← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٢ - أنهم لا يورثون، ودلّ على ثبوت ذلك جملة من الأحاديث الواردة عن النبيّ ﷺ ، ومنها حديث عائشة ﵂ أنّها قالت: إن أزواج النبيّ ﷺ حين توفّي رسول الله ﷺ أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر، فيسألنه ميراثهن من النبيّ ﷺ ، قالت عائشة لهن: أليس قد قال رسول الله ﷺ : "لا نورث، ما تركنا صدقة" (١). ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركت بعد مؤنة عاملي ونفقة نسائي صدقة" (٢). ومنها حديث أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر" (٣). فهذه الأحاديث تدلّ على أن الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام لا يورثون.

стр. 562

وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذه المسألة عند شرحه لحديث أبي ذرّ السابق، فقال: "فقوله ﷺ : "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر". المراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن الذي خلف الأنبياء هو العلم النافع فمن أخذ العلم وحصل له فقد حصّل الحظ العظيم الوافر الذي يغبط به صاحبه، ورأى ابن مسعود قومًا في المسجد يتعلّمون، فقال رجل: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال: على ميراث محمد ﷺ يقتسمونه. وخرج أبو هريرة إلى السوق، فقال لأهله: "تركتم ميراث محمد ﷺ يقتسم في المسجد وأنتم هاهنا؟ " (١). فتركته ﷺ وميراثه هو هذا الكتاب الذي جاء به مع السنّة المفسّرة له المبيّنة لمعانيه، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه سئل: أترك النبيّ ﷺ من شيء؟ قال: "ما ترك إلّا ما بين الدفتين" (٢)، يعني المصحف" (٣). وقال رحمه الله تعالى: "فقوله ﷺ : "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم"، يريد أنهم لم يورث عنهم سوى العلم. وهذا يبيّن المراد بقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (٤)، وقوله عن زكريا:

стр. 563

﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ﴾ (١)، إنما أريد به ميراث العلم والنبوّة لا المال، فإن الأنبياء لا يجمعون مالًا يتركونه. قال ﵇: "ما تركت بعد مؤنة عاملي ونفقة عيالي، فهو صدقة" (٢). وما ترك إلّا درعه وسلاحه وبغلته البيضاء وأرضًا جعلها صدقة (٣). فلم يخلف سوى آله بعده، والأرض التي كان يقتات منها هو وعياله ردّها صدقة على المسلمين. وكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث بجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، وإنما بعثوا بالدّعوة إلى الله والجهاد في سبيله والعلم النافع وتوريثه لأممهم، وفي مراسيل أبي مسلم الخولاني عن النبي ﷺ قال: "ما أوحى الله إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إليّ أن سبّح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، خرّجه أبو نعيم (٤). وفي الترمذي وغيره أن النبيّ ﷺ قال: "ما لي وللدنيا إنما مثلي

стр. 564

ومثل الدنيا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها" (١)، فقوله ﷺ : "إن العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم"، إشارة إلى أمرين: أحدهما: أن العالم الذي هو وارث الرسول حقيقة، كما أنه ورث علمه ينبغي أن يورث العلم كما ورّث الرسول العلم، وتوريث العالم العلم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف، ونحو ذلك مما ينتفع به بعده، والعالم إذا علّم من يقوم به بعده فقد خلّف علمًا نافعًا وصدقة جارية، لأن تعليم العلم صدقة، والذين علّمهم بمنزلة أولاده الصالحين يدعون له، فيجتمع له بتخليف علمه الخصال الثلاثة. وأمّا الأمر الثاني: فهو أن من كمال ميراث العالم للرسول أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرّسول، وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنّته في زهده في الدنيا، وتقلّله منها واجتزائه منها باليسير (٢).

стр. 565

المبحث السابع الإيمان بنبوّة نبيّنا محمد ﷺ - الإيمان بنبوّة محمد ﷺ وأنّ الله أرسله إلى الثقلين بشيرًا ونذيرًا، وأنه عبد الله وصفيّه من خلقه أصل عظيم من أصول الإيمان، إذ لا يحصل لأحد الإيمان الصحيح حتى يؤمن بمحمد ﷺ رسول ربّ العالمين وسيّد الأوّلين والآخرين وخاتم النبيّين. فيجب على كل عبد الاعتقاد الجازم بأنه ﵊ إمام المتّقين الذي يقتدى به في الخير كلّه، وأنه وحده الذي تجب طاعته والاقتداء به دون سواه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١). ويجب الإيمان بأنه خليل الرحمن، وأن له أعلا مراتب محبّة الله ؛ كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "لو كنت متّخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي وقد اتّخذ الله صاحبكم خليلًا" (٢). وكما في حديثه الآخر ﵁ أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلّته، ولو كنت متّخذًا

