والسنة أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر، فيصلي بها الفجر في أول الوقت، ثم يقف بها ويدعوا إلى أن يسفر، ثم يدفع إلى منى قبل طلوع الشمس.
فإن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ونحوهم؛ فإنه يجوز له أن يتعجل في الدفع من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، وكذلك يجوز لمن يلي أمر الضعفة من الأقوياء أن ينصرف معهم بعد منتصف الليل، أما الأقوياء الذين ليس معهم ضعفة؛ فإنه ينبغي لهم أن لا يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر، فيصلوا بها الفجر، ويقفوا بها إلى أن يسفروا.
فالمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، لا يجوز تركه لمن أتى إليها قبل منتصف الليل، أما من وصل إليها بعد منتصف الليل؛ فإنه يجزئه البقاء فيها ولو قليلاً، وإن كان الأفضل له أن يبقى فيها إلى طلوع الفجر، ويصلي فيها الفجر، ويدعوا بعد ذلك.
قال في "المغني": "ومن لم يواف مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل؛ فلا شيء عليه؛ لأنه لم يدرك جزءًا من النصف الأول، فلم يتعلق به حكمه".
ويجوز لأهل الأعذار ترك المبيت بمزدلفة؛ كالمريض الذي يحتاج إلى تمريضه في المستشفى، ومن يحتاج إليه المريض لخدمته،
стр. 422
وكالسقاة والرعاة؛ أن النبي ﷺ رخص للرعاة في ترك المبيت.
فالحاصل أن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج لمن وافاها قبل منتصف الليل؛ لأن النبي ﷺ بات بها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، وإنما أبيح الدفع بعد منتصف الليل؛ لما ورد فيه من الرخصة.
ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى منى؛ لقول عمر: "كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير [وثبير اسم جبل يطل على مزدلفة يخاطبونه؛ أي: لتطلع عليك الشمس حتى ننصرف] ، فخالفهم النبي ﷺ فأفاض قبل طلوع الشمس".
ويدفع وعليه السكينة، فإذا بلغ وادي محسر، وهو واد بين مزدلفة ومنى يفصل بينهما، وهو ليس منهما، فإذا بلغ هذا الوادي؛ أسرع قدر رمية حجر.
стр. 423
ويأخذ حصى الجمار من طريقة قبل أن يصل منى، هذا هو الأفضل، أو يأخذه من مزدلفة، أو من منى، ومن حيث أخذ الحصى؛ جاز؛ لقول ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: "القط لي الحصا". فلقطت له سبع حصيات، هي حصا الخذف١، فجعل ينفضهن في كفه، ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا"، ثم قال: "يا أيها الناس! إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان من قبلكم الغلو في الدين"، فتكون الحصاة من حصى الجمار بحجم حبة الباقلاء، أكبر من الحمص قليلاً.
ولا يجزىء الرمي بغير الحصى، ولا بالحصى الكبار التي تسمى حجرًا؛ لأن النبي ﷺ رمى بالحصى الصغار، وقال: "خذوا عني مناسككم".
فإذا وصل إلى منى وهي ما بين وادي محسر إلى جمرة العقبة؛ ذهب إلى جمرة العقية، وهي آخر الجمرات مما يلي مكة، وتسمى الجمرة الكبرى، فيرميها بسبع حصيات، واحدة بعد طلوع الشمس، ويمتد زمن الرمي إلى الغروب.
ولا بد أن تقع كل حصاة في حوض الجمرة، سواء استقرت فيه أو سقطت بعد ذلك، فيجب على الحاج أن يصوب الحصا إلى حوض الجمرة، لا إلى العمود الشاخص، فإن هذا العمود ما بنى لأجل أن يرمى،
стр. 424
وليس هو موضع الرمي، وإنما بنى ليكون علامة على الجمرة، ومحل الرمي هو الحوض، فلو ضربت الحصاة في العمود، وطارت، ولم ترم على الحوض؛ لم تجزئه.
والضعفة ومن في حكمهم يرمونها بعد منتصف الليل، وإن رمى غير الضعفة بعد منتصف الليل؛ أجزأهم ذلك، وهو خلاف الأفضل في حقهم.
ويسن أن لا يبدأ بشيء حين وصوله إلى منى قبل رمى جمرة العقبة؛ لأنه تحية منى، ويستحب أن يكبر مع كل حصاة، ويقول: "اللهم اجعله حجا مبرورًا وذنبا مغفورًا"، ولا يرمي في يوم النحر غير جمرة العقبة، وهذا مما اختصت به عن بقية الجمرات.
ثم بعد رمي جمرة العقبة الأفضل أن ينحر هديه إن كان يجب عليه هدي تمتع أو قران، فيشتريه، ويذبحه، ويوزع لحمه، ويأخذ منه قسما ليأكل منه.
ثم يحلق رأسه أو يقصره، والحلق أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ، ولحديث ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع"، متفق عليه، ودعا ﷺ للمحلقين ثلاث مرات، وللمقصرين مرة واحدة.
стр. 425
فإن قصر؛ وجب أن يعم جميع رأسه، ولا يجزئ الاقتصار على بعضه أو جانب منه فقط؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ، فأضاف الحلق والتقصير إلى جميع الرأس.
