المعطي المانع الخافض الرافع، المعزّ المذلّ، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبّتهم للدهر مسبّة لله ، ولهذا كانت مؤذية للربّ تعالى ...
فسابّ الدهر دائر بين أمرين لابدّ له من أحدهما: إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسبّ من فعله، فقد سبّ الله (١).
وقوله ﷺ : (أنا الدهر)، قال الخطابي: معناه أنا صاحب الدهر ومدبّر الأمور (٢).
وقال القاضي عياض (٣) رحمه الله تعالى: "زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط فإن الدهر مدّة زمان الدنيا" (٤).
وقال شيخنا فضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: وقوله: (أنا الدهر) لا يدلّ على أنه تعالى اسمه الدهر، لأنه فسّره بقوله: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"، فكونه تعالى بيده الأمر يقلب اللَّيل والنهار هو معنى قوله: (أنا الدهر) (٥).
стр. 492
الباب الثالث أثره في توضيح عقيدة السلف في مباحث الإيمان وما يتعلق بها من مسائل
وفيه عدة فصول:
الفصل الأول: معنى الإيمان وبيان أهميته وما يتعلق به من مسائل.
الفصل الثاني: الإيمان بالرسل والملائكة والكتب.
الفصل الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.
الفصل الرابع: الإيمان باليوم الآخر.
стр. 493
الفصل الأول معنى الإيمان وبيان أهميّته وما يتعلق به من مسائل
وفيه عدّة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة.
المبحث الثاني: تعريف الإيمان شرعًا.
المبحث الثالث: بيان أهمية الإيمان.
المبحث الرابع: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الخامس: العلاقة بين مسمّى الإيمان والإسلام.
المبحث السادس: حكم مرتكب الكبيرة.
المبحث السابع: مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة.
стр. 494
المبحث الأول تعريف الإيمان لغة
الإيمان مصدر من آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمن، وهو مشتق من الأمن.
قال الجوهري: الإيمان: التصديق، والله تعالى المؤمن، لأنه أمّن عباده من أن يظلمهم، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية. . . والأمن ضدّ الخوف (١).
وقال ابن منظور: الإيمان ضدّ الكفر، والإيمان بمعنى التصديق ضدّه التكذيب، يقال: آمن به قوم وكذَّب به قوم (٢).
وقال الراغب الأصفهاني: آمن إنما يقال على وجهين:
أحدهما: متعدّيًا بنفسه، يقال: آمنته، أي جعلت له الأمن ومنه قيل لله مؤمن.
والثاني: غير متعدٍّ، ومعناه صار ذا أمن.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (٣)، قيل: معناه بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن (٤).
стр. 495
وقال الفيروز أبادي: "الإيمان الثقة، وإظهار الخضوع" (١).
وخلاصة ما سبق أن الإيمان في اللغة معناه التصديق الذي معه آمن، وليس مجرّد التصديق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ... فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ... فاللفظ متضمّن مع التصديق معنى الائتمان أو الأمانة، كما يدلّ عليه الاشتقاق والاستعمال، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٢)، أي لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنّا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممّن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم ... " (٣).
стр. 496
المبحث الثاني تعريف الإيمان شرعًا
من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأركان.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلّها داخلة في مسمّى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا ... ".
قال الثوري: هو رأي محدث أدركنا السلف على غيره (١).
وقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرّقون بين العمل والإيمان.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أمّا بعد، فإن الإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ... (٢).
стр. 497
وقد دلّ على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (١) الآية.
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ قال لوفد عبد قيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله وحده، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس" (٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٣)، ولفظه لـ"مسلم".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" (٤)، فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمّى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها، لأن الاسم لا ينتفي إلَّا بانتفاء بعض أركان المسمّى أو واجباته (٥).
стр. 498
وقال رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ : "اللَّهُمّ زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" (١)، قال: أما زينة الإيمان، فالإيمان قول وعمل ونيّة، فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان (٢).
ويقول رحمه الله تعالى: في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله ثم جهاد في سبيل الله ثم حجّ مبرور" (٣)، هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين:
أحدهما: الإيمان بالله ورسوله وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما فسَّر النبيّ ﷺ الإيمان بذلك في سؤال جبريل وغيره من الأحاديث، وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه، كأول سورة البقرة ووسطها وأخرها.
والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (٤) الآية.
