٣- النجدات العاذرية:
أصحاب نجدة بن عامر الحنفي١، وقيل عاصم. وكان من شأنه أنه خرج من اليمامة
стр. 142
مع عسكره يريد اللحوق بالأزارقة. فاستقبله أبو فديك وعطية بن الأسود الحنفي في الطائفة الذين خالفوا نافع بن الأزرق؛ فأخبروه بما أحدثه نافع بن الخلاف، بتكفير القعدة عنه، وسائر الأحداث والبدع. وبايعوا نجدة وسموه أمير المؤمنين. ثم اختلفوا على نجدة فأكفره قوم منهم لأمور نفموها عليه:
منها أنه بعث ابنه مع جيش إلى أهل القطيف فقتلوا رجالهم، وسبوا نسائهم وقوموها على أنفسهم وقالو: إن صارت قيمتهن في حصصنا فذاك، وإلا رددنا الفضل: ونكحوهن قبل القسمة. وأكلوا من الغنيمة قبل القسمة. فلما رجعوا إلى نجدة وأخبروه بذلك قال: لم يسعكم ما فعلتم؟ قالوا: لم نعلم أن ذلك لا يسعنا. فعذرهم بجهالتهم.
واختلف أصحابه بذلك. فمنهم من وافقه، وعذر بالجهالات في الحكم الاجتهادي، وقالوا: الدين أمران:
أحدهما: معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، وتحريم دماء المسلمين، يعنون موافقيهم. والإقرار بما جاء من عند الله جملة. فهذا واجب على الجميع، والجهل به لا يعذر فيه.
والثاني: ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلال والحرام. قالوا: ومن جوز العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام قبل قيام الحجة عليه، فهو كافر.
стр. 143
واستحل نجدة بن عامر دماء أهل العهد والذمة وأموالهم في حال التقية، وحكم بالبراءة ممن حرمها. قال: وأصحاب الحدود من موافقيه، لعل الله تعالى يعفو عنهم. وإن عذبهم ففي غير النار، ثم يدخلهم الجنة؛ فلا تجوز البراءة عنهم.
قال: ومن نظر نظرة، أو كذب كذبة صغيرة أو كبيرة وأصر عليها فهو مشرك. ومن زنى، وشرب، وسرق غير مصر عليه فهو غير مشرك. وغلظ على الناس في حد الخمر تغليظا شديدا.
ولما كاتب عبد الملك بن مروان وأعطاء الرضى، نقم عليه أصحابه فيه، فاستتابوه، فأظهر التوبة فتركوا النقمة عليه والتعرض له. وندمت طائفة على هذه الاستتابة وقالوا: أخطأنا وما كان لنا أن نستتيب الإمام، وما كان له أن يتوب باستتابتنا إياه. فتابوا من ذلك وأظهروا الخطأ، وقالوا له: تب من توبتك وإلا نابذناك، فتاب من توبته.
وفارقه أبو فديك وعطية. ووثب عليه أبو فديك فقتله. ثم برئ أبو فديك من عطية، وعطية من أبي فديك. وأنفذ عبد الله بن مروان: عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي مع جيش إلى حرب أبي فديك فحاربه أياما، فقتله ولحق عطية بأرض سجستان، ويقال لأصحابه العطوية. ومن أصحابه: عبد الكريم بن عجرد زعيم العجاردة.
وإنما قيل للنجدات: العاذرية، لأنهم عذروا بالجهالات في أحكام الفروع. وحكى الكعبي عن النجدات: أن التقية جائزة في القول والعمل كله، وإن كان في قتل النفوس. قال: وأجمعت النجدات على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط. وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم. فإن هم رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم عليه فأقاموه، جاز.
ثم افترقوا بعد نجدة إلى: عطوية، وفديكية. وبرئ كل واحد منهما عن صاحبه بعد قتل نجدة. وصارت الدار لأبي فديك إلا من تولى نجدة. وأهل سجستان وخراسان وكرمان وقهستان، من الخوارج على مذهب عطية.
وقيل: كان نجدة بن عامر، ونافع بن الأزرق قد اجتمعا بمكة مع الخوارج على
стр. 144
ابن الزبير ثم تفرقا عنه. واختلف نافع ونجدة، فصار نافع إلى البصرة، ونجدة إلى اليمامة.
وكان سبب اختلافهما أن نافعا قال: التقية لا تحل، والقعود عن القتال كفر. واحتج بقول الله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١ وبقوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ٢.
وخالفه نجدة وقال: التقية جائزة، واحتج بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ٣ وبقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ ٤ وقال: العقود جائز، والجهاد إذا أمكنه أفضل، قال الله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٥.
وقال نافع: هذا في أصحاب النبي ﷺ حين كانوا مقهورين، وأما في غيرهم مع الإمكان فالقعود كفر، لقول الله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٦.
стр. 145
٤- البيهسية:
أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر، وهو أحد بني سعد بن ضبيعة، وقد كان الحجاج طلبه أيام الوليد فهرب إلى المدينة. فطلبه بها عثمان بن حيان المزني فظفر به وحبسه، وكان يسامره إلى أن ورد كتاب الوليد بأن يقطع يديه ورجليه ثم يقتله، ففعل به ذلك.
وكفر أبو بيهس: إبراهيم، وميمون في اختلافهما في بيع الأمة، وكذلك كفر
стр. 146
الواقفية، وزعم أنه لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله تعالى ومعرفة رسله ومعرفة ما جاء به النبي ﷺ ، والولاية لأولياء الله تعالى. والبراءة من أعداء الله. فمن جملة ما ورد به الشرع وحكم به ما حرم الله وجاء به الوعيد، فلا يسعه إلا معرفته بعينه، وتفسيره والاحتراز عنه، ومنه ما ينبغي أن يعرف باسمه، ولا يضره ألا يعرفه بتفسيره حتى يبتلى به، وعليه أن يقف عند ما لا يعلم ولا يأتي بشيء إلا بعلم، وبرئ أبو بيهس عن الواقفية لقولهم: إنا نقف فيمن واقع الحرام وهو لا يعلم أحلالا واقع أم حراما؟ قال: كان من حقه أن يعلم ذلك.
