وذلك أنه لما اعترض بعض المنافقين على النبي ﷺ في الصدقات؛ بين الله تعالى أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يجب صرفها إلى الأصناف الثمانية إن كانوا موجودين، وإلا؛ صرفت إلى الموجود منهم، ونقلها إلى حيث يوجدون".
وقال: "لا ينبغي منها إلا من يستعين بها على طاعة الله؛ فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين أو من يعاونهم، فمن لا يصلي من أهل الحاجات؛ لا يعطى منها، حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة" انتهى.
ولا يجوز صرف الزكاة في غير هذه المصارف التي عينها الله من المشاريع الخيرية الأخرى؛ كبناء المساجد والمدارس؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... ﴾ الآية، و"إنما" تفيد الحصر، وتثبت الحكم لما بعدها، وتنفيه عما سراه، والمعنى: ليست الصدقات لغير هؤلاء، بل لهؤلاء خاصة، وإنما سمى الله الأصناف الثمانية؛ إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها.
стр. 352
وهذه الأصناف تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المحاويج من المسلمين.
القسم الثاني: من في إعطائهم معونة على الإسلام وتقوية له
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ؛ ففي هذه الآية الكريمة حصر لأصناف أهل الزكاة الذين يجوز صرف الزكاة إلا لهم، ولا يجزئ صرفها في غيرهم. وهم ثمانيه أصناف:
أحدهم: الفقراء، وهم أشد حاجة من المساكين؛ لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، والفقراء هم الذين لا يجدون شيئا يكتفون به في معيشتهم، ولا يقدرون على التكسب، أو يجدون بعض الكفاية، فيعطون من الزكاة كفايتهم إن كانوا لا يجدون منها شيئا، أو يعطون تمام كفايتهم إن كانوا يجدون بعضها لعام كامل.
الثاني: المساكين، وهم أحسن حالاً من الفقراء؛ فالمسكين هو الذي يجد أكثر كفايته أو نصفها، فيعطى من الزكاة تمام كفايته لعام كامل.
الثالث: العاملون عليها، وهم العمال الذين يقومون بجمع الزكاة من أصحابها، ويحفظونها، ويوزعونها على مستحقتها بأمر إمام المسلمين، فيعطون من الزكاة قدر أجرة عملهم؛ إلا إن كان ولي الأمر قد رتب لهم رواتب من بيت المال على هذا العمل؛ فلا يجوز أن يعطوا شيئا من الزكاة؛ كما هو الجاري في هذا الوقت؛ فإن العمال يعطون من قبل
стр. 353
الدولة، فيأخذون انتدابات على عملهم في الزكاة؛ فهؤلاء حرام عليهم أن يأخذوا من الزكاة شيئا عن عملهم؛ لأنهم قد أعطوا أجرة عملهم من غيرها.
الرابع: المؤلفة قلوبهم: جمع مؤلف من التأليف وهو جمع القلوب، والمؤلفة قلوبهم قسمان: كفار ومسلمون؛ فالكافر يعطى من الزكاة إذا رجي إسلامه لتقوى نيته على الدخول في الإسلام وتشتد رغبته، أو إذا حصل بإعطائه كف شره عن المسلمين أو شر غيره، والمسلم المؤلف يعطى من الزكاة لتقوية إيمانه، أو رجاء لإسلام نظيره ... ونحو ذلك من الأغراض الصحيحة المفيدة للمسلمين والإعطاء للتأليف إنما يعمل به عند الحاجة إليه فقط؛ لأن عمر وعثمان وعليا ﵃ تركوا الإعطاء للتأليف؛ لعدم الحاجة إليه في وقتهم.
الخامس: الرقاب، وهم الأرقاء المكاتبون الذين يجدون وفاء، فيعطى المكاتب ما يقدر به على وفاء دينه حتى يعتق ويخلص من الرق، ويجوز أن يشتري المسلم من زكاته عبدًا فيعتقه، ويجوز أن يفتدى من الزكاة الأسير المسلم؛ لأن في ذلك فك رقبة المسلم من الأسر.
السادس: الغارم، والمراد بالغارم المدين، وهو نوعان:
стр. 354
أحدهما: غارم لغيره، وهو الغارم لأجل إصلاح ذات البين؛ بأن يقع بين قبيلتين نزاع في دماء أو أموال، ويحدث بسبب ذلك بينهم شحناء وعداوة، فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمته مالاً عوضا عما بينهم؛ ليطفئ الفتنة، فيكون قد عمل معروفا عظيما، من المشروع حمله عنه من الزكاة؛ لئلا تجحف الحمالة بماله، وليكون ذلك تشجيعا له ولغيره على مثل هذا العمل الجليل، الذي يحصل به كف الفتن والقضاء على الفساد، بل لقد أباح الشارع لهذا الغارم المسألة لتحقيق هذا الغرض؛ ففي "صحيح مسلم" عن قبيصة؛ قال: تحملت حمالة، فقال النبي ﷺ : "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها".