والمرأة يتعين في حقها التقصير، بأن تقص من كل ضفيرة قدر أنملة؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: "ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير"، رواه أبو داود والطبراني والدارقطني، ولأن الحلق في حق النساء مثله، وإن كان رأس المرأة غير مضفور؛ جمعته، وقصت من أطرافه قدر أنملة.
ويسن لمن حلق أو قصر اخذ أظفاره وشاربه وعانته وإبطه، ولا يجوز له أن يحلق لحيته أو يقص شيئا منها؛ لأن النبي ﷺ أمر بتوفير اللحية، ونهى عن حلقها وعن أخذ شيء منها، والمسلم يمتثل ما أمر به النبي ﷺ ، ويجتنب ما نهى عنه، والحاج أولى بذلك؛ لأنه في عبادة.
ومن كان رأسه ليس فيه شعر كالحليق أو الذي لم ينبت له شعر
стр. 426
أصلاً وهو الأصلع؛ فإنه يمر الموسى على رأسه؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم".
ثم بعد رمي جمرة العقبة وحلق رأسه أو تقصيره يكون قد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام من الطيب واللباس وغير ذلك؛ إلا النساء؛ لحديث عائشة ﵂: "إذا رميتم وحلقتم؛ فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء؛ إلا النساء"، رواه سعيد، وعنها: "كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك"، متفق عليه.
وهذا هو التحلل الأول ويحصل باثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة، وحلق أو تقصير، وطواف الإفاضة مع السعي بعده لمن عليه السعي.
ويحصل التحلل الثاني وهو التحلل الكامل بفعل هذه الثلاثة كلها، فإذا فعلها؛ حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام، حتى النساء.
ثم بعد رمي جمرة العقبة ونحر هدية وحلقه أو تقصيره يفيض إلى مكة، فيطوف طواف الإفاضة، ويسعى بعده بين الصفا والمروة إن كان متمتعا أو قارنا أو مفردًا ولم يكن سعى بعد طواف القدوم؛
стр. 427
أما إن كان القارن أو المفرد سعى بعد طواف القدوم فإنه يكفيه ذلك السعي المقدم، فيقتصر على طواف الإفاضة.
وترتيب هذه الأمور الأربعة على هذا النمط:
رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير ثم الطواف والسعي.
هذا الترتيب سنة، ولو خالفه، فقدم بعض هذه الأمور على بعض؛ فلا حرج عليه؛ لأنه ﷺ ما سئل في هذا اليوم عن شيء قدم ولا أخر؛ إلا قال: "افعل ولا حرج"، لكن ترتيبها أفضل؛ لأن النبي ﷺ رتبها كذلك.
وصفة الطواف بالبيت أنه يبتدىء من الحجر الأسود، فيحاذيهن ويستلمه بيده؛ بأن يمسحه بيده اليمنى ويقبله إن أمكن، إن لم يمكنه الوصول إلى الحجر لشدة الزحمة؛ فإنه يكتفي بالإشارة إليه بيده، ولا يزاحم لاستلام الحجر أو تقبيله، ويجعل البيت على يساره، ثم يبدأ الشوط الأول، ويشتغل بالذكر والدعاء أو تلاوة القرآن، فإذا وصل إلى الركن اليماني؛ استلمه إن أمكن، ولا يقبله، ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ،
стр. 428
فإذا وصل إلى الحجر الأسود؛ فقد تم الشوط الأول، فيستلم الحجر، أو يشير إليه، ويبدأ الشوط الثاني ... وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط.
ويشترط لصحة الطواف ثلاثة عشر شرطا هي: الإسلام، والعقل، والنية، وستر العورة، والطهارة، وتكميل السبعة، وجعل البيت عن يساره، والطواف بجميع البيت؛ بأن لا يدخل مع الحجر أو يطوف على جداره، وأن يطوف ماشيا مع القدرة، والموالاة بن الأشواط؛ إلا إذا أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة؛ فإنه يصلي، ثم يبني على ما مضى من طوافه بعد أن يستأنف الشوط الذي صلى في أثنائه، وأن يطوف داخل المسجد، وأن يبتدئ من الحجر الأسود ويختم به.
ثم بعد تمام الطواف يصلي ركعتين، والأفضل كونهما خلف مقام إبراهيم، ويجوز أن يصليهما في أي مكان في المسجد أو في غيره من الحرم، وهما سنة مؤكدة، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .
ثم يخرج إلى الصفا ليسعى بينه وبين المروة، فيرقى على الصفا، ويكبر ثلاثا، ويقول: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير"،
стр. 429
ثم ينزل من الصفا متجها إلى المروة، ويكون بذلك قد بدأ الشوط الأول، ويسعى بين الميلين الأخضرين سعيا شديدًا، وفي خارج الميلين يمشي مشيا معتادًا، حتى يصل المروة، فيرقى عليها، ويقول ما قاله على الصفا، ويكون بذلك قد أنهى الشوط الأول، فينزل من المروة متجها إلى الصفا، ويكون بذلك قد بدأ الشوط الثاني؛ يمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه ... وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط؛ يبدؤها من الصفا، ويختمها بالمروة، ذهابه من الصفا إلى المروة سعية، ورجوعه من المروة إلى الصفا سعيه.