والإيمان: هو أن يعلم كل حق وباطل، وإن الإيمان هو العلم بالقلب دون القول والعمل. ويحكى عنه أنه قال: الإيمان هو الإقرار والعلم، وليس هو أحد الأمرين دون الآخر.
وعامة البيهسية على أن العلم والإقرار والعمل كله إيمان، وذهب قوم منهم إلى أنه لا يحرم سوى ما ورد في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ ١ الآية. وما سوى ذلك فكله حلال.
ومن البيهسية قوم يقال لهم العونية٢، وهم فرقتان:
١- فرقة تقول: من رجع من دار الهجرة إلى القعود برئنا منه.
٢- وفرقة تقول: بل نتولاهم، لأنهم رجعوا إلى أمر كان حلالا لهم.
والفرقتان اجتمعتا على أن الإمام إذا كفر كفرت الرعية: الغائب منهم، والشاهد. ومن البيهسية٣ صنف يقال لهم أصحاب التفسير، زعموا أن من شهد من المسلمين شهادة، أخذ بتفسيرها وكيفيتها.
стр. 147
وصنف يقال لهم أصحاب١ السؤال. قالوا: إن الرجل يكون مسلما إذا شهد الشهادتين، وتبرأ، وتولى، وآمن بما جاء من عند الله جملة، وإن لم يعلم فيسأل ما افترض الله عليه، ولا يضره أن لا يعلم حتى يبتلى به فيسأل، وإن واقع حراما يعلم تحريمه فقد كفر، وقالوا في الأطفال بقول الثعلبية: إن أطفال المؤمنين مؤمنون، وأطفال الكافرين كافرون.
ووافقوا القدرية في القدر، وقالوا: إن الله تعالى فوض إلى العباد، فليس الله في أعمال العباد مشيئة. فبرئت منهم عامة البيهسية.
وقال بعض البيهسية: إن واقع الرجل حراما لم يحكم بكفره حى يرفع أمره إلى الإمام الوالي ويحده، وكل ما ليس فيه حد فهو مغفور.
وقال بعضهم: إن السكر إذا كان من شراب حلال فلا يؤاخذ صاحبه بما قال فيه وفعل.
وقالت العونية: السكر كفر، ولا يشهدون أنه كفر ما لم ينضم إليه كبيرة أخرى من ترك الصلاة، أو قذف المحصن.
ومن الخوارج: أصحاب صالح بن مسرح، ولم يبلغنا عنه أنه أحدث قولا تميز به عن أصحابه. فخرج على بشر بن مروان، فبعث إليه بشر الحارث بن عميرة أو الأشعث
стр. 148
ابن عميرة الهمداني، أنفذه الحجاج لقتاله. فأصابت صالحا جراحة في قصر جلولاء، فاستخلف مكانه شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني المكنى بأبي الصحاري؛ وهو الذي غلب على الكوفة وقتل من جيش الحجاج أربعة وعشرين أميرا، كلهم أمراء الجيوش، ثم انهزم إلى الأهواز، وغرق في نهر الأهواز وهو يقول: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم﴾ ١.
وذكر اليمان أن الشبيبية يسمون مرجئة الخوارج، لما ذهبوا إليه من الوقف في أمر صالح، ويحكى عنه أنه برئ منه وفارقه، ثم خرج يدعي الإمامة لنفسه. ومذهب شبيب ما ذكرناه من مذاهب البيهسية، إلا أن شوكته وقوته ومقاماته مع المخالفين مما لم يكن لخارج من الخوارج، وقصته مذكورة في التواريخ.
стр. 149
٥- العجاردة:
أصحاب١ عبد الكريم بن عجرد، وافق النجدات في بدعهم. وقيل: إنه كان من أصحاب أبي بيهس، ثم خالفه وتفرد بقوله: تجب البراءة عن الطفل حتى يدعى إلى الإسلام، ويجب دعاؤه إذا بلغ، وأطفال المشركين في النار مع آبائهم، ولا يرى المال فيئا حتى يقتل صاحبه، وهم يتولون القعدة إذا عرفوهم بالديانة، ويرون الهجرة فضيلة لا فريضة، ويكفرون بالكبائر، ويحكى عنهم أنهم ينكرون كون سورة يوسف من القرآن، ويزعمون أنها قصة من القصص. قالوا: ولا يجوز أن تكون قصة العشق من القرآن.
стр. 150
ثم إن العجاردة افترقوا أصنافا، ولكل صنف مذهب على حياله، إلا أنهم لما كانوا من جملة العجاردة أوردناهم على حكم التفصيل بالجدول والضلع وهم:
"أ" الصلتية:
أصحاب عثمان بن أبي الصلت، أو الصلت١ بن أبي الصلت. تفرد عن العجاردة بأن الرجل إذا أسلم توليناه وتبرأنا من أطفاله حتى يدركوا فيقبلوا الإسلام.
ويحكى عن جماعة منهم أنهم قالوا: ليس لأطفال المشركين والمسلمين ولاية ولا عداوة حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا، أو ينكروا.
"ب" الميمونية:
أصحاب ميمون بن خالد. كان من جملة العجاردة إلا أنه تفرد عنهم بإثبات القدر خيره وشره من العبد، وإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا، وإثبات الاستطاعة قبل الفعل، والقول بأن الله تعالى يريد الخير دون الشر، وليس له مشيئة في معاصي العباد. وذكر الحسين الكرابيسي في كتابه الذي حكى فيه مقالات الخوارج: أن الميمونية يجيزون نكاح بنات البنات، وبنات أولاد الإخوة والأخوات. وقالوا: إن الله تعالى حرم نكاح البنات، وبنات الإخوة والأخوات، ولم يحرم نكاح أولاد هؤلاء.
وحكى الكعبي والأشعري عن الميمونية إنكارها كون سورة يوسف من القرآن.
وقالوا بوجوب قتال السلطان، وحده، ومن رضي بحكمه. فأما من أنكره فلا يجوز قتاله إلا إذا أعان عليه، أو طعن في دين الخوارج، أو صار دليلا للسلطان. وأطفال المشركين عندهم في الجنة.
