الباب الثاني: أهل الكتاب
مدخل
...
الباب الثاني: أهل الكتاب
الخارجون عن الملة الحنيفية، والشريعة الإسلامية؛ ممن يقول بشريعة وأحكام، وحدود وأعلام. وهم قد انقسموا
إلى من له كتاب محقق؛ مثل التوراة، والإنجيل؛ وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب.
وإلى من له شبهة كتاب؛ مثل: المجوس، والمانوية. فإن الصحف التي أنزلت على إبراهيم ﵇ قد رفعت إلى السماء؛ لأحداث أحدثها المجوس، ولهذا يجوز عقد العهد والذمام معهم، وينحى بهم نحو اليهود والنصارى؛ إذ هم من أهل الكتاب؛ ولكن لا يجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم؛ فإن الكتاب قد رفع عنهم.
فنحن: نقدم ذكر أهل الكتاب؛ لتقدمهم بالكتاب. ونؤخر ذكر من له شبهة كتاب.
أهل الكتاب والأميون:
الفرقتان المتقابلتان قبل المبعث هم: أهل الكتاب والأميون؛ والأمي من لا يعرف الكتابة. وكانت اليهود والنصارى بالمدينة؛ والأميون بمكة.
وأهل الكتاب كانوا ينصرون دين الأسباط١، ويذهبون مذهب بني إسرائيل؛ والأميون كانوا ينصرون دين القبائل، ويذهبون مذهب بني إسماعيل. ولما انشعب النور الوارد من آدم ﵇ إلى إبراهيم ﵇، ثم الصادر عنه إلى شعبتين: شعبة في بني إسرائيل، وشعبة في بني إسماعيل. وكان النور المنحدر منه إلى بني إسرائيل
стр. 247
ظاهراً، والنور المنحدر منه إلى بني إسماعيل مخفياً, كان يستدل على النور الظاهر بظهور الأشخاص. وإظهار النبوة في شخص؛ ويستدل على النور المخفي بإبانة المناسك والعلامات وستر الحال في الأشخاص.
وقبلة الفرقة الأولى: بيت المقدس، وقبلة الفرقة الثانية: بيت الله الحرام؛ الذي وضع للناس بمكة مباركاً وهدى للعالمين. وشريعة الأولى: ظواهر الأحكام، وشريعة الثانية: رعاية المشاعر الحرام. وخصماء الفريق الأول: الكافرون مثل فرعون وهامان. وخصماء الفريق الثاني: المشركون؛ مثل عبدة الأصنام والأوثان. فتقابل الفريقان؛ وصح التقسيم بهذين التقابلين.
اليهود والنصارى:
وهاتان الأمتان من كبار أهل الكتاب. والأمة اليهودية أكبر؛ لأن الشريعة كانت لموسى ﵇، وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين بذلك، مكلفين بالتزام أحكام التوراة.
والإنجيل النازل على المسيح ﵇ لا يتضمن أحكاماً، ولا يستبطن حلالاً ولا حراماً؛ ولكنه: رموز، وأمثال، ومواعظ، ومزاجر؛ وما سواها من الشرائع والأحكام فمحالة على التوراة، كما سنبين؛ فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى ابن مريم ﵇، وادعوا عليه أنه كان مأموراً بمتابعة موسى ﵇، وموافقة التوراة، فغير وبدل. وعدوا عليه تلك التغييرات، منها: تغيير السبت إلى الأحد. ومنها تغيير أكل لحم الخنزير، وكان حراماً في التوراة؛ ومنها: الختان، والغسل، وغير ذلك.
والمسلمون قد بينوا أن الأمتين: قد بدلوا، وحرفوا؛ وإلا فعيسى ﵇ كان مقرراً لما جاء به موسى ﵇؛ وكلاهما مبشران بمقدم نبينا محمد نبي الرحمة صلوات الله
стр. 248
عليهم أجمعين. وقد أمرهم أئمتهم وأنبياؤهم وكتابهم بذلك. وإنما بنى أسلافهم الحصون والقلاع بقرب المدينة لنصرة رسول الله ﷺ نبي آخر الزمان. فأمروهم بمهاجرة أوطانهم بالشام إلى تلك القلاع والبقاع، حتى إذا ظهر، وأعلن الحق بفاران١، وهاجر إلى دار هجرته يثرب هجروه، وتركوا نصره. وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وإنما الخلاف بين اليهود والنصارى ما كان يرتفع إلا بحكمه؛ إذ كانت اليهود تقول: ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ ٣ وكانت النصارى تقول: ﴿لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ ٤، وكان النبي ﷺ يقول لهم: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾ ٥، وما كان يمكنهم إقامتها إلا بإقامة القرآن الحكيم؛ وبحكم نبي الرحمة رسول آخر الزمان؛ فلما أبوا ذلك، وكفروا بآيات الله ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ﴾ ٦ الآية.
стр. 249
الفصل الأول: اليهود خاصة
مدخل
...
الفصل الأول: اليهود خاصة
هاد الرجل: أي رجع وتاب؛ وإنما لزمهم هذا الاسم؛ لقول موسى ﵇: - ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْك﴾ - أي رجعنا وتضرعنا.
وهم أمة موسى ﵇، وكتابهم التوراة، وهو أول كتاب نزل من السماء؛ أعني أن ما كان ينزل على إبراهيم وغيره من الأنبياء ﵈ ما كان يسمى كتاباً،
стр. 250
بل صحفاً. وقد ورد الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده" فأثبت لها اختصاصاً آخر سوى سائر الكتب. وقد اشتمل ذلك على أسفار. فيذكر مبتدأ الخلق في السفر الأول. ثم يذكر الأحكام، والحدود، والأحوال، والقصص، والمواعظ، والأذكار في سفر سفر.
وأنزل عليه أيضاً الألواح على شبه مختصر ما في التوراة؛ تشتمل على الأقسام العلمية والعملية. قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ ١ إشارة إلى تمام القسم العلمي ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢ إشارة إلى تمام القسم العملي.
قالوا: وكان موسى ﵇ قد أفضى بأسرار التوراة والألواح إلى يوشع بن نون وصيه وفتاه والقائم بالأمر من بعده ليفضي بها إلى أولاد هارون، لأن الأمر كان مشتركاً بينه وبين أخيه هارون ﵉؛ إذ قال تعالى حكاية عن موسى ﵇ في دعائه حين أوحى إليه أولاً: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ٣، وكان هو الوصي. فلما مات هارون في حال حياة موسى: انتقلت الوصية إلى يوشع بن نون وديعة؛ ليوصلها إلى شبير وشبر ابني هارون قراراً. وذلك أن الوصية والإمامة بعضها مستقر، وبعضها مستودع.
واليهود تدعي أن الشريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى ﵇ وتمت به؛ فلم تكن قبله شريعة، إلا حدود عقلية، وأحكام مصلحية.
ولا يجيزوا النسخ أصلاً. قالوا: فلا يكون بعد شريعة أصلاً؛ لأن النسخ في الأوامر بداء ولا يجوز البداء على الله تعالى.