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا
стр. 499
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (١)، وقد صحَّ عن النبيّ ﷺ من غير وجه: "إن أفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله" (٢)، فالإيمان المجرَّد تدخل فيه الجوارح عند السلف وأهل الحديث، والإيمان المقرون بالعمل يراد به التصديق مع القول، وخصوصًا إن قرن الإيمان بالله بالإيمان برسوله كما في هذا الحديث، فالإيمان القائم بالقلوب أصل كل خير، وهو خير ما أوتيه العبد في الدنيا والآخرة وبه يحصل له سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شقاوة الدنيا والآخرة، ومتى رسخ الإيمان في القلب انبعثت الجوارح كلّها بالأعمال الصالحة واللِّسان والكلام الطيب؛ كما قال النبيّ ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (٣)، ولا صلاح للقلب بدون الإيمان بالله وما يدخل في مسماه من معرفة الله وتوحيده وخشيته ومحبّته ورجائه وإجابته والإنابة إليه والتوكّل عليه، قال الحسن: "ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكنه بما وقر في الصدور، وصدّقته الأعمال" (٤).
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٥).
فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه، فاستحلى اللِّسان ذكر الله وما والاه، وأسرعت
стр. 500
الجوارح إلى طاعة الله فحينئذ يدخل حبّ الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حرّه للظمأن الشديد عطشه، ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار وأمرّ عليها من الصبر ... فالإيمان بالله ورسوله وظيفة القلب واللّسان ثم يتبعها عمل الجوارح وأفضلها الجهاد في سبيل الله (١).
هذا ما قرّره ابن رجب رحمه الله تعالى في تعريف الإيمان عند أهل السنّة والجماعة، وهذا التعريف هو التعريف الذي تضافرت الأدلّة على صحته من الكتاب والسنّة، وهو ما أجمع عليه سلف هذه الأمّة عليهم رحمة الله تعالى.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق بعض الأدلّة من الكتاب والسنّة التي تدل على صحة هذا التعريف، وذكر ما حكاه الشافعي من إجماع الأمّة على ذلك، وقد حكى هذا الإجماع البغوي رحمه الله تعالى، فقال: "واتّفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنّة على أن الأعمال من الإيمان؛ لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢)، فجعل الأعمال كلّها إيمانًا" (٣).
فقول السلف في الإيمان هو القول الحق الذي دلّت عليه الأدلّة الكثيرة الواردة في كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، وهناك أدلّة أخرى لم يذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
стр. 501
ووجه الدلالة من الآية تسميته الصلاة إيمانًا كما يدلّ عليه ما ورد في سبب نزولها، فقد أخرج البخاري في صحيحه أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا من الصحابة قبل تحويل القبلة وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول الله ﷺ عنهم، فنزلت هذه الآية (١).
ومنها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (٢).
ووجه الدلالة من الآية أن لفظ الإيمان إذا ورد في كلام الشارع مطلقًا يراد به ما يراد بلفظ البرّ والتقوى والدين، كما دلّ على ذلك سبب النزول حيث أن الصحابة ﵃ سألوا عن الإيمان، فأنزل الله هذه الآية (٣).
ومنها قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٤).
стр. 502
ذكر هذه الآية أبو عبيد القاسم بن سلام دليلًا على أن الأعمال من الإيمان، وقال: أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتفِ منهم بالإقرار دون العمل حتى جعل أحدهما من الآخر، فأيّ شيء يتبع بعد كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة (١).
فهذه الأدلّة من الآيات والأحاديث دالّة على أن أعمال الجوارح داخلة في مسمّى الإيمان، وأنه لا ينفع القول والتصديق بدون العمل، وهو القول الحق.
والمؤمن في الحقيقة يكفيه دليل واحد من كتاب الله أو سنّة رسوله ﷺ لكي يعتقد ذلك، فكيف وقد تضافرت الأدلّة الصريحة من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ على صحة مذهب السلف رحمهم الله تعالى.
стр. 503
المبحث الثالث أهمية الإيمان
يجب على كل معلم أن يعرف أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه، لأن الإيمان بهذه المغيبات أساس هذا الدين، لأن الله لا يقبل إيمان أحد جحد بها أو بواحد منها حتى يقرّ ويؤمن بها جميعًا.
فالإيمان بالله تعالى له أهمية قصوى لأن سعادة الإنسان في الدارين مبنيّة على قوة إيمانه بالله تعالى وقربه منه، فمن أطاع الله ﵎ وآمن به إيمانًا حقًا واجتنب ما نهي عنه فقد فاز فوزًا عظيمًا، كما أن نجاة الإنسان من عذاب الله ﵎ ومن عقابه الذي توعّد به الكافرين هو بالإيمان به .
وقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تحثّ على الإيمان بالله وتبيّن أهميته.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (٢).
стр. 504
والإيمان سبب لحصول رغد العيش؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (١).
والإيمان سبب للأمن في الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ (٢)، وهو سبب للتثبيت عند سؤال القبر والنجاة من عذابه؛ كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤)، وهو سبب لرضوان الله تعالى ولدخول جنّته وللنجاة من النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ (٦).
فالإيمان له أهمية بالغة، وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذه الأهمية، فقال: "والإيمان هو قوت القلوب وغذاء الأرواح وسبب حياتها، ومتى فقدته القلوب ماتت، وموت القلوب لا يرجى معه حياة أبدًا، بل هو هلاك الدنيا والآخرة؛ كما قيل:
стр. 505
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء (١)
فلذلك شبّه المؤمن بالزرع حيث كان الزرع حياة الأجساد، والإيمان حياة الأرواج" (٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات والموت عليها، فبذلك تتمّ النعمة" (٣)
وقال رحمه الله تعالى أيضًا مبينًّا أهمية مسائل الإيمان والإسلام لما يتعلق بها من الأمور الهامّة، فقال: "وهذه المسائل: أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًا، فإن الله علّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنّة والنار" (٤).
стр. 506
المبحث الرابع زيادة الإيمان ونقصانه
الإيمان الذي دلَّت عليه الأدلّة في كتاب الله ﵎ وسنَّة رسوله ﷺ إيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات والعبادات من ذكر الله والتفكر في الكون وما فيه من المخلوقات، وأداء النوافل، والمسارعة إلى كل عمل يقرّب من الله تعالى، وينقص بفعل المعاصي وإتيان المنكرات والفواحش، وكل عمل يبعد العبد عن الله .
والقول بزيادة الإيمان ونقصانه أصل من أصول أهل السنّة والجماعة وقد أجمعوا عليه، ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل البدع والأهواء، لأن معتقد أهل السنّة والجماعة رحمهم الله تعالى هو المعتقد الذي دلّت عليه النصوص الواردة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ .
فمن أدلّة الكتاب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا
стр. 507
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢).
هذه بعض الآيات الدالّة على زيادة الإيمان، والآيات في معناها كثيرة جدًا.
وأمّا الأدلّة من السنّة، فمنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمّة قبلي إلَّا كان له من أمّته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل" (٣).
ومنها حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ ، أنَّه قال: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقالت امرأة منهن جزلة (٤): وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكنّ"، قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أمَّا نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان
стр. 508
العقل، وتمكث الليالي ما تصلّي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدّين" (١).
ومنها حديثة حنظلة الأسيدي ﵁، قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكّرنا بالنار والجنّة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات (٢)، فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك"؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنّة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" (٣)، ثلاث مرات.
ومنها حديث أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلَّا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلَّا الله وفي قلبه وزرة ذرة من خير" (٤).
стр. 509
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتنى كلبًا إلَّا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان" (١).
فهذه بعض أدلّة السلف من القرآن الكريم والسنّة المطهّرة تدلّ أن الإيمان يزيد وينقص، وإن كان بعضها فيه لفظ الزيادة فقط، فإنها تدل بطريق الالتزام على النقص، لأن الشيء الذي يقبل الزيادة يقبل النقص، وإلَّا فلا معنى للزيادة، إذ لا يمكن أن يتصوَّر شيء قابل للزيادة غير قابل للنقصان، روي الآجري بسنده أنه قيل لسفيان بن عيينة: "الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرؤون القرآن ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢) في غير موضع، قيل: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلَّا وهو ينقص" (٣).
وروى أيضًا الآجري واللالكائي (٤) عن الحميدي، أنّه قال: سمعت ابن عيينة يقول: "الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة (٥): يا أبا محمد، لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء" (٦).
стр. 510
وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان في الإيمان عن جمع غفير من الصحابة ومن بعدهم، فعن ابن عباس وأبي هريرة وأبي الدرداء ﵃ كلّهم قالوا: "الإيمان يزيد وينقص" (١).
وعن عمير بن حبيب ﵁ -وهو من الصحابة- قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله خشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيّعنا فذلك نقصانه" (٢).
وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنّه كان يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانًا، فيذكرون الله (٣).