"جـ" الحمزية:
أصحاب حمزة بن أدرك٢، وافقوا الميمونية في القدر وفي سائر
стр. 151
بدعها. إلا في أطفال مخالفيهم والمشركين فإنهم قالوا: هؤلاء كلهم في النار.
وكان حمزة من أصحاب الحسين بن الرقاد الذي خرج بسجستان من أهل أوق. وخالفه خلف الخارجي في القول بالقدر، واستحقاق الرئاسة، فبرئ كل واحد منهما عن صاحبه. وجوز حمزة إمامين في عصر واحد، ما لم تجتمع الكلمة، ولم تقهر الأعداء.
"د" الخلفية:
أصحاب خلف الخارجي؛ وهم من خوارج كرمان ومكران. خالفوا الحمزية في القول بالقدر، وأضافوا القدر خيره وشره إلى الله تعالى، وسلكوا في ذلك مسلك أهل السنة. وقالوا: الحمزية ناقضوا حيث قالوا: لو عذب الله العباد على أفعال قدرها عليهم، أو على ما لم يفعلوه كان ظالما. وقضوا بأن أطفال المشركين في النار، ولا عمل لهم ولا ترك، وهذا من أعجب ما يعتقد من التناقض.
"هـ" الأطرافية:
فرقة على مذهب حمزة في القول بالقدر. إلا أنهم عذروا أصحاب الأطراف في ترك ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما يعرف لزومه من طريق العقل. وأثبتوا واجبات عقلية كما قالت القدرية، ورئيسهم غالب بن شاذك من سجستان. وخالفهم عبد الله السديوري وتبرأ منهم.
стр. 152
ومنهم المحمدية أصحاب محمد بن رزق، وكان من أصحاب الحسين بن الرقاد، ثم برئ منه.
"و" الشعيبية:
أصحاب شعيب بن محمد، وكان مع ميمون من جملة العجاردة، إلا أنه برئ منه حين أظهر القول بالقدر.
قال شعيب: إن الله تعالى خالق أعمال العباد، والعبد مكتسب لها قدرة وإرادة، مسئول عنها خيرا وشرا، مجازى عليها ثوابا وعقابا، ولا يكون شيء في الوجود إلا بمشيئة الله تعالى، وهو على بدع الخوارج في الإمامة والوعيد، وعلى بدع العجاردة في حكم الأطفال، وحكم القعدة، والتولي والتبري.
"ز" الحازمية:
أصحاب حازم بن علي أخذوا بقول شعيب في أن الله تعالى خالق أعمال العباد، ولا يكون في سلطانه إلا ما يشاء. وقالوا بالموافاة، وأن الله تعالى إنما يتولى العباد على ما علم أنهم صائرون إليه في آخر أمرهم من الإيمان، ويتبرأ منهم على ما علم أنهم صائرون إليه في آخر أمرهم من الكفر، وأنه سبحانه لم يزل محبا لأوليائه مبغضا لأعدائه.
ويحكى عنهم أنهم يتوقفون في أمر علي ﵁، ولا يصرحون بالبراءة عنه ويصرحون بالبراءة في حق غيره.
стр. 153
٦- الثعالبة:
أصحاب ثعلبة بن عامر. كان مع عبد الكريم بن عجرد يدا واحدة إلى أن اختلفا في أمر الأطفال فقال ثعلبة: إنا على ولايتهم صغارا وكبارا حتى نرى منهم إنكارا للحق ورضا بالجور. فتبرأت العجاردة من ثعلبة. ونقل عنه أيضا أنه قال: ليس له حكم في حال الطفولة من ولاية وعداوة، حتى يدركوا ويدعوا، فإن قبلوا فذاك، وإن أنكروا كفروا. وكان يرى أخذ الزكاة من عبيدهم إذا استغنوا، وإعطاءهم منها إذا افتقروا.
стр. 154
"أ" الأخنسية:
أصحاب أخنس بن قيس، من جملة الثعالبة. وانفر عنهم بأن قال: أتوقف في جميع من كان في دار التقية من أهل القبلة؛ إلا من عرف منه إيمان فأتولاه عليه، أو كفر فأتبرأ منه. وحرموا الاغتيال والقتل، والسرقة في السر.
ولا يبدأ أحد من أهل القبلة بالقتال حتى يدعى إلى الدين، فإن امتنع قوتل؛ سوى من عرفوه بعينه على خلاف قولهم. وقيل إنهم جوزوا تزويج المسلمات من مشركي قومهم، أصحاب الكبائر، وهم على أصول الخوارج في سائر المسائل.
"ب" المعبدية:
أصحاب معبد بن عبد الرحمن، كان من جملة الثعالبة. خالف الأخنس في الخطأ الذي وقع له في تزويج المسلمات من مشرك، وخالف ثعلبة فيما حكم من أخذ الزكاة من عبيدهم. وقال: إني لأبرأ منه بذلك، ولا أدع اجتهادي في خلافه. وجوزوا أن تصير سهام الصدقة سهما واحدا في حال التقية.
"جـ" الرشيدية:
أصحاب رشيد الطوسي. ويقال لهم العشرية، وأصلهم أن الثعالبة كانوا يوجبون فيما سقي بالأنهار والقنى نصف العشر. فأخبرهم زياد بن عبد الرحمن أن فيه العشر، ولا تجوز البراءة ممن قال فيه نصف العشر قبل هذا. فقال رشيد: إن لم تجز البراءة منهم فإنا نعمل بما عملوا، فافترقوا في ذلك فرقتين.
"د" الشيبانية:
أصحاب شيبان بن سلمة، الخارج في أيام أبي مسلم١، وهو المعين له ولعلي بن الكرماني على نصر بن سيار، وكان من الثعالبة. فلما أعانهما برئت منه الخوارج. فلما قتل شيبان ذكر قوم توبته. فقالت الثعالبة: لا تصح توبته لأنه قتل الموافقين لنا في المذهب، وأخذ أموالهم، ولا تقبل توبة من قتل مسلما وأخذ ماله إلا بأن يقتص من نفسه، ويرد الأموال، أو يوهب له ذلك.