ومسائلهم تدور على جواز النسخ ومنعه. وعلى التشبيه ونفيه، والقول بالقدر، والجبر وتجويز الرجعة، واستحالتها.
стр. 251
أما النسخ فكما ذكرنا.
وأما التشبيه فلأنهم وجدوا التوراة ملئت من المتشابهات مثل الصورة، والمشافهة، والتكليم جهراً، والنزول على طور سينا انتقالاً، والاستواء على العرش استقراراً، وجواز الرؤية فوقاً وغير ذلك.
وأما القول بالقدر فهم مختلفون فيه حسب اختلاف الفريقين في الإسلام فالربانيون كالمعتزلة فينا، والقراءون كالمجبرة والمشبهة.
وأما جواز الرجعة فإنما وقع لهم من أمرين أحدهما: حديث عزير ﵇ إذ أماته الله مائة عام ثم بعثه، والثاني: حديث هارون ﵇، إذ مات في التيه. وقد نسبوا موسى إلى قتله بألواحه قالوا: حسده؛ لأن اليهود كانوا أميل إليه منهم إلى موسى. واختلفوا في حال موته: فمنهم من قال: إنه مات، وسيرجع. ومنهم من قال: غاب، وسيرجع.
واعلم أن التوراة قد اشتملت بأسرها على دلالات وآيات تدل على كون شريعة نبينا المصطفى ﵇: حقاً، وكون صاحب الشريعة صادقاً؛ بله ما حرفوه وغيروه وبدلوه، إما تحريفاً من حيث الكتابة، والصورة. وإما تحريفاً من حيث التفسير والتأويل.
وأظهرها ذكر إبراهيم ﵇ وابنه إسماعيل، ودعاؤه في حقه، وفي حق ذريته، وإجابة الرب تعالى إياه: إني باركت على إسماعيل وأولاده، وجعلت فيهم الخير كله، وسأظهرهم على الأمم كلها، وسأبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتي.
واليهود معترفون بهذه القضية، إلا أنهم يقولون: أجابه بالملك دون النبوة والرسالة.
وقد ألزمتهم أن الملك الذي سلمتم: أهو ملك بعدل وحق أم لا؟ فإن لم يكن بعدل أو حق، فكيف يمن على إبراهيم ﵇ بملك في أولاده وهو جور وظلم؟ وإن سلمتم العدل والصدق من حيث الملك، فالملك يجب أن يكون صادقاً على الله تعالى فيما
стр. 252
يدعيه ويقوله، وكيف يكون الكاذب على الله تعالى صاحب عدل وحق؟ إذ لا ظلم أشد من الكذب على الله تعالى؛ ففي تكذيبه تجويره، وفي التجوير رفع المنة بالنعمة، وذلك: خلف.
ومن العجب أن في التوراة: أن الأسباط من بني إسرائيل كانوا يراجعون القبائل من بني إسماعيل، ويعلمون أن في ذلك الشعب علماً لدنياً لم تشتمل التوراة عليه. وورد في التواريخ أن أولاد إسماعيل ﵇ كانوا يسمون آل الله، وأهل الله، وأولاد إسرائيل: آل يعقوب، وآل موسى، وآل هارون. وذلك كسر عظيم.
وقد ورد في التوراة أن الله تعالى جاء من طور سيناء، وظهر بساعير، وعلن بفاران؛ وساعير جبال بيت المقدس؛ التي كانت مظهر عيسى ﵇. وفاران: جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى ﷺ .
ولما كانت الأسرار الإلهية، والأنوار الربانية في الوحي، التنزيل، والمناجاة، والتأويل؛ على مراتب ثلاث: مبدأ، ووسط، وكمال؛ والمجيء أشبه بالمبدإ، والظهور أشبه بالوسط، والإعلان أشبه بالكمال؛ عبرت التوراة عن طلوع صبح الشريعة والتنزيل: بالمجيء من طور سينا، وعن طلوع الشمس: بالظهور على ساعير، وعن البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران، وفي هذه الكلمات: إثبات نبوة المسيح ﵇، والمصطفى محمد ﷺ .
وقد قال المسيح في الإنجيل: ما جئت لأبطل التوراة، بل جئت لأكملها؛ قال صاحب التوراة: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص؛ وأنا أقول: "إذا لطمك أخوك على خدك الأيمن فضع له خدك الأيسر".
والشريعة الأخيرة وردت بالأمرين جميعاً: أما القصاص؛ ففي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ
стр. 253
عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ١وأما العفو ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٢.
ففي أحكام التوراة: أحكام السياسة الظاهرة العامة، وفي الإنجيل: أحكام السياسة الباطنة الخاصة، وفي القرآن أحكام السياستين جميعاً: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٣ إشارة إلى تحقيق السياسة الظاهرة، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٤ إشارة إلى تحقيق السياسة الباطنة. وقد قال ﵊: "هو أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك".
ومن العجب أن من رأى غيره يصدق ما عنده، ويكمله ويرقيه من درجة إلى درجة، كيف يسوغ له تكذيبه؟ والنسخ في الحقيقة ليس إبطالاً؛ بل هو تكميل.
وفي التوراة: أحكام عامة، وأحكام خاصة، إما بأشخاص، وإما بأزمان. وإذا انتهى الزمان لم يبق ذلك لا محالة، ولا يقال إنه إبطال، أو بداء. كذلك ها هنا.
وأما السبت فلو أن اليهود عرفوا: لم ورد التكليف بملازمة السبت، وهو يوم أي شخص من الأشخاص؟ وفي مقابلة أية حالة من الأحوال؟ وجزئي أي زمان؟ عرفوا أن الشريعة الأخيرة حق، وأنها جاءت لتقرير السبت لا لإبطاله، وهم الذين عدو في السبت حتى مسخوا قردة خاسئين وهم يعترفون بذلك، وبأن موسى ﵇ بنى بيتاً وصور فيه صوراً وأشخاصاً، وبين مراتب الصور، وأشار إلى تلك الرموز. ولكن لما فقدوا الباب، باب حطة؛ ولم يمكنهم التسور، على سنن اللصوص تحيروا تائهين، وتاهوا متحيرين؛ فاختلفوا على إحدى وسبعين فرقة.
ونحن نذكر منها أشهرها وأظهرها عندهم، ونترك الباقي هملاً. والله الموفق.
стр. 254
١- العنانية:
نسبوا إلى رجل يقال له عنان بن داود، رأس الجالوت. يخالفون سائر اليهود في السبت والأعياد، وينهون عن أكل الطير والظباء والسمك والجراد، ويذبحون الحيوان على القفا، ويصدقون عيسى ﵇ في مواعظه وإشاراته. ويقولون إنه لم يخالف التوراة ألبتة، بل قررها، ودعا الناس إليها، وهو من بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة ومن المستجيبين لموسى ﵇؛ إلا أنهم لا يقولون بنبوته ورسالته.
