← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

والآخرة، بهما يتوصّل إلى جنّات النعيم، ويخلد في نار الجحيم؛ قال اللّه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ (١) الآية، وقد بلغنا من فساد النّقود ما أكبرناه أشدّ الإكبار، وأنكرناه أعظم الإنكار، لما نراه من الصّلاح للعباد، وننويه من الخير للبلاد، وتعرّفنا في ذلك بما يربح النّاس في الزرع والضّرع، يقدّم من إليه (٢) أمر النفع والضّرّ؛ إلى كلمات لم تعلق بحفظنا؛ فقلت: إنّ الإكبار والإنكار، والعباد والبلاد، وجنّات النّعيم ونار الجحيم، والزرع والضّرع، أسجاع قد نبتت في المعد، ولم تزل في اليد، وقد كتبت وكتبت، ولا أطالبك بما أنشأت، فاقرأ ولك اليد؛ وناولته الرّقعة فبقي وبقيت الجماعة، وبهت وبهتت الكافّة، وقالوا لي: اقرأ؛ فجعلت أقرؤه منكوسا، وأسرده معكوسا، والعيون تبرق وتحار؛ وكان نسخة ما أنشأناه: اللّه شاء إن، المحاضر صدور بها وتملأ المنابر ظهور لها وتفرع، الدّفاتر وجوه بها وتمشق، المحابر بطون لها ترشق، آثارا كانت، فيه آمالنا مقتضى على، أياديه في تأييده الله أدام، الأمير جرى وإذا، المسلمين ظهور عن الثّقل هذا ويرفع، الدين أهل عن الكلّ هذا يحط أن فيه إليه نتضرع ونحن، واقفة والتجارات، زائفة والنقود، صيارفة أجمع الناس صار فقد، كريما نظرا لينظر، شيمه مصاب فانتجعنا، كرمه بارقة وشمنا، هممه على آمالنا أرقاب وعلّقنا، أحوالنا وجوه له وكشفنا، آمالنا وفود إليه بعثنا فقد نظره بجميل يتداركنا أن، نعماه تأييده وأدام، بقاه الله أطال، الجليل الأمير رأى إن، وصلّى الله على محمد وآله الأخيار. فلما فرغت من قراءتها انقطع ظهر أحد الخصمين، وقال الناس: قد فرغنا التّرسل أيضا، فملنا إلى اللغة، فقلت: يا أبا بكر، هذه اللغة التي هددتنا بها،

стр. 4832

وحدّثتنا عنها، وهذي كتبها، وتلك مؤلفاتها، وهي مولّفة فخذ «غريب المصنف» إن شئت، و «إصلاح المنطق» إن أردت، و «ألفاظ ابن السّكيت» إن نشطت، و «مجمل اللّغة» إن اشتهيت وهو ألف ورقة، و «أدب الكتاب» إن اخترت، واقترح عليّ أيّ باب شئت من هذه الكتب حتّى أجعله لك نقدا، وأسرده عليك سردا؛ فقال: اقرأ من «غريب المصنّف»: رجل ماس خفيف، على مثال مال، وما أمساه. فدفعت في الباب حتّى قرأته، فلم أتردد فيه، وأتيت على الباب الذي يليه، ثم قلت: اقترح غيره؛ فقال: كفى ذلك؛ فقلت له: اقرأ الآن باب المصادر من «اختيار فصيح الكلام» لا أطالبك بسواه، وأسألك عمّا عداه؛ فوقف حماره، وخمدت ناره؛ وقال الناس: اللّغة مسلّمة إليك أيضا، فهاتوا غيره. فقلت: يا أبا بكر، هات العروض، فهو أحد أبواب الأدب، وسردت منه خمسة أبحر بألقابها وأبياتها وعللها وزحافها، فقلت: هات الآن فاسرده كما سردته. فلمّا برد، ضجر النّاس، وقاموا عن المجلس يفدّونني بالآباء والأمهات (١) ويشيّعونه باللعن والسّبّ، وقام أبو بكر فغشي عليه، وقمت إليه، فقلت (٢): [الوافر] يعزّ عليّ يا للنّاس أنّي … قتلت مناسبي جلدا وقهرا ولكن رمت شيئا لم يرمه … سواك فلم أطق يا ليث صبرا وقبلت عينه، ومسحت وجهه، وقلت: اشهدوا أنّ الغلبة له، فهلاّ - يا أبا بكر - جئتنا من (٣) باب الخلطة، وفي باب العشرة؟! وتفرق الناس، وحبسنا للطعام مع أفاضل ذلك المقام؛ فلما عكفنا على

стр. 4833

الخوان، كرعت في الجفان، وأسرعت إلى الرّغفان، وأمعنت في الألوان؛ وجعل هذا الفاضل يتناول الطعام بأطراف الأظفار، فلا يأكل إلا قضما، ولا ينال إلا شما، وهو مع ذلك ينطق عن كبد حرّى، ويغيض عن نفس ملآى؛ فقلت: يا أبا بكر، بقيت لك منّة وفيك مسكة: [البسيط] يا قوم إني أرى الأموات قد نشروا … والأرض تلفظ موتاكم إذا قبروا فأخبرني يا أبا بكر: لم غشي عليك؟ فقال: لحمّى الطّبع وحمّى الفرو؛ فقلت: أين أنت عن السجع؟ هلا قلت: حمّى الطبع، وحمّى الصّفع. وقال السيد أبو القاسم: أيها الأستاذ، مع الحديث فاعزل، يعنيه (١)، فقلت: لا تظلموه، ولا تطعموه طعاما يصير في بطنه مغصا، وفي عينه رمصا، وفي جلده برصا، وفي حلقه غصصا؛ فقال أبو بكر: هذه أسجاع كنت حفظتها، فقل كما أقوله: يصير في عينك قذى، وفي حلقك أذى، وفي صدرك شجى؛ فقلت: يا أبا بكر، على الألف تريد؟ خذ الآن؛ بفيك البرى، وعلى هامتك الثّرى، ولا أطعمك الخرا إلاّ من ورا، كما ترى؛ فقالوا: أيها الأستاذ، السّكوت أولى؛ ومالوا إليّ وقالوا: ملكت فأسجح؛ فأبى أبو بكر أن يبقي لنفسه حمة لم يفضها، أو يدخر عنّا كلمة لم يعرضها؛ فقال: والله لا تركتك من الميمات، فقلت: ما معنى الميمات؟ فقال: ما بين مهزوم ومهذوم ومهشوم ومغموم ومحموم ومرجوم؛ فقلت: وأتركك بين الميمات أيضا؛ بين الهيام والصّدام والجذام والحمام والزّكام والسّام والبرسام والهام والسّقام، وبين السّينات فقد علّمتنا طريقة؛ بين منحوس منخوس منكوس معكوس متعوس محسوس مغروس؛ وبين الخاءات، فقد فتحت علينا بابا؛ بين مطبوخ مشدوخ منسوخ ممسوخ مفسوخ؛ وبين

стр. 4834

الباءات، فقد علّمتني الطّعن وكنت ناسيا؛ بين مغلوب مسلوب مرعوب مصلوب مكروب منكوب منهوب مغصوب؛ وإن شئنا كلناك بهذا الصاع، وطاولناك بهذا الذّراع. ثم خرجت واحتجر، وقد كان اجتمع الناس، وغلت الكروش (١)؛ فلما خرجت لم يلقوني إلاّ بالشفاه تقبيلا، وبالأفواه تبجيلا؛ وانتظروا خروجه إلى أن غابت الشمس، ولم يخرج أبو بكر حتى خفره الليل بجنوده، وخلع الظّلام عليه فروته فهذا ما علّقناه عن المجلس وأدّيناه؛ والسيّد أطال الله بقاءه يقف عليه إن شاء الله، وله المنّة. * وكتب إلى أبي العبّاس الفضل بن أحمد الإسفراييني: (٢) ما أظنّ - أطال الله بقاء الشيخ السيد - آل سامان إلاّ مدّعين على الله مقاطعة، أرضه، ومساقاة ثمارها؛ يا هؤلاء، لا تكابروا الله في بلاده، ولا ترادوا الله عن مراده؛ ﴿إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ (٣) وما أرى آل سيمجور إلاّ معتقدين أنّهم يأخذون خراسان قهرا، لأنها كانت لأمهم مهرا؛ فلهم من حولها نحيط (٤)، ﴿وَاَللّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (٥)، وبلغني أنّ صاحبهم أسر، فإن كان ما بلغني صحيحا، فمرحبا بالأسر، ولا لعا للعاثر؛ حتّام كفر الكافر، وغدر الغادر؛ وأبو الحسين بن كثير خذله الله، لا يكاد يرى الخير من ابن واحد، أفنرجوه من ابن كثير؟ وهو التّرياق المجرّب، لوشمه الملك المقرب،