стр. 155
ومن مذهب شيبان أنه قال بالجبر، ووافق جهم بن صفوان في مذهبه إلى الجبر، ونفي القدرة الحادثة. وينقل عن زياد بن عبد الرحمن الشيباني أبي خالد أنه قال: إن الله تعالى لم يعلم حتى خلق لنفسه علما، وأن الأشياء إنما تصير معلومة له عند حدوثها ووجودها. ونق عنه أنه تبرأ من شيبان، وأكفره حين نصر الرجلين، فوقعت عامة الشيبانية بجرجان، ونسا، وأرمينية. والذي تولى شيبان وقال بتوبته: عطية الجرجاني وأصحابه.
"هـ" الكرمية:
أصحاب مكرم بن عبد الله البجلي، كان من جملة الثعالبة وتفرد عنهم بأن قال: تارك الصلاة كافر، لا من أجل ترك الصلاة ولكن من أجل جهله بالله تعالى، وطرد هذا في كل كبيرة يرتكبها الإنسان، وقال: إنما يكفر لجهله بالله تعالى، وذلك أن العارف بوحدانية الله تعالى، وأنه المطلع على سره وعلانيته، المجازي على طاعته ومعصيته، لا يتصور منه الإقدام على المعصية، والاجتراء على المخالفة ما لم يغفل عن هذه المعرفة، ولا يبالي بالتكليف منه، وعن هذا قال النبي ﵇: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" الخبر.
وخالفوا الثعالبة في هذا القول وقالوا: بإيمان الموافاة، والحكم بأن الله تعالى إنما يتولى عباده ويعاديهم على ما هم صائرون إليه من موافاة الموت، لا على أعمالهم التي هم فيها؛ فإن ذلك ليس بموثوق به إصرارا عليه ما لم يصل المرء إلى آخر عمره، ونهاية أجله، فحينئذ إن بقي على ما يعتقده فذلك هو الإيمان فنواليه، وإن لم يبق فنعاديه. وكذلك في حق الله تعالى: حكم الموالاة والمعاداة على ما علم منه حال الموافاة. وكلهم على هذا القول.
"و" المعلومية والمجهولية:
كانوا في الأصل حازمية، إلا أن المعلومية قالت: من لم يعرف الله تعالى بجميع أسمائه وصفاته فهو جاهل به، حتى يصير عالما بجميع ذلك؛ فيكون مؤمنا. وقالت: الاستطاعة مع الفعل، والفعل مخلوق للعبد. فبرئت منهم الحازمية.
стр. 156
وأما المجهولية فإنهم قالوا: من علم بعض أسماء الله تعالى وصفاته وجهل بعضها، فقد عرفه تعالى, وقالت: إن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.
"ز" البدعية:
أصحاب يحيى بن أصدم، أبدعوا القول بأن نقطع على أنفسنا بأن من اعتقد اعتقادنا فهو من أهل الجنة، ولا نقول: إن شاء الله؛ فإن ذلك شك في الأعتقاد، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله؛ فهو شاك، فنحن من أهل الجنة قطعا، من غير شك.
стр. 157
٧- الإباضية:
أصحاب عبد الله بن إباض١ الذي خرج في أيام مروان بن محمد، فوجه إليه عبد الله بن محمد بن عطية، فقاتله بتبالة٢ وقيل إن عبد الله بن يحيى الإباضي كان رفيقا له في جميع أحواله وأقواله. قال: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارتهم حلال، وغنمية أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام. وحرام قتلهم وسبيهم في السر غيلة، إلا بعد نصب القتال، وإقامة الحجة.
وقالوا: إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي. وأجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم. وقالوا في مرتكبي الكبائر: إنهم موحدون لا مؤمنون.
وحكى الكعبي عنهم: أن الاستطاعة عرض من الأعراض، وهي قبل الفعل، بها يحصل الفعل، وأفعال العباد مخلوقة لله تعالى: إحداثا وإبداعا، ومكتسبة للعبد حقيقة، لا مجازا. ولا يسمون إمامهم أمير المؤمنين، ولا أنفسهم مهاجرين. وقالوا: العالم يفنى كله
стр. 158
إذا فنى أهل التكليف. قال: وأجمعوا على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر، كفر النعمة، لا كفر الملة، وتوقفوا في أطفال المشركين، وجوزوا تعذيبهم على سبيل الانتقام، وأجازوا أن يدخلوا الجنة تفضلا. وحكى الكعبي عنهم أنهم قالوا بطاعة لا يراد بها الله تعالى، كما قال أبو الهذيل.
ثم اختلفوا في النفاق: أيسمى شركا أم لا:؟ قالوا: إن المنافقين في عهد رسول الله ﷺ كانوا موحدين، إلا أنهم ارتكبوا الكبائر، فكفروا بالكبيرة لا بالشرك، وقالوا: كل شيء أمر الله تعالى به فهو عام ليس بخاص، وقد أمر به المؤمن والكافر، وليس في القرآن خصوص، وقالوا: لا يخلف الله تعالى شيئا إلا دليلا على وحدانيته، ولابد أن يدل به واحدا. وقال قوم منهم: يجوز أن يخلق الله تعالى رسولا بلا دليل، ويكفلف العباد بما أوحي إليه، ولا يجب عليه إظهار المعجزة، ولا يجب على الله تعالى ذلك إلى أن يخلق دليلا، ويظهر معجزة. وهم جماعة متفرقون في مذاهبهم تفرق الثعالبة والعجاردة.
"أ" الحفصية ١:
هم أصحاب حفص بن أبي المقدام، تميز عنهم بأن قال إن بين
стр. 159
الشرك والإيمان خصلة واحدة، وهي معرفة الله تعالى وحده، فمن عرفه ثم كفر بما سواه من رسول أو كتاب أو قيامة أو جنة أو نار، أو ارتكب الكبائر من الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فهو كافر لكنه بريء من الشرك.
"ب" الحارثية:
أصحاب الحارث الإباضي، خالف الإباضية في قوله بالقدر على مذهب المعتزلة، وفي الاستطاعة قبل الفعل، وفي إثبات طاعة لا يراد بها الله تعالى.