ومن هؤلاء من يقول: إن عيسى ﵇ لم يدع أنه نبي مرسل، وليس من بني إسرائيل، وليس هو صاحب شريعة ناسخة لشريعة موسى ﵇، بل هو من أولياء الله المخلصين العارفين بأحكام التوراة. وليس الإنجيل كتاباً إنزل عليه وحياً من الله تعالى، بل هو جمع أحواله من مبدئه إلى كماله، وإنما جمعه أربعة من أصحابه الحواريين فكيف يكون كتاباً منزلاً؟
قالوا: واليهود ظلموه حيث كذبوه أولاً، ولم يعرفوا بعد دعواه، وقتلوه آخراً، ولم يعلموا بعد محله ومغزاه. وقد ورد في التوراة ذكر المشيحا في مواضع كثيرة، وذلك هو المسيح؛ ولكن لم ترد النبوة، ولا الشريعة الناسخة. وورد فارقليط وهو الرجل العالم؛ وكذلك ورد ذكره في الإنجيل؛ فوجب حمله على ما وجد. وعلى من ادعى غير ذلك تحقيقه وحده.
стр. 255
٢- العيسوية:
نسبوا إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني. وقيل: إن اسمه عوفيد ألوهيم، أي عابد الله. كان في زمن المنصور، وابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بني أمية: مروان بن محمد الحمار، فاتبعه بشر كثير من اليهود، وادعوا له آيات ومعجزات،
стр. 256
وزعموا أنه لما حورب خط على أصحابه خطاً بعود آس، وقال: أقيموا في هذا الخط، فليس ينالكم عدو بسلاح، فكان العدو يحملون عليهم، حتى إذا بلغوا الخط رجعوا عنهم، خوفاً من طلسم أو عزيمة ربما وضعها، ثم إن أبا عيسى خرج من الخط وحده على فرسه فقاتل، وقتل من المسلمين كثيراً، وذهب إلى أصحاب موسى بن عمران الذين هم وراء النهر المرمل ليسمعهم كلام الله. وقيل إنه لما حارب أصحاب المنصور بالري قتل وقتل أصحابه.
زعم أبو عيسى أنه نبي؛ وأنه رسول المسيح المنتظر. وزعم أن للمسيح خمسة من الرسل يأتون قبله واحداً بعد واحد. وزعم أن الله تعالى كلمه، وكلفه أن يخلص بني إسرائيل من أيدي الأمم العاصين والملوك الظالمين. وزعم أن المسيح أفضل ولد آدم، وأنه أعلى منزلة من الأنبياء الماضين، وإذ هو رسوله فهو أفضل الكل أيضاً. وكان يوجب تصديق المسيح؛ ويعظم دعوة الداعي، ويزعم أيضاً أن الداعي هو المسيح.
وحرم في كتابه الذبائح كلها، ونهى عن أكل كل ذي روح على الإطلاق طيرا كان، أو بهيمية. وأوجب عشر صلوات، وأمر أصحابه بإقامتها وذكر أوقاتها. وخالف اليهود في كثير من أحكام الشريعة الكثيرة المذكورة في التوراة.
وتوراة الناس هي التي جمعها ثلاثون حبراً لبعض ملوك الروم حتى لا يتصرف فيها كل جاهل بمواضع أحكامها، والله الموفق.
стр. 257
٣- المقاربة واليوذعانية:
نسبوا إلى يوذعان من همدان. وقيل: كان اسمه يهوذا. كان يحث على الزهد، وتكثير الصلاة، وينهى عن اللحوم والأنبذة، وفيما نقل عنه تعظيم أمر الداعي. وكان يزعم أن للتوراة ظاهراً وباطناً، وتنزيلاً، وتأويلاً. وخالف بتأويلاته عامة اليهود،
стр. 258
وخالفهم في التشبيه، ومال إلى القدر، وأثبت الفعل حقيقة للعبد، وقدر الثواب والعقاب عليه، وشدد في ذلك.
ومنهم الموشكانية، أصحاب موشكان. كان على مذهب يوذعان، غير أنه كان يوجب الخروج على مخالفيه، ونصب القتال معهم، فخرج في تسعة عشر رجلا، فقتل بناحية قم. وذكر عن جماعة من الموشكانية أنهم أثبتوا نبوة المصطفى محمد ﵊ إلى العرب وسائر الناس سوى اليهود، لأنهم أهل ملة وكتاب.
وزعمت فرقة من المقاربة أن الله تعالى خاطب الأنبياء ﵈، بواسطة ملك اختاره، وقدمه على جميع الخلائق واستخلفه عليهم. وقالوا: كل ما في التوراة وسائر الكتب من وصف الله تعالى، فهو خبر عن ذلك الملك، وإلا فلا يجوز أن يوصف الله تعالى بوصف. قالوا وإن الذي كلم موسى ﵇ تكليما هو ذلك الملك، والشجرة المذكورة في التوراة هو ذلك الملك. ويتعالى الرب تعالى عن أن يكلم بشرا تكليما. وحمل جميع ما ورد في التوراة من طلب الرؤية، وشافهت الله، وجاء الله، وطلع الله في السحاب، وكتب التوراة بيده، واستوى على العرش استقرارا، وله صورة آدم، وشعر قطط، ووفرة١ سوداء، وأنه بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وأنه ضحك الجبار حتى بدت نواجذه، إلى غير ذلك، على ذلك الملك. قال ويجوز في العادة أن يبعث ملكا روحانيا من جملة خواصه، ويلقي عليه اسمه، ويقول: هذا هو رسولي، ومكانه فيكم مكاني، وقوله قولي، وأمره أمري، وظهوره عليكم ظهوري، كذلك يكون حال ذلك الملك.
وقيل إن أرنوس حيث قال في المسيح إنه هو الله، وإنه صفوة العالم أخذ قوله من هؤلاء، وكانوا قبل أرنوس بأربعمائة سنة، وهم أصحاب زهد وتقشف.
وقيل صاحب هذه المقالة هو بنيامين النهاوندي، قرر لهم هذا المذهب وأعلمهم أن الآيات المتشابهات في التوراة كلها مؤولة، وأنه تعالى لا يوصف بأوصاف البشر،
стр. 259
ولا يشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وأن المراد بهذه الكلمات الواردة في التوراة ذلك الملك المعظم.
وهذا كما يحمل في القرآن المجيء، والإتيان، على إتيان ملك من الملائكة، وهو كما قال تعالى في حق مريم ﵍ ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ ١، وفي موضع آخر ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ ٢، وإنما النافخ جبريل ﵇ حين تمثل لها بشرا٣ سويا، ليهب لها غلاما زكيا.
стр. 260
٤- السامرة:
هؤلاء قوم يسكنون جبال بيت المقدس، وقرايا من أعمال مصر، ويتقشفون في الطهارة أكثر من تقشف سائر اليهود، أثبتوا نبوة موسى، وهارون، ويوشع بن نون ﵈، وأنكروا نبوة من بعدهم من الأنبياء إلا نبيا واحدا، وقالوا: التوراة ما بشرت إلا بنبي واحد يأتي من بعد موسى، يصدق ما بين يديه من التوراة، ويحكم بحكمها، ولا يخالفها ألبتة.