стр. 4835

لقذف من كلّ جانب دحورا؛ هذا المؤيّد من السماء بيمن تدبيره، نكس في بيره؛ وهذا سنان الدولة ببركة ضميره، وقع في تخسيره، ولا يزال هذا البائس حتى يسأل الله العافية في بدنه. وحديث ما حديث هذا الحمّال، كان إبليس يقسم كلّ صبيحة اللّحى ألفا، فصار يقسم ألوفا؛ سلطان أتاه الله واسطة البرّ، وحاشية البحر، وأمكنه من طاغية الهند، وسخر له ملوك الأرض يريد حمال مراغمته يا للرجال لنازل الحدثان؛ إنّي لأعجب من رأس يودع تلك الفضول فلا ينشقّ، ومن عنق يحمل ذلك الرأس فلا يندقّ، وما أجد لابن محمود مثلا إلاّ ابن الريونديّ (١)، إذ ذهب إلى ابن الأعرابيّ (٢) يسأله عن قول الله تعالى: ﴿فَأَذاقَهَا اَللّهُ لِباسَ اَلْجُوعِ وَاَلْخَوْفِ﴾ (٣) أتقول العرب: ذقت اللّباس؟ فقال: لا بأس ولا بأس؛ وإذا حيّا الله النّاس فلا حيّا ذلك الرّاس؛ هبك تتّهم محمدا بأن لم يكن نبيّا، أتتهمه بأن لم يكن فصيحا عربيّا، وجئت تسأل ابن الأعرابي؟ أليس الأعرابيّ نفسه جاء بهذا الكلام؟ كذلك ابن محمود ينفض استه، ويضرب مذرويه، لينال الملك، لا لوافر عدّة، ولا لكثرة عدة؛ إنما يطمع في الملك لأنه ابن محمود؛ أفليس محمود نفسه بالملك أحقّ؟ فالحمد لله الذي نصركم وأخزاهم، وثبتكم ونفاهم، وأركب آخرهم أولاهم (٤)، ولا رحم الله قتلاهم، ولا جبر جرحاهم، ولا فكّ أسراهم، ولا أراكم إلا قفاهم، وإن أقبلوا ففضّ الله فاهم:

стр. 4836

ويرحم الله عبدا قال آمينا (١). * وله إليه أيضا في هزيمة السّامانية بباب مرو (٢): وردت رقعة الشيخ الجليل، أدام الله بسطته، منّي على صدر انتظرها، وقلب استشعرها؛ وإنّي لا أغلط في قوم أميرهم صبيّ، ولا في دولة عميدها خصيّ، وسنانها حلقيّ، ونصيرها شقيّ، وعدوّها قويّ، إني إذا لغويّ. يا قوم، بماذا ينصرون؟ أبمال عليه اعتمادهم؟ أم بجمع هو مدادهم؟ أم لعدل به اعتضادهم؟ أم لرأي هو عمادهم؟ هل هم إلا شطور في فطور؟ إنّ الله تعالى علم أنّهم إن ملكوا لم يصلحوا، وأمرتهم أنا أن لا يفلحوا، فسمعوا وأطاعوا؛ طائفة من المدابير، وقوعهم بين النّار والنير، إن أقاموا فالسّيوف الهندوانيّة، وإن أيمنوا فالأتراك والخانيّة، وإن أيسروا فجرجان والجرجانيّة، وإن استأخروا فالعطش والبريّة؛ هو الموت إن شاء اللّه آخذا بالحلاقيم، محيطا بالظاعن منهم والمقيم؛ جرجان يا مدابير جرجان؛ إنّ بها شمة من التّين، وموتا في الحين، ونظرة إلى الثّمار، والأخرى إلى التابوت والحفّار؛ ونجّارا إذا رأى الخراسانيّ نجّر التّابوت على قدره، وأسلف الحفّار على لحده، وعطّارا يعدّ الحنوط [برسمه]، وبها للغريب ثلاث فتحات للكيس؛ أوّلها لكراء البيوت، والثّانية لابتياع القوت، والثّالثة لثمن التّابوت؛ أغلى [الله] بهم أسواق النّجارين والحفّارين والمكّارين؛ آمين ربّ العالمين.

стр. 4837

* وله أيضا إليه في فتح بهاطية (١): إنّ الله وهو العليّ العظيم، المعطي من شاء ما شاء، منّ على الإنسان بهذا اللسان؛ خلق ابن آدم وأودع فكّيه مضغة لحم، يصرفها في القرون الماضية، ويخبر بها عن الأمم الآتية؛ يخبر بها عمّا كان بعد ما خلق، وعمّا يكون قبل أن يخلق؛ ينطق بالتّواريخ عمّا وقع من خطب، وجرى من حرب، وكان من يابس ورطب؛ وينطق بالوحي عمّا سيكون من بعد، وصدق عن اللّه به الوعيد، ثم لم ينطق التّاريخ بما كان، ولا الوحي بما يكون، أنّ الله تعالى خصّ أحدا من عباده - ليس النّبيّين - بما خصّ به الأمير السّيّد يمين الدّولة وأمين الملّة، ودون الجاحد إن جحد أخبار الدّولة العباسية، والمدّة المروانية، والسّنين الحربية، والبيعة الهاشمية، والأيّام الأمويّة، والإمارة العدوية، والخلافة التيمية، وعهد الرسالة، وزمان الفترة؛ ولولا الإطالة لعدّدنا إلى عاد وثمود بطنا بطنا، وإلى نوح وآدم قرنا قرنا، ثم لم يجد قائل مقالا إلا أنّ ملكا وإن علا أمره، وعظم قدره، وكبر سلطانه، وهبّت ريحه، طرق الهند فأسر طاغيتها بسطة ملك، ثم خلاّه، وعرض الأرض قوة قلب، وصبّح سجستان، وهي المدينة العذراء، والخطّة العوراء، والطيّة العسراء، فأخذ ملكها أخذة عزّ وعنف، ثم خلاه تخلية فضل ولطف، ثم لم يلبث أن خاض في البحر إلى بهاطية؛ والسيل واللّيل جنودها، والشّوك والشجر سلاحها، والضّحّ (٢) والريح طريقها، والبرّ والبحر حصارها، والجنّ والإنس أنصارها؛ فقتل رجالها، وغنم أموالها، وساق أقيالها، وكسر أصنامها، وهدم أعلامها، كلّ ذلك في

стр. 4838

فسحة شتوة، قبل أن يتطرّقها الصيف توسطها السّيف؛ وهو الله ملك الملوك، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء. ثم حكمت علماء الأمة، واتفق قول الأئمة، أنّ سيوف الحق أربعة، وسائرها للنّار؛ سيف رسول الله للمشركين، وسيف أبي بكر في المرتدين، وسيف عليّ في الباغين، وسيف القصاص بين المسلمين؛ وسيوف الأمير - أيده الله في مواقفه - لا تخرج عن هذه الأقسام، فسيفه بظاهر هراة فيمن عطّل الحدّ، واتّهم بأنه ارتدّ، وسيفه بظاهر غزنة في وجه العقوق، نوعا من الكفر [والفسوق]، وسيفه بظاهر مرو فيمن نقض بعد تغليظه، ونبذ اليمين بعد تأكيده، وسيفه بظاهر سجستان فيمن نبّه الحرب بعد رقودها، وخلع الطّاعة بعد قبولها، وسيفه الآن في ديار الهند سيف قرنت به الفتوح، وأثنت عليه الملائكة والرّوح، وذلّت به الأصنام، وعزّ به الإسلام، والنّبيّ ﵇، واختصّ بفضله الإمام، واشترك في خيره الأنام، وأرخت بذكره الأيّام، وأحفيت لشرحه الأقلام. وسنذكر من حديث الهند وبلادها، وغلظ أكبادها، وشدة أحقادها، وقوّة اعتقادها، وصدق جلادها، وكثرة أجنادها، نبذا ليعلم السّامع أيّ غزوة غزاها الأمير السّيد أدام الله علوه؛ إنّها بلاد لو لم تحيها السّحاب بدرّها، لأهلكتها الشمس بحرّها؛ فهي دولة بين الماء والنّار، ونوبة بين الشمس والأمطار، تقدّمها صعاب الجبال، وتحجبها رحاب القفار، ويعصمها ملتفّ الغياض، ويحصّنها طواغي الأنهار، حتى إذا خرقت هذه الحجب، خلص إلى عدد الرّمل والحصا رجالا، وشبه الجبال أفيالا، وإيزاغ المخاض جلادا، وتشهاق الحمار طعانا، وأركان الجبال ثباتا؛ ثم لا يعرفون غدرا ولا بياتا، ولا يخافون موتا ولا حياة، ولا يبالون على أيّ جنبيه وقع الأمر، وينامون وتحتهم الجمر؛ وربّما عمد أحدهم لغير ضرورة داعية، ولا حميّة باعثة، فاتّخذ لرأسه [من الطين] إكليلا، ثم قور قحفه

стр. 4839

فحشاه فتيلا، ثم أضرم في الفتيل نارا، ولم يتأوه، والنّار تحطمه عضوا عضوا، وتأكله جزءا جزءا؛ فأما محرق نفسه ومغرقها، وآكل لحمه ومفصّل عظمه، والرّامي بها من شاهق، فأكثر من أن يعد؛ وأقلهم من يموت حتف أنفه، فإذا مات هذه الميتة أحدهم (١) سبّ بها أعقابه، وعظم عندهم عقابه. بلاد هذه حالها، وفيلة تلك أهوالها، وجبال في السّماء قلالها، وفلاة يلمع آلها، وغياض ضيق مجالها، وأنهار كثيرة أو حالها، وطريق طويل [مطالها]، ثم الهند ورجالها، والهندوانيّة واستعمالها. زحم الأمير - أدام الله سلطانه - بمنكبه هذه الأهوال محتسبا نفسه، معتمدا نصر الله وعونه، فركض إليهم بعون من الله لا يخذل، ومدد من التوفيق لا يفتر، وقلب عن الأهوال لا يجبن، وجدّ على المطلوب لا يقصر، وسيف عن الضّريبة لا ينكل؛ فسهّل الله له الصّعب، وكشف به الخطب، ورجع ثانيا من عنانه بالأسارى، تنظمهم الأغلال، والسّبايا تنقلهم الجمال، والفيلة كأنّها الجبال، والأموال ولا الرّمال. فتح الله ذخره عن الملوك السالفة الخالية، الكفرة الطّاغية، الجبابرة العاتية، حتّى وسمه الله بناره، وجعله بعض آثاره؛ فالحمد لله معزّ الدين وأهله، ومذلّ الشّرك وحزبه. * وله إليه أيضا (٢): رقعتي هذه - أطال الله بقاء الشيخ الجليل - من بعض الفلوات، ولو جهلت أن الحذق لا يزيد في الرزق، وأنّ الدّعة لا تحجب السّعة، لعذرت نفسي في الرّحل أشدّه، والحبل أمدّه؛ ولكنّي أعلم هذا وأعمل ضدّه، وأصل سراي