"جـ" اليزيدية ١:
أصحاب يزيد بن أنيسة الذي قال بتولي المحكمة الأولى قبل الأزارقة، وتبرأ ممن بعدهم إلا الإباضية فإنه يتولاهم، وزعم أن الله تعالى سيبعث رسولا من العجم، وينزل عليه كتابا قد كتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة، ويترك شريعة المصطفى محمد ﵇، ويكون على ملة الصابئة المذكورة في القرآن، وليست هي الصابئة الموجودة بحران، وواسط.
وتولى يزيد بن شهد لمحمد المصطفى ﵇ من أهل الكتاب بالنبوة وإن لم يدخل في دينه، وقال إن أصحاب الحدود من موافقيه وغيرهم كفار مشركون، وكل ذنب صغير أو كبير، فهو شرك.
стр. 160
الصفرية الزيادية:
أصحاب زياد بن الأصفر، خالفوا الأزارقة، والنجدات، والإباضية في أمور منها: أنهم لم يكفروا القعدة عن القتال، إذا كانوا موافقين في الدين والاعتقاد، ولم يسقطوا الرجم، ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار. وقالوا: التقية جائزة في القول دون العمل. وقالوا: ما كان من الأعمال عليه حد وقاع فلا يتعدى بأهله الاسم الذي لزمه به الحد كالزنا، والسرقة، والقذف، فيسمى زانيا، سارقا، قاذفا، لا كافرا مشركا.
وما كان من الكبائر مما ليس فيه حد لعظم قدره مثل ترك الصلاة، والفرار من الزحف، فإنه يكفر بذلك ونقل عن الضحاك منهم أنه جوز تزويج المسلمات من كفار قومهم في دار التقية دون دار العلانية. ورأى زياد بن الأصفر جميع الصدقات سهما واحدا في حال التقية، ويحكى عنه أنه قال: نحن مؤمنون عند أنفسنا، ولا ندري لعلنا خرجنا من الإيمان عند الله. وقال: الشرك شركان، شرك هو طاعة الشيطان، وشرك هو عبادة الأوثان. والكفر كفران، كفر بإنكار النعمة، وكفر بإنكار الربوبية. والبراء براءتان، براءة من أهل الحدود، سنة؛ وبراءة من أهل الجحود فريضة.
ولنختتم المذاهب بذكر تتمة رجال الخوارج:
من المتقدمين: عكرمة، وأبو هارون العبدي، وأبو الشعثاء، وإسماعيل بن سميع.
ومن المتأخرين: اليمان بن رباب: ثعلبي، ثم بيهسي، وعبد الله بن يزيد، ومحمد بن حرب، ويحيى بن كامل: إباضية.
стр. 161
ومن شعرائهم: عمران بن حطان، وحبيب بن مرة صاحب الضحاك بن قيس، ومنهم أيضا: جهم بن صفوان، وأبو مروان غيلان بن مسلم، ومحمد بن عيسى برغوث، وأبو الحسين كلثوم بن حبيب المهلبي، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن شبيب البصري وعلي بن حرملة، وصالح بن قبة بن صبيح بن عمرو، ومويس بن عمران البصري، وأبو عبد الله بن مسلمة، وأبو عبد الرحمن بن مسلمة، والفضل بن عيسى الرقاشي، وأبو زكريا يحيى بن أصفح، وأبو الحسين محمد بن مسلم الصالحي، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الخالدي، ومحمد بن صدقة، وأبو الحسين علي بن زيد الإباضي، وأبو عبد الله محمد بن كرام، وكلثوم بن حبيب المرادي البصري.
والذين اعتزلوا إلى جانب فلم يكونوا مع علي ﵁ في حروبه، ولا مع خصومه، وقالوا: لا ندخل في غمار الفتنة بين الصحابة ﵃: عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، مولى رسول الله ﷺ .
وقال قيس بن أبي حازم: كنت مع علي ﵁ في جميع أحواله وحروبه حتى قال يوم صفين: "انفروا إلى بقية الأحزاب، انفروا إلى من يقول: كذب الله ورسوله، وأنتم تقولون: صدق الله ورسوله" فعرفت أي شيء كان يعتقد في الجماعة، فاعتزلت عنه.
стр. 162
الفصل الخامس: المرجئة
مدخل
...
الفصل الخامس: المرجئة
الإرجاء على معنيين:
أحدهما: بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ ١، أي أمهله وأخره.
والثاني: إعطاء الرجاء.
أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح، لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد.
واما بالمعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
وقيل الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا؛ من كون من أهل الجنة، أو من أهل النار. فعلى هذا: المرجئة، والوعيدية فرقتان متقابلتان.
وقيل الإرجاء: تأخير علي ﵁ عن الدرجة الأولى إلى الرابعة. فعلى هذا المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان.
والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية. والمرجئة الخالصة. ومحمد بن شبيب، والصالحي، والخالدي من مرجئة القدرية، وكذلك الغيلانية أصحاب غيلان الدمشقي، أول من أحدث القول بالقدر والإرجاء، ونحن إنما نعد مقالات المرجئة الخالصة منهم.
стр. 163
١- اليونسية:
أصحاب يونس بن عون النميري، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن وما سوى ذلك١ من الطاعة فليس من الإيمان ولا يضر تركها حقيقة الإيمان، ولا يعذب على ذلك إذا كان الإيمان خالصا، واليقين صادقا.
وزعم أن إبليس كان عارفا بالله وحده، غير أنه كفر باستكباره عليه، ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢ قال: ومن تمكن في قلبه الخضوع لله، والمحبة له على خلوص ويقين لم يخالفه في معصية، وإن صدرت منه معصبة فلا تضره بيقينه وإخلاصه، والمؤمن إنما يدخل الجنة بإخلاصه ومحبته، لا بعمله وطاعته.
стр. 164
٢- العبيدية:
أصحاب عبيد المكتئب، حكى عنه أنه قال: ما دون الشرك مغفور لا محالة، وإن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات، وحكى اليمان عن عبيد المكتئب وأصحابه أنهم قالوا: إن علم الله تعالى لم يزل شيئا غيره، وإن كلامه لم يزل شيئا غيره. وكذلك دين الله لم يزل شيئا غيره. وزعم أن الله -تعالى
стр. 165
عن قولهم - على صورة إنسان، وحل عليه قوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن".
