الشيخ سعد بن عتيق: " ومن أعظم أسباب التفرق والاختلاف والعدول عن طريق الحق والإنصاف ما وقع من كثير من الناس من الإفتاء في دين الله بغير علم والخوض في مسائل العلم بغير دراية ولا فهم " (١) .
ولخطورة هذا الأمر فقد وردت عباراتهم في رسائلهم تحذر من القول على الله بغير علم ولا سيما عند ظهور هذا البلاء (٢) .
ج) التأكيد على أهمية فقه حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا سيما لطلبة العلم، فليس المراد معرفة وجوبها فقط؛ بل الأهم معرفة كيفية الأداء الأمثل لهما، ولا سيما قضية إنكار المنكر، وفي هذا يقول المجدد محمد بن عبد الوهاب: ". . . وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقًا فيما يأمر به وينهى عنه، ويكون صابرًا على ما جاءه من الأذى في ذلك. وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به، فإن الخلل ما يدخل على صاحب الدين إلا من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه. . . . . . فالله الله في العمل بما ذكرت لكم والتفقه فيه فإنكم إن ما فعلتم صار إنكاركم مضرة على الدين. . . " (٣) .
стр. 37
ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ: ". . . وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستقيم إلا بالبصيرة والمعرفة التامة. . . " (١) ، فإذا لم يكن له معرفة وعلم فيرشده الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ بقوله: ". . . أن يعرف من له قدم صدق ومعرفة راسخة فيسأله ويستفتيه، ولا ينظر إلى الأشخاص ولا من ليس له بصيرة " (٢) ، فإذا لم يكن ذلك فالواجب عليه كما يرشد الشيخ أيضًا: " أن يقتصر على نفسه " (٣) ، ليسلم ويُسلم منه.
стр. 38
المبحث الثاني فقه ما يجب حال الإنكار لعل مما لا شك فيه أن الممارسة الفعلية لواجب إنكار المنكر تحتاج من القائم بها إلى فقهٍ لكيفية الإنكار الصحيحة، وبدون هذا الفقه لا يتحقق الهدف منها، وهذا أمر له دوره المهم في نجاح الداعية، ولعل من أهم ما يجب على المسلم فقهه حال إنكار المنكر ما يأتي:
المطلب الأول - الحكم إذا ترتب على الإنكار مفسدة أعظم:
والمراد هنا أن المنكر قد يترتب على إنكاره وقوع مفسدة أعظم من المنكر نفسه، وهذا أمر معلوم ومشاهد.
ولإدراك هذا الأمر على حقيقته لا بد أن يدرك كل مسلم ما المقصد من التشريع الإلهي، وهو أمر كان أئمة الدعوة السلفية يعنون به، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في إحدى رسائله منبهًا عليه: " والقصد من التشريع والأوامر تحصيل المصالح ودرء المفاسد حسب الإمكان وقد لا يمكن إلا مع ارتكاب أخف الضررين أو تفويت أدنى المصلحتين. . . " (١) .
стр. 39
والمتأمل يدرك خطورة الفهم الخاطئ في قضية ترتيب الأولويات في إنكار المنكر، وقد عُني أئمة الدعوة السلفية بنجد بهذا الأمر عناية فائقة، فكانوا ينبهون على الواجب فيها، حيث يبينون في كثير من رسائلهم أن المنكر إذا ترتب على إنكاره منكرٌ أكبر منه لم يجز الإنكار؛ سواء كان المترتب مفسدة عامة أو مضرة خاصة، ولذلك كانوا يؤكدون في رسائلهم على هذا المعنى وتأصيله من خلال بيان أنه رأي قديم قال به العلماء، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ". . . يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره. . . " (١) .
стр. 40
ويبين المزيد حول هذا الأمر الشيخ حمد بن ناصر بن معمر فيقول: ". . . ولكن إن خاف حصول منكر أعظم سقط الإنكار، وأنكر بقلبه وقد نص العلماء على أن المنكر إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه لا ينبغي، وذلك لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد. . . " (١) ، بل إن الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ كان يدعو في رسائله إلى التفكر في النتيجة قبل ممارسة الشعيرة؛ حتى لا يقع الخلل ثم تصعب المعالجة، ولا سيما بعد وقوع النزاع والشقاق فيقول: " وأوصيكم أيضًا بالبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا أمر الإنسان من أمور الخير نظر فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل وسلامة في الدين وكان الأصلح الأمر به؛ مضى فيه بعلم وحلم ونية صالحة، وإن كان يترتب على ذلك الأمر شر وفتن وتفريق كلمة في العاجل والآجل ومضرة في الدين والدنيا وكان الصلاح في تركه؛ وجب تركه ولم يأمر به؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. . . " (٢) .