ومن أقوال التابعين ومن بعدهم في ذلك:
ما روي عن مالك رحمه الله تعالى، أنه قال: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص (٤).
وقال سهل بن المتوكّل (٥) رحمه الله تعالى: (أدركت ألف أستاذ أو أكثر كلّهم يقولون: "الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص") (٦).
стр. 511
وعن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: "الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع" (١).
والآثار الواردة في هذا المعنى عن الصحابة والتابعين وأئمَّة السلف من بعدهم كثيرة جدًا، وكلّها تدلّ على أنهم مجمعون على القول بزيادة الإيمان ونقصانه، وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة وبيّن أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بعمل الطاعات وخصال الخير، وينقص بترك الطاعات وفعل المعاصي.
يقول رحمه الله تعالى: "ومن أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان. ومن كان حبّه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصًا في إيمانه، فيجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتّباع ما جاء به الرسول ﷺ من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلّها" (٢).
وقال رحمه الله تعالى وهو يتكلّم عن الحرص على المال، وأن من طلب المال من الوجوه المحرّمة ومنع به الحقوق الواجبة فقد نقص إيمانه بذلك، قال "ومتى وصل الحرص على المال إلى هذه الدرجة نقص بذلك الدين والإيمان نقصًا بيّنًا، فإن منع الواجبات وتناول المحرمات ينقص بهما الدّين، والإيمان بلا ريب ينقص، حتى لا يبقى منه إلَّا القليل" (٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وفي السنن عن النبيّ ﷺ قال: "من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله فقد استكمل الإيمان" (٤).
стр. 512
ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت لله فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنًا وظاهرًا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلَّا إرادة الله وإرادة ما يريده، لم تنبعث الجوارح إلَّا فيما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت عما يكرهه، وعمّا يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقّن ذلك (١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلّم عن شارب الخمر: "وكلّما أدمن الخمر وعكف عليها نقص إيمانه وضعف ونزع منه، فيخشى أن يسلبه بالكلية عند الموت" (٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "محاسبة النفس على ما سلف من أعمالها والندم، والتوبة من الذنوب السالفة، والحزن عليها، واحتقار النفس والازدراء بها، ومقتها في الله ، والبكاء من خشية الله تعالى، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي أمور الآخرة وما فيها من الوعد والوعيد ونحو ذلك يزيد الإيمان في القلب" (٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ويدخل في مسمّى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله، وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه، وزيادة الإيمان بذلك" (٤).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقوله ﷺ : "وذلك أضعف الإيمان" (٥)، يدلّ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال
стр. 513
الإيمان، ويدلّ على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان وفعلها كان أفضل من تركها عجزًا.
ويدلّ على صحة ذلك أيضًا: قوله ﷺ في حق النساء: "أما نقصان دينها، فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلّي" (١)، يشير إلى أيَّام الحيض، مع أنها ممنوعة حينئذ من الصلاة، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها، فدلّ على أن من قدر على واجب وفعله، فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورًا في تركه" (٢).
بهذا يتبيّن أن مذهب أهل السنّة والجماعة -ومنهم الحافظ ابن رجب- هو القول بزيادة الإيمان ونقصانه، وهو الحق الذي دلّت عليه نصوص الكتاب والسنّة.
أمَّا غيرهم من المبتدعة على اختلاف أسمائهم، فقالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وكل منهم استدلّ بأدلّة مختلفة، ولكل منهم وجهة، ولكن هدفهم واحد وهو أن الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان.
والسلف يعدّون من أنكر زيادة الإيمان ونقصانه من المرجئة ذكر البيهقي بإسناده عن الثوري، أنَّه قال: "خالفنا المرجئة في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل؛ ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص؛ ونحن نقول: أهل القبلة عندنا مؤمنون، أما عند الله فالله أعلم، وهم يقولون: نحن عند الله مؤمنون" (٣).
стр. 514
المبحث الخامس العلاقة بين مسمّى الإيمان والإسلام
إن المتتبّع لآيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله ﷺ يجد أن اسم الإيمان تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإسلام، وتارة يذكر مقرونًا به، وكذلك اسم الإسلام تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإيمان، وتارة يذكر مقرونًا به، وبالتالي فإنهما أحيانًا يكونان بمعنى واحد فهما مترادفان، وأحيانًا يراد من أحدهما معنى مغاير لمعنى الآخر، فهما متغايران.