وظهر في السامرة رجل يقال له الألفان، ادعى النبوة وزعم أنه هو الذي بشر به موسى ﵇، وأنه هو الكوكب الدري الذي ورد في التوراة أنه يضيء ضوء القمر، وكان ظهوره قبل المسيح ﵇ بقريب من مائة سنة.
وافترقت السامرة إلى دوستانيه وهم الألفانية، وإلى كوستانية. والدوستانية معناها الفرقة المتفرقة الكاذبة. والكوستانية معناها الجماعة الصادقة. وهم يقرون بالآخرة،
стр. 261
والثواب والعقاب فيها. والدوستانية تزعم أن الثواب والعقاب في الدنيا. وبين الفريقين اختلاف في الأحكام والشرائع.
وقبلة السامرة جبل يقال له غريزيم بين بيت المقدس ونابلس. قالوا إن الله تعالى أمر داود أن يبني بيت المقدس بجبل نابلس وهو الطور الذي كلم الله عليه موسى ﵇، فتحول داود إلى إيلياء وبنى البيت ثمة، وخالف الأمر فظلم، والسامرة توجهوا إلى تلك القبلة دون سائر اليهود. ولغتهم غير لغة اليهود، وزعموا أن التوراة كانت بلسانهم وهي قريبة من العبرانية فنقلت إلى السريانية.
فهذه أربع فرق هم الكبار. وانشعبت منهم الفرق إلى إحدى وسبعين فرقة.
وهم بأسرهم أجمعوا على أن في التوراة بشارة بواحد بعد موسى، وإنما افتراقهم. إما في تعيين ذلك الواحد، أو في الزيادة على ذلك الواحد، وذكر المشيحا وآثاره ظاهر في الأسفار، وخروج واحد من آخر الزمان هو الكوكب المضيء الذي تشرق الأرض بنوره أيضا متفق عليه، واليهود على انتظاره، والسبت يوم ذلك الرجل، وهو يوم الاستواء بعد الخلق.
وقد اجتمعت اليهود عن آخرهم على أن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض استوى على عرشه مستلقيا على قفاه واضعا إحدى رجليه على الأخرى.
وقالت فرقة منهم إن ستة الأيام التي خلق الله تعالى فيها السموات والأرض هي ستة آلاف سنة. فإن يوما عند الله كألف سنة مما تعدون بالسير القمري، وذلك هو ما مضى من لدن آدم ﵇ إلى يومنا هذا، وبه يتم الخلق.
ثم إذا بلغ الخلق إلى النهاية ابتدأ الأمر، ومن ابتداء الأمر يكون الاستواء على العرش، والفراغ من الخلق، وليس ذلك أمرا كان، ومضى، بل هو في المستقبل، إذا عددنا الأيام بالألوف.
стр. 262
الفصل الثاني: النصارى
مدخل
...
الفصل الثاني: النصارى
النصارى أمة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ﵇. وهو المبعوث حقا بعد موسى ﵇، المبشر به في التوراة. وكانت له آيات ظاهرة، وبينات زاهرة، ودلائل باهرة، مثل إحياء الموتى، وإبراء الأكمه١، والأبرص، ونفس وجوده وفطرته آية كاملة على صدقه. وذلك حصوله من غير نطفة سابقا، ونطقه البين من غير تعليم سالف. وجميع الأنبياء بلاغ وحيهم أربعون سنة وقد أوحى الله تعالى إليه إنطاقا في المهد، وأوحى إليه إبلاغا عند الثلاثين. وكانت مدة دعوته ثلاث سنين، وثلاثة أشهر، وثلاثة أيام.
فلما رفع إلى السماء اختلف الحواريون وغيرهم فيه، وإنما اختلافاتهم تعود إلى أمرين:
أحدهما: كيفية نزوله واتصاله بأمه، وتجسد الكلمة.
والثاني كيفية صعوده، واتصاله بالملائكة، وتوحد الكلمة.
أما الأول فإنهم قضوا بتجسد الكلمة، ولهم في كيفية الاتحاد والتجسد كلام:
فمنهم من قال: أشرق على الجسد إشراق النور على الجسم المشف. ومنهم من قال: انطبع فيهم انطباع النقش في الشمع. ومنهم من قال: ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني. ومنهم من قال: تدرع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من قال: مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء، والماء اللبن.
وأثبتوا لله تعالى أقانيم٢ ثلاثة. قالوا الباري تعالى جوهر واحد، يعنون به القائم
стр. 263
بالنفس، لا التحيز والحجمية. فهو واحد بالجوهرية، ثلاثة بالأقنومية، ويعنون بالأقانيم الصفات كالوجود والحياة والعلم. وسموها الأب والابن، وروح القدس، وإنما العلم تدرع وتجسد دون سائر الأقانيم.
وقالوا في الصعود إنه قتل وصلب، قتله اليهود حسدا وبغيا، وإنكارا لنبوته ودرجته. ولكن القتل ما ورد على الجزء اللاهوتي، وإنما ورد على الجزء الناسوتي. قالوا: وكمال الشخص الإنساني في ثلاثة أشياء: نبوة، وإمامة، وملكة. وغيره من الأنبياء كانوا موصوفين بهذه الصفات الثلاث، أو ببعضها، والمسيح ﵇ درجته فوق ذلك لأنه الابن الوحيد فلا نظير له، ولا قياس له إلى غيره من الأنبياء، وهو الذي به غفرت زلة آدم ﵇، وهو الذي يحاسب الخلق.
ولهم في النزول اختلاف. فمنهم من يقول: ينزل قبل يوم القيامة كما قال أهل الإسلام، ومنهم من يقول لا نزول له إلا يوم الحساب. وهو بعد أن قتل وصلب، نزل ورأى شخصه شمعون الصفا، وكلمه وأوصى إليه، ثم فارق الدنيا وصعد إلى السماء. فكان وصيه شمعون الصفا وهو أفضل الحواريين علما وزهدا وأدبا. غير أن فولوس شوش أمره، وصير نفسه شريكا له، وغير أوضاع كلامه، وخلطه بكلام الفلاسفة ووساوس خاطره.
ورأيت رسالة فولوس التي كتبها إلى اليونانيين أنكم تظنون أن مكان عيسى ﵇ كمكان سائر الأنبياء وليس كذلك. بل إنما مثله مثل "ملكيزداق" وهو ملك السلام الذي كان إبراهيم ﵇ يعطى إليه العشور، وكان يبارك على إبراهيم ويمسح رأسه. ومن العجب أنه نقل في الأناجيل أن الرب تعالى قال: إنك أنت الابن الوحيد، ومن كان وحيدا كيف يمثل بواحد من البشر؟
ثم أن أربعة من الحواريين اجتمعوا وجمع كل واحد منهم جمعا سماه الإنجيل. وهم متى، ولوقا، ومرقس، ويوحنا. وخاتمة إنجيل متى أنه قال: إني أرسلكم إلى الأمم كما أرسلني أبي إليكم. فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب، والابن، وروح القدس.