ويستحب أن يشتغل أثناء السعي بالدعاء والذكر أو تلاوة القرآن.
وليس للطواف والسعي دعاء مخصوص، بل يدعو بما تيسر له من الأدعية.
وشروط صحة السعي: النية، واستكمال ما بين الصفا والمروة، وتقدم الطواف عليه.
стр. 430
باب في أحكام الحج التي تفعل في أيام التشريق وطواف الوداع
وبعد طواف الإفاضة يوم العيد يرجع إلى منى، فيبيت بها وجوبا؛ لحديث ابن عباس؛ قال: "لم يرخص رسول الله ﷺ لأحد يبيت بمكة؛ إلا للعباس لأجل سقايته"، رواه ابن ماجه.
فيبيت بمنى ثلاث ليال إن لم يتعجل، وإن تعجل؛ بات ليلتين: ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر.
ويصلي الصلوات فيها قصرًا بلا جمع، بل كل صلاة في وقتها.
ويرمي الجمرات الثلاث كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال؛ لحديث جابر ﵁: "رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد؛ فإذا زالت الشمس"، رواه الجماعة،
стр. 431
وقال ابن عمر: "كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا"، رواه البخاري وأبو داود، وقوله: "نتحين" أي: نراقب الوقت المطلوب، ولقوله ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم".
فالرمي في اليوم الحادي عشر وما بعده يبدأ وقته بعد الزوال، وقبله لا يجزئ؛ لهذه الأحاديث؛ حيث وقته النبي ﷺ بذلك بفعله، وقال: "خذوا عني مناسككم"؛ فكما لا تجوز الصلاة قبل وقتها؛ فإن الرمي لا يجوز قبل وقته، ولأن العبادات توقيفيه.
قال الإمام العلامة ابن القيم ﵀ وهو يصف رمي النبي ﷺ كما وردت به السنة المطهرة؛ قال: "ثم رجع ﷺ بعد الإفاضة إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلما أصبح؛ انتظر زوال الشمس، فلما زالت؛ مشى من رحله إلى الجمار، ولم يركب، فبدا بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الحيف، فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، ويقول مع كل حصاة: الله أكبر، ثم يتقدم على الجمرة أمامها، حتى أسهل، فقام مستقبل القبلة، ثم رفع يديه، ودعا دعاءً طويلاً بقدر سورة البقرة، ثم أتى إلى الجمرة الوسطى، فرماها كذلكن ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه، فاستبطن الوادي، واستعرض الجمرة، فجعل
стр. 432
البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، فرماها بسبع حصيات كذلك ... ".
إلى أن قال: "فلما أكمل الرمي؛ رجع من فوره، ولم يقف عندها [يعني: جمرة العقبة] ، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة؛ فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة؛ إذ كان يدعو في صليها" انتهى.
ولا بد من ترتيب الجمرات على النحو التالي ك يبدأ بالجمرة الأولى، وهي التي تلي منى قرب مسجد الخيف، ثم الجمرة الوسطى، وهي التي تلي الأولى، ثم الجمرة الكبرى، وتسمى جمرة العقبة، وهي الخيرة مما يلي الكعبة، يرمي كل جمرة بسبع حصيات متوالية، يرفع مع كل حصوة يده، ويكبر، ولا بد أن تقع كل حصاة في الحوض، سواء استقرت فيه أو سقطت منه بعد ذلك فإن لم تقع في الحوض لم تجز.
ويجوز للمريض وكبير السن والمرأة الحامل أو التي يخاف عليها من شدة الزحمة في الطريق أو عند الرمي، يجوز لهؤلاء أن يوكلوا من يرمي عنهم.
ويرمي النائب كل جمرة عن مستنيبه في مكان واحد، ولا يلزمه أن يستكمل رمي الجمرات على نفسه، ثم يبدأ برميها عن مستنيبه؛ لما في
стр. 433
ذلك من المشقة والحرج في أيام الزحام، والله أعلم، وإن كان النائب يؤدي فرض حجه؛ فلا بد أن يرمي عن نفسه كل جمرة أولاً، ثم يرميها عن موكله.
ثم بعد رمي الجمرات الثلاث في اليوم الثاني عشر؛ إن شاء تعجل وخرج من منى قبل غروب الشمس، وإن شاء تأخر وبات ورمى الجمرات الثلاث بعد الزوال في اليوم الثالث عشر، وهو أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ .
وغن غربت عليه الشمس قبل أن يرتحل من منى؛ لزمه التأخر والمبيت والرمي في اليوم الثالث عشر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ واليوم اسم للنهار، فمن أدركه الليل؛ فما تعجل في يومين.
والمرأة إذا حاضت أو نفست قبل الإحرام ثم أحرمت، أو أحرمت وهي طاهرة ثم أصابها الحيض أو النفاس وهي محرمة؛ فإنها تبقى في إحرامها، وتعمل ما يعمله الحاج من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والمبيت بمنى؛ إلا أنها لا تطوف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر من حيضها أو نفاسها.
لكن لو قدر أنها طافت وهي طاهرة، ثم نزل عليها الحيض بعد الطواف؛ فإنها تسعى بين الصفا والمروة، ولا يمنعها الحيض من ذلك؛ لأن السعي لا يشترط الطهارة.