стр. 41
ومن الذين أكدوا على وجوب مراعاة هذا الأمر من أئمة الدعوة السلفية بنجد؛ الشيخ سليمان بن سحمان حيث يقرر أن الإنكار لأي منكر إذا كان يسبب قمعًا لأهل الحق، ويمنعهم من إظهار دينهم، واجتماعهم عليه والدعوة إليه، ويسلط عليهم أعداءهم؛ فيشتتوهم ويشردوهم في كل مكان، أو يؤذوهم ويضيقوا عليهم، أو كان يسبب إظهارًا لأهل الباطل وإعلاءً لكلمتهم على أهل الحق؛ لم يكن الإنكار جائزًا، بل هو - والحال هذه - مخالف لما يحبه الله ويقرب إليه، وهنا يجب مراعاة القاعدة الشرعية التي تنص على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، بل يبين الشيخ أمرًا آخر لا يقل أهمية عن سابقه وهو: أنه لو حكم على الحكام بالردة؛ وهم لا يجرون أحكام الكفر في بلادهم، ولا يمنعون إظهار شعائر الإسلام، فالبلد حينئذٍ بلد إسلام بعدم إجراء أحكام الكفر فيها، ولأجل ذلك فمراعاة درء مفسدة الإنكار التي تؤدي إلى قمع أهل الحق، وتشريدهم وتشتيتهم وإذلالهم وإظهار أهل الباطل باطلهم، وإعلاء كلمتهم على أهل الحق؛ مقدم على مصلحة الإنكار على الحكام ومنابذتهم، ولأهمية كلامه ﵀ ٍٍِِ في هذا أنقله بنصه هنا حيث يقول: " وقد ذكر أهل العلم أن درء
стр. 42
المفاسد مقدم على جلب المصالح، فدرء مفسدة قمع أهل الحق وعدم إظهار دينهم واجتماعهم عليه والدعوة إلى ذلك، وعدم تشتيتهم وتشريدهم في كل مكان؛ مقدم على جلب مصلحة الإنكار على ولاة الأمور، مع قوتهم وتغلبهم وقهرهم، وعجز أهل الحق عن منابذتهم وإظهار عداوتهم، والهجرة عن بلادهم، بمجرد الدخول في طاعتهم في غير معصية الله ورسوله، فإذا كان لأهل الدين حوزة واجتماع على الحق وليس لهم معارض فيما يظهرون به دينهم ولا مانع يمنعهم من ذلك، وكون الولاة مرتدين عن الدين بتوليهم الكفار، وهم مع ذلك لا يجرون أحكام الكفر في بلادهم، ولا يمنعون من إظهار شعائر الإسلام؛ فالبلد حينئذٍ بلد إسلام لعدم إجراء أحكام الكفر، كما ذكر ذلك شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀ ٍٍِِ عن الحنابلة وغيرهم من العلماء، وإذ كان الحال على ما وصفناه فمراعاة درء مفسدة قمع أهل الحق وتشريدهم وتشتيتهم وإذلالهم، وإظهار أهل الباطل باطلهم وإعلاء كلمتهم على أهل الحق، وكذلك مراعاة جلب المصالح في إعزاز أهل الحق، واحترامهم وعدم معارضتهم مقدم والحالة هذه على مصلحة الإنكار على ولاة الأمور، من غير قدرة على ذلك، لأجل تغلب أهل الباطل وقوتهم
стр. 43
وعجز أهل الحق عن منابذتهم، وعدم تنفيذ الأمور التي يحبها الله ويرضاها، فدرء المفسدة المترتبة على الإنكار على الولاة أرجح من المصلحة المترتبة على منابذتهم بأضعاف مضاعفة، وإذا استلزم الأمر المحبوب إلى الله أمرًا مبغوضًا مكروهًا إلى الله، وتفويت أمر هو أحب إلى الله منه لم يكن ذلك مما يحبه الله ويقرب إليه؛ لما ينبني عليه ذلك من المفاسد وتفويت المصالح، وقد ذكر أهل العلم قاعدة تنبني عليه أحكام الشريعة؛ وهي ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاها " (١) .
стр. 44
ولقد أدرك أئمة الدعوة السلفية بنجد أهمية هذا الأمر؛ فكانوا يعلمون من خلال رسائلهم وفتاويهم طلبة العلم وعامة الناس الموازنة بين المصالح والمفاسد، فمن ذلك فتوى للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ يقول فيها: ". . . وأما البداءة بالسلام فلا ينبغي أن يُبدأ الكافر بالسلام؛ بل هو تحية أهل الإسلام، لكن إن خاف مفسدة راجحة وفوات مصلحة كذلك فلا بأس بالبداءة. . . "، ثم يقول في بيان تطبيقات أساليب الإنكار وكيف يمكن مراعاة المصالح في ذلك والمفاسد: ". . . والهجر إنما شرع لما فيه من المصلحة وردع المبطل، فإذا انتفى ذلك وصار فيه مفسدة راجحة فلا يُشرع " (١) .
والخلاصة أن تطبيق هذه الشعيرة له ميزان مهم يجب أن يقاس به، وهو مراعاة المصالح والمفاسد، فلا يصح أن يكون القيام بهذه الشعيرة سببًا لما لا تحمد عقباه؛ من تسليط لأهل الباطل على أهل الحق! وإيجاد أسباب لهم ليشنوا عدوانهم ويمارسوا ظلمهم ويتهجموا على أهل الحق، ويسوموهم ومبادئهم كل سوء وأذى، مع أن سُبل التغيير والإصلاح متعددة ليست فقط سبيلًا واحدًا.
стр. 45
ومن خلال ما سبق نلحظ بُعد نظر أئمة الدعوة السلفية بنجد في معالجة مثل هذه الظواهر والتصدي لها، ويتضح بما لا يدع مجالًا للشك سلامة فكرهم ومبادئهم من الدعوة إلى استخدام العنف والإرهاب في الإنكار بكل حال وأنهم يملكون منهجية متزنة في معالجة المنكرات والتعامل معها، بذلوا وسعهم في بيانها وتوضيحها للناس عمومًا ولطلبة العلم خصوصًا.