стр. 566

خليلًا لاتّخذت أبا بكر خليلًا، إن صاحبكم خليل الله" (١). ويجب أن نعتقد أنه ﵊ مبعوث إلى عامّة الجن والإنس بالحق والهدى والنور. قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤). وقد حكى الله عن الجنّ أنّهم قالوا: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ (٦). وقال ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة وبعثت إلى الناس عامّة" (٧). قال ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى: "وكونه ﷺ مبعوثًا إلى الناس

стр. 567

كافّة معلوم من دين الإسلام بالضرورة" (١). ويجب علينا أن نقدّم محبّته ﷺ على الوالد والولد والنفس والناس أجمعين؛ كما في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين" (٢). ويجب علينا أن نؤمن بأن الله قد أيّده بالمعجزات الباهرات والآيات البيّنات الدالّة على صدقه في كل ما جاء به ﷺ ، وهي كثيرة جدًا، وقد أُلّفت فيها مؤلّفات مستقلة، وذكر كثيرًا منها العلماء رحمهم الله تعالى في كتب التفسير والحديث والعقيدة ودلائل النبوّة والتاريخ وغيرها. وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسائل كلّها. فقال عن وجوب الإيمان بما جاء به النبيّ ﷺ والتسليم له في ذلك: "والرّضا بمحمد رسولًا يتضمّن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. . .﴾ (٣) الآية. وفي الصحيحين عن أنس عن النبيّ ﷺ قال: "ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلّا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" (٤) ... " (٥). وقال عن ما قام به النبيّ ﷺ من تبليغ رسالة ربّه والدعوة إليها: "وقد بلّغ رسول الله ﷺ رسالات ربّه وعلّم أمّته مناسكهم وعباداتهم

стр. 568

وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها ... " (١). وقال عن كمال ما جاء به من الهدى والخير مما يدلّ على وجوب محبّته وطاعته: " ... ما أعطيت أمّة ما أعطيت هذه الأمة ببركة متابعة نبيّها ﷺ حيث كان أفضل الخلق، وهديه أكمل هدي مع ما يسّر الله على يديه من دينه ووضع به من الآصار والأغلال عن أمّته، فمن أطاعه فقد أطاع الله، وأحبّه الله، واهتدى بهدي الله" (٢). وقال عن أوصاف النبيّ ﷺ : "سمّاه الله مبشّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. فقيل سراجًا للمؤمنين ومنيرًا للمذنبين يوم القيامة بالشفاعة" (٣). وقال أيضًا: "وقد وصف الله نبيّه ﷺ بأنه يدعو الخلق بالكتاب إلى الصّراط المستقيم؛ كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٤). وتال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ (٥). وقد كان النبيّ ﷺ يدعو الخلق بالقرآن إلى الدخول في الإسلام الذي هو الصّراط المستقيم، وبذلك استجاب له خواص المؤمنين كأكابر المهاجرين والأنصار، ولهذا المعنى قال مالك: "فتحت المدينة بالقرآن"، يعني أن أهلها إنما دخلوا الإسلام بسماع القرآن كما بعث النبيّ ﷺ مصعب بن عمير قبل أن يهاجر إلى المدينة، فدعا أهل المدينة إلى

стр. 569

الإسلام بتلاوة القرآن عليهم فأسلم كثير منهم" (١). كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن المخالفين لأمر الرسول ﷺ ينقسمون إلى قسمين: قسم يردّون ما جاء به ولا يعتقدون وجوب طاعته، فهؤلاء خارجون عن الملّة. وقسم يعتقدون وجوب طاعته ولكنهم يخالفون أمره تهاونًا وكسلًا، فهؤلاء لهم نصيب من الهوان والذلّة بحسب ما هم عليه. فقال رحمه الله تعالى: "ومخالفة الرسول على قسمين: أحدهما: مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره كمخالفة الكفار، وأهل الكتاب الذين لا يرون طاعة الرسول، فهم تحت الذلّة والصغار، ولهذا أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وعلى اليهود الذلّة والمسكنة لأن كفرهم بالرسول كفر عناد. والثاني: من اعتقد طاعته ثم يخالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنها معصية، فله نصيب من الذلّة والصغار. وقال الحسن: إنهم إن طقطقت (٢) بهم البغال، وهملجت (٣) بهم البراذين (٤)، فإن ذلّ المعصية في رقابهم، أبى الله أن يذلّ إلّا من عصاه. وكان الإمام أحمد يدعو: "اللهمّ أعزّنا بالطاعة ولا تذلّنا بالمعصية" .... (٥).