стр. 434
فإذا أراد الحاج السفر من مكة والرجوع إلى بلده أو غيره؛ لم يخرج حتى يطوف للوداع بالبيت سبعة أشواط إذا فرغ من كل أموره ولم يبق إلا الركوب للسفر؛ ليكون آخر عهده بالبيت؛ إلا المرأة الحائض؛ فإنها لا وداع عليها، فتسافر بدون وداع؛ كما ورد عن ابن عباس ﵄؛ قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلا أنه خفف عن المرأة الحائض"، متفق عليه، وفي رواية عنه؛ قال: كان الناس ينصرفون من كل وجه؛ فقال النبي ﷺ : "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه. وعن ابن عباس: "أن النبي ﷺ رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت للإفاضة"، رواه أحمد. وعن عائشة ﵂؛ قالت: حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت: فذكرت ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "أحابستنا هي؟ " قلت: يا رسول الله! إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: "فلتنفر إذًا" متفق عليه.
стр. 435
باب في أحكام الهدي والأضحية
الهدي ك ما يهدى للحرم ويذبح فيه من نعم وغيرها، سمي بذلك لأنه يهدي إلى الله سبحانه تعالى.
والأضحية بضم الهمزة وكسرها: ما يذبح في البيوت يوم العيد وأيام التشريق تقربا إلى الله.
وأجمع المسلمون على مشروعيتهما.
قال العلامة ابن القيم: "القربان للخالق يقوم مقام الفدية للنفس والمستحقة للتلف، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ ، فلم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل" انتهى.
وأفضل الهدي الإبل، ثم البقر، إن أخرج كاملاً؛ لكثرة الثمن، ونفع الفقراء، ثم الغنم.
وأفضل كل جنس أسمنه ثم أغلاه ثمنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب﴾ .
ولا يجزئ إلا جذع الضأن، وهو ما تم له ستة أشهر، والثني مما سواه من إبل وبقر ومعز، والثني من الإبل ما تم له خمس سنين،
стр. 436
ومن البقر ما تم له سنتان ومن المعز ما تم له سنة.
وتجزئ الشاة في الهدي عن واحد، وفي الأضحية تجزئ عن الواحد وأهل بيته، وتجزئ البدنة والبقرة في الهدي والأضحية عن سعة؛ لقول جابر: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما"، رواه مسلم.
وقال أبو أيوب ﵁: "كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون"، رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه، والشاة أفضل من سبع البدنة والبقرة.
ولا يجزئ في الهدي والأضحية إلا السليم من المرض ونقص الأعضاء ومن الهزال؛ فلا تجزئ العوراء بينة العور، ولا العمياء، ولا العجفاء وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، ولا العرجاء التي لا تطيق المشي مع الصحيحة، ولا الهتماء التي ذهبت ثناها من أصلها، ولا الجداء التي نشف ضرعها من اللبن بسبب كبر سنها، ولا تجزئ المريضة البين مرضها؛ لحديث البراء بن عازب؛ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي"، رواه أبو داود والنسائي.
стр. 437
ووقت ذبح هدي التمتع والأضاحي بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق على الصحيح.
ويستحب أن يأكل من هديه إذا كان هدي تمتع أن قران ومن أضحيته ويهدي ويتصدق؛ أثلاثا؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ .
وأما هدي الجبران، وهو ما كان عن فعل محظور من محظورات الإحرام أو عن ترك واجب؛ فلا يأكل منه شيئا.
ومن أراد أن يضحي؛ فإنه إذا دخلت عشر ذي الحجة؛ لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا إلى ذبح الأضحية لقوله ﷺ : "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا، حتى يضحي"، رواه مسلم.
فإن فعل شيئا من ذلك؛ استغفر الله، ولا فدية عليه.
стр. 438
ويسن تحسين الاسم؛ لقوله ﷺ : "إنكم تدعون بأسمائكم وأسماء آبائكم؛ فأحسنوا أسمائكم"، رواه أبو داود.
وكان ﷺ يحب الاسم الحسن، ويحرم تعبيده لغير الله؛ كأن يسمى عبد الكعبة، وعبد النبي، وعبد المسيح، عبد علي، وعبد الحسين.
قال الإمام ابن حزم ﵀: "اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله؛ كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب"؛ لأنه إخبار؛ كبني عبد الدار وعبد شمس، ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، وتكره التسمية بالأسماء غير المناسبة؛ كالعاصي، وكليب، وحنظلة، ومرة، وحزن، وقد كره النبي ﷺ مباشرة الاسم القبيح من الأشخاص والأماكن، وقال ﷺ : "إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن"، رواه مسلم وغيره؛ فينبغي الاهتمام باختيار الاسم
стр. 439
الحسن للمولود، وتجنب الأسماء المحرمة والمكروهة؛ لأن ذلك من حق الولد على والده.
ويجزئ في العقيقة ما يجزئ في الأضحية من حيث السن والصفة، فيختار السليمة من العيب والأمراض، والكاملة في خلقتها المناسبة في سنها وسمنها، ويستحب أن يأكل منها ويهدي ويتصدق؛ أثلاثا كالضحية.