стр. 46
المطلب الثاني - أسلوب الإنكار:
لا شك أن أسلوب إنكار المنكر مهم جدًا في قبول المخاطب لهذا الإنكار، إذ إن النفوس البشرية تميل إلى القول اللطيف والتعامل الحسن، ولذا جاء في كتاب الله تعالى الأمر بالإحسان عمومًا والإحسان في القول خصوصًا: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٢) ، ومن أراد أن يغير المنكر بلفظ جاف وأسلوب غليظ؛ فإن احتمال نجاحه ضعيف للغاية، وليس سببًا مقبولًا أن يُعتذر بالمعصية على الغلظة إذ إن الإنكار للإصلاح وليس للعقاب.
ولقد بذل أئمة الدعوة السلفية بنجد جهودًا مباركة في بذل النصح والتوجيه للوصول إلى تطبيق أساليب الإنكار وفق ما جاءت به الشريعة، كما كان لهم دور كبير وفاعل في التصدي للانحرافات عن المنهج الرباني في ذلك، ولعل جهودهم تبرز من خلال ما يأتي:
١) تصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تدفع إلى استخدام الغلظة والعنف في الإنكار، ومن أبرزها:
أ - ارتكاب فاعل المنكر لما حرم الله، وصواب قول المُنْكِر.
ب - ظن بعضهم أن التلطف واللين من المداهنة في دين الله.
ج - اعتقاد أن الغلظة هي الأصل وبيان الأصل في الدعوة والحث عليه.
стр. 47
وتفصيل ذلك في ما يأتي:
أ - قد يفهم بعض من تجاوزت الغيرة على محارم الله لديهم الحد المراد شرعًا، أن مجرد وقوع فاعل المنكر في معصية، وارتكابه للمنكر، وصواب ما يذهب إليه هو، مما يبيح له أن يعالج هذا الخطأ بأي شكل، ولو كان بالتعدي على فاعل المنكر بالسب أو الشتم أو الضرب، وهذا فهم خاطئ، لذلك نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب يشير في معالجته لمثل هذا الأمر بقوله: ". . . بعض أهل الدين ينكر منكرًا وهو مصيب؛ لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوقع الفرقة بين الإخوان. . . " (١) ، ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن فاعل المنكر: ". . . ينبغي هجره وكراهته فهذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سب ولا ضرب ويكفي في حقه إظهار الإنكار عليه وإنكار فعله. . . " (٢) .
ب - ومن الخلل الذي عالجه أئمة الدعوة السلفية في هذه القضية ظن بعضهم أن التلطف والرفق بفاعل المنكر من المداهنة في دين الله وتقديم رضى الخلق على رضى الخالق جل وعلا، ولا شك أن هذا الفهم السقيم يدل على جهل صاحبه ويدفعه إلى انتهاج الغلظة والعنف مع كل عاصٍ ثم يصبح طبعًا له حتى مع كل مسلم.
стр. 48
ولقد كان لأئمة الدعوة السلفية دورهم ومخاطباتهم في معالجة هذا الفهم الخاطئ وتصويبه، من ذلك كلام نفيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في بيان الفرق بين المداراة والمداهنة حيث يقول: " أما الفرق بين المداراة والمداهنة: فالمداهنة: ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفساني. . . وأما المداراة: فهي درء الشر المفسد بالقول اللين وترك الغلظة. أو الإعراض عنه إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس. . . " (١) ، وبهذا يتجلى عن الفهم الخلل الملابس لهذه القضية.
стр. 49
ج - ومن الخطأ في الفهم الظن بأن الغلظة هي الأصل وأنها كانت ديدنًا للرسول ﷺ أخذًا من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) ، ويوضح هذا المعنى الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ بقوله: ". . . فإن هذا يصار إليه إذا تعينت الغلظة ولم يجد اللين كما هو ظاهر مستبين، كما قيل آخر الطب الكي، وهو أيضًا مع القدرة ويشترط أن لا يترتب عليه مفسدة. . . ثم إن الآية آية الغلظة مدنية بعد تمكن الرسول ﷺ وأصحابه من الجهاد باليد وظهور الاستمرار على الكفر من أعدائهم فوقعت الغلظة في مركزها حيث لم ينفع اللين " (٢) ، ويقول واصفًا حال الرسول ﷺ في دعوته للمشركين: ". . . فمكث على ذلك يدعو ويذكر ويعظ وينذر مع غاية اللطف واللين فتارة يكني المخاطبين، وطورًا يأتي نادي المتقدمين أو المترأسين، وحينًا يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وناهيك بخلق مدحه القرآن وأثنى على حلمه في الدعوة البيان. . . " (٣) ، ويؤكد هذا المعنى بضرب مثال في عصر الصحابة لرجل منهم كان له أكبر الأثر في دعوة الناس وهدايتهم وهو من
стр. 50
ألطف الناس أسلوبًا وأرقهم عبارة وهو الصديق ﵁ وفي مقابله ما لقيه بعض الصحابة من عتب الرسول ﷺ لما شقوا على الناس، ومقصدهم حسن ونيتهم صالحة فيقول: ". . . وكان الصديق أكمل الناس ولذلك أسلم على يده وانتفع به أمم كثير بخلاف غيره فقد قيل لبعضهم إن منكم منفرين. . . " (١) ، ويعد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ أن الجهاد بالحجة والبيان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان (٢) .
