ندبه، ويجتني السمع ثمرات كل شيء من جنبه، ويعرف به الحلال والحرام، ويتصرف في أوامر ذي الجلال والإكرام، وإن أحق من ألقي زمام أحكامه إليه، من تفرد بما لديه، وفاز بسهم معلى من العلوم، وأخذ من فنونها بنصيب معلوم، دأب نفسه في تحصيل نفائسها، واجتلاء غرائسها؛ فكم من أحاديث نبوية يعرف السقيم فيها من الصحيح، والعدل من رجالها من الجريح، وعلم الرواية على تشعبها، والأسانيد وطرقها، في حالتي تسهلها وتصعبها؛ وكم تفاسير كشف حقائقها، ومشكلات تأويل أظهر تحسين إيضاحه طرائقها، وكم فروع مسائل أصّلها، وأصول فقه حواها وحصّلها.
وكنت أيها القاضي فلان، لك فخر بعلم علمها لا يباهى، وورع لا تماثل فيه ولا تضاهى، وإفادة ينصب الطلبة لاستفادتها، وتشره الأسماع لحسن إيرادها واستعادتها؛ فلذلك أعهد عليك في القضاء بمدينة كذا، وألق من علومك ما يلاقي من أجله ذوو الطلبة للاستفادة، واعلم أنك حصلت على السعادة الدنيوية، فاعمل على الأخروية، فإنها أعلى السعادة، واجر على عادتك [في] التحرز في الأحكام، وامض على سننك في الاحتياط في كل نقض وإبرام، وأرع يراعك كل ما يفتقر أن يرعى، وكل ما يجب أن يمعن فيه النظر عقلا وشرعا؛ ثم والعدول فلتعتبر أحوالهم، وألزمهم بكل ما هو أجمع وأحوى لهم، فبهم تؤخذ الحقوق وتقام الحدود، وهم أمناء الله في أرضه، حيث هم على خلقه شهود، ومن وصايا العلم في تحقيق مسائل الخلاف لك عناية، فها عادة لا تقطع، وعدة لا تستدفع، وهي للمكمل الأدوات، المبرز بجميل الصفات، تذكرة تبدؤك نصائحها، وتتضح لديك مصالحها، فخذها نصب عينيك وتجاه أمرك، وأدم إحضارها في قضاياك ومرورها على فكرك.
* ومن شعره قوله: [الكامل]
стр. 5042
بالله ضع قدميك فوق محاجري … فلقد قنعت من الوصال بذاكا
وأطل معاتبتي فإن مسامعي … تهوى حديثك مثل ما أهواكا
لا عانقتك من البرية كلها … إلا يدي اليمنى وبند قباكا
كلا ولا رشفت رضابك بعدما … قد ذقته إلا التي تهواكا
ومنه قوله في مليح جعل عارض الجيش، وخلع عليه خلعة خضراء (١): [مخلع البسيط]
وأهيف كالقضيب قدا … في خضر أثوابه يميد
قبلته باعتبار معنى … لأنه عارض جديد
* واتفق له سرى ليلة برقها قد سرى، موهنا كوجيب الفؤاد، وموهما بأن طرفه لم يكتحل برقاد، كأنه فرس معار أشقر، أو نار تشب ضرمة وما خفي منه أكثر، والرباب دون السحاب كخليع من الفتيان يسحب مئزرا، وأمّ رؤوم على الأرض تدهن لمم الثرى، فقال: [الطويل]
أسري وومض البرق يخفق قلبه … ويذكي له في الليل قدح زناد
ويوهمني أن ليس يكحل عينه … رقاد، بلى قد كحلت برقاد
ودون الغوادي للرباب جلاجل … تزور وهادا من عليّ نجاد
تزور بمبتل الحيا هامد الثرى … وترشف ثغر النور ريق غواد
ثم لما أبهم عليه الأمر وأشكل، ولم ينخ راحلته فيعقلها ويتوكل، وقد سرى في ليل يخفي ظلامه قصد السبيل، ويملأ هوله صدر الذليل، ويفترس غوله خلب الغرير فكيف الدليل، تململ وتضجر، وقال لم يتصبر: [السريع]
стр. 5043
ما لي ولليل وظلمائه … ومهمه يحار فيه الدليل
كأنني في لجة غارق … يا قوم قولوا لي كيف السبيل؟
ومن شعره أيضا مما أنشدنيه شيخنا أبو الثناء الحلبي (١)، قوله: [البسيط]
أفدى الذي زارني والخوف يقلقه … يمشي ويكمن في العطفات والطرق
قبلت أطراف كفيه على ثقة … بالأمن منه وخديه على فرق
فكان في أخريات السكر مضطربا … إذا أراد انتظام اللفظ لم يطق
لله ما أحسن الصهباء منعمة … علي إذ علمته طيبة الخلق
أهدت إليه سرورا نلت معظمه … كالفعل ينصب مفعولين في نسق
وقوله: [الكامل]
أعدى البياض إلى مجاوره … ما ذاك إلا أنه مرض
هلا تيسر للسواد كذا … وكلاهما في حكمنا عرض
وقوله: [الكامل]
يا من يدلس بالخضاب مشيبه … إن المدلس لا يزال مريبا
هب ياسمين الشعر عاد بنفسجا … أيعود عرجون القوام قضيبا
وقوله على الجادة في تفضيل السيف على القلم: [الطويل]
وما تدرك الأقلام شأو مهند … يضيء إذا ما قام بين الكواكب
وأنّى لها وهي التي في طروسها … تخر على الأذقان سود الذوائب
وكم بين من يبكي إذا ما انتدبته … لأمر وبين الضاحك المتلاعب
стр. 5044
وقوله في عكسه على طريقة ابن الرومي في المغايرة: [الطويل]
وما تطرق الأقلام في الطرس ذلة … ولكنها حيات رمل قواتل
ومن أين يلقى السيف بعض فعالها … وآثارها من غير جرح عوامل
إذا كان بين المرء والسيف حائل … فليس عن الأقلام والمرء حائل
وقوله مما كتب به إلى بعض أصحابه وقد فصد: [البسيط]
يد تسيل المعاني بين أسطرها … ما عودت غر مس الطرس والكاس
تجري دماء الأعادي وهي سالمة … أنّى جرى دمها من مبضع الآسي
سهّلت يا وارث العليا المقام له … أم كان فاصدها من أشجع الناس
كأنما شق منها رأس مبضعه … بحرا من الجود أو طودا من الباس
وإذ ذكرناه فلننبه على ذكر أخيه:
١٥ - موفق الدين، القاسم بن هبة الله، أبي المعالي (١)
* وكان باقعة في الاعتزال (٢)، ومعقلا للاختزال، دويهيّة تصفرّ منها
стр. 5045
الأنامل (١)، وتزور مقل السيوف والعوامل.
وقفت من نثره على قوله:
ولي بيان في وصف مجده لا يكلّ، ولسان في ذكر مناقبه لا يذل، وسهمي لا يخطئ غرضه، وفعلى لا يردي إلا معترضه، إلا أنني لو واصلت الأمداد، وزاحمت الأطواد، وأرسلت السحب، وراسلت الشهب، لما وفيت حقه المتعين، ولا قلت إلا الحق البين.
ومن شعره قوله (٢): [البسيط]
يصحّني حبّه [طورا] وينكسني … فكم أصح من البلوى وانتكس
وقوله (٣): [الكامل]
يا هاجري لما رأي شغفي به … ما كان حق متيم أن يهجرا
إن الذي خلق الغرام هو الذي … خلق السلو فلا يغرك ما ترى
وقوله (٤): [البسيط]
أبدت من الشّعر في تشبيه وجنتها … لما أحاط بها سطر من الشّعر
كالظل في النور أو كالشمس عارضها … خط من الغيم أو كالمحو في القمر
стр. 5046
وقوله فيما أنشدنيه شيخنا أبو الحسن الكندي (١)(٢): [الخفيف]
قد بدا ما تسر فيما تقول … إنما أنت عاشق لا عذول
رابني منك في ملامك تكثي … ر لصبري ببعضه تقليل
وحديث ملجلج فيه للقل … ب على السّر آية ودليل
يا رعى الله شادنا أمست الأض … داد فيه للحين وهي شكول
قسم البدر بيننا فله النو … ر وعندي محاقه والذّبول
إنما أنت مهجتي واتخاذي … بدلا عن حشاشتي مستحيل
ومنها:
ثروتي فوق همتي ومرامي … فوق طولي وساعدي مغلول (٣)
وقد رواها شيخنا أبو الثناء الحلبي لأخيه الموفق (٤)، وكلاهما ثبت، ولعل الكندي أدرى بطرق الرواية.