стр. 570

المبحث الثامن كلامه في دعوة نبيّنا محمد ﷺ - قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "طبق الشرك الأرض بعد المسيح، فإن قومه الذين ادّعوا اتّباعه والإيمان به أشركوا غاية الشرك فجعلوا المسيح هو الله أو ابن الله، وجعلوا أمّة ثالث ثلاثة. أمّا اليهود، فإنهم وإن تبرّأوا من الشرك، فالشرك فيهم موجود، فإنه كان فيهم من عبد العجل في حياة موسى ﵇، وقال فيه: إنه الله، وأن موسى نسي ربّه وذهب يطلبه. ولا شرك أعظم من هذا، وطائفة قالوا: العزير ابن الله، وهذا من أعظم الشّرك، وأكثرهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فأحلّوا لهم الحرام، وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إيّاهم، لأن من أطاع مخلوقًا في معصية الخالق واعتقد جواز طاعته أو وجوبها فقد أشرك بهذا الاعتبار حين جعل التحليل والتحريم لغير الله. وأما المجوس فشركهم ظاهر، فإنهم يقولون بإلهين قديمين أحدهما: نور، والآخر: ظلمة، فالنور خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وكانوا يعبدون النيران. وأمّا العرب والهند وغيرهم من الأُمم، فكانوا أظهر الناس شركًا يعبدون مع الله آلهة كثيرة، ويزعمون أنها تقرب إلى الله زلفى.

стр. 571

فلما طبق الشرك أقطار الأرض، واستطار شرره من المشرق إلى المغرب بعث الله محمّدًا ﷺ بالحنيفية المحضة، والتوحيد الخالص دين إبراهيم ﵇، وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فكان يدعو سرًّا إلى ذلك نحوًا من ثلاث سنين، فاستجاب له طائفة من الناس، ثم أمره بإعلان الدعوة وإظهارها، وقيل له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (١)، فدعا إلى الله وإلى توحيده وعبادته وحده لا شريك له جهرًا وأعلن الدعوة، وذمّ الآلهة التي تعبد من دون الله، وذمّ من عبدها وأخبر أنه من أهل النار، فثار عليه المشركون واجتهدوا في إيصال الأذى إليه وإلى أتباعه، وفي إطفاء نور الله الذي بعثه به، وهو لا يزداد إلّا إعلانًا بالدعوة وتصميمًا على إظهارها وإشهارها والنداء بها في مجامع الناس ... " (٢). ثم استطرد ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان موقف الرسول ﷺ من هذه الدعوة، وكيف أنه ﵊ بذل كل ما يستطيع لنشر هذا الدين وتبليغه إلى الناس لتكون كلمة الله هي العليا، قال ﵀: " ... وكان يخرج بنفسه في مواسم الحجّ إلى من يقدم إلى مكّة من قبائل العرب فيعرض نفسه عليهم ويدعوهم إلى التوحيد، وهم لا يستجيبون له، بل يردّون عليه ويسمعونه ما يكره، وربما نالوه بالأذى، وبقي عشر سنين على ذلك ... وكان يشقّ أسواقهم بالمواسم وهم مزدحمون بها كسوق ذي المجاز ينادى: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا، ووراءه أبو لهب يؤذيه ويردّ عليه وينهى الناس عن اتباعه ... " (٣).

стр. 572

وقال رحمه الله تعالى يصف حال النبيّ ﷺ بعد وفاة زوجته خديجة ﵂ وعمّه أبي طالب، وما لاقاه من أذى قريش: "ثم إن أبا طالب لما توفّي وتوفيت بعده خديجة اشتدّ المشركون على رسول الله ﷺ حتى اضطرّوه إلى أن خرج من مكّة إلى الطائف، فدعاهم إلى عباده الله وحده لا شريك له، فلم يجيبوه وقابلوه بغاية الأذى وأمروه بالخروج من أرضهم، وأغروا به سفهاءهم فاصطفوا له صفّين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أدموه، فخرج معه مولاه زيد بن حارثة فلم يمكنه دخول مكّة إلّا بجوار، وطلب من جماعة من رؤساء قريش أن يجيروه حتى يدخل مكّة، فلم يفعلوا حتى أجاره المطعم بن عدي فدخل إلى جواره، وعاد إلى ما كان عليه من الدعاء إلى توحيد الله وعبادته. . . وكان ﷺ ينادي من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلّغ رسالة ربّي وله الجنّة، فلا يجيبه أحد حتى بعث له الأنصار من المدينة فبايعوه، هذا كلّه وهو صابر على الدعوة إلى الله على هذا الوجه راضٍ بما يحصل له فيها من الأذى، منشرح الصدر بذلك غير متضجّر منه، ولا جزع. . . وفي الصحيح عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، هل مرّ عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثعالب (١)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا

стр. 573

فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع كلام قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثم قال: إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك وما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (١)، فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا" (٢). ما مقصود الرسول ﷺ إلّا أن يعبد الله ولا يشرك به شيء، وما يبالي إذا حصل ذلك ما أصابه في الدعوة إليه إذا وحّد معبوده، حصل مقصوده ... ، إلى أن قال ﵀: "فلم يزل ﷺ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له حتى ظهر دين الله وأعلن ذكره وتوحيده في المشارق والمغارب، وصارت كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وتوحيده هو الشائعٍ، وصار الدين كلّه لله، والطاعة كلها لله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فجعل ذلك علامة على اقتراب أجله وأُمر حينئذ بالتهيّؤ للقاء الله والنقلة إلى دار البقاء .... (٣).

стр. 574

المبحث التاسع بيانه فضل إرسال النبيّ ﷺ - يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "فليس لله نعمة أعظم من إرسال محمد ﷺ يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم" (١). ويقول أيضًا: "وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، إشارة إلى ما كان الناس عليه قبل إنزال هذا الكتاب من الضلال، فإن الله نظر حينئذ إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا من أهل الكتاب تمسّكوا بدينهم الذي لم يبدّل ولم يغيّر، وكانوا قليلًا جدًا، فأمّا عامة أهل الكتاب فكانوا قد بدّلوا كتبهم وغيّروها وحرّفوها وأدخلوا في دينهم ما ليس منه فضلّوا وأضلّوا، وأمّا غير أهل الكتاب فكانوا على ضلال مبين، فالأمّيون أهل شرك يعبدون الأوثان، والمجوس يعبدون النيران ويقولون بإلهين اثنين، وكذلك غيرهم من أهل الأرض منهم من كان يعبد النجوم، ومنهم من كان يعبد الشمس أو القمر، فهدى الله المؤمنين بإرسال محمد ﷺ إلى ما جاء به من الهدى والدين الحق، وأظهر الله دينه حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فظهرت فيه كلمة التوحيد والعمل بالعدل بعد أن كانت الأرض كلّها ممتلئة من الشرك والظلم، فالأمّيون هم العرب والآخرون الذين لم يلحقوا بهم هم أهل

стр. 575

فارس والرّوم، فكانت فارس مجوسًا والروم نصارى، فهدى الله جميع هؤلاء برسالة محمد ﷺ إلى التوحيد ... لمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات والموت عليها ... " (١). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " ... فإن أعظم نعمة الله على هذه الأمّة إظهار محمد ﷺ لهم وبعثته وإرساله إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، فإن النعمة على الأمة بإرساله أعظم من النعمة بإيجاد السماء والأرض والشمس والقمر والرياح والليل والنهار وإنزال المطر وإخراج النبات وغير ذلك، فإن هذه النعم كلها قد عمّت خلقًا من بني آدم كفروا بالله ورسله وبلقائه فبدّلوا نعمة الله كفرًا. فأمّا النعمة بإرسال محمد ﷺ فإن بها تمّت مصالح الدنيا والآخرة وكمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده، وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم" (٣).

стр. 576

المبحث العاشر النجاة والسعادة في طاعة الرسول ﷺ واتباعه بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أنه لا فلاح ولا سعادة ولا نجاة للعبد إلّا باتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، فمن أطاعه فيما جاء به من الحق المبين فقد نجا وزحزح نفسه عن النار، ومن أبى وتكبّر وعصى ولم يتبّع الرسول ﷺ فيما جاء به فقد خسر خسرانًا مبينًا، وعرض نفسه لعذاب الله ، فإنه ما من خير يوصل إلى الجنّة إلّا ودلّنا عليه، وما من شرّ يوصل إلى النار إلّا وحذّرنا منه ﵊. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وفي الجملة: فمن امتثل ما أمر به النبيّ ﷺ في هذا الحديث (١) وانتهى عمّا نهى عنه، وكان مشتغلًا بذلك عن غيره حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه وقع فيما حذّر منه النبيّ ﷺ من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم" (٢).