стр. 264
وفاتحة إنجيل يوحنا: على القديم الأزلي قد كانت الكلمة، وهو ذا الكلمة كانت عند الله، والله هو كان الكلمة، وكل كان بيده.
ثم افترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبار فرقهم ثلاثة الملكانية والنسطورية، واليعقوبية. وانشعبت منها: الإليانية، والبليارسية، والمقدانوسية، والسبالية، والبوطنوسية، والبولية إلى سائر الفرق.
стр. 265
١- الملكانية:
أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها. ومعظم الروم ملكانية. قالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته. ويعنون بالكلمة: أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس أقنوم الحياة، ولا يسمون العلم قبل تدرعه ابنا، بل المسيح مع ما تدرع به ابن، فقال بعضهم إن الكلمة مازجت جسد المسيح، كما يمازج الخمر أو الماء اللبن.
وصرحت الملكانية بأن الجوهر غير الأقانيم، وذلك كالموصوف والصفة وعن هذا صرحوا بإثبات التثليث وأخبر عنهم القرآن ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ ١. وقالت الملكانية: إن المسيح ناسوت٢ كلي، لا جزئي، وهو قديم أزلي، من قديم أزلي، وقد ولدت مريم ﵍ إلها أزليا، والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت٣ معا. وأطلقوا لفظ الأبوة والبنوة على الله وعلى المسيح لما وجدوا في الإنجيل حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد، وحيث قال له شمعون الصفا إنك ابن الله حقا.
ولعل ذلك من مجاز اللغة، كما يقال لطلاب الدنيا: أبناء الدنيا، ولطلاب الآخرة: أبناء الآخرة، وقد قال المسيح ﵇ للحواريين "أنا أقول لكم: أحبوا أعداءكم
стр. 266
وباركوا على لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء، الذي تشرق شمسه على الصالحين والفجرة، وينزل قطره على الأبرار والأئمة، وتكونا تامين كما أن أباكم الذي في السماء تام". وقال "انظروا صدقاتكم فلا تعطوها قدام الناس لتراءوهم فلا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السماء". وقال حين كان يصلب "أذهب إلى أبي وأبيكم".
ولما قال أريوس: القديم هو الله، والمسيح هو مخلوق، اجتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة في بلد قسطنطينية بمحضر من ملكهم، وكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا، واتفقوا على هذه الكلمة اعتقادا، ودعوة، وذلك قولهم:
"نؤمن بالله الواحد الآب١ مالك كل شيء، وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن الواحد يسوع المسيح، ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء من أجلنا، ومن أجل معشر الناس. ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا، وحبل به، وولد من مريم البتول، وقتل وصلب أيام فيلاطوس ودفن، ثم قام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق الذي يخرج من أبيه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قدسية مسيحية جاثليقية، وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة أبد الآبدين".
هذا هو الاتفاق الأول على هذه الكلمات، وفيه إشارة إلى حشر الأبدان.
وفي النصارى من قال بحشر الارواح دون الأبدان، وقال إن عاقبة الأشرار في القيامة غم، وحزن الجهل. وعاقبة الأخيار: سرور وفرح العلم. وأنكروا أن يكون في الجنة نكاح وأكل، وشرب.
وقال مار إسحاق منهم: إن الله تعالى وعد المطيعين، وتوعد العاصين. ولا يجوز أن
стр. 267
يخلف الوعد لأنه لا يليق بالكريم، ولكن يخلف الوعيد، فلا يعذب العصاة، ويرجع الخلق إلى سرور وسعادة ونعيم. وعمم في الكل، إذ العقاب الأبدي لا يليق بالجواد الحق تعالى.
стр. 268
٢- النسطورية:
أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه. وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة. قال: إن الله تعالى واحد، ذو أقانيم ثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة. وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو. واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇، لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة. وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.
وأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم: أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يثبت خواص مختلفة لشيء واحد، ويعني بقوله: واحد، يعني الإله. قال هو واحد بالجوهر، أي ليس هو مركبا من جنسين بل هو بسيط وواحد. ويعنى بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي أصلين مبدأين للعالم. ثم فسر العلم بالنطق، والكلمة. ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودا، حيا، ناطقا كما تقول الفلاسفة في حد الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان لكونه جوهرا مركبا، وهو جوهر بسيط غير مركب.
وبعضهم يثبت لله تعالى صفات أخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما. ولم يجعلوها أقانيم كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين.
ومنهم من أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة: حي، ناطق، إله. وزعم الباقون أن اسم الإله لا يطلق على كل واحد من الأقانيم.
وزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الآب، وإنما تجسد واتحد بجسد المسيح حين ولد.
стр. 269
والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتحدا، وهما جوهران، أقنومان، طبيعتان: جوهر قديم، وجوهر محدث، إله تام، وإنسان تام. ولم يبطل الاتحاد قدم القديم، ولا حدوث المحدث، لكنهما صارا مسيحا واحدا، طبيعة واحدة. وربما بدلوا العبارة، فوضعوا مكان الجوهر: الطبيعة، ومكان الأقنوم: الشخص.
وأما قولهم في: القتل، والصلب فيخالف قول الملكانية واليعقوبية. قالوا: إن القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته، لا من جهة لاهوته، لأن الإله لا تحله الآلام.
وبوطينوس، وبولس الشمشاطي يقولان: إن الإله واحد، وإن المسيح ابتدأ من مريم ﵍، وإنه عبد صالح مخلوق، إلا أن الله تعالى شرفه وكرمه لطاعته وسماه ابنا على التبني، لا على الولادة والاتحاد.
ومن النسطورية قوم يقال لهم المصلين، قالوا في المسيح مثل ما قال نسطور، إلا أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة، وترك التغذي باللحم، والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية: تصفى جوهره حتى يبلغ ملكوت السماوات، ويرى الله تعالى جهرة وينكشف له ما في الغيب فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ومن النسطورية من ينفي التشبيه، ويثبت القول بالقدر، خيره وشره من العبد كما قالت القدرية.
стр. 270
٣- اليعقوبية:
أصحاب يعقوب: قالوا بالأقانيم الثلاثة كما ذكرنا، إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحما ودما، فصار الإله هو المسيح. وهو الظاهر بجسده، بل هو هو.
وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١.
стр. 271
فمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى.
ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار ناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو، وهذا كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان، أو ظهر الشيطان بصورة حيوان، وكما أخبر التنزيل عن جبريل ﵇: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ١.
وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد. أقنوم واحد، إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا طبيعة واحدة من طبيعتين، فجوهر الإله القديم، وجوهر الإنسان المحدث تركبا تركيبا كما تركبت النفس والبدن فصارا جوهرا واحدا، أقنوما واحدا، وهو إنسان كله وإله كله، فيقال: الإنسان صار إلها، ولا ينعكس فلا يقال: الإله صار إنسانا. كالفحمة تطرح في النار فيقال: صارت الفحمة نارا، ولا يقال: صارت النار فحمة، وهي في الحقيقة لا نار مطلقة، ولا فحمة مطلقة، بل هي جمرة. وزعموا أن الكلمة اتحدت بالإنسان الجزئي لا الكلي. وربما عبروا عن الاتحاد بالامتزاج، والادراع٢، والحلول كحلول صورة الإنسان في المرآة المجلوة.
وأجمع أصحاب التثليث كلهم على أن القديم لا يجوز أن يتحد بالمحدث، إلا أن الأقنوم الثاني الذي هو الكلمة اتحدت دون سائر الأقانيم.
وأجمعوا كلهم على أن المسيح ﵇ ولد من مريم ﵍، وقتل وصلب.
ثم اختلفوا في كيفية ذلك، فقالت الملكانية واليعقوبية: إن الذي ولد من مريم هو الإله: فالملكانية لما اعتقدت أن المسيح ناسوت كلي أزلي، قالوا: إن مريم إنسان جزئي، والجزئي لا يلد الكلي، وإنما ولده الأقنوم القديم، واليعقوبية لما اعتقدت أن
стр. 272
المسيح هو جوهر من جوهرين، وهو إله، وهو المولود، قالوا: إن مريم ولدت إلها، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وكذلك قالوا في القتل والصلب: إنه وقع على الجوهر الذي هو من جوهرين، قالوا: ولو وقع على أحدهما لبطل الاتحاد.
وزعم بعضهم: أنا نثبت وجهين للجوهر القديم: فالمسيح قديم من وجه، محدث من وجه.
وزعم قوم من اليعقوبية أن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا، لكنها مرت بها كالماء بالميزاب١، وما ظهر بها من شخص المسيح في الأعين، فهو كالخيال، والصورة في المرآة، وإلا فما كان جسما متجسما كثيفا في الحقيقة. وكذلك القتل والصلب إنما وقع على الخيال والحسبان، وهؤلاء يقال لهم: الإليانية. وهم قوم بالشام، واليمن، وأرمينية، قالوا: وإنما صلب الإله من أجلنا، حتى يخلصنا. وزعم بعضهم أن الكلمة كانت تداخل جسم المسيح ﵇ أحيانا، فتصدر عنه الآيات: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، وتفارقه في بعض الأوقات، فترد عليه الآلام والأوجاع.
ومنهم بليارس وأصحابه، حكى عنه أنه كان يقول: إذا صار الناس إلى الملكوت الأعلى: أكلوا ألف سنة، وشربوا، وناكحوا، ثم صاروا إلى النعم التي وعدهم آريوس؛ وكلها لذة، وراحة، وسرور، وحبور، لا أكل فيها ولا شرب، ولا نكاح.
وزعم مقدانيوس أن الجوهر القديم أقنومان فحسب: آب، وابن، والروح.
وزعم سباليوس أن القديم جوهر واحد، أقنوم واحد، له ثلاث خواص، واتحد بكليته بجسد عيسى ابن مريم ﵉.
وزعم آريوس: أن الله واحد، سماه أبا. وأن المسيح كلمة الله وابنه على طريق الاصطفاء، وهو مخلوق قبل خلق العالم، وهو خالق الأشياء. وزعم: أن لله تعالى روحا
стр. 273
مخلوقة أكبر من سائر الأرواح، وأنها واسطة بين الآب والابن، تؤدي إليه الوحي. وزعم أن المسيح ابتدأ جوهرا، لطيفا، روحانيا، خالصا، غير مركب، ولا ممزوج بشيء من الطبائع الأربع، وإنما تدرع بالطبائع الأربع عند الاتحاد بالجسم المأخوذ من مريم.
وهذا آريوس قبل الفرق الثلاث، فتبرءوا منه لمخالفتهم إياه في المذهب.
стр. 274
الباب الثالث: من له شبهة كتاب
مدخل
...
الباب الثالث: من له شبهة كتاب
"أ" قد بينا كيفية تحقيق الكتاب، وميزنا بين حقيقة الكتاب وشبهة الكتاب، وأن الصحف التي كانت لإبراهيم ﵇ كانت شبهة كتاب، وفيها مناهج علمية، ومسالك عملية.
أما العلميات، فتقرير كيفية الخلق والإبداع، وتسوية المخلوقات على سنة نظام وقوام تحصل منها حكمته الأزلية، وتنفذ فيها مشيئته السرمدية١، ثم تقرير التقدير والهداية عليها، ليتقدر كل نوع وصنف بقدره المحكوم والمحتوم، ويقبل هدايته السارية في العالم بقدر استعداده المعلوم. والعلم كل العلم لا يعدو هذين النوعين، وذلك قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٢، وقال خبرا عن إبراهيم ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ٣، وخبرا عن موسى ﵇: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ٤.
وأما العمليات، فتزكية النفوس عن درن الشبهات، وذكر الله تعالى بإقامة العبادات، ورفض الشهوات الدنيوية، وإيثار السعادات الأخروية، ولن يحصل البلوغ إلى كمال المعاد إلا بإقامة هذين الركنين، أعني: الطهارة، والشهادة.
والعمل كل العمل
стр. 275
لا يعدو هذين النوعين، وذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
ثم قال من قائل: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٢ فبين أن الذي اشتملت عليه الصحف هو الذي اشتملت عليه هذه الصورة.
وبالحقيقة هذا هو الإعجاز الحقيقي.
"ب" المجوس، وأصحاب الاثنين، والمانوية، وسائر فرقهم:
المجوسية: يقال لها الدين الأكبر، والملة العظمى، إذ كانت دعوة الأنبياء ﵈ بعد إبراهيم الخليل ﵇ لم تكن في العموم كالدعوة الخليلية، ولم يثبت لها من القوة والشوكة، والملك، والسيف، مثل الملة الحنيفية، إذ كانت ملوك العجم كلها على ملة إبراهيم ﵇، وجميع من كان في زمان كل واحد منهم من الرعايا في البلاد على أديان ملوكهم، وكان لملوكهم مرجع هو "موبذ موبذان" يعني أعلم العلماء، وأقدم الحكماء، يصدرون عن أمره، ولا يخالفونه، ولا يرجعون إلا إلى رأيه، ويعظمونه تعظيم السلاطين لخلفاء الوقت.
وكانت دعوة بني إسرائيل أكثرها في بلاد الشام وما وراءها من المغرب، وقل ما سرى من ذلك إلى بلاد العجم.
وكانت الفرق في زمان إبراهيم الخليل ﵇ راجعة إلى صنفين اثنين أحدهما: الصابئة والثاني الحنفاء٣.
فالصابئة:
كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى، ومعرفة طاعته، وأوامره، وأحكامه إلى متوسط، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا، وذلك لزكاء الروحانيات، وطهارتها، وقربها من رب الأرباب. والجسماني بشر مثلنا: يأكل مما نأكل، ويشرب
стр. 276
مما نشرب، يماثلنا في المادة والصورة، قالوا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١.