١٦ - ومنهم: ابن بصاقة، فخر القضاة، أبو الفتح، نصر الله بن هبة الله بن عبد الباقي بن الحسين بن يحيي الغفاري، الكناني (٥).
стр. 5047
كتب للناصر داود بن عيسى (١)، ووزر وجلس معه في صدر الإيوان والطرد، ونشأ وتأدب بالشام، وأومضت له بارقة كانت تشام، ثم صرف عن وزارة الناصر عنانه، ونفض منها بنانه، لأمور نقمها، وشرور خاف نقمها، وكان يحذر سوء خلائق مالكه، وتوعر طرائق مسالكه، فطالما أظلم جوّه، وأعتم دوّه، فتسلل منه بمخيلة ذبت في السراء، ودلت على الضراء، فخاف مساورة ذلك الأرقم، وترك مساقاة الشهد به خوفا من العلقم، وكان طود حجا وحجاج، وطوق جيد وحجاج، زينة إلى فصاحة شب على إرضاعها، وسماحة تولّى حفظ مضاعها، وبلاغة كانت حلية لنظامه، وحلة لإحلاله في الصدور وإعظامه؛ ووزر جدي ﵀ بعده، ثم عاف تلك الدولة ففارقها في ليلة قمراء مسودة، لأمور ما هذا ميقات شرحها، ولا مرقاة صرحها؛ فأما ما لابن بصاقة:
* فمن نثره قوله:
وأما الأبيات الجيمية، الجمة المعاني، المحكمة المباني، المعوذة بالسبع المثاني، فإنها والله حسنة النظام، بعيدة المرام، مقدمة على شعر من تقدمها في الجاهلية وعاصرها في الإسلام، قد أخذت بمجامع القلوب في الإبداع، واستولت على المحاسن فهي نزهة الأبصار والأسماع، ولعبت بالعقول لعب الشمول، إلا أن تلك خرقاء وهذه صناع، فإذا اعتبرت ألفاظها كانت درّا منظوما، وإذا اختبرت معانيها كانت رحيقا مختوما، جلّت بعلوها عن المغاني المطروقة، والمعاني المسروقة، ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة، فلو وجدها ابن المعتز
стр. 5048
لأجرى زورقه الفضة في نهرها، وألقى حمولته العنبر في بحرها (١)، وألقى تشبيهاته (٢) بأسرها في أسرها، ولو لقيها ابن حمدان لاغتم فرمى قوس الغمام، وانبرى زي السهام، وتغطى من أذيال الغلائل المصبغة بذيل الظلام (٣)، ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته قاصرة، وكرته خاسرة، وأيقن أن وحوشه غير مكسورة، وعقبانه غير كاسرة؛ فأين الجزع الذي لم يثقب من الدرّ الذي قد ينظم ويهذب (٤)؟ وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي؟ فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة، وتشفي القلوب العليلة بأدوية هذه الأنفاس الصحيحة.
وأما الأبيات فهي هذه (٥): [الكامل]
يا ليلة قطّعت عمر ظلامها … بمدامة صفراء ذات تأجج
بالساحل الباقي روائح نشره … عن روضه المتضوع المتأرج
واليم زاه قد هدا تياره … من بعد طول تقلّق وتموج
стр. 5049
طورا يدغدغه الشمال وتارة … يكرى فتوقظه بنات الخزرج (١)
والبدر قد ألقى سنا أنواره … في لجه المتجعد المتدبج
فكأنه إذ قدّ صفحة متنه … بشعاعه المتوقّد المتوهّج
نهر تكون من نضار مائع … يجري على أرض من الفيروزج
قالها الملك الناصر داود، وبعث بها إليه يعرضها عليه؛ وهي أبيات يحق لها أن توصف بجودتها وشرف قائلها، وإن لم تحل الذروة، ولا أو شكت؛ ثم نعود إلى تتمة ما نذكره:
فمن قوله:
يقبل الأرض، وينهي أنه فارق مالك رقه مرارا، وما وجد لفراقه من الألم ما وجده هذه المرة، وبعد عن جالب رزقه، فانضرّ ولا مثل هذه المضرة، حتى لقد توهم أنها فرقة الأبد، وداخله من الأسف ما لم يبق معه صبر ولا جلد، وكلما شرع في الصبر أبى الذكر أن يحدث له صبرا، وكلما سهل عليه الأمر لم يزده تسهيله إلا عسرا؛ والله تعالى يسهل من اللقاء كل صعب عسير، ويجمع شمل المملوك بمالكه وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.
ومنه قوله:
المملوك يشافه أرض مالكه بقبول خضوعه، ويبل ترابها بوابل دموعه، ويستقل فيضها ولو أنه من سيل نجيعه، لما ناله من الحادث المؤلم الملم، والخطب المظلم المدلهم، بانتقال الولد العزيز، الملك العزيز؛ فلقد ورد المملوك من الكتاب الوارد بنعيه مشرعا كدر الموارد، عسر المصادر (٢)، وحضر منه مجمعا كثير
стр. 5050
البوادي والحواضر، فياله ناعيا أصم الأسماع وأصماها، وأقذى العيون بل أعماها، وجرح القلوب فأدماها، وما أهمل سحب الجفون لكن أهملها وأهماها، وتبّا له من نغيص نغص الدنيا على أربابها، وإن كانت معشوقة محبوبة، وكره الحياة عند أصحابها مع أنها شهية مطلوبة، وكان الأولى بالمملوك أن يصرف عن ذكر الحادثة صفحا، ولا ينكأ بتجديده بالقرح قرحا، ولا يقصد لباب الجزع بعد انغلاقه فتحا، ولا يطلع التعزية ليلا وقد طلعت التسلية صبحا.
ومنه قوله:
وينهي ورود المثال الكريم، فوقف منه على اللفظ البليغ والمعنى البديع، وعلم عند تدبره أنه ﴿فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، ﴿وَأَنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاَللّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ (٢) وتصور أن كاتبه قد جاوز البحر فأتحفه بجواهره، بل جاور الملك فأسعفه بعساكره؛ وصدق تصوره كون ألفاظه جواهر وكنانة كتائب، وعجبت لخروج الدر من العذب حتى تذكرت أن عادة البحر العجائب؛ وأما ما أمر به من النيابة عنه في خدمة مولانا الوزير، فقد ناب عنها لكن مناب تراب التيمم عن الماء الطهور، وأنهى مشافهاته، وأدى من جملها في الساعة الواحدة ما لا يفصل في عدة من الشهور؛ وأما أحوال المملوك، فإنه من صدقات الديوان ما يعدم سوى النظر إلى طلعة مولانا التي هي عديمة النظير، ولا يشتهي غير الفوز بخدمته، وذلك هو الفوز الكبير؛ وكل هذا برفع محل مولانا لمحلي، ولأجله لا لأجلي: [الطويل]
أضمّ قضيب البان من أجل قدها … والثم ثغر الكاس أحسبه فاها
стр. 5051
إلا أن المملوك قد أطال الإقامة في دار المقامة، ونال الكرامة حتى يكاد يسأم الكرامة، وله أسوة بالقائل وقد طالت حياته: سئمت تكاليف الحياة (١)؛ وإذا أغرقت المياه وإن كانت عذبة شكيت المياه.