стр. 577

الفصل الثالث الإيمان بالقضاء والقدر ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأوّل: تعريف القضاء والقدر. المبحث الثاني: معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلّة على ذلك. المبحث الثالث: مراتب الإيمان بالقضاء والقدر. المبحث الرابع: النهي عن الخوض في القدر. المبحث الخامس: الرضا بالقضاء والقدر. المبحث السادس: حكم تمنّي الموت خشية الفتنة وعلاقته بالقضاء والقدر. المبحث السابع: القضاء والقدر وفعل الأسباب. المبحث الثامن: الاحتجاج بالقدر على المعاصي وبيان معنى حديث: "فحاج آدم موسى".

стр. 578

المبحث الأول تعريف القضاء والقدر ١ - تعريف القضاء لغة: قال الجوهري: القضاء: الحكم، وأصله قضاي، لأنه من قضيت إلّا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، والجمع أقضية. والقضية مثله، والجمع قضايا على فعالى وأصله فعائل. وقضى أي حكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)، وقد يكون بمعنى الفراغ، تقول: قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه، أي قتله كأنه فرغ منه. وسُمٌّ قاض، أي قاتل. وقضى نحبه قضاء أي مات، وقد يكون بمعنى الأداء والإنهاء، تقول: قضيت ديني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ (٣)، أي أنهيناه وأبلغناه ذلك.

стр. 579

وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير، يقال: قضاه أي صنعه وقدّره، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (١)، ومنه القضاء والقدر (٢). وقال ابن الأثير: تكرّر ذلك القضاء، وأصله القطع والفصل، يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاض، إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق (٣). وقال الراغب الأصفهاني: القضاء فعل الأمر قولًا كان ذلك أو فعلًا، وكل واحد منهما على وجهين: إلهي وبشري، فمن القول الإلهي قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤)، أي: أمر بذلك. وقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (٥)، فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيًا جزمًا، وعلى هذا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ (٦). ومن الفعل الإلهي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ (٧). وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٨).

стр. 580

إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، أي الفصل. ومن القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا، فإن حكم الحاكم يكون بالقول، ومن الفصل البشري: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٣)، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (٥)، وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ (٦)، وقال: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (٧)، أي: أفرغوا من أمركم ..... (٨). ٢ - تعريف القدر لغة: قال الراغب: القَدْرُ والتقدير تبيين كمية الشيء يقال قَدَرْته وقدرته، وقدّره بالتشديد أعطاه القدرة، يقال: قدّرني الله على كذا وقوّاني عليه ... والقَدَر: وقت الشيء المقدّر له والمكان المقدّر له، قال تعالى: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ (٩)، وقال: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (١٠)، أي بقدر المكان المقدّر لأن يسعها (١١).

стр. 581

وقال الجوهري: قَدْرُ الشيء: مبلغه، وقدر الله وقَدْره بمعنىً، وهو في الأصل مصدر، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (١)، أي ما عظّموا الله حقّ تعظيمه ... وقَدَرْت الشيء أقْدُره وأقْدِره قَدْرًا من التقدير، وفي الحديث: "إذا غمّ عليكم الهلال فاقدروا له" (٢)، أي أتمّوا الثلاثين (٣). ٣ - تعريف القضاء والقدر اصطلاحًا: اختلف عبارات العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف القضاء والقدر، فقال النووي رحمه الله تعالى: "واعلم أن مذهب أهل الحقّ إثبات القدر، ومعناه: أن الله ﵎ قدّر الأشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدّرها " (٤). وقال الجرجاني (٥): "القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء ... والقضاء: عبارة عن الحكم الإلهي في أعيان الموجودات على ما

стр. 582

هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد (١). وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى "أن بعض العلماء عرّف القضاء: بأنه الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل" (٢). وقال السفاريني: "القضاء إرادة الله الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال" (٣). وخلاصة القول في هذا ما قاله الإمام الخطابي رحمه الله تعالى، حيث قال: "أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" (٤). ويقول الراغب الأصفهاني: "والقضاء من الله تعالى أخصّ من القدر لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر ﵄ لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: "أتفرّ من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله" (٥)، تنبيهًا أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجوّ أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له ... ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (٦)، وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَقُضِيَ

стр. 583

الْأَمْرُ﴾ (١)، أي فصل تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه" (٢). وقد أجاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين سئل عن القدر، فقال: "القدر قدرة الله على العباد" (٣). وقد علّق العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى على تعريف الإمام أحمد، فقال: "واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدلّ على دقّة علم أحمد وتبحّره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الله على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتّفق سلف الأمة على تكفيرهم" (٤). وفي الحقيقة أن تعريف الإمام أحمد رحمه الله تعالى السابق تعريف جامع مانع، فالإمام أحمد رحمه الله تعالى يبين أن القدر هو ما قرّره الله في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٧). إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على أن الأمور كلّها بيد الله ، وأنه لا يحدث شيء في هذا الكون إلّا بإرادته ومشيئته تعالى.

стр. 584

المبحث الثاني معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلّة على ذلك الإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول أهل السنة والجماعة وركن من أركان الإيمان الستة التي لا يتمّ الإيمان إلّا بها وهي الواردة في حديث جبريل الذي رواه مسلم وغيره، وفيه أن الإيمان هو: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه" (١). ومعنى الإيمان بالقدر هو التصديق الجازم بأن كل خير وشرّ فهو بقضاء الله وقدره، وأنه تعالى الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلّا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته، وإن كل أمر مخطوط في اللّوح المحفوظ، وأنه تعالى خالق أفعال العباد، وعالم بجميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، وأنه يهدي من يشاء برحمته ويضلّ من يشاء بحكمته، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. والإيمان بالقدر من الإيمان بالأمور الغيبية التي يجب على المسلم الإيمان بها. والإيمان بالقدر سعادة في الدنيا والآخرة، لأن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه اطمأنّ قلبه وتعلّق بربه وصرف أمره إليه هذا مع ما في

стр. 585

الإيمان بالقدر من تحقيق العبودية لله تعالى واستشعار عظمته وقدرته جلّ وعلا. وقد دلّ على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر أدلّة كثيرة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ ؛ فمن الآيات قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٥). وأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جدًا، ومنها: حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه" (٦). وحديث عليّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلّا الله وأني محمد رسول الله

стр. 586

بعثني بالحق، ويؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر" (١). وحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" (٢). وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان" (٣). وحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قالت أم حبيبة: اللهمّ متّعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي، أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله ﷺ : "إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يُعَجِّل شيئًا منها قبل حلّه، ولا يؤخّر منها شيئًا قبل حلّه، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرًا لك" (٤). قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وفي هذه الأحاديث كلّها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنّة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات

стр. 587

بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرّها ونفعها وضرّها" (١). وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة القضاء والقدر، ووجوب الإيمان بذلك. فقال رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن حديث وصية النبيّ ﷺ لابن عباس، قال: ". . . ثم ذكر بعد هذا كلّه الأصل الجامع الذي يبنى عليه هذه المطالب وهو تفرّد الله بالضرّ والنفع والعطاء والمنع، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كلّه إلّا ما سبق تقديره وقضاه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو دفع ضرّ غير مقدّر في الكتاب السابق" (٢). وقال رحمه الله تعالى: وقوله ﷺ : "جفّ القلم بما هو كائن"، وفي الرواية الأخرى: "رفعت الأقلام وجفّت الكتب"، وفي الرواية الأخرى: "وجفّت الصحف" (٣)، كلّه كناية عن نفوذ المقادير وكتابتها جميعها في كتاب جامع من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا كتب وفرغ من كتابته وبَعُد عهده فقد رفعت الأقلام عنه التي كتبت بها من مدادها وجفّت الصحيفة المكتوبة فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دلّ الكتاب والسنن الصحيحة على مثل هذا المعنى، قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (٤).

стр. 588

وخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت، قال: "إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" (١). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ ﷺ قال: "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (٢). وخرّج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان"؟ فقلنا: لا يا رسول الله، إلّا أن تخبرنا، فقال للّذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا"، ثم قال للّذي في شماله: "هذا كتاب ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على أخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا"، فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمره قد فرغ منه؟ فقال: "سدّدوا وقاربوا فإن صاحب الجنّة يختم له بعمل أهل الجنّة وإن عمل أيّ عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيّ عمل"، ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما، ثم قال: "فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنّة، وفريق في السعير" (٣).