الثاني: الغارم لنفسه؛ كأن يفتدي نفسه من كفار، أو يكون عليه دين لا يقدر على تسديده، فيعطى من الزكاة ما يسدد به دينه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ .
السابع: في سبيل الله؛ بأن يعطى من الزكاة الغزاة المتطوعة الذين لا رواتب لهم من بيت المال؛ لأن المراد بسبيل الله عند الإطلاق الغزو، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
الثامن: ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع به سفره بسبب نفاذ ما معه أو ضياعه؛ أن لأن السبيل هو الطريق، فسمي من لزمه ابن السبيل، فيعطى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده،
стр. 355
وإن كان في طريقه إلى بلد قصده؛ أعطي ما يوصله ذلك البلد، وما يرجع به إلى بلده، ويدخل في ابن السبيل الضيف كما قال ابن عباس وغيره، وإن بقى مع ابن السبيل أو الغازي أو الغارم أو المكاتب شيء ما أخذوه من الزكاة زائدًا عن حاجتهم؛ وجب عليهم رده؛ لأنه لا يملك ما أخذه ملكا مطلقا، وإنما يملكه ملكا مراعي بقدر الحاجة، وتحقيق السبب الذي أخذه من أجله، فإذا زال السبب؛ زال الاستحقاق.
واعلم أنه يجوز صرف جميع الزكاة في صنف واحد من هذه الأصناف المذكورة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ ، ولحديث معاذ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فقال: "أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، متفق عليه، فلم يذكر في الآية والحديث إلا صنفا واحدًا، فدل على جواز صرفها إليه.
ويجزئ الاقتصار على إنسان واحد، لأن النبي ﷺ أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر، رواه أحمد، وقال ﷺ لقيبصة: "أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة؛ فنأمر لك بها"؛ فدل الحديثان على جواز الاقتصار على شخص واحد من الأصناف الثمانية.
стр. 356
ويستحب دفعها إلى أقاربه المحتاجين الذين لا تلزمه نفقتهم الأقرب فالأقرب؛ لقوله ﷺ : "صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة"، رواه الخمسة وحسنه الترمذي.
ولا يجوز دفع الزكاة إلى بني هاشم، ويدخل فيهم: آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب؛ لقوله ﷺ : "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، وإنما هي أوساخ الناس"، أخرجه مسلم.
ولا يجوز دفع الزكاة إلى امرأة فقيرة إذا كانت زوج غني ينفق عليها، ولا إلى فقير إذا كان له قريب غني ينفق عليه؛ لاستغنائهم بتلك النفقة عن الأخذ من الزكاة.
ولا يجوز للإنسان أن يدفع زكاة ماله إلى أقاربه الذين يلزمه الإنفاق عليهم؛ لأنه يقي بها ماله حينئذ، أما من كان ينفق عليه تبرعا فإنه يجوز أن يعطيه من زكاته؛ ففي "الصحيح" أن امرأة عبد الله سألت النبيصلى الله عليه وسلم عن بني أخ لها أيتام في حجرها؛ أفتعطيهم زكاتها؟ قال: "نعم".
стр. 357
ولا يجوز دفع زكاته إلى أصول، وهم آباؤه وأجداده، ولا إلى فروعه، وهم أولاده وأولاد أولاده.
ولا يجوز له دفع زكاته إلى زوجته؛ لأنها مستغنية بإنفاقه عليها، ولأنه يقي بها ماله.
ويجب على المسلم أن يتثبت من دفع الزكاة، فلو دفعها لمن ظنه مستحقا، فتبين أنه غير مستحق؛ لم تجزئه، أما إذا لم يتبين عدم استحقاقه؛ فالدفع إليه بجزيء؛ اكتفاء بغلبة الظن، ما لم يظهر خلافه؛ لأن النبي ﷺ حينما أتاه رجلان يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، ورآهما جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما منها، ولا حظ فبها لغني ولا لقوي مكتسب".
стр. 358
باب في الصدقة المستحبة
وإلى جانب الزكاة الواجبة في المال هناك صدقة مستحبة تشرع كل وقت، لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة والترغيب فيها؛ فقد حث الله عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة:
قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَاب﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَة﴾ .
وقال النبي ﷺ : "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء"، رواه الترمذي وحسنه.
وفي "الصحيحين": "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا
стр. 359
ظله ... "، وذكر منهم: "ورجلاً تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا نعلم شماله ما تنفق يمينه". والأحاديث في هذا كثيرة. وصدقة السر أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ، ولأنه أبعد عن الرياء؛ إلا أن يترتب على إظهار الصدقة وإعلانها مصلحة راجحة من إقتداء الناس به.
وينبغي أن تكون طيبة بها نفسه، غير ممتن بها على المحتاج، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ .
والصدقة في حال الصحة أفضل، قال ﷺ لما سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر".
والصدقة في الحرمين الشريفين أفضل؛ لأمر الله بها في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ .
والصدقة في رمضان أفضل؛ لقول ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه
стр. 360
جبريل، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة".