стр. 166
٣- الغسانية:
أصحاب غسان١ الكوفي. زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وبرسوله، والإقرار بما أنزل الله، وبما جاء به الرسول في الجملة دون التفصيل، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، وزعم أن قائلا لو قال: أعلم أن الله تعالى قد حرم أكل الخنزير، ولا أدري هل الخنزير الذي حرمه: هذه الشاة أم غيرها؟ كان مؤمنا، ولو قال: أعلم أن الله تعالى فرض الحج إلى الكعبة، غير أني لا أدري أين الكعبة؟ ولعلها بالهند؛ كان مؤمنا ومقصوده أن أمثال هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان، لا أنه كان شاكا في هذه الأمور، فإن عاقلا لا يستجيز من عقله أن يشك في أن الكعبة: إلى أي جهة هي؟ وأن الفرق بن الخنزير والشاة ظاهر.
ومن العجيب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة ﵀ مثل مذهبه، ويعده من المرجئة، ولعله كذب كذلك عليه، لعمري! كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه مرجئة السنة. وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة، ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص، ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان. والرجل مع تخريجه في العمل كيف يفتي بترك العمل؟ وله سبب آخر، وهو أنه كان يخالف القدرية، والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول. والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئا، وكذلك الوعيدية من الخوارج. فلا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريقي المعتزلة والخوارج، والله أعلم.
стр. 167
٤- الثوبانية:
أصحاب أبي ثوبان١ المرجئ، الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى، وبرسله ﵈، وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله، وما جاز في العقل تكره فليس من الإيمان، وأخر العمل كله عن الإيمان.
ومن القائلين بمقالة أبي ثوبان هذا: أبو مروان غيلان٢ بن مروان الدمشقي، وأبو شمر٣، ومويس بن عمران، والفضل الرقاشي، ومحمد بن شبيب، والعتابي، وصالح قبة.
стр. 168
وكان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد، وفي الإمامة إنها تصلح في غير قريش، وكل من كان قائما بالكتاب والسنة كان مستحقا لها، وإنها لا تثبت إلا بإجماع الأمة. والعجب أن الأمة أجمعت على أنها لا تصلح لغير قريش. وبهذا دفعت الأنصار عن قولهم: منا أمير ومنكم أمير. فقد جمع غيلان خصالا ثلاثا: القدر، والإرجاء، والخروج.
والجماعة التي عددناهم اتفقوا على أن الله تعالى لو عفا عن عاص في القيامة، عفا عن كل مؤمن عاص هو في مثل حاله. وإن أخرج من النار واحدا، أخرج من هو في مثل حاله. ومن العجب أنهم لم يجزموا القول بأن المؤمنين من أهل التوحيد يخرجون من النار لا محالة.
ويحكى عن مقاتل بن سليمان: أن المعصية لا تضر صاحب التوحيد والإيمان. وأنه لا يدخل النار مؤمن. والصحيح من النقل عنه: أن المؤمن العاصي ربه يعذب يوم القيامة على الصراط وهو على متن جهنم، يصيبه لفح النار وحرها ولهيبها. فيتألم بذلك على قدر معصيته، ثم يدخل الجنة. ومثل ذلك بالحبة على المقلاة المؤججة بالنار.
ونقل عن بشر بن غياث المريسي١ أنه قال: إذا دخل أصحاب الكبائر
стр. 169
النار فإنهم سيخرجون عنها بعد أن يعذبوا بذنوبهم. وأما التخليد فيها فمحال، وليس بعدل.
وقيل إن أول من قال بالإرجاء: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وكان يكتب فيه الكتب إلى الأمصار. إلا أنه ما أخر العمل عن الإيمان كما قالت المرجئة اليونسية، والعبيدية. لكنه حكم بأن صاحب الكبيرة لا يكفر إذ الطاعات وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها.
стр. 170
٥- التومنية:
أصحاب أبي معاذ التومني. زعم أن الإيمان هو ما عصم من الكفر. وهو اسم لخصال إذا تركها التارك كفر. وكذلك لو ترك خصلة واحدة منها كفر. ولا يقال للخصلة الواحدة منها إيمان، ولا بعض إيمان. وكل معصية كبيرة أو صغيرة لم يجمع عليها المسلمون بأنها كفر لا يقال لصاحبها فاسق، ولكن يقال فسق وعصي. قال: وتلك الخصال هي المعرفة والتصديق والمحبة، والإخلاص، والإقرار بما جاء به الرسول. قال: ومن ترك الصلاة والصيام مستحلا كفر. ومن تركهما على نية القضاء لم يكفر. ومن قتل نبيا أو لطمه كفر، لا من أجل القتل واللطم، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض.
وإلى هذا المذهب ميل ابن الرواندي، وبشر المريسي. قالا: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان جميعا. والكفر هو الجحود والإنكار. والسجود للشمس والقمر والصنم ليس بكفر في نفسه، ولكنه علامة الكفر.
стр. 171
٦- الصالحية:
أصحاب صالح بن عمر الصالحي, والصالحي، ومحمد بن شبيب، وأبو شمر، وغيلان؛ كلهم جمعوا بين القدر والإرجاء. ونحن وإن شرطنا أن نورد مذاهب المرجئة الخالصة إلا أنه بدا لنا في هؤلاء، لانفرادهم عن المرجئة بأشياء.
فأما الصالحي فقال: الإيمان هو المعرفة بالله تعالى على الإطلاق، وهو أن للعالم صانعا فقط. والكفر هو لجهل به على الإطلاق. قال: وقول القائل: ثالث ثلاثة، ليس بكفر لكنه لا يظهر إلا من كافر. وزعم أن معرفة الله تعالى هي المحبة والخضوع له. ويصح ذلك مع حجة الرسول. ويصح في العقل أن يؤمن بالله، ولا يؤمن برسوله. غير أن الرسول ﵇ قد قال: "من لا يؤمن بي فليس بمؤمن بالله تعالى" وزعم أن الصلاة ليست بعبادة لله تعالى، وأنه لا عبادة له إلا الإيمان به؛ وهو معرفته. وهو خصلة واحدة لا يزيد، ولا ينقص. وكذلك الكفر خصلة واحدة لا يزيد ولا ينقص.