стр. 4840

بسيري، ليعلم أنّ الأمر لغيري؛ وإلاّ فمن أخذني بالمطارفي هذه الأقطار، والمصار في هذه الأمصار، لولا الشقاء؛ ألم يأتني العمر بهيجا، والرزق نهيجا نضيجا، حتّى آتيه قصدا، وأتكلّف له زرعا وحصدا، وأعارضه شيّا وطبخا، وأعرض له الشّعاب، والجبال الصّعاب، وأنزل بمناخ السّوء؛ لكنّ المرء يساق إلى ما يراد به، لا إلى ما يريد. أما آن لهذه الأشقاص، أن يتيسر منها الخلاص؟ بعد ما سافرت وسفرت، وناظرت [ونظرت]، وحفرت وحرثت، ونذرت وبذرت، وزرعت وعمرت؛ حمدت الله كثيرا، ورأيته مغنما كبيرا؛ وإن لم يكن من إتمام القصة بدّ، فلا غنى عن نظر كريم ومهلة، فيها مجال وتسويغ يصلح به فاسد، وقرض يتألف به شارد (١): [الطويل] وما كلّ يوم لي بأرضك حاجة … ولا كل يوم لي إليك رسول ٦ - ومنهم: أبو نصر العتبيّ (٢): وهو من أصحاب الغوص البعيد، والمعاني البديعة، واللفظ السّهل، والخاطر الوقاد، والفكر الجوال، والصّوغ اللائق، والورد السائغ؛ لا يماثل بإنسان، ولا يشاكل في خراسان؛ دون كلمه سحر بابل، ونشر كابل؛ لو شاء أوهم الغواني في عقودها، والأغصان في برودها؛ وكان حفظه مع سعة مخيلته، وصفاء مصوّرته وممثّلته؛ وحفظه أحوى من بقاع الرّمل، وأحلى من اجتماع الشمل؛ وفهمه أدقّ من مدارج النّمل تمثيلا، وأرقّ من طبع صافي الماء تخييلا؛ كلمات محكمة بقوة

стр. 4841

الأسباب، محكّمة كنشوة الرّاح للألباب؛ فآها له من خبر طواه أمسه، ومن بحر حواه رمسه، ومن حرّ أضاء ليوم (١)، ما طلع حتى غابت شمسه. وله كتاب «اليميني في تاريخ السّلطان محمود بن سبكتكين» (٢) كأنّه روضة غناء وعقد منظوم، وأفق مكوكب، بديع الجملة، حسن المجموع. * ومن نثره قوله قرين نصل أهداه (٣): خير ما تقرب به الأصاغر إلى الأكابر، ما وافق شكل الحال، وقام مقام المقال؛ وقد بعثت بنصل هندي، إن لم يكن له في قيم الأشياء خطر فله في قمم الأعداء أثر؛ والنّصل والنّصر أخوان، والإقبال والقبول قرينان؛ والشيخ أجلّ من أن يرى إبطال حلية الأبطال، ويردّ إقبال مستجلب الإقبال. ومنه قوله من كتاب كتبه عن السّلطان محمود: ووصلنا إلى السومنات (٤)، فوجدناها تخفي الرياح في مساربها، وتزلّ الأبصار بين ذوائبها، بين غياض تشكو الأراقم فيها ضيق المضطرب، وصعوبة المنسرب، متكاثفة كأعراف الجياد، متداخلة كأشعار الحداد، لا تستجيب فيها الأفاعي للرّقاة، ولا يستنير البدر عندها للسّراة، في أذيال جبال تناغي كواكب الجوزاء، وخلال آجام تواري وجه الأرض عن عين السّماء، فوافينا وقد أثقل العيون كراها، وأتعب النّجوم سراها، في مدّة اتصلت كعوب أيامها، وتناسقت

стр. 4842

فرائد نظامها؛ فأحطنا بها إحاطة القلائد بالجيد، والشذرة بالفريد، ثم اشتدّ الوغى، فخيلت المعركة سماء غمامها مثار القساطل، وبروقها بريق المناصل، ورعودها صرير السّلاح، ورشاشها صبيب الجراح؛ واستقبل المعمة من الجنود رجال، يرون الملاحم ولائم، والوقائع نقائع؛ وحطّت الرّماة أيديها في جعاب كخراطيم الفيول، مملوءة بنبال كأنياب الغول؛ وظلّت السهام تتهاوى كما تتهاوى لوامع الشّهب، وتترامى ترامي نوازع السّحب؛ والطعن يهتك ودائع الصّدور، ويرد مشارع الغموم والسّرور؛ ولم تزل الملحمة حتّى استقلّت الشمس إكليلا على الجبل، ونفّضت ورسا على الأصل، فافترق الجمعان، وضرب اللّيل بينهما بجران، إلى أن صافح الليل صباحه، ونثر النجم على الغرب وشاحه، فعادوا إلى أمسهم، وتداعوا من آثاره القيام إلى رمسهم، وصارت الأرواح تسقى بأرشية الأرماح، إلى تولّي عسكر البلد هزيما يقفوه الصّباح، وهشيما تذروه الرياح؛ يتقاسمون الهرب جماما، ولا يردون الماء إلاّ لماما؛ وعسكر السّلطان في آثارهم يرميهم بالصّواعق من ظبى السّيوف البوارق، ويقذفهم بالشّهب اللّوامع من شبا الرّماح الشوارع، حتّى صار من سلم منهم إلى الأطراف ضرورة، إذ كانت جيوب الآفاق عليه مزرورة. وما برح السّلطان يتطلّب ملكهم حتّى حصل في معتقله، وحصّله في مكمن أجله، فهدأ من الخوف سره، وختم بطابع الشقاء عمره، ثم صعد السّلطان المدينة، ودخل بيت البدّ وظفر منه ومنها بأموال طالما حفظتها صدور الخزائن مكتومة، وخنقتها خيوط الأكياس مختومة، مما أوهت في تعدادها أنامل الحساب، وأحفت بل أفنت أقلام الكتّاب، فمن ذهب وفضة، ما منهما إلاّ ما يكاثر الأحجار، ويستقلّ الأمطار؛ ومن لآل كأنّما صورت من الشّمس ضياء، وخلقت لمضاهاة حبّ الغمام عدّا وصفاء؛ ومن يواقيت كالجمر قبل الخمود، والخمر بعد الجمود، ومن زبرجد كأطراف الآس نضاره، أو ورق الأقحوان غضاره؛

стр. 4843

ومن ماس كأنّما أعارت بعضه السّنانير أحداقها، أو وهبت باقيه حوّ الشّقائق أوراقها؛ ومن ولدان كاللّؤلؤ المنثور، ونساء خلقن أنموذجا للحور، ومن أفيال كالأسود، محطومة بالأساور السّود، حكت أطوادا فارعة، وأمواجا متدافعة، تئنّ الأرض من وطء أطرافها، وتخفّ (١) من ثقل أخفافها؛ تقف كأشخاص القصور، وتتدفق كأمواج البحور، وكأنّها بيوت والخراطيم رواشنها المعلقة، وكأنها ليال افترست النّهار، فلم يبق منه إلاّ ما على أنيابها من جلوده الممزقة، يراها الرّاءون هضابا ثابتة، وجبالا نابتة، في ثقل أجسام، وخفّة أقدام؛ كأنّها صدع الجبال عند طارقة الزّلزال، تناجي بصور التهويل والتفخيم، وتفتك بالأيدي والخراطيم؛ إن استدري بها في الوغى، ضربت بين النفوس والآجال بسور، وإن خفّت إلى الحروب، رأيت قلوب اللّيوث تحت أجنحة النّسور؛ فلندع هذه النّعمة التي عقدت بالنّجوم ضفائرها، وأفاضت على الشّرق بعضها وعلى الغرب سائرها، وإنّا لنرجو أمثالها، ما دامت العيون حافظة سوادها، والعواتق حاملة نجادها. ومنه قوله: المؤمن البشر لا من ورق الشجر، إذا مات فقد فات، وليس ممّا يعود، كما يورق ما عري العود. ومنه قوله: وهم مرابيع الكرم، وينابيع الحكم، ومصابيح الظّلم، ومجاديح الأمم، وليوث البهم، وغيوث القحم؛ سادة النّاس، وقادة الملوك يوم النّدى ويوم الباس. ومنه قوله: وبلغ إلى حيث لم يبلغه في الإسلام راية، لم ينل به قطّ سورة ولا آية، في