ومنه قوله:
وينهي ورود المثال الكريم، بالنبإ العظيم الذي أصمى القلوب، وأصم المسامع، وأوقف الخواطر، وأجرى المدامع، وضيق على النفوس مجرى الصبر الواسع، وفزعت الآمال فيه إلى الكذب، فما أجدى جزع الجازع من نعي الإمام الطاهر النقي، العلم الزاهر الزكي، خليفة اللّه المستنصر بالله، بوأه اللّه جنان عدنه، وأسكنه غرفات أمنه، وانتقاله عن الغمة الضيقة إلى الرحمة الواسعة، ومصيره من الدار المفرقة إلى الدار الجامعة؛ فأظلم بها الأفق لكسوف شمس الضياء، ودجا ليل الجو لخسوف قمر العلياء، وضحيت وجوه المكارم لتقلص تلك الأفياء، وكادت تنفطر لفقده السماء ذات البروج بقضاء نحبها، وبكته بدموع قطرها من جفون سحبها، حتى خدت خدود المروج، وشقت للأرض جيوب تربها فألبسها حدادا من بياض الثلوج، فياله خطبا عم الوجود باسره بأسره، وحص جناح الإيمان بحصه بل بكسره، وعرف كل عارف بفظاعة نكره، وقضى لكل قلب بتجمع همه وتقسم فكره، وأعاد الإسلام غريبا كما بدأ أول عمره؛ لكن أقرن به الخبر الذي سر السرائر وجلّى الدياجر، وثبت القلوب بعد أن بلغت الحناجر، بولاية مولانا الإمام المحتوم الطاعة، خليفة اللّه في أرضه، والقائم بسنة الإيمان وفرضه، أمير المؤمنين المستعصم بالله ابن خليفته ووليه، وابن عم رسوله ونبيه، فأجلت بوائق الحادث الجلل، وقضت بانقباض الوجل، وانبساط الأجل،
стр. 5052
وحصل العطف والتوكيد بهذا النعت وهذا البدل، فالحمد للّه الذي تدارك بالجبر كسر الإسلام، وحسم بالبرء موادّ الآلام، وأزال باليقين عوارض الأوهام، وعاجل بالرتق فتق الأيام؛ فيالها دعوة أجاب داعيها كل مبصر وسامع، وأمّن عليها كل ساجد وراكع، وتليت آياتها في كل مصر جامع، وتلقّى العبد هذه النعمة بالشكر الذي استغرق غاية جهده ونهاية وسعه، وأكثر الحمد للّه على ما أولى من جزيل منّه وجميل صنعه، وسارع إلى تلقي المثال الكريم باتباعه وامتثاله، وأخذ البيعة على نفسه وشيعته ورعيته، وأعلن بالدعاء لإمامه، على منابر بلاده، التي هي من إنعامه، ولولا أنه في مقابلة عدو الدين لما قنع في تأدية فرض العين بسنة النيابة، وكان يسعى إلى الباب الكريم بعزيمة وارية غير وانية، ويشفع هجرته الأولى إلى الحرم الشريف بهجرة ثانية.
ومنه قوله في توقيع لقاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل يحيى بن الزكي العثماني (١):
ونحا سيرة أجداده فما عدل عنها ولا حاد، وفضل بالفضائل فما عد غيره في الجم الغفير إلا كان معدودا في الأفراد والآحاد، فإذا تولى أمرا بلغ فيه أقصى الأمل والإرادة، وإذا باشر مهما استقصى الغرض فلم يبق موضعا للزيادة؛ فرأينا أن ننوله من رتب السعادة ما رأيناه له أهلا، وأن نؤتيه منا فضلا، وأن ننصبه بين أهل بلده حاكما، وننضيه لحسم مواد المخاصمات صارما، ونحمله من أعباء المناصب ما يكون بحقوقه قائما، ويرتضى منه لتدبير عوالي المراتب طبا خبيرا، وإماما عالما.
стр. 5053
ومن قوله في خطبة صداق المراجعة:
﴿رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ (١)
الحمد لله جامع الشمل بعد الشتات، وواصل الحبل بعد البتات، ومحيي الأرض بعد الممات، ومنزل الماء الثجاج من المعصرات لإخراج الحب والنبات، والعالم بما كان وما يكون وما مضى وما هو آت؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة تضاعف الحسنات، وتمحو السيئات؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالآيات البينات، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار وأزواجه الطاهرات، صلاة باقية بعد نفاد الأزمنة وفناء الأوقات؛ وبعد:
فالنكاح من السنن التي أمر الله بها، وندب إليها، ورغّب رسوله ﷺ فيها، وحض عليها، فقال تعالى في كتابه العزيز المنزل على أفضل أنبيائه ورسله، الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله:
﴿وَأَنْكِحُوا اَلْأَيامى مِنْكُمْ وَاَلصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢). وقال رسول الله ﷺ وهو المخصوص بالشفاعة والكرامة (٣): «تناكحوا تناسلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة» وقد جعل الله تعالى للزوجين أن يتواصلا وأن يتقاطعا، وأن يتباينا وأن يتخالعا، ورخص لهما في المراجعة بقوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا﴾ (٤) وكان من قضاء الله السابق علمه، وقدره المارق سهمه، ما ذكر في هذا الكتاب المقرون
стр. 5054
بالبركة رقمه، المعجون بالسعادة ختمه، كذا وكذا.
ومنه قوله، وهو حل بيت المتنبي، وهو (١): [الكامل]
إن القتيل مضرجا بدموعه … مثل القتيل مضرجا بدمائه
قتيل (٢) الجفون الفواتر في سبيل حبه، كقتيل السيوف البواتر في سبيل ربه، إلا أن هذا يغسل بدموعه، وهذا يزمل بنجيعه، وهذا في حال حياته ميت يرمق، وهذا في حال مماته حي يرزق.
ومنه قوله في حل (٣) أبيات ابن الرومي (٤): [الكامل]
وحديثها السحر الحلال لوانه … لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت … ودّ المحدث أنها لم توجز
شرك العقول وفتنة ما مثلها … للمطمئن وعقلة المستوفز
لا جناح على من شغف بفاترة الجفون، فاتكة العيون، عليل لحظها، صحيح لفظها، تعد السقام الشفاء من قربها، وتوقع الأنام في شرك من هدبها؛ وإن أثبتت طعنت من ناضر غصن رطيب بعامل ذابل، وإن رمقت رشقت عن قوس حاجب بنبل نابل، وإن نطقت فاستمع لما أنزل على الملكين ببابل، فهو السحر الحلال، مع قتله النفوس عمدا؛ والعذب الزلال؛ إلا أنه أن يزيد المرتشف له وقدا، والعاقل للعقول فلا تجد من وقوعها في عقاله بدّا، يؤمن على طويلة الملك، وكل طويل سواه مملوك، ويود سامع قليله لو أنه بالكثرة متصف، وبالزيادة
стр. 5055
مشمول، يلهي المشتغل عن قضاء أشغاله، ويعوق عن مضي استعجاله بنزه النواظر في رياض حسنها الناظرة، وتغرق الخواطر في بحار ذهنها الزاخرة، تقيد الألباب ولو أساءت، وعهدنا الإنسان بالإحسان يتقيد، وتصيد القلوب طوعا وكرها، فاعجبوا من غزالة تتصيد.
* ومن شعره قوله (١): [مخلع البسيط]
يقول لي ما دحوه لما … فازوا وما فزت بالرغائب
مالك فينا بغير عين؟ … قلت: لأني بغير حاجب
فإن تعجبتم لكوني … وردت بحرا عذب المشارب
ولم أنل من نداه ريّي … فالبحر من شأنه العجائب
ومنه قوله (٢): [السريع]
غبت عن القدس فأوحشته … لما غدا باسمك مأنوسا
وكيف لا يلحقه وحشة … وأنت روح القدس يا عيسى
ومنه قوله في الصّوم: [الطويل]
وما خاتم طول النهار لباسه … وعند دخول الليل ينضى ويخلع
وأعجب شيء أن يسموه خاتما … وما دخلت فيه مدى الدهر إصبع
ومنه قوله في قصب السكر: [الكامل]
جعلت فداك هل لك في حبيب … مجيب في الوصال بلا محال
نقي الثغر معسول الثنايا … له ريق ألذ من الزلازل
стр. 5056
يقام عليه حد القطع ظلما … ولم يسرق ولم يتهم بمال
ويعصر كعبه من غير ذنب … فيبدي الشكر من كرم الخلال
ومنه قوله في السيف (١): [الطويل]
وأبيض وضاح الجبين صحبته … فأحسن حتى ما أقوم بشكره
شددت يدي منه على قائم بما … أكلفه يلقى الأعادي بصدره
إذا نابني خطب شديد ندبته … فيهتز منه مستقلّ بأمره
صبور على الشكوى فلو دست خده … على حدة فيه وثقت بصبره (٢)
ومنه قوله في الرمح (٣): [الطويل]
عصيّ ثقيل إن أطيل عنانه … مطيع خفيف الكلّ حين يقصّر
ترى منه أمّيّا إلى الخط ينتمي … ومغرى بغزو الروم وهو مزنّر
عجبت له من صامت وهو أجوف … ومن مستطيل الشكل وهو مدور
ومن طاعن في السن ليس بمنحن … ومن أرعن مذعاش وهو موقر
ومنه قوله في الإبرة: [الطويل]
ومسمومة بالضد من أخواتها … إذا زال عنها سمها ليس تنفع
إذا لدغت لم يدخل القلب إبرة … لخوف وإن كانت تمض وتوجع
ترى خلفها مهما تمشت ذؤابة … تجر وإن الرأس منها لأقرع
تحلت بضيق العين وهي سخية … لها خلع بين الأنام توزع
وإن أجل الناس قدرا وقدرة … ليلبس ما تنضوه عنها وتخلع
стр. 5057
ومنه قوله في صاغرة الإراقة: [المنسرح]
يا سيدا لم تزل أوامره … فرضا على العبد فهو ممتثل
هل لك عند الماء في أمة … بيضاء حمراء ما بها خجل
إن تدنها تأت وهي صاغرة … أو تقصها لا يغيظها الملل
تنكحها كلما أردت ولا … يضجرها منك ذلك العمل
تحبل في ليلها فإن تركت … إلى غد زال ذلك الحبل
وهي إذا فتّشت فلا دبر … يولج فيه لها ولا قبل
ومنه قوله (١): [المتقارب]
وعلق تعلقته بعد ما … غدا وهو من سقطات المتاع
فغرقني منه نوء البطين … ورواه مني نوء الذراع
ومنه قوله في المحفة (٢): [الطويل]
وحاملة محمولة غير أنها … إذا حملت ألقت سريعا جنينها
منعمة لم ترض خدمة نفسها … فغلمانها من حولها يخدمونها
لها جسد ما بين روحين يغتدي … ولولاهما كان الترهب دينها
فقد شبهت بالعرش في أن تحتها … ثمانية من فوقها يحملونها
ومنه قوله في الإبرة (٣): [الطويل]
وعارية لا تشتكي البرد في الشتا … على أنها منهوكة الجسم بالبرد
стр. 5058
إذا زال عنها سمها زال نفعها … وكان دواء السم في ذاك بالضد
ومنه قوله في الميل: [الطويل]
ومعتدل في شكله وقوامه … وليس له مثل وإن كان كالغصن
يسن وإن لم يرهف السن حده … على أنه كالسيف سل من الجفن
ومنه قوله في المشط (١): [الطويل]
بعض بأسنان وليس له فم … ويثغر أحيانا وليس بذي ثغر
رأى الزهد رأيا فاغتدى متجللا … على جسمه العاري بمسح من الشعر
١٧ - ومنهم ولده (٢)، وهو محمد بن نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، أبو عبد الله (٣)
* فطرة ذكاء غذي بلبانها، وغدا في ورق الشباب يهتز اهتزاز قضبان بانها؛ طلب العلياء والشبيبة ممدودة الطراف، والحبيبة غضة الأطراف، وكان دأبه في أدب يوشيه، لطرب ينشيه، بفكر ينديه، لبكر يهديه، فأهداها خفرات، وأبداها مسفرات، من غرز وسام ودرر لا تسام، نثرها نثر الجمان، ونظمها قلائد في جيد
стр. 5059
الزمان، فقدحت الأنوار، وفتحت بين نرجس المجرة أعين النوار، فطابت بها الأيام بكر وأصائل، وطالت بسحبها الأيام غدر وخمائل، وكان مخالفا لمذهب أبيه في التيه الذي مقت لأجله، ووقت ميقات الحب لنجله.
ذكره أبو العباس ابن العطار، وقال: ولد بالموصل في رمضان، سنة خمس وثمانين وخمسمئة. وله كتاب «غرة الصباح في أوصاف الاصطباح» وكتاب «الأنوار في نعت الفواكه والثمار» (١) وله نثر رائق، ونظم فائق.
* ومن نثره قوله:
بين المشوق وبين الحمام مناسبة في شجو تعبيره لا في شجو ضميره، فهو يعلن نحيبه تألما، وهي تعلن بعتابها ترنما، وفرق بين الأشجان الملهبة الأضالع، والألحان المطربة للمسامع، وقد زعم قوم أنها تذكر عهدا، وتجدد وجدا، وهذا شأن من كانت عهوده منسية الأيام، ومن لم يكن له من وجده حمامة لم يهتج لتغريد الحمام، ولست براض أن أرعى للإخوان عهدا يفتقر إلى تذكار، وأضمر لهم وجدا يحتاج إلى تجديد آثار، وأشواقي إليهم على النوى بين الأشواق التي تذهب بجلد الجلد، وتوري زناد الصبابة تحت الحشا الصلد، وإذا صافحت برد الموارد، وجدت حر الغليل في ذلك البرد، وإن زاد غيرها بحديث سعد، وكذلك هي في ارتياحها إليه والتياحها عليه.
ومنه قوله يصف سحابة:
خفقت بها بنود الرعود، وأطردت فيها خيول السيول؛ فالسحاب بها بين سائر ونازل، وواضع وحامل.
стр. 5060
ومنه قوله:
ولقد وافيتها في زمن المشمش الذي له المثل السائر والذكر الدائر، فرأيت منظر أبهاء، ومخبر اشتهاء، ذا لون ذهبي وشكل كوكبي، وعرف مندلي، وطعم عسلي، فهو يتمزق للطافة جلده، ويزهي بلذة طعمه، وعظم قدّه.
ومنه قوله:
وصل الورد على يد مشبهه عرفا، ومخجله وصفا؛ وما أقول إلا أني جرت في التشبيه، فعدت على خاطري بالتنبيه، وقلت: أين الورد الذي تناله الأيدي بتناولها، وتبذله بتداولها، من ورد لا يجنى إلا بالعيون، ولا ينال إلا بالظنون؟.
ومنه قوله:
كأنما خلقت أغصانها منابر لخطباء الغرام، وصوّرت أوراقها محاجر لدموع الغمام، وخرطت أزهارها مجامر للمندل الرطب، وقدر أقحوانها فما لمؤشر الثغر العذب، والطير (١) ما بين متطلع من وكنه، وقائم على غصنه، من كل مفوّف الطيلسان، ذا طوق يزهى به على طوق العقبان، يترنم خلال أوراق الغصون، فيلتقي شأن المتيم بين الشؤون: [الطويل]
يصلن بنوحي نوحهن وإنما … بكيت بشجوي لا بشجو الحمائم
ومنه قوله في البنفسج والورد:
أنا حبيب النفوس، وتاج الرءوس، والعطر الموضوع في الجيوب، واللون الذي يشبه عذار المحبوب، ولئن ذممت بأن لباسي لباس السواد، فإن هذا من شيم أهل
стр. 5061
الوداد؛ فأقبل الورد في عسكره وجنوده، خافقة ألسنة عذباته وبنوده، محمر الوجنات من الغضب، منكرا على البنفسج ما جناه من سوء الأدب، فجال في ميدان المفاخرة وصال، وهتف بالبنفسج وقال: [الكامل]
أعلي يفتخر البنفسج جاهلا … وإلي يعزى كل فضل ينهر
وأنا المحبب في القلوب زمانه … وبمقدمي أهل المسرة تفخر
كيف أطعت هوى نفسك الأمارة، حتى افتخرت بحضرة الأمارة؟ ألست صاحب الاسم المعجم، والرداء الذي ليس يعلم؟ بينا ترى ناضرا، ويرى الطرف عنك نافرا، تهلك من الفخر، إلا أن تشبه بالعذار إذا بقل، والكبريت إذا اشتعل، ولم تحظ من هذين الوصفين إلا بالصيت المذموم، لأن هذا إحراق النار، وهذا تسويد الخد الملثوم، على أن بعض البلغاء قد أنكر تشبيهك بالعذار، ونزع عنك ضعة هذا الثوب المعار، فقال: [الكامل]
ومهفهف لما بدا في خده … شبه البنفسج وانطفا توريده
غم البنفسج حين شوه خلقه … وغدا على مبيضه تسويده
لكن أنا مرتقب الأيام، ومنتظر الأعوام، وأيامي أيام الأفراح، ومراوح الأرواح، لا يشرق الربيع إلا بورودي، ولا تشبه خدود الغيد إلا بخدودي.
ومنه قوله:
وبينما الغمامة تطلق لسانها، وتذكر إحسانها، إذ عارضتها الشمس، فخرجت من أثوابها، وقالت هذه منة على الأرض، أنا أولى بها، وأنا معجزة الجبار، وعروس الفلك الدوار، ومربية الأزهار والثمار، ومصلحة ما أفسده تابع الأمطار؛ على أن للمطر يدا لا تنسى، وطبّا به جراح الرق يوسى؛ فإنه مخرج الأرض من موتها إلى نشورها، وموقد فيها مصابيح نورها، تزف إلى عرائس
стр. 5062
الرياض وافي مهورها، ويظهر ما في بطون الأرض من الكنوز إلى ظهورها، قام بنسج أبرادها، ورد أرواحها إلى أجسادها، فهي المقدمة تهيج، وتهتز وتنبت من كل زوج بهيج.
* وأما نظمه، فلم أقف له منه على قصيدة مطولة فأذكرها متما ولا مختارا، إلا بائية مختصرة ستأتي؛ ومن مقطعاته قوله: [الرمل]
لمع البرق فهاجت لوعة … لفؤاد بالتجني متعب
فتخال الجو من لمعته … حبشيا في رداء مذهب
وهذا معنى مطروق، يشبه الليل بالحبشي، ولكن حسنته هذه التتمة التي جاءبها، ولا شيء أحسن من ردائه المذهب هنا؛ وإن نظر قول المعري، حسب الليل زنجيا جريحا.
وله: [الكامل]
في روضة سلت بها أنهارها … من كل ماضي الشفرتين مهند
قد صيغ فيها فضة بيد الضحى … وأتى الأصيل فصاغه من عسجد
وله: [الطويل]
ولم يطلع البدر السماء لأنه … رأى بيننا بدرا له يخجل البدر
تغنى وأسباب السرور تمده … وفي لفظه درّ وألحاظه سحر
وله: [الرجز]
أما ترى الليمون يب … دو في خلال الورق
بظاهر من ذهب … وباطن من ورق
تحوطه غلائل … من أخضر إستبرق
стр. 5063
إذا دنا الليل لنا … جلا ظلام الغسق
وله في المشمش: [السريع]
والمشمش الغض الجني بدا … بين الغصون كأنجم السحر
إن رمت أن أجنيه يشغلني … طيب المشمّ ورونق النظر (١)
سبحان خالقه وجاعله … نزه العيون وعسجد الثمر
وهذه الكلمة حسنة لولا كاف التشبيه في «أنجم» فإنها قذى في عين هذه العروس، ودعامة ملحقة في هذا البيت.
وأما قوله: وعسجد الثمر، فمطرب؛ وكذلك كلمة العماد (٢) نثرا، وهي قوله: كأنما خرط من الصندل، أو خلط بالمندل.
عدنا إلى ابن الضياء الجزري.
وله: [الوافر]
وكمثرى حبوت به الندامى … تزيل تقطب الوجه العبوس
كأكواب صغار من زجاج … وقد ملئت بصفرة خندريس
وله: [السريع]
قد أسفر الصبح لنا عن نقاب … ورقت الكأس وراق الشراب
فقم بنا نشرب من قهوة … يلمع للشرب كلمع السراب (٣)
من قبل أن تلقط شمس الضحى … من أعين النرجس ورد السحاب
стр. 5064
أما ترى الخمر وإيماضها … كالسيف والكأس لها كالقراب
فهزّها في كأسها هزة … تجن بها أثمار شرخ الشباب
وقوله: [الرجز]
وروضة طليقة حباء … غناءة مخضرة جنابا (١)
ينجاب عن نورها كمام … ينحط عن وجهه نقابا
بات بها مبسم الأقاحي … يرشف من طلها رضابا
وله: [السريع]
السحب تبكي والثرى ضاحك … بكاء صب ملّ من جفوته
والزهر قد فتح أزراره … كأنه استيقظ من رقدته
وله: [الكامل]
هب النسيم على الغصون فخلتها … مثل الأحبة ساعة التوديع
وبكيت من وجدي وفرط صبابتي … حتى سقيت أصولها بدموعي
وله: [الرجز]
والشمس خلف الغيم كال … حسناء خلف المعجر
تبكي إذا ما احتجبت … من شدة التحسر
لها النعامى نفس … والدمع ماء المطر
تسفر أحيانا لكي … تحظى ببعض النظر
كأنما تنثر في ال … أرض نجوم السحر
أو ذهب منتثر … على بساط أخضر
стр. 5065
وله: [الكامل]
نثر النسيم الطل من أغصانه … والروض بين مذهب ومفضض
فتخاله فوق الغدير وقد طفا … حببا يدور على شراب أبيض
وله: [الكامل]
والروض ساه باسم مستعبر … خضل بطلّ سمائه مطلول
والفصل معتدل فيا عجبا له … كيف النسيم يمرّ وهو عليل
وله: [السريع]
في روضة تطرب أغصانها … سجع طيور في ذراها فصاح
قد فتح الزّخّر أحداقه … [و] قبل الطل ثغور الأقاح
وتحسب الأنهار في جريها … قد حمت الزهر ببيض الصفاح
ودغدغ الغيث بطون الثرى … فابتسمت فيه ثغور الأقاح
وكلما غنت هزاراتها … شقت جيوب النور هوج الرياح
وله: [الرجز]
إني رأيت بالأراك هتّفا … تزعم أن عندها ما عندي
تبكي بلا دمع وأبكي بدم … شتان بين وجدها ووجدي
وله: [الوافر]
تغني يا حمامة فوق غصن … ثنت أعطافه ريح الشمال
فإنك كلما غردت صوتا … أميل من اليمين إلى الشمال
وله: [مجزوء الكامل]
زهر البهار بلونه … يزهو على شمس النهار
стр. 5066
بهر العيون بحسنه … فلذاك سمي بالبهار
وله: [السريع]
أما ترى نرجسنا قائما … وهو لنا في ليلنا حارسا
قد فتح الأحداق مستيقظا … فظل يخشى أن يرى ناعسا
حتى إذا قبّلت من اشتهي … تراه من فطنته ناكسا
وله: [المنسرح]
والماء بين الرياض تحسبه … قد جرد البيض وهو يحميها
وكلما غنت الطيور بها … تراقص الزهر في نواحيها
وله (١): [مخلج البسيط]
للروض عند الصباح طيب … نمت إلينا به الجنوب
واستمتع الطرف من كراه … فملّت المضجع الجنوب
والطير فوق الغصون يدعو … طاب لكم وقتكم فطيبوا
والكأس في كف ذي قوام … يخجل من لينه القضيب
لولا لباس يقيه طرفي … لكاد من لحظه يذوب
ما سعد الوالدان فيه … إلا لتشقى به القلوب
راح إذا الراح أبرزتها … صبا إلى شربها اللبيب
لها إذا الماء جال فيها … في قعر كاساتها وثوب
إذا سرت في عروق شخص … هانت على قلبه الخطوب
وقائل: تب، فقلت: كلا … هيهات عن شربها أتوب
стр. 5067
إذا استقام الأنام طرا … قل لي: لمن تغفر الذنوب (١)
وله (٢): [الخفيف]
فهي شمس لكن بغير مغيب … ولهيب لكن بغير انطفاء
١٨ - ومنهم: ابن قرناص، محيي الدين (٣).
وهو من أهل حماة؛ ووقفت له على بديع رقم بغرائب النوار حماه، بيانا كالجوهر المعدود، وإحسانا كلّ سمع به معقود؛ كأنه شخص الحبيب بدا لعين محبه، أو طيف الخيال وأدني في قربه؛ وسمعت له كلما كلّما قرأتها استجدتها، وفقرا لقرى المسامع، مهما قدمت لك استزدتها.
* فمن نثره قوله:
وسار في فرسان كالأسود، إلا أن براثنها السلاح، وجنود كالطيور، إلا أنها تسبق الرياح، حتى أتى فلانة، ورتب عليها نوب اليزك (٤)، للمخايلة لا للمخاتلة، وانتظر أن يخرج إليه صاحبها متضرعا، أو يقصد إليه متخضعا، لأنه إنما قصده غضبا لله، لما انتهكه من محارمه، وأقامه لما رأى العدل الذي شرع في هدم معالمه؛ وشفقة على خلق الله الذين بسط عليهم منذ وليهم أيدي مظالمه؛ فلما أبى إلا الطغيان، والتمادي في مهالك العصيان، واغتر بأصحابه الذين هم معه بأجسامهم وعليه بقلوبهم، ووثق برعاياه الذين كانوا أوقعوا معه بذنوبهم،
стр. 5068
فلصق الجيش المنصور بالسور المقهور، فدنا وتدلى، ورأى الخصم عين القصم، فعبس وتولى، فكشفت الستور، وهتكت حجابه، وتبرج كل برج فحسر الزراقون لثامه، وأماطت النقابون نقابه، وطلعت على الأسوار المنيفة من الأعلام الشريفة كل راية صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، وأيد الله الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين.
ومنه قوله:
فلم تر إلا شجرة قائمة على أصولها، وكروما خاوية العروش، وسقيط البلح المبثوث، وجبالا كالعهن المنفوش.
* ومن شعره قوله: [الرجز]
خذه إليك أدهما محجلا … من يعل يوما متنه فقد نجا
يريك من تحجيله ولونه … «طرة صبح تحت أذيال الدجى» (١)
ومنه قوله: [الخفيف]
من لقلبي من جور ظبي هواه … لي شغل عن حاجر والعقيق
خصره تحت أحمر البند يحكي … خنصرا فيه خاتم من عقيق
ومنه قوله: [الكامل]
جرح الفؤاد غداة جاء مجرحا … ظبي من الأتراك معسول اللمى
أيلام عاشقه لفرط بكائه … وعليه أعين درعه تبكي دما
ومنه قوله: [الكامل]
стр. 5069
وكأن مسطولا غريرا قد غدا … يرعى الحشيشة من جآذر جاسم
«وسنان أقصده النعاس فرنقت … في عينه سنة وليس بنائم» (١)
ومنه قوله: [الطويل]
إلى الله أشكو داحسا قد أضرّ بي … بوخز حكى وخز الرماح المداعس (٢)
وإني لفي حرب إذا بات ضاربا … عليّ ومن يقوى على حرب داحس
١٩ - ومنهم: ابن العجمي، كمال الدين، أحمد بن عبد العزيز الحلبي، أبو العباس (٣)
* كتب الدرج في أيام الناصر بن العزيز (٤)، فرقم ديباجها بالتطريز، وفضل فرادها وأزواجها بالتبريز، وكان صدر رئاسة وبدر عرفان وسياسة، لاقت العلياء بمعاطفه، وراقت الفضائل في كؤوس معارفه، من قوم وهبتهم الثريا سيادتها، وحبتهم جارة الشمس سعادتها، فثنت الجوزاء إليه عنانها، وأنقدته النجوم أعيانها، فجعلته الدول حلية للبّتها، وشية لأيامها، وقد نفضت عليها الليالي صبغ لمتها.
وقدم دمشق في أوائل دولة الظاهر بيبرس وكتب بها، ثم طلب إلى مصر
стр. 5070
واستكتب، واستعتب لحظه الناقص فأعتب؛ وله الآن يقتنى بقية العبق في المشام، والشهب في آخر الظلام.
ومن نثره قوله:
ولم يكن إلا كلمح البارق الخاطف، أو شرف الطائر الخائف، حتى علونا جدارها، وتسورنا أسوارها، وهذه قيسارية (١) كان ريد أفرنس (٢) قد أحكم عمرانها فألحق بالسماء أرضها، وأبرم أسباب تحصينها إبراما منعه نقضها، وجعلناها أمام ما نقصده من الثغور الساحلية، لتعلم الفرنج المخذولين أن قصدنا بحصونهم أمام ما نقصده من الثغور الساحلية شامل، وعزمنا إليهم من كل جهة واصل، وأننا لا بد أن نغرق ببحر عساكرنا ما بأيديهم من الساحل، لتتفرق عزائمهم فلا ينصب إلى جهة واحدة، وتذهل خواطرهم، فتتوهم كل فرقة من الجيوش إليها قاصدة.
ومنه قوله:
وكنا لما شمخت بأنفها إباء، ورفعت رأسها منعة واستعصاء، وكلّنا (٣)
باستلانة جانبها، ورياضة مصاعبها، كل طويل الباع، رحب الذراع، مضطلع بأمر الحصر أي اطلاع، فقذفها بشهب نجومه، وواصلها بتوالي رجومه، حتى عرف منها موقعه، واستبان من أبراجها موضعه، وألان من شامخها جامحه وممتنعه، فلم يزل يقبل ثغرها حتى أثغر (٤)، ويصادم ركبها حتى خرّ، وجاء
стр. 5071
ما لاصقه على الأكثر، وفي ضمن محاذاتها بالمجانيق، تخللنا حولها الأرض طرقا وأسرابا، وصيرناها إلى الخنادق أنفاقا وأبوابا، وصبر جنود الله حتى وصلوا بالحجارة إلى جدارها، فجاذبوا أذيال بنائها الشامخ، وحلوا عقد أساسها الراسخ، فتعلقوا بأبراجهم تعلق قرار لا لانتصار، ولاذوا بمعاقلهم لياذ رعب لا توهم اقتدار، وأذعنوا بلسان الاستعطاف فأجبناهم على أن يبقوا تحت أيدينا أسارى، وأغمدنا عنهم السيوف إلا من سبق في قتله السيف العذل، وأتاه الموت قبل تحقيق الأمان على عجل، وقد فتح الله على المسلمين حصنا كان عليهم وبالا، وحل عنهم من معقله عقالا، وخفف عن أعناق محاذيه من سوء جيرته أعباء ثقالا، ثم أمرنا بهدمها حتى عاد ما كان يرى منها شاهقا للعيان لا يكاد يدرك باللمس، وأصبحت خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس.
ومنه قوله:
فنصبنا عليها من المجانيق كل صائب سهمه، ثاقب نجمه، محرق لشياطين الكفر رجمه، يهد ويهدم، ويردي ويردم، ويوهي ويوهن، ويسر بإردائه ويعلن، لم تنصب عوامله على سور متصل إلا هدمته، ولا مدت أسبابه على مبنى رفع واستغلق بابه إلا كسرته، ولم يزل يرمي غاديتها بالقارعة، ويصمي أسماعها بأحجاره الطائرة الواقعة، وأقبلنا بالمجاهدين إليها، فأحاطوا بها إحاطة الخاتم بخنصره، والسوار بمعصمه، وأمطرنا عليها بسحب القسي وبلا غرقهم بدافق أسهمه، فتجلد أعداء الله وجلدوا، وتعاقدوا على الموت وتعاهدوا، وأرسلوا من جروخهم سهاما لا يردها رادّ عن الأجسام، ولا يكسر عينها ما تصم، الأعضاء من تظاهر الآلام، وإذا شوهدت راعت الناظر، فلم يدر أعمد هي أم سهام؟ وشفعوها بضمّ أحجار صمّت لها أسماع الدرق، وكسرت بها رؤوس البيض،
стр. 5072
وفقئت أعين الحلق؛ وصبر أولياء الله، ولم يزالوا حتى ألحقوا النقابين بجدارها؛ وبوؤوهم المقاعد تحت أسوارها، وأضرموا نارا طاف بأهل السعير سعيرها، ونطقت عما أكنه ضميرها، فانحل من عقود بنيانها ما كان متسق النظام، ونبذ من شمل بروجها ما كان حسن الالتئام، وكانت لا تلوي جيدا صعرا، فألصق خدّها وهي راغمة بالرّغام.
٢٠ - [ومنهم]: ابن الأثير الحلبي، تاج الدين، أبو جعفر، أحمد بن سعيد (١)
* رأس المعالي وتاجها، ولقاح المعاني ونتاجها، كان معدن الجلالة، وموطن الرقة والجزالة، ولم يزل بدر الفضائل وكمالها، وصدر المحافل وجمالها، ونفس المآثر وعنصرها، وخاتم المفاخر وخنصرها؛ صحب الأيام مسالما، وقاسم الليالي على النجوم الزهر مساهما، واكتنف البلاغة فقلدته تقليد العموم، وقدمته تقديم الإمام على المأموم، وخدم الدول فأولته إنعاما، وخولته مواهب طالما أخدمته للزمان عاما؛ وكان نداه موارد ملكها، ونهاه عطارد فلكها، فأرته وجوها وساما، وأرضته مصرا وشاما، فأهدى من فرائده ما (٢) ابن العزيز، فاستخدم في ديوان الإنشاء واستكتب، واستعتب له الحظ لو يعتب، ثم نقل إلى الباب الظاهري، فكان هناك أحد المتخذين الأعيان، والمتحدين بسحر البيان، وولي في الأيام الأشرفية كتابة السر بالحضرة السلطانية، فلم يتم الشهر حتى مات، ودفن بغزة، فأغمدت المنايا منه عضبا، ووهبت منه إلى جانب البحر الملح بحرا عذبا،
стр. 5073
وكان هلالا للشهر، وروضا يلقط من أفنائه الزهر.
* قال شيخنا أبو الثناء: كان يبطئ ولا يخطئ. وقال: كان اعتناؤه بالألفاظ أكثر من المعاني.
قلت: ويدل على هذا ما يرى، وقد وقفنا على كثير منه وأكثره متزن، لو تجسد لاختزن؛ كأنه في تساويه سجع الحمامة، أو وقع الغمامة.
وحكي (١) أنه لما أناخ هولاكو على شاطئ الفرات، وفرش خوفه الخدود لمواطئ العبرات، وقطعت من تلك الدولة الأواصر، وأصبحت ومالها قوة ولا ناصر، كان الناصر بن العزيز قد جهز ولده إلى أردو هولاكو بطرف بعثها، وكتاب حل في سطوره عقد السحر ونفثها، كتبه له هذا الكاتب المذكور، واستشهد فيه بالبيت المشهور (٢): [البسيط]
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها … والجود بالنفس أقصى غاية الجود
فلما عرضه على الملك الناصر قال له: هذا كتاب لا يلام دونه القاصر، وكان الأنسب في هذا المكان لو استشهدت فيه بقول ابن حمدان (٣): [الطويل]
فدى نفسه بابن عليه كنفسه … وفي الشدة الصماء تفنى الذخائر
وقد يقطع العضو النفيس لغيره … ويدخر للأمر الكبير الكبائر (٤)
فأقر له بالصواب وعلى نفسه بالخطإ، وبدل الاستشهاد بما قال، ثم ما أنقذ ذلك الكتاب من عثرة ولا أقال.
стр. 5074
* ومن نثره قوله:
كتابنا هذا والمرقب (١) في قبضة ملكنا، وربوعه قد عادت أطلالا، والأسياف التي كانت في أيدي أهلها قد جعلناها في أعناقهم أغلالا، وقد علم المجلس ما كانوا يحدثون به نفوسهم ويشبعون (٢) به رؤوسهم؛ واستفزهم من يحسن لهم في الطمع أمورا، ويعدهم الأباطيل ﴿وَما يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطانُ إِلّا غُرُوراً﴾ (٣) وكان المانع أولا، ما كان من اضطراب الأمور، والتقاء الجيوش، واختلاف الآراء، وتغير النيات، إلى أن أمكن الله من كل مناوئ منافر، وظفرنا من الأعداء بكل كافر، وكل من هو للنعمة كافر، ونحن مع ذلك نحيط بما يمكرونه علما، ونملي لهم ليزدادوا إثما، فلما تلمحنا مخايل النصر، سرنا إليها سرى الخيال الطارق، وأسرعنا نحوهم كما تسرع لمحة البارق، ولم نزل نوقد لهم البواتر، وندير عليهم الدوائر، ونشتت لآرائهم شملا، ونقطع من مكائدهم حبلا، ونفض لعزائمهم جمعا، وتكون جنودنا واقفة بإزائهم، فيخيل إليهم من خوفهم أنها تسعى، إلى أن أدركنا فيهم الثأر، وأطفأنا بهم النار، وضربنا عليهم الذلة، وجمعناهم جمع القلة، وأصبح ما كان يحميهم، يتحاماهم، وقلنا:
يا سيوف، دونك وإياهم؛ وكانت هذه القلعة مكانها في جوار النجم، وفناء اليم، يقدمها الجبال، ويعصمها البحر، وتحجبها الأودية، ويحصنها الوعر، وتحف بها سيوف لا تكلّ، وآمال لا تمل، وآجال يحفظونهم ولا يضيعونهم، وقوم يعصون الله ويطيعونهم؛ وسطرناها وبلادهم مهدومة، وجموعهم مهزومة، ويد الله فوق أيديهم، والخذلان من كل ناحية يناديهم.
стр. 5075
ومنه قوله:
وبعد فإن الرتب شرفها بمتوليها ومتوقلها يزيد، والعقد ما امتاز على السلوك إلا بواسطة حسبها نظام كل فريد، والمملكة جمالها وزيرها، وقوامها مشيرها، وأمورها تكون ضياعا، وحزمها يكون مضاعا، مالم تؤازرها يد وازر شديد، ورأي سعيد، وقلم يقلم ظفر الملم ويقوم بعبء المهم، ويجري بالأرزاق ويدخرها، ويقتني الأموال العظيمة لمن يستصغرها؛ ولولاه لما افتخرت الدول، ولكانت مضطربة لولا ابتناؤها على الأقلام والأسل؛ وكان أولى من عول على تدبيره، واهتدى في الأمور بنوره، أهل العلم، فإنهم المذكورون لمن ملك، والمستفتون في الأرواح والأموال ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك، ويسترشد بهم من إذا ضلت الآراء، وأظلت الأهواء، وطلّت الأنواء، وتحكمت الأدواء، وتقسمت الأضواء، وكان فلان هو المعني بهذه المدح، والجدير بأن تجلى عليه هذه الملح، وتجمل بإلقاء دروسه صدر كل إيوان، وبتصريفه مكان كل ديوان، وتحاسدت الوزارة والأحكام عليه، إلى أن نالت الوزارة منه نحتها، منشدة: [الطويل]
هو الجد حتى تفضل العين أختها.
ومنه قوله:
يقبل اليد، لا زالت أقلامها محسنة في سفارتها، وكتبها لا تسلك إلا بخفارتها، والخدمة إذا لم يكن معها ذمام لا يؤمن عليها شنّ غارتها، وينهي ورود مشرفته التي أبهجته بما أسمعته، وأدت الأمانة فيما استودعته وحملت إليه الرياض زواهر، وأغنته بما أهدى إليه ذلك البحر من الجواهر، وقبل الرسالة والرسول، وقبل الحامل والمحمول، وأعاد الجواب وهو من خوف التقييد على
стр. 5076
وجل، وكتبه والقلم من حياء المماثلة لا يكاد يرفع رأسه من الخجل، فيعرضه مولانا على فكره النقاد، ويتصفحه بنظره الذي زمام الفضل به منقاد، ويسبل عليه ستر معروفه الذي [ … ] (١)، ويعيره نفحة أنفاسه التي يكاد يفوح المسك من عرفها الشذي، والله يشكر له الإحسان الذي لا يبلغ الوصف مداه، ويحرس عليه من الفضل ما ملكت يداه، ويفديه بكل مقصر عن شأوه، فلا أحد إذا إلا فداه.