والصدقة في أوقات الحاجة أفضل، قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾
كما أن الصدقة على الأقارب والجيران أفضل منها على الأبعدين؛ فقد أوصى الله بالأقارب، وجعل لهم حقا على قريبهم في كثير من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ ، وقال ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة"، رواه الخمسة وغيرهم، وفي "الصحيحين": "أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة".
ثم اعلم أن في المال حقوقا سوى الزكاة؛ نحو مواساة القرابة، وصلة الأخوان، وإعطاء سائل، وإعارة محتاج، وإنظار معسر، وإقراض، قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
ويجب إطعام الجائع، وقري الضيف، وكسوة العاري، وسقي الظمآن، بل ذهب الإمام مالك ﵀ إلى أنه يجب على المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم.
стр. 361
باب في الصدقة المستحبة
...
كما أنه يشرع لمن حصل على مال وبخضرته أناس من الفقراء والمساكين أن يتصدق عليهم منه، قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ .
وهذه من محاسن دين الإسلام؛ لأنه دين المواساة والرحمة، ودين التعاون والتآخي في الله؛ فما أجمله من دين!، وما أحكمه من تشريع!.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا البصيرة في دينه والتمسك بشريعته، إنه سميع مجيب.
стр. 362
كتاب الصيام
باب في وجوب صوم رمضان ووقته
صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام، وفرض من فروض الله، معلوم من الدين بالضرورة.
ويدل عليه الكتاب والسنة والإجماع:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية.
ومعنى ﴿كتب﴾ : فرض، قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، والأمر للوجوب.
وقال النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس"، وذكر منها صوم رمضان.
والأحاديث في الدلالة على فرضيته وفضله كثيرة مشهورة.
стр. 363
وأجمع المسلمون على وجوب صومه، وأن من أنكره كفر.
والحكمة في شرعية الصيام: أن فيه تزكية للنفس وتطهيرًا وتنقية لها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، لأنه يضيق مجاري الشيطان في بدن الإنسان؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا أكل أو شرب؛ انبسطت نفسه للشهوات، وضعفت إرادتها، وقلت رغبتها في العبادات، والصوم على العكس من ذلك.
وفي الصوم تزهيد في الدنيا وشهواتها، وترغيب في الآخرة، وفيه باعث على العطف على المساكين وإحساس بآلامهم؛ لما يذوقه الصائم من ألم الجوع والعطش؛ لأن الصوم في الشرع هو الإمساك بنية عن أشياء مخصوصة من أكل وشرب وجماع وغير ذلك مما ورد به الشرع، ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث والفسوق.
ويبتدئ وجوب الصوم اليومي بطلوع الفجر الثاني، وهو البياض المعترض في الأفق، وينتهي بغروب الشمس، قال الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ "يعني الزوجات" ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ، ومعنى: ﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ : أن يتضح بياض النهار من سواد الليل.
ويبدأ وجوب صوم شهر رمضان إذا علم دخوله.
وللعلم بدخوله ثلاث طرق:
الطريقة الأولى: رؤية هلاله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
стр. 364
فَلْيَصُمْهُ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "صوموا لرؤيته"، فمن رأى الهلال بنفسه؛ وجب عليه الصوم.
الطريقة الثانية: الشهادة على الرؤية، أو الإخبار عنها؛ فيصام برؤية عدل مكلف إخباره بذلك؛ لقوله ابن عمر: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه"، رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن حبان الحاكم.
والطريقة الثالثة: إكمال عدة شهر شعبان ثلاثين يوما، وذلك حينما لا يرى الهلال ليله الثلاثين من شعبان مع وجود ما يمنع الرؤية من غيم أو قتر أو مع وجود شيء من ذلك، لقوله ﷺ : "إنما الشهر تسعة وعشرون يوما؛ فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطرون حتى تره، فإن غم عليكم؛ فاقدروا له"، ومعنى "قدروا له"؛ أي: أتموا شهر شعبان ثلاثين يوما؛ لما ثبت في حديث أبي هريرة: "فإن غم عليكم؛ فعدوا ثلاثين".
ويلزم صوم رمضان كل مسلم مكلف قادر. فلا يجب على كافر،
стр. 365
ولا يصح منه، فإن تاب في أثناء الشهر؛ صام الباقي، ولا يلزم قضاء ما سبق حال الكفر.
ولا يجب الصوم على الصغير، ويصح الصوم من صغير مميز، ويكون في حقه نافلة.
ولا يجب الصوم على مجنون، ولو صام حال جنونه؛ لم يصح منه؛ لعدم النيه.
ولا يجب الصوم أداء على مريض يعجز عنه ولا مسافر، ويقضيانه حال زوال عذر المرض والسفر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .
والخطاب بإيجاب الصيام يشمل المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، والطاهر والحائض والنفساء، والمغمى عليه؛ فإن هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذممهم؛ بحيث إنهم يخاطبون بالصوم؛ ليعتقدوا وجوبه في ذممهم، والعزم على فعله: إما أداء، وإما قضاء؛ فمنهم من يخاطب بالصوم في نفس الشهر أداء، وهو الصحيح المقيم؛ إلا الحائض والنفساء، ومنهم من يخاطب بالقضاء فقط، وهو الحائض والنفساء والمريض الذي على أداء الصوم ويقدر عليه قضاء، ومنهم من يخبر بين الأمرين، وهو المسافر والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة من غير خوف التلف.
стр. 366
ومن أفطر لعذر ثم زال عذره في أثناء نهار رمضان؛ كالمسافر يقدم من سفره، والحائض والنفساء تطهران، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق من جنونه، والصغير يبلغ؛ فإن كلا من هؤلاء يلزمه الإمساك بقية اليوم ويقضيه، وكذا إذا قامت البينة بدخول الشهر في أثناء النهار؛ فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم ويقضون اليوم بعد رمضان.
стр. 367
باب في بدء صيام اليوم ونهايته
قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ .
قال الإمام ابن كثير ﵀: "هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام؛ فإنه كان إذا أفطر أحدهم؛ إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء؛ حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، فنزلت هذه الآية، ففرحوا بها فرحا شديدًا، حيث أباح الله الأكل والشرب والجماع في أي الليل شاء الصائم، إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل".
стр. 368
فتبين من الآية الكريمة تحديد الصوم اليومي بداية ونهاية، فبدايته من طلوع الفجر الثاني، ونهايته إلى غروب الشمس.
وفي إباحته تعالى الأكل والشرب إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور.
وفي "الصحيحين" عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسحروا؛ فإن السحور بركة".
وقد ورد في الترغيب بالسحور آثار كثيرة، ولو بجرعة ماء، ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر.
ولو استيقظ الإنسان وعليه جنابة أو طهرت الحائض قبل طلوع الفجر؛ فإنهم يبدؤون بالسحور، ويصومون، ويؤخرون الاغتسال إلى بعد طلوع الفجر.
وبعض الناس يبكرون بالتسحر لأنهم يسهرون معظم الليل ثم يتسحرون وينامون قبل الفجر بساعات، وهؤلاء قد ارتكبوا عدة أخطاء:
أولاً: لأنهم صاموا وقت الصيام.
ثانيا: يتركون صلاة الفجر مع الجماعة، فيعصون الله بترك ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة.
ثالثا: ربما يؤخرون صلاة الفجر عن وقتها، فلا يصلون إلا بعد طلوع الشمس، وهذا أشد جرما وأعظم إثما، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ .
стр. 369
ولا بد أن ينوي الصيام الواجب من الليل، فلو نوى الصيام ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر؛ فإنه يمسك، وصيامه صحيح تام إن شاء الله.
ويستحب تعجيل الإفطار إذا تحقق غروب الشمس بمشاهدتها أو غلب على ظنه بخبر ثقة بأذان أو غيره: فعن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر"، متفق عليه، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه : "إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا".
والسنة أن يفطر على رطب، فإن لم يجد؛ فعلى تمر، فإن لم يجد؛ فعلى ماء؛ لقول أنس ﵁: "كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات؛ فتمرات، فإن لم تكن تمرات؛ حسا حسوات من ماء ... "، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، فإن لم يجد رطبا ولا تمرًا ولا ماءًا أفطر على ما تيسر من طعام وشراب.
стр. 370
وهنا أمر يجب التنبية عليه، وهو أن بعض الناس قد يجلس على مائدة إفطاره ويتعشى ويترك صلاة المغرب مع الجماعة في المسجد، فيرتكب بذلك خطأ عظيما، وهو التأخر عن الجماعة في المسجد، ويفوت على نفسه ثوابا عظيما، ويعرضها للعقوبة، والمشروع للصائم أن يفطر أولاً، ثم يذهب للصلاة، ثم يتعشى بعد ذلك.
ويستحب أن يدعو عند إفطاره بما أحب، قال ﷺ : "إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد"، ومن الدعاء الوارد أن يقول: "اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت"، وكان ﷺ إذا أفطر يقول: "ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله".
وهكذا ينبغي للمسلم أن يتعلم أحكام الصيام والإفطار وقتا وصفة حتى يؤدي صيامه على الوجه المشروع الموافق لسنة الرسول ﷺ ، وحتى يكون صيامه صحيحا وعمله مقبولاً عند الله؛ فإن ذلك من أهم الأمور، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ .
стр. 371
باب في مفسدات الصوم
للصيام مفسدات يجب على المسلم أن يعرفها؛ ليتجنبها، ويحذر منها لأنها تفطر الصائم، وتفسد عليه صيامه.
وهذه المفطرات منها:
١ الجماع: فمتى جامع الصائم؛ بطل صيامه، ولزمه قضاء ذلك اليوم الذي جامع فيه، ويجب عليه مع قضائه الكفارة، هي: عتق رقبة، فإن لم يجد الرقبة أو لم يجد قيمتها؛ فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين؛ بأن لم يقدر على ذلك لعذر شرعي؛ فعليه أن يطعم ستين مسكينا، لكل مسكين نصف صاع من الطعام المأكول في البلد.