стр. 4844

فياف تضلّ في أرجائها أسراب اليعافير، وتحار في دهنائها أفواج العصافير؛ فثار عدوّ الله يستنهض من يحمل حجرا، فضلا عمن يلقم القوس وترا، أو يحسن بالسّيف أثرا؛ فلمّا قاربه في المكان، ودخل بالرّعب على قلبه العيان، كرّ راجعا على آثاره، لفت المشير موهنا بناره؛ لا زال السّلطان منصورا، ما طلع يوم من حجاب أمس، وظهرت نفس من قرارة نفس. ومنه قوله: وأما بنو فلان، فكوتهم الأيّام بمياسمها، وداستهم اللّيالي بمناسمها؛ فإنّ في قرع باب الغيّ تعرّضا للبلاء، واستئذانا على سواء القضاء، لولا أن تداركهم فلان بلطف كالأري مشارا، ودهاء يسلخ من الليل البهيم نهارا. ومنه قوله معزّيا: هذه مصيبة سفحت الدّموع غروبا، ونثرت قنا الأصلاب أنبوبا فأنبوبا، ونعي بها فتى الجود، ومصّ بعده الثّرى بقية الماء من العود. ومنه قوله: ولم تكن إلاّ صدمة واحدة حتّى زلّت الأقدام عن مقارّها، وتهاوت الرّقاب عن مزارّها، وجعلت تتساقط أشخاص الألوية والمطارد، وتردّ النّفوس عن ضرب السّيوف البوارد؛ وكرّت عنها للسّلطان فيول كرعن الجبال، أو كركن السّحب الثّقال، مغشّاة بتجافيف (١) لم يعوّر منها غير حدق النّواظر، وحدائد الأنياب القوافر؛ يهوّل سائسها عليها بمرهفات كالبروق الخواطر، وصفّارات كالرّعود القواصف؛ وقد نشرت عليها التّماثيل في العيان المشهود، كأنّها الأساود

стр. 4845

السّود؛ تخيل اضطراب الرّياح فيها أنّها ترجف للإلهام، أو تنقضّ لاختطاف الهام؛ وتعالت عليها أطراف العوامل؛ في مبان كالمعاقل، كأنها آجام السّواحل، تأويها شياطين الإنس فرسانا، وعفاريت التّرك والهند مردا وشبانا، تبصّ عليهم سابغات داود كصفائح الماء، تجلوها الشّمس في وسط السّماء، فحثّ العدوّ الخيل، تحت اللّيل، حتى كاد لا تتنفّس الأرض معه بمواطئ أقدامها، ولا تشعر النّجوم بأشخاص ألويتها وأعلامها، ودنا الفريقان بعضهم من بعض، وظلّت رحى الحرب تعركهم بثفالها، وتدور عليهم بأثقالها؛ وحمل سيف الدّولة بنفسه، فتداعت الزّحوف، وتخالطت الصّفوف، وخطبت على منابر الرّقاب السّيوف، وثارت عجاجة أخذت العيون عن الأشباح، وأذهلت النّفوس عن الأرواح، ونثرت الأعناق ثم نظمتها في سلوك الرّماح، وطفقت الخيل تتردّى بجثث النفوس، وتلعب بأكر الرّءوس؛ وأما البقية فإنهم ولّوا وما ألووا، وقد دبّ الفشل في تضاعيف أحشائهم، وسرى الوهل في تفاريق أعضائهم، واستطار الخوف في مزاج دمائهم؛ فجيوب الأقطار عليهم مزرورة، وذيول الخذلان عليهم مجرورة. ٧ - ومنهم الحسين بن علّي بن محمّد عبد الصّمد، أبو إسماعيل (١)، مؤيد الدّين، فخر الكتّاب الأصبهاني، المنشئ المعروف بالطغرائّي. الكاتب الشّاعر، الناظم النّاثر، البديع الصّنعة، الباهر الأدب، الزاهر الفضل، الطّاهر المحاسن، الدقيق المعاني، الوثيق المباني، المشهور شهرة الشّمس، الواضح

стр. 4846

وضوح البدر، كاثر ببدائعه النّجوم الثّواقب، وبنتائج قرائحه سجوم السّحائب، فجاءت عربا أبكارا، وشهبا لا تلجّ أفكارا. وولع بصنعة الكيميا، فشب لهبا، وصبّ أدبا لا ذهبا، وأذهب زمانا بها في العناء، وطلب الغنى من غير الغناء، فلم يجد بغيته، ولم يزد على أن صفّر وجهه، وبيض لحيته، فردّ خائبا، واشتعل رأسه شائبا؛ وطالما شمر طلب الصّنعة دروعه، وصعّد أنفاسه وقطّر دموعه، وكان من فيض السّلطان في غير البشير، وفي حبر من الإكسير، إلاّ أنه تعلّق بعلم أحابر، وعلق حكم الصّنعة عن أكابر، وشدّ الأوصال، وامتدّ لأن تسمح له بالوصال، فكان لو شعر به ابن أميل، لمال إليه كلّ الميل، أو تشبه به ابن يزيد، لما كان عليه مزيد، ومع طول معاناته، وبعده تارة ومداناته، لم يحصل على غير ارتقابها، ولا ظفر من ليلى بحطّ نقابها، فكم ضيّع حاصلا، وكدّ ولم يكن واصلا. وشعره أسير من نثره، وأيسر في حجم قدره، لأنّه إنما عانى النّثر وقد قارب أجله الانتهاء وقارب الرّحيل، ودنت شمسه من الأفول. وهو صاحب «لاميّة العجم» التي فصّلت عرى «لاميّة العرب» وحلّت لامها، ونكّبت من شفار الشّنفرى سهامها، فلقد قوّت الشّعوبيّة، واحتمت لعصابتهم، حميّة العصبيّة، وأخذت قسرا شجر البيان، وحكمة ألسنة العرب وأدمغة اليونان، وكادت تبتزّ من دولة العرب مدينة السّلام، ولا تبقي لهم إلاّ عائدة الملام، وعنوان قوله منها (١): [البسيط] أريد بسطة كفّ أستعين بها … على قضاء حقوق للعلى قبلي

стр. 4847

والدّهر يعكس آمالي ويقنعني … من الغنيمة بعد الكدّ بالقفل إنّ العلى حدّثتني وهي صادقة … فيما تحدّث أنّ العزّ في النّقل لو أنّ في شرف المأوى بلوغ منى … لم تبلغ الشمس يوما دارة الحمل تقدّمتني رجال كان شوطهم … وراء وطئي إذا أمشي على مهل أعدى عدوّك أدنى من وثقت به … فحاذر النّاس واصحبهم على وجل وإن علاني من دوني فلا عجب … لي أسوة في انحطاط الشّمس عن زحل وإنّما رجل الدّنيا وواحدها … من لا يعوّل في الدّنيا على رجل وقد قال لمّا ولي ديوان الطّغراء، وكان قد كبر وأفن: من فتح دكّانه بعد العصر، أي شيء يتعيش؟. * ومن نثره قوله: وما كان إلاّ أن تداعوا بالرّحيل، وقدّمت لهم النّياق للتّحويل، وإذا بقلبي قد ودّعني وسار، وهزّ جناحه الخافق وطار، فعدت - علم الله - لا أستطيع منعه، ولا أعقل فأجري لي دمعة، إلى أن بكّرت عليّ العاذلات، وهبت إليّ باللّوم قائلات: أمالك أسوة بالمحبّين الألى؟ فقلت: لا؛ فمازلن يرقعن جلدي، ويمسكن تجلّدي، وأنا لا أسكن إلى حول، ولا أطمئنّ إلى قول، حتّى غلبتني صرعة كرى، فتخيلت [أنّي] أرى خيالا عاد مخبرا، وخيالا من الحبيب زار مزوّرا؛ فإذا بتمثال الأحباب بين يديّ مصورا، فقال لي ذلك الطّيف الطّارق، تحت ستور الليل الغاسق: مالك ولهذه الحالة الشنيعة؟ أما كنت ترضى بأن يكون قلبك عندنا وديعة؟ فها خذها إليك، والسّلام عليك؛ فقلت: ناشدتك الله أيّها الخيال الزّائر، والمثال السّائر، إلاّ ما تريثت، ووقفت فتلبثت؛ فما زاد على أن زال، ولا حام حتّى حال؛ ثم ولّى وما ودّع، وأشبه مشبهه في الجفاء وما أبدع.

стр. 4848

ومنه قوله: وقد زار الغيث، وزار اللّيث، وأضاء البدر الزّاهر، ودنا الصّباح السّافر، وقدم العميد يهمي متدفقا هو والغمام، ويجري مستبقا هو والسّهام، فأيّ صدر ما تزحزح لحلوله؟ وأيّ قدر ما يصال لوصوله؟ وأي بدر ما غاب؟ وأيّ شمس ما توارى ضياؤها بحجاب؟ ولولا وقار العميد، كادت الأرض تميد، ويا للّه العجب، قدم وما نزفت البحار، وإلاّ ضاقت البيد!. ومنه قوله: وكتابي هذا إليك، وعندي عليك لوث عتاب، لأمر لا يحمله كتاب، فإن آب بك المتاب، وقوّم أود ودّك الإعتاب، استرسلت معك في ذكره، وأرسلت إليك رائد سرّه؛ وإلاّ طويت الدّهر على مضض ألمه، وأخليت الصّدر للممه، وتحاملت على ما بي، وصرفت عنك ودّي وعتابي. ومنه قوله: سحابة ترسل الأمطار أمواجا، والأمواج أفواجا، سحبت على الأرض أذيالها، وعلمت افتقارها إلى نفسها، فجادت بها لها، والجود بالنّفس أقصى غاية الجود (١)، لا سيما عوارف كرم ملأت الوجود. * ومن شعره قوله (٢): [الطويل] وأبيض طاغي المتن يرعد حدّه … مخافة عزم منك أمضى من النّصل