ويمكن حصر ذلك في الأقسام التالية:
١ - وردت آيات في القرآن الكريم وأحاديث في سنّة المصطفى ﷺ تدلّ على أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١).
ومنها حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور بحديث جبريل، وفيه قال جبريل للنبي ﷺ : "أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه
стр. 515
سبيلًا، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ... " (١).
وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا وسعد جالس فيهم، قال سعد: فترك رسول الله ﷺ منهم من لم يعطه، وهو أعجبهم إليّ، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال رسول الله ﷺ : "أو مسلما"، قال: فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أو مسلمًا"، قال: فسكت قليلًا، ثم غلبني ما علمت منه فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أو مسلمًا، إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ منه، خشية أن يكبّ في النار على وجهه" (٢).
فهذه الأدلّة تدلّ على أن الإسلام والإيمان متغايران.
٢ - وردت آيات وأحاديث تفيد أن الأعمال الظاهرة داخلة في معنى الإيمان، وأن الأعمال الباطنة داخلة في معنى الإسلام. منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (٣).
стр. 516
ومنها قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ (١).
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (٢).
ومنها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٤).
ومنها حديث عمرو بن عنبسة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "أن يسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك"، قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان"، قال: وما الإيمان؟ قال: "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت"، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: "الهجرة"، قال: فما الهجرة؟ قال: "تهجر السوء"، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد" (٥).
стр. 517
وعن ابن عباس ﵄ قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم بالإيمان بالله، قال: "هل تدرون ما الإيمان بالله"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم" (١).
٣ - وردت آيات وأحاديث تفيد أن الإسلام والإيمان مترادفان.
منها قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (٢).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة، فتقول: يا رب أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، فتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيى الصيام فيقول: أي يا رب، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك، فيقول الله : إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله : إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطي، فقال الله في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (٣) " (٤).
стр. 518
وقد تكلّم السلف الصالح وأئمّة الإسلام رحمهم الله تعالى على هذه المسألة، وصنّفوا فيها الكتب والمقالات، وخلاصة كلامهم في هذه المسألة تنحصر في الأقوال (١) التالية:
١ - ذهب الزهري وحماد بن زيد إلى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل، والمراد بالكلمة شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله.
٢ - وذهب الإمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي (٢) وابن منده (٣) وابن عبد البرّ وغيرهم إلى أن الإسلام والإيمان مترادفان يراد بأحدهما ما يراد بالآخر.
٣ - وذهب أكثر أهل العلم من السلف إلى القول بأن الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما شمل الدين كلّه أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله الظاهرة والباطنة.
стр. 519
وإذا قرن بينها وذكرا معًا، فعند ذلك يفترقان في المعنى فيراد بالإسلام الأعمال الظاهرة، ويراد بالإيمان الاعتقادات الباطنة.
والقول الأخير هو القول الذي تجتمع عليه النصوص الواردة في هذه المسألة، وهو أرجح الأقوال.
وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذه المسألة وأوضحها وبيّنها بيانًا شافيًا، فقال رحمه الله تعالى بعد ذكره لبعض النصوص التي ذكرتها سابقًا: "وأمَّا وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبيّ ﷺ بينهما وإدخاله الأعمال في مسمَّى الإسلام دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير آصل وهو أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسمّيات متعدِّدة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الإسم بغيره صار دالًّا على بعض تلك المسمَّيات، والإسم المقرون له دال على باقيها، وهذا كإسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دلَّ أحد الإسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودلَّ بانفراده على ما يدلَّ عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دلَّ أحدهما على بعض ما يدلَّ عليه بانفراده ودلّ الآخر على الباقي، وقد صرّح بهذا جماعة من الأئمة".
قال أبو بكر الإسماعيلي (١) في رسالته إلى أهل الجبل، قال كثير
стр. 520
من أهل السنّة والجماعة: "إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله، إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر، فقيل المؤمنون والمسلمون جميعًا، مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمَّهم.
وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطابي في كتابه معالم السنن (١)، وتبعه جماعة من العلماء من بعده، ويدلّ على صحة ذلك أن النبيّ ﷺ فسَّر الإيمان عند ذكره مفردًا في حديث وفد عبد القيس بما فسَّر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل، وفسَّر في حديث الآخر الإسلام بما فسَّر به الإيمان كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو (٢) بن عنبسة ... " (٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الإختلاف، فيقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الإسمين كان بينهما فرق، والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين، كما سمّى الله في كتابه الإسلام دينا، وفي حديث جبريل سمَّى النبيّ ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان دينًا، وهذا أيضًا مما يدلّ على أن أحد الإسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الإسمين بالآخر، فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل ... وكان النبيّ ﷺ يقول في دعائه إذا صلَّى على الميت: "اللهمّ من أحييته منّا فأحيه على الإسلام، ومن توفّيته منا فتوفّه
стр. 521
على الإيمان" (١)، لأن الأعمال بالجوارح، وإنّما يتمكّن منه في الحياة، فأمّا عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب.
ومن هنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم، فإن من حقّق الإيمان، ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام؛ كما قال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب" (٢)، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلَّا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقّق القلب به تحقّقًا تامًّا مع عمل جوارحه أعمال الإسلام، فيكون مسلمًا وليس بمؤمن الإيمان التامّ؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣) الآية، فلم يكونوا منافقين بالكلية على أصحّ التفسيرين ... بل كان إيمانهم ضعيفًا، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ الآية، يعني: لا ينقصكم من أجورها، فدلّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم ...
أما اسم الإسلام، فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرّماته، وإنّما ينفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية، ولا يعرف في شيء من السنّة الصحيحة نفي الإسلام عمّن ترك شيئًا من واجباته كما ينفي الإيمان
стр. 522
عمّن ترك شيئًا من واجباته وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرّمات وإطلاق النفاق أيضًا ... وإذا تبيّن أن اسم الإسلام لا ينتفي إلَّا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملّة بالكلية، فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كلّه من التصديق وغيره (١).
وبهذا يتبيّن لنا أن القول الثالث هو القول الصحيح الذي تفهم به النصوص، وتجتمع عليه أقوال السلف رحمهم الله تعالى.
стр. 523
المبحث السادس حكم مرتكب الكبيرة
دلّت نصوص الكتاب والسنّة على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، وهو ما أجمع عليه السلف رحمهم الله تعالى.
فمن الأدلّة التي وردت في الكتاب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (٣).
قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "لما نهى الله تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر، وعدّ على اجتنابها التخفيف من الصغائر، دلّ هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر، وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللمسة والنظرة باجتناب الكبائر تكفر قطعًا بوعده الصدق، وقوله الحق لا أنه يجب عليه ذلك" (٤).
стр. 524
ومن الأدلَّة في السنّة حديث أبي بكرة ﵁، قال: قال النبيّ ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متّكئًا فقال: ألا وقول الزور، قال: فما زال يكرّرها حتى قلنا ليته سكت" (١).
وحديث أنس بن مالك ﵁، قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، فقال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو قال: شهادة الزور" (١).
وحديث عمير بن قتادة ﵁: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ما الكبائر؟ فقال: "هن تسع: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلَّا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا" (٢).
وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر" (٣).
والأحاديث التي ورد فيها لفظ الكبائر كثيرة جدًا.
стр. 525
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنّة واستعمال سلف الأمّة وخلفها" (١).
وأرى من المناسب قبل الكلام عن حكم صاحب الكبيرة أن أذكر تعريفًا مختصرًا للكبيرة.
١ - معنى الكبيرة لغة:
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: الكِبْر، الإثم الكبير، وما وعد الله عليه النار، والكِبَرَة كالكبر: التأنيث للمبالغة، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ .... ﴾ (٢)، وفي الأحاديث ذكر الكبائر في غير موضع واحدتها كبيرة: وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعًا لتعظيم أمرها (٣).
٢ - تعريف الكبيرة شرعًا:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف الكبيرة على أقوال (٤) كثيرة تزيد على عشرين قولًا، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " ... وأمّا
стр. 526
الكبائر فاختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة (١).
فقيل: هي كل ما وعد الله عليه بالنار.
وقيل: هي كل ما نهى الله عنه.
وقيل: هي ما اتّفقت الشرائع على تحريمه.
إلى غير ذلك من الأقوال التي قيلت في تعريف الكبيرة، وأولى الأقوال وأحسنها وأرجحها ما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (٢)، قال: "الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" (٣).
وهذا القول هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث ذكر أن هذا التعريف هو أحسن التعاريف وأمثلها للوجوه التالية:
منها: أنه المأثور عن السلف بخلاف تلك الضوابط.
ومنها: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب.
ومنها: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأمَّا تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر (٤).
стр. 527
كما اختاره ابن حجر رحمه الله تعالى، حيث قال بعد ذكره لبعض الأقوال في تعريف الكبيرة، قال: ومن أحسن التعاريف قول القرطبي (١) في المفهم: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنّة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدّة عقاب أو علّق عليه حدّ أو شدّد النكير عليه فهو كبيرة، وعلى هذا فينبغي تتبّع ما ورد فيه الوعيد أو اللّعن أو الفسق من القرآن والأحاديث الصحيحة والحسنة، ويضمّ إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عرف منه تحرير عدّها" (٢).
أمَّا حكم مرتكب الكبيرة، فإن عقيدة أهل السنّة والجماعة في ذلك أن من ارتكب كبيرة دون الشرك ولم يستحلّها فإنه لا يكفر بل يسمّى مؤمنًا ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وإذا مات مصرًّا عليها ولم يتب منها فإن أمره إلى الله تعالى إن شاء غفر له ذنبه وأدخله الجنّة ابتداءًا تفضّلًا منه سبحانه، وإن شاء عذّبه بقدر ذنبه عدلًا منه سبحانه، ثم يخرجه من النار ويدخله الجنَّة، لأنه لا يخلد في النار إلَّا المشرك.
قال أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى مقرَّرًا عقيدة السلف في هذه المسألة: "ويعتقد أهل السنّة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر
стр. 528
وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنّة يوم القيامة سالمًا غانمًا، غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذّبه مدّة بعذاب النار، وإذا عذّبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" (١).
وقد خالفت في ذلك فرق المعتزلة والخوارج والمرجئة ومن نحا نحوهم وخالفوا نصوص الكتاب والسنّة، حيث أن الخوارج كفّروا مرتكب الكبيرة وأخرجوه من الإيمان وحكموا عليه في الخلود في نار جهنّم، وقد وافقتهم المعتزلة على الخلود في نار جهنم في الآخرة. أما في الدنيا، فقالوا: إنه يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر وإنما هو في منزلة بين المنزلتين. وأمّا المرجئة فقد فتحوا باب شر عظيم وهونوا أمر المعاصي، حيث قالوا: إنه لا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع من الكفر طاعة"، وعلى هذا فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان ولا يدخل نار جهنم، وهذا مبنيّ على إخراجهم العمل من مسمّى الإيمان (٢).
والحقّ ما قاله أهل السنّة والجماعة وأجمعوا عليه، وقد حكى اتفاق أهل السنّة والجماعة على ذلك الإمام البغوي رحمه الله تعالى، فقال: "اتّفق أهل السنّة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها فمات قبل التوبة لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله إن شاء عفا عنه
стр. 529
وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنّة برحمته" (١).
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة في عدّة مواضع من مؤلّفاته، فقال رحمه الله تعالى: "من أسباب المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٢).
فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض، وهو ملؤها أو ما يقارب ملؤها خطايا، لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنّة، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلَّها، ومنعه من دخول النار بالكلية" (٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "أوَّل اختلاف وقع في هذه الأمَّة هو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحّدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر وعاملوهم معاملة الكفّار واستحلّوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم: المنزلة بين المنزلتين، ثم حدث خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان، وقد صنَّف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعدّدة" (٤).
стр. 530
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقد اختلف العلماء في مرتكب الكبائر: هل يسمّى مؤمنا ناقص الإيمان أم لا يسمّى مؤمنًا، وإنما يقال هو مسلم، فليس بمؤمن؟ على قولين: وهما روايتان عن أحمد ﵀، فأمَّا من ارتكب الصغائر فلا يزول عنه إسم الإيمان بالكلية بل هو مؤمن ناقص الإيمان، ينقص إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك، والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان مروي عن جابر بن عبد الله، وهو قول ابن المبارك وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم.
والقول بأنه مسلم ليس بمؤمن مرويّ عن أبي جعفر محمد بن علي (١)، وذكر بعضهم أنه المختار عند أهل السنّة" (٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقوله ﷺ : ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له" (٣)، صريح في أن الكبائر من لقي الله بها كانت تحت مشيئته، وهذا يدلّ على أن إقامة الفرائض لا تكفّرها ولا تمحوها، فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض، لاسيّما من بايعهم النبيّ ﷺ وخرج من ذلك من لقي الله وقد تاب منها بالنصوص الدالّة من الكتاب والسنّة على أن من تاب إلى الله تاب الله عليه وغفر له، فبقي من لم يتب داخلًا تحت المشيئة (٤).