٢ إنزال المني بسبب تقبيل أو لمس أو استمناء أو تكرار نظر، فإذا حصل شيء من ذلك؛ فسد صومه، وعليه القضاء فقط بدون كفارة؛ لأن الكفارة تختص بالجماع.
والنائم إذا احتلم فأنزل؛ فلا شيء عليه، وصيامه صحيح؛ لأن ذلك وقع بدون اختيار، لكن يجب عليه الاغتسال من الجنابة.
стр. 372
٣ الأكل أو الشرب متعمدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ .
أما من أكل وشرب ناسيا؛ فإن ذلك لا يؤثر على صيامه، وفي الحديث: "من أكل أو شرب ناسيا؛ فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".
ومما يفطر الصائم إيصال الماء ونحوه إلى الجوف عن طريق الأنف، وهو ما يسمى بالسعوط، وأخذ المغذي عن طريق الوريد، وحقن الدم في الصائم، كل ذلك يفسد صومه؛ لأنه تغذية له.
ومن ذلك أيضا حقن الصائم بالإبر المغذية؛ لأنها تقوم مقام الطعام، وذلك يفسد الصيام، أما الإبر غير المغذية، فينبغي للصائم أيضا أن يتجنبها محافظة على صيامه، ولقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، ويؤخرها إلى الليل.
стр. 373
٤ إخراج الدم من البدن بحجامة أو فصد أو سحب دم ليتبرع به لإسعاف مريض؛ فيفطر بذلك كله.
أما إخراج دم قليل كالذي يستخرج للتحليل؛ فهذا لا يؤثر على الصيام، وكذا خروج الدم بغير اختياره برعاف أو جرح أو خلع سن؛ فهذا لا يؤثر على الصيام.
٥ ومن المفطرات التقيؤ، وهو استخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم متعمدًا؛ فهذا يفطر به الصائم، أما إذا غلبه القيء، وخرج بدون اختياره؛ فلا يؤثر على صيامه؛ لقوله ﷺ : "من ذرعه القيء؛ فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا؛ فليقض"، ومعنى "ذرعة القىء" أي: خرج بدون اختياره، ومعنى قوله: "استقاء" أي: تعمد القيء.
وينبغي أن يتجنب الصائم الاكتحال ومداواة العينين بقطرة أو بغيرها وقت الصيام؛ محافظة على صيامه.
ولا يبالغ في المضمضة والاستنشاق؛ لأنه ربما ذهب الماء إلى جوفه، قال ﷺ : "وبالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائما".
стр. 374
والسواك لا يؤثر على الصيام، بل هو مستحب ومرغب فيه للصائم وغيره في أول النهار وآخره على الصحيح.
ولو طار إلى حلقه غبار أو ذباب؛ لم يؤثر على صيامه.
ويجب على الصائم اجتناب كذب وغيبة وشتم، وإن سابه أحد أو شمته؛ فليقل إني صائم؛ فإن بعض الناس قد يسهل عليه ترك الطعام والشراب، ولكن لا يسهل عليه ترك ما اعتاده من الأقوال والأفعال الرديئة، ولهذا قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الطعام والشراب.
فعلى المسلم أن يتقي الله ويخافه ويستشعر عظمة ربه وإطلاعه عليه في كل حين وعلى كل حال، فيحافظ على صيامه من المفسدات والمنقصات؛ ليكون صيامه صحيحا.
وينبغي للصائم أن يشتغل بذكر الله وتلاوة القرآن والإكثار من النوافل، فقد كان السلف إذا صاموا؛ جلسوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدًا، وقال ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وذلك لأنه يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله عليه في كل حال من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، روي عن أبي هريرة مرفوعا: "الصائم في عبادة ما لم يغتب مسلما
стр. 375
أو يؤذه"، وعن أنس: "ما صام من ظل يأكل لحوم الناس"، فالصائم يترك أشياء كانت مباحة في غير حالة الصيام؛ فمن باب أولى أن يترك الأشياء التي لا تحل له في جميع الأحوال؛ ليكون في عداد الصائمين حقا.
стр. 376
باب في بيان أحكام القضاء للصيام
من أفطر في رمضان بسبب مباح؛ كالأعذار الشرعية التي تبيح الفطر، أو بسبب محرم؛ كمن أبطل صومه بجماع أو غيره؛ وجب عليه القضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١.
ويستحب له المبادرة بالقضاء؛ لإبراء ذمته، ويستحب أن يكون القضاء متتابعا؛ لأن القضاء يحكي الأداء، وإن لم يقض على الفوز وجب العزم عليه، ويجوز له التأخير؛ لأن وقته موسع، وكل واجب موسع يجوز تأخيره مع العزم عليه؛ كما يجوز تفرقته؛ بأن يصومه متفرقا، لكن إذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه؛ يجب عليه التتابع إجماعا؛ لضيق الوقت، ولا يجوز تأخير إلى ما بعد رمضان الآخر لغير عذر؛ لقول عائشة ﵂: "كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا شعبان؛ لمكان رسول الله ﷺ " متفق عليه، فدل هذا على
стр. 377
ماتت وعليها صيام نذر؛ أفأصوم عنه؟ قال: "نعم". والولي هو الوارث.