стр. 4849

عليم بأسرار المنون كأنّما … على مضربيه أنزلت آية القتل ومنه قوله (١): [الطويل] أجيراننا بالغور كيف خلصتم … نجيّا وأخفيتم مسيركم عنّي لقد سمعت أذناي نجوى فراقكم … فلا نظرت عيناي ما سمعت أذني أحذركم طوفان دمعي فبدّلوا … إذا أزف السير الرّكائب بالسفن ففي الحيّ مرهوم الإزارين بالبكا … وآخر مرقوم العذارين بالحسن ومنه قوله (٢): [الطويل] إذا ما دجى ليل العجاجة لم يزل … بأيديهم جمر إلى الهند مشبوب عليها سطور الضّرب يعجمها القنا … صحائف يغشاها من النّقع تتريب وقوله في النّهر والرّوض (٣): [السريع] يشقّها في وسطها جدول … [مياهه] العذبة مثلوجه (٤) له سواق طفحت والتوت … تلوّي الحيّات مشجوجه فهي رماح أشرعت نحوها … تطعنها سلكى ومخلوجه (٥) ومنه قوله (٦): [الكامل] إنّي لأذكركم وقد بلغ الظّما … منّي فأشرق بالزّلال البارد

стр. 4850

وأري العدى أنّ الإساءة منكم … خطأ وتلك سجية من عامد ويصحّ لي قول الوشاة عليكم … فأردّه عنكم بظنّ فاسد وإذا طويت هواك عنهم نمّ بي … وجد يدلّ على لسان جاحد وأقول: ليت أحبتي لاقيتهم … قبل الممات ولو بيوم واحد (١) وإذا سئلت عن السّلوّ أجبتهم … بلسان معترف ونية جاحد: إن لم يكن سحرا هواك فإنّه … والسّحر قدّامن أديم زائد (٢) ما زلت أجهد في مودّة راغب … حتّى ابتليت برغبة في زاهد (٣) ولربما نال المراد مرفّه … لم يسع فيه وخاب سعي الجاهد هذا هو الرّأي الذي ضاقت به … حيل الطّبيب وطال يأس العائد ولعمري ما أعرف ما أصف به هذا الشّعر، وهو الذي قلّ أن يماثل، وجلّ أن يقاس به، وهو السحر الطّاهر، والرحيق المشعشع، والرّوض الباسم، والصّباح المتألّق، وهكذا فليكن؛ ومن يقدر على هذا أو يدانيه؟ وكذلك قوله (٤): [البسيط] بالله يا ريح إن مكنت ثانية … من صدغه فأقيمي فيه واستتري وباكري ورد عذب من مقبّله … مقابل الطّعم بين الطّيب والخصر وإن قدرت على تشويش طرّته … فشوّشيها ولا تبقي ولا تذري ثم اسلكي بين برديه على عجل … واستبضعي الطيب وأتيني على قدر

стр. 4851

ونبهيني دوين القوم وانتفضي … عليّ واللّيل في شك من السّحر لعلّ نفحة طيب منك ثانية … تقضي لبانة قلب عاقر الوطر وقوله (١): [الطويل] وحان على الشّحناء عوج ضلوعه … يسدّد نحوي صائبات المشاقص يكاثر فضلي بالثّراء توقّحا … وفي المال للجهّال جبر النّقائص أقول له لمّا اشرأبّ لغايتي … ومدّ إليها نظرة المتخاوص وأيقظ منّي ساهرا غير نائم … وحرّض منّي هاجما غير حائص: لقد فات قرن الشّمس راحة لامس … وأعيا مناط النّسر كفة قانص فإن حدّثتك النفس أنّك مدرك … لشأوي فطالبها بمثل خصائصي وعلمي بما لم يحو خاطر عالم … وخوضي على مالم ينل فهم غائص (٢) فما عهد أحبابي على البعد ضائع … لديّ ولا ظلّ الوفاء بقالص ولا أنا عمّا استودعوني بذاهل … ولا أنا عمّا كاتموني بفاحص وإنّ الألى رامو اللّحاق بغايتي … سعوا بين مبهور وآخر شاخص وراموا بأطراف الأنامل غاية … وطئت وقد أعيتهم بالأخامص وقوله (٣): [الطويل] صحا عن فؤادي ظلّ كلّ علاقة … وظلّ الهوى النجديّ لا يتقلّص هوى ليس يسلي القرب عنه ولا النّوى … ولا هو في الحالين يصفو ويخلص ففي البعد قلب بالفراق معذّب … وفي القرب عيش بالوشاة منغص

стр. 4852

وإنّ خلاصا كنت أرجوه برهة … وكان يزيد الأمر فيه وينقص قطعت رجائي منه مذ قال صاحبي: … رميّ العيون النّجل لا يتخلّص وقوله (١): [البسيط] يا صاحبيّ أعيناني على سكن … إذا شكوت إليه زادني مرضا ظبيّ غرير إذا حاولت غرّته … أرسلت طرفي سهما وانثنى عرضا (٢) مالي وللبرق مجتازا على إضم … يسري ويمري جفوني كلّما ومضا برق يلوح بنجد والحمى وطني … هفا بقلبي ولبّي كلّه ومضى من مبلغ الحيّ شطّت دارهم ورضوا … بالجار جارا وما أرضى بهم عوضا ما طاب عنكم فؤاد طاب قبلكم … عن الرّضاع تقضّى والشّباب مضى إنّ الزّمان الذي كانت بشاشته … للقلب والعين ملهى بان وانقرضا فإن نسيت فيأسا لم يدع طمعا … وإن ذكرت فعرق ساكن نبضا حكّمت في مهجتي من ليس ينصفني … ولست أبلغ من تحكيمه غرضا سيّان عندي وأمري صار في يده … قضى لغيري بجور أم عليّ قضى حتّام أنهض جدّي وهو يعثر بي … أخاف أن لا يراني الجدّ إن نهضا وقوله (٣): [الكامل] ومليحة الحركات إن رفلت … في الحيّ ساعف عقدها القرط نمّ المروط بحسنها فبدا … والشمس ليس يكنّها مرط فتح الصّبا في صحن وجنتها … وردا يضاعف حسنه اللّقط

стр. 4853

قالت وقد ولّت حمولهم … والعيس فوق جفوننا تخطو: كان الشّباب الغضّ يجمعنا … فمضى وشتّت شملنا الوخط غدر الأحبّة والشّباب معا … فكأنّنا لم نصطحب قطّ وقوله (١): [الكامل] في القلب من حرّ الفراق شواظ … والدّمع قد شرقت به الألحاظ ولقد حفظت عهودكم وغدرتم … شتان غدر في الهوى وحفاظ لله أيّ مواقف رقّت لنا … فيها الرّسائل والقلوب غلاظ ومرى العتاب جفوننا فتناسبت … تلك المدامع فيه والألفاظ يا دار ما للرّكب حين وقوفنا … ما إن سقاك من الدّموع لماظ ترك الغرام عقولهم مشدوهة … فظننتهم رقدوا وهم أيقاظ عهدي بظلّك والشّباب يزينه … أيّام ربعك للحسان عكاظ فيا للّه ما أسرى هذه البدائع، وما أسرع تدفّق هذه البداءة، ويا للّه هذا الشّاعر، لقد ركب هذه القافية الصعبة فذللها، وسلك هذه الطريقة الوعرة فسهّلها؛ ولقد حيّر الأفهام إلى أيّ هذه المعاني تسارع؟ ولأيّها تفضل؟ ومن أيّها تعجّب؟ هذا مع هذا التركيب الشّديد الأسر، واللفظ الذي اقتاد إلى هذه القافية، وسلسل نطف هذه الأبيات الصّافية، وجاء بأبياتها المشيّدة كأنها العافية، وهذا الذي تتفاوت فيه أقدار القرائح، ويظهر فيها مبلغ العلم، ويعلن به باسم قائله، وينفق سوق منشده، وأين من يقدر على مثل هذا الكلام؟ أو يتعاطى مثل هذا المدام؟ أو يصحّ معه هذا السحر، وما أظنّه إلاّ الحرام؟!

стр. 4854

ومن لطائف شعره قوله أيضا (١): [الكامل] يا قلب مالك والهوى من بعدما … طاب السّلوّ وأقصر العشاق أو ما بدا لك في الإفاقة والألى … نازعتهم كأس الغرام أفاقوا مرض النّسيم وصحّ [و] الدّاء الذي … يشكوه لا يرجى له إفراق وهدا خفوق البرق والقلب الذي … تطوى عليه أضالعي خفّاق وقوله (٢): [الطويل] أجمّا البكا يا مقلتي فإنّنا … على موعد للبين لا شكّ واقع إذا جمع العشاق موعدهم غدا … فوا خجلتا إن لم تعنّي المدامع وجاءه مولود وقد بلغ سبعا وخمسين سنة، فقال (٣): [البسيط] هذا الصّغير الذي وافى على كبري … أقرّ عيني ولكن زاد في فكري سبع وخمسون لو مرّت على حجر … لبان تأثيرها في صفحة الحجر وقوله (٤): [الطويل] أزيد إذا أيسرت فضل تواضع … ويزهو إذا أعسرت بعضي على بعضي أرى الغصن يعرى ثم يسمو بنفسه … ويوقر حملا حين يدنو إلى الأرض وقوله (٥): [الطويل] وكنت أراني مفلتا شرك الهوى … فقد صادني سحر العيون النّوافث