والحنفاء:
كانت تقول: إنا نحتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في الطهارة، والعصمة، والتأييد، والحكمة فوق الروحانيات يماثلنا من حيث البشرية، ويمايزنا من حيث الروحانية، فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقى إلى نوع الإنسان بطرف البشرية، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢، وقال عز ذكره: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٣.
ثم لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة، والتقرب إليها بأعيانها، والتلقي عنها بذواتها، فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السيارات السبع، وبعض الثوابت. فصابئة النبط والفرس والروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند: مفزعها الثوابت.
وسنذكر مذاهبهم على التفصيل، على قدر الإمكان، بتوفيق الله تعالى. وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تغني عنهم شيئا.
والفرقة الأولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة الأصنام.
ولما كان الخليل ﵇ مكلفا بكسر المذهبين على الفرقتين، وتقرير الحنيفية السمحة السهلة، احتج على عبدة الأصنام قولا، وفعلا, كسرا من حيث القول، وكسرا من حيث الفعل فقال لأبيه آزر: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ٤ الآيات حتى ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ٥ وذلك إلزام من
стр. 277
حيث الفعل، وإفحام من حيث الكسر. ففرغ من ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
وابتدأ بإبطال مذاهب عبدة الكواكب على صيغة الموافقة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٢ أي كما آتيناه الحجة كذلك نريه المحجة، فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساق الموافقة في المبدأ، والمخالفة في النهاية، ليكون الإلزام أبلغ، والإفحام أقوى، وإلا فإبراهيم الخليل ﵇ لم يكن في قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ٣ مشركا، كما لم يكن في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ٤ كاذبا. وسوق الكلام من جهة الإلزام، غير سوقه على جهة الالتزام. فلما أظهر الحجة وبين المحجة، قرر الحنيفية التي هي الملة الكبرى، والشريعة العظمى، وذلك هو الدين القيم.
وكان الانبياء من أولاده كلهم يقررون الحنيفية، وبالخصوص صاحب شرعنا محمد صلوات الله عليه، كان في تقريرها قد بلغ النهاية القصوى، وأصاب المرمى وأصمى٥. ومن العجب أن التوحيد من أخص أركان الحنيفية، ولهذا يقترن نفي الشرك بكل موضع ذكر الحنيفية: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٦ - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ٧.
ثم إن التثنية اختصت بالمجوس، حتى أثبتوا أصلين اثنين، مدبرين قديمين؛ يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما: النور والآخر الظلمة. وبالفارسية: يزدان وأهرمن. ولهم في ذلك تفصيل مذهب.
ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين:
إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة.
والثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج مبدأ، والخلاص معادا.
стр. 278
الفصل الأول: المجوس
مدخل
...
الفصل الأول: المجوس
أثبتوا أصلين كما ذكرنا، إلا أن المجوس الأصلية زعموا أن الأصلين لا يجوز أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي، والظلمة محدثة.
ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها: أمن النور حدثت؟ والنور لا يحدث شرا جزئيا، فكيف يحدث أصل الشر؟ أم من شيء آخر؟ ولا شيء يشرك النور في الإحداث والقدم؟. وبهذا يظهر خبط المجوس.
وهؤلاء يقولون: المبدأ الأول من الأشخاص: كيومرث، وربما يقولون زروان الكبير، والنبي الثاني: زردشت.
والكيومرثية يقولون: كيومرث هو آدم ﵇، وتفسير كيومرث هو: الحي الناطق. وقد ورد في تواريخ الهند والعجم أن كيومرث هو آدم ﵇، ويخالفهم سائر أصحاب التواريخ.
стр. 279
١- الكيومرثية:
أصحاب المقدم الأول كيومرث. أثبتوا أصلين: يزدان، وأهرمن، وقالوا: يزدان أزلي قديم، وأهرمن محدث مخلوق، وقالوا: إن سبب خلق أهرمن أن يزدان فكر في نفسه: أنه لو كان لي منازع كيف يكون؟ وهذه الفكرة كانت رديئة غير مناسبة لطبيعة النور، فحدث الظلام من هذه الفكرة، وسمى: أهرمن، وكان مطبوعا على الشر، والفتنة، والفساد، والفسق، والضرر، والإضرار، فخرج على النور، وخالفه طبيعة وفعلا، وجرت محاربة بين عسكر النور وعسكر الظلمة. ثم إن الملائكة توسطوا
стр. 280
فصالحوا على أن يكون العالم السفلي خالصا لأهرمن سبعة آلاف سنة. ثم يخلي العالم ويسلمه إلى النور، والذين كانوا في الدنيا قبل الصلح أبادهم وأهلكهم. ثم بدأ برجل يقال له: كيومرث، وحيوان يقال له ثور فقتلهما. فنبت من مسقط ذلك الرجل ريباس، وخرج من أصل ريباس: رجل يسمى "ميشة"، وامراة تسمى: "ميشانة"؛ وهما أبوا البشر، ونبت من مسقط الثور: الأنعام، وسائر الحيوانات.
وزعموا أن النور خير الناس، وهم أرواح بلا أجساد، بين أن يرفعهم عن مواضع أهرمن، وبين أن يلبسهم الأجساد فيحاربون أهرمن. فاختاروا لبس الأجساد، ومحاربة أهرمن؛ على أن تكون لهم النصرة من عند النور، والظفر بجنود أهرمن، وحسن العاقبة. وعند الظفر به وإهلاك جنوده تكون القيامة.
فذاك سبب الامتزاج، وهذا سبب الخلاص.
стр. 281
٢- الزروانية:
قالوا: إن النور أبدع أشخاصا من نور، كلها روحانية، نورانية، ربانية، ولكن الشخص الأعظم اسمه زروان شك في شيء من الأشياء، فحدث أهرمن الشيطان، يعني إبليس من ذلك الشك.
وقال بعضهم لا، بل إن زروان الكبير قام فزمزم١ تسعة آلاف وتسعمائة وتسعا وتسعين سنة، ليكون له ابن فلم يكن. ثم حدث نفسه وفكر، وقال: لعل هذا العلم ليس بشيء فحدث أهرمن من ذلك الهم الواحد، وحدث هرمز من ذلك العلم، فكانا جميعا في بطن واحد. وكان هرمز أقرب من باب الخروج، فاحتال أهرمن الشيطان حتى شق بطن أمه فخرج قبله وأخذ الدنيا.
وقيل: إنه لما مثل بين يدي زروان فأبصره ورأى ما فيه، من الخبث، والشرارة٢، والفساد: أبغضه، ولعنه، وطرده، فمضى واستولى على الدنيا. وأما هرمز فبقي زمانا لا يدله
стр. 282
عليه، وهو الذي اتخذه قوم ربا وعبدوه، لما وجدوا فيه من الخير، والطهارة، والصلاح، وحسن الأخلاق.