وأما أبو شمر المرجئ القدري، فإنه زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله . والمحبة والخضوع له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء، ما لم تقم عليه حجة الأنبياء ﵈. فإذا قامت الحجة فالإقرار بهم وتصديقهم من الإيمان والمعرفة. والإقرار بما جاءوا به من عند الله غير داخل في الإيمان الأصلي. وليست كل خصلة من خصال الإيمان إيمانا ولا بعض إيمان، فإذا اجتمعت كانت كلها إيمانا، وشرط في خصال الإيمان معرفة العدل، يريد به القدر خيره وشره من العبد؛ من غير أن يضاف إلى الباري تعالى منه شيء
стр. 172
وأما غيلان بن مروان من القدرية المرجئة، فإنه زعم أن الإيمان هو المعرفة الثانية بالله تعالى، والمحبة والخضوع له، والإقرار بما جاء به الرسول، وبما جاء من عند الله. والمعرفة الأولى فطرية ضرورية. فالمعرفة على أصله نوعان: فطرية، وهي علمه بأن للعالم صانعا، ولنفسه خالقا. وهذه المعرفة لا تسمى إيمانا، إنما الإيمان هو المعرفة الثانية المكتسبة.
تتمة رجال المرجئة كما نقل:
الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وعمرو بن مرة، ومحارب بن زياد، ومقاتل بن سليمان، وذر، وعمرو بن ذر، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وقديد بن جعفر.
وهؤلاء كلهم أئمة الحديث، لم يكفروا أصحاب الكبائر بالكبيرة، ولم يحكموا بتخليدهم في النار خلافا للخوارج والقدرية.
стр. 173
الفصل السادس: الشيعة
مدخل
...
الفصل السادس: الشيعة
الشيعة هم الذين شايعوا عليا ﵁ على الخصوص. وقالوا بإمامته وخلافته نصا ووصية، إما جليا، وإما خفيا. واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده. وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل ﵈ إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله.
ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبا عن الكبائر والصغائر. والقول بالتولي والتبري قولا، وفعلا، وعقدا، إلا في حال التقية.
стр. 174
ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك، ولهم في تعدية الإمام كلام وخلاف كثير. وعند كل تعدية وتوقف: مقالة، ومذهب، وخبط.
وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية. وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه.
стр. 175
١- الكيسانية:
أصحاب كيسان١، مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقيل تلمذ للسيد محمد بن الحنفية ﵁. يعتقدون فيه اعتقادا فوق حده ودرجته، من إحاطته بالعلوم كلها، واقتباسه من السيدين الأسرار بجملتها من علم التأويل والباطن، وعلم الآفاق والأنفس.
ويجمعهم القول بأن الدين طاعة رجل، حتى حملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وغير ذلك على رجال. فحمل بعضهم على ترك القضايا الشرعية بعد الوصول إلى طاعة الرجل، وحمل بعضهم على ضعف الاعتقاد بالقيامة، وحمل بعضهم على القول بالتناسخ والحلول، والرجعة بعد الموت. فمن مقتصر على واحد معتقد أنه لا يموت، ولا يجوز أن يموت حتى يرجع. ومن معتقد حقيقة الإمامة إلى غيره، ثم متحسر عليه، متحير فيه. ومن مدع حكم الإمامة؛ وليس من الشجرة.
وكلهم حيارى متقطعون. ومن اعتقد أن الدين طاعة رجل ولا رجل له فلا دين له، نعوذ بالله من الحيرة والحور بعد الكور٢، رب اهدنا السبيل.
"أ" المختارية:
أصحاب المختار٣ بن أبي عبيد الثقفي، كان خارجيا، ثم صار زبيريا، ثم صار شيعيا
стр. 176
وكيسانيا، قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد أمير المؤمنين علي ﵄. وقيل لا، بل عبد الحسن والحسين ﵄، وكان يدعو الناس إليه، وكان يظهر أنه من رجاله ودعاته، ويذكر علوما مزخرفة بترهاته ينوطها به.
ولما وقف محمد بن الحنفية على ذلك تبرأ منه، وأظهر لأصحابه أنه إنما نمس على الخلق ذلك ليتمشى أمره، ويجتمع الناس عليه.
وإنما انتظم له ما انتظم بأمرين: أحدهما انتسابه إلى محمد بن الحنفية علما ودعوة والثاني: قيامه بثأر الحسين بن علي ﵄، واشتغاله ليلا ونهارا بقتال الظلمة الذين اجتمعوا على قتل الحسين.
فمن مذهب المختار: أنه يجوز البداء على الله تعالى. والبداء له معان: البداء في العلم وهو أن يظهر له خلاف ما علم؛ ولا أظن عاقلا يعتقد هذا الاعتقاد.
стр. 177
والبداء في الإرادة، وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم.
والبداء في الأمر: وهو أن يأمر بشيء، ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك. ومن لم يجوز النسخ ظن أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة.
وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء، لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال إما بوحي يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام. فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة؛ فإن وافق كونه قوله، جعله دليلا على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال: قد بدا لربكم.
وكان لا يفرق بين النسخ والبداء؛ قال: إذا جاز النسخ في الأحكام، جاز البداء في الأخبار.
وقد قيل: إن السيد محمد بن الحنفية تبرأ من المختار حين وصل إليه أنه قد لبس على الناس أنه من دعاته ورجاله. وتبرأ من الضلالات التي ابتدعها المختار من التأويلات الفاسدة؛ والمخاريق المموهة.
فمن مخاريقه: أنه كان عنده كرسي قديم قد غشاه بالديباج، وزينه بأنواع الزينة وقال: هذا من ذخائر أمير المؤمنين على كرم الله وجهه، وهو عندنا بمنزلة التابوت لبني إسرائيل. وكان إذا حارب خصومه يضعه في براح الصف ويقول: قاتلوا ولكم الظفر والنصرة، وهذا الكرسي محله فيكم محل التابوت في بني إسرائيل، وفيه السكينة والبقية، والملائكة من فوقكم ينزلون مددا لكم. وحديث الحمامات البيض التي ظهرت في الهواء، وقد أخبرهم قبل ذلك بأن الملائكة تنزل على صورة الحمامات البيض، معروف. والأسجاع التي ألفها أبرد تأليف مشهورة.