وتخالف العقيقة الأضحية في كونها لا يجزئ فيها شرك من دم؛ فلا تجزئ فيها بدنة ولا بقرة إلا كاملة؛ لأنها فدية عن النفس؛ فلا تقبل التشريك، ولم يرد فيها تشريك، حيث لم يفعله النبي ﷺ ، ولا أحد من الصحابة.
وينبغي العناية بأمر المولود بما يصلحه وينشئه على الأخلاق الفاضلة ويكون سببا في صلاحه، فيحتاج الطفل إلى العناية بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي، قال الشاعر:
وينشأ ناشىء الفتيان منا ... على ما كان عودة أبوه
فيصعب عليه في كبره تلاقي ذلك، ولهذا تجد بعضا أو كثيرًا من الناس منحرفة أخلاقهم بسبب التربية التي نشؤوا عليها.
فيجب أن يجنب الطفل مجالس اللهو والباطل وقرناء السوء،
стр. 440
ويجب أن يكون البيت الذي ينشأ فيه بيئة صالحة؛ لأن البيت بمثابة المدرسة الأولى؛ بما فيه من الوالدين وأفراد الأسرة، فيجب إبعاد وسائل الشر والفساد عن البيوت، خصوصا في هذا الزمان الذي كثرت فيه فيه وسائل الشرن وامتلأت بها غالب البيوت؛ إلا من ﵀؛ فيجب الحذر من ذلك.
كما يجب تنشئة الطفل على العبادة والطاعة واحترام الدين والعناية بالقرآن ومحبته؛ لأنه من أعظم وسائل السعادة في الدنيا والآخرة.
وبالجملة؛ يجب على والد الطفل والمتولي شأنه أن يكون قدوة صالحة في أخلاقه وسلوكه وعادته، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 441
باب في أحكام العقيقة
العقيقة من حق الولد على والده، وهي الذبيحة التي يذبحها عنه تقربا إلى الله ، فهي سنة سنها رسول الله ﷺ ؛ فقد عق عن الحسن والحسين؛ كما رواه أبو داود وغيره، وفعل ذلك صحابته الكرام، فكانوا يذبحون عن أولادهم، وفعله التابعون.
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها؛ لما رواه الحسن عن سمرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "كل غلام مرتهن بعقيقته"، قال أحمد: "معناه: مرتهن عن الشفاعة لوالديه"، وقال ابن القيم: "إنها سبب في حسن سجاياه وأخلاقه إن عق عنه".
стр. 442
كتاب الجهاد
باب في أحكام الجهاد
شرع الله الجهاد في سبيله لإعلاء كلمته ونصرة دينه ودحر أعدائه، وشرعه ابتلاءً واختبارًا لعباده، ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ .
والجهاد في سبيل الله له الأهمية العظيمة في الإسلام؛ فهو ذروة سنام الإسلام، وهو من أفضل العبادات، وقد عده بعض العلماء ركنا سادسا من أركان الإسلام.
والجهاد في سبيل الله مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال﴾ ، وفعله النبي ﷺ وأمر به، وقال ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه
стр. 443
بالغزو؛ مات على شعبة من النفاق".
والجهاد مصدر جاهد؛ أي: بالغ في قتال عدوه، وشرعا: قتال الكفار، ويطلق الجهاد على أعم من القتال.
قال العلامة ابن القيم: "وجنس الجهاد فرض عين: إما بالقلب، وإما باللسان وإما بالمال، وإما باليد؛ فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع" انتهى.
ويطلق الجهاد أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق:
فأما مجاهدة النفس؛ فعلى تعلم أمور الدين، ثم العمل بها، ثم تعليمها.
وأما مجاهدة الشيطان؛ فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفار؛ فتقع باليد والمال واللسان والقلب.
وأما مجاهدة الفساق؛ فباليد، ثم باللسان، ثم بالقلب؛ حسب التمكن من درجات إنكار المنكر.
والجهاد فرض كفاية، إذا قام به من يكفي؛ سقط الوجوب عن الباقين، وبقى في حقهم سنة.
وهو أفضل متطوع به، وفضله عظيم، والنصوص في الأمر به والترغيب فيه من الكتاب والسنة كثيرة جدًا؛ قوله تعالى:
стр. 444
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
وهناك حالات يجب فيها الجهاد وجوبا عينيا، وهي:
أولاً: إذا حضر القتال؛ وجب عليه أن يقاتل، ولا يجوز له أن ينصرف.
ثانيا: إذا حصر بلده عدو.
لأنه في هاتين الحالتين يكون جهاد دفع، لا جهاد طلب، فلو انصرف عنه؛ استولى الكفار على حرمات المسلمين.
ثالثا: إذا احتاج إليه المسلمون في القتال والمدافعة.
رابعا: إذا استنفره الإمام؛ لقوله ﷺ : "وإذا استنفرتم؛ فانفروا"، وقال تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة،
стр. 445
فيجب بغاية ما يمكنه، ويجب على القعدة؛ لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم ومالهم" انتهى.