وزعم بعض الزروانية أنه لم يزل -كان- مع الله شيء رديء: إما فكرة رديئة، وإما عفونة رديئة، وذلك هو مصدر الشيطان.
وزعموا، أن الدنيا كانت سليمة من الشرور، والآفات، والفتن، وكان أهلها في خير محض، ونعيم خالص، فلما حدث أهرمن حدثت الشرور والآفات والفتن والمحن. وكان بمعزل عن السماء، فاحتال حتى خرق السماء، وصعد.
وقال بعضهم: كان هو في السماء، والأرض خالية عنه، فاحتال حتى خرق السماء، ونزل إلى الأرض بجنوده كلها فهرب النور بملائكته واتبعه الشيطان حتى حاصره في جنته، وحاربه ثلاثة آلاف سنة، لا يصل الشيطان إلى الرب تعالى، ثم توسط الملائكة، وتصالحا على أن يكون إبليس وجنوده في قرار الأرض تسعة آلاف سنة، بالثلاثة آلاف التي قاتله فيها، ثم يخرج إلى موضعه. ورأى الرب تعالى عن قولهم الصلاح في احتمال المكروه من إبليس وجنوده، وأن لا ينقض الشرط حتى تنقضي المدة المضروبة للصلح. فالناس في البلايا، والفتن، والخزايا، والمحن إلى انقضاء المدة. ثم يعودون إلى النعيم الأول. وشرط إبليس عليه أن يمكنه من أشياء يفعلها، ويطلقه في أفعال رديئة يباشرها. فلما فرغا من الشرط أشهد عليهما عدلين، ودفعا سيفهما إليهما، وقالا لهما: من نكث فاقتلاه بهذا السيف.
ولست أظن عاقلا يعتقد هذا الرأي القائل، ويرى هذا الاعتقاد المضمحل الباطل، ولعله كان رمزا إلى ما يتصور في العقل. ومن عرف الله بجلاله وكبريائه لم يسمح بهذه الترهات١ عقله، ولم يسمع مثل هذه الترهات سمعه.
وأقرب من هذا ما حكاه أبو حامد الزوزني: أن المجوس زعمت أن إبليس كان لم يزل في الظلمة والجو خلاء بمعزل عن سلطان الله ثم لم يزل يزحف، ويقرب بحيله، حتى رأى
стр. 283
النور، فوثب وثبة، فصار في سلطان الله في النور، وأدخل معه هذه الآفات والشرور، فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة له فوقع فيها، وصار متعلقا بها لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه، فهو محبوس في هذا العالم، مضرب في الحبس، يرمى بالآفات والمحن والفتن إلى خلق الله تعالى، فمن أحياه الله رماه بالموت، ومن أصحه رماه بالسقم، ومن سره رماه بالحزن. فلا يزال كذلك إلى يوم القيامة، وفي كل يوم ينقص سلطانه حتى لا تبقى له قوة. فإذا كانت القيامة ذهب سلطانه، وخمدت نيرانه، وزالت قوته، واضمحلت قدرته فيطرحه في الجو، والجو ظلمة ليس لها حد ولا منتهى. ثم يجمع الله تعالى أهل الأديان، فيحاسبهم، ويجازيهم على طاعة الشيطان وعصيانه.
وأما المسخية، فقالت إن النور كان وحده نورا محضا، ثم انمسخ بعضه فصار ظلمة. وكذلك الخرمدينية قالوا بأصلين، ولهم ميل إلى التناسخ، والحلول، وهم لا يقولون: بأحكام، وحلال، وحرام.
ولقد كان في كل أمة من الأمم قوم، مثل الإباحية، والمزدكية، والزنادقة، والقرامطة كان تشويش ذلك الدين منهم، وفتنة الناس مقصورة عليهم.
стр. 284
الزردشتية
...
٣- الزرداشتية:
أولئك هم أصحاب زرددشت بن بورشب، الذي ظهر في زمان كشتاسب بن لهراست الملك، وأبوه كان من أذربيجان، وأمه من الري واسمها: دغدوية.
زعموا أن لهم أنبياء وملوكا: أو لهم كيومرث. وكان أول من ملك الأرض، وكان مقامه بإصطخر. وبعده أو شهنك بن فراوك، ونزل أرض الهند، وكانت له دعوة ثمة. وبعده طمهورث، وظهرت الصابئة في أول سنة من ملكه. وبعده أخوه جم الملك. ثم بعده أنبياء وملوك، منهم منوجهر، ونزل بابل وأقام بها. وزعموا أن موسى ﵇ ظهر في زمانه, حتى انتهى الملك إلى كشتاسب بن لهراسب، وظهر في زمانه زردشت الحكيم.
стр. 285
وزعموا أن الله خلق, من وقت ما في الصحف الأولى, والكتاب الأعلى من ملكوته خلقا روحانيا، فلما مضت ثلاثة آلاف سنة أنفذ مشيئته في صورة من نور متلألئ، على تركيب صورة الإنسان، وأحف١ به سبعين من الملائكة المكرمين, وخلق الشمس، والقمر، والكواكب، والارض، وبني آدم، غير متحركة ثلاثة آلاف سنة. ثم جعل روح زردشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين وأحف بها سبعين من الملائكة المكرمين، وغرسها في قلة جبل من جبال أذربيجان يعرف باسمو يذخر، ثم مازج شبح زردشت بلبن بقرة، فشربه أبو زردشت، فصار نطفة، ثم مضغة في رحم أمه، فقصدها الشيطان وعيرها، فسمعت أمه نداء من السماء فيه دلالة على برئها، فبرئت. ثم لما ولد ضحك ضحكة تبينها من حضر، فاحتالوا على زردشت حتى وضعوه بين مدرجة البقر ومدرجة الخيل ومدرجة الذئب، فكان ينهض كل واحد منهم لحمايته من جنسه. ونشأ بعد ذلك إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فبعثه الله تعالى نبيا، ورسولا إلى الخلق. فدعا كشتاسب الملك، فأجابه إلى دينه. وكان دينه: عبادة الله، والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الخبائث.
وقال: النور والظلمة أصلان متضادان، وكذلك يزدان وأهرمن، وهما مبدأ موجودات العالم, وحصلت التراكيب من امتزاجهما، وحدثت الصور من التراكيب المختلفة. والباري تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما، وهو لا شريك له ولا ضد، ولا ند، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة، كما قالت الزروانية. لكن الخير والشر، والصلاح والفساد، والطهارة والخبث إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم يمتزجا لما كان وجود العالم. وهما يتقاومان، ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة، والخير الشر، ثم يتخلص الخير إلى عالمه، والشر ينحط إلى عالمه، وذلك هو سبب الخلاص، والباري تعالى هو الذي مزجهما وخلطهما، لحكمة رآها في التراكيب. وربما جعل النور أصلا، وقال وجوده وجود حقيقي، وأما الظلمة فتبع، كالظل بالنسبة إلى الشخص، فإنه يرى أنه موجود، وليس بموجود حقيقة، فأبدع النور، وحصل الظلام تبعا، لأن