قال ابن القيم ﵀: "يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد وغيره، والمنصوص عن ابن عباس وعائشة، وهو مقتضى الدليل والقياس؛ لأن النذر ليس واجبا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه؛ فصار بمنزلة الدين، ولهذا شبهه النبي ﷺ بالدين، وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء؛ فهو أحد أركان الإسلام؛ فلا تدخله النيابة بحال؛ كما لا تدخل الصلاة والشهادتين؛ فإن المقصود منهما طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحق العبورية التي خلق لها وأمر بها، وهذا لا يؤديه عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يطعم عنه كل يوم مسكين، وبذلك أخذ أحمد وإسحاق وغيرهما، وهو مقتضى النظر كما هو موجب الأثر؛ فإن النذر كان ثابتا في الذمة فيفعل بعد الموت، وأما صوم رمضان؛ فإن الله لم يوجبه على العاجز عنه، بل أمر العاجز بالفدية طعام مسكين، والقضاء إنما على من قدر عليه لا من عجز عنه؛ فلا يحتاج إلى أن يقضي أحد عن أحد، وأما الصوم لنذر وغيره من المنذورات؛ فيفعل عنه بلا خلاف؛ للأحاديث الصحيحة.
стр. 378
باب في بيان أحكام القضاء للصيام
...
أن وقت القضاء موسع؛ إلى أن يبقى من شعبان إلا قدر الأيام التي عليه؛ فيجب عليه صيامها قبل دخول رمضان الجديد.
فإن أخر القضاء حتى أتى عليه رمضان الجديد؛ فإنه يصوم رمضان الحاضر، ويقضي ما عليه بعده، ثم إن تأخيره لعذر لم يتمكن معه من القضاء في تلك الفترة؛ فإنه عليه إلا القضاء، وإن كان لغير عذر؛ وجب عليه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد.
وإذا مات من عليه القضاء قبل دخول رمضان الجديد؛ فلا شيء عليه؛ لأن له تأخير في تلك الفترة التي مات فيها، وإن مات بعد رمضان الجديد: فإن كان القضاء لعذر كالمرض والسفر وحتى أدركه رمضان الجديد؛ فلا شيء عليه أيضا، وإن تأخيره لغيره عذر؛ وجبت الكفارة في تركته؛ بأن يخرج عنه إطعام مسكين عن كل يوم.
وإن مات من عليه صوم كفارة كصوم كفارة الظهار والصوم الواجب عن دم المتعة في الحج؛ فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكينا، ولا يصام عنه، ويكون الإطعام من تركته؛ لأنه صيام لا تدخله النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وإن مات من عليه صوم نذر؛ استحب لوليه أن يصوم عنه؛ لما ثبت في "الصحيحين"؛ أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي
стр. 379
باب في ما يلزم من أفطر لكبر أو مرض
الله أوجب صوم رمضان على المسلمين؛ أداء في حق غير ذوي الأعذار، وقضاء في حق ذوي الأعذار، الذين يستطيعون القضاء في أيام أخر، وهناك صنف ثالث لا يستطيعون الصيام أداء ولا قضاء كالكبير الهرم والهرم الذي لايرجى برؤه؛ فهذا الصنف قد خفف الله عنه، فأوجب عليه بدل الصيام إطعام مسكين عن كل يوم نصف صاع من الطعام.
قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ، قال ابن عباس ﵄: "هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم"، رواه البخاري.
والمريض الذي لا يرجى برؤه من مرضه في حكم الكبير، فيطعم عن كل يوم مسكينا.
стр. 380
وأما من أفطر لعذر يزول كالمسافر والمريض مرضا يرجى زواله والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما، والحائض والنفساء؛ فإن كلاًّ من هؤلاء يتحتم عليه القضاء؛ بأن يصوم من أيام أخر بعدد الأيام التي أفطرها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .
وفطر المريض الذي يضره الصوم والمسافر الذي يجوز له قصر الصلاة سنة؛ لقوله تعالى: في حقهم: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ؛ أي: فليفطر وليقض عدد ما أفطره، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، والنبي ﷺ ما خير بين أمرين؛ إلا اختار أيسرهما، وفي "الصحيحين": "ليس من البر الصيام في السفر".
وإن صام المسافر أو المريض الذي يشق عليه الصوم؛ صح صومهما مع الكراهة، وأما الحائض والنفساء؛ فيحرم في حقها الصوم حال الحيض والنفاس، ولا يصح.
والمرضع والحامل يحب عليهما قضاء ما أفطرتا من أيام أخر،
стр. 381
ويحب مع القضاء من أفطرت للخوف على ولدها إطعام مسكين عن كل يوم أفطرته.