ويجب على الإمام أن يتفقد الجيش عند المسير للجهاد، ويمنع من لا يصلح لحرب من رجال وخيل ونحوها، فيمنع المخذل الذي يخذل الناس عن القتال، ويزهدهم فيه، ويمنع المرجف الذي يخوف الغزاة، ويمنع من يسرب الأخبار إلى الأعداء أو يوقع الفتنة بين الغزاة، ويؤمر على الغزاة أميرًا يسوس الجيش بالسياسة الشرعية.
ويجب على الجيش طاعته بالمعروف، والنصح له، والصبر معه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .
إن الجهاد في الإسلام شرع لأهداف سامية وغاية نبيلة:
شرع الله الجهاد لتخليص العباد من عبادة الطواغيت والأوثان لعبادة الله وحده لا شريك له، الذي خلقهم ورزقهم، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّه﴾ .
شرع الله الجهاد لإزالة الظلم وإعادة الحقوق إلى مستحقيها،
стр. 446
قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّه﴾ .
شرع الجهاد لإذلال الكفار والانتقام منهم، وإضعاف شوكتهم، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
والقتال إنما يكون بعد تبليغ الدعوة، كما كان الرسول ﷺ يدعو الناس قبل القتال إلى الإسلام، ويكاتب الملوك بذلك، ويوصي قواد الجيوش الإسلامية بدعوة الناس إلى الإسلام قتالهم، فإن استجابوا، وإلا قاتلوهم، وذلك لأن الغرض من القتال في الإسلام هو إزالة الكفر والشرك، والدخول في دين الله، فإذا حصل ذلك بدون قتال؛ لم يحتج إلى القتال، والله أعلم.
وللجهاد أحكام مفصلة موجودة في الكتب المطولة.
وإذا كان أبواه مسلمين حرين أو أحدهما؛ لم يجاهد تطوعا إلا
стр. 447
بإذنهما؛ لقوله ﷺ : "ففيهما فجاهد"، صححه الترمذي، وذلك لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية.
وعلى إمام المسلمين أن يتفقد الجيش عند المسير، ويمنع من لا يصلح للحرب من رجال وخيل كالمخذل والمرجف اللذين يثبطان الناس عن القتال، ويزهدان فيه، ويخوفان المسلمين، وينشران الأخبار والإشاعات التي تخوف الجند.
وعلى الإمام أن يعين القادة للجيوش، وينفل من الغنيمة من في تنفيله مصلحة للجهاد، ويقسم بقية الغنائم في الجيش كله.
ويلزم الجيش طاعة أميرهم بالمعروف، والنصح له، والصبر معه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .
ولا يجوز قتل صبي ولا امرأة وراهب وشيخ فان ومريض مزمن وأعمى لا رأى لهم، ولم يقاتلوا أو يحرضون ويكونون أرقاء بالسبي؛ لأنه ﷺ كان يسترق النساء والصبيان إذا سباهم.
وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب. والغنيمة ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال، وما ألحق به مما أخذ فداء، وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال بقصد القتال، قاتل أو لم يقاتل لأنه ردأ للمقاتلين، ومستعد للقتال، فأشبه المقاتلين، ولقول عمر ﵁: "الغنيمة لمن شهد الوقعة".
وكيفية توزيع الغنيمة: أن الإمام يخرج الخمس الذي لله ولرسوله، وسهم لقرابة الرسول ﷺ واليتامى والفقراء والمساكين وأبناء السبيل،
стр. 448
ثم يقسم الأخماس الأربعة الباقية على المقاتلين؛ للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه؛ لأنه ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له، متفق عليه.
ويقوم مقام الإمام في توزيع الغنيمة نائبة.
ويحرم الغلول، وهو كتمان شيء مما غنمه المقاتل، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، ويجب تعزير الغال بما يراه الإمام رادعا ولأمثاله.
وإذا كانت الغنيمة أرضا؛ خير الإمام بين قسمتها ين الغانمين، وبين وقفها لمصالح المسلمين، ويضرب عليها خراجا مستمرًا يؤخذ ممن هي بيده.
وما تركه الكفار فزعا من المسلمين، ومال من لا وارث له، وخمس خمس الغنيمة وهو سهم رسول الله ﷺ ؛ فهو فيء يصرف في مصالح المسلمين.
ويجوز لإمام المسلمين عقد الهدنة مع الكفار على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة إذا كان في عقدها مصلحة للمسلمين، وذلك إذا جاز تأخير الجهاد من أجل ضعف المسلمين، أما إن كان المسلمون أقوياء يقدرون على الجهاد؛ فلا يجوز عقد الهدنة؛ لأنه ﷺ عقد الهدنة مع الكفار في صلح الحديبية، وصالح اليهود في المدينة.
стр. 449
أما إن كان المسلمون أقوياء يقدرون على الجهاد فلا يجوز الهدنة
وإذا خاف الإمام مهم نقضا للهدنة؛ أعلن لهم انتهاء الهدنة قبل قتالهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ؛ أي: أعلمهم بنقض العهد حتى تصير أنت وهم سواء في العلم بذلك.
ويجوز للإمام عقد الذمة مع أهل الكتاب والمجوس، ومعناه: إقرارهم على دينهم؛ بشرط بذلهم الجزية، والتزام أحكام الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ؛ فالجزية هي مال يؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام بدلاً عن قتلهم وإقامتهم بدارنا.