стр. 4855

فلا تعذلوني في غرامي بعدما … تولّى الصّبا فالعذل أوّل باعث ولا تبحثوا عن سرّ قلبي فإنّه … صفا ليس يمضي فيه معول باحث أرى صبوات الحبّ قد جدّ جدّها … وقد كان بدو الحبّ مزحة عابث وقوله (١): [الطويل] هي العيس قودا في الأزمة تنفخ … تمطّى بها من حقوة الرّمل برزخ فلين الدّجى عن غرّة الصّبح فاغتدت … بحيث التقى منها وقوف ونوّخ عليها قطاف المشي أطول خطوها … مدى الفتر إذ أدنى خطاهنّ فرسخ بدور أكنّتها خدور يجنّها … جناح خداريّ من الليل أفتخ فوشي خدود بالجمال منمنم … ومسك شعور بالشباب مضمخ فيا صادحات الورق في الأيك أقصري … فمالي إذ أشكو ولا لك مصرخ وقوله (٢): [البسيط] تاللّه ما استحسنت من بعد فرقتكم … عيني سواكم ولا استمتعت بالنّظر إن كان في الأرض شيء غيركم حسنا … فإنّ حبّكم غطّى على بصري وقوله (٣): [الخفيف] خبرّوها أنّي مرضت فقالت: … أضنى طارفا شكا أم تليدا وأشاروا بأن يعودوا سادتي … فأبت وهي تشتهي أن تعودا وأتت في خفية وهي تشكو … ألم الوجد والمزار البعيدا ورأتني كذا فلم تتمالك … أن أمالت [عليّ] عطفا وجيدا (٤)

стр. 4856

وقوله يصف النّجم (١): [المتقارب] وليل ترى الشّهب منقضة … بها نحو مسترق سمعه كما مدّ من ذهب مدّة … على لازوردية الرّقعه ٨ - ومنهم: أبو عليّ، الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشّخباء العسقلاني (٢): * صاحب الخطب المشهورة، والرّسائل المحبرة؛ لسان لا يكفّ له غرب، ولا يكلّ له ضرب، بحسّ ذكيّ كأنه زجاجة فيها نار، وحدس زكي لا يطمس له نار؛ وبينه وبين ابن الجميد مكاتبات، ينشر منها الحلل، وينظر منها ما تحوي الكلل؛ وقفت عليها، وصرّفت النظر فلم أجده ينصرف إلاّ إليها؛ وكانت عندي بالخطّ الفاضليّ، وإنّما أذهبته من يديّ النّقل، وأطلقته من حاصلي العقل؛ وكانت بينهما من لطائف الشّتام، ما كان لسالف النّقائض كالختام، بألفاظ عذاب كأنّها نطف الغوادي، وطعم السلامة من يد الأعادي؛ وكان لا يحسن منها إلا عقير مدامة يحسوها، وعاقد راحة على شعاع راحة يكسوها؛ وكانا عجبا، ونيّرين ظهرا، والشمس والقمر قد حجبا. ومن نثره قوله: أمّا ما افتتحت به من ذكر استحكام الثقة، فقد عجبت من تعاطيه وصف

стр. 4857

ذلك، مع العلم بوضوح دليله، والمعرفة بكثيره وقليله، وأنى يتجاوز تلك الصّفة وهو ينبوع الوفاء ومنبته، وممكن أسّه ومثبته: [الرجز] تسكن أحشائي إلى حفاظكم … سكون أجفاني إلى رقادها وأما تخلّفه عن الزيارة للعذر الذي نصّه، فقد رأيت ليلتي بغيبته، فكأنّها قرنت بيوم الحساب الأطول، أو علّقت نحومها السيارة بأمراس كتّان إلى صمّ جندل (١). ومنه قوله: فارقني مولاي، وخلّفني خلف السهاد، مفترشا شوك القتاد، أتذكر أخلاقه تذكّر الفقير غناه، وابن ذريح لبناه، وامتدّ عليّ رواق الليلة المذكورة، حتّى كأنّ نجومها شدّت بمناكب أبان، وقمرها يسير في فلك كيوان: [من البسيط] يئست من صبحها حتّى التفتّ إلى … وجه الظّلام أعزّيه بفقدان ولم تزل هذه حالي في الوحشة، إلى حين وصول الرّقعة الأثيرية؛ فإنها رقعت هلهلا من الجدل مخلقا، وتركت داويا من المسّرة قصرا مونقا؛ ووقفت عليها، فقلت: أجرى الطّرس سطورا؟ أم زهري منثورا؟ أو نظمت البراعة ألفاظا أدبية؟ أم سلوكا ذهبية؟ وأنا أجيب عنها، ولكن كما يجيب قسّا باقل، وتفاخر السّحب المثقلة جداول؛ لمّا علمت أنّه قد عبث عليّ من وجه صحيح، لقيته مخفوض الجناح، وقابلته بالاستغفار والاستفصاح؛ إذ أنا بحمد الله تعالى ليّن الكنف تحت ظلال المودّة، شديد في هواجر الشّدة: [الطويل]

стр. 4858

جليد على عتب الخطوب إذا التوت … وليس على عتب الأخلاّء بالجلد وأما الفصل المختصّ بالحضرة السامية، ووقوع الأمر بحسب ما كان مولاي ذكره، فلم تزل ألمعيته تمده بالرأي الثاقب، وتكشف له ستور العواقب، والله المحمود على ما منح مولاي من صحة النظر الذي يتساوى فيه حاضر من الأمر وغائب، ومستقبل من الخطب وذاهب، وحسن الألمعية التي عناها الأوّل بقوله: [الكامل] وتصيب مرتجلا بأوّل فكرة … أعراض كلّ مخمّر ومبيّت وأمّا الفلانيّان، وما تجدد بينهما في هذا الوقت من الصحبة، وانتسج من المودة، فللمشابهة قضية دائمة الوجوب، وللمشاكلة حوادث تملك حبات القلوب؛ وكلّ نفس بعادتها صبّة، وإلى ما يلائم طباعها منصبة؛ النملة تفرح بالبرّة، أكثر من فرحها بالدّرة؛ والضّيون يرى القذاريّة، خيرا من اللّطيمة الدارية؛ ومولاي يخالفهما بصحّة ميثاقه، وكرم أخلاقه، ودماثة طبعه، وصلابة نبعه، وطيب أصله وفرعه؛ فلا غرو أن يجهدا في نقض دمرته (١)، ويرغبا عن الاختلاط بحضرته: [السريع] لا تنظري صدّي ولا مقتي … ما أنت من حربي ولا سلمي وأما سؤاله عن قائل البيتين المنظومين، وهما (٢): [مجزوء الكامل] ويقودني لوصاله … خرس الهوى قلق الوشاح ينآد كالغصن النّضي … ر بمثله عبث الرّياح فقد فتح لي هذا السؤال بابا عرفت أنّ مولاي قد أعطى فلانا مقوده، ومدّ إلى

стр. 4859

مغازلته يده، ولزم مضجعه، وتوفّر على الخلوات معه؛ فقلت: خبر يحتمل الصّدق والمين، ووقفت حائرا بين هذين، حتى عرفت اشتهار ذلك؛ وأنّ الأخ غضب منذ أيام قليلة، وبات في القرافة (١) بأسوإ ليلة، فلم أدر كيف أعتب مولاي وألوم، ولا كيف أقعد في التّأنيب له وأقوم؛ وهو الحياء الذي إذا انثلم فقد انهدم، وإذا تصدّع فقد ذهب أجمع، والمعيشة التي من المروءة حفظ موادّها، وصلاح فسادها، ومع ذلك فالبيتان المذكوران لعبد الصمد [بن] المعذّل، في كلمة يقول فيها (٢): [مجزوء الكامل] هتفت به نذر المشي … ب فغضّ من غرب الجماح هيهات ملت إلى النّهى … وأجبت داعية الفلاح وجعلت من ورد التّقى … كأس اغتباقي واصطباحي وقد كان مولاي باستحسان هذه الأبيات أليق، وهي بصفته أعبق؛ وكأني به إذا بلغ إلى هذا الفصل من الرّقعة، أنشد قول الخطيم بن محرز (٣): [الطويل] وما لا مني في حبّ عزّة لائم … من النّاس إلاّ كان عندي من العدى ولا قال لي: أحسنت إلاّ حمدته … بما قال لي ثمّ اتّخذت له يدا ولا أتعدّى هذا الحد حرفا (٤)، أن أجني ذنبا عظيما، وأولم قلبا بشهادة للّه عليّ كريما. ومنه قوله:

стр. 4860

وأما الفصل الأخير، فأعلم واللّه أنّه صدر عمن احتسى من كأس المساهمة، وجلّيت لي بودّه وجوه الدّهر السّاهمة؛ وأنا أؤمل بفضل الله تعالى أن يقع من غير إرهاب، وتتواصل لديّ بغير حساب، حفظا للعادة التي حكم بها كرمه، وتمت معها عندي آلاؤه ونعمه. ومن شعره قوله: [الكامل] ألقى بكفّي جذوة في درّة … واللّيل يخطر في هلاهل أزره (١) أخت النّجوم تشعشعا وولادة … سرقت محاسن وصفه في سكره فضرامها من خدّه، وحياتها … من ثغره، ونسيمها من نشره وممّا أورد له ابن بسّام قوله (٢): [الكامل] ما زال يختار الزّمان ملوكه … حتّى أصاب المصطفى المتخيّرا (٣) قل للألى ساسوا الورى وتقدّموا … قدما: هلمّوا شاهدوا المتأخّرا إن كان رأي شاوره أحنفا … أو كان بأس نازلوه عنترا ولقد تخوّفك العدوّ بجهده … لو كان يقدر أن يردّ مقدّرا إن أنت لم تبعث إليه ضمّرا … جردا بعثت إليه كيدا مضمرا تسري وما حملت رجال أبيضا … فيه ولا ادّرعت كماة أسمرا خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم … وأمرت سيفك فيهم أن يخطرا عجبوا لحلمك أن تحوّل سطوة … وزلال خلقك كيف عاد مكدّرا لا تعجبوا من رقّة وقساوة … فالنّار تقدح في قضيب أخضرا ومنه قوله:

стр. 4861

ولمّا كان الثناء أحسن ما تدار عليه الكؤوس، وتنقش له الأقلام في الطّروس، وجب أن يطلق في هذه الحلبة الأرسان، ويستخدم في أداء فرضها اللّسان. ٩ - ومنهم: القاضي الفاضل: [السريع] وليس للّه بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد (١) هو منهم، لا بل هم منه؛ وكلّ ما قيل في محاسن من تقدّم، فإنّما هو عنه (٢): [الطويل] وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة … لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني وهو: الفاضل محيي الدّين، أبو عليّ، عبد الرّحيم بن الأشرف أبي الحسن عليّ ابن الحسن [بن الحسن] بن أحمد بن الفرج (٣)، اللّخميّ، العسقلاني المولد، عرف بالبيساني (٤) * كان سلفه من بيسان (٥)، وولي أبوه قضاء القضاة والخطابة بعسقلان،

стр. 4862

واستخدم شاور (١) القاضي الفاضل في ديوان المكاتبات مع الموفق ابن الخلال (٢). ومولده يوم الاثنين، خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمئة. هو واللّه البحر الزّاخر، والبرّ الذي ما سلك طريقه أول ولا آخر، وما مثله هو ومن تقدمه إلاّ مثل النّجوم طلع عليها الصّباح، والكروم أوّلها زرجون وآخرها راح؛ بل الحدائد قبل تطبيق الصّفاح، والموارد قبل تصفيق الرّياح، تقدّموا قدّامه وغرقوا في سيله، وخلقوا قبله وجاؤوا في ذيله؛ وكلّ وصف قلت في غيره، فإنّه تجربة الخاطر، هو أكثر من كل قول، وأكبر من مقدار كل طول. لقد صادف هذا الاسم منه الاستحقاق، لفضائله التي تبلجت تبلّج الصّباح في الآفاق؛ لقد وطّد ملك الدّولة بآرائه، جمع السّيوف والأقلام تحت لوائه؛ وكان يناضل بجلادة عن حماها؛ يرتشف الزّلال من رتق قلمه، وتلتحف الظّلال بسحب نعمه؛ وله في الإنشاء تفنّن، منه ما يروع الخيل صهيلا، ومنه ما يروق عذبا سلسبيلا؛ يفتّ العنبر على سطوره، ويفوت الجوهر طلّ منثوره؛ تعقد رسائله راحا براح، وجنى جنّاته بجنى تفّاح، وتلتقط في مهارقه بنفسج من أقاح؛ أطرب من مناجاة النّدام، وأطيب من معاطاة المدام؛ طالما كتب جمانا، وكبت أغصانا، ولان فاجتنى عسلا، وقسي فانبرى أسلا، يسجع كالحمام، ويصرع كالحمام، وقد سطّرت بحسناته الصّحف، وصوّرت من حسانه ذوات القلائد والشّنف؛ وطرق النّجد والوادي، ونطق به المدّاح والحادي، وحاضر به الحاضر والبادي، وسامر به السّامر وترنم الشّادي؛ وغادر له الأرض مذهبا مذهبا، وغادى الغوادي مصوّبا مصوّبا، وسار مقرّبا، مقرّبا وصار للمشرق مشرّقا

стр. 4863

وللمغرب مغرّبا. فأما ما يؤثر عن أقلامه، فهو النّافث للسّحر في عقدها، والمنوّر للأبصار بكحل إثمدها؛ فضح الزهر بكلمه، وفتح الأقاليم بقلمه، وكتب فيما لا يعقبه ندم، وبارى قلمه السّيوف، ففعل أكثر منها ولم يتلطخ بدم؛ كم نكّس رماح الكفر فقصم أصلابها، وفصم أسبابها، وغزاها بأسطره ففلّ جيوشها، وثلّ عروشها، وحطّ صلبانها، وحطّم فرسانها، وأعاد بيعها مساجد، وصوامعها معابد، وبدّل الكفر بالإيمان، وأسكت النّاقوس للأذان، وعزّل مكان الإنجيل للقرآن، وقسى على القساقسة (١) وأرهب الرّهبان؛ وكاتب الخلافة، فكانت سطوره حلية شعارها، وسواد مداده سؤدد فخارها، وتأخّر السّهم وتقدّم، وخرس مجاوبه فلمّا كلّمه تكلّم؛ وحضر مواقف الحرب، فكان فارسها البطل، ورأيه سيفه الضّارب، ومواضع الحصار، وكان منجنيقه الرّامي، ويراعه سهمه الصّائب، وكان هو المحرك للعزائم النّوريّة (٢) على تطهير مصر من دنس أولئك الضّلاّل (٣)، ودرن تلك الأيام اللّيال، بل كانت أشد من اللّيالي، لتراكم ظلام تلك البدع، وتفاقم ضلال ذلك الدّين المبتدع. ولقد كان وهو في ديوان تلك الدّولة يتحرّق على كشف بدعها، وكف شنعها، وكرّ جنود اللّه على شيعها؛ ووقفت على قصيدة كتبها إلى الشّهيد نور الدّين ابن زنكي ﵀، يقول فيها (٤): [الطويل] وما بعد مصر للغنى متطلّب … وما بعد هذا المال مال فيكتسب

стр. 4864

ولو أنّه في البأس يمضي أو النّدى … لهان ولكن في المغاني وفي الطّرب وكانت الأجوبة النوريّة ترد عليها، فيرى بها في تلك الظّلمات نورا، ويرتّب على مقتضاها أمورا؛ ثم كانت دخول العساكر الأسدية (١) إلى مصر، باستدعاء شاور في المرّتين وفي الثّانية استقرّت قدمها، واستمرت والأيام خدمها، وهنالك علا النّجم الفاضليّ وسعد جدّه، وصال والسيوف جنده؛ وعلى ذكره ذكرت شعرا كنت قلته، جاء (٢) فيه ذكره استطرادا، وهو: [السريع] أتى بها السّاقي فيا مرحبا … إذ جاء بالمحمول والحامل (٣) ببابليّ اللّحظ قد زارنا … بقهوة صفراء من بابل (٤) مدامة ما عتّقت حقبة … إلاّ من العام إلى قابل صاغ من الدّير لإبريقها … قلائدا من ذهب سائل وطوّقت في المرج تيجانها … بلؤلؤ في كأسها جائل كأنّها ممزوجة لونه … مغيّرا من خيفة العاذل تأخذ منّا كلّنا ثأرها … ومالها إلاّ على القاتل رقّت فقلنا: إنّها ريقه … في الكأس أو من خصره النّاحل دقيقة المعنى على [ … ] … ألحاظه أو صنعة الفاضل (٥) ولمّا آثر العاضد إقامة أسد الدّين شيركوه عنده، وهو إذ ذاك مقدّم الجيوش النّورية المجهزة إليه، كتب الفاضل عنه إلى نور الدين كتابا، وقفت عليه بخطّه ومنه نقلت، ومضمونه:

стр. 4865

من عبد الله ووليّه عبد الله الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين، إلى الملك العادل، المعظم، الزّاهد المجاهد، المؤيّد، المنصور، المظفّر، نور الدّين، ركن الإسلام والمسلمين، عمدة الموحّدين، قسيم الدولة، مجير الأمة، عضد الملّة، حافظ الثّغور، غياث الجمهور، قامع الملحدين، قاهر المشركين، خالصة أمير المؤمنين؛ رفع الله به منار الدين، وأعلى بعزائمه رايات الموحدين، وأحسن توفيقه في خدمة أمير المؤمنين: سلام عليك؛ فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد صلّى الله عليه وعلى آله الطّاهرين، الأئمة المهديين، وسلّم تسليما؛ أما بعد: فإنّه عرضت بحضرة أمير المومنين مكاتبتك التي أديت بها واجب حقه، وقمت بمفترضه، وصدرت عن قلب شفاه الدّين بهديه، من داء الضّلال ومرضه، وتؤمّلت بمقرّ جلاله ومحلّ أمانته، التي منح الله بها الدين مزية إكماله؛ فصرف إليها أمير المؤمنين سمع الإصغاء وطرفه، وعرف منها أرج الولاء الصادق وعرفه، ووقف عليك من لطيف ملاحظاته ما يديم النعم، وأهدى إليك من شريف دعواته ما إذا حصل لك جمع المسلمين عمّ. فأما تلقيك أوامره بالامتثال، وإنابتك عن العزم الذي ضربت به الأمثال، وأضربت عنه الأمثال، وتجريدك العساكر التي شدّت من الموحّدين، وشادت مباني الدين، ونكص العدو بخبرها قبل نظرها، وانصرف عن بلاد الإسلام بأخزى خجله وأظهرها، وتقديمك عليها من ارتضاه أمير المؤمنين لارتضائك، وانتضاه في يد الحقّ تيمنا بانتضائك، وأمضى عزمه في تقليد ملكه إذ علم أن عزمه مشتق من مضائك، فقد شكر الله وأمير المؤمنين لك - أيّها الملك العادل -