стр. 589

وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبيّ ﷺ قال: "فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقيّ أو سعيد" (١). وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود عن النبيّ ﷺ ، قال: "خلق الله كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها" (٢). وخرّج مسلم من حديث جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله، فيما العمل اليوم أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: "لا، بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير"، قال: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسّر" (٣). وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًا، وكذلك الآثار الموقوفة" (٤). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقوله ﷺ : "فلو أن الخلق جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه" (٥)، يريد بذلك أن ما يصيب العبد مما يضرّه أو ينفعه في دنياه فكلّه مقدّر عليه، ولا يمكن أن يصيبه ما لم يكتب له ولم يقدر عليه ولو اجتهد على ذلك الخلق كلّهم جميعًا، وقد دلّ القرآن أيضًا على مثل هذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٦)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي

стр. 590

الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٢). وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبيّ ﷺ قال: "إن لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه" (٣). واعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبيّ ﷺ لابن عباس على هذا الأصل وما بعده وما قبله متفرّع عليه وراجع إليه، فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ، وأن اجتهاد الخلق كلّهم جميعًا على خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتّة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضارّ النافع والمعطي المانع" (٤). بهذا يتبيّن لنا أن قول ابن رجب رحمه الله تعالى في مسألة قضاء الله وقدره موافق لما دلّت عليه نصوص الكتاب والسنّة، وموافق لقول غيره من علماء السلف من أهل السنّة والجماعة؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مقرّرًا مذهب السلف: "مذهب أهل السنّة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء وربّه ومليكه لا ربّ غيره، ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله، منهيّ عن معصية الله ومعصية رسوله، فإن أطاع كان ذلك نعمة، وإن عصى كان مستحقًا للذمّ والعقاب وكان لله عليه الحجّة البالغة، ولا حجّة لأحد

стр. 591

على الله تعالى، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته، ولكن يحبّ الطاعة ويأمر بها ويثيب أهلها على فعلها ويكرمهم، ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب عليها ويهينهم. وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٢)، أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك، وما أصابك من حزن وذلّ وشرّ فبذنوبك وخطاياك، وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فلابدّ أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره، وأن يوقن العبد بشرع الله وأمره" (٣).

стр. 592

المبحث الثالث مراتب الإيمان بالقضاء والقدر مراتب الإيمان بالقضاء والقدر تتلخص في أربعة أمور استنبطها العلماء (١) رحمهم الله تعالى من الكتاب والسنّة، وهي: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله تعالى السابق المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، ويدخل في ذلك أفعال العباد وجميع أحوالهم من الأرزاق والآجال والطاعات والمعاصي، فهو عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض، ومن الأدلّة على هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "ما منكم من نفس إلّا وقد علم منزلها من الجنّة والنار" (٤). المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب مقادير كل شيء في اللّوح

стр. 593

المحفوظ الذي لم يفرّط فيه من شيء، ومن أدلّة هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤). وقوله ﷺ : "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (٥). وقوله ﷺ : "إن أوّل ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ربّ وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" (٦). المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله تعالى النافذة وقدرته الشاملة للكائنات وفق ما علمه وكتبه في أوقاتها وأماكنها وعلى هيئاتها التي قدّرها لها، فكل ما شاءه الله كان وما لم يشأ لم يكن.

стр. 594

ومن أدلّة هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (٣). وقوله ﷺ : "إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" (٤)، وقوله ﷺ : "إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء وردّها حين شاء. . ." (٥). وقد أثبت الله تعالى للعبد مشيئة ولكنها لا تستقلّ بل هي تابعة لمشيئة الله تعالى، قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ (٧). المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء هو خالق العباد وخالق أفعالهم ومقدّر أرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم قضى ذلك تعالى وقدّره لحكم يعلمها، فما من ذرّة في السموات ولا في الأرض إلّا والله خالقها وخالق حركتها وسكونها سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه.