ولا تؤخذ الجزية من صبي ولا امرأة ومجنون وزمن وأعمى وشيخ فان، ولا من فقير يعجز عنها.
ومتى بذلوا الجزية؛ وجب قبولها منهم، وحرم قتالهم، ووجب دفع من قصدهم بأذى؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ، فجعل إعطاء الجزية غاية لكف القتال عنهم، ولقوله ﷺ : "فاسألهم الجزية، فإن أجابوك؛ فاقبل منهم، وكف عنهم". والله أعلم.
стр. 450
ويجوز إعطاء الكافر المفرد الأمان من كل مسلم إذا لم يحصل منه ضرر على المسلمين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ .
ويجوز للإمام إعطاء الأمان لجميع المشركين ولبعضهم؛ لأن ولايته عامة، وليس لآحاد الرعية؛ إلا أن يجيزه الإمام، ويجوز للأمير في ناحية إعطاؤه لهل بلدة قريبة منه.
стр. 451
المجلد الثاني
كتاب البيوع
باب في أحكام البيوع
...
كتاب البيوع (قسم المعاملات وغيرها)
باب في أحكام البيوع
وضح الله في كتابه الكريم وبين النبي ﷺ في سنته المطهرة أحكام المعاملات؛ لحاجة الناس إلى ذلك؛ لجاجتهم إلى الغذاء التي تقوى به أبدانهم، وإلى الملابس والمساكن والمراكب وغيرها من ضروريات الحياة ومكملاتها.
والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
وقال النبي ﷺ : " البيعان بالخيار مالم يتفرقا، فإن صدقا وبينا؛ بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما؛ محقت بركة بيعهما ".
وقد أجمع العلماء على ذلك في الجملة.
стр. 452
وأما القياس؛ فمن ناحية؛ أن حاجة الناس داعية إلى وجود البيع؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما يد صاحبه من ثمن أو مثمن، وهو لا يبذله إلا بعوض، فاقتضت جواز البيع للوصول إلى الغرض المطلوب.
وينعقد البيع بالصيغة القولية أو الصيغة الفعلية.
والصيغة القولية تتكون من: الإيجاب، وهو اللفظ الصادر من البائع، كأن يقول: بعث. والقبول، وهو اللفظ الصادر من المشتري، كأن يقول: اشتريت.
والصيغة الفعلية هي المعاطاة التي تتكون من الأخذ والإعطاء، كأن يدفع إليه السلعة، فيدفع له ثمنها المعتاد.
وقد تكون الصيغة مركبة من القولية والفعلية.
قال الشيخ تقي الدين ﵀: "بيع المعاطاة له صور:
إحداها: إن يصدر من البائع إيجاب لفظي فقط، ومن المشتري أخذ؛ كقول: خذ هذا الثوب بدينار. فيأخذه، وكذلك لو كان الثمن معينا؛ مثل أن يقول: خذ هذا الثوب بثوبك. فيأخذه.
الثانية: أن يصدر من المشتري لفظ، ومن البائع إعطاء، سواء كان الثمن معينا أو مضمونا في الذمة.
الثالثة: أن لا يلفظ واحد منهما، بل هناك عرف بوضع الثمن وأخذ المثمن" انتهى.
стр. 453
ويشترط لصحة البيع شروط، منها ما يشترط في العاقدين، ومنها ما يشترط في المعقود عليه، إذا فقد منها شرط؛ لم يصح البيع:
فيشترط في العاقدين:
أولاً: التراضي منهما؛ فلا يصح البيع إذا كان أحدهما مكرها بغير حق؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم﴾ ، وقال النبي ﷺ : "إنما البيع عن تراض"، رواه ابن حبان وابن ماجه وغيرهما، فإن كان الإكراه بحق؛ صح البيع؛ كما لو أكرهه الحاكم على بيع ما له لوفاء دينه؛ فإن هذا إكراه بحق.
ثانيا: يشترط في كل من العاقدين أن يكون جائز التصرف؛ بأن يكون حرأ مكلفا رشيدًا؛ فلا يصح البيع والشراء من صبي وسفيه ومجنون ومملوك بغير إذن سيده.
ثالثا: يشترط في كل من العاقدين أن يكون مالكا للمعقود عليه أو قائما مقام مالكه؛ لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك"، رواه ابن ماجه والترمذي وصححه؛ أي لا تبع ما ليس في ملكك من الأعيان.
стр. 454
قال الوزير: "اتفقوا على أنه لا يجوز بيع ما ليس عنده ولا في ملكه، ثم يمضي فيشتريه له، وأنه باطل".
ويشترط في المعقود عليه في البيع:
أولاً: أن يكون مما يباح الانتفاع به مطلقا؛ فلا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به؛ كالخمر، والخنزير، وآله اللهو، والميتة، لقوله ﷺ : "إن الله حرم بيع الميته والخمر والأصنام"، متفق عليه، ولأبي داود: "حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه"، ولا يصح بيع الأدهان النجسة ولا المتنجسة؛ لقوله ﷺ : "إن الله إذا حرم شيئا؛ حرم ثمنه"، وفي المتفق عليه: أرأيت شخوم الميتة؛ فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام".