وإنما حمله على الانتساب إلى محمد بن الحنفية حسن اعتقاد الناس فيه، وامتلاء القلوب بمحبته، والسيد محمد بن الحنفية كان كثير العلم غزير المعرفة، وقاد الفكر، مصيب الخاطر في العواقب. قد أخبره أمير المؤمنين علي ﵁ عن أحوال الملاحم
стр. 178
وأطلعه على مدارج المعالم. وقد اختار العزلة، فآثر الخمول على الشهرة، وقد قيل إنه كان مستودعا علم الإمامة حتى سلم الأمانة إلى أهلها. وما فارق الدنيا إلى وقد أقرها في مستقرها.
وكان السيد الحميري، وكثير عزة الشاعر من شيعته. قال كثير فيه:
ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمه اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء
وكان السيد الحميري أيضا يعتقد فيه أنه لم يمت، وأنه في حبل رضوى بين أسد ونمر يحفظانه. وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل، وأنه يعود بعد الغيبة فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وهذا هو أول حكم بالغيبة، والعودة بعد الغيبة حكم به الشيعة. وجرى ذلك في بعض الجماعة حتى اعتقدوه دينا، وركنا من أركان التشيع.
ثم اختلفت الكيسانية بعد انتقال محمد بن الحنفية في سوق الإمامة، وصار كل اختلاف مذهبا.
"ب" الهاشمية:
أتباع أبي هاشم بن محمد بن الحنفية. قالوا بانتقال محمد بن الحنفية إلى رحمة الله ورضوانه، وانتقال الإمامة منه إلى ابنه أبي هاشم. قالوا: فإنه أفضى إليه أسرار العلوم، وأطلعه على مناهج تطبيق الآفاق على الأنفس، وتقدير التنزيل على التأويل، وتصوير الظاهر على الباطن، قالوا: إن لكل ظاهر باطنا، ولكل شخص روحا، ولكل تنزيل تأويلا، ولكل مثال في هذا العالم حقيقة في ذلك العالم، والمنتشر في الآفاق من الحكم
стр. 179
والأسرار يجتمع في الشخص الإنساني، وهو العلم الذي استأثر علي ﵁ به ابنه محمد بن الحنفية، وهو أفضى ذلك السر إلى ابنه أبي هاشم، وكل من اجتمع فيه هذا العلم فهو الإمام حقا.
واختلفت بعد أبي هاشم شيعته خمس فرق:
١- فرقة قالت إن أبا هاشم مات منصرفا من الشام بأرض الشراة، وأوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وانجرت في أولاده الوصية حتى صارت الخلافة إلى بني العباس، قالوا: ولهم في الخلافة حق لاتصال النسب، وقد توفي رسول الله ﷺ وعمه العباس أولى بالوراثة.
٢- وفرقة قالت إن الإمامة بعد موت أبي هاشم لابن أخيه الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية.
٣- وفرقة قالت: لا، بل إن أبا هاشم أوصى إلى أخيه علي بن محمد، وعلي أوصى إلا ابنه الحسن، فالإمامة عندهم في بني الحنفية لا تخرج إلى غيرهم.
٤- وفرقة قالت: إن أبا هاشم أوصى إلى عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي، وإن الإمامة خرجت من أبي هاشم إلى عبد الله، وتحولت روح أبي هاشم إليه، والرجل ما كان يرجع إلى علم وديانة؛ فاطلع بعض القوم على خيانته وكذبه، فأعرضوا عنه، وقالوا: بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
وكان من مذهب عبد الله: أن الأرواح تتناسخ من شخص إلى شخص، وأن الثواب والعقاب في هذه الأشخاص، إما أشخاص بني آدم، وإما أشخاص الحيوانات. قال: وروح الله تناسخت حتى وصلت إليه وحلت فيه، وادعى الإلهية والنبوة معا، وأنه يعلم الغيب فعبده شيعته الحمقى، وكفروا بالقيامة لاعتقادهم أن التناسخ يكون في الدنيا، والثواب والعقاب في هذه الأشخاص. وتأويل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 180
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ ١ الآية، على أن من وصل إلى الإمامة وعرفه ارتفع عن الحرج في جميع ما يطعم، ووصل إلى الكمال والبلاغ.
وعنه نشأت: الخرمية، والمزدكية بالعراق، وهلك عبد الله بخراسان، وافترقت أصحابه.
فمنهم من قال إنه حي لم يمت ويرجع.
ومنهم من قال بل مات وتحولت روحه إلى إسحاق بن زيد بن الحارث الأنصاري؛ وهم الحارثية الذي يبيحون المحرمات، ويعيشون عيش من لا تكليف عليه.
وبين أصحاب عبد الله بن معاوية، وبين أصحاب محمد بن علي خلاف شديد في الإمامة، فإن كل واحد منهما يدعي الوصية من أبي هاشم إليه، ولم يثبت الوصية على قاعدة تعتمد.
"جـ" البيانية:
أتباع بيان بن سمعان التميمي، قالوا بانتقال الإمامة من أبي هاشم إليه، وهو من الغلاة القائلين بإلهية أميرالمؤمنين علي ﵁، قال: حل في علي جزء إلهي، واتحد بجسده، فيه كان يعلم الغيب، إذ أخبر عن الملاحم وصح الخبر، وبه كان يحارب الكفار وله النصرة والظفر، وبه قلع باب خيبر، وعن هذا قال: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولا بحركة غذائية، ولكن قلعته بقوة رحمانية ملكوتية، بنور ربها مضيئة. فالقوة الملكوتية في نفسه كالمصباح في المشكاة، والنور الإلهي كالنور في المصباح. قال: وربما يظهر على في بعض الأزمان. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ٢ أراد به عليا فهو الذي يأتي في الظلل، والرع صوته، والبرق تبسمه.
ثم ادعى بيان أنه قد انتقل إليه الجزء الإلهي بنوع من التناسخ، ولذلك استحق أنه