والمتأمل للغاية من الدعوة ومقاصد الشريعة يدرك أن القصد هو تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وهذا يحتاج إلى نظر وتحقق للوصول إليها بالوسائل الصحيحة، ومن أهمل ذلك أو ضيعه فجنايته على الناس وعلى الشرع أعظم جناية (٣) .
٢) بيان الانحرافات في أساليب إنكار المنكرات التي وقع فيها بعض الناس والتحذير منها:
стр. 51
تغيير المنكر والنهي عنه لا بد أن يتقيد بالشرع ولا يتجاوزه بحال؛ لأن المتجاوز لما شرع الله يشرع لنفسه وهذا أمر محرم، بل يجب على المسلم أن يكون وقافًا عند حدود الله لا يتعداها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (١) ، وأساليب إنكار المنكر جاءت وفق قواعد عامة وضحها أئمة الدعوة السلفية بنجد فلا يجوز بحال مخالفتها وإلا كان ضرر الفعل عظيمًا، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في بيان ذلك والتحذير من تجاوزه: ". . . والقصد من التشريع والأوامر تحصيل المصالح ودرء المفاسد حسب الإمكان وقد لا يمكن إلا مع ارتكاب أخف الضررين أو تفويت أدنى المصلحتين واعتبار الأشخاص والأزمان والأحوال أصل كبير فمن أهمله وضيعه فجنايته على الشرع والناس أعظم جناية. وقد قرر العلماء هذه الكليات والجزئيات وفصلوا الآداب الشرعيات فمن أراد أن ينصب نفسه في مقام الدعوة فليتعلم أولًا وليزاحم ركب العلماء قبل أن يرأس فيدعو بحجة ودليل ويدري كيف السير في ذلك السبيل، فإن الصبابة لا يعرفها إلا من يعانيها والعلوم لا يدريها إلا من أخذها عن أهلها وصحب راويها. . . " (٢) .
стр. 52
ولم يكتف أئمة الدعوة السلفية بنجد بتأصيل هذه القضية؛ بل كانوا يتابعون ما يقع على الساحة الدعوية فينبهون على الأخطاء، ويحذرون من الزلات، ويوضحون منهج السلف الصالح في الدعوة والإنكار، ولعل من أبرز توجيهاتهم في التصدي للعنف والإرهاب في أساليب الإنكار ما يأتي:
أ) تصديهم للتجاوز في استخدام أسلوب الهجر: والمراد من الهجر هو هجر فاعل المنكر وعدم الحديث معه والسلام عليه، كما فعل رسول الله ﷺ مع الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك (١) .
стр. 53
ولقد كان أئمة الدعوة السلفية يؤكدون أن هذا الأسلوب ليس كما يعتقده بعضهم أمرًا هينًا؛ فيهجر من خالفه بالرأي، أولم يقبل منه، إذ هو يحتاج إلى فقه وبصيرة وفي ذلك يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ: " وهجران أهل المعاصي يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستقيم إلا بالبصيرة والمعرفة التامة. . . " (١) ، ويوضحون أن الهجر شرع لحكمة عظيمة وهي التأديب والتعزير وفي ذلك يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله العنقري: ". . . والهجر إنما شرع تأديبًا وتعزيرًا بترك السلام عليه وعدم تعليمه حتى يتراجع عن معصيته. . . " (٢) .
стр. 54
ومن الأمور المهمة في هذا الباب التي كان أئمة الدعوة السلفية يؤكدون عليها الموازنة بين مصلحة الهجر ومفسدته فيقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: " والهجر إنما شرع لما فيه من المصلحة وردع المبطل، فإذا انتفى ذلك وصار فيه مفسدة راجحة فلا يشرع. . . " (١) . ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله العنقري: ". . . المجاهر بالمعاصي يشرع هجره سواء كان من أهل البادية أو الحاضرة إذا كان فيه مصلحة راجحة ولم يترتب عليه مفسدة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " (٢) .
والهجر إذا طبق من غير فقه ولا بصيرة فقد تكون مفسدته أعظم وأكبر، يقول الشيخ عمر بن سليم في هذا: ". . . ومن الأمور التي أدخلها الشيطان على بعض الناس - لينال بها مقصوده من إغوائهم وتفريق كلمتهم وإلقاء البغضاء بينهم التي هي الحالقة أي حالقة الدين- ما حملهم عليه من التهاجر على غير سبب يوجب ذلك؛ بل بمجرد الرأي المخالف للكتاب والسنة وهذا ينافي ما عقده الله بين المسلمين من الأخوة الإسلامية التي توجب التواصل والتراحم والتواد والتعاطف. . . " (٣) .