وقال العلامة ابن القيم رحمة الله: "أفتى ابن عباس وغيره من غيره من الصحابة في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أن تفطرا وتطعما عن كل يوم مسكينا؛ إقامة للإطعام مقام الصيام"؛ يعني: أداءً، مع وجوب القضاء عليهما
ويجب الفطر على من احتاج إليه لإنقاذ من وقع في هلكة؛ كالغريق ونحوه".
ويجب على المسلم تعيين نية الصوم الواجب من الليل؛ كصوم رمضان وصوم الكفارة، وصوم النذر؛ بأن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو قضائه أو يصوم نذرًا أو كفارة؛ لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، وعن عائشة مرفوعا: "من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر؛ فلا صيام له"، فيجب أن ينوي الصوم الواجب في الليل،
стр. 382
فمن نوى الصوم من النهار؛ كمن أصبح ولم يطعم شيئا بعد طلوع الفجر، ثم نوى الصيام؛ لم يجزئه؛ إلا في التطوع، وأما الصوم الواجب؛ فلا ينعقد بنيته من النهار؛ لأن جميع النهار يجب فيه الصوم، والنية لا تنعطف على الماضي.
وأما صوم النفل؛ فيجوز بنية من النهار؛ لحديث عائشة ﵁: "دخل النبي ﷺ ذات يوم، فقال: "هل عندكم من شيء؟ "، فقلنا: لا، قال: "فإني صائم"، رواه الجماعة إلا البخاري؛ ففي الحديث أنه ﷺ كان مفطرًا لأنه طلب طعاما، وفيه دليل على جواز تأخير نية الصوم إذا كان تطوعا، فتخصص به الأدلة المانعة.
فشرط صحة صوم النفل بنية من النهار أن لا يوجد قبل النية مناف للصيام من أكل وشرب ونحوهما، فإن فعل قبل النية ما يفطره؛ لم يصح يغير خلاف.
стр. 383
كتاب الحج
باب في الحج وعلى من يجب
الحج هو أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ، أي: لله على الناس فرض واجب هو حج البيت؛ لأن كلمة ﴿على﴾ للإيجاب، وقد أتبعه بقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ فسمى الله تعالى تاركه كافرًا، وهذا مما يدل على وجوبه وآكديته، فمن لم يعتقد وجوبه؛ فهو كافر بالإجماع.
وقال تعالى لخليله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجّ﴾ .
وللترمذي وغيره وصححه عن علي ﵁ مرفوعا: "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج؛ فعليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا".
وقال ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج
стр. 384
البيت من استطاع إليه سبيلا"، والمراد ب "السبيل" توفر الزاد ووسيلة النقل التي توصله إلى البيت ويرجع بها إلى أهله.
والحكمة في مشروعية الحج هي كما بينها الله تعالى بقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ؛ فالمنفعة من الحج ترجع للعباد ولا ترجع إلى الله تعالى؛ لأنه ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ فليس به حاجة إلى الحجاج كما يحتاج الخلوق إلى من يقصده ويعظمه، بل العباد بحاجة إليه؛ فهم يقدون إليه لحاجتهم إليه.
والحكمة في تأخير فريضة الحج عن الصلاة والزكاة والصوم؛ لأن الصلاة عماد الدين، ولتكررها في اليوم والليلة خمس مرات، ثم الزكاة لكونها قرينة لها في كثير من المواضع، ثم الصوم لتكرره كل سنة.
وقد فرض الحج في الإسلام سنة تسعة من الهجرة كما هو قول الجمهور، ولم يحج النبي ﷺ إلا حجة واحدة هي حجة الوداع، وكانت سنة عشر من الهجرة، واعتمر ﷺ أربع عمر.
стр. 385
والمقصود من الحج والعمرة عبادة الله في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، قال ﷺ : "إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله".
والحج فرض بإجماع المسلمين، وركن من أركان الإسلام، وهو فرض في العمر مرة على المستطيع، وفرض كفاية على المسلمين كل عام، وما زاد على حج الفريضة في حق أفراد المسلمين؛ فهو تطوع.
وأما العمرة؛ فواجبة على قول كثير من العلماء؛ بدليل قوله ﷺ لما سئل: هل على النساء من جهاد؟ قال: "نعم؛ عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة"، رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح.
وإذا ثبت وجوب العمرة على النساء فالرجال أولى.
وقال ﷺ للذي سأله، فقال: أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن؟ فقال: "حج عن أبيك واعتمر"، رواه الخمسة وصححه الترمذي.
стр. 386
فيجب الحج والعمرة على المسلم مرة واحدة في العمر؛ لقوله ﷺ : "الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع"، ورواه أحمد وغيره.
وفي "صحيح مسلم" وغيره عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "أيها الناس! قد فرض عليكم الحج، فحجوا"، فقال رجل: أكل عام؟ فقال: "لو قلت: نعم؛ لوجبت، ولما استطعتم".
ويجب على المسلم أن يبادر بأداء الحج الواجب مع الإمكان، ويأثم إن أخره بلا عذر؛ لقوله ﷺ : "تعجلوا إلى الحج"يعني: الفريضة"، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له"، رواه أحمد.
وإنما يجب الحج بشروط خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، فمن توفرت فيه هذه الشروط؛ وجب عليه المبادة بأداء الحج.
ويصح فعل الحج والعمرة من الصبي نفلاً؛ لحديث ابن عباس: أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيا: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر"، رواه مسلم.
стр. 387
وقد أجمع أهل العلم على أن الصبي إذا حج قبل أن يبلغ؛ فعليه الحج إذا بلغ واستطاع، ولا تجزئه تلك الحجة عن حجة الإسلام، وكذا عمرته.
وإن كان الصبي دون التمييز؛ عقد عنه الإحرام وليه؛ بأن ينويه عنه، ويجنبه المحظورات، ويطوف ويسعى به محمولاً، ويستصحبه في عرفة ومزدلفة ومنى، ويرمي عنه الجمرات.
وإن كان الصبي مميزًا؛ نوى الإحرام بنفسه بإذن وليه، ويؤدي ما قد عليه من مناسك الحج، وما عجز عنه؛ يفعله عنه وليه؛ كرمي الجمرات، ويطاف به راكبا أو محمولاً إن عجز عن المشي.
وكل ما أمكن الصغير مميزًا كان أو دونه فعله كالوقوف والمبيت؛ لزمه فعله؛ بمعنى أنه لا يصح أن يفعل عنه؛ لعدم الحاجة لذلك، ويجتنب في حجه ما يجتنب الكبير من المحظورات.
والقادر على الحج هو الذي يتمكن من أدائه جسميا وماديّا؛ بأن يمكنه الركون، ويتحمل السفر، ويجد من المال بلغته التي تكفيه ذهابا وإيابا، ويجد أيضا ما يكفي أولاده ومن تلزمه نفقتهم إلى أن يعود إليهم، ولا بد أن يكون ذلك بعد قضاء الديون والحقوق التي عليه، وبشرط أن يكون طريقه إلى الحج آمنا على نفسه وماله.
فإن قدر بماله دون جسمه، بأن كان كبيرًا هرما أو مريضا مرضا مزمنا لا يرجى برؤه؛ لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر حجة وعمرة
стр. 388
الإسلام من بلده أو من البلد الذي أيسر فيه؛ لما رواه ابن عباس ﵄؛ أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة؛ أفأحج عنه؟ قال: "حجي عنه"، متفق عليه.
ويشترط في النائب عن غيره في الحج أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄؛ أنه ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: "حججت عن نفسك؟ "، قال: لا، قال: "حج عن نفسك"، إسناده جيد، وصححه البيهقي.
ويعطى النائب من المال ما يكفيه تكاليف السفر ذهابا وإيابا، ولا تجوز الإجارة على الحج، ولا أن يتخذ ذريعة لكسب المال، وينبغي أن يكون مقصود النائب نفع أخيه المسلم، وأن يحج بيت الله الحرام ويزور تلك المشاعر العظام، فيكون حجة لله لا لأجل الدنيا، فإن حج لقصد المال؛ فحجه غير صحيح.
стр. 389
باب في شروط وجوب الحج على المرأة واحكام النيابة
الحج يجب على المسلم ذكرًا كان أم أنثى، لكن يشترط لوجوبه على المرأة زيادة عما سبق من الشروط وجود المحرم الذي يسافر معها لأدائه؛ لأنه لا يجوز لها السفر لحج ولا لغيره بدون محرم:
لقوله ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم"، رواه أحمد بإسناد صحيح.
وقال رجل للنبي ﷺ : إني أريد أن أخرج في جيش كذا، وامرأتي تريد الحج؟ فقال: "اخرج معها".
وفي "الصحيحين": إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في عزوة كذا؟ قال:: "انطلق فحج مع امرأتك".
стр. 390
وفي "الصحيح" وغيره: "لا يحل لامرأة تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم".
فهذه جملة نصوص عن رسول الله ﷺ تحرم على المرأة أن تسافر بدون محرم يسافر معها سواء كان السفر للحج أو لغيره، وذلك لأجل سد الذريعة عن الفساد والافتتان منها وبها.
قال الإمام أحمد ﵀: "المحرم من السليل، فمن لم يكن لها محرم؛ لم يلزمها الحج بنفسها ولا بنائبها".
ومحرم المرأة هو: زوجها، أو من يحرم عليه نحكاحها تحريما مؤبدًا بنسب؛ كأخيها وأبيها وعمها وابن أخيها وخالها، أو حرم عليه بسبب مباح؛ كأخ من رضاع أو مصاهرة كزوج أمها وابن زوجها؛ لما في "صحيح مسلم": "لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تسافر غلا ومعها أوبها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها".
ونفقة محرمها في السفر عليها، فيشترط لوجوب الحج عليها أن تملك ما ينفق عليها وعلى محرمها ذهابا وإيابا.
ومن وجدت محرما، وفرّطت بالتأخير حتى فقدته مع قدرتها المالية؛ انتظرت حصوله، فإن أيست من حصوله؛ استنابت من يحج عنها.