стр. 4866

هذا الأثر، وذخر لك منه حسنة لم تبسم عن مثلها ثغور الصّحائف والسّير، وميزك على ملوك الشّرق والغرب بفضل هذا النظر؛ ونصرت الدين الحنيف، والبيت الشّريف، وعند مآثرك الحسنى نشهد بها فتغني عن الإيضاح والتعريف، وهدمت الباطل حين أرست خيامه، وثبّتّ الحقّ حين هفت أعلامه، واخترت لخدمة أمير المؤمنين من هو مكان الاختيار وفوقه، وحمّلت العبء الثقيل من يستقلّ به ويحمل أوقه، وقلدت الأمر الجليل من لا يعجز قدرته وطوقه؛ ووردوا إلى الفناء النّبويّ بيض الوجوه بنصر واضح، شمّ الأنوف بتفريج غمّة (١) الخطب الكالح، جذلى القلوب بصفقة العمل الرّابح الصّالح، ظاهرة عليهم آثار آدابك الحسنى، بادية فيهم أنوار صوابك الذي ليس فيه مستثنى ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اَللّهِ، وَاَللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) وقد كانت جنايات من تقدم نظره (٣)، عظمت عن الاحتمال، وتجاوزت إلى الدّين بعد أن تجاوزت المال، وظهرت أمارات استنصاره بمن استنصر به بالأمس، وتعويله على ما نزّه الله أمير المؤمنين أن يكون به راضي اللّسان والنفس، لأن الله استخلفه لاستقامة كلمة جدّه، واكتفى بهديه وهدي آله عن أن يقفّى برسول من بعده، وحينئذ بدت للمشار إليه سوءاته، وأحاطت به خطيئاته، وقصّرت في مجال الحياة خطواته، ولقي عن كثب حتفه، وأصبح نكالا لما بين يديه وما خلفه؛ فهنالك أجمع أمير المؤمنين والمؤمنون على تقليد السّيّد الأجلّ، الملك المنصور وليّ الأئمة محيي الأمة، سلطان الجيوش، أسد الدّين، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، أبي الحارث شيركوه العاضدي، عضد الله به الدّين، وأمتع

стр. 4867

بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، أمر وزارته، وناط به أمانة سفارته، وأطلق يده بسيف الجهاد، وقلم الاجتهاد، وتدبير ما تحويه المملكة الفاطميّة من البلاد، وكفّله أمر خدمته التي استحقها بارتياد الرشاد، ورأى أن يكبت عدوّ الدين باصطفائه، ويكف عادية الشرك باستكفائه؛ واختار لتقدّمه عساكره، من اخترته أيّها الملك العادل لتقدّمه عساكرك، واستهدى منك هذه الجوهرة المعدومة من جواهرك، واستنزلك عن هذه الذّخيرة المصونة من ذخائرك، وآثر أن تؤثر به دولته التي تعدّ نصرتها من مآثرك؛ ولثقة أمير المؤمنين أنك تسمح له بكرائم لا يجود بها إلا من كان كريما، وتقسم بينك وبينه النجدة التي دعي بها والدك الشهيد رحمة الله عليه للدولة قسيما (١)، أمضى هذا الرأي لمّا وضح صوابه، وانتهز فرصة هذا التوفيق لما فتح بابه، ورآه القويّ الأمين فاستأجره للإسلام وأهله، ومدّ عليهم ما كانت أعينهم ممدودة إليه من ظل عدله؛ ولما تمسك به المسلمون، لم يغلّ منه أيديهم المشدودة عليه؛ ولما اغتبط به أهل الدين، لم يصرفهم عمّا هداهم الحظّ إليه، وأمره أن يعدّ لحرب الفرنج عدّته، ويأخذ لغزوهم أهبته، ويطلبهم برا وبحرا، ويوسع لقتالهم درعا وصدرا، ويديل الإسلام من هدنة تظلّم منها إلى الله سرا وجهرا؛ وحرت (٢) وأمير المؤمنين يراها مصابا يحتسب فيه عند الله جزاء، وعهد إليه أن يعمّر الأساطيل التي تقطع عن العدّ والإمداد، ويعمر سجون الدولة بالكافرين مقرّنين في الأصفاد، وأن يسكن المدن التي جنى عليها التدبير العاجز، ويثقل المعاقل التي كانت خالية المراكز؛ لتكون أيّها الملك العادل من وراء هذا العدو الكافر مستأصلا، ويكون وزير أمير المؤمنين للغارات عليه والغزوات إليه مواصلا، فيقطع في الشرك سيف الله

стр. 4868

بحديه، ويميس الإسلام في نضرة برديه، ويبطش الحقّ في أعدائه بكلتا يديه، وغير بعيد من معونة الله أن تخفق على البيت المقدس رايات الدّولة الفاطمية، وراياتك التي تعدّ من راياتها، وتوجف عليها خيولها وخيولك التي النّصر أحد غرورها وشياتها، ونأخذ للملّة الحنيفية بطوائلها من طغاة الكفر وبغاتها، ويجري الله الدولة العلوية في النّصرة العلوية على ميراتها وعاداتها؛ فمن الآن قيل للونيّة: اذهبي، ونادى الإسلام: يا خيل الله اركبي، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اَللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (١) ﴿وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اَللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢). وأمير المؤمنين يؤثر أن تؤثر دولته بهذا السّيد الأجل لتكون أيها الملك قد نصرته نصرا دائما، وقضيت من طاعته فرضا لازما، وسررته غائبا بحاضر، ووكلت بخدمته من ينوب عنك في النّصر المتظاهر، وأن تكاتبه بإلزامه بمقامه، وتهديه إلى دولته التي اغتبطت باستخدامه، وتهوّن عليه روعة فراقك؛ فإنّها ملفتة وجهه إلى شامه، وتسليه بثواب طاعة أمير المؤمنين التي فرضها الله بصريح كلامه، وتبعثه على ارتباط عدة من عسكرك المسير معه؛ يعاضد عساكر الدولة العاضديّة، وتزداد بها القوّة، وتتضاعف الحمية. ولولا ما منيت به البلاد من تعاقب جوائح الجدب، وتناوب قوادح الحرب، وارتفاع الأسعار وعلوه، او عزة الأقوات وغلوها، لاستزدنا قوّة إلى هذه القوّة من عساكرك المؤيدة، ولما رأينا إعادة أحد منهم، بل بذلنا لهم الإقامة المؤبدة، ولكن إقامة من تحمله البلاد وتتسع له الموادّ، ويؤدى به ما فرضه الله سبحانه من الجهاد، مما تنتظم به بمشيئة الله الميامن والمناجح، وتقرّ أعين المسلمين بما يقضيه ويقتضيه من المنافع والمصالح، ويؤدى به ما يجب لله ولرسوله في خلقه من

стр. 4869

الحقوق والنصائح، ويستكمل به ما ابتذلته من العمل الصالح. والله سبحانه يمدّك أيّها الملك العادل، المعظم، الزّاهد، المجاهد، المؤيد، المنصور، المظفّر، نور الدين، ركن الإسلام والمسلمين، بمزيد نصره، ويحوطك بمعقّبات من أمره، ويجعلك ممن أخلص له في سره وجهره، ويحسن عن أمير المؤمنين مجازاتك، ويديم لدولته ذبّك عن حوزتها ومحاماتك. فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمئة. والعلامة بين سطريه الأولين بالخطّ العاضديّ «اللّه ربّي». فعاد الجواب النّوريّ على العاضد بامتثال ما أمر، وتكفل أسد أسد الدّين بحماية غيله واستمر، وكان ابن أخيه صلاح الدّين قد قتل شاور، وقال الفاضل: قتل شاور وما شاور؛ قلت: وشاور وما شاور؟ وكتب بالخطّ الفاضلي عهد أسد الدين شيركوه بالوزارة، ولقّب الملك المنصور، وكتب عليه العاضد بخطّه (١): هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، وتقليد طوق أمانة رآك الله وأمير المؤمنين أهلا لحمله، والحجّة عليك عند الله تعالى بما أوضحه لك من مراشد سبله؛ فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن خدمتك اعتزّت بأن اعتزت إلى بنوة النبوّة، واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا، ﴿وَلا تَنْقُضُوا اَلْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اَللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ (٢). ثم واتت أسد الدين منيته، وعاجله أجله، وولي ابن أخيه صلاح الدّين.

стр. 4870

وكتب عهده بالخطّ الفاضليّ، ولقب الملك النّاصر، وكتب عليه العاضد بخطّه (١): هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عند الله عليك، فأوف بعهدك ويمينك، وخذ كتاب أمير المؤمنين ناهضا بيمينك، ولمن قضى بجدّنا رسول الله ﷺ أحسن أسوة، ولمن بقي بتقلبنا أعظم سلوة، ﴿تِلْكَ اَلدّارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَلا فَساداً وَاَلْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). ثم كان الفاضل ﵀، هو الدولة الصّلاحية؛ كان كاتبها، ووزيرها، وصاحبها، ومشيرها، والحامل لكلّها، والحاكم في كلّها، والمجمرّ لبعوثها، والمتزر عند إقعاء ليوثها، والدائرة به مناطق بنيها، والسّائرة به شموس أيامها وبدور لياليها؛ فلهذا أذعنت لقلمه الرّماح، وطلبت صلح كلمه الصّفاح، وانقضت تلك الأيام وما فيها إلا بكر عشايا أو غرر صباح، ومع هذا كله كان لا يزال منكدا مبتلى، بضنى (٣) قلبه وجسمه، ومرض همه وسقمه؛ يذكر هذا في كتبه وترسّلاته، وشكواه إلى إخوانه وأخدانه، ومما كتب في ذلك: ولا يسأل سيدنا عن خاطر تزدحم فيه الأخطار، وعن ضلوع تسرح على النّار، وقلت: قد عدم الصّفاء في دار الأكدار، وجسم قد قارب أن يخلع المعار من الأعمار؛ ولقد دبّ الفناء فيّ عضوا عضوا، وأخذني الزمان جزءا جزءا، فكلّ يوم يذهب مني شيئ بعد شيء، ويكثر شبهي بالميت فيبعد عن الحي، ونعوذ بالله من نار غضبه، فإن آخر المخالط الكيّ.
следующие страницы →