стр. 55
ب) التشنيع على ولاة الأمر في المجالس والمجامع حيث يعده من يفعله من الإنكار، ولا شك أن هذا الأمر يحتاج إلى تأمل ونظر، وقد تصدّى أئمة الدعوة السلفية لهذا الأسلوب الخاطئ، وبينوا أن التشنيع على ولاة الأمور في المجالس ومجامع الناس واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد مخالف لما كان عليه السلف الصالح، وهذا الفعل ظاهر البطلان من آثاره المترتبة عليه، فهو لا يزيل منكرًا، ولكنه يؤجج الكره والبغض في قلوب العامة لولاة أمرهم، وفي قلوب الولاة على من فعله أو وافق عليه، ويوضحون في مقابل هذا المنهج والطريق الصحيح للإنكار وفي ذلك يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ: ". . . وأما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام فالواجب فيها مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلط فاحش وجهل ظاهر لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا كما يعرف ذلك من نور الله قلبه، وعرف طريقة
стр. 56
السلف الصالح وأئمة الدين. . . " (١) ، ويوضح الشيخ محمد بن عبد الوهاب المنهج الصحيح في الإنكار على ولاة الأمر تفصيلًا حتى لا يدع مجالًا لدخول المفسدين في ذلك حيث يقول: ". . . والجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره؛ أن يُنصح برفق خُفية ما يشرف عليه أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجالًا يقبل منهم بخُفية، فإن ما فعل فيمكن الإنكار ظاهرًا إلا إن كان على أمير نصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية، وهذا الكتاب كل أهل بلد ينسخون منه نسخة ويجعلونها عندهم. . . " (٢) .
ج) ومن الأساليب المنحرفة في هذا الباب ما يستخدمه بعضهم من الاجتماع لأجل الإنكار بشكل ظاهر ودون خفاء، وهذا مخالف لما كان عليه السلف الصالح يقول الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل (٣) : ". . . وإعمال المطى بين الإخوان واجتماعهم لأجل إنكار المنكر ظاهرًا مخالف لما كان عليه أهل السنة والجماعة من العلماء ولما كان عليه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. . . " (٤) ، وهذا لا شك أنه نهج محدث يقع منه ضرر كبير قد يكون بداية لفتنة عمياء ولأجل ذلك جاء التحذير منه.
стр. 57
د) استعمال العنف سواء باللفظ كالسب والشتم، أو بالفعل كالضرب، وقد جاءت التوجيهات متوالية من أئمة الدعوة السلفية؛ في بيان المنهج الصحيح في الإنكار والتصدي لهذا النهج والتحذير منه، لما له من آثار مفسدة من أهمها الفرقة التي يحدثها بين الإخوان، يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب: ". . . بعض أهل الدين ينكر منكرًا وهو مصيب لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوقع الفرقة بين الإخوان. . . " (١) .
стр. 58
والأصل أن لا يكون الإنكار بشيء من العنف أو السب أو الشتم أو الضرب بل يكفي إظهار الإنكار عليه، والمعصية إذا وجدت أُنكرت على من فعلها أو رضيها إذا اطلع عليها (١) ، يقول الشيخ سعد بن حمد بن عتيق في التحذير مما وقع فيه بعض المتشددين: ". . . ومن ذلك ما التزموه وألزموا به غيرهم من أعراب المسلمين من ترك سكنى البادية والتزام الحضر وإنشاء العمران والبنيان، والتشديد في أمر العمائم والعدوان على كثير من أهل الإسلام والتوحيد بالضرب الشديد والهجر والتهديد إلى غير ذلك من الأمور التي خرجوا بها عن حكم العقل والعدل والإنصاف، وانتظموا بها في سلك أهل الجهل والظلم والاعتساف، وهم مع ذلك يحسبون أنهم مهتدون ويزعمون أنهم مصلحون. . . " (٢) ، ويقول الشيخ عمر بن سليم في هذا: ". . . ومن كيد الشيطان ما زينه لبعض الناس من الاستطالة على الناس بالضرب والتعنيف والكلام السيئ والتوعد للناس، وتعيير الناس وعيبهم، والطعن عليهم، وأدخل عليهم أن ذلك من باب الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، وهذه الأفعال من أعظم المنكرات، واستحلالها واعتقاد أنها من الدين أكبر من فعلها، وهؤلاء لم يفهموا إنكار المنكر الذي جاءت به الشريعة فإن
стр. 59
إنكار المنكر إزالة المنكر لا ضرب فاعله. . . " (١) .
٣) التأكيد المتكرر من أئمة الدعوة السلفية على وجوب الرفق في إنكار المنكر والدعوة إلى الله عمومًا، وأن هذا هو النهج الأمثل والأصوب الذي سار عليه السلف الصالح، حيث يؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أن الإنكار لا بد أن يكون برفق ولطف وبصورة خفية بين فاعل المنكر والمنكر عليه (٢) ، ويؤكد على ذلك الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في رسالة إلى بعض طلبة العلم حيث يوصيهم بالدعوة إلى الله - تعالى - مؤكدًا على استخدام اللطف واللين مع المدعوين فيقول: ". . . والذي أرى لكم في هذه الخلطة الصبر على مقام الدعوة والتلطف بالإبلاغ عن نبيكم. . . " (٣) ، وهذا منهج عام في الدعوة لديهم فهذا الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ يرسخه لدى الدعاة والناس في وقته فيقول: ". . . ينبغي لمن قصده الخير والدعوة إلى الله تعالى التوقع في الأمور والتثبت وعدم الطيش والعجلة والحرص على الرفق والملاطفة في الدعوة فإن في ذلك خيرًا كثيرًا. . . " (٤) .
стр. 60
المطلب الثالث - الإنكار على ولاة الأمور (الحكام) :
شريعة الإسلام شريعة محكمة لا خلل فيها ولا زلل، لا ريب في ذلك ولا شك فالمشرع هو العليم الحكيم جل في علاه، ولعل من أعظم ما جاءت به الشريعة التأكيد على اعتبار الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذا يعد من الأصول العظيمة التي لا بد من مراعاتها واعتبارها.
والكلام في مسألة الإنكار على السلطان الأعظم، أو أي من الولاة والأمراء ممن بيده السلطة والقوة كلام يطول، وحسبنا هنا أن نشير إلى جهود أئمة الدعوة السلفية في ترسيخ مفاهيم أهل السنة والجماعة في الدعوة إلى فقه الإنكار على الولاة والأمراء؛ المسألة التي زلت فيها أفهام؛ فسببت الفساد العريض، وأشير إلى ما يأتي:
стр. 61
أ) يؤكد أئمة الدعوة عمليًا ونظريًا على أهمية حسن العلاقة بين العلماء والأمراء، وأن هذا له آثاره الحسنة على الطرفين، أو على المجتمع بأكمله، وفي ذلك يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب: ". . . فإن كان الأمير ما يجعل بطانته أهل الدين صار بطانته أهل الشر. . . " (١) ؛ بل يرى ﵀ أن أمر الدين لا يستقيم للعلماء ولا للولاة إلا إذا كان بالتكاتف والتعاضد والتعاون بينهم (٢) ، ويقول الإمام سعود بن عبد العزيز ﵀ في التأكيد على هذا المعنى موجهًا للأمراء وطلبة العلم والدعاة وعامة الناس: ". . . وكل بلاد فيها طائفة أهل الدين يجتمعون ويصيرون يدًا واحدة، وأميرهم ومطوعهم، والأمير يصير حربة لأهل الدين ويشد عضدهم ويحمي ساقهم ويطلق أيديهم، والمطوع يؤازر الأمير، ويقوم مع أهل الدين ويبث العلم في جماعته ويحضهم على المذاكرة. . . " (٣) ، ويحذر ﵀ من مخالفة ذلك من قِبل الأمراء فيقول: ". . . والأمير الذي يبغي الإمارة شيخة ولا يرضى أن غيره يأمر بالحق وينهى عن الباطل، فذاك نعرف أنه شيخ ومدور ملك، ما هو يدور دينًا ولا حقًا، ولنا فيه أمر ثان، والذي غرضه الدين يبدل الممشى، ويصنف جماعة الدين
стр. 62
ويقوم حقهم، ويظهر وقارهم، ويجعلهم بطانته وأهل مجلسه ورأيه، ويبعد أرباب الفسوق والمعاصي، ويقوم عليهم بالأدب الذي يزجرهم. . . وأهل الدين أنا مقدمهم ومطلق أيديهم، ومانع الأمراء لا يمنعون أهل الدين عن القول بالحق والأمر به. . . وبلغنا الخبر أن بعض الأمراء متسلط على من يدعي الدين، بأمور ظاهرها حق وباطنها مغشة. . . ولا يفعل هذا أمير مع أهل الدين فأدعه في الإمارة يومًا واحدًا. . . " (١) .
وفي تطبيق عملي لعمق العلاقة بين العلماء والولاة يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في رسالة منه للإمام فيصل بن تركي: " من محبكم الداعي لكم بظهر الغيب عبد الرحمن بن حسن إلى الابن الإمام فيصل بن تركي. . . وكنت والله يعلم صدقي بما قلته أني أحبك وأقدمك في المحبة على من مضى من حمولتك وحمولتي، واليوم الذي أجتمع بك فيه عندي يوم مسرور، ولا عندي لك مكافآت إلا بالدعاء والنصح باطنًا. . . " (٢) .
стр. 63
ومن خلال ما سبق يتضح اهتمام أئمة الدعوة السلفية بنجد في تقوية الأصرة بين العلماء والأمراء، وأن قيام الدين على تمامه يكون بذلك، ويتضح منهجهم في التأكيد على ذلك وتطبيقه في أرض الواقع، الأمر الذي انتج دعوة سلفية جددت الدين في القلوب والعقول، وأقامت دولة لا يستهان بها.
ب) التنبيه على المنهج الأمثل في التعامل مع الولاة والإنكار عليهم عندما يقع منهم شيء من المعاصي والمخالفات الشرعية التي لا يسلم منها بشر، وبيان خطورة تجاوز هذا المنهج وانعكاسات تلك السلبية على الدعوة والمجتمع بأسره، ويتضح ذلك من خلال النقاط الآتية:
١- الواجب على الدعاة معرفة ما للحكام من منزلة ومرتبة أنزلهم الله إياها، فالتعامل معهم ليس كالتعامل مع غيرهم من سائر الناس، ولأجل ذلك فلا ينبغي أن تتحين أخطاؤهم وزلاتهم بل يُتغاضى عنها، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ". . . وأهل الدين عليهم جمع الناس على أميرهم والتغاضي عن زلته، هذا أمر لا بد منه من أهل الدين يتغاضون عن أميرهم. . . " (١) ، والمراد بالتغاضي: التغافل (٢) ، وهو أمر قد يكون له من الأثر أكثر مما للمواجهة والمصادمة.
стр. 64
٢- ثم إذا كان الإنكار فلا بد من سلوك المنهج الصحيح معهم، وقد ذكر له أئمة الدعوة مجموعة من المعالم الرئيسية من أبرزها:
الرفق: فلئن جاز الإغلاظ في بعض الأحوال على فاعل المنكر، فهذا قد يكون ممتنعًا في حق الإمام، ومن له ولاية؛ لأنه قد يستخدم سلطانه في البطش بمن أغلظ عليه، ولأجل ذلك يؤكد أئمة الدعوة السلفية على هذا المعلم، فيقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب في ذلك: ". . . والجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن يُنصح برفق. . . " (١) .
الإخفاء وعدم الإعلان بالنصيحة، وفي هذا يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب: ". . . والجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن يُنصح برفق خفية ما يشرف عليه أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجالًا يقبل منهم بخفية فإن ما فعل. . . فيرفع الأمر إلينا خفية. . . " (٢) .
стр. 65
وتعليقًا على هذه الرسالة يقول الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل: ". . . فالواجب على المسلم أن ينكر المنكر على من أتى به بخفية خصوصًا إن كان على أمير، فإن إنكار المنكر على الولاة ظاهرًا مما يوجب الفرقة والاختلاف بين الإمام ورعيته. . . " (١) ، ويقول أيضًا: ". . . وإنكار المنكر على الولاة ظاهرًا من إشاعة الفاحشة. . . " (٢) .
ولا شك في أهمية مراعاة هذين الأمرين اللذين جاءت النصوص الشرعية ببيانهما، كما أن أئمة الدعوة السلفية بنجد كان لهم عناية بغيرها، وأحببت الإشارة إليهما لأهميتهما وحاجة الناس إلى الالتزام بهما اليوم.
стр. 66
ج) التصدي لكل إخلال بالمنهج السلفي الأمثل في التعامل مع ولاة الأمور؛ يعد وأدًا للفتنة في مهدها، وحماية للمجتمع من أن يغرق في فتن عمياء؛ تأتي على الأخضر واليابس، وذلك ببيان الحق فيما يقع من مخالفات في حق ولاة الأمر؛ بالتعدي على سلطاتهم، أو إساءة الظن بهم، أو رميهم بالفضائع والتهم الباطلة؛ لأن ذلك يدفع إلى ما لا تحمد عقباه، ومن أخطر ذلك التعدي على سلطة ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة لهم، أو الإفتيات عليهم، ولا شك أن هذه الأمور له آثارها الفاسدة التي تدمر المجتمع بأسره، وتجعل الصراع داخليًا، ولأجل ذلك جاءت توجيهات أئمة الدعوة السلفية بنجد محذرة من هذا المنزلق، ومقرعة لمن وقع فيه، وناصحة له بالرجوع، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ". . . ومن تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبد ًا حبشيًا. . . " (١) .
ولا شك أن للسمع والطاعة آثارهما المصلحة للمجتمع، يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ وعبد الله العنقري: ". . . وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم. . . " (٢) .
стр. 67
ومع هذا البيان يوجد من لا فقه لديهم ينقمون على ولاة أمورهم أشياء لا يدركون وجه الحق فيها على تمامه، فيناوئون ولاة أمورهم، ويستخفون بهم بناءً على فهمهم السقيم، وجهلهم المردي، ومن الأمثلة على ذلك ما ينقمه بعضهم على ولاة أمورهم في مسائل التواصل مع الكفار، والتعامل معهم، وعقد المعاهدات، والمصالحات، فيظنها من التولي، ثم يبني عليها أحكامًا جائرة، وتصرفات منحرفة، تفسد ولا تصلح؛ ولأجل ذلك جاءت عبارات أئمة الدعوة السلفية محذرة من هذا المنزلق؛ حيث يقول الشيخ عمر بن محمد ابن سليم: ". . . فيحرم معصية ولي الأمر والاعتراض عليه في ولايته وفي معاملته ومعاقدته ومعاهدته ومصالحته الكفار. . . ولا يجوز الاعتراض على ولي الأمر في شيء من ذلك؛ لأنه نائب المسلمين والناظر في مصالحهم. . . " (١) ، ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله العنقري في رسالة لهما في هذا الصدد: ". . . فتحرم معصيته والاعتراض عليه في ولايته وفي معاملته وفي معاقدته ومعاهدته؛ لأنه نائب المسلمين والناظر في مصالحهم ونظره لهم خير من نظرهم لأنفسهم لأن بولايته يستقيم نظام الدين وتتفق كلمة المسلمين. . . " (٢) .
стр. 68
فهذا الفهم السقيم وغيره مثله قد ينحرف ببعضهم عن الجادة فيستهين بالإمام ويتصرف بما يخالف الشرع المطهر من افتيات على ولي الأمر بالغزو وإقامة الحدود (١) ، مما لا يصح إلا بإذنه، ولخطورة الأمر بيّن أئمة الدعوة السلفية الموقف الشرعي من مثل هذه التصرفات؛ حيث يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله العنقري: ". . . لا يجوز لأحد الافتيات عليه ولا المضي في شيء من الأمور إلا بإذنه ومن افتات عليه فقد سعى في شق عصا المسلمين وفارق جماعتهم. . . " (٢) ، ويقول الشيخ عبد الله العنقري: ". . . إن الخروج عن طاعة ولي الأمر والافتيات عليه بغزو أو غيره معصية ومشاقة لله ولرسوله ﷺ ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة. . . " (٣) ، ويبين الشيخ عبد الله العنقري أيضًا الآثار المترتبة على هذا الأمر فيقول: ". . . وأن الخروج على ولي الأمر والافتيات عليه من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد والعدول عن سبيل الهدى والرشاد. . . " (٤) .
стр. 69
ولأجل ذلك كله كان أئمة الدعوة السلفية بنجد ينهون عن الطعن في ولاة الأمور والاستهانة بهم، ويعدونه وصمة عظيمة، وزلة وخيمة، على من فعله، يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ: ". . . والطعن على من ولاه الله عليكم وعيبه وثلبه وتتبع عثراته للتشنيع عليه ونسبة علمائه إلى المداهنة والسكوت، فهذا والله وصمة عظيمة وزلة وخيمة وقاكم الله شرها. . . " (١) .
ولا شك في الختام أن هذه التوجيهات توضح المنهج الذي سلكه أئمة الدعوة السلفية بنجد في التصدي لأسباب العنف والتطرف والإرهاب التي قد ينتجها عدم الفقه الصحيح لكيفية إنكار المنكر، حيث بيّنتْ ما يجب أن يكون عليه الداعية من فقه لإنكار المنكر.
стр. 70
الخاتمة بحمد الله والثناء عليه أختم هذا البحث الذي حرصت من خلاله على توضيح المنهج المتميز لأئمة الدعوة السلفية بنجد في التصدي للعنف والتطرف وما يتبعهما من إرهاب وتدمير وأخلص فيه إلى ما يأتي:
١- أن أئمة الدعوة السلفية بنجد كانوا ينتهجون المنهج السلفي في دعوتهم إلى الله ذلك المنهج النابع من الكتاب والسنة، فقد كانوا ينهلون من معينها مستعينين على فهمها بكلام السلف الصالح عليهم رحمة الله، إذ هم مقتدون متبعون لا محدثون ولا مبتدعون.
٢- يتلخص موقف أئمة الدعوة السلفية بنجد من العنف والتطرف والإرهاب بأنه: موقف لا يقبل العنف والتطرف منهجًا ولا الإرهاب مسلكًا، بل يحث على الرفق واللين ويؤكد على أنه الأصل في الدعوة إلى الله تعالى وإنكار المنكر.
٣- يؤكد أئمة الدعوة السلفية بنجد على أن من أهم القضايا التي يجب مراعاتها في إنكار المنكر: المصالح والمفاسد، وذلك من خلال تحقيق المقصد الشرعي في أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
стр. 71
٤- يهتم أئمة الدعوة السلفية من خلال منهجهم السلفي بالقضايا التي لا بد منها للقائم بالاحتساب ليكون على وعي جيد في فقه إنكار المنكر، وذلك من خلال العلم الشرعي والتأني والتمهل وعدم العجلة وإدراك حقيقة فاعل المنكر والأساليب المثلى في إنكار المنكر التي تحقق المقصود منه.
٥- التركيز على فئة ولاة الأمور ببيان حقهم والواجب لهم وأهمية التآلف بين العلماء والأمراء، وما الأساليب الأمثل في الإنكار عليهم، والتحذير من الانحرافات في ذلك.
стр. 72
فهرس المراجع والمصادر تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام، حرره وحققه: د. ناصر الدين الأسد، ط٢، ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م، دار الشروق، بيروت.
* الدرر السنية في الأجوبة النجدية (التراجم) ، عبد الرحمن بن قاسم القحطاني النجدي، ط٢، ١٣٨٥هـ، مؤسسة النور للتجليد والطباعة- الرياض، من مطبوعات دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية.
* الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمعها: عبد الرحمن بن قاسم القحطاني النجدي، ط٢، ١٣٨٥هـ، مؤسسة النور للتجليد والطباعة- الرياض، من مطبوعات دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية.
* علماء آل سليم وتلامذتهم وعلماء القصيم، صالح السليمان العمري، ط١، ١٤٠٥هـ.
* علماء الدعوة، عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، ط ١٣٨٦هـ.
* علماء نجد خلال ثمانية قرون، عبد الله بن عبد الرحمن البسام، ط٢، ١٤١٩هـ، دار العاصمة، الرياض.
* عنوان المجد، عثمان بن بشر، ط٤، ١٤٠٣هـ، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز- الرياض.
* القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ط٢، ١٤٠٧هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.
стр. 73
* كشف الشبهات، محمد عبد الوهاب، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، وكالة الطباعة والترجمة، الرياض، ١٤١٣هـ.
* مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ط٢، عام ١٤٠٩هـ، دار العاصمة، الرياض.
* ملوك آل سعود، سعود بن هذلول، ط٢، ١٤٠٢هـ.
* نجد وملحقاتها وسيرة الملك عبد العزيز، أمين الريحاني، ط٤، ١٩٧٢م، دار الريحاني، بيروت.
* واقع الدعوة إلى الله في الدولة السعودية الثانية، صالح بن عبد الله الفريح، رسالة علمية مقدمة لكلية الدعوة والإعلام، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض (غير مطبوعة) .