ثانيا: ويشترط في المعقود عليه في البيع من ثمن ومثمن أن يكون مقدورًا على ذ؛ لأن ما لا يقدر على تسليمه بالمعدوم، فلم يصح بيعه؛ فلا يصح بيع عبد آبق، ولا بيع جمل شادر، ولا طير في الهواء، ولا بيع مغصوب من غير غاصبه أو قادر على أخذه من الغاصب.
стр. 455
ثالثا: يشترط في الثمن والمثمن أن يكون كل منهما معلوما عند المتعاقدين؛ لأن الجهالة غزر، والغزر منهي عنه؛ فلا يصح شراء ما لم يره، أو رآه وجهله، ولا بيع حمل في بطن ولبن في ضرع منفردين، ولا يصح بيع الملامسة؛ كأن يقول: أي ثوب لمسته؛ فهو عليك بكذا، ولا بيع المنابذة كأن يقول: أي ثوب نبذته إلي أي طرحته؛ فهو بكذا؛ لحديث أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة"، متفق عليه.
ولا يصح بيع الحصاة؛ كقوله: ارم هذه الحصاة؛ فعلى أي ثوب وقعت؛ فهو لك بكذا.
стр. 456
باب في بيان البيوع المنهي عنها
الله سبحانه أباح لعباده البيع والشراء؛ ما لم يترتب على ذلك تفويت لما هو أنفع وأهم؛ كأن يزاحم ذلك أداء عبادة واجبة، أو يترتب على ذلك إضرار بالآخرين.
فلا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه صلاة الجمعة بعد ندائها الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، فقد نهى الله سبحانه تعالى: عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها، وخص البيع من أهم ما يشتغل به المرء من أسباب المعاش، والنهي يقتضي التحريم وعدم صحة البيع، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ ؛ يعني: الذي ذكرت لكم من ترك البيع وحضور الجمعة، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الاشتغال بالبيع، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مصالح أنفسكم، كذلك التشاغل بغير البيع عن الصلاة محرم.
وكذلك بقية الصلوات المفروضة لا يجوز التشاغل عنها بالبيع
стр. 457
والشراء وغيرهما بعد ينادى لحضورها في المساجد؛ قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
وكذلك لا يصح بيع الشيء على من يستعين به على معصية لله ويستخدمه فيما حرم الله؛ فلا يصح بيع العصير على من يتخذه خمرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، وذلك إعانة على العدوان.
وكذا لا يجوز ولا يصح بيع سلاح في وقت الفتنة بين المسلمين؛ لئلا يقتل به مسلما، وكذا جميع آلات القتال لا يجوز بيعها في مثل هذه الحالة؛ لأنه ﷺ نهى عن ذلك، ولقوله: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
قال ابن القيم: "قد تظاهرت أدلة الشرع على أن المقصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده، وفي حله وحرمته؛ فالسلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلما حرام باطل؛ لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله؛ فهو طاعة وقربة، وكذا لا يجوز بيع سلاح لمن يحاربون المسلمين أو يقطعون به الطريق؛ لأنه إعانة على معصية".
стр. 458
ولا يجوز بيع عبد مسلم لكافر إذا لم عليه؛ لما في ذلك من الصغار وإذلال المسلم للكافر، وقال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ، وقال النبي ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه".
ويحرم بيعه على بيع أخيه المسلم؛ كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك خيرًا منها بثمنها، قال النبي ﷺ : "ولا بيع بعضكم على بيع بعض"، متفق عليه، وقال ﷺ : "لا بيع الرجل على بيع أخيه"، متفق عليه.
وكذا يحرم شراؤه على شرائه؛ كأن يقول لمن باع سلعته بتسعة: أشتريها منك بعشرة.
وكم يحصل اليوم في أسواق المسلمين من أمثال هذه المعاملات المحرمة؛ فيجب على المسلم اجتناب ذلك، والنهي عنه، وإنكاره على من فعله.
ومن البيوع المحرمة: بيع الحاضر للبادي، والحاضر: هو
стр. 459
المقيم في المدن والقرى، والبادي: القادم من البادية أو غيرها؛ لقوله ﷺ : "لا يبع حاضر لباد".
قال ابن عباس ﵁: "لا يكون له سمسارًا [أي: دلالاً] يتوسط بين البائع والمشتري".
وقال ﷺ : "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
وكما أنه لا يجوز للحاضر أن يتولى بيع سلعة البادي، كذلك لا ينبغي له أن يشتري له. والممنوع هو أن يذهب الحاضر إلى البادي ويقول له: أنا أبيع لك أو أشتري لك. أما إذا جاء البادي للحاضر، وطلب منه أن يبع له أو يشتري له؛ فلا مانع من ذلك.
ومن البيوع المحرمة: بيع العينة، وهو أن يبيع سلعة على شخص بثمن مؤجل، ثم يشتريها منه بخمسة عشر ألفا حالة يسلمها له، وتبقى العشرون الألف في ذمته إلى حلول الأجل؛ فيحرم ذلك؛ لأنه حيلة يتوصل بها إلى الربا، فكأنه باع دراهم مؤجلة بدراهم حالة مع التفاضل، وجعل السلعة حيلة فقط.
стр. 460
قال النبي ﷺ : "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم".
وقال ﷺ : "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع".