في عدم مساواته؛ وهو مادة أهل الأدب، والذي ينسلون إليه من كل حدب، إلا أنه لم يقدر أن يكون مكلّفا، ولا استطاع أن يكون لغير أمالي خاطره متلقفا؛ وهذا مذهب غير مذهب كتاب الإنشاء المكلفين اتباع غرض غيرهم، حتى يقسروا خواطرهم على ذلك؛ على أن الرجل فضله عظيم، ومثاله الدهر به عقيم، وقدره جليل، ونظيره قليل؛ منبع الفضائل ونبعتها، وصيت الفواضل وسمعتها؛ توقته الأعداء سماما، وألقته الأولياء سهاما؛ وكان معدن [كلّ] نائل، وموطن كل طائل؛ باري غرب يريش ويبري، ويجيش قليب خاطره ويجري، أبرز مالم يستطعه الأوائل، وأحرز قصبات السبق على كل قائل.
وكان (١) سبب وضعه لمقاماته، ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله، قال:
كان أبي جالسا في مسجده ببني حرام، فدخل عليه شيخ ذو طمرين، عليه أهبة السفر، رثّ الحال، فصيح الكلام، حسن العبارة؛ فسألته الجماعة من أين الشيخ؟ فقال: من سروج (٢)؛ فاستخبروه عن كنيته، فقال: أبو زيد؛ فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية وهي الثّامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد المذكور واشتهرت، فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر أنو شروان بن خالد القاشاني (٣) وزير المسترشد [بالله] (٤)؛ فلما وقف عليها أعجبته، وأشار إليه أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين مقامة؛ وإلى الوزير المذكور أشار الحريريّ في الخطبة: فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع (٥).
стр. 4762
قال ابن خلكان: ورأيت في سنة ستّ وسبعين وستّمئة بالقاهرة، نسخة مقامات بخطّ الحريريّ، وقد كتب أيضا بخطّه على ظهرها، أنه صنّفها للوزير جلال الدين عميد الدّولة [أبي علي، الحسن بن أبي العز علي بن صدقة] وزير المسترشد أيضا. قال ابن خلكان: ولا شك أن هذا أصح من الرواية الأولى، لكونه بخطّ المصنّف، والله أعلم.
وأما تسمية الراوي بالحارث بن همام، فإنما عني [به] نفسه، وهو مأخوذ من قوله ﷺ : «كلّكم حارث، وكلّكم همّام» (١)، فالحارث: الكاسب؛ والهمام: الكثير الاهتمام، وما من شخص إلا وهو حارث وهمام، لأن كل أحد كاسب ومهتم بأموره.
وكان الحريريّ قد عمل من المقامات أربعين مقامة، وحملها إلى بغداد وادّعاها، فقال جماعة من أدباء بغداد: ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه فادعاها؛ فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشئ؛ فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عيّنها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة، ومكث زمانا، فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان؛ وكان من جملة من أنكر دعواه أبو القاسم عليّ بن أفلح (٢)، فأنشد (٣): [المنسرح]
стр. 4763
شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه اللّه بالمشان كما … رماه وسط الدّيوان بالخرس
وكان الحريريّ يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكر، وكان يسكن في مشان البصرة (١)؛ فلما رجع إلى البصرة عمل عشر مقامات أخر وسيرهنّ، واعتذر من عيّه وحصره بالدّيوان، مما لحقه من المهابة (٢).
وللحريريّ عدة تصانيف طريفة لطيفة، كدرة الغواص، وملحة الإعراب؛ ويقال: إنه عملها لجواري الخليفة، فكن يحفظنها ويقمن ألسنتهنّ بها. قلت:
وهي بما حوت من العلم سهلة المأخذ، كأن شعرها غزل؛ ولو لم يكن منه إلا قوله: [الرجز]
ولن يطيب الوصل حتّى تسعدي … يا هند بالوصل الذي يروي الصّدى
* وله نظم ونثر في غير المقامات، ومنها قوله نثرا: (٣)
ولما استخدم الخادم فيما أهّل له آنفا، اعتمد في الخدمة ما يتهيب قلمه الإفصاح عنه، ويعرف بأن سعادة الديوان العزيز هي التي سنّت ما تسنّى منه، وتقدّم له الوعد بأنه عند تصفح مساعيه، يمنح من المساعفة بما يرتجيه، ولم يقدم قلمه على التذكير بالوعد الشريف، إلا بعد ما أنطقه لسان التوفيق للخدمة، وكفل له بمزيد الحظوة من النعمة؛ فإن اقتضت الآراء العلية إنجاز
стр. 4764
موعده، كان ذلك إنعاما يقع عند معترف بوقعه، مستنفذ في الطاعة غاية وسعه.
ومنه قوله (١):
لولا خبرتي بفضله السائر، وإنعامه المنجد الغائر، لاستربت فيما يحكي، وامتريت فيما يروي؛ ولكن ما خلا عصر من جواد ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (٢) فإنه - أبقاه الله - وإن تصرفت الأحوال، وتشعبت الأقوال، كالغمام لا يقطع سقياه، ولا يستطيع أحد برد حياه؛ وللرأي الشريف مزيد علوه في الإنعام، بتأوّل ما أوضحته، والتّطوّل بما اقترحته.
ومنه قوله:
رزء تساهم فيه الأنام، وأظلمت ليومه الأيام، واستغرب عنده الحمام، وعزّي فيه الدهر بكافل أبنائه، وندب فيه شقيق السحاب، فاستعبر بدموع أنوائه.
ومنه قوله (٣):
وصل من المجلس - أكمل الله سعوده وأكمد حسوده - كتاب اتسم بالمكرمة الغرّاء، وابتسم عن النعمة العذراء؛ ووجدت بما ألحف من الجميل، وأتحف من التجميل، ما كانت أطماعي تهفو إليه، وآمالي تحوم حواليه؛ إذ ما زلت مذ استميلت وصف المناقب الشريفة، أبعث قلمي على أن يفاتح، وأن يكون الرائد لي والماتح، وهو ينكص نكوص الهيوبة، وينكل نكول الكهام عن الضريبة، إلى أن بديت وهديت، ورأيت كيف يحيي الله ويميت، فلم يبق بعد أن أنشط
стр. 4765
العقال، واستدعي المقال، إلا أن أنقل التمر إلى هجر، والهشيم إلى الشجر، فأصدرتها متشحة بالخجل، مرتعشة من الوجل، وأنا معترف بالتقصير، معتذر باللّسان القصير، «ولكلّ امرئ ما نوى» (١)، ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (٢).
ومنه قوله:
ولعلّ الأيام تسمح بمتعة الملاقاة، فاجعلها غرّة الأوقات، وأعظمها كتعظيم حرمة الميقات؛ وهو إذا أتحفني بسطرين في كل شهرين، يكون قد أمطاني رتبة تضاهي النسرين، وأولى نعمة تبقى على العصرين.
ومنه قوله يهنئ بشهر رمضان: [الخفيف]
أنت في النّاس مثل ذا الشّهر في الأش … هر بل مثل ليلة القدر فيه
أسعد الله المجلس بمقدم هذا الشهر، ومطلع هلاله المنيف؛ وهذا دعاء - لو سكتّ - كفيته، وسؤال - ولله الحمد - أوتيته.
ومنه قوله:
إذا كانت المودات - حرس الله عز سيدنا - أنفس المرام المخطوب، وأنفع ما اقتني لدفع الخطوب، فلا لوم على من استسعى قدمه لخطبتها، واستعلق قلمه لطلبتها، لا سيما إذا كانت تعجب المتأمل، وتسعف المؤمّل؛ هذا وأنا مع المغالاة في الموالاة، وعلى هذه الصّفات من المصافاة، أعترف بوجوب معاتبتي، لقصور مكاتبتي، وأعتذر من عظيم هفوتي لتمادي جفوتي، ولولا أن لمفاتحة حضرته
стр. 4766
وقفة المتهيب، وخجلة القطر من الصّيّب، لما استهدف قلمي لمرام الملام، ولاستنكف أن يكون سكّيتا في حلبة الأقلام؛ وها هو الآن قد أقدم إقدام الوقاح، وتعرض للافتضاح؛ فإن رزق بالقبول تحسينا، أو بمصافحة يده تزيينا، فقد فاز فوزا عظيما، وحلّ محلا كريما، وأنى له؟ ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (١) فما قيل إلا بما هو له أهل: [الكامل]
ولربما استيأست ثم أقول: لا … إنّ الذي استشفعت منه كريم
ومنه قوله:
ولم يزل الخادم يستملي من أنباء الكرام الطاهرة، والفضائل المتظاهرة، ما يودّ لو سعد برؤيته، وقرب إسعاده في روايته، ويوقن معه أن الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ويخص بكراماته؛ وقد أقدم الآن بعد إحجامه في استخدام أقلامه، فإن رزق من الإيجاب الشريف ما يحقق التأميل، فهو المظنون في كرمه البديع وطوله الوسيع؛ والآن فللخادم حرمة من أحرم وقصر، وطلب النّصرة فلم ينصر؛ والله تعالى لا يخلي المجلس من تناديه، واسترقاق الأحرار بأياديه.
ومنه قوله:
سطرها الخادم وهو منتسك بالولاء الذي يتمسك بحبله، والدعاء الذي هو جهد مثله، والثناء على صنائعه، التي طالما أبكى بها وأضحك الأجيال؛ وقصده أن يتعمد بعواطفه التي تحقق الأمل، ومجازاته على حسب النية لا العمل.
ومنه قوله:
أصدرت هذه الخدمة، واليد تنكل عن مطاوعة القلم، لهذه النازلة التي أصم
стр. 4767
نعيها المسامع، وهون وقعها الفجائع: [الطويل]
فلا قلب إلا قد تباين صدعه … ولا عين إلاّ وهي تذرف بالدّم
ومنه قوله:
وهنأ بالنجاح كل من غشينا إلى ضوء ناره، وانتجع صوب أمطاره، وسمع أخبار كرمه فاهتدى إلى قصد الكريم بأخباره.
ومنه قوله: (١)
وحبس عليه المدائح التي حازها بالاستحقاق، واستخلصها بكلمة الاتفاق.
ومنه قوله: (٢)
وما زال متصفا من الكمال بما لا يقبل معه مزيدا، ولا يستطيع خلق لملابسه تجديدا، خلقا دان الخلق لمعجزاته، وقصرت الأفعال عن تحقيق صفاته، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
ومنه قوله: (٣)
واشتاق إلى تلك الألفاظ المعسولة، والمعاني المشمولة، التي تميل بأعطافها نشوة الفصاحة، وتفتر عن محاسنه شفاه الرجاحة، فلا جرم أنها قد شغلتني أن أنطق بمنثور ملقّح، أو منظوم منقّح.
стр. 4768
ومنه قوله (١):
وكتب الخادم هذه الخدمة أواخر شعبان، عظم الله لدى مولانا ميامن تقضّيه، وبركات ما يليه؛ جعل الأيام كلها مواسم مسارّه، وصحائف مبارّه، ومعالم مآثره الحسان وآثاره.
ومنه قوله:
من شيم السادات، حفظ العادات، فما بال سيدنا أغلق باب الوصال بعد فتحه، وأصلد زند الإيناس عقيب قدحه، وأوردني أولا شريعة بره، ثم أجلاني عن شاطئ بحره، بما كان لملل فأنا أنزهه منه، أو لزلل فأستغفر الله منه؛ ولعل سيدنا يعود إلى عطفه الكريم، ويروح قلبي بمؤانساته الأرجة النسيم؛ وإذا تكرم عند عرض ما كتبته بما تحسن به الجلوة، وتجلب به الحظوة، شكرت العارفة الحلوة.
ومنه قوله (٢):
جعل الله الدولة القاهرة مونقة النضارة، مشرقة الإنارة، ممنوحة الإطالة، مهروجة الإبالة (٣)؛ ولا أخلاها من مأثرة تروى عنها وتؤثر، ومنقبة تذكر على تعاقب الأزمنة وتشكر؛ ولا زالت ممطرة الأزمنة، حالية بالمناقب البينة، متلوة الأوصاف بجميع الألسنة، مبثوثة المدائح بكلّ الأمكنة؛ وأسبغ على أقطار البلاد من عواطفها ما أضحك مباسم الظنون، وحل كالغيث الهتون؛ ولا برحت أيامها
стр. 4769
ممتدة المدة، محتفة بالتهاني المستجدة، وأورف ظلّها على الخلق، وأعلى كلمتها القائمة بنصر الحقّ، ما دارت الشهب، ودرت السّحب، وشهرت القضب، ونشرت الكتب، واستهلّت الأهلّة، واستهلّت الأنواء المنهلّة.
ومنه قوله (١):
وصل إلى العبد ما أهّل له، من مدارع التشريف الذي أحيا رمّته، وجلّى غمتّه، واتخذه فخرا لأعقابه، وذخرا لمآبه؛ وهو يرجو أن يقابل مواقع النعمة، بما يجب من الشكر بلسان الخدمة، وسيتضح من مساعي الخادم ونصائحه، تأثير شكر جوارحه.
ومنه قوله (٢): [الطويل]
ولو أن أنفاسي أصبن بحرّها … [حديدا] إذا كاد الحديد يذوب
ولو أن عيني أطلقت من بكائها … لما كان في عام الجذوب جذوب
بي من الاشتياق إلى خدمة ما يصدع الأطواد، فكيف الفؤاد؟ ويهوي بالجبال فكيف البال؟ ولولا التعلّل بترجّي الالتقاء لقيل عنه: لك يا مولانا طول البقاء، إلا أنه يستدفع الخوف بسوف، ويزجر الأسى بعسى ﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ (٣).
ومنه قوله:
المراتب تتفاضل مراقيها بتفاضل راقيها، وتتفاوت معاليها بتفاوت من يليها، ولولا ما يعلمه سيدي من وظائف الخادم في التوفير على الدّعاء، لما سبقه إلى
стр. 4770
الخدمة قدم، ولا ترجم عن تهنئته قلم، فمتعه الله بما وهبه من المعالي، وأحله من مقاماتها في المكان العالي، وبارك له في وصل عقيلتها التي تغتبط بوصله، وتقول: الحمد لله الذي أحلنا دار المقامة من فضله؛ وهو أعزّه الله يجلّ قدره أن يهنأ برتبة وإن علت، ويرخص عنده قيمة كل خطوة وإن غلت؛ فليهن الأنام ما تجدد له من المرتبة المنيفة الذرى، والمهابة التي خضعت [لها] أعناق الورى؛ والله لا يخليه من زيادة يستمدها، وتهنئة يستجدّها.
ومنه قوله:
وشكري لما أولى من مكارمه، توفي على شكر الروض الذابل، لصنيع الوابل، بل شكر من أطلق من أسره، وجبر بعد كسره؛ ولو نهض بالعبد القدمان، أو أسعده الزمان، لقصد الباب العالي ولو على الأجفان، وقام في زمرة المداح يتلو صحف الشكر باللّسان؛ ولما قصّرت به الخطوة عن هذه الحظوة، أقدم على أن يهدي الورق إلى الشجر، وبيض من مدائحه شعرا كبياض الشعر، هذا على أن ذنب المعترف مغفور، والمجتهد وإن أخطأ معذور.
ومنه قوله:
طالما شجع الخادم قلمه على إيضاح ولائه، فنكص إلى ورائه، وأحجم للتهيّب عن إنهائه، وقد أقدم الآن على أن أبان؛ فإن أسعد بجواب يبهج بتأمّله، فقد حصل على مؤمله؛ وإن رجع بصفقة الخائب، وطرد طرد الغرائب: [من الكامل] [الكامل]
فلربما منع الكريم وما به … بخل ولكن سوء حظّ الطالب (١)
стр. 4771
ولعله يرفع الطرف، ويشرف في الجواب ولو بحرف، وعليه سلام الله ما حطت أقدام، وخطت أقلام.
* ومن شعره (١): [البسيط]
قال العواذل: ما هذا الغرام به … أما ترى الشعر في خديه قد نبتا
فقلت: والله لو أن المفنّد لي … تأمل السّحر في عينيه ما ثبتا
ومن أقام بأرض وهي مجدبة … فكيف يرحل عنها والربيع أتى
وقال، وقد أتاه رجل (٢) لسمعته، فلما رآه استزراه (١): [البسيط]
ما أنت أول سار غره قمر … ورائد أعجبته خضرة الدّمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل … مثل المعيديّ فاسمع بي ولا تزني
وأورد له عماد الدين الكاتب في «الخريدة» (١): [مجزوء الخفيف]
كم ظباء بحاجر … فتنت بالمحاجر
ونفوس نفائس … خدرت بالمخادر
ورثين لخاطر … هاج وجدا لخاطر
وعذار لأجله … عاذلي فيه عاذري
وشجون تضافرت … عند كشف الضفائر (٣)
فهذا مقدار كاف في القسم الأول، من مشاهير الكتاب الذين عظم صيتهم ولا غوص لهم.
فأما هذا الرجل - أعني أبا محمّد الحريري - فإنه - على ما رأيت أنموذج
стр. 4772
كلامه هنا - قليل الغوص بخلف مقاماته، فإنه فيها كمن طلب الروض فجنى زهرها، وصعد السماء فاقتطف زهرها؛ وإنما تركت اختيار شيء له منها لشهرتها، ولأنها صارت كتابا بذاته، لا تعدّ في سلك ترسّلاته؛ وبينهما في حسن الكون، ما رأيت من هذا البون، على أن ما أوردت له من هذه الرسائل هي الفرائد التي لا تقوّم، والفوائد التي تعني من يتعلم، متماثلة في توفيه الأغراض، مغازلة كالجفون المراض، سهلة على فهم المتناول، قرمة (١) لا تنالها يد المتطاول.
*** * وأما القسم الثاني من أصحاب الغوص، فسنذكرهم على أن حكم أكثر الكتّاب القدماء حكم العرب، كلاهما له فضيلة السبق، وفتح الطريق؛ وحكم المتأخرين منهم حكم المولدين من الشعراء، في توليد المعاني والمجيء باللّطائف؛ وقد وشحوا صناعتهم بالاستعارات الصحيحة والتشبيه والاستخدام والتورية وأنواع البديع، وتناهوا في الدقيق والتنميق، وتباهوا في التخيّل والتخيير، وقيدوها بالأسجاع، ولزموها كالقوافي، فلم يعوزها (٢) من الشعر إلا الوزن فأخملوا الأوائل، وأخمدوا كل قائل، وأتّموا الفن وكمّلوه، وزينوا الفضل وجملوه؛ وهذا مكان للمغرب فيه مع المشرق مجال، وميدان له في فرسانه رجال، وهو في هذا غير ممنوع ولا مدفوع، لكنه فيما تقدم المئة الرابعة لا يذكر له في هذه الفتية فيئة (٣)، ولا تظهر له هيئة؛ ثم ما عدم في هذا الشأن ما أوهن زجاج حاسده، وأشرق بغصص الدمع شأن معانده؛ ولا نقول هذا على أن للغرب بهذا المزية على الشرق، ولا أنه سلّم إليه في هذا الحق، وإنما نحن بصدد إنصاف، وما يبعد فيما بين الغرب والشرق في هذه الفضيلة، ولا نجحد أن له بمن نعده هنا
стр. 4773
وسيلة، وإلا فالمشرق من كتابه المتأخرين من اقتطف الزّهر والزّهر، وجر ردنه على المجرة والنهر، وأتى بما هو أضوع من العبير، وأضوأ من جبهة القمر المنير؛ وردوا غدر البلاغة فشربوا زرق نطافها، وساموا رياض البراعة وشرعوا في قطافها، فولدوا المعاني واخترعوها، وابتدؤوا أحسن الطرق وابتدعوها؛ وفتن الألباب كلامهم الدّرّ، ولفظهم الرقيق الحرّ؛ وأدعى قول نقوله للحقّ: إنّ من لدن المئة الرابعة وهلم جرا أهل المغرب في هذه الصناعة أكثر رجالا وأهل المشرق أبرع رجلا، وإنما أردنا بتقديم من قدمنا ذكره من الوزراء والكتّاب، وإن لم يكن ما يؤثر عنهم ممّا يناسب درّه كله نظم هذا السّحاب، لإثبات الفضل للشرق على الغرب في تلك المدد الطوال والسنين الخوال، فإن الشرق كان معمورا بمثل هؤلاء، والغرب قفر يباب أكتب من فيه نقول له: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتابُ﴾ (١) على أن هؤلاء القدماء وإن لم يدخلوا في الغوص من هذا الباب، ولا أتوا باللّب اللّباب، فما فاتهم سابقة فضل في فضل، ولا قصّر بهم راية عن غاية، وفي أثناء ما ذكرناه دليل، لولا الاكتفاء به لبيناه مع سعة هذه المقدرة والتقدم في دول الخلفاء، والتقرب في خواطرهم إلى محل الاصطفاء، وما أجري لهم من الارزاق، أو جرى بهم من الأموال، وأقلها خزائن والإقطاعات، وأصغرها مدائن والنّفقات، وأهولها قناطير مقنطرة، والعطايا وبعضها جمل مستكثرة، والدولة الزاهرة وكانوا أطوادها، والصولة القاهرة وكانوا إذا رؤوا آسادها، والخلافة وكانوا عمادها، والإمامة وكانت أقلامهم سيوفها والسيوف أغمادها، والمفاخر وقد جمعوا شتيتها، والمآثر وقد استطابت على مطارف السّحاب مبيتها، واغتنام الأيام وصنائع ملكوا بها رقّ الأحرار، وأطافوا بها على الأكباد الحرار؛ فيا أيّها المباهي للمشرق بالمغرب، والمباهل في هذا الفضل المغرب، ها قد قلنا لك بعض
стр. 4774
ما عندنا، فقل لنا كل ما عندك، وأرنا نارك إن كنت تحرق، وأقداح زندك.
* فأما ما نذكره لأصحاب الغوص قديما، ونصل جناحه بالمفاخرين، فسنغصّ به حلوق المفاخرين، ونقذي عيونهم في الآخرين، ونخرّهم للأذقان على وجوههم داخرين.
وها أنا ذاكر القسم الثاني؛ فمنهم:
٤ - أبو الفرج، عبد الواحد بن نصر بن محمد، القرشيّ المخزومي، المعروف بالببغاء (١)
* هو رأس الجماعة، ورئيس القوم في البضاعة، ما قصر في متن تشبيهه عن ابن المعتز، ولا في ديباجة لفظه عن البختري، ولا في إحكام معانيه عن أبي تمام، ولا في كثرة تنويعه عن أبي نواس؛ علم لا يخفى، وقلم لا يحفى، عرش آداب مخضل النبات، مخضر الجنات، رأي المجد هضبة فأناف رأسها، وحلبة فأجرى أفراسها، فطرّف بطارفه التّالد، وشرّف بمطارفه الوالد، وأحيا شرف مخزوم، وقد فرع عمر عمر وفات خالد؛ توفّي الببغاء سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة.
ومن كلامه يصف حمارة (٢):
مخططة يستطيل بياضها، فيما يستطيل من أعضائها، ويستدير فيما يستدير؛ وهذه الأتان بما خرجت عن العادات، وخالفت الموصوفات، ناطقة في
стр. 4775
كمال الصنعة بأفصح لسان، مشتملة على غرائب الإحسان؛ أنفس مدخر، وأغرب موشى، وأفخر مركوب، وأطرف محبوب، وأعجز موجود، وأبهر محدود؛ كأنما وسمها الكمال بنهايته، أو لحظها الفلك بعنايته، فصاغها من ليله ونهاره، وحلاّها بنجومه وأقماره، ونقشها ببدائع آثاره، ووشّى روضها بيانع أزهاره، ورمقها بنواظر سعوده، وجعلها بالكمال أحد حدوده؛ جامعة شتيتها بالقسمة والترتيب، بين زمني الشبيبة والمشيب؛ قيد الأبصار، وأمد الأفكار، ونهاية الاعتبار، بستان بسرج، وروضة بمرج، منزه على الحليّ عطلها، مزريّة بالزهر حللها؛ حدّ جنسها وعالم نفسها؛ صنعة المنشئ الحكيم، وتقدير العزيز العليم، ﴿فَتَبارَكَ اَللّهُ أَحْسَنُ اَلْخالِقِينَ (١).﴾
ومن قوله قرين أسطرلاب أهداه:
أجلّ الهدايا - يا سيدي أطال الله بقاءك - موضعا، وألطفها من الملاطف موقعا، ما لاءم الاختيار، ووافق الإيثار، وكان العقل أخص بفائدته، والفهم أحظى بيمن عائدته؛ ولما كنت - أيدك الله - ممن لا يتوصل المتوصل إليه إلا بما تنصف (٢) العادة الحكمة عليه؛ آثرتك - وفقك الله - ببرهان الحكمة ونسبها، ومدار الفلسفة وقطبها، ومرشد الفكر ومناره، وميزان الحسن ومعياره، ونافي الشك ومزيله، وشاهد العالم ودليله، ومصور الهندسة وممثلها، ومقسم البروج ومعدّلها، وموقف النّجوم ومثيرها، وجامع الأقاليم ومديرها؛ مرآة الحبك، وصورة الفلك، وأمين الكواكب، وحدّ المشارق والمغارب؛ مما اخترعت العقول تسطيحه، وأتقن الحساب تصحيحه، وتمارت الفطن في ترتيبه، واصطلحت الحكماء على تركيبه، فأوضحت باليقين تقسيمه، وأبانت بالكتابة قلمه ورسومه، إلى أن
стр. 4776
شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته، وحصر متفرق الأنوار في مجرى عضادته، واحتوى على قطري الشمال والجنوب، وأطلع باللّطف على خفيات الغيوب؛ متّعك الله باستخدامه، وأسعدك بمواقع أحكامه، وأغناك بالتوفيق عمّا يستمده منه، وبالخيرة عن الاختبارات الصادرة عنه، وقد آنست وحشته من فهمك بسكنه، ورددته من ذكائك إلى وطنه، فإن رأيت أن تديله من الأفهام الصدئة بصفاء بصيرتك، وتقرّه في أمنع قرار من كنف فطنتك، فعلت إن شاء الله تعالى.
ومنه قوله يستهدى دواة من الأبنوس بآلاتها:
ولعل المولى ينعم بدواة تكون للكتابة عتادا، وللخواطر زنادا؛ جدولية العطفين، هلالية الطرفين، مسكية الجلدة، كافورية الحلية، فسيحة الأحشاء، مهفهفة الأعضاء، فهي من لون جلدتها، ووشائع حليتها: [الخفيف]
كشباب مجاور لمشيب … أو ظلام موضّح بنهار
أضمرت آلة النّهى فهي كالقل … ب وما تحتويه كالأفكار
يقارنها قضبان (١) من ذخائر السحاب، وودائع التّراب؛ كلّ معدل الكعوب، قويم الأنبوب، باسق الفروع، رويّ الينبوع، نقي الجسد، نازح العقد، مختلف الشيات، متفق الصفات، مما اعتنت الطبيعة بتربيته، وتبارت الدّيم في تغذيته، كالجوهر المصون، واللّؤلؤ المكنون؛ ملتحف الأجساد بمثل خوافي أجنحة الجراد، أولى باليد من البنان، وآنس بخفي السر من اللسان، مقترن ذلك بمدية لا تفتقر إلى جلب (٢)، ذات غرار ماض، وذباب قاض، ومنسر ناويّ، وحديد سمائي، وجوهر هوائي، ونصاب زنجي، وحد لجي، معه مقطّ، يرتفع عليه تقديرها وينحطّ، ذو جسد بجراحها مكلوم، وجلد بآثارها موسوم: [البسيط]
стр. 4777
في كلّ عضو له من وقعها ألم … وليس ينجع فيه ذلك الألم
كأنّه وامتهان القطّ يزعمه … أنف الحسود إذا أرغمنه النّعم
حتى إذا جببت غاربه، وأطلقت مضاربه، انصاع من أصون جفير، وكرع في أعذب غدير، لا ترده غير الأفهام، ولا يمتح بغير أرشية الأقلام، تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره، وتنشأ سحب البلاغة من قراره، منير مظلم، مشمس معتم: [البسيط]
يجري وأجزاؤه في الوصف جامدة … ويستهلّ وما تجري له مقل
إذا الخواطر حامت حول مورده … لم يظمها من قراه العلّ والنّهل
كأنّ أقلامنا فيما تحمّله … إلى القراطيس عن أسرارنا رسل
ومنه قوله لرجل في تزويج أمه (١):
واتصل بي ما كان من أمر الواجبة الحقّ عليك، المنسوبة - بعد نسبتك إليها - إليك، واختيارها من الصيانة التي تحفظ جلالتها، وتحسن إيالتها، وتنمي مالها، وتشدّ أخوالها، وتعين طباعها على كرمها، وتقيم مهابتها على خدمها، ما لولا أن النفس تناكره بغير طريق شرعي ولا دليل قطعي، لكنت في مثله بالرضى أولى، وبالاعتداد بما جدّده الله من صيانتها أحرى؛ وقد آثر الصّلة بها من تقوى بصلته، قوّة اليد بالسّاعد، وتعتده عمّا بحكم المجاز، والعمّ صنو الوالد (٢)؛ وتزوجت أمّ زيد بن عليّ فلم يمنعه عمّا جاء به الشّرع حميّة النخوة، وسئل: لم تزوجت أمّك بعد أبيك؟ فقال: لتبشّر بآخر مثلي من الإخوة؛ وفي هذا لها
стр. 4778
- أصانها الله - مزيد للعفة، ومزيل للكلفة، والزواج يستحبّ للرجال والنساء سواء، في طلب تجديده شهوات الأمّهات والآباء، وقد جدع الإسلام أنف الغيرة (١)، وجعل فيما اختاره الخيرة؛ ولا يسخطك - أعزك الله - ما رضيه موجب الشرع، وحبّب أدب الديانة، وحكم به حاكم العقل في الصيانة، فمباح الله أحقّ أن يتبع، وهوى النفس في الحمية أولى أن يمتنع؛ فإياك أن تكون ممن إذا عدم اختياره، تسخط اختيار القدرة.
ومنه قوله في فتوح:
أصدرت هذا الكتاب بمواقع نعم الله الشاملة، وآثار نعمه المتواصلة؛ وهو أنّا لمّا رأينا السّيوف متوثبة في الأيدي للضرب، وحاذرنا هجوم الشتاء على مضيق الدرب، جعلنا آخر الأمر أوله، وركبنا من الصعب أهوله، وأرسلناها تتبارى في الركض، وتتلاعب بالأرض، وتتواثب كالظلمان، وتتهافت كالعقبان؛ أسرع من النجوم السائرة، وأنفذ من السهام العائرة؛ إلى أن نزلنا بطن هنزيط (٢)، فكنا أسبق إلى عيون أهلها من النظر، وأدخل في نفوسهم من تسقط الحذر، ولم يمض صدر اليوم إلاّ وقد حصل جميع من فيه من المقاتلة والحامية، والشّبي والماشية، والغلام والجارية، تحت رقّ الصّفاح، وفي ملك الخيل والرّماح؛ ثم يمّمنا بلد قالي قلا (٣)، فوردناها وقد سبقنا الإنذار، وتقدمّنا إليهم الحذار، فرجعنا إليهم بالعزائم الثاقبة، والكتائب العالية، فما كان بأسرع من أن زلزلت بهم الأقدام، وتحصّنوا بالهرب من الحمام، ودخلوا البلد؛ فكاد السور يقذف بمقاتلتهم،
стр. 4779
والأرض تنخسف زلزالا بكافتهم؛ ثم دخلنا البلد والسيف يأخذ من أدركه، والطّعن ينحر من استملكه، ثم رجعنا على من استعصى بالكنيسة، فخاطبونا بلسان الإذعان، وراسلونا في التماس الأمان، فأجبناهم إلى ذلك مشترطين ما منعهم حظّ الإسلام من قبوله، فاقتطعهم الطّمع عن تحصيله، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اَللّهِ فَأَتاهُمُ اَللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ﴾ (١) وبرقت لهم مكائد النشاب، ودخلت عليهم رسل الموت على أجنحة النّسور من كل باب، فاستنزلناهم بحكم السيف وهم مهطعون ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اَللّهِ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (٢) وأقمنا على أعلى جدرانه الأذان، ورتبنا المصلّبين مواضع الصّلبان، ثم انقلبنا بأسعد منقلب، وأربح مكتسب؛ ﴿وَقِيلَ اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ﴾ (٣).
ومنه قوله يصف تشريفا وفرسا وصلا إلي أبي تغلب بن حمدان من الخليفة:
وصل كتاب أمير المؤمنين مطلقا إلى الرّشد بالتوقيف، مقترنا بخصائص التّكرمة والتشريف؛ فقبّلت من الملبس الشريف مواقع أفضاله، واعتلقت من السعد بأذياله، وبرزت في الخلع الموسومة بإنعامه، والمناطق الناطقة بإكرامه، متدرّعا منها ثياب السكينة والهدى، مختالا من حللها فيما يروق الأولياء ويروع العدى، متقلّدا عضبه الذي هزّ النصر غراره، وأحسن آثاره، عاليا على عنق الزمان، بامتطاء ما حباني به من الجواد الذي تزلّ الأبصار عن صهواته (٤)،
стр. 4780
وتتبلج غرّة الفجر في ظلماته، وهو مع كونه تحلّى بحلية الكافر، يروع كلّ كافر مشرك، ويحقق بركضه أن الليل الذي هو مدرك (١)؛ والحمد لله الذي جعل صنائع أمير المؤمنين عند من يرتبطها بعلائق شكره، ويحرسها بالتوفّر على جميل ذكرها في ذكره.
ومنه قوله:
فلان يطرق الدّهر إذا نظر، وينظر المجد إذا افتخر، سعى إلى العلياء فأدركها، وعاقد عليها الآراء فملكها، وهي ما تدرك بغير السماح، ولا تملك إلاّ بأطراف الرّماح.
ومنه قوله:
والبلاغة ميدان لا يدرك إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان؛ وقل من يركب طريقها على التغرير، أو أمل قطعها بالتقصير، إلا فضحته المطاولة، وكشفت خلله المساجلة، فسقط من حيث أمل الرّفعة، وذلّ من حيث حاول المنعة.
ومنه قوله:
وأما هذا الفتح، فأوصافه لا تدرك بالعبارات، ولا تدخل تحت العرف والعادات: [البسيط]
فتح أنار الهدى بعد الظلام له … واسترجع الدّين من بعد الرّهان به
стр. 4781
تاهت بأيامه الأيام واعتذر الد … دهر الخؤون إليه من نوائبه
تباشرت بورود أخباره المنابر، وشهدت بفضله البواتر، ووفت فيه الخيل بعقد الضمان، وناب الخوف له عن ملاقاة الأقران، وآذن بالعاجل، على ما ادّخره الله في الآجل.
ومنه قوله:
وقد شرفني سيدنا بأعز الحملان، الحامل لي على عنق الزّمان، فجاء موفيا على التأميل فيه، مناسبا لصنائع مهديه، متفاوت العدو، متقارب الخطو، حديد النظر، محمود الخبر، عريق النسب، مخبور الحسب، أخفّ من الوهم، وأمرق من السهم، وأسرع من البارق، وأشهر من لاحق (١)؛ شخص إقبال، وجملة كمال (٢): [الكامل]
إن لاح قلت: أدمية أم هيكل؟ … أو عنّ قلت: أسابح أم أجدل؟
تتخاذل الألحاظ في إدراكه … ويحار فيه النّاظر المتأمّل
فكأنّه في اللّطف سهم ثاقب … وكأنّه في الحسن حظّ مقبل
ومنه قوله:
وإذا كان الشكر ترجمان النّية، ولسان الطّويّة، وسببا إلى الرّفادة، وطريقا إلى السعادة، فألسن آثارها على الشاكر مع الصّمت، أفصح من لسانه، وبيانها عند الجحود أبلغ من بيانه.
ومنه قوله:
стр. 4782
فلان يسع العالم إحسانه، ويستغرق الشكر امتنانه، ويستخدم الدهر عزمه، ويؤدب الأيام حزمه، كعبة فضل، وغمامة وبل، الليالي بأفعاله مشرقة، والأقدار من خوفه مطرقة، تحمده أولياؤه، وتشهد له بالفضل أعداؤه، ولا يصل الشك إلى سريرته، ولا ترمد عن الحق عين بصيرته، كالقمر السعد، والأسد الورد (١): [البسيط]
إن سار سار لواء النصر يقدمه … أو حلّ حلّ به الإقبال والكرم
يلقى العدى بجيوش لا يقاومها … كثر العشائر إلاّ أنّها همم
ومنه قوله:
والحمد لله على ما وهب مولانا من عافية يقتضي بها شكره، وعارض مرض يختبر بها صبره، ليوجب له الزيادة من نعماه بالشكر، ويدخر له أرفع درج الجزاء بجميل الصّبر: [الطويل]
فبالمجد فقر أن يصحّ له أمر … بقاء العلى والمكرمات بقاؤه
يداوي من الوعك الأطباء جسمه … ويعدم من وقع الرماح اتقاؤه
فياذا الذي في رأيه وحسامه … إذا اعتزما برء الزّمان وداؤه
رويدا فبالآمال أعظم فاقة … إلى غيث جود في يديك سماؤه
فرفقا بجسم إن أردت بقاءه … فصفحك للتّرفيه عنه شفاؤه
فما حمّ حتّى حمّت الخيل قبله … [وحتى ترى] الصّمصام يبدو اشتكاؤه (٢)
ولا تنكرن من ذا الدّؤوب اعتلاله … بحال فقد يصدي الحسام انتضاؤه
ومنه قوله:
стр. 4783
وقد ذهب رمضان عن سيدنا يشهد له عند الله بأفعاله، ويثني عليه عند الله بأعماله، تحسد لياليه على صيامه أيامه، وينافس صباحه على تهجّده ظلامه، موصوله بالطاعات ساعاته، مقرونة بالخيرات أوقاته: [الكامل]
ولّى ولو ملك اختيارا أنزلت … شوّال عن أيّامه أيّامه
واسعد بعيد لم يزل يهدي له … بل قبل مقدمه البشارة عامه
ومنه قوله:
كتبت إليك بيد أطلق الثّقة بيانها من اعتقال اليأس، وعن رغبة انصرفت إلى تأميله عن جميع النّاس؛ مستظهرا على الدّهر بالصّبر، إلى أن عدل بي الحزم عن طريق نوائبه، واجتنيت بيد التّوفيق ثمر السّلامة من مصائبه، وأنا من المولى متوسّط رغبتي وعلاه، وبين شكري ونداه، مع أنني كما قلت: [الطويل]
تطول على الأيام أن يسترقّني … مع الدّهر إلاّ للكرام المواهب
وما كلّ حال يكسب المال مرتضى … ولكن على قدر النّفوس المكاسب
ومنه قوله يشكر منعما سلك به مسلك والده:
لو ارتفع برّ عن شكر، أو جلّ إنصاف عن اعتراف، لارتفع قدر تفضلك الذي توالت عليّ أنواؤه، وسابق رجائي ابتداؤه، ولم يجسر حمدي على مطاولة إحسانك، ولا أقدم بناني على وصف امتنانك، ولكن (١) حقّ لمن انتهى (٢) إليك أن يفوت الأكفاء، ويبذّ النّظراء، لا سيّما من قصدك مقصد أبيك، فغدا يرتجيك: [المتقارب]
стр. 4784
فقد كان شكري ملكا له … وأنت أحقّ بميراثه
غمام أنت ماؤه، وبدر أنت ضياؤه، وعضب أنت غراره، وحقّ أنت مناره؛ سعى فجئت على أثره، وصمت فنطقت عن مفخره، فكرمك فرع كرمه، وهممك نتائج هممه.
ومنه قوله في التّهاني بعام:
أسعد الأعوام - أطال اللّه بقاء الأمير - ما ألقى عليه سيدنا أيده الله بالمجاورة شعاع سعادته، التي هي حلي الدّهور، وغرر الأيام والشّهور، وقد أطلّ هذا الحول السعيد، مبشرا بأكمل مزيد، وأحسن تجديد: [الوافر]
فلا برح الزّمان بكلّ سعد … سفيرا بين ملكك والدّوام
إذا أفنيت عاما منه أضحى … ضمينا للبقاء بألف عام
فما عرف التّمام الخلق حتّى … ظهرت فصرت حدّا للتّمام
ومنه قوله:
غرّة الدّهر، وقبلة الشكر؛ إن رفع الجيش حماه، أو هز الحسام أمضاه، أو أورد السنان أرضاه؛ تتعزز بخدمته الأيام، وتضيء بمناجاته ظلم الأفهام؛ خصم النّوب، وشخص الحسب: [المتقارب]
يجلّ عن الهزّ عند الجلاد … ويضحك في حالة المغضب
شجاعته عدّة المرهفات … وهيبته موكب الموكب
لا تطمع الأفهام بلوغ حقه في مطاولته، ولا تسمو همم الخواطر إلى مساجلته؛ غاية المادح أن يرجع عن الإطالة إلى الاختصار، ويقتنع بالقليل من الإكثار: [الكامل]
стр. 4785
يا من سطوت على الزّمان تهاونا … بالحادثات مذ اعتمدت عليه
لا غرو إن أخّرت عنك مدائحي … مدح الحسام العضب في حدّيه
ومتى تشابهت الشّيات فإنّما … يجري الجواد إلى مدى أبويه
ذلك المقام مخاطبا على البعد بألفاظك، مرموقا بالمراعاة من ألحاظك، غير نازح عمّا ألفه من عواطف الولادة، وانبساط الأنسة المعتادة؛ وإنّ سببا أوثق حسم دواعي الخلاف، وأدّى إلى دوام الائتلاف، لحقيق بالمبالغة في تأكيده بالحرمة، وتخويله في النّعمة.
ومنه قوله في هذا المعنى (١):
وأما أبو النجم (٢) فقد أدى الأمانة إلى متحملها، وسلم الذّخيرة الجليلة إلى متقبّلها، فحلّت من محل العز في وطنها، وآوت من حمى التودد إلى سكنها، صادرة من أنبل ولادة ونسب، إلى أشرف اتصال [وأنبه سبب]، وكيف يتوصّى الناظر بنوره؟ أم كيف يحضّ القلب على حفظ سروره؟ ولو لم يمتّ أبو النجم بغير الخدمة في هذا الأمر العظيم محلا، السعيد عقدا وحلاّ، لكان للحظوة أهلا، ولرفع المنزلة أولى أن يملى (٣)؛ فكيف وآثار نصحه في جمع الشمل لائحة، ودلائل وفائه بهذه الألفة واضحة؟
ومن نثره أيضا:
وأما فلان، فقد أمنت الأعداء فتكات حسامه، وبعد عهد الخيل بأسراجه وألجامه.
ومنه قوله:
стр. 4786
رئاسة تزهر المناقب في أفق علائها، وتتنافس الأشراف في التعلق بولائها؛ أسبق إلى الطعن من الأسنّة، وأحذق من زيد الخيل بتصريف الأعنة؛ إن قال فصل، أو حكم عدل، أو نطق صدق، أو سوبق سبق؛ البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفو خطراته، مبرقع الطّلعة بالخفر، مسفر الوجه عن دارة القمر، ما ينفكّ من الكمد حاسده، ولا يسلم من الدّهر معانده: [المتقارب]
أقام حقوق النّدى والقنا … ليوم السّماح ويوم الطّعان
يجود بسابق نجح السّؤال … وبأس يطاعن قبل السنان
الحسام خدينه، والرّمح قرينه، والسرج وطنه، والتيقظ رسنه؛ سائره قلب، وجملته لبّ، من الدوحة التغلبية، والنبعة الحمدانية: [الكامل]
نسب لو ان الليل ألبسه انثنى … بضيائه لسنا الصّباح يضاهي
وخلائق لو صوّرت لظننتها … زهرا أو انبجست جرت بمياه
قوم بلوت مديحهم فوجدته … أحلى من الرشفات في الأفواه
وطلبت مجتهدا نهاية وصفهم … فوجدته ما ليس بالمتناهي
ومنه قوله: (١)
حقّ لمن انتمى إليك أن يفوت الأكفاء، ويبذّ النّظراء، لا سيما من قصد بك مقصد أبيك، وغدا يرتجيك، فقد توالت عليّ أنواؤه، وسابق رجائي ابتداؤه: [المتقارب]
وقد كان شكري ملكا له … وأنت أحقّ بميراثه
غمام أنت ماؤه، وبدر أنت ضياؤه، وعضب أنت غراره، وحقّ أنت مناره؛ سعى فجئت على أثره، وصمت فنطقت عن مفخره، فكرمك فرع لكرمه،
стр. 4787
وهممك نتائج هممه، ذهب وأبقاك، ونام مطمئنا وقد استرعاك، فلقد خلقت عندي أياديه خلقا جديدا، واستصحبت لي من نعمه كرما موجودا.
* ومن شعره (١): [البسيط]
أحبابنا هذه نفسي تودّعكم … إذ كان لا الصّبر يسليها ولا الجزع
قد كنت أطمع في روح الحياة لها … فالآن إذ بنتم لم يبق لي طمع
لا عذّب اللّه روحي بالبقاء فما … ظننتني بعدكم بالعيش أنتفع
ومنه قوله (٢): [البسيط]
يا مسقمي بجفون سقمها سبب … إلى مواصلة الأسقام في جسدي
عذرت من ظلّ في حبّيك يحسدني … لأنّه فيك معذور على حسدي
ومنه قوله (٣): [البسيط]
يسعى به البرق إلاّ أنه فرس … من فوقه الموت إلاّ أنه رجل
يلقى الرّماح بصدر منه ليس له … ظهر وهادي جواد ماله كفل
ومنه قوله (٤): [الكامل]
وكأنّما نقشت حوافر خيله … للنّاظرين أهلّة في الجلمد
وكأن طرف الشّمس مطروف وقد … جعل الغبار له مكان الإثمد
ومنه قوله (٥): [البسيط]
стр. 4788
يا غازيا آبت الأحزان غازية … إلى فؤادي والأشجان حين غزا
إن بارزتك كماة الرّوم فارمهم … بسهم عينيك يقتل كلّ من برزا
ومنه قوله يصف كأسا وأجاد في وصفه، وتقدم السابقين وخلاهم خلفه (١): [المنسرح]
من كلّ جسم كأنه عرض … يكاد لطفا باللّحظ ينتهب
لا عيب فيه سوى إذاعته الس … سرّ الذي في حشاه يحتجب
كأنّما صاغه النفاق فما … يخلص صدق منه ولا كذب
فهو إلى لون ما يجاوره … على اختلاف الطّباع ينتسب
إذا ادّعاه اللّجين أكذبه … بالرّاح في صبغ جسمه الذّهب
ومنه قوله في خلعة وفرس (٢): [البسيط]
لمّا تحصّنت من دهري بخلعته … سمت بحملانه ألحاظ إقبالي
وواصلتني صلات منه رحت بها … أختال ما بين عزّ الجاه والمال
٥ - ومنهم: بديع الزّمان الهمذاني (٣)
* وهو نادرة الدّهر وبادرة الزهر؛ قلّ أن ولد الزّمان مثله، أو ولّد شكله؛ إن الزمان بمثله لعقيم (٤)، ولا عصبية للعظم الرميم؛ بل هو والله البديع حقا،
стр. 4789
المعتكر (١) طرقا؛ كاد يلتهب فكره ذكاءا، وينتهب ذكره ذكاءا (٢)، كأنما كلمه حبر أو لفظه زبر؛ سجعه قصير، ونفعه كبير، من سمع حسّانه تبع إحسانه، ومن فهم بيانه، علم أن فوق السّحاب بنانه؛ وربما كاد يحكيه لو وهب، لو كان - كما قال - طلق المحيا يمطر الذّهب (٣)؛ نافح الرّياض فأخذ أنفاسها، وسافح السحائب فنثر أكياسها، بزّ الكواكب ولبس لباسها، وبذّ المدام وسلب الحميّا كأسها، فجاء بسحر عظيم إلاّ أنه حلال، وخمر لا لغو فيها ولا تأثيم وفيها الخلال؛ ووراءه جرى الحريريّ لكنّه نقّح، على أنه مما ترك البديع ولقح.
وذكر البديع أبو منصور الثعالبي، فقال: هو أبو الفضل، أحمد بن الحسين الهمذاني مفخر همذان (٤)، ونادرة الفلك وبكر عطارد، وفرد الدّهر، وغرة العصر، ومن لم يلف (٥) نظيره في ذكاء القريحة، وسرعة الخاطر، وشرف الطّبع، وصفاء الذهن، وقوة النفس، ولم يدرك قرينه في ظرف النّثر وملحه، وغرر النظم ونكته، ولم يرو أن أحدا بلغ مبلغه من لب الأدب وسرّه، وجاء بمثل إعجازه وسحره؛ فإنه كان صاحب عجائب وبدائع؛ فمنها:
أنه كان ينشد القصيدة لم يسمعها قطّ، وهي أكثر من خمسين بيتا، فيحفظها كلّها، ويوردها إلى آخرها، لا يخرم حرفا منها [ولا يخلّ بمعنى]، وينظر في الأربع والخمس الأوراق، من كتاب لم يعرفه ولم يره إلا نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذّها عن ظهر قلبه هذا، ويسردها سردا.
стр. 4790
وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى غريب وباب بديع، فيفرغ منها في الوقت والساعة، والجواب عمّا فيها.
وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه، فيبتدئ بآخر سطوره ثم هلم جرا إلى الأول، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه.
ويوشح القصيدة الفريدة من قبله بالرسالة الشريفة من إنشائه، فيقرأ من النظم ومن النثر؛ ويعطى القوافي الكثيرة، فيصل بها الأبيات الرشيقة.
ويقترح عليه كلّ عروض (١)، فيرتجله في أسرع من الطرف على ريق لا يبلعه، ونفس لا يقطعه. وكلامه كله عفو الساعة، وفيض البديهة (٢)، ومسارقة القلم، ومجاراة الخاطر [للنّاظر].
وكان مع هذا مقبول الصورة، خفيف الرّوح، حسن العشرة، ناصع الظرف، عظيم الخلق، شريف النفس، كريم العهد، خالص الودّ، حلو الصداقة، مرّ العداوة.
فارق همذان [سنة ثمانين وثلاثمائة] وهو مقتبل الشبية، غضّ الحداثة، ووافى (٣) نيسابور فنشربها بزه، وأظهر طرزه، وأملى مقاماته وغيرها، وضمنها ما تشتهي الأنفس من لفظ أنيق قريب المأخذ، بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع (٤)
والمقطع كسجع الحمام، ثم ألقى عصاه بهراة، فعاش بها عيشة راضية.
وحين بلغ أشده وأربى على أربعين سنة، ناداه الله فلبّاه، وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة؛ فقامت نوادب الأدب، وانثلم حدّ القلم أنه على ما
стр. 4791
مات من لم يمت ذكره، ولقد خلّد من بقي نظمه ونثره.
وسئل بعض علماء الأدب عن الحريريّ والبديع في مقاماتهما، فقال: لم يبلغ الحريريّ أن يسمّى بديع يوم، فكيف يقارب بديع زمان!.
* ومن نثره قوله (١):
وقد نظرت في المرآة فوجدت الشيب يتلّهب وينهب، والشّباب يتأهّب ويذهب، وما أسرج هذا الأشهب إلاّ لسير، وأسأل الله خاتمة خير.
ومنه قوله (٢):
أبرزت (٣) باطنه، وحركت ساكنه، وأخرجت دفائن صدره، ورفعت أذيال ستره؛ فملأ فكيه وعيدا، ولحييه تهديدا (٣)، وكان جوابنا أن قلنا: بعض الوعيد يذهب في البيد (٤): [السريع]
جاء شقيق عارضا رمحه … إنّ بني عمّك فيهم رماح
إنّا نقتحم الخطب، ونتوسط الحرب (٥): [المتقارب]
فأرضك أرضك إن تأتنا … تنم نومة ليس فيها حلم
ومتى شئت لقيت خصما ضخما، ينهشك قضما، ويأكلك خضما؛ فجعل الشيطان يثقّل بذلك أجفان طرفه، ويقيم به شعرات أنفه (٦): [الوافر]
وحتّى ظنّ أنّ الغشّ نصحي … وخالفني كأنّي قلت هجرا
стр. 4792
ومنه قوله:
وبيننا عذراء، زجاجها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة؛ إذا طاف بها الساقي فورد على غصنها، أو شربها مقهقهة فحمامة على فننها.
ومنه قوله (١):
انظر إلى الكلام وقائله فإن كان وليّا فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدوّا فهو البلاء وإن حسن؛ ألا ترى العرب تقول: قاتله الله، ولا يريدون الذمّ؛ ولا أبا له، في الأمر إذا تمّ.
ومنه قوله:
وفائدة الاعتقاد أفضل في الانتقاد، والسماح يكسر الرّماح، والصفح يفلّ الصّفاح، والجود أنصر من الجنود؛ فإن كشف الضرّ عن الحرّ، أجمل من كشف الصدف عن الدرّ؛ ومن عرف بالمنح، قصد بالمدح، وقد ظلم من يلوم غير ملوم، فالتغاضي يصحب المراضي، واللبيب يعيد البعيد قريبا، والعدوّ حبيبا، وحضرة السّلطان مفزع الراجين، ومنزع اللاجين، إليها يعودون وبها يعوذون، وهي المقرّ، وإليها المفرّ، وإذا عدل الملك أقصر الحائف، وأمن الخائف، وخير الإخوان من ليس بخوان؛ وده ميمون، وغيبه مأمون، فهو يحالفك ولا يخالفك، ويرافقك ولا يفارقك، ويوافقك ولا ينافقك، ويعاشرك ولا يكاشرك، وإذا حضرت حنا عليك، وإذا غبت حن إليك.
ومنه قوله (٢) وقد كتب إليه بعض من عزل عن ولاية حسنة، وذوى يانع
стр. 4793
غصنه؛ يستمد منه ودادا طالما تركه، ويستميل فؤادا كان يظنّ أنه قد ملكه؛ وإذا بحوادث الأيام قد غيرت ما عهد، وحسنت له بذل ما كان يضنّ به فلم يفد:
أما بعد: فقد وردت رقعتك فلم تند على كبدي، ولم تحظ بناظري ويدي؛ وخطبت من مودتي ما لم أجدك له أهلا، وقلت: هذا الذي تاه بحسن قده، وزها بورد خدّه، فالآن إذ نسخ الدّهر آية حسنه، وأقام مائل غصنه، وانتصر لنا منه شعرات كسفت هلاله، وأكسفت باله، ومسحت جماله، وغيرت حاله؛ فمهلا مهلا؛ وتناسيت أيامك إذ تكلّمنا نزرا، وتلحظنا شزرا: [الطويل]
ومن لك بالعين التي كنت مرة … إليك بها في سالف الدهر أنظر
أيام كنت تتلفت والأكباد تتفتت، وتقبل فتمني وتعرض فتضني (١): [الطويل]
وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا … تخلّل حرّ الرّمل دعص له ندي
فأقصر الآن فإنه سوق كسد، ومتاع فسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت، ويوم صار أمس، وحسرة بقيت في النفس، فحتام تدلّ وإلام؟ ولم تحتمل وعلام؟ وقد بلغني ما أنت متعاطيه من تمويه يجوز بعد العشاء في الغسق، وينفق على السّوق؛ وإفناؤك لتلك الشعرات جزا وحصا، ونتفا وقصا؛ فأنا برحلك وجانبك، وحبلك ملقى على غاربك، ولو أحببت أن أوجعك لقلت: [من مخلّع البسيط]
ما يفعل الله باليهود … ولا بعاد ولا ثمود
ولا بفرعون إذ عصاه … ما يفعل الشعر بالخدود
ومنه قوله (٢):
كتابي إلى البحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه فقد
стр. 4794
تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته، فقد بلغني صيته، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره؛ وهذه الحضرة وإن احتاج إليها المأمون، ولم يستغن عنها قارون، فإن الأحب إليّ أن أقصدها قصد موال، [لا قصد سؤال]؛ والرّجوع عنها بجمال أحبّ إلي من الرجوع عنها بمال؛ قدّمت التعريف، وأنا أنتظر الجواب الشريف.
ومنه قوله (١):
عافاك الله، مثل الإنسان في الإحسان، كمثل الأشجار في الثمار، سبيله إذا أتى بالحسنة، أن يرفّه من السّنة إلى السنة، وأنا كما ذكرت لا أملك عضويّ من جسدي، وهما فؤادي ويدي؛ أما الفؤاد فيعلق بالفود، وأما اليد فتولع بالجود؛ لكن هذا الخلق النفيس، ليس يساعده الكيس؛ وهذا الطّبع الكريم ليس يحتمله الغريم، ولا قرابة بين [الأدب و] الذهب؛ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة.
ولي مع الأدب نادرة: جهدت في هذه الأيام بالطّباخ أن يطبخ من جيمية الشماخ لونا، فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع من «أدب الكتاب» فلم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت من شعر الكميت ألفا ومئتي بيت فلم يغن فيما به اعتنيت؛ ولو وقعت أرجوزة العجاج في توابل السّكباج ما عدّ منها عندي لون، ولا استقرّ صون، بل ليست تقع، فما أصنع؟ فإن كنت تحسب اختلافك إليّ، أفضل (٢) عليّ، فراحتك راحتي، وراحتي أن لا تطرق ساحتي.
ومنه قوله (٣):
стр. 4795
أنا لقرب دار مولاي: [من الطويل] … كما طرب النشوان مالت به الخمر
ومن الارتياح إلى لقائه: [من الطويل] … كما انتفض العصفور بلّله القطر (١)
ومن الامتزاج بولائه: [من الطويل] … كما التقت الصّهباء والبارد العذب
ومن الابتهاج بمزاره: [من الطويل] … كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب (٢)
* ومن شعره قوله (٣): [البسيط]
عليّ ألاّ أريح العيس والقتبا … وألبس السّيل والظّلماء واليلبا
وأترك الخود معسولا مقبّلها … وأهجر الكاس يغدو شربها طربا
وطفلة كقضيب البان منعطفا … إذا مشت وهلال الشهر منتقبا
قالت وقد علقت ذيلي تودعني … والوجد يخنقها بالدّمع منسكبا:
كنت الشّبيبة أبهى ما دجت درجت … وكنت كالورد أذكى ما أتى ذهبا
أبى المقام بدار الذّلّ لي كرم … وهمة تصل التّقريب والخببا
وعزمة لا تزال الدّهر ضاربة … دون الأمير وفوق المشتري طنبا
يا سيد الأمراء افخر فما ملك … إلا تمناك مولى واشتهاك أبا (٤)
إذا دعتك المعالي عرف هامتها … لم ترض كسرى ولا من فوقه ذنبا
أين الذين أعدّو المال من ملك … يرى الذّخيرة ما أعطى وما وهبا
ما الليث محتطما والسّيل مرتطما … والبحر ملتطما واللّيل مقتربا
أمضى شبا منك أدهى منك صاعقة … أجدى يمينا وأدنى منك مطّلبا
стр. 4796
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا … لو كان طلق المحيّا يمطر الذهبا
والدّهر لو لم يخن والشّمس لو نطقت … واللّيث لو لم يصد والبحر لو عذبا
يا من تراه ملوك الأرض فوقهم … كما يرون على أبراجها الشّهبا
ومنه قوله (١): [الطويل]
أيا ملكا أدنى مناقبه العلى … وأيسر ما فيه السّماحة والبذل
هو البدر إلاّ أنه البحر زاخرا … سوى أنّه الضّرغام لكنه الوبل
محاسن يبديها العيان كما بدا … وإن نحن حدّثنا بها صدّق العقل
وجاراك أفراد الملوك إلى العلى … وحقا لقد أعجزتهم ولك الخصل
سما بك من عمرو ويعقوب محتد … كذا الأصل مفخور به وكذا النّسل
* وحكى ابن ظافر قال (٢): حكى بديع الزّمان الهمذاني، قال: قال الصّاحب يوما لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس بن حمدان: لا يقدر أحد أن يزوّر على أبي فراس شعرا؛ فقلت: ومن يقدر أن يزوّر على شعره، وهو الذي يقول - وقلت ارتجالا -: (٣) [الوافر]
رويدك لا تصل يدها بباعك … ولا تغز السّباع إلى رباعك
ولا تعن العدوّ عليّ إني … يمينك إن قطعت، فمن ذراعك
فقال الصاحب: صدقت؛ فقلت أيد الله مولانا، قد فعلت وزوّرت على أبي فراس، وهذا شعري! فعجب منه.
* وحكي أنّه جرى ذكره في مجلس شيخه أبي الحسين بن فارس، فقال ما
стр. 4797
معناه (١): إنّ بديع الزّمان قد نسي حق تعليمنا إيّاه، وعقّنا، وطمح بأنفه عنّا؛ فالحمد لله على فساد الزّمان، وتغيّر نوع الإنسان.
فكتب إليه بديع الزمان: نعم، أطال بقاء الشيخ الإمام؛ إنّه الحمأ المسنون، وإن ظنّت به الظّنون، والنّاس لآدم، وإن كان العهد قد تقادم، وتركبت الأضداد، واختلاف الميلاد؛ والشيخ يقول: قد فسد الزّمان؛ أفلا يقول: متى كان صالحا؟ في الدولة العبّاسيّة، فقد رأينا آخرها، وسمعنا أولها؟ أم الملّة المروانية، وفي أخبارها:
لا تكسع الشّول بأغبارها (٢)؟ أم السنين الحربية (٣): [مجزوء الكامل]
والسّيف يعقد في الطّلى … والرّمح يركز في الكلى
ومبيت حجر في الفلا … وحرّتان وكربلا؟
أم البيعة الهاشمية [، وعلي يقول: ليت العشرة منكم] براس، من بني فراس؟ أم الأيّام الأموية، والنّفير إلى الحجاز، والعيون تنظر إلى الأعجاز؟ أم الإمارة العدوّية (٤)، وصاحبها يقول: هلمّ بعد البزول إلى النّزول؟ أم الخلافة التيميّة (٥)، وهو يقول:
طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام؟ أم على عهد الرسالة، ويوم الفتح قيل: اسكتي يا فلانة، فقد ذهبت الأمانة؟ أم في الجاهليّة، ولبيد يقول (٦): [الكامل]
ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب
стр. 4798
أم قبل ذلك، وأخو عاد يقول: إذ النّاس ناس والبلاد بلاد (١)؟ أم قبل ذلك، وآدم - فيما قيل - يقول (٢): [الكامل]
تغيرت البلاد ومن عليها … [ووجه الأرض مغبرّ قبيح]
أم قبل ذلك، والملائكة تقول: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ اَلدِّماءَ﴾ (٣).
ما فسد النّاس، إنما اطرد القياس، ولا أظلمت الأيام، إنما امتد الظلام؛ وهل يفسد الشيء إلاّ عن صلاح، ويمسي المرء إلاّ عن صباح؟ وإنّي على توبيخ شيخنا، لفقير إلى لقائه، شفيق على بقائه، منتسب إلى ولائه، شاكر لآلائه، لا أحلّ حريدا (٤) عن أمره، ولا أفلّ (٥) بعيدا عن قلبه؛ وما نسيته، ولا أنساه؛ إن له على [كل] نعمة خوّلنيها الله نارا، وعلى كلّ كلمة علّمنيها منارا؛ ولو عرفت لكتابي موقعا من قلبه، لاغتنمت خدمته به، ولرددت إليه سؤر كاسه، وفضل أنفاسه؛ ولكنني خشيت أن يقول: ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا﴾ (٦) وله - أيده اللّه - العتبى، والمودّة في القربى، والمرباع، وما ناله الباع، وما ضمّه الجلد، وضمنه السمط؛ ليست رضى، ولكنها جلّ ما أملك.
стр. 4799
اثنتان - أيد الله الشيخ الإمام -[قلّما تجتمعان] الخراسانية والإنسانية؛ وإن لم أكن (١) خراسانيّ الطّينة، فإنّي خراسانيّ المدينة؛ والمرء من حيث يوجد، لا من حيث يولد؛ فإذا أضاف إلى خراسان ولاء همذان، ارتفع القلم، وسقط التكليف؛ فالجرح جبار، والجاني حمار، ولا جنّة ولا نار، فليلمّني (٢) على هناتي، أليس صاحبها يقول: [الخفيف]
لا تلمني على ركاكة عقلي … إن تيقّنت أنني همذاني
والسلام.
قوله: والعيون تنظر إلى الأعجاز: إشارة إلى قول أحد الذين قتلوا عثمان لمّا دخلوا عليه، فنظروا إلى نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان، وهي تصيح، فقالوا:
إن عجزها لكبير.
* واجتمع بديع الزّمان والأستاذ أبو بكر الخوارزميّ في دار السيد أبي القاسم المستوفي، بمشهد من القضاة والفقهاء والأشراف، وغيرهم من سائر النّاس، فجرى بينهما من المناظرة ما نذكره إن شاء الله تعالى (٣).
قال الأستاذ أبو الفضل بديع الزمان: سأل السيد - أمتع الله ببقائه إخوانه - أن أملي جميع ما جرى بيننا وبين أبي بكر الخوارزمي أعزه الله من مناظرة مرّة ومنافرة أخرى، موادعة أولا ومنازعة ثانيا، إملاء يجعل السماع له عيانا، فما تلقيته إلا بالطاعة، على حسب الاستطاعة، لكن للقصّة تشبيبا لا تطيب إلاّ به، ومقدمات
стр. 4800
لا تحسن إلاّ معها؛ وسأسوق بعون الله صدر حديثنا إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز؛ فنبدأ فيها باسم الله ، والصلاة على النبي ﷺ [ذهابا بالقصّة عن أن تكون بتراء، وصيانة لها عن أن تدعى جذماء؛ قال رسول الله ﷺ (١):] «كلّ خطبة لا يبدأ فيها باسم اللّه فهي بتراء». وخطب زياد خطبته البتراء (٢). لأنه لم يحمد الله ولم يصلّ على رسوله ﷺ ؛ وهذا مقام نعوذ بالله منه، ونسأله التوفيق للصّواب، بورده وبصدره.
نعم، أطال الله بقاء السيد، وأمتع ببقائه إخوانه؛ إن قعدنا نعدّ آثاركم ونؤدي مآثركم، نفد الحصر قبل نفودها، وفنيت الخواطر قبل أن تفنى المآثر؛ وكيف لا، وإن ذكر الشرف فأنتم بنو بجدته، أو العلم فأنتم عاقدوا بردته، أو الدين فأنتم ساكنو بلدته، أو الجود فأنتم لابسو جلدته، أو التّواضع صبرتم لشدته، أو الرأي صلتم بنجدته، وإن بيتا تولى الله بناءه ولزم الرسول ﷺ فناءه، وأقام الوصيّ ﵇ عماده، وخدم جبريل ﵇ أهله، لحقيق أن يصان عن مدح لسان قصير؛ ونحن نعود للقصة نسوقها.
فأولها: أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور دارا، وإلا جوار السادة جوارا، لا جرم أنا حططنا بها الرّحل، ومددنا عليها الطنب، وقديما كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوقه، ونخبره على الغيب فنتعشقه، ونقدر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة عن القشرة، فقد كانت لحمة الأدب جمعتنا، وكلمة الغربة نظمتنا؛ وقد قال شاعر العرب غير مدافع (٣): [الطويل]
أجارتنا إنا غريبان هاهنا … وكلّ غريب للغريب نسيب