ومنه قوله (٢):
يقبل اليد الشريفة المحيوية المحبوبة إلى كل قبلة، المحتوية على الكرم الذي هو للكرماء قبلة، لا زالت مخصوصة بفضائل الإعجاز، والبلاغة التي كل حقيقة عندها مجاز، والإحسان الذي يظن الإطناب في وصفه من الإيجاز، وينهي ورود مشرفته التي أخذت البلاغة فيها زخرفها، وأشبهت الرياض منها أحرفها، وأبانت عن معجزات البراعة، ومثلت له السحر كيف ينفث في عقد تلك اليراعة، وأبانت مجاري فضله على مثل الجمر وأفردته بالرتبة التي لا يدعيها زيد ولا عمرو، وعلمته كيف يكون الإنشاء، وأعلمته أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء؛ فوقف المملوك عليها وقوف من أفحمه الحصر، وتطاول لمباراته فيها، وكم يطول من في باعه قصر؟ واستقدم القلم في جوابها فأحجم، واستنطق لسانه ليعرب عن وصفها فأعجم، وقال لحسنها الذي استرق القلوب: قد ملكت فأسجح (٣)؛ وبلغ الغاية في نفسه التي قصرت عن شأوها، ومبلغ نفس عذرها
стр. 5077
مثل منجح (١)، ومن أين لأحد تلك البديهة المتسرعة، والروية التي هي عن كل ما ينتحى وينتحل متورعة، والمعاني التي قطف نوارها أبكارا، والغرائب التي بحرها لا يهدي الدر إلا كبارا، والخاطر الذي (٢) يستجدي الفضلاء من سماحته، واللسان الذي يخرس البلغاء عند فصاحته، والقلم الذي هو مفتاح الأقاليم، والطريق الذي كلّ فيه ضل ولو أنه عبد الحميد أو عبد الرحيم (٣)، والكتابة التي تشرق بأنوار المعاني، فكأنها الليلة المقمرة، واليد التي إن لم تكن الأقلام فيها مورقة فإنها مثمرة؛ ومولانا أوتي ملك البيان، واجتمع له طاعة القلم واللسان، وخطبت الأقلام بحمده على منابر الأنامل، وأخذت له البيعة بالتقدم على كل فاضل ولو كان الفاضل (٤)، وأصبح محله الأسنى، وأسماؤه فيها الحسنى، وجاء من المحاسن بكل ما تزهى به الدول، وأصبحت طريقته في هذا الفن كأنها ملة الإسلام في الملل، وعرف الإشارة إلى حلب وما صنعت بها الأيام، وما أشجى من ربعها الذي لم تبق فيه بشاشة تستام، ووقوف مولانا على أطلالها، وملاحظته الآثار التي أعرضت السعادة عنها بعد إقبالها، وتفجعه في دمنها، وتوجعه لتلك المحاسن التي أخذتها الأيام من مأمنها، وإنه وجدها وقد حلت عراصها، وزمت للنوى قلاصها، وغربانها في رسومها ناعبة، وأيدي البلاء والبلى بها لاعبة (٥): [الطويل]
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا … ولا نحن من فرط الأسى كيف نسأل
стр. 5078
فشكر الله موقفه في تلك الدمن، ورقته التي قابل بها جفوة الزمن، ورأى هذا العهد الذي تمسكت منه الآن بحسب، ورعى له حق الدمع الذي جرى فقضى في الربع ما وجب، ومن للملوك بوقفة في رسومها، واسترواحة بنسيمها، وسقياها بدمعه، وتجديد العهد بمغناها الذي كان يراه بقلبه فأصبح وهو يراه بسمعه، ولقد علم الله أن الأحلام ما مثلتها لعينه إلا تأرقت، ولا ذكرتها النفس إلا تمزقت، ولا تخيلتها فكرة فاستقرت على حال من القلق، ولا جردتها الأماني لخياله إلا وراحت مطايا الدمع في السبق (١): [الطويل]
ولا قلت إيه بعدها لمسامر … من الناس إلا قال قلبي: آها
على أنه قد أصبح من ظل مولانا في وطن، وأنساه أنسه من خف ومن قطن، وشرف بخدمته التي تعلي لمن أخدمها منارا، واستفاد من الأيام التي أخذت منه درهما فأخذ عوضه دينارا، وأصبح لي عن كل شغل بها شغل، فاسأل فؤادي عني، وما ذكرت حبيبا إلا كنت الذي أعني: [الطويل]
وإن نظرت عيني سواك تلثمت … حياء بأردان الدماء مع الدمع
ولو أني استطعت خفضت طرفي، ولو وصفت ما عسى أن أصفه من الشوق لكان الأمر فوق وصفي: [الطويل]
وإني في داري وأهلي كأنني … لبعدك لا دار لدي ولا أهل
وعرف المملوك الإشارة إلى هذه السفرة ومتاعبها، والطرق ومصاعبها، والثلوج التي (٢) شابت منها مفارق الجبال، والمفاوز التي يتهيب السرى فيها طيف الخيال، والمرجو من الله تعالى أن تكون العقبى مأمونة، والسلامة فيها
стр. 5079
مضمونة، وكأن مولانا بالديار وقد دنت، والراحة وقد أذنت، والتهاني وقد أشرقت بوفودها تلك الرحاب، والرياض وقد أبدت من ملحها ما يكفر به ذنب السحاب، والأنس وقد أمسى وهو مجتمع القوى، والرحلة وقد ألقت عصاها واستقرت بها النوى (١).
ومنه قوله في كتاب كتبه عن الملك المنصور (٢) إلى ابنه الملك الأشرف (٣) بفتح المرقب:
أعز الله نصرة الجناب العالي الولدي، الملكي الأشرفي الصلاحي، عضد أمير المؤمنين، ولا زالت جيوشه تفتح من الممالك حصونها، وتبتذل مصونها، وتستنشر من السعادة غصونها، وتطوى لهم الأرض، ولا يبعد عليهم مرمى يعملون إليه العزائم وينضونها، ويقصون أجنحتها بالشكر ويفضّونها، تهدى إليه كل ساعة خبر جنوده وما ملكت، وخيوله وما سلكت، وسيوفه وما فتكت، ومهابته وما أخذت، ومواهبه وما تركت؛ وتبدي لعلمه الكريم أن الهمم بها تنال الممالك، وترتقى المسالك؛ وقل ما ظفر بالمراد وادع، وكل أنف لا يأنف المساءة فهو أحق الأعضاء بالمجادع، ولم نزل نمثل في أفكارنا الصورة التي أقدم عليها أهل حصن المرقب في مبدأ الأمر، عند اضطراب النيات، وضعف البينات، وغرور الأيمان الكاذبة، واستمالات الخيالات الجاذبة، ونأخذ في أمرهم الظاهر
стр. 5080
بالرخصة دون العزيمة، ونعمل على ما لو تمثل لهم صورة لجرّوا منه ذيل الهزيمة، ونستر ما تسدده إلى نحورهم من سهم، ونريهم أنا ندفع في صدور الحقيقة بالوهم، ونعرض عن مناقشتهم في الحساب ﴿وَتَرَى اَلْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحابِ﴾ (١) ومتى لم يؤاخذ المسيء بفعله، ويعرف مقدار جهله، استدام طمعه، واستقام طلعه، وحركته دواعي الشره والشرة، وتخيل السلامة في كل مرة؛ فلم نزل نتربص بهم ريب المنون، ونترك منهم ما كان في جنب ما يكون، إلى أن آن إمكان الفرصة، وجمعنا لهم بين الشرقة والغصة، فأنفذنا إليهم المرمى، وأعددنا مسعانا في طاعة الله غنما، إذ كانت مساعي الملوك غرما، ووصلنا السير بالسرى، وطرقناهم كما يطرق الكرى، وأوطأناهم حوافر الخيل، وجئناهم مجيء السيل، وظللنا عليهم ظلل الغم، وغشيهم منا ما غشي فرعون وجنوده من اليم، مع كون مكانهم قد جمع لهم منعة البر والبحر، وحل منهم بين السحر والنحر، تصدّ الرياح الهوج عنه مخافة، ويرجع عنه الطرف حسيرا لبعد المسافة، فلم يكن بأسرع من أن فاجأناه، وحللنا بعرصته وهاجمناه، وأحاطت به رجال الحرب، وشافهته بخطاب الخطب، وعسكرنا بحمد الله قد ملأ الفجاج، واستعذب الأجاج، وقاسمهم الرماح، وأعطاهم الأسنة وأبقى الزجاج، يتعرض أبطاله المنايا وإن كانت عرضا، ويقول كل منهم: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ (٢). فلم يزل القتال ينوبهم وسهام المنون تصيبهم، وسحابها يصوبهم، والمجانيق تذلل سورتهم، وتسكن فورتهم، وترميهم بنجومها، وتصمهم برجومها، وتقذفهم من كل جانب دحورا، وتعيد كلا منهم مذموما مدحورا، وتشير إليهم أصابعها بالتسليم لا بالسلم، وفتنتابهم