стр. 595

وهذه المرتبة، أي مرتبة الوجود والخلق هي وقوع الأشياء طبقًا لما علمه وطبقًا لما كتبه ولما شاءه ، ومن أدلّة هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ (٣). وقوله ﷺ : "يا عائشة، إن الله خلق للجنّة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (٤). وقوله ﷺ : "إن الله خلق كل صانع وصنعته" (٥). قال البخاري رحمه الله تعالى عقب هذا الحديث: "فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة". هذه مراتب الإيمان بالقضاء والقدر، ومن لم يؤمن بها جميعًا لم يكن مؤمنًا بالقدر. وقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المراتب وبيّنها وجعلها

стр. 596

في درجتين كل درجة تتضمّن مرتبتين، فقال: "والإيمان بالقدر على درجتين: إحداهما: الإيمان أن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشرّ وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنّة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعدّ لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل السنّة والجماعة، وتنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد (١) وغيره. وقد قال كثير من أئمّة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقرّوا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ، فقد كذّب بالقرآن فيكفر بذلك، وإن أقرّوا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا، لأن ما أقرّوا به حجّة عليهم فيما أنكروه (٢).

стр. 597

المبحث الرابع النهي عن الخوض في القدر لقد نهى الإسلام عن التنطّع والتشدّد والبحث فيما غاب عن علم الإنسان ممّا استأثر الله بعلمه، ومن ذلك البحث في سرّ القدر والتعمّق في النظر في دقائقه، لأن ذلك من الأمور التي استأثر الله بعلمها فلم يطلع عليها أحدًا من الخلق لا ملكًا مقرّبًا ولا نبيًا مرسلًا، ولهذا فإن التعمّق والجدل في القضاء والقدر من الخذلان، لأن المجادل فيه لا يدرك مراده، وكلّما احتجّ بحجة كسرتها أخرى، وربما أفضى به ذلك إلى الإلحاد والزيغ عن الطريق المستقيم، والخوض في القدر أوّل ظاهرة للشرك في هذه الأمّة كما يدلّ عليه ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄، قال: قيل لابن عباس: إن رجلًا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلّوني عليه، وهو يومئذ قد عمي، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضنّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنّها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج، تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أوّل شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدّر خيرًا كما أخرجوه أن يكون قدّر شرًا" (١).

стр. 598

وقد جاء كفار قريش إلى النبيّ ﷺ يخاصمونه في القدر، فأنزل الله في ذلك آية ترد عليهم كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش إلى النبيّ ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (١). وقد حصل بعض الخصام بين بعض الصحابة ﵃ في القدر، فنهاهم النبيّ ﷺ عن الخوض في ذلك والتعمّق فيه لما يؤدّي إليه من نتائج سيّئة. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم والناس يتكلّمون في القدر، قال: "وكأنما تَفَقَّأ في وجهه حب الرمان من الغضب، قال: فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم"، وقال: "فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله ﷺ لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس، أني لم أشهده" (٢). وقد كان السلف من الصحابة ﵃ ومن بعدهم يكرهون الجدال في القدر ويذمّون من خاض فيه بل حذّروا من ذلك، فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ يقول: "باب شرك فتح على أهل الصّلاة: التكذيب بالقدر فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم" (٣).

стр. 599

ويقول أيضًا ﵁: ما غلا أحد في القدر إلّا خرج من الإسلام (١). فالسلف رحمهم الله تعالى كرهوا الكلام في القدر والخوض فيه، لكن لما خاضت المبتدعة في هذا الأمر وحادوا عن الصواب رأى السلف الصالح أنه يجب عليهم أن يبيّنوا للناس الحق والصواب فيما ضلّ فيه هؤلاء، ذلك لأنه لم يظهر القول في القدر إلّا بعد مضيّ نصف القرن الأول تقريبًا، حيث أن معبدًا الجهني (٢) هو أوّل من أثار القول في هذا الأمر. روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى يحيى بن يعمر (٣)، أنّه قال: "كان أوّل من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري (٤) حاجّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا

стр. 600

أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عمّا يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرأون القرآن ويَتَقَفَّرون العلم (١) وذكر من شأنهم أنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر" (٢). ولقد سلك هذا المسلك العلماء من بعدهم الذين ساروا على ما سار عليه الصحابة الكرام ﵃. يقول أبو محمد البربهاري رحمه الله تعالى: "والكلام والجدل والخصومة في القدر خاصّة منهيّ عنه عند جميع الفرق، لأن القدر سرّ الله، ونهى الربّ جلّ اسمه الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى النبيّ ﷺ عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك التسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قال رسول الله ﷺ في جملة الأشياء، واسكت عمّا سوى ذلك" (٣). ويقول البغوي رحمه الله تعالى: "والقدر سرّ من أسرار الله لم يطلع عليه ملكًا مقرّبًا، ولا نبيًا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل، بل يعتقد أن الله خلق الخلق، فجعلهم
следующие страницы →