيدي، قال: غنه، فغناه، فو الله ما قاربني فيه، فقال: أحسنت والله، وشرب رطلا واستعاده ثلاثا، ثم شرب عليه ثلاثة أرطال، وأعطاه كل مرة يعيده عشرة آلاف درهم، ثم خذف (٢) بإصبعه وقال: برق يمان، وكان إذا أراد قطع الشراب فعل ذلك، وقمنا فعلمت من أين أتيت. ولما كان بعد أيام دعاني (٣) فدخلت وهو جالس في ذلك الموضع يأكل، فقال لي: تعال يا مخارق، فقلت لا والله يا سيدي ما أقدر على ذلك، فقال: تعال ويلك أتراني [بخيلا] على الطعام لا والله، ولكني أردت أن أؤدبك، أن السادة لا ينبغي لعبيدها ان تؤاكلها، أفهمت؟ قلت: نعم، قال: فتعال الآن وكل على الأمان، فقلت: إذا أكون أول من أضاع تأديبك أياه، واستحق العقوبة من قرب، فضحك حتى استغرق، وأمر لي بألف دينار، فمضيت إلى حجرتي المرسومة في الخدمة، وأتيت بطعام فأكلت، ووضع النبيذ، فدعاني ودعا علويه، فلما جلسنا قال: يا علي أتغني: (٤) [البسيط] الم تقولي نعم قالت أرى وهما … مني وهل يؤخذ الإنسان بالوهم

стр. 4414

فقال: نعم يا سيدي، قال: هاته، فغناه، فعبس في وجهه وبسر (١) ثم أقبل علي [ص ٢٢٢] وقال: أتغنيه يا مخارق؟ فقلت: نعم يا سيدي، وعلمت أنه أراد أن يستقيد لي (٢) من علويه ويرفع مني، وإلا فما أتى فيه علويه لا يعاب به، فغنيت فطرب وشرب، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وفعل بي ذلك ثلاث دفعات، كما فعل به، ثم أمر بالانصراف فانصرفنا، وما عاودت بعد ذلك مؤاكلة خليفة إلى وقتنا هذا. قال حج رجل مع مخارق، فلما قضيا الحج وعادا، قال الرجل، بحقي عليك غنني صوتا، فغنى: (٣) [الطويل] رحلنا فشرّقنا وراحوا فغرّبوا … وفاضت لروعات الفراق عيون فرفع الرجل يده إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك أني قد وهبت حجتي له. وتوفي مخارق في أول خلافة المتوكل، وقيل: بل في آخر خلافة الواثق، وذكر ابن خرداذبة أنه كان أكل قرنبيطيّة باردة فقتلته من يومه. ٧٣ - عريب جارية المأمون (٤) وهي التي تحفظ أخبارها، ولا يقاس عليها، ولا يقال عن أحد فيكون بالنسبة

стр. 4415

إليها، وكانت أنفذ من السهام إلى أغراضها (١) وأطيب من زوال السقام لأمراضها، غلب معها المأمون وسرت إلى هواها سرى الأمون، وكانت لا تتحاشى، ولا ترى لها بغير أن تعاشر انتعاشا، وكانت ذات فنون ومحاسن كما في الظنون، وبديهة تتوقد، وميامن كأنها الفرقد. ذكرها أبو الفرج الأصفهاني وقال، قال: دخل أبو عبيد الله الحسامي على المعتز، وعريب تغني فقال: يا بن هشام غن، فقلت: تبت من الغناء مذ قتل سيدي المتوكل، فقالت له عريب: قد والله أحسنت حيث تبت فإن غناءك كان لا متقنا ولا صحيحا ولا مطربا، فأضحكت أهل المجلس منه وخجل. وكانت عريب مولدة في دار جعفر بن يحيى، وقيل إن أمها كانت تسمى فاطمة، وإن جعفرا تزوجها سرا وأسكنها دارا، ووكل بها من يحفظها، وكان يتردد إليها، فولدت عريبا في إحدى وثمانين ومئة، وعاشت ستا وسبعين [ص ٢٢٣] سنة. قال: وماتت أم عريب في حياة جعفر بن يحيى، فدفعها إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها، فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتها من شنين (٢) النخاس، فباعها من عبد الله بن إسماعيل المراكبي، ثم باعها فاشتراها المأمون بخمسين ألف درهم. قال الفضل بن مروان: كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب (٣) شبهتها بقدمي جعفر